← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2008–2047 · переход к 2013.

стр. 2008

وقد روَى محمدُ بنُ الحسنِ في "السِّيَرِ" (١)، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حنيفةَ، أنَّ المرْتَدَّ يُعْرَضُ عليه الإسلامُ، فإنْ أسْلَم، وإلَّا قُتِل مَكانَه إلَّا أن يَطْلُبَ أن يُؤَجَّلَ، فإن طلَبَ ذلك أُجِّلَ ثلاثةَ أيَّام. والزَّنْدِيقُ عندَهم والمرْتَدُّ سَواءٌ، إلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ لما رَأى ما يَصْنَعُ الزَّنادِقَةُ، وأنَّهم يَعُودُونَ بعدَ الاسْتِتابَةِ، قال: أرَى إذا أُتِيتُ بزِنْدِيقٍ، أمَرْتُ بضربِ عُنُقِه، ولا أسْتَتِيبُه، فإن تابَ قبلَ أن أقْتُلَه لَمْ أقْتُله، وخَلَّيْتُه (٢). وقال الليثُ بنُ سعدٍ وطائفةٌ معه: لا يُسْتَتابُ مَن وُلِد في الإسلام ثم ارْتَدَّ، إذا شُهِدَ عليه، ولكنَّه يُقْتَلُ، تاب مَن ذلك أو لم يَتُبْ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ العادِلَةُ. وقال الحَسَنُ: يُسْتَتابُ المرْتَدُّ مائةَ مَرَّةٍ. وقد رُوِي عنه أنَّه يُقْتَلُ دونَ اسْتِتابةٍ (٣). وذكَرَ سُحْنُونُ: أنَّ عبدَ العزيزِ بنَ أبي سَلَمَةَ كان يقولُ: يُقْتَلُ المرْتَدُّ ولا يُسْتَتابُ. ويَحْتَجُّ بحديثِ معاذٍ مع أبي موسى الأشْعَرِيِّ (٤). وقد ذكَرناه في آخِرِ هذا البابِ.

стр. 2009

قال أبو عُمر: ظاهِرُ هذا الحديثِ يَشْهَدُ لِما ذهَبَ إليه الليثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ أبي سلمةَ (١)، إلَّا أنَّه عَمَّ كلَّ مَن بَدَّلَ دِينَه، سواءٌ وُلِد في الإسلام أو لَمْ يُولَدْ، والحديثُ عندِي فيه مُضْمَرٌ، وذلك لِما صنَعَه الصحابَةُ ﵃ مِن الاسْتِتابَةِ؛ لأنَّهم لَمْ يكونوا يجْهَلون مَعْنَى الحديثِ، فكأنَّ مَعْنَى الحديثِ، واللّهُ أعلمُ: مَن بَدَّل دِينَه فاقْتُلوه إن لَمْ يَتُبْ. وقال مالِكٌ ﵀ (٢): إنَّما عَنَى بهذا الحديثِ مَن خرَج مِن الإسلام إلى الكفرِ، وأمَّا مَن خرَجَ مِن اليَهُودِيَّةِ أو النَّصْرانِيَّةِ، أو مِن كفرٍ إلى كفرٍ، فلم يُعْنَ بهذا الحديثِ. وعلى قولِ مالِكٍ هذا جماعَةُ الفقهاءِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ ﵀ قال: إذا كان المبَدِّلُ لدِينِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، كان للإمام أن يُخْرِجَه مِن بَلَدِه ويُلْحِقَه بأرضِ الحرب، وجاز له اسْتِحلالُ مالِه مع أموالِ الحرْبيِّين إنْ غلَبَ على الدار؛ لأَنَّه إنَّما جعَلَ له الذِّمَّةَ على الدِّينِ الذي كان عليه في حينِ عقدِ العَهْدِ له. هكذا حكَاه المزَنيُّ وغيرُه مِن أصحابِه عنه، وهو المعروفُ مِن مَذْهَبِه (٣). وحكَى عنه محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الحَكَمِ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا خرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، كان للإمام قتلُه؛ بظاهِرِ الحديثِ. والمشْهُورُ عنه ما قَدَّمْنا ذِكْرَه مِن رِوايَةِ المزنيِّ والربيع وغيرِهما عنه. وقالت فِرْقَةٌ: إذا ارْتَدَّ اسْتُتِيب، فإنْ تاب قُبِل منه، ثم إنِ ارْتَدَّ فكذلك إلى الرابعةِ، ثم يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ. ورُوِي عن الحسنِ أنَّه يُقْتَلُ، إلَّا أن يتوبَ قبلَ أن يُرْفَعَ إلى الإمام، وإن لَمْ يَتُبْ حتى يَصِيرَ إلى الإمام قُتِل، وكانت تَوْبَتُه بينه وبينَ الله. جعَلَه حَدًّا مِن الحُدودِ، ولا يَسَعُ الإمامَ إلَّا أن يُقِيمَه (٤).

стр. 2010

واخْتَلَف الفقهاءُ أيضًا في المرْتَدُّةِ؛ فقال مالكٌ، والأوْزاعيُّ، وعثمانُ البتِّيُّ، والشافعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ كما يُقْتَلُ المرْتَدُّ سَواءٌ (١). وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ (٢). وحُجَّتُهم ظاهِرُ هذا الحديثِ؛ لأنَّه لَمْ يَخُصَّ ذكرًا مِن أُنْثَي، و"مَن" تَصْلُحُ للواحِدِ والاثْنَيْن والجمعِ، والذَّكَرِ والأُنْثَي، وقال: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مسلم إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ" (٣) فعَمَّ كلَّ مَن كَفَر بعدَ إيمانِه. وقال الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةً، وإليه ذهَبَ ابنُ عُلَيَّةَ. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: إن تَنَصَّرَتِ المسلمةُ فتَزَوَّجَها نصرانيٌّ، جاز (٤). وحُجَّةُ مَن قال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ: أنَّ ابنَ عباسٍ روَى هذا الحديث وقال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. ومَن روَى حديثًا كان أعْلَمَ بتَأْوِيلِه. وقولُ ابنِ عباسٍ في ذلك رواه الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، عن عاصِم، عن أبي رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ (٥). وروَى قتادةُ،

стр. 2011

عن خِلاسٍ، عن عليٍّ مثلَه (١). وهو قولُ الحَسَنِ وعَطَاءٍ (٢). ومِن حُجَّتِهم أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن قتِل النِّساءِ والوِلْدانِ (٣)، وأنَّ أبا بكرٍ ﵁ سَبَى نِساءَ أهلِ الرِّدَّةِ. وقالوا: مَعْنَى قوله ﷺ : "مَن بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلُوه. إنَّما هو على كلِّ مَن كان حُكمُه إذا قُدِر عليه القتلَ على كُفْرِه، والمرأةُ ليس حُكْمُها القَتْلَ على كُفْرِها، وإنَّما حُكْمُها السَّبْيُ والاسْتِرْقاقُ، فلا تَدْخُلُ في تَأْوِيلِ هذا الحديثِ؛ لِنَهْيِه ﷺ عن قتلِ النِّساءِ والوِلْدانِ، وسيَأْتي القولُ في هذا الحديثِ في مَوْضعِه مِن كِتابِنا هذا إن شاء اللهُ (٤). وروَى ابنُ المبارَكِ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ، في المرْتَدَّةِ، قال: تُقْتَلُ (٥). وقال قتادةُ: تُسْبَى؛ لأنَّ أبا بكرٍ قتَلَ أهلَ الرِّدَّةِ، وسَبَى نِساءَهم (٦). قال مَعْمَرٌ: كانت دارَ شِرْكٍ. أخبَرنا خَلَفُ بنُ القاسِمِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ عبدِ السلام، قال (٧): حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ محمدٍ الزهريُّ،

стр. 2012

قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ زكريا بنِ أبي زائِدَةَ، عن مُجَالِدِ بنِ سعيدٍ، عن عامِرٍ الشعبيِّ، قال: ارْتَدَّتْ بنو عامرٍ وقَتَلوا مَن كان فيهم مِن عُمَّالِ رسولِ الله ﷺ وحَرَّقوهم بالنَّارِ، فكَتَب أبو بكرٍ إلى خالِدٍ ﵄ أن يَقْتُلَ بني عامِرٍ ويُحَرِّقَهم بالنارِ (١). ولما ارْتَدَّ الفُجاءةُ -واسْمُه إياسُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ يالَيْل- بعَثَ إليه أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّام في ثلائينَ فارِسًا، وبَيَّتَه ليلًا، فأخَذَه فقَدِم به على أبي بكرٍ، فقال أبو بكرٍ: أخْرِجُوه إلى البَقِيعِ -يَعْني إلى المُصَلَّى- فأحْرِقُوه بالنارِ. فأخْرَجوه إلى المصَلَّى فأحْرَقُوه (٢). وزعَمَ بعضُ أهل السِّيَرِ أَنَّهُ رُفِعَ عليه أنَّه كانَ يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، ذكَرَ ذلك كلَّه يَعْقُوبُ بنُ محمدٍ الزُّهْرِيّ في كتابِ "الرِّدَّةِ". قال: وحدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِم، عن داودَ بنِ بَكْرٍ، عن محمدِ بنِ المنكدِرِ: أنَّ خالِدًا كتَبَ إلى أبي بكرٍ يَذْكُرُ أنَّه وجَدَ في بعضِ نَواحِي العَرَبِ رجلًا يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فاسْتَشار فيه أبو بكر، فكان عليَّ مِن أشَدِّهم فيه قولًا، فقال: إنَّ هذا ذَنْبٌ لَمْ تَعْصِ به أُمَّةٌ مِن الأُمَم إلَّا أُمَّةٌ واحدةٌ، صنَع اللّهُ بها ما قد عَلِمْتُم، أرَى أن تُحَرِّقُوه بالنارِ. فأجْمَع رَأْيُهم على ذلك، فكتَبَ أبو بكرٍ إلى خالِدٍ فحَرَّقَه (٣). قال: وحدَّثني مَعْنُ بنُ عيسي، عن معاويةَ بنِ صالِحٍ، عن عِيَاضٍ بنِ عبدِ الله، قال: لما اسْتَشارَهم أبو بكرٍ قالوا: نَرَى أنْ تَرْجُمَه. فقال عليٌّ: أرَى أن تُحَرِّقُوه، فإنَّ العَرَبَ تَأْنَفُ مِن المُثلةِ، ولا تَأْنَفُ مِن الحدودِ. فحَرَّقُوه.

стр. 2013

وذكَرَ موسى بنُ عُقْبَةَ، عن ابنِ شِهَابٍ، في رِدَّةِ أسَدٍ وغَطَفَانَ يومَ بُزَاخَةَ (١)، قال: فاقْتَتَلوا -يعني هم والمسلمون- قِتالًا شديدًا، وقتَل المسلمون مِن العَدُوِّ بَشَرًا كثيرًا، وأسَرُوا منهم أُسَارَي، فأمَرَ خالدٌ بالحظِيرَةِ أن تُبْنَي، ثم أوْقَد تحتَها نارًا عظيمةً، فألْقَى الأُسَارَى فيها. ورَوى شَيْبانُ، عن قَتادةَ، عن أَنَسٍ، قال: قاتَلَ أبو بكرٍ أهلَ الرِّدَّةِ، فقَتَل وسَبَى وحَرَّقَ. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ التَّرْمِذِيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قال (٢): حَدَّثَنَا سُفْيانُ، قال: حَدَّثَنَا أيُّوبُ (٣)، قال: حَدَّثَنَا عكرمةُ قال: لما بلَغَ ابنَ عبَّاسٍ أنَّ عليًّا أحْرَقَ المرْتَدِّينَ -يعنِي الزنادِقَةَ- قال: لو كنتُ أنا لقَتَلْتُهم؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "مَن بَدَّلَ دينَه فاقْتُلُوه". ولم أُحْرِقْهم؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "لا يَنْبَغِي أن يُعَذَّبَ بعذابِ الله". قال سفيانُ: فقال عَمَّارٌ الدُّهنيُّ -وكان في المجلِسِ؛ مَجْلِسِ عمرِو بنِ دِينَارٍ، وأيوبُ يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ-: إنَّ عليًّا لَمْ يُحَرِّقْهم بالنارِ، إنَّما حفَرَ لهم أسْرَابًا، فكان يُدَخِّنُ عليهم منها حتى قَتَلَهم، فقال عمرُو بنُ دِينَارٍ: أما سَمِعْتَ قائِلَهم وهو يقولُ:

стр. 2014

لتَرْمِ بيَ المنايا حيثُ شاءَتْ ... إذا لم تَرْمِ بي في الحُفْرَتَيْنِ إذا ما أوْقَدوا حَطَبًا ونارًا ... فذاك الموتُ نَقْدًا غيرَ دَيْنِ وروَى حامِدُ بنُ يحيي، عن سُفْيانَ، عن مِسْعَرٍ، عن عطاءِ بنِ أبي مَرْوانَ: أنَّ هذا الشِّعْرَ للنَّجَاشِيِّ (١)، قاله إذ لَحِق بمعاويةَ فارًّا في حينِ ضَرْبِ عليٍّ له في الخمرِ مئةَ جَلْدَةٍ. قال أبو عُمر: قد رُوِّينا مِن وُجُوهٍ أنَّ عليًّا إنَّما أحْرَقَهم بعدَ قَتْلِهم؛ ذكَرَ العُقيليُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. وذكَرَه أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ قال: حدَّثَني محمدُ بنُ حاتِم، قال: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا خارِجَةُ بنُ مُصْعَبٍ، عن سلَّام بنِ أبي القاسِم، عن عثمانَ بنِ أبي عثمانَ الأنصاريِّ، قال: جاء ناسٌ مِن الشِّيعَةِ إلى عليٍّ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، أنت هو. قال: مَن أنا؟ قالوا: أنت هو. قال: وَيْلَكم، مَن أنا؟ قالوا: أنت رَبُّنا. قال: وَيْلَكم، ارْجِعوا فتُوبُوا. فأبَوْا، فضَرَب أعْناقَهم، ثم قال: يا قَنْبَرُ، ائْتِني بحُزَم الحَطَبِ. فحفَرَ لهم في الأرضِ أُخْدُودًا، فأحْرَقَهم بالنارِ، ثم قال: لما رأيت الأمر أمرا منكرًا .... أججت ناري ودعوت قنبرا (٢)

стр. 2015

قال أبو عُمر: روَى عثمانُ بنُ عفانَ (١)، وسهلُ بنُ حُنَيْفٍ، وعبدُ الله بنُ مَسْعُودٍ (٢)، وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله (٣)، وعائشةُ (٤)، وجماعَةٌ مِن الصحابةِ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مسلم إلَّا بإحْدَى ثلاثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًى بعدَ إحْصَانٍ، أو قَتْلِ نَفْسٍ بغيرِ نَفْسٍ". فالقتلُ بالرِّدَّةِ، على ما ذكَرْنا، لا خِلافَ بينَ المسلمين فيه، ولا اخْتَلفَتِ الرِّوايَةُ والسُّنَّةُ عن النبيِّ ﷺ فيه، وإنَّما وقَعَ الاخْتِلافُ في الاسْتِتابَةِ، وفيما ذكَرْنا مِن المرْتَدَّةِ.

стр. 2016

قال أبو عُمر: احْتَجَّ مَن قال: يُقْتَلُ المُرْتَدُّ إذا ارْتَدَّ ثالثة أو رابِعَةً بقولِ الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٣٧]. والقِيَاسُ أنَّ مَن وُلِدَ على الفِطْرَةِ أحَقُّ أنْ يُسْتَتابَ؛ لأنَّه لا يَعْرِفُ غيرَ الإسلام. واحْتَجَّ مَن لَمْ يَرَ اسْتِتابَةَ المرْتَدِّ، وقال: يُقْتَلُ على ظاهِرِ هذا الحديثِ دونَ اسْتِتابَهٍ بحديثِ أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ اسْتَعْمَله على اليمنِ، ثم أتْبَعَه معاذَ بنَ جبل، فقَدِم معاذٌ فوَجَد عندَه رجلًا مُقَيَّدًا بالحديدِ، فقال: ما شَأْنُ هذا؟ فقال: كان يَهُودِيًّا فأسْلَم، ثم ارْتَدَّ وراجَعَ دِينَه دِينَ السَّوْءِ. فقال معاذ: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ الله ورسولِه. فقال له أبو موسى: اجْلِسْ. فقال: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ الله ورسولِه. قال: فأمَر به فقُتِل. رواه يحيى القَطَّانُ، عن قُغ بنِ خالدٍ، عن حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ، عن أبي بُردَةَ، عن أبي موسى (١). ورُوِي مِن وُجوهٍ عن أبي موسي، إلَّا أنَّ بعضَهم قال فيه: إنَّه قد كان اسْتُتِيبَ قبلَ ذلك أَيَّامًا (٢).

стр. 2017

واحْتَجَّ مَن رأى الاسْتِتابَةَ (١) بهذا الحديثِ، وهو ما حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٢): حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدٍ المرْوَزِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحُسَيْنِ، عن أبيه (٣)، عن يزيدَ النحْويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: كان عبدُ الله بنُ سعدٍ يكتُبُ لرسولِ الله ﷺ ، فأزَلَّه الشيطانُ، فلَحِقَ بالكُفّارِ، فأمَرَ به رسولُ الله ﷺ أن يُقْتَلَ يومَ الفتحِ، فاسْتَجارَ له عثمانُ، فأجارَه رسولُ الله ﷺ . وأمّا ميراثُ المُرتدِّ، فقد اختَلف العلماءُ فيه، والصَّحيحُ عندنا: أنّ ميراثَه في بيت المالِ لا يَرثُه أحدٌ من وَرثَته، لقول رسولِ الله ﷺ : "لا يَرثُ الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ" (٤). وسنُبيِّن ذلك ونذكُر أقاويلَ السَّلَفِ فيه عند ذِكْرِنا حديثَ ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حُسَينٍ في كتابنا هذا إن شاء الله، واللّهُ المُستعانُ.

стр. 2018

حديثٌ موفى خمسينَ لزيدِ بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ: أنَّ رجلًا اعترَف على نفسِه بالزِّنا على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فدعَا له رسوُل الله ﷺ بَسوْطٍ، فأُتِيَ بسَوطٍ مكسورٍ، فقال: "فوقَ هذا"، فأُتِيَ بسَوطٍ جديدٍ لَمْ تُقطَعْ ثَمَرتُه، فقال: "دُونَ هذا"، فأُتِيَ بسَوطٍ قد رُكِبَ به ولانَ، فأمرَ به رسولُ الله ﷺ فجُلِدَ، ثم قال: "أيُّها الناسُ، قد آنَ لكم أن تَنْتهُوا عن حدودِ الله، مَنْ أصاب مِن هذه القاذُورَةِ شيئًا، فلْيَستَتِرْ بسِترِ الله، فإنّه من يُبْدِ لنا صَفحَتَه نُقِمْ عليه كتابَ الله". هكذا روَى هذا الحديثَ مرسلًا جماعةُ الرواةِ لـ "الموطأ" (٢)، ولا أعلَمُه يستنِدُ بهذا اللفظِ مِن وجهٍ مِن الوجوهِ. وقد روَى معمرٌ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه سواءً (٣). وذكَر ابنُ وهبٍ في "موطَّئِه"، عن مَخْرمةَ بنِ بكيرٍ، عن أبيه، قال: سمِعتُ عبيدَ الله بنَ مِقْسَم يقولُ: سمِعتُ كُرَيْبًا مولَى ابنِ عباسٍ يحدِّثُ، أو يُحدَّثُ عنه، أنَّه قال: أتَى رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فاعترَف على نفسِه بالزِّني، ولم يكُنِ الرجلُ أحصَنَ، فأخَذ رسولُ الله ﷺ سوطًا، فوجَد رأسه شديدًا، فردَّه، ثم أخَذ سوطًا آخَرَ، فوجَد رأْسه لَيِّنًا، فأمَر رجلًا مِن القوم فجلَده مئةَ جلدةٍ (٤)، ثم قام على

стр. 2019

المِنبرِ، فقال: "أيُّها الناسُ، اتَّقوا الله، وَاستتِروا بسِترِ الله". وقال: "انظُرُوا ما كرِه اللّهُ لكم" أو قال: "احذَروا ما حَذَّرَكم اللّهُ مِن الأعمالِ فاجتنِبوه، فإنَّه ما نُؤْتَى به من امرِئ". قال ابنُ وهبٍ: معناه: نُقِيمُ عليه كتابَ الله. وقد ذكرنا الآثار المسندة في الاعتراف بالزنا التي جاءت في معنى هذا الحديث في باب مراسيل (١) ابن شهاب من كتابنا هذا. وأمَّا قولُه فيه: "بسَوْطٍ لَمْ تُقطَعْ ثمرتُه"، فإنَّه أراد: لَمْ يُمْتَهَنْ، ولم يَلِنْ، والثَّمرةُ الطَّرَفُ، وإذا رُكِبَ كثيرًا بالسَّوطِ ذهَب طَرَفُه، تقولُ العربُ: ثمرةُ السَّوطِ وذُبابُ السَّيفِ. قال عُمارةُ بنُ عقيلِ بنِ بلالِ بنِ جَرِيرٍ (٢): مازال عِصيانُنا للّه يُسْلِمُنا ... حتى دُفِعْنا إلى يحيى ودينارِ إلى (٣) عُلَيْجَيْنِ لَمْ تُقْطَعْ ثِمارُهما ... قد طالما سجَدَا للشمسِ والنارِ ثمارُهما؛ يعني: القُلْفَةَ، وكذلك قال صاحبُ "العينِ". وفي هذا الحديثِ مِن الفقهِ: أنَّ مَن اعترَف بالزِّنى مَرَّةً واحدةً، لزِمَه الحدُّ، إذا كان بالغًا عاقلًا مُمَيِّزًا، ولم ينصرِفْ عن إقرارِه ذلك ولا رجَع عنه. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِهما، وبه قال عثمانُ البَتِّيُّ (٤). وإليه ذهَب

стр. 2020

ذهَب أبو جعفرٍ الطبريُّ. ومن حُجَّتِهم أنَّ هذا الحديثَ ليس فيه أكثرُ مِن ذِكْرِ اعترافِه، والاعترافُ إذا أُطلِقَ، فإنَّه يلزَمُ كلَّ ما وَقَعَ عليه اسمُ اعترافٍ؛ مرةً كان أو أكثرَ مِن ذلك، ولا وجهَ لقولِ مَن قال: إنَّ الاعترافَ كالشَّهادةِ، وأنَّه لا يلزَمُ فيه أقلّ مِن أربعِ مراتٍ في الزِّني، وفي السرقةِ مرَّتينِ؛ لإجماعِهم على أنَّه يلزَمُ في غيرِ الحدودِ الإقرارُ مرةً واحدة، وسنذكُرُ اختلافَهم في هذه المسألةِ، في باب مراسيلِ ابنِ شهابٍ إن شاء اللّهُ تعالى. وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ الحدَّ على الزاني الجلدُ بالسوطِ، وذلك إذا كان بِكْرًا لَمْ يُحصِنْ، عندَ جماعةِ فقهاءِ الأمصارِ وعلماءِ المسلمين. ومعنى قولِ الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. معناه: الأبكارُ دونَ مَن قد أحصَن، وأمّا المحْصَنُ فحدُّه الرَّجمُ، إلَّا عندَ الخوارجِ، ولا يَعُدُّهم العلماءُ خلافًا؛ لجهلِهم وخُروجِهم عن جماعةِ المسلمين، وقد رجَم رسولُ الله ﷺ المُحصَنينِ، فمِمَّنْ رُجِم: ماعزٌ الأسلميُّ (١)، والغامديَّةُ (٢)، والجُهَنِيَّةُ (٣)،

стр. 2021

والتي بعَث إليها أُنَيْسًا (١). ورجَم عمرُ بنُ الخطابِ سُخَيلةَ بالمدينةِ، ورجَم بالشامِ (٢)، وقصةُ الحُبْلَى التي أراد رجمَها، فقال له معاذُ بنُ جبلٍ: ليس لك ذلك -للَّذي في بَطنِها- فإنَّه ليس لك عليه سبيلٌ (٣). وعرَض مثلُ ذلك لعثمانَ بنِ عفانَ مع عليٍّ في المجنونةِ الحُبلى (٤)، ورجَم عليٌّ شُراحةَ الهمْدانيَّة (٥)، ورجَم أيضًا في مَسيرِه إلى صِفِّينَ رجلًا أتاه مُقِرًّا بالزِّني. وهذا كلُّه مشهورٌ عندَ العلماءِ، إلَّا أنَّهم اختلَفوا في جلدِ المُحْصَنِ مع الرَّجم؛ فقالت فرقةٌ: يُجلَدُ ويُرجَمُ. وقال الجمهورُ: يُرجَمُ، ولا جلدَ عليه. وسنذكُرُ ذلك في حديث ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله، عندَ

стр. 2022

قولِه ﷺ لأُنَيْسٍ الأسلميِّ: "وَأْتِ المرأةَ، فإنِ اعترَفت فارجُمْها" (١). مِن كتابِنا هذا إن شاء اللّهُ. وفي هذا الحديثِ مِن الفقهِ أيضًا: أنَّ الاعترافَ بما يُوجِبُ الحدَّ يقومُ مقامَ الشهادة على ما ذكَرنا، وهذا ما لا خلافَ فيه، إلَّا ما قدَّمنا ذكرَه من العَددِ في الإقرارِ. واختلَف الفقهاءُ في رجوعِ المُقِرِّ بالحدِّ بعدَ إقرارِه قبلَ أن يُقامَ عليه الحدُّ؛ فقال مالكٌ: يقبَلُ رجوعُه عن الإقرارِ بالزِّنى والسَّرقةِ وشُربِ الخمرِ، ويغرَمُ للمسروقِ منه ما سرَق إنِ ادَّعَاه (٢). وهو قولُ الثوريِّ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والحسنِ بنِ حيٍّ. وقد رُوِي عن مالكٍ أنَّه إذا ضُرِب أكثرَ الحدِّ ثم انصرَف، أُتِمَّ عليه. وروَى أبو يوسفَ، عن ابنِ أبي ليلي، أنَّه لا يُقبَلُ رجوعُه. وروَى عنه الليثُ أنَّه يُقبَلُ. وقال عثمانُ البَتِّيُّ: لا يُقبَلُ رجوعُه. وقال الأوزاعيُّ في رجلٍ اعترَف على نفسِه بالزِّنى أربعَ مراتٍ، وهو مُحصَنٌ، ثم ندِم وأنكَر أن يكون إلى ذلك: إنَّه يُضرَبُ حدَّ الفِريةِ على نفسِه، فإنِ اعترَف بسرقةٍ، أو شربِ خمرٍ، أو قتلٍ، ثم أنكَر، عاقَبه السلطانُ دونَ الحدِّ (٣). قال أبو عُمر: الصحيحُ أنه لا يُجلَدُ إذا رجَع عن إقرارِه" لَأَنه محالٌ أن يقامَ عليه حدٌّ وهو مُنْكِرٌ له بغيرِ بَيِّنَةٍ، ألا ترَى أنَّ الشهودَ لو رجَعوا عن شهادتِهم قبلَ

стр. 2023

إقامةِ الحَدِّ عليه لَمْ يُقَمْ، وكذلك لا يُتَمُّ عليه إذا ابْتُدِئ به؛ لأنَّه كلُّ جلدةٍ قائمةٌ بنفسِها، فغيرُ جائزٍ أن يقامَ عليه شيءٌ منها بعدَ رُجوعِه، كرُجوعِ الشُّهودِ سواءً، وليس الإقرارُ بحدٍّ للّه وحقٍّ لا يُطالَبُ به آدمِيٌّ، كالإقرارِ بالمالِ للآدمِيِّينَ؛ لأنَّ الإقرارَ بالحدِّ توبةٌ لَمْ تُعرَفْ إلَّا مِن قِبَلِه؛ فإن نزَع عنها، كان كمَن لَمْ يأْتِ بها، والكَلامُ في هذا واضِحٌ، وباللّه التوفيقُ. وفي هذا الحديثِ أيضًا مِن الفقهِ: أنَّ الحُدودَ لا تُقامُ إلَّا بسَوطٍ قد لانَ. واختلَف الفقهاءُ في أشدِّ الحُدودِ ضربًا؛ فقال مالكٌ وأصحابُه، والليثُ بنُ سعدٍ: الضربُ في الحدودِ كلِّها سواءٌ؛ ضربٌ غيرُ مُبَرِّح، ضربٌ بينَ ضربيْنِ (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: التعزيرُ أشدُّ الضربِ، وضربُ الزِّنى أشدُّ مِن الضربِ في الخمرِ، وضربُ الشاربِ أشدُّ مِن ضربِ القاذفِ (٢). وقال الثوريُّ: ضربُ الزِّنى أشَدُّ مِن ضربِ القذفِ، وضربُ القذفِ أشدُّ مِن ضربِ الشُّربِ. وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: ضربُ الزِّنى أشدُّ مِن ضربِ الشربِ والقذفِ. وعن الحسنِ البصرِيِّ مثلَه، وزاد: ضربُ الشاربِ أشدُّ من ضربِ التعزيرِ. وقال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: حدُّ الزِّنى أشَدُّ مِن حدِّ الفِرْية، وحدُّ الفِريةِ والخمرِ واحدٌ (٣).

стр. 2024

واحتجَّ من جعَل الضربَ في الحدودِ كلِّها واحدًا سواءً، بوُرودِ التوقِيفِ فيها على عددِ الجلَداتِ، ولم يرِدْ في شيءٍ منها تخفيفٌ ولا تثقيلٌ عمَّن يجِبُ التسليمُ له، فوجَبَتِ التسويةُ في ذلك؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يُؤخَذُ قياسًا، وإنما هي عقوباتٌ ورَد فيها توقيفُ عددٍ، دونَ كَيفيَّةِ شِدَّةٍ وتخفيفٍ في نوعِ الضربِ؛ فالوجهُ فيها التَّسويةُ؛ لأنَّ مَن فرَّق احتاجَ إلى دليلٍ، ولا دليلَ معه في ذلك إلَّا التحكمَ. ومن حُجَّةِ مَن قال: إنَّ الزِّنى أشدُّ ضربًا مِن القذفِ، والقذفَ أشدُّ مِن الخمرِ؛ لأنَّ الزنى أكثرُ عددًا في الجلَداتِ، فاستَحال أن يكونَ القذفُ أبلغَ في النِّكايةِ؛ لأنَّ اللّهَ قد قَصَر بالعددِ فيه عن عددِ الزِّني، وكذلك الخمرُ لَمْ يثبُتْ فيه حدٌّ إلَّا بالاجتهادِ، وسبيلُ مسائلِ الاجتهادِ ألَّا تَقوَى قُوَّةَ مسائلِ التوقِيفِ. ومِن حُجَّةِ مَن لَمْ يبلُغْ بالتعزيرِ الحدَّ في العَددِ ولا في الإيجاعِ، عدمُ النصِّ فيه، وإنَّ عِرْضَ المسلم ودمَه محظوران محرَّمان لا يَحِلَّانِ إلَّا بيقينٍ لا شكَّ فيه، مع ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا يُجلدُ أحدٌ فوقَ عشْرِ جَلَدَاتٍ إلَّا في حَدٍّ مِن حدودِ الله". روَاه أبو بُرْدَةَ الأنصاريُّ، عن النبيِّ ﷺ ، مِن حديثِ بُكيرِ بنِ الأشجِّ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جابرٍ، عن أبي بُرْدَةَ الأنصاريِّ (١). وذكَر عبدُ الرزاقِ (٢)، عن قيسِ بنِ الربيع، قال: حدَّثني أبو حَصِين (٣)، عن حبيبِ بنِ صُهبانَ، قال: سمِعتُ عمرَيقولُ: ظهورُ المسلمين حِمَى الله؛ لا يَحِلّ لأحدٍ أن يُخْرِجَها إلَّا في حدٍّ (٤). قال: ولقد رأيْتُه يُقِيدُ مِن نفسِه.

стр. 2025

وذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابنِ جريجٍ، عن إسماعيلَ بنِ أيوبَ، عن أبيه (٢)، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ أنَّه قال: لا يُبْلَغُ بالعقوبةِ الحدودُ. وعن ابنِ جريجٍ أيضًا، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ نحوَه (٣). واحتجَّ مَن رأى التعزيرَ أشدَّ الحدودِ ضربًا بما حدَّثنِي محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن جامعِ بنِ أبي راشدٍ، عن أبي وائلٍ شَقيقِ بنِ سلمةَ الأسديِّ، قال: كان رجلٌ له على أُمِّ سلمةَ دَينٌ، فكتَب إليها كتابًا يُحَرِّجُ عليها (٤)، فأمَر به عمرُ بنُ الخطاب أن يُجلَدَ ثلاثينَ جلدةً، كلُّها تبضَعُ اللحمَ (٥)، وتحدُرُ الدمَ (٦). قال سفيانُ: لأَنَّها أمُّه، ولا ينبغِي للرجلِ أن يُضَيِّقَ على أُمِّه. ونحوُ هذا. وبما روَاه شعبةُ، عن واصلٍ (٧)، عن المَعرورِ بنِ سُوَيْدٍ، قال: أُتِي عمرُ بنُ الخطابِ بامرأةٍ زَنَتْ، فقال: أفسَدَتْ حُسْنَها، اضرِبُوها حدَّها، ولا تخرِقُوا عليها جلدَها (٨).

стр. 2026

قالوا: فهذانِ الحديثان يدُلَّانِ على أنَّ عمرَ ﵁ كان يرَى الضربَ في التعزيرِ أشدَّ منه في الزِّنَى. قالوا: وكذلكَ لا محالةَ سائرُ الحدودِ. قال أبو عُمر: مَن قال: إنَّ الحدودَ كلَّها سواءٌ إلَّا في العَدَدِ، جعل قولَه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢]. في إسقاطِ الحدِّ، لا في حِفةِ الضربِ، وضربُ الزِّنَى أخفُّ عندَهم؛ فإنَّهم يقولون: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، لا يشُقُّ جلدًا، ولا يَضَعُ (١) سَوطًا فوقَ سَوطٍ. واحتجَّ مَن قال: ضربُ القذفِ أشدُّ الضربِ، بما أخبَرني به أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ حربٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبيه، قال: لما جُلِد أبو بكرةَ، أمَرَتْ جدَّتي أُمُّ كلثوم بنتُ عقبةَ بشاةٍ، فسُلِخَتْ، ثم أُلبِسَ مَسْكَها (٢). قال: فهل ذلك إلَّا من ضربٍ شديدٍ (٣)؟ هكذا قال: جدَّتي، وإنما هي أُمُّ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، جدَّةُ سعدِ بنِ إبراهِيمَ. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ محمدِ بنِ الضحاكِ، قال: حَدَّثَنَا أبو مروانَ محمدُ بنُ عثمانَ العثمانيُّ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لما جُلِد أبو بكرةَ

стр. 2027

أمَرَتْ أُمُّه بشاةٍ فذبَحَتْها، ثم جعَلَتْ جِلدَها على ظهرِه، وما ذاك إلَّا من ضربٍ شديدٍ. وكان أبي يرَى أنَّ ضربَ القَذْفِ شديدٌ. وعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أنَّه قال لقَنْبَرٍ في العبدِ الذي أقرَّ عندَه بالزِّنَى: اضْرِبْه كذا وكذا، ولا تَنهَك" (١). قال أبو عُمر: فيما رُوِىَ عن عمرَ وعليٍّ ﵄ في هذا البابِ من صِفةِ ضربِ الزاني، دليلٌ على أنَّ قولَه : ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ الآية [النور: ٢]، إنَّما أُريد به الَّا تُعَطَّلَ الحُدُودُ، وألَّا يأخُذَ الحُكّامَ رأفةٌ على الزُّناةِ فيُعَطِّلُوا حدودَ الله ولا يحُدُّوهم. وهذا قولُ جماعةِ أهلِ التفسيرِ. وممَّن قال ذلك؛ الحسنُ، ومجاهدٌ، وعطاءٌ، وعكرمةُ، وزيدُ بنُ أسلمَ (٢). وقال الشعبيُّ، والنخعيُّ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾. قالوا: في الضربِ والجلدِ (٣). ذكرَ إسماعيلُ القاضي، قال (٤): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أبي بكرٍ قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ

стр. 2028

داودَ، قال: حَدَّثَنَا نافعُ بنُ عمرَ الجُمَحيُّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، أو عبدِ الله بنِ عبدِ الله -يعني ابنَ عمرَ- قال: ضرَب ابنُ عمرَ جاريةً له أحدَثَتْ، فجعَل يضربُ رجلَيْها -وأحسَبُه قال: ظَهْرَها-. قال: فقلتُ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. فقال: يا بُنَيَّ، وأخَذتني بها رأفةٌ؟ إنَّ اللّهَ لَمْ يأمُرْني أن أقتُلَها (١)، أمَّا أنا فقد أوجَعْتُ حيثُ أضرِبُ. وذكَره وكيعٌ، عن نافعِ بنِ عمرَ الجُمَحِيِّ بإسنادِه مثلَه (٢). قال إسماعيلُ (٣): وحَدَّثَنَا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملِكِ بنُ الصبَّاحِ، عن عِمرانَ بنِ حُدَيْرٍ، قال: سألتُ أبا مِجْلَزٍ (٤) عن الرأفةِ، فقلتُ: إنَّا لنرحَمُهم إذا نزلَ ذلك بهم؟ قال: ليسَ بذلك، إنّما الرأفةُ تركُ الحدودِ إذا رُفِعَتْ إلى السلطانِ. حدَّثَني قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن عاصم (٥)، عن أبي وائلٍ، قال: أدرَكْتُ عمرَ جلَد رجلًا، فقال للجلَّادِ: لا تُرِني إبِطَكَ (٦).

стр. 2029

وأخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيي، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ محمدٍ الباهِليُّ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ عمرَ، وهو الأقطَعُ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يونسَ، عن حنظلةَ السَّدوسيِّ، قال: سمِعتُ أَنَسٍ بنَ مالكٍ يقولُ: كان يُؤْمَرُ بالسَّوطِ فتُقطَعُ ثمرتُه، ثم يُدَقُّ بينَ حجَرَيْنِ حتّى يَلِينَ ثم يُضْرَبَ به. قُلْنا لأنسٍ: في زمانِ مَن كان هذا؟ قال: في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ (١). واختلَفوا في المواضعِ التي تُضرَبُ من الإنسانِ في الحدودِ؛ فقال مالكٌ: الحدودُ كلُّها لا تُضرَبُ إلَّا في الظَّهرِ. قال: وكذلك التَّعْزِيرِ لا يُضْرَبُ إلَّا في الظَّهرِ عندَنا (٢). وقال الشافعيُّ وأصحابُه: يُتَّقَى الوجهُ والفرجُ، وتُضرَبُ سائرُ الأعضاءِ (٣). ورُوِى عن عليِّ بنِ أبي طالب ﵁ مثلُ قولِ الشافعيِّ أنَّه كان يقولُ: اتَّقوا وجهَه ومذاكيرَه (٤). وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: تُضرَبُ الأعضاءُ كلُّها في الحدودِ إلَّا الفرجَ والوجهَ والرأسَ. وقال أبو يوسفَ: يُضرَبُ الرأسُ أيضًا (٥). ورُوِيَ عن عمرَ وابنِ عمرَ أنهما قالا: لا يُضرَبُ الرأسُ. قال ابنُ عمرَ: لَمْ نُؤمَرْ أن نضرِبَ الرأسَ (٦).

стр. 2030

وروَى سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ: أنَّ عمرَ ﵁ أُتِيَ برجلٍ في حدٍّ، فقال للجلَّادِ: اضرِبْ ولا تُرِ إبطَكَ، وأعْطِ كلَّ عضوٍ حقَّه (١). ومن حجَّةِ مالكٍ: أنَّ العملَ عندَهم بالمدينةِ لا يخفَى؛ لأنَّ الحدودَ عندهم تُقامُ أبدًا، وليس مثلُ ذلك يُجهَلُ. وبنحوِ ذلك مِن العملِ يسوغُ الاحتجاجُ لكلِّ فرقةٍ؛ لأنَّه شيءٌ لا يُنفَكُّ منه إلّا ما روَى كلُّ واحدٍ مِن الأثرِ عن السَّلَفِ، فيَمِيلُ باختيارِه إليه. واختلَفوا في كيفيةِ ضربِ الرجالِ والنساءِ؛ فقال مالكٌ: الرجلُ والمرأةُ في الحدودِ كلِّها سواءٌ، لا يُقَامُ واحدٌ منهما، يُضرَبانِ قاعِدَيْنِ، ويُجَرَّدُ الرجلُ في جميعِ الحدودِ، ويُترَكُ على المرأةِ ما يستُرُها، ويُنْزَعُ عنها ما يَقِيها من الضربِ. وقال الثوريُّ: لا يُجَرَّدُ الرجلُ ولا يُمَدُّ، ويُضرَبُ قائمًا، والمرأةُ قاعدةً. وقال الليثُ بنُ سعدٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: الضربُ في الحدودِ كلِّها، وفي التعزيرِ، مُجَرَّدًا قائمًا غيرَ ممدودٍ، إلَّا حدَّ القذفِ، فإنه يُضرَبُ وعليه ثيابُه، ويُنزَعُ عنه المحشُوُّ والفروُ. وقال الشافعيُّ: إن كان مَدُّه صلاحًا مُدَّ (٢). ومن الحجةِ لمالكٍ ما أدرَك عليه الناسَ. ومن الحُجَّةِ للثوريِّ حديثُ ابنِ عمرَ في رَجْم النبيّ ﷺ اليهودِيَّيْن، وفيه: "لقد رأيْتُ الرجلَ يَحْنِي على المرأةِ يَقِيها الحجارةَ" (٣). وهذا يدُلُّ على أنَّ الرجلَ كان قائمًا، والمرأةَ قاعدةً. وضرَب أبو هريرةَ

стр. 2031

رجلًا في القذفِ قائمًا (١). وما جاء عن عمرَ وعليٍّ في ضربِ الأعضاءِ يدُلُّ على القيام، واللّهُ أعلمُ. وكلُّ ما ذكَرناه مِن المسائلِ في هذا البابِ فإنَّها كلَّها قائمةُ المعنى في هذا الحديثِ؛ حديثِ زيدِ بن أسلمَ هذا، يصلُحُ ذكرُها عندَه. وفيه أيضًا ما يدُلُّ على أنَّ السِّترَ واجبٌ على المسلم في خاصَّةِ نفسِه إذا أتَى فاحشةً، وواجبٌ ذلك عليه أيضًا في غيرِه، ما لَمْ يكنْ سلطانًا يُقِيمُ الحُدودَ. وفي السِّترِ على المسلم آثارٌ كثيرةٌ صِحاحٌ، نذكُرُ منها هاهنا ما يُوافِقُ معنى هذا الحديثِ، وسائرُها نذكُرُها عندَ قولِه في حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ: "يا هَزَّالُ، لو سَتَرْتَه بردائِكَ كان خيرًا لك" (٢)، إن شاء اللّهُ. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حَدَّثَنَا أبو معاويةَ (٤)، عن

стр. 2032

الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن نفَّس عن أخيهِ كُربةً من كُرَبِ الدُّنيا، نفَّس اللّهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن ستَر مسلمًا، ستَره اللّهُ في الدنيا والآخرةِ، ومَن يسَّرَ على مسلمٍ، يسَّر اللّهُ عليهِ في الدنيا والآخرةِ، واللّهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه". قال أبو عُمر: فإذا كان المرءُ يُؤجَرُ في السِّترِ على غيِره، فسِتْرُه على نفسِه كذلك أو أفضَلُ، والذي يلزَمُه في ذلك التوبةُ والإنابةُ والنَّدمُ على ما صنَع، فإنَّ ذلك محوٌ للذَّنب إن شاء اللّهُ. وقد حَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلَّامٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليٍّ الشَّقيقِيُّ، قال: سمِعتُ أبي، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا مالِكُ بنُ مِغْولٍ، عن العلاءِ بنِ بدرٍ، قال: إنَّ اللّهَ لا يُهلِكُ أمَّةً وهم يَستَتِرون بالذُّنوبِ. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ أبي حسانَ، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بنُ عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ (١)، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: أخبرني عثمانُ بنُ أبي سَودةَ، قال: حدَّثني من سمِع عبادةَ بنَ الصامتِ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ اللّهَ ليستُرُ العبدَ مِن الذَّنبِ ما لَمْ يخرِقْه". قالوا: وكيف يَخرِقُه يا رسولَ الله؟ قال: "يحدِّثُ به الناسَ" (٢). حدَّثني خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ محمَّدٍ العمريُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأُوَيْسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابن أخي ابنِ شهابٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن

стр. 2033

سالم بنِ عبدِ الله، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "كلُّ أُمَّتِي معافًى إلَّا المجاهِرُون، وإنَّ مِن المجاهَرَةِ أن يعمَلَ عملًا لا يرضاه اللّهُ بالليلِ، ثم يتحدَّثَ به بِالنهارِ"، وذكَر الحديثَ (١). وحدَّثني أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطيسٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ عبدِ الله بنِ سيفٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ الربيعِ بنِ طارقٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ أيوبَ، عن عيسى بنِ موسى بنِ إياسِ بنِ البُكيرِ، أنَّ صفوانَ بنَ سُلَيم حدَّثه، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ الله ﷺ ، أنَّه قال: "اطلُبُوا الخيرَ دَهْرَكم كلَّه، وتَعرَّضُوا نَفَحاتِ الله ، فإنَّ لله نفحاتٍ من رحمتِه، يُصِيبُ بها من يشاءُ من عبادِه، واسألُوا اللّه أن يستُرَ عَوْراتِكم، وأن يُؤَمِّنَ رَوْعاتِكم" (٢).

стр. 2034

وحدَّثني قاسمُ بنُ محمدٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ الهيثم بنِ المُهَلَّبِ الجَزَريُّ أبو إسحاقَ إملاءً، قال: حَدَّثَنَا أبو اليمانِ (٢)، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سنانٍ، عن أبي الزاهريةِ (٣)، عن كثيرِ بنِ مُرَّةَ، عن أبي ذرٍّ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أُقسِمُ على أربعٍ قَسمًا مبرورًا، والخامسةُ لو أقسَمتُ عليها لَبرَرْتُ: لا يعمَلُ عبدٌ خطيئةً تبلُغُ ما بلَغَتْ، ثم يتوبُ إلى الله، إلَّا تاب اللّهُ عليه، ولا يُحِبُّ أحدٌ لقاءَ الله إلَّا أحبَّ اللّهُ لقاءَه، ولا يتولَّى اللّهَ عبدٌ في الدنيا، فيُولِّيَه غيرَه يومَ القيامةِ، ولا يُحِبُّ عبدٌ قومًا إلَّا جعَله اللّهُ معهم يومَ القِيَامَةِ، والخامسةُ لو أقسَمْتُ عليها لبَرَرْتُ؛ لا يَستُرُ اللّهُ عورةَ عبدٍ في الدنيا إلَّا ستَرها اللّهُ يومَ القيامةِ" (٤). حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ عمرٍو البغداديُّ بمصرَ، قال: حَدَّثَنَا أبو عمرانَ موسى بنُ سهلٍ البصريُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحدِ بنُ غِياثٍ، قال: حَدَّثَنَا فَضَالُ بنُ جُبيرٍ، عن أبي أمُامةَ الباهليِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاث لو حلَفْتُ عليهن لبَرَرْتُ، والرابعةُ لو حلَفْتُ عليها لرجَوْتُ الَّا آثَمَ: لا يجعَلُ اللّهُ من له سهم في الإسلام كمَن لا سهمَ له، ولا يتوَلَّى اللّهَ عبدٌ فيُولِّيَه إلى غيرِه، ولا يُحِبُّ عبدٌ قومًا إلَّا بعَثه اللّهُ فيهم -أو قال: معهم- ولا يستُرُ اللّهُ على عبدٍ في الدنيا إلَّا ستَر عليه عندَ المِعادِ" (٥).

стр. 2035

حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حَدَّثَنَا عفانُ، قال: حَدَّثَنَا همامٌ، قال: سمِعتُ إسحاقَ بنَ عبدِ الله بنِ أبي طلحةَ، قال: حدَّثني شيبةُ الخُضْرِيُّ أنَّه شهِدَ عروةَ يُحَدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَا ستَر اللّهُ على عبدٍ في الدُّنيا إلَّا ستَر عليه في الآخرةِ". وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حَدَّثَنَا الثَّقفيُّ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ (٣)، عن أبي إدريسَ، قال: لا يَهتِكُ اللّهُ سِتْرَ عبدٍ في قلبِه مثقالُ ذرةٍ من خيرٍ. وأمَّا قولُه في حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ المذكورِ في هذا البابِ: "فإنه من يُبْدِ لنا

стр. 2036

صفحتَه نُقِمْ عليه كتابَ الله" فإنَّه أراد، واللّهُ أعلمُ، بعدَ أمرِه بالاستِتارِ بالذنبِ، أنَّه مَن أقرَّ عندَه فلا شفاعةَ حِينَئذٍ له، ولا عفوَ عنه. ومِن هذا وشَبْهِه، قام الدَّليلُ على أنَّ الحدودَ إذا بَلَغتِ السُّلطانَ لَمْ يَجُزْ أن يُتَشَفَّعَ فيها، ولا أن تُتركَ إقامتُها، ألا ترى إلى قوله ﷺ في حديثِ صفوانَ بنِ أُميّةَ: "فهَلَّا قبْلَ أن تأتيني به" (١). وقولِ الزُّبيرِ: إذا بَلغتَ به السُّلطانَ فلَعَن اللّهُ الشافعَ والمُشفَعَ (٢).

стр. 2037

حديثٌ أحدٌ وخمسونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ مالكٌ (١)، أنَّه سمِع زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: ما مِنْ داعٍ يدعُو إلَّا كان بينَ إحدَى ثلاثٍ: إمَّا أنْ يُسْتجابَ له، وإمَّا أنْ يُدَّخرَ له، وإمَّا أنْ يُكفَّرَ عنه. قال أبو عُمر: ذكَرْنا هذا الخبرَ في كتابِنا هذا، وإن كان في روايةِ مالكٍ مِن قولِ زيدِ بنِ أسلمَ؛ لأنَّه خبرٌ محفوظٌ عن النبيِّ ﷺ ، ولأنَّ مثلَه يستحيلُ أن يكونَ رأيًا واجتهادًا، وإنمَّا هو توقيفٌ، ومثلُه لا يُقالُ بالرَّأي. حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَي، قال: حَدَّثَنَا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حبابةَ ببغدادَ. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسفَ؛ قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ بمصرَ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال (٢): حَدَّثَنَا شيبانُ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ عليٍّ الرفاعيُّ، عن أبي المتوكِّلِ النَّاجيِّ (٣)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما من مسلم يدعُو دعوةً ليسَ فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحم، إلَّا أعطاه اللّهُ بها إحدَى ثلاثٍ؛ إمَّا أن يُعجِّلَ له دعوتَه،

стр. 2038

وإمَّا أنْ يَدَّخِرَها (١) له في الآخرةِ، وإمَّا أنْ يكُفَّ عنه من الشرِّ مثلَها". قالوا: إذنْ نُكثِرَ. قال: "اللّهُ أكثرُ". وحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حَدَّثَنَا أبو أسامةَ، عن عليِّ بنِ عليٍّ، قال: سمِعمشُا أبا المتوكِّلِ الناجيَّ قال: قال أبو سعيدٍ الخدريُّ: قال نبيُّ الله ﷺ : "ما من مسلم يدعُو بدعوة ليسَ فيها إثم ولا قطيعةُ رحمٍ". فذكَره حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه، إلَّا أنَّه قال: "يُكفِّرَ عنه مِن السُّوءِ مثلَها". قالوا: إذنْ نُكثرَ يا رسولَ الله. قال: "اللّهُ أكثرُ". وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جريرٍ (٤)، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ موسَى الحرَشيُّ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عليٍّ، عن (٥) أبي المتوكلِ الناجيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ دعوةَ المسلم لا تُردُّ، ما لَمْ يدعُ بإثم أو قطيعةِ رحمٍ؛ إمَّا أنْ تُعجَّلَ له في الدُّنيا، وإمَّا أنْ تُدَّخرَ له في الآخرةِ، وإمَّا أنْ يُصرفَ عنه من السُّوءِ بقدرِ ما دعا" (٦).

стр. 2039

حَدَّثَنَا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو محمدٍ إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ محفوظٍ الدِّمشقيُّ، بالرَّملةِ، قال: حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ بُسْرٍ القرشيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ ثابِتٍ القرشيُّ، قال: حَدَّثَنَا سعدُ بنُ الصَّلْتِ، عن الأعمشِ (١)، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "دُعاءُ المسلم بينَ إحدَى ثلاثٍ: إمَّا أن يُعطَى مسألتَه التي سألَ، أو يُرفعَ بها درجةً، أو يُحطَّ بها عنه خطيئة، ما لَمْ يدعُ بقطيعةِ رَحِم، أو مأثمٍ، أو يَستعجِلْ". قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يُخرَّجُ في التَّفسيرِ المسندِ لقولِ الله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. فهذا كلُّه مِن الاستجابةِ، وقد قالوا: كَرَمُ الله لا تنقضِي حكمتُه، ولذلك لا تقعُ الإجابةُ في كلِّ دعوةٍ، قال اللّهُ : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وفي الحديثِ المأثورِ: "إنَّ اللّهَ ليبْتَلي العبدَ وهوَ يُحِبُّه؛ ليسمعَ تضرُّعَه" (٢). وقال الأوزاعيُّ: يقالُ: أفضلُ الدُّعاءِ الإلحاحُ على الله والتَّضرُّعُ إليه (٣).

стр. 2040

وعن أبي هريرةَ وغيرِه: "إنَّ اللهَ لا يقبلُ -أو: لا يستجيبُ- دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" (١). وقال سفيانُ: قال محمدُ بنُ المنكدرِ: قال لي عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: عليك دَينٌ؟ قلتُ: نعم. قال: ففُتحَ لك فيه في الدُّعاءِ؟ قلتُ: نعمْ. قال: لقد باركَ الله لك في هذا الدَّين (٢). وروَى أبو هريرةَ وأنسٌ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذا دعا أحدُكم فلْيعزمْ، ولْيُعْظِم الرَّغبةَ، ولا يقلْ: إن شئْتَ. فإنَّ اللهَ لا مُكرِهَ له، ولا يتعاظمُه شيءٌ، ولا يزالُ العبدُ يُستجابُ له ما لم يستعجلْ" (٣). وقد ذكَرْنا هذا المعنَى بزيادةٍ في معنَى الدُّعاءِ، في بابِ ابنِ شهابِ، عن أبي عُبيدٍ، والحمدُ لله.

стр. 2041

وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ (١)، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ (٢)، قال حدَّثني أبو صخرٍ، أنَّ يزيدَ بنَ عبدِ الله بنِ قُسيطٍ حدَّثه، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ قالت: ما من عبدٍ يدعُو اللهَ بدعوةٍ فتذهبُ، حتى تُعجَّلَ له في الدُّنيا، أو تُدَّخَرَ له في الآخرةِ، إذا هو لم يَعْجَلْ أو يقنطْ (٣). قال عروةُ: فقلتُ: يا أُمَّتاه، وكيف عَجَلته وقُنوطُه؟ قالت: يقولُ: قد سألْتُ فلم أُعطَ، ودعوْتُ فلم أُجبْ. قال ابنُ قُسيطٍ: وسمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ يقولُ: ما مِن عبدٍ مُؤمنٍ يدعُو اللهَ بدعوةٍ فتذهبُ بَرْحَى (٤)، حتى يُعجِّلَها له في الدُّنيا، أو يدَّخرَها له في الآخرةِ. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ مُعاويةَ، عن عمرَ بنِ حمزةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ يرفعُه، قال: "من دعا دعوةً أخطأتْ باطلًا أو حرامًا أُعطيَ إحدى ثلاثٍ: كُفِّرت عنه خطيئتُه، أو كُتبتْ له حَسنةٌ، أو أُعطيَ الذي سألَ" (٥). [آخر المجلد الثالث من هذه الطبعة المحققة، يَسّر الله إتمامه].

стр. 2042

حديثٌ واحدٌ عن زيد بن أبي أُنيسَةَ الجَزَريّ مسندٌ لا يتَّصلُ من وَجْهِه هذا وهو زيدُ بن أبي أُنيسة (١)، يُكنَى أبا سعيد؛ اختُلف في ولائه؛ فقيل: إنه مولى زيدِ بن الخطاب، أو لبني عَديٍّ. وقيل: مولى لبني كِلابٍ. وقيل غير ذلك مما يطُول ذكرُه؛ ولم يُختلفْ أنّه مولًى. وقيل: اسمُ أبي أُنيسَةَ زيدٌ أيضًا -والله أعلم- فهو زيدُ بنُ زيدٍ؛ وكان زيدُ بن أبي أُنيسةَ من سُكّان الرُّها من عمل الجزيرة، ومات بالرُّها سنة خمسٍ وعشرينَ ومئةٍ -فيما ذكَر الواقديُّ والطَّبريُّ. وكان كثيرَ الحديثِ، راويةً للعلم، ثقةً، صاحبَ سُنّةٍ. روى عنه مالكٌ، والثوريُّ، وجماعةٌ من الجِلَّة، وكان الثّوريُّ يُثني عليه، ويدعو له كثيرًا بعد موته بالرَّحمة. وقال البخاريُّ (٢)، عن عمرو بن محمّدٍ الناقدِ، عن عمرو بنِ عثمانَ الكِلابيِّ، قال: مات زيدُ بنُ أبي أُنيسةَ سنة أربعٍ وعشرينَ ومئة وهو ابن ستٍّ وثلاثينَ سنةً. وقيل: وُلد زيدُ بن أبي أُنيسةَ سنة إحدى وتسعينَ، وتوفِّي سنة أربعٍ وعشرين، وقيل: سنة خمس. وقيل: سنة ستٍّ. وقيل: سنة سبعٍ. وقيل: سنة ثمانٍ وعشرينَ ومئة. وقيل: توفِّي وهو ابنُ بِضْع وأربعينَ. وقال محمّد بن سعد (٣): سمعت رجلًا من أهل حَرّانَ يقول: مات سنةَ تسعَ عشرةَ ومئة. قال أبو عمر: هو معدودٌ في أهل الجزيرة، وهو رُهاوي.

стр. 2043

مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أبي أُنَيسةَ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطابِ، أنّه أخبَره عن مُسلم بنِ يسارٍ الجُهَنيِّ، أنَّ عمرَ بن الخطابِ سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٢) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. فقال عمرُ بنُ الخطابِ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يُسألُ عنها فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ ﵎ خلَق آدمَ، ثم مسَح ظهرَه بيمينِه، فاستخرَج منه ذُرِّيَّةً، فقال: خلَقتُ هؤلاء للجنةِ، وبعملِ أهلِ الجنةِ يعمَلُون. ثم مسَح ظهرَه، فاستخرَج منه ذُرِّيَّةً، فقال: خلَقتُ هؤلاء للنارِ، وبعملِ أهلِ النارِ يعمَلُون". فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، ففيمَ العملُ؟ قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ ﵎ إذا خَلَقَ العبدَ للجنَّةِ استعمَله بعملِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنةِ، فيُدخلَه به الجنّة، وإذا خلَق العبدَ للنارِ استعْمَله بعملِ أهلِ النارِ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النَّار، فيُدخلَه به النارَ". قال أبو عمر: هذا حديثٌ مُنقطعٌ بهذا الإسنادِ؛ لأنَّ مسلمَ بنَ يسارٍ هذا لم يلقَ عمرَ بنَ الخطاب، وبينَهما في هذا الحديثِ نُعيمُ بنُ ربيعةَ، وهو أيضًا مع هذا الإسنادِ لا تقومُ به حجَّةٌ، ومسلمُ بنُ يسارٍ هذا مجهولٌ، قيل: إنّه مدنيٌّ وليس بمسلم بنِ يسارٍ البصريِّ (٣).

стр. 2044

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (١): قرَأت على يحيى بنِ معينٍ حديثَ مالكٍ هذا عن زيدِ بنِ أبي أُنَيسةَ، فكتَب بيدِه على مسلم بنِ يسارٍ: لا يُعرفُ. أخبرنا أبو عبدِ الله عُبيدُ بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ. وأخبرنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ منصور، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بنِ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ واقدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن أبي عبدِ الرحيم، عن زيدٍ -يعني ابنَ أبي أُنَيسةَ- عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن مسلم بنِ يسارٍ، عن نُعيم بنِ ربيعةَ الأزديِّ (٢). وأخبرني عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، وأحمدُ بنُ فتح، وخلفُ بنُ القاسم، قالوا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ وَهْب (٣)، قال: حدَّثنا محمدِ بنُ سلمة، قال: حدَّثني أبو عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثَني زيدٌ - وهو ابنُ أبي أُنَيسةَ- عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن مسلم بنِ يسار، عن نُعيم بنِ ربيعةَ، قال: كنتُ عندَ عمرَ بنِ الخطَّابِ إذ جاءه رجلٌ، فسأله عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: فقال عمرُ: كنتُ

стр. 2045

عندَ النبيِّ ﷺ إذ جاءه رجلٌ فسأله عنها، فقال النبيُّ ﷺ : "خلَق الله آدمَ، ثم استخرَج منه ذُرِّيَّةَ من هو كائنٌ منهم إلى يوم القيامَةِ؛ فقال لطائفةٍ منهم: هؤلاء للجنةِ خلَقتُهم. وقال لطائفةٍ: هؤلاء للنارِ خلَقتُهم. فمَن خلَقه الله للجنةِ استعمَله بعملِ أهلِ الجنةِ حتى يُميتَه على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنة، فيُدخِلَه به الجنةَ، ومن خلَقه للنارِ استعمَله بعملِ أهلِ النَّارِ حتى يُميتَه على عملٍ من أعمالِ أهلِ النار، فيُدخلَه به النارَ" (١). قال أبو عمر: زيادةُ من زاد في هذا الحديث نُعيمَ بنَ ربيعةَ ليست حجَّةً؛ لأنَّ الذي لم يذكُرْه أحفظُ، وإنَّما تُقبلُ الزِّيادةُ من الحافظِ المتقنِ. وجملةُ القولِ في هذا الحديثِ أنّه حديثٌ ليس إسنادُه بالقائم؛ لأنَّ مسلمَ بنَ يسارٍ ونُعيمَ بنَ ربيعةَ جميعًا غيرُ معروفَينِ بحَمْل العِلْم، ولكنَّ معنَى هذا الحديثِ قد صحَّ عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ كثيرةٍ ثابتةٍ يطولُ ذكرُها، من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ وغيرِه جماعةٍ يطولُ ذكرُهم: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عثمانَ بنِ غياثٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ بُريدةَ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ وحُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ لقِيا عبدَ الله بنَ عمرَ فذكَرا له

стр. 2046

القَدَرَ وما يقولون فيه. فذكر الحديثَ عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ بطُولِه، وقال في آخرِه: وسأله رجلٌ من مُزَينةَ أو جُهينةَ، فقال: يا رسولَ الله، ففيمَ نعملُ، في شيءٍ قد خلا ومضَى، أو في شيءٍ مستأنَفٍ الآنَ؟ فقال: "في شيءٍ قد خلا ومضى". فقال الرَّجلُ أو بعضُ القوم: ففيمَ العملُ؟ فقال: "إنَّ أهلَ الجنةِ يُيسَّرون لعملِ أهلِ الجنةِ، وإنَّ أهلَ النارِ يُيسَّرون لعملِ أهلِ النارِ". ورُوي هذا المعنى عن عمر، عن النبيِّ ﷺ من طُرق، وممَّن روَى هذا المعنى في القدَرِ عن النبيِّ ﷺ : عليُّ بنُ أبي طالب (١)، وأُبيُّ بنُ كعب (٢)، وابنُ

стр. 2047

عباس (١)، وابنُ عمر (٢)، وأبو هريرة (٣)، وأبو سعيدٍ الخدريُّ (٤)، وأبو سَرِيحةَ
следующие страницы →