← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2078–2117 · переход к 2083.

стр. 2078

ولكُلِّ واحدٍ مِنَ القَولين وجْهٌ وآثارٌ تدُلُّ على ما ذهَب إليه مَن قال به، نذكُرُ منها ما حضَرَنا حفظُه ممَّا فيه كفايةٌ إن شاء الله. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١): أخبرنا يحيَى بنُ حَبيبِ بنِ عربي، قال: حدَّثنا مُوسَى بنُ إبراهيمَ بنِ كثيرٍ الأنصَاريُّ المدَني، قالى: سمِعتُ طَلحَةَ بنَ خِرَاشٍ يقول: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أفضلُ الذِّكرِ لا إلهَ إلَّا الله، وأفضلُ الدُّعاء الحمدُ لله". قال أبو عمر: رُبَّما وقَفه على جابر، وقد رُوِي مِن غيرِ هذا الوَجْهِ عن جابرٍ مرفُوعًا (٢) أيضًا: "أفضلُ الذِّكرِ لا إلهَ إلَّا الله، وأفضلُ الشُّكرِ الحمْدُ لله" (٣). وفي حديثِ جابرٍ هذا مع حديثِ مالكٍ حُجَّةٌ لمَنْ ذهَب إلى أنَّ أفضلَ الذِّكرِ لا إلهَ إلَّا الله.

стр. 2079

وأمَّا قولُه في حديثِ جابر: "أفضلُ الدُّعاء الحمدُ لله" فإنَّ الذِّكرَ كلَّه دُعَاءٌ عندَ العلماء، وممَّا يُبيِّنُ ذلك ما حدَّثنا به عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ وأحمدُ بنُ عمرَ بنِ عبدِ الله، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ علي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيس، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ إسماعيلَ بنِ زُريقٍ (١) أبو زيدٍ المَوْصلي، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ الحسنِ المَروَزِيُّ، قال: سألتُ ابنَ عيينةَ يومًا: ما كان أكثرَ قولِ رسولِ الله ﷺ بعرفةَ؟ قال: "لا إلهَ إلَّا الله، وسُبحَانَ الله، والحمدُ لله، واللهُ أكبرُ، ولله الحمدُ"، ثمّ قال سفيانُ: إنَّما هو ذِكْرٌ، وليسَ فيه دعاءٌ، ثم قال: أمَا عَلمْتَ قولَ الله حيثُ يقولُ: "إذا شغَل عَبدي ثَناؤُه عليَّ عَن مسألتي، أعطَيْتُه أفضلَ ما أُعطِي السَّائلِينَ"؟ قال: قلتُ: نعم، حدَّثتَني أنتَ يا أبا محمّدٍ، عن منصُور، عن مالكِ بنِ الحارث، وحدَّثني (٢) عبدُ الرحمنِ بنُ مهْديٍّ، عن سُفيانَ الثوريِّ، عن منصُور، عن مالكِ بنِ الحارثِ، قال: هذا تفسيرُه. ثم قال: أما علِمتَ قولَ أُميَّةَ بنِ أبي الصَّلتِ حينَ أتَى ابنَ جُدْعانَ يطْلُبُ نائِلَه وفضْلَه؟ قلتُ: لا، قال: قال أُميَّةُ حينَ أتَى ابنَ جُدْعان (٣): أأطْلُبُ حاجَتي أمْ قد كَفاني ... حَياؤُكَ إنَّ شيمَتكَ الحياءُ إذا أثْنَى عليكَ المرْءُ يومًا ... كَفَاه مِن تَعَرُّضِك الثَّناءُ (٤)

стр. 2080

قال سفيانُ ﵀: هذا مخلُوقٌ حينَ يُنسَبُ إلى أنْ يُكتَفى بالثَّناء عليه دُونَ مسألتِه، فكيفَ بالخالقِ ﵎؟! قال الحُسينُ: لمَّا سألتُ سُفيانَ ﵀ عن هذا، فكأنِّي إنَّما سألتُه عن آيةٍ من كتابِ الله! وذلك أنَّني لم أدع كبيرَ أحدٍ بالعِرَاقِ إلَّا وقد سألتُه عنه، فما فسَّرَه لي كما فسَّرَه ابنُ عُيينةَ ﵀ (١). قال أبو عمر: هي أبيَاتٌ كثيرة، قد أنْشَدَها المُبرِّدُ وحَبيب (٢)، فذَكرا بعدَ البَيْتين اللذَين في الخبرِ المذكُور: وعِلمُكَ بالحقُوقِ وأنتَ فرعٌ ... لك الحسَبُ المُهذَّبُ والسَّناءُ كريمٌ ما يُغيِّرُه صباحٌ ... عن الخُلُقِ الجمِيلِ ولا مساءُ يُبارِي الرِّيحَ مكرُمةً وجُودًا ... إذا ما الكَلْبُ أجْحَرَه الشتاءُ وأرْضُك كلُّ مكرمةٍ بناها ... بنو تَيْمٍ وأنتَ لها سماءُ وحديثُ مالكِ بنِ الحارثِ؛ قولُه هذا، قد رُوِيَ مرفُوعًا إلى النبيِّ ﷺ ؛ رواه صفوانُ بنُ أبي الصَّهباء، عن بُكيرِ بنِ عُتيق (٣)، عن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمر، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطَّاب، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "يقولُ الله :

стр. 2081

مَن شغَله ذكْري عَن مسألتي أعْطَيتُه أفضلَ ما أُعطِي السَّائِلين" (١)، ليسَ يجيءُ هذا الحديثُ، فيما علِمتُ، مرفُوعًا إلَّا بهذا الإسنادِ، وصفوَانُ بنُ أبي الصَّهباء وبُكيرُ بنُ عُتيقٍ رَجُلان صَالحان. وحدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسَنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا عليّ بنُ سعيدٍ الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عمرَ العَدَنيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، قال: قال لي عبدُ العزيزِ بنُ عمر: كنتُ أتمنَّى أن ألقَى الزُّهريَّ، فرأيْتُه في النوم بعد موتِه عندَ الحدَّادِين، فقلتُ: يا أبا بكر، هل من دعوةٍ؟ قال: نعم لا إلهَ إلّا الله وحدَه لا شريكَ له، توكَّلْتُ على الحيِّ الذي لا يَمُوتُ، اللَّهُمَّ إني أسألُك أن تُعِيذَني وذُرِّيَّتي من الشيطانِ الرَّجيم (٢). قال أبو عمر: فهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ الثَّناء دُعاءٌ، ويفسِّرُ معنَى حديثِ هذا الباب، واللهُ الموفِّقُ للصَّواب. قال أبو عُمر: مَن فضَّلَ "الحَمدُ لله" فحُجَّتُه ما أخبرناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): أخبرنا

стр. 2082

عمرُو بنُ علي، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي، عن إسرائيل، عن ضِرارِ بنِ مُرَّةَ، عن أبي صالح الحنفِيِّ، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ اصطَفَى مِن الكلام أربعًا: سُبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبرُ؛ فمَن قال: سُبحَانَ الله، كُتِبت له عِشرُون حسنةً، وحُطَّت عنه عِشرُون سيِّئةً، ومَن قال: الله أكبرُ، فمثلُ ذلك، ومَن قال: لا إلهَ إلَّا الله. فمِثلُ ذلكَ، ومَن قال: الحمدُ لله ربِّ العالمين مِن قِبَلِ نفسِه، كُتِبت له ثلاثُون حسنةً، وحُطَّت عنه ثلاثُون سيَّئةً". وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١): أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال أخبرنا جرِيرٌ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن السَّلُوليِّ، عن كعبٍ، قال: اختارَ الله الكلام، فأحبُّ الكلام إلى الله ؛ لا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ الله، والحمدُ لله، فمَن قال: لا إلهَ إلَّا الله. فهي كلمَةُ الإخلاص، كتَب الله له بها عشرِين حسنةً، وكفَّرَ عنه عشرين سيِّئةً، ومَن قال: الله أكبرُ. فذلك جلالُ الله، كتَب الله له بها عشرين حسنةً، وكفَّرَ عنه عشرين سيِّئةً، ومَن قال: سبحانَ الله. كُتِب له بها عشرُون حسنةً، وكُفِّرَ عنه عشرُون سيِّئةً، ومَن قال: الحمدُ لله. فذلك ثناءُ الله، وثناؤُه الحمدُ لله، كتَب له بها ثلاثين حسنةً، وكفَّرَ عنه ثلاثِين سيِّئة.

стр. 2083

قال حمزةُ (١): يُشبِهُ أن يكُونَ السَّلُوليُّ عبدَ الله بنَ ضمرَةَ. قال أبو عمر: مَن قال: إنَّ هذه الأربَعَ سواءٌ. احتَجَّ بما رواه أبو حمزَةَ (٢)، عن الأعمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خَيرُ الكلام أربَعٌ، لا تُبالي بأيِّهن بدَأتَ: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبرُ" (٣). وخالفَه ابنُ فُضَيل، فرواه عن الأعمَشِ، عن أبي صالح، عن بعضِ أصحابِ النبيِّ ﷺ (٤). وليسَ فيه حجَّةٌ واضحَةٌ، وما تقدَّم في "الحمدُ لله" واضحٌ، وقد جاءَ عن ابنِ عباسٍ تفضِيلُ "سبحانَ الله" على "الحمدُ لله"، وتقدِيمُ "لا إلهَ إلَّا الله" على الذِّكرِ كلِّه. وذكر أبو العبَّاسِ محمدُ بنُ إسحاقَ السَّرَّاجُ في "تاريخِه" قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُطيع، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يُوسُفَ بنِ مِهرَانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كتَب صاحبُ الرُّوم إلى مُعاويَةَ يسألُه عن أفضَلِ الكلام، ما هو؟ والثاني والثالثِ والرَّابع، وكتَب إليه يسألُه عن أكرَم الخلْقِ على الله، وأكرَم الإمَاء على الله، وعن أربعةٍ مِن الخَلقِ لم يرْكُضُوا في رَحم، ويسألُه عن قبرٍ سارَ بصاحبِه، وعن المَجرَّةِ، وعن القَوس، وعن مكانٍ طلَعَت فيه الشمسُ لم تطلُعْ قبلَ ذلك ولا بعدَه.

стр. 2084

فلمَّا قرَأ معاويةُ الكتابَ قال: أخْزاه الله، وما علمِي بما هاهنا؟ فقِيلَ له: اكتُبْ إلى ابنِ عباس، فسَلْه. فكتَب إليه يسألُه، فكتَبَ إليه ابنُ عباس: إنَّ (١) أفضلَ الكلام "لا إلهَ إلّا الله" كلمَةُ الإخْلاص، لا يُقبلُ عملٌ إلَّا بها، والتي تَليها "سبحانَ الله وبحَمدِه" أحبُّ الكلام إلى الله (٢)، والتي تَلِيها "الحمدُ لله" كلمَةُ الشُّكرِ، والتي تليها "الله أكبرُ" فاتِحةُ الصَّلواتِ والرُّكُوع والسُّجُودِ، وأكرَمُ الخلْقِ على الله آدمُ ﵇، وأكرَمُ الإماء على الله مريَمُ، وأمَّا الأربعةُ التي لم يرْكُضُوا في رحم؛ فآدمُ، وحوَّاءُ، والكَبشُ الذي فُدِيَ به إسماعيلُ (٣)، وعصَا مُوسَى حيثُ ألقَاها فصارَت ثُعبانًا مُبينًا، وأمَّا القبرُ الذي سارَ بصاحبه فالحُوتُ حينَ التقَمَ يُونُسَ، وأمَّا المَجرَّةُ فبابُ السَّماء، وأمَّا القوسُ فإنها أمانٌ لأهلِ الأرضِ مِن الغرَقِ بعدَ قوم نوح، وأمَّا المكانُ الذي طلَعَت فيه الشمسُ، ولم تطْلُعْ قبلَه ولا بعدَه، فالمكانُ الذي انفرَجَ مِن البحرِ لبَني إسرائيلَ. فلمَّا قدِمَ عليه الكتابُ أرسَلَ به إلى صاحِبِ الرُّوم، فقال: لقد علمتُ أنَّ معاوَيةَ لم يكُنْ له بهذا علمٌ, وما أصابَ هذا إلَّا رجلٌ مِن أهلِ بيتِ النُّبوَّة (٤). ومِن الحجَّةِ لقولِ ابنِ عباسٍ في تفضِيلِ "سُبحانَ الله" ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٥)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيْبةَ، قال (٦): حدَّثنا يحيَى بنُ أبي بُكير، عن شُعْبةَ، عن

стр. 2085

الجُريريِّ (١)، عن أبي عبدِ الله الجَسْريِّ (٢)، عن عبدِ الله بنِ الصَّامِتِ، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي (٣) رسولُ الله ﷺ : "ألا أُخْبِرُك بأحَبِّ الكلام إلى الله؟ ". قلتُ: بَلَى يا رسولَ الله. قال: "أحَبُّ الكلام إلى الله سبحانَ الله وبحَمْدِه". ومَنْ قال: لا إلهَ إلَّا الله أفْضَلُ الكَلام، فَمِنْ حُجَّتِه حديثُ جابِرٍ الذي قدَّمْنا ذكْرَه، وحديثُ مالِكٍ المذكُورُ في هذا البابِ، وما حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْحٍ وعبدُ الرَّحمَنِ بنُ يحيَى، قالا: أخبرنا حمزَةُ بنُ محمدِ بنِ علي الحافِظُ، قال: أخبَرنا عِمْرَانُ بنُ مُوسَى بنِ حُميْدٍ الطَّبِيبُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ يُونُسَ (٤)، عن سُفْيانَ الثَّوْريِّ، عن مَنْصُور (٥)، عن هِلالِ بنِ يِسَاف، عن الأغرِّ (٦)، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قال: لا إلهَ إلَّا الله، أنْجَتْه يومًا مِنَ الدَّهْرِ، أصابَه قَبْلَها ما أصَابَه" (٧).

стр. 2086

وحدَّثني خَلَفُ بنُ القاسِم الحافِظُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أُسامة، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ رشْدِينَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ إملاءً، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ يُونُسَ، عن سُفْيَانَ الثَّوريِّ، فذَكَر بإسْنادِه مِثْلَه. وذكر أبو الحسن عليُّ بنُ محمدٍ الأزْرَقُ في كتابِه في "الصَّحابَةِ"، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسنِ الكُوفي، قال: حدَّثنا عبَّادُ بنُ أحمدَ العَرْزمي، قال: حدَّثني عمِّي (١)، عن أبيه، عن أبي المُجَالِدِ، عن زْيدِ بنِ وَهْب، عن أبي المُنْذِرِ الجُهَنيِّ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، ما أفْضَلُ الكَلام؟ قال: "يا أبا المُنْذِرِ، قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحمدُ، يُحيى ويُمِيتُ، بيدِه الخيرُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ. مئة مرَّةٍ في يوم؛ فإنَّك إذا قُلْتَ ذلِكَ في يوم، فأنتَ أفْضلُ النَّاسِ عَمَلًا، إلَّا مَنْ قال مِثْلَ مقالتِكَ، وأكثر مِنْ: سُبْحَانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللّه، ولا تَنْسَ الاستغِفارَ في صَلاتِكَ؛ فإنَّها ممْحَاةٌ للخطايا، رَحْمَةٌ مِنَ الله" (٢). وحدثني عبدُ الرَّحمَنِ بنُ يحيَى وأحمدُ بنُ فَتْح، قالا: حدَّثنا حمزَةُ بنُ محمدٍ،

стр. 2087

قال (١): حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ داودَ بنِ عُثْمانَ بنِ سعيدِ بنِ أسلِمَ (٢) الصَّدَفيُّ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ يَزِيدَ أبو شَريكٍ، قال: حدَّثنا ضِمامُ بنُ إسماعيلَ، عن مُوسَى بنِ ورْدَانَ، عن أبي هريرة، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "أكثِرُوا مِنْ شهادَةِ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ قَبْلَ أنْ يُحالَ بينكم وبينَها، ولقِّنُوها موتَاكم". حدَّثني قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ سَعْدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيسٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نعمَةَ البَصْريُّ، قال: كتَب إليَّ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ مالكِ بنِ أنسٍ يَذْكُرُ: حدَّثني إسماعيلُ بنُ أبي أُوْيسٍ، عن أبيه (٣)، عن أبي الزِّنَادِ (٤)، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ :"مَن قال: لا إلهَ إلَّا الله، أبدًا، غُفِر له أبدًا" (٥).

стр. 2088

وروى ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث، أنَّ درَّاجًا أبا السَّمْح حدَّثَه، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "قال مُوسَى: يا ربّ، علِّمْني شيئًا أذكُرُكَ بِه، وأدْعُوكَ بِه. قال: يا مُوسَى، قُلْ: لا إلهَ إلَّا الله. قال مُوسَى: يا ربِّ، كلُّ عِبَادكَ يقولُ هذا. قال: قُلْ: لا إلهَ إلَّا الله. قال: لا إلهَ إلّا أنْتَ، إنَّما أُريدُ شيئًا تخُصُّني به. قال: يا مُوسَى، لو أنَّ السَّماواتِ السَّبع، وعامِرَهُنَّ غيري، والأرَضِينَ السَّبع في كفَّة، ولا إلهَ إلّا اللهُ في كفَّةٍ، مالت بِهنَّ لا إلهَ إلّا اللهُ" (١). وروى يزيدُ بنُ بشيرٍ، عن سَلْم (٢) بنِ المُغير، عن مالكِ بن أنس، عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه (٣)، عن جدِّه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن قال كُلَّ يوم مئةَ مرَّةٍ: لا إلهَ إلّا اللهُ، الحقُّ المُبِينُ. كان له أمانًا مِنَ الفَقْرِ، وأُنْسًا مِن وحْشَةِ القَبْرِ، واستجْلَبَ بِه الغِنَى، واستقْرَعَ بِه بابَ الجَنَّةِ" (٤). وهذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثِ مالكٍ، لا يَصِحُّ عنه، واللهُ أعلم.

стр. 2089

وقد حدَّثناه خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بنُ القاسِم بنِ يُوسُفَ بنِ فَارِس وأبو الطَّيِّبِ محمدُ بنُ جعفَرٍ غُنْدَر، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الله بنِ أيُّوبَ المُخرِّميُّ (١)، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بنُ غانم، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن جَعْفَرِ بنِ محمد، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليِّ بنِ أبي طالب، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن قال في يوم مئةَ مرَّةٍ: لا إلهَ إلّا اللهُ، الحقُّ المُبِينُ"، فذَكَره سواء (٢). ورواه محمدُ بنُ عثمانَ النَّشيطيُّ (٣)، قال: أخبرنا أبو الحجَّاج النَّضْرُ بنُ محمدٍ -بَصْريٌّ (٤) ثقَةٌ، من ولَدِ زائِدة بنِ قُدَامةَ- عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن قال في يومٍ مئةَ مَرَّةٍ: لا إله إلا اللهُ، الحقُّ المُبِينُ. اسْتَقْرَعَ بابَ الجنَّةِ، وأمِنَ من وَحْشَةِ القَبْرِ، واستجْلَبَ بها الرِّزْقَ، وأمِن مِنَ الفَقْرِ" (٥). وهذا لا يَرْويه عن مالكٍ مَنْ يُوثَقُ به، ولا هو مَعْرُوفٌ مِن حديثه، وهو حديثٌ حسَنٌ تُرْجَى بركَتُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى. حدَّثنا عليُّ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ حمُّويَةَ قراءةً عليه، قال: حدَّثنا الحسَنُ بنُ رشيق، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ حَفْصِ بنِ عُمَرَ البَصْريُّ، قال: حدَّثنا عُبيْدُ الله بنُ محمدٍ بنُ عائِشَةَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن آنسِ بنِ مالكٍ، قال: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ إلى اليَمَنِ، فقال: "يا مُعَاذُ، اتَّقِ اللهَ، وخالِق النَّاسِ بخُلُقٍ حَسَنٍ، وإذا عَمِلْتَ سيِّئةً فأتْبِعْها حَسَنةً". قال: قلتُ: يا رسُولَ

стр. 2090

الله، "لا إلهَ إلّا الله" مِنَ الحَسَناتِ؟ قال: "هِيَ أكبرُ الحَسَناتِ" (١). حدَّثني خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حدَّثنا ابنُ رشْدِين، قال: حدَّثني محمدُ بنُ يحيى بن إسماعيلَ الصدَفيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، قال: قال رجُلٌ للأوزَاعيِّ: يا أبا عَمْرٍو، أيُّهما أحبُّ إليك؛ "لا إلهَ إلّا اللهُ" مئة مرَّةٍ، أو "سبحانَ الله" مِئتَي مرَّةٍ؟ قال: لا إلهَ إلّا الله (٢). وأخبرني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا أسلَمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثني المُزَنيُّ، عن الشافعيِّ، قال: أفضلُ الدُّعاء يومَ عرفَةَ. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ بنِ العباسِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرِ بنِ يزيدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن محمّدِ بنِ سيرينَ، قال: كانوا يَرْجُون في ذلك المَوْطِن -يعني بعرفةَ- حتّى للجنينِ في بَطْنِ أُمِّه (٤). قال أبو عمر: لمالك عن زياد بن أبي زياد هذا، مما يدخلُ في حُكْمِ هذا الباب، لأنه توقيف في الأغلب:

стр. 2091

مالكٌ (١)، عن زياد بن أبي زياد، قال: قال أبو الدَّرْداء: ألا أُخْبِرُكم بخيرِ أعْمالِكم لكم (٢) وأرفَعِها في دَرَجاتِكُم، وأزْكاها عند مَلِيكِكُم، وخَيْرٍ لكُم من إعطاءِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخَيْرٍ لكُم من أن تَلْقَوا عدوَّكُم فتضرِبُوا أعناقَهُم، ويَضْرِبوا أعناقَكُم؟ قالوا: بَلَى، قال: ذِكْرُ الله. قال زيادُ بنُ أبي زياد: وقال أبو عبد الرحمن مُعاذ بن جَبَل: ما عَمِلَ ابنُ آدمَ مِن عَمَلٍ أنْجَى لهُ من عَذَاب الله، من ذِكْر الله. وهذا يروى مُسْندًا من طُرقٍ جَيّدةٍ عن أبي الدَّرداء، عن النبيِّ ﷺ . حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَيّان أبو خالد الأحمر، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن أبي الزُّبير، عن طاوس، عن مُعاذ بن جَبَل، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما عَمِلَ ابنُ آدم من عَمَلٍ أنْجَى له من عَذاب الله من ذِكْر الله". قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلّا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع".

стр. 2092

حدَّثنا (١) يحيى بنُ يوسُف، قال: حدَّثنا يوسُفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو عيسى التِّرمذي، قال (٢): حدَّثنا الحَسَنُ بنُ حُريث، قال: حدَّثنا الفَضْل بن موسى، عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد مولى ابن عَياش، عن أبي بَحْرية، عن أبي الدَّرْداء، قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكُم بخَيْر أعمالِكُم، وأزكاها عند مَلِيكِكُم، وأرفَعِها في درجاتكم"، فذكر الحديث في الموطأ سواء. قال: وقال معاذ بن جَبَل: ما عَمَل ابن آدم من عَمَلِ أنْجَى له من عذاب النار من ذكر الله. وذكرَ ابنُ أبي شَيْبة، قال (٣): حدَّثنا يحيى بنُ واضح، عن موسى بن عُبَيْدة، عن أبي عبد الله القراظ، عن مُعاذ بن جَبَل، قال: قال رسولُ الله ﷺ :"مَن أحَبَّ أن يَرْتَعَ في رياضِ الجَنّة، فليُكْثِر من ذِكْر الله". قال (٤): وحدَّثنا وَكيع، عن مِسْعَر، عن عَلْقمة بن مَرْثَد، عن ابن سابِط، عن مُعاذ بن جبل، قال: لأن أذكرَ الله من غُدْوةٍ حتى تطلع الشمس، أحب إليَّ من أن أُحْمَلَ على الجهاد في سبيل الله، من غدوة إلى أن تطلع الشَّمْس. قال (٥): وحدَّثنا هُشَيْم، عن يَعْلَى بن عطاء، عن بِشْر بن عاصم، عن عبد الله بن عُمر، قال: ذكر الله بالغَدَاة والعَشِي، أعظمُ من حَطْمِ السُّيوف في سبيلِ الله، وإعطاءِ المال سَحًّا.

стр. 2093

زيادُ بن سَعْد بنِ عبد الرحمن الخُراسانيُّ، أبو عبد الرحمن (١) أصلُه من خُراسانَ ونشأتُه بها، ثم سكن مكّةَ زمانًا ثم تحوَّل منها إلى اليمن فسَكن عَكَّ، قال ابن عُيينةَ: هو من العرب، وصَحِب الزُّهريَّ إلى أرضه حين كتب عنه. قال ابن عُيينةَ: وكان زيادُ بنُ سعدٍ ثقةً، قال: وكان لا يكتب إلا شيئًا يحفظُه إذا كان قصيرًا، وإن كان طويلًا لم يرضَ إلا الإملاء. قال: وقال لي زيادُ بنُ سعدٍ: أنا لا أحفظُ حِفظَكَ، أنت أحفظُ منّي؛ أنا بطيءُ الحفظِ، فإذا حفظتَ شيئًا كنتُ أحفظَ منك. قال ابن عُيينةَ: وقال أيوبٌ لزيادِ بنِ سعدٍ: متى سمعتَ من هلال بن أبي ميمونةَ، ويحيى بنِ أبي كثير؟ فقال: سمعتُ منهما بالمدينة. قال: وكان زيادُ بن سعدٍ خُراسانيًا. وذكر ابنُ أبي حازم، عن مالكٍ، قال: حدثني زيادُ بن سعد وكان ثقة من أهل خُراسانَ، سكن مكّةَ، وقدِم علينا المدينة، وله هيبةٌ وصلاح. وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: سألتُ أبي عن زياد بن سعد، فقال: ثقة. وكذلك قال يحيى بن معين: زياد بن سعد خراسانيٌّ ثقة. قال أبو عمر: أروى الناسِ عنه ابنُ جُريج، وكان شريكَه، ويقال: إنّ زيادَ بنَ سعد كان أميًّا لا يكتب، وفي خبر (٢) ابن عيينة ما يدل على أنّه كان يكتب إلّا إن أراد أنّه كان يكتب له، فاللهُ أعلمُ.

стр. 2094

ولمالكٍ عنه في "الموطأ" من حديث النبيِّ ﷺ حديثان، أحدهما: متَّصلٌ مسندٌ، والآخر: مرسلٌ (١). حديث أول لزياد بن سَعْد مالكٌ (٢)، عن زيادِ بنِ سَعْدٍ، عن عَمْرِو بنِ مُسلم، عن طاوُوس اليمانيِّ، أنّه قال: أدْرَكْتُ ناسًا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ يقولون: كلُّ شيءٍ بقدَر. قال طاوُوسٌ: وسمِعتُ عبدَ الله بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ :"كلُّ شيءٍ بقدَرٍ، حتى العَجْزُ والكَيْسُ، أو الكَيْسُ والعَجْزُ" (٣). هكذا رواه يحيى على الشَّكِّ في تقديم إحدَى اللَّفْظتين، وتابَعَه ابنُ بُكَيْر، وأبو المُصْعبِ (٤)، ورواه القَعْنَبيُّ (٥) وابنُ وَهْبٍ موقُوفًا، لم يَزِيدوا على قوله:

стр. 2095

عن طاوُوسٍ: أدرَكْتُ ناسًا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ يقولون: كلُّ شيءٍ بقدَرٍ. وأكثرُ الرُّواةِ ذكروا الزيادةَ عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، كما روَى يحيى (١)، إلّا أنَّ منهم مَن لم يَشُكَّ ورواه على القَطْع (٢). وهو حديثٌ ثابِتٌ لا يجئُ إلّا مِن هذا الوجْهِ؛ فإن صَحَّ أنَّ الشَّكَّ مِن ابنِ عمر، أو ممَّن هو دُونَه، ففيه دليل على مراعاةِ الإتْيانِ بألفاظِ النبيِّ ﷺ على رُتْبَتِها، وأظُنُّ هذا مِن وَرَع ابنِ عمرَ ﵀. والذي عليه العلماءُ اسْتِجازَةُ الإتيانِ بالمعاني دُونَ الألفاظِ لمن يَعْرِفُ المعنَى، رُوِيَ ذلك عن جماعَةٍ مَنْصوصًا، ومَن تأمَّلَ حديثَ ابنِ شهابٍ ومثلَه، واختلافَ أصْحابِهم عليهم في مُتُونِ الأحادِيثِ، بانَ له ما قُلْنا، وبالله توفيقُنا. وفي هذا الحديثِ أدلُّ الدلائلِ وأوضَحُها (٣) على أنَّ الشرَّ والخيرَ كلٌّ مِن عندِ الله، وهو خالِقُهما، لا شريكَ له، ولا إلهَ غيرُه؛ لأنَّ العَجزَ شر، ولو كان خيرًا ما استَعاذ منه رسولُ الله ﷺ ، ألا تَرى أنَّ رسولَ الله ﷺ قد استَعاذ مِن الكَسَل والعَجْزِ، والجُبْنِ والدَّيْنِ (٤)، ومُحَالٌ أن يَسْتَعِيَذ مِن الخيرِ، وفي قولِ الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] كِفايَةٌ لمَن وُفِّق، وقال : ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣؛ فاطر: ٨]. وروى مالكٌ (٥)، عن زيادِ بنِ سعدٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنّه قال: سَمِعْتُ عبدَ الله بنَ الزُّبير يقولُ في خُطْبَتِه: إنَّ اللهَ هو الهادي والفاتِنُ.

стр. 2096

وفيما أجاز لنا أبو ذَرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ الهرَويُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وَهْبٍ السَّقَطِيُّ بالبصرة، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ خالدُ بنُ النَّضِر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَرْبٍ أبو الحسنِ المَوْصليُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ العَدَويُّ، قال: حدثني عبدُ العزيزِ بنُ أبي روَّادٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباح يقولُ: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ، فأتاه رجلٌ فقال: أرأيتَ مَن حرَمَني الهُدَى، وأوْرَثَني الضلالةَ والرَّدَى، أتراه أحْسنَ إليَّ أو ظلَمَني؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: إن كان الهُدَى شيئًا كان لك عندَه، فمنَعكَه، فقد ظلَمكَ، وإنْ كان الهُدَى له، يُؤْتيه مَن يشاءُ، فما ظلَمكَ شيئًا، ولا تُجالِسْني بعدَه (١). وقد رُوي أنَّ غَيْلانَ القَدَريَّ وقَفَ بربيعَةَ بنِ أبي عبدِ الرحمنِ، فقال له (٢): يا أبا عثمانَ، أرأيْتَ الذي منَعَني الهُدَى، ومنَحَني الرَّدَى، أأحْسَنَ إليَّ أمْ أساءَ؟ فقال ربيعةُ: إن كان منَعك شيئًا هو لك، فقد ظلَمكَ، وإن كان فضْلَه يُؤْتِيه مَن يشاءُ، فما ظلَمكَ شيئًا. وإنَّما أخَذَه ربيعةُ مِن قولىِ ابنِ عباسٍ هذا، واللهُ أعلمُ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]،. ذكر عبدُ الرزاقِ (٣)، عن مَعمرٍ، عن ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبّاس، أنّه قال له رجلٌ: يا أبا العباس، إنَّ ناسًا يقولونَ: إنَّ الشرَّ ليس بقَدَرٍ. فقال:

стр. 2097

بينَنا وبينَ أهلِ القَدَرِ هذه الاصلةُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية كلّها حتى بلَغ: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. وقال غَيْلانُ القَدَرِيُّ لربيعةَ: أنت الذي تَزْعُمُ أنَّ اللهَ يُحِبُّ أن يُعْصَىَ؟ قال: وأنت تَزْعُمُ أنّ اللهَ يُعْصىَ قَسْرًا (١)؟ أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ (٢)، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بنُ هِشام، قال: حدَّثني أبي، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ نبي الله ﷺ قال: "اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بك مِن العجزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، والهَرَم (٣)، وعذابِ القَبْرِ، وفِتنةِ المَحْيا والمَمات". قال: وأخبرنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ (٤)، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا

стр. 2098

محاضرٌ، قال: حدَّثنا عاصِم الأحْوَلُ، عن عبدِ الله بنِ الحارِثِ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: ألا أُعَلِّمُكم ما كان رسولُ الله ﷺ يُعَلِّمُنا: "اللهمَّ إني أعوذُ بك مِن العجزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، والهَرَم، وعذابِ القبرِ، اللهمَّ آتِ أنفسَنا تَقْواها، وزَكِّها (١) أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت ولِيُّها ومولاها، اللهمَّ إني أعُوذُ بك مِن قلبٍ لا يخشَعُ، ومن نفسٍ لا تَشْبَعُ، وعِلْم لا يَنْفَعُ، ودعوَةٍ لا يُسْتَجابُ لها". وذكر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ عيَّاش، قال: حدَّثنا إدريسُ بنُ وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ، عن أبيه، قال: نَظَرْتُ في القدَرِ فتَحَيَّرتُ، ثم نَظَرْتُ فيه فتَحَيَّرْتُ، ووجَدْتُ أعلمَ الناسِ بالقدَرِ أكَفَّهم عنه، وأجْهَلَ الناسِ به أنطَقَهم فيه. وروى إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا نَصْرُ بنُ علي، قال: حدَّثنا الأصْمَعي (٢)، قال: سمِعتُ أبا عمرِو بنَ العلاءِ يقولُ: أشْهَدُ أنّ اللهَ يُضِلُّ ويَهْدِي، فإن قيل لي: فسِّرْ. قُلْتُ: أغْنِ عني نَفْسَك. قال الحسنُ بنُ عليِّ الحُلْوانيُّ: أملى عَلَيَّ عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: سألتُ عبدَ الرحمنِ بنَ مهديٍّ عن القدَرِ، فقال لي: كلُّ شيءٍ بقَدَرٍ، والطاعةُ بقَدَرٍ، والمعصيةُ بقَدَر. قال: وقد أعْظَمَ الفِرْيَةَ مَن قال: إنَّ المعاصيَ ليست بقدَر. قال: وقال لي عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ: العِلْمُ والقدَرُ والكتابُ سواء. ثم عرَضْتُ كلامَ عبدِ الرحمنِ هذا على يحيى بنِ سعيد، فقال: لم يَبْقَ بعدَ هذا قليلٌ ولا كثير (٣).

стр. 2099

قال أبو عمر (١): رُويَ عن النبيِّ ﷺ من حديث ابن مسعود، رواه أبو وائلٍ وغيرُه عنه، أنّه قال: "إذا ذُكِر القَدَرُ فأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرتِ النُّجومُ فأمسِكُوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمْسِكُوا" (٢).

стр. 2100

حديثٌ ثانٍ لزيادِ بنِ سعدٍ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيَادِ بنِ سَعْدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أنّه سَمِعه يقوُل: سَدَل رسولُ الله ﷺ ناصِيتَه ما شاءَ اللهُ، ثم فَرَق بعدُ. هكذا رواه الرُّواةُ كلُّهم عن مالكٍ مُرسَلًا (٢)، إلّا حمَّادَ بنَ خالدٍ الخيَّاطَ، فإنَّه وصَلَه وأسنَدَه، وجعَلَه عن مالكٍ، عن زيَادِ بنِ سَعدٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ. فأخطَأ فيه، والصوابُ فيه من روايةِ مالكٍ الإرسَالُ كما في "الموطّأ" (٣). والصوابُ (٤) فيه من غير روايةِ مالكٍ أنّه من حديثِ ابنِ عباسٍ (٥)، لا من حديثِ أنسٍ، وهو الذي يُصَحِّحُه أهلُ الحديث. فأمَّا روايةُ حمَّادِ بنِ خالدٍ، عن مالكٍ: فحدَّثني خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْرَانَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ خالدٍ الخيَّاطُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن زيَادِ بنِ سعد، "عن الزهريِّ، عن أنسٍ، قال: سَدَل رسولُ الله ﷺ ناصِيتَه ما شاء اللهُ أن يسدُلَ، ثم فَرَق بعدُ (٦).

стр. 2101

وهكذا رواه صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حنبَلٍ، عن أبيه -كما رواه أخوه عبدُ الله، عن أبيه- عن حمَّادِ بنِ خالدٍ، عن مالكٍ، عن زَيادِ بنِ سَعدٍ، عن الزهريِّ، عن أنس (١). ورواه إسحاقُ بنُ داودَ، عن أحمدَ بنِ حنبل، عن حمَّادِ بنِ خالدٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، لم يذكُرْ زيادَ بنَ سعدٍ (٢)، فأخطأ فيه أيضًا. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عليٍّ بنِ الجارُودِ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ سعد، عن الزهريِّ، عن أنس، أنَّ النبيَّ ﷺ سَدَل ناصِيتَه ما شاء اللهُ أن يَسدُلها، ثم فَرَق بعد (٣). قال أحمدُ بنُ حنبل: وهذا خطأ، وإنَّما هو عن ابنِ عباس. قال أبو عمر: ما قاله أحمدُ فهو الصوابُ. كذلك رواه يُونُسُ بنُ يزيد وإبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عبَّاس: حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ زكريا النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا (٤) أبو عبدِ الله الحسينُ بنُ محمدِ بنِ الضَّحَّاك، قال:

стр. 2102

حدَّثنا أبو مَرْوانَ العُثمانيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباسبى، قال: سَدَل رسولُ الله ﷺ ناصِيتَه، ثم فَرَقَ بعد. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يُونُسَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا ابنُ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يحب مُوافَقةَ أهلِ الكتابِ فيما لم يُؤْمَرْ فيه، وكان أهلُ الكتابِ يَسْدُلُونَ شُعُورَهم (١)، وكان المشركون يَفرُقونَ شُعورَهم، فسَدَل رسولُ الله ﷺ ناصِيتَه، ثم فَرَق بعد (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسَامَة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَعفرٍ الوَرْكانيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس، قال: كان أهلُ الكتابِ يَسدُلونَ شُعورَهم، وكان المشركون يَفْرُقونَ رؤُوسَهم، وكان رسولُ الله ﷺ يُحِبُّ مُوافَقَةَ أهلِ الكتابِ فيما لم يُؤمَرْ به، فسَدَل رسولُ الله ﷺ ناصِيتَه، ثم فَرَق بعد (٣).

стр. 2103

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا المطَّلِبُ بنُ شُعَيْب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعد، قال: حدَّثني يُونُسُ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباسٍ (٢). فذَكَره (٣). وكذلك رواه ابنُ وَهْب، عن يُونُسَ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباسٍ مثلَه مرفوعًا. حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمّدِ بنِ مسرورٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا سحْنُونُ بنُ سعيدٍ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يُوُنسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عتبةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَسدُلُ شَعَرَه، وكان المشركون يَفرُقُوَن رُؤوسَهم، وكان أهلُ الكتابِ يَسْدِلُونَ رُؤوسَهم، وكان رسولُ الله ﷺ يُحِبُّ مُوافَقةَ أهلِ الكتابِ فيما لم يُؤمَرْ فيه بشيءٍ، ثم فَرَق رسولُ الله ﷺ رأسَه (٤). ورواه مَعمَرٌ وابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله مُرسَلًا، لم يَذكُرَا ابنَ عباسٍ (٥). قال محمدُ بنُ يحيى النَّيْسابوريُّ: والصحيحُ المحفوظُ ما رواه يُوُنسُ وإبراهيمُ بنُ سعدٍ. قال وما أظُنُّ ابنَ عُيينةَ سَمِعه من الزهريِّ.

стр. 2104

قال أبو عمر: في هذا الحديثِ من الفقهِ: تركُ حَلْقِ شَعَرِ الرَّأسِ (١)، وحَبسُ الجُمَم (٢). وفيه دليلٌ على أنَّ حبسَ الجُمَّةِ أفضلُ من الحَلْقِ؛ لأنَّ ما صنَعه رسولُ الله ﷺ في خاصَّتِه أفضلُ ممَّا أقَرَّ الناسَ عليه ولم يَنهَهُم عنه؛ لأنّه في كلِّ أحوالِه في خاصةِ نفسِه، على أفضلِ الأمورِ وأكمَلِها وأرفَعِها، ﷺ . وفيه أيضًا من الفِقْهِ: أنَّ الفَرْقَ في الشَّعَرِ سُنَّهٌ، وأنه أولى منَ السَّدْلِ لأنه آخِرُ ما كان عليه رسولُ الله ﷺ ، وهذا الفَرْقُ لا يكونُ إلّا مع كثرةِ الشَّعَرِ وطُولِه. والنَّاصِيَةُ: شَعَرُ مُقدَّم الرأسِ كُلِّه، وسَدْلُه: تركُه مُنْسدِلًا سائِلًا على هَيئَتِه، والتَّفرِيقُ: أنْ يَقْسِمَ شَعَرَ ناصيَتِه يمينًا وشِمالًا، فتَظهَرَ جَبهتُه وجَبِينُه من الجانبَيْن (٣)، والفَرْقُ سنةٌ مَسْنونةٌ، وقد قيل: إنّها من مِلَّةِ إبراهيمَ وسُنَّتِه ﷺ . ذكر الكلبيُّ، عن أبي صالح (٤)، عن ابنِ عباسٍ في قولِ الله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ة ١٢٤]. قال: الكَلِماتُ عشرُ خِصالٍ، خَمسٌ منها (٥) في الرأسِ، وخَمسٌ في الجَسَدِ؛ فأمَّا التي في الرأسِ: ففَرْقُ الشَّعَرِ، وقَصُّ الشَّارِبِ، والسِّواكُ، والمَضْمَضةُ، والاستنشاقُ. وأمَّا التي في البَدَنِ:

стр. 2105

فالخِتانُ، وحلقُ العانةِ، والاستنجاءُ، ونَتْفُ الإبْطِ، وتقليمُ الأظافر. وقولُه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: عَمِل (١) بِهِنَّ. قال أبو عمر: يُؤكِّدُ هذا قولُ الله : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية [النحل: ١٢٣] , وقولُه ﵎: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا أبو منصورٍ محمدُ بنُ سعدٍ الباوَرْديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ سلَّام ويحيى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قالا: حدَّثنا الجرَّاحُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا قُرَيْشُ بنُ إسماعيلَ بنِ زكريا الكوفيُّ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ عِمرانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه سلم-: "اخْضبُوا (٢)، وفَرِّقُوا، وخَالِفُوا اليَهُودَ" (٣)، وهذا إسنادٌ حسَنٌ، ثقاتٌ كلُّهم. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ دينار، عن ابنِ القاسم (٤)، عن مالك، قال: رأيتُ عامِرَ بنَ عبدِ الله بنِ الزُّبير، وربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمنِ،

стр. 2106

وهشامَ بنَ عُروةَ، يَفْرُقُون شُعُورَهم، وكانت لهم شُعورٌ، وكانت لهشام جُمَّةٌ إلى كَتِفَيه. حدَّثنا عبدُ الرحمنِ (١)، قال: حدَّثنا علي (٢)، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا سُحنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ اللَّيثيُّ، أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز كان إذا انصرَف مِن الجُمُعةِ أقام على بابِ المسجدِ حَرَسًا يَجُزّون كلَّ شَيْنِ الهيئةِ في شَعَرِه لم يَفْرُقْه. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ -يعني الأثرَمَ- قال: سألتُ أبا عبدِ الله -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ- عن صِفةِ شَعَرِ النبيِّ ﷺ ، فقال: جاءَ في الحديثِ أنّه كان إلى شَحْمَةِ أُذنيه، وفي بعضِ الحديثِ: إلى مَنْكِبَيه، وفي بعضِ الحديثِ أنّه فَرَقَ. قال: وإنَّما يكونُ الفَرْقُ إذا كان له شَعَرٌ. قال: وأحصَيتُ عن ثلاثةَ عَشَرَ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ أنَّهم كان لهم شَعَرٌ. فذكر منهم: أبا عُبَيدةَ بنَ الجرَّاح، وعمَّارَ بنَ ياسرٍ، والحسنَ، والحسينَ، وعن ابنِ مسعودٍ أنَّ شَعَرَه كان يَبلُغُ تَرْقُوَتَه، وأنّه كان إذا صلَّى جعَله وراءَ أُذنيه (٣). قال أبو عمر: فيما حكاه أحمدُ بنُ حنبلٍ، ﵀، أنّه أحصَى من الصحابةِ ثلاثةَ عَشَرَ رجلًا (٤) لهم شَعَرٌ، دليل على أنَّ غيرَهم -وهم الأكثرُ- لم يكنْ لهم شَعَرٌ على تلك الهيئةِ، والشَّعَرُ الذي يُشِيرُ إليه هي الجُمَّةُ والوَفْرةُ (٥). وفي هذا دليلٌ

стр. 2107

على إباحةِ الحَلْقِ، وعلى حَبْسِ الشَّعَرِ؛ لأنّ الهَيْئتينِ جميعًا قد أقرَّ عليهما رسولُ الله ﷺ أصحابَه، ولم ينهَ عن شيءٍ منهما، فصاركلُّ ذلكَ مُباحًا بالسُّنَّةِ، وبالله التوفيق. وأمّا الحَلْقُ المعروفُ عندَهم، فبِالجَلَمَيْن (١)؛ لأنّ الحلقَ بالمُوسَى لم يكنْ معروفًا عندهم في غيرِ الحَجِّ، واللهُ أعلمُ. هذا قولُ طائفةٍ من أصحابِنا. وأمّا غيرُهم فيقولُ: إنَّ الحلقَ بالمُوسَى لما كان سُنَّةً ونُسُكًا في مَوضِع، وجَب أن يُتبرَّكَ به، ويُستحَبَّ على كلِّ حالٍ، ولا يُقضى بوُجوبِه سُنَّةً ولا نُسُكًا إلّا في ذلك الموضِع، ولا وجهَ لكراهيةِ مَن كَرِهَه، ولا حُجَّةَ معه من كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماع، وإنَّما هو رأيٌ واستحسانٌ جائزٌ خلافُه إلى مِثلِه. ذكر الحُلْوانيُّ (٢)، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ (٣)، عن مُغِيرةَ (٤)، عن إبراهيمَ: أنّه كان يَستحِبُّ أن يُوفِّرَ شَعَرَ رأسِه إذا أراد الحجَّ. قال: وحدَّثنا عمرُو بنُ عونٍ، عن هشيم، عن يونسَ (٥)، عن الحسنِ: أنَّه كان لا يرى بأْسًا أن يأخُذَ شَعَرَه عندَ الإحرام. وذكر موسى بنُ هارونَ الحمَّالُ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدٍ الجاري (٦)، قال: أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: أنّه رأى أباه، وأبا حازم، وصَفوانَ بنَ سُلَيْم، وابنَ عَجْلانَ، إذا دخَل الصَّيفُ حلقوا رؤوسَهم. قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ: وكان أبي إذا تخلَّف عن الحَجِّ حلَق يومَ الأضحى.

стр. 2108

قال أبو عمر: قد كان مالكٌ ﵀ يكرهُ حلقَ القَفَا (١)، وما أدْري إن كان كَرِهَه مع حلقِ الرأسِ أو مُفرَدًا؟ وهذا ليس من شرائع الأحكام، ولا من الحلالِ والحرام، والقولُ في حلقِ الرأسِ يُغني عن القولِ في حلقِ القفَا، والقولُ في ذلك واحدٌ عندَ العلماء، واللهُ أعلمُ. وقد يجوزُ أن تكونَ كراهيةُ مالكٍ لحلقِ القَفَا، هو أن يرفَعَ في حَلْقِه حتى يحلِقَ بعضَ مُؤخَّرِ الرأسِ على ما تَصنعُه الرُّومُ، وهذا تَشَبُّهٌ؛ لأنّا قد رُوِّينا عن مالكٍ أنّه قال: أوَّلُ مَن حلَق قفَاه عندَنا دراقسُ النصرانيُّ. قال أبو عمر: قد حلَق الناسُ رُؤوسَهم وتَقصَّصوا، وعرفوا كيف ذلك قرنًا بعدَ قرنٍ من غيرِ نكيرٍ، والحمدُ لله. قال أبو عمر: صار أهلُ عصرِنا لا يَحبِسُ الشَّعَرَ منهم إلّا الجُنْدُ عندَنا، لهم الجُمَمُ والوَفَراتُ، وأضرَب عنها أهلُ الصَّلاح والسَّترِ والعلم، حتى صار ذلك علامة مِن علاماتِهم، وصارت الجُمَمُ اليومَ عندَنا تكادُ تكونُ علامةَ السُّفَهاءِ. وقد رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَن تَشَبَّهَ بقوم فهو منهم" (٢). أو:

стр. 2109

"حُشِر معهم" (١). فقيل: مَن تَشَبَّه بهم في أفعالهم. وقيل: مَن تَشَبَّه بهم في هيئاتِهم. وحَسبُكَ بهذا، فهو مُجمَلٌ في القتداء بهَدْي الصَّالحين على أيِّ حالٍ كانوا. والشَّعَرُ والحلْقُ لا يُغنيانِ يومَ القيامةِ شيئًا، وإنَّما المجازاةُ على النِّياتِ والأعمال، فرُبَّ محلوقٍ خيرٌ مِن ذي شَعَر، ورُبَّ ذي شَعَرٍ رَجُلًا صالحًا. وقد كان التَّختُّمُ في اليمينِ مُباحًا حسَنًا؛ لأنّه قد تختَّم به جماعةٌ من السَّلَفِ في اليمينِ، كما تختَّم منهم جماعةٌ في الشِّمال، وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ الوجهان جميعًا (٢)، فلمَّا غَلَبَتِ

стр. 2110

الرَّوافضُ على التَّختُّم في اليمينِ ولم يخلِطُوا به غيرَه، كرهه العلماءُ؛ مُنابذةً لهم، وكراهيةً للتَّشبُّهِ بهم؛ لا أنّه حرامٌ، ولا أنّه مكروهٌ، وبالله التوفيق. حدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصم النَّبيلُ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن المقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا سأله: كيف أصُبُّ على رأسي؟ قال: كان رسولُ الله ﷺ يَصُبُّ على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ. قال: إنَّ شَعَري كثير. قال: كان شَعرُ رسولِ الله ﷺ أكثرَ مِن شَعَرِك وأطْيَب (١). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ النُّفيلي (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزنادِ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان شَعَرُ رسول الله ﷺ فوقَ الوفْرَةِ دُونَ الجُمَّةِ (٤).

стр. 2111

وقال أبو بكرٍ الأثرَمُ: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا قَتَادَةُ، عن أنسٍ، قال: كان شَعَرُرسولِ الله ﷺ يضْرِبُ مَنكِبَيه (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عَفَّانُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرنا أبو إسحاقَ، قال: سَمِعتُ البَراء يقولُ: كان رسولُ الله ﷺ بَعِيدَ ما بَينَ المنكِبَين، يبلُغُ شَعَرُه شَحْمةَ أُذُنَيه (٢). وروى حُميْدٌ، عن أنسٍ مثلَ حديثِ البراء سواءً (٣).

стр. 2112

حديثٌ ثالثٌ لزيادِ بن سَعْدٍ مالكٌ (١)، عن زيادِ بنِ سَعْد، عن ابن شِهابٍ، أنّه قال: لا يُؤخذُ في صدقةِ النَّخلِ الجُعرور (٢)، ولا مُصرانُ الفأرة (٣)، ولا عذقُ ابنِ حُبَيْق. قال: وهو يُعدُّ على صاحبِ المال، ولا يُؤخذُ منه في الصَّدقة. وهذا يُروى عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سهل، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ . هكذا يرويه سفيانُ بنُ حسينٍ وسليمانُ بنُ كثير، عن ابنِ شهاب. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيَى بنِ فارس، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا

стр. 2113

عبَّاد، عن سفيانَ بنِ حسين، عن الزهريِّ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيف، عن أبِيه، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن الجُعرورِ ولونِ الحبيقِ أنْ يُؤخذا في الصَّدقةِ. قال الزهريُّ: لونينِ من تمرِ المدينةِ. قال أبو داود: وأسندَه أيضًا سليمانُ بنُ كثير، عن الزهريِّ. حدَّثنا أبو الوليدِ عنه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيف، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهىَ عن لونينِ منَ التَّمرِ؛ الجُعْرور، ولونِ الحُبَيْقِ. قال: ونزلتْ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) [البقرة: ٢٦٧]. قال الأصمعيُّ: الجُعرورُ ضربٌ من الدَّقَلِ يحمِلُ شيئًا صغارًا لا خيرَ فيه.

стр. 2114

قال: وعَذْقُ ابنِ حُبيقٍ: ضربٌ مِنَ الدَّقلِ رديءٌ، والعَذقُ: النَّخلةُ -بفتح العينِ- والعِذقُ بالكسرِ: الكِبَاسةُ (١)، كأنَّ التَّمرَ سُمِّيَ باسم النَّخلةِ إذْ كان منها. قال الأصمعيُّ: وعذقُ ابنِ حُبيقٍ، أو لونُ الحبيقِ، نحوُ ذلك؛ لأنَّ الدَّقَلَ يقالُ له: الألوانُ، واحدُها لونٌ. والمعنَى ألّا يُؤخذَ هذان الفَّربانِ مِن التَّمرِ في الصَّدقةِ؛ لرداءتِهما، وكان الناسُ يُخرِجونَ شِرارَ ثمارِهم في الصدقةِ، فنُهوا عن ذلك، وأنزَل اللهُ : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبرنا يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى والحارثُ بنُ مسكينٍ قراءة عليه وأنا أسمعُ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: حدثني عبدُ الجليلِ بنُ حُميدٍ اليَحْصُبيُّ، أنَّ ابنَ شهابٍ حدَّثَه، قال: حدَّثني أبو أُمامةَ بنُ سهلِ بنِ حُنيفٍ في هذه الآيةِ التي قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: هو الجُعرورُ ولونُ حُبَيقٍ، فنهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يُؤخذا في الصدقةِ. وفي هذا البابِ أيضًا حديثُ عوفِ بنِ مالكٍ: حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا نصرُ بنُ عاصم. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 2115

شُعيب (١)، قال: أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورقي، قالا: حدَّثنا يحيىَ بنُ سعيد، عن عبدِ الحميدِ بنِ جعفر، قال: حدَّثني صالحُ بنُ أبي عَريب (٢)، عن كثيرِ بنِ مُرَّةَ، عن عوفِ بنِ مالك، قال: دخَل علينا رسولُ الله ﷺ المسجدَ وبيدِه عصًا، وقد علَّقَ رجلٌ قِنًا حَشَفًا (٣)، فطعَنَ بالعصا في ذلك التَّمر، وقال: "لو شاء ربُّ هذه الصَّدقةِ تصدَّقَ بأطيبَ منها؛ إنَّ ربَّ هذه الصَّدقةِ يأكُلُ حَشَفًا يومَ القيامةِ". وذكر وكيعٌ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ قال: كان الرجلُ يتصدَّقُ برُذالةِ مالِه، فنزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤). قال: وحدَّثنا عمرانُ بنُ حُدير، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال: لو وجدْتمُوه يُباعُ في السُّوقِ ما أخَذْتمُوه حتى يُهضمَ لكم مِن الثَّمن (٥).

стр. 2116

وذكر الفريابيُّ (١)، عن قيسِ بنِ الرَّبيع، عن عطاءِ بنِ السَّائب، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ (٢)، قال: نزلَتْ في قوم أخرَجوا في زكاةِ أموالِهم الحشفَ والدِّرْهَمَ الرَّديء. قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: ولو أنَّ لك حقًّا على رجلٍ لم تأخُذْ ذلك منه. قال: وحدَّثنا ورقاء (٣)، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يتصدَّقون بالحشَفِ، فنُهوا عن ذلك، وأُمروا أن يتصدَّقوا بطيِّب. قال: وفي ذلك نزَلَتْ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال أبو عمر: هذا بابٌ مجُتمَعٌ عليه لا اختلافَ فيه، أنّه لا يُؤخذُ هذان اللَّونان مِن التَّمرِ في الصَّدقةِ إذا كان معهما غيرُهما، فإن لم يكنْ معهما غيرُهما أُخذَ منهما، وكذلك الرَّديءُ (٤) كلُّه لا يُؤخذُ منه إذا كان معه غيرُه؛ لأنّه حينئذٍ تَيمُّمٌ للخبيثِ إذا أُخرجَ عن غير. قال مالكٌ: لا يأخذُ المصدِّقُ الجُعرورَ، ولا مُصرانَ الفأرةِ، ولا عذقَ ابنِ حُبيق، ولا يأخذُ البُرْدِي (٥). والبُرديُّ مِن أجودِ التَّمر، فأرادَ مالكٌ ألا يأخذَ الرَّديءَ جدًّا، ولا الجيِّدَ جدًّا، ولكنْ يأخذُ الوسطَ. قال مالكٌ: ومثلُ ذلك السِّخالُ (٦)؛ تُعدُّ مع الغنم على صاحبِها ولا تُؤخذ (٧).

стр. 2117

بابُ الطاءِ (١) طَلحة بن عبد الملك الأيليّ (٢) روى عنه مالكٌ (٣) حديثًا واحدًا مُسندًا صحيحًا، وليس عندَ يحيى، عن مالك. وقد رواه القعنبيُّ (٤)، وأبو المُصْعب (٥)، وابنُ بُكير (٦)، والتِّنِّيسيُّ (٧)، وابنُ وَهْبٍ (٨)، وابنُ القاسم (٩)، وجماعةُ الرُّواةِ "للموطَّأ"، فكرِهْنا أنْ نُخليَ
следующие страницы →