← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2113–2152 · переход к 2118.

стр. 2113

عبَّاد، عن سفيانَ بنِ حسين، عن الزهريِّ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيف، عن أبِيه، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن الجُعرورِ ولونِ الحبيقِ أنْ يُؤخذا في الصَّدقةِ. قال الزهريُّ: لونينِ من تمرِ المدينةِ. قال أبو داود: وأسندَه أيضًا سليمانُ بنُ كثير، عن الزهريِّ. حدَّثنا أبو الوليدِ عنه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيف، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهىَ عن لونينِ منَ التَّمرِ؛ الجُعْرور، ولونِ الحُبَيْقِ. قال: ونزلتْ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) [البقرة: ٢٦٧]. قال الأصمعيُّ: الجُعرورُ ضربٌ من الدَّقَلِ يحمِلُ شيئًا صغارًا لا خيرَ فيه.

стр. 2114

قال: وعَذْقُ ابنِ حُبيقٍ: ضربٌ مِنَ الدَّقلِ رديءٌ، والعَذقُ: النَّخلةُ -بفتح العينِ- والعِذقُ بالكسرِ: الكِبَاسةُ (١)، كأنَّ التَّمرَ سُمِّيَ باسم النَّخلةِ إذْ كان منها. قال الأصمعيُّ: وعذقُ ابنِ حُبيقٍ، أو لونُ الحبيقِ، نحوُ ذلك؛ لأنَّ الدَّقَلَ يقالُ له: الألوانُ، واحدُها لونٌ. والمعنَى ألّا يُؤخذَ هذان الفَّربانِ مِن التَّمرِ في الصَّدقةِ؛ لرداءتِهما، وكان الناسُ يُخرِجونَ شِرارَ ثمارِهم في الصدقةِ، فنُهوا عن ذلك، وأنزَل اللهُ : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبرنا يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى والحارثُ بنُ مسكينٍ قراءة عليه وأنا أسمعُ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: حدثني عبدُ الجليلِ بنُ حُميدٍ اليَحْصُبيُّ، أنَّ ابنَ شهابٍ حدَّثَه، قال: حدَّثني أبو أُمامةَ بنُ سهلِ بنِ حُنيفٍ في هذه الآيةِ التي قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: هو الجُعرورُ ولونُ حُبَيقٍ، فنهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يُؤخذا في الصدقةِ. وفي هذا البابِ أيضًا حديثُ عوفِ بنِ مالكٍ: حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا نصرُ بنُ عاصم. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 2115

شُعيب (١)، قال: أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورقي، قالا: حدَّثنا يحيىَ بنُ سعيد، عن عبدِ الحميدِ بنِ جعفر، قال: حدَّثني صالحُ بنُ أبي عَريب (٢)، عن كثيرِ بنِ مُرَّةَ، عن عوفِ بنِ مالك، قال: دخَل علينا رسولُ الله ﷺ المسجدَ وبيدِه عصًا، وقد علَّقَ رجلٌ قِنًا حَشَفًا (٣)، فطعَنَ بالعصا في ذلك التَّمر، وقال: "لو شاء ربُّ هذه الصَّدقةِ تصدَّقَ بأطيبَ منها؛ إنَّ ربَّ هذه الصَّدقةِ يأكُلُ حَشَفًا يومَ القيامةِ". وذكر وكيعٌ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ قال: كان الرجلُ يتصدَّقُ برُذالةِ مالِه، فنزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤). قال: وحدَّثنا عمرانُ بنُ حُدير، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال: لو وجدْتمُوه يُباعُ في السُّوقِ ما أخَذْتمُوه حتى يُهضمَ لكم مِن الثَّمن (٥).

стр. 2116

وذكر الفريابيُّ (١)، عن قيسِ بنِ الرَّبيع، عن عطاءِ بنِ السَّائب، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ (٢)، قال: نزلَتْ في قوم أخرَجوا في زكاةِ أموالِهم الحشفَ والدِّرْهَمَ الرَّديء. قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: ولو أنَّ لك حقًّا على رجلٍ لم تأخُذْ ذلك منه. قال: وحدَّثنا ورقاء (٣)، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يتصدَّقون بالحشَفِ، فنُهوا عن ذلك، وأُمروا أن يتصدَّقوا بطيِّب. قال: وفي ذلك نزَلَتْ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال أبو عمر: هذا بابٌ مجُتمَعٌ عليه لا اختلافَ فيه، أنّه لا يُؤخذُ هذان اللَّونان مِن التَّمرِ في الصَّدقةِ إذا كان معهما غيرُهما، فإن لم يكنْ معهما غيرُهما أُخذَ منهما، وكذلك الرَّديءُ (٤) كلُّه لا يُؤخذُ منه إذا كان معه غيرُه؛ لأنّه حينئذٍ تَيمُّمٌ للخبيثِ إذا أُخرجَ عن غير. قال مالكٌ: لا يأخذُ المصدِّقُ الجُعرورَ، ولا مُصرانَ الفأرةِ، ولا عذقَ ابنِ حُبيق، ولا يأخذُ البُرْدِي (٥). والبُرديُّ مِن أجودِ التَّمر، فأرادَ مالكٌ ألا يأخذَ الرَّديءَ جدًّا، ولا الجيِّدَ جدًّا، ولكنْ يأخذُ الوسطَ. قال مالكٌ: ومثلُ ذلك السِّخالُ (٦)؛ تُعدُّ مع الغنم على صاحبِها ولا تُؤخذ (٧).

стр. 2117

بابُ الطاءِ (١) طَلحة بن عبد الملك الأيليّ (٢) روى عنه مالكٌ (٣) حديثًا واحدًا مُسندًا صحيحًا، وليس عندَ يحيى، عن مالك. وقد رواه القعنبيُّ (٤)، وأبو المُصْعب (٥)، وابنُ بُكير (٦)، والتِّنِّيسيُّ (٧)، وابنُ وَهْبٍ (٨)، وابنُ القاسم (٩)، وجماعةُ الرُّواةِ "للموطَّأ"، فكرِهْنا أنْ نُخليَ

стр. 2118

كتابنا مِن ذكرِه؛ لأنّه أصلٌ مِن أُصولِ الفقهِ، وما أظنُّه سقَطَ عن أحدٍ من الرُّواةِ إلّا عن يحيى بنِ يحيى، فإنِّي رأيتُه لأكثرِهم، واللهُ أعلم. وقد رواه مِن غيرِ رُواةِ "الموطأ" قومٌ جِلَّةٌ عن مالك؛ منهم: يحيى بنُ سعيدٍ القطَّان (١)، وأبو نُعيم (٢)، وعبدُ الله بنُ إدريسَ (٣)، وغيرُهم. وهو حديثٌ (٤) يدورُ على طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ الأيليِّ هذا، وهو ثقةٌ مَرْضيٌّ، حُجَّةٌ فيما نقَل، روَى عنه مالكٌ وعبيدُ الله بنُ عمرَ بن حفص بن عاصم بن عُمرَ بن الخطّاب (٥)، على أنَّ عُبيدَ الله بنَ عمرَ قد لقِيَ القاسمَ بنَ محمدٍ وروى عنه. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح (٦)، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الجُمَحيِّ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ الأيليِّ، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطِعْه، ومن نذَر أن يعصِيَ اللهَ فلا يعصِه". حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن يحيى (٧)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالقِ،

стр. 2119

قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ عليِّ المُقَدَّميُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ ومالكُ بنُ أنس، عن طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ، عن القاسم، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أنْ يعصِيَ اللهَ فلا يعصِه" (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أبي (٢) هلالٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريس، عن مالك، قال: حدَّثنا طلحةُ بنُ عبدِ الملك، عن القاسم، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذرَ أن يعصِيَ اللهَ فلا يعصه". وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يُوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الحكم، قال: أخبرنا مالك، عن طلحةَ بنِ عبدِ الملك، عن القاسم بنِ محمد، عن عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال. فذكَره سواء. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن مالك، عن طلحةَ بنِ عبدِ الملك، عن القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ قال: "من نذَر أن يُطِيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أنْ يعصيَ اللهَ فلا يعصِه" (٤).

стр. 2120

وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يُوسف، قال: أخبرنا يُوسفُ بنُ أحمدَ أبو يعقوبَ الصَّيدلانيُّ بمكة، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عمرِو بنِ موسَى العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنس، عن طلحةَ بنِ عبدِ الملك، عن القاسم، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطِعْه، ومن نذَر أن يعصيَ اللهَ فلا يعصِه" (١). قال العُقيليُّ: وحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيل، قال: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمر، عن طلحةَ بنِ عبدِ الملك، عن القاسم، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢). وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا ابنُ منيع (٣)، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ هشام البزَّارُ سنةَ سِتٍّ وعشرينَ ومئتين، قال: قيلَ لمالكِ بن أنس (٤) وأنا أسمَعُ: حدَّثكَ طلحةُ بنُ عبدِ الملكِ، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أن يعصِيَ اللهَ فلا يعصِه"؟ فقال مالكٌ: نعم (٥). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطَّاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: سمِعْتُ خلفَ بنَ هشام البزَّارَ يقولُ:

стр. 2121

قيل لمالكِ بنِ أنسٍ وأنا أسمعُ: حدَّثك طلحةُ بنُ عبدِ الملكِ الأيليُّ، عن القاسم، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أن يعصِيَ اللهَ فلا يعصه"؟ قال مالكٌ: نعم (١). وحدَّثني أحمدُ (٢) بنُ قاسم بنِ عيسى المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ هشام البزَّارُ، قال: قيل لمالكِ بنِ أنسٍ وأنا أسمَعُ: حدَّثك طلحةُ بنُ عبدِ الملكِ الأيليُّ، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أنْ يعصِيَ اللهَ فلا يعصِه"؟ فقال مالكٌ: نعم (٣). حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخضِرِ الأسيوطيُّ. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ بنِ أبي التمام وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ موسى بنِ عيسى الحضرميُّ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ النسائيُّ، قال (٤): أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ، عن القاسم، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من نذرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أن يعصِيَ اللهَ فلا يَعْصِه". قال أبو عمر: زعَم قومٌ أنَّ هذا الحديثَ لم يروه عن القاسم بنِ محمدٍ إلّا طلحةُ بنُ عبدِ الملكِ هذا، وقد وجدنا لمحمدِ بنِ أبانَ، عن القاسم بنِ محمدٍ مثلَه.

стр. 2122

حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبانُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثني يحيى (١) بنُ أبي كثيرٍ، عن محمدِ بنِ أبانَ، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من نذَر أن يعصِيَ اللهَ فلا يَعْصِه" (٢). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيُّوبَ بنِ حبيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالقِ، قال: حدَّثنا هُدبةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أبانُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثير، عن محمدِ بنِ أبان، عن القاسم بنِ محمد، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه سواء، ليس فيه ذكرُ الطَّاعة (٣). ومحمدُ بنُ أبانَ هذا هو محمدُ بنُ أبانَ المزنيُّ اليماميُّ (٤)، ليس هو محمدَ بنَ أبانَ بنِ صالح الكوفيَّ، ذاك ضعيفٌ عندَهم، وقيلَ: إنَّ محمدَ بنَ أبانَ هذا لم يروِ عنه إلّا يحيَى بنُ أبي كثير، وهو مجهولٌ. وقال آخرون: هو مدنيُّ (٥) معروفٌ، روَى

стр. 2123

عنه الأوزاعيُّ أيضًا، وله عن القاسم، وعروةَ، وعونِ بنِ عبدِ الله، روايةٌ. وهذا هو الصحيحُ، وهو شيخٌ يماميٌّ ثقةٌ، وحسبُك برواية يحيى بن أبي كثيرٍ والأوزاعيِّ عنه. وفي هذا الحديثِ مِن الفقهِ ما يرُدُّ قولَ العراقيِّينَ فيمَن نذَر معصيةً: أنَّ عليه كفَّارةَ يمينٍ مع تركها؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يأمُرْ في هذا الحديثِ بكفارةٍ لمَن نذَر المعصيةَ، وإنَّما أمَر بتركِ المعصيةِ لا غيرُ. وأمَّا حديثُ ابنِ شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "لا نذرَ في معصيةٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يمين". فحديثٌ منكرٌ عندَ جماعةِ أهلِ العلمِ بالحديثِ، وإنَّما انفردَ به عن الزُّهريِّ سليمانُ بنُ أرقم، وسليمانُ بنُ أرقمَ متروكُ الحديثِ عندَ جميعِهم (١)،

стр. 2124

وكذلك أيضًا حديثُ عمرانَ بنِ حُصينٍ في ذلك لا يصحُّ (١)؛ لأنّه يدورُ على محمدِ بنِ الزُّبيرِ الحنظليِّ، وهو ضعيفٌ، في حديثه مناكيرُ، لا يختلِفونَ في ذلك. وعلى ما ذكَرْتُ لكَ: أنْ لا كفَّارةَ على من نذَر معصيةً إلّا تَرْكُها، فُقهاءُ الحجازِّيينَ؛ منهم: مالكٌ، والشافعيُّ، ومَن تابعَهم (٢).

стр. 2125

وفي هذا الحديثِ أيضًا (١) مِن الفقه: أنَّ كلَّ مَن جعَلَ على نفسِه نذرًا أن يعصِيَ اللهَ، كالجاعلِ عليه: إن الله شفَى مريضَه، أو ردَّ غائبَه، أو نحوَ ذلك، أنْ يشرَبَ الخمرَ، أو يقتُلَ، أو يزني، أو يظلِمَ أحدًا، ونحو ذلك مِن المعاصِي؛ صغائرِها وكبائرِها، أو كالقائلِ مُبتدئًا: لله عليّ أنْ أقتُلَ فُلانًا، أو أشهَدَ عليه بزور، أو أبغيَ عليه وأشفِيَ غيظِي بأذاه. وما أشبَهَ ذلك مِن قليلِ المعاصِي وكثيرِها، فلا يلزَمُه شيءٌ من (٢) ذلك كلِّه؛ لأنّه مِن خُطواتِ الشَّيطانِ، وعليه تركُه فرضًا واجبًا، ولا كفَّارةَ عليه غيرُ ذلك، بظاهرِ هذا الحديثِ؛ لأنَّه لم يأمُرْه فيه النبيُّ ﷺ بكفَّارةً. وكذلك من نذَر ما ليس بطاعةٍ، فليس عليه الوفاءُ به عندَ مالكٍ، ولا كفَّارةَ عليه. وقال مالكٌ (٣) في تأويلِ هذا الحديثِ: إنْ حلَفَ أنْ يمشِيَ إلى الشام، أو إلى مصر، وأشباهِ ذلك ممَّا ليس فيه طاعة، فليس عليه في ذلك شيءٌ؛ لأنّه ليس لله تعالى فيه طاعة. وأمَّا قولُ مالكٍ فيمَن قال: أنا أحمِلُ هذا العمودَ أو غيرَه إلى مكةَ (٤)،

стр. 2126

طلبَ المشقَّةِ: فليحُجَّ غيرَ حاملٍ شيئًا، ويُهدِي. فقد أنكروا عليه إيجابَ الهدي في هذا ومثلِه، وقد مضَى القولُ في هذه المسألةِ في بابِ ثورِ بنِ زيدٍ، والحمدُ لله. وقد اختلَف الصحابةُ والتَّابعونَ وسائرُ الفقهاءِ في مسائلَ مِن هذا الباب، نحوَ قولِ الإنسان: عليَّ نَذْرٌ أنْ أنحَرَ ابني عندَ مقام إبراهيمَ. وما أشبَهَ ذلك، واختلَفَ أيضًا فيه قولُ مالك، والذي يُوجِبُه ظاهرُ هذا الحديثِ أنْ لا شيء عليه، وهو الصوابُ مِن القولِ في ذلك (١)، واللهُ أعلمُ (٢). وأمَّا من نذَر شيئًا لله فيه طاعةٌ، فواجبٌ عليه الإتيانُ به؛ كالصلاةِ، والصِّيام، والصدقةِ، والعتق، وما أشبَهَ ذلك مِن طاعةِ الله، وهذا ما لا خلافَ بينَ عُلماء المسلمينَ فيه. ويشُدُّ ذلك قولُ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. وتأويلُ ذلك: العقودُ التي لا معصيةَ فيها؛ لبيانِ رسولِ الله ﷺ ذلك، فمَن قال: لله عليَّ نذرٌ إنْ لم أشربِ الخمرَ ولم أقتُلْ فُلانًا: فإنَّما هو رجلٌ نذَرَ نذرًا

стр. 2127

لم يجعَلْ له مخرجًا، إنْ سلَّمَه اللهُ مِن قتلِ فُلانٍ، أو مِن شُرب الخمرِ، فعليه أنْ يفيَ بنذرِه، وكلُّ نذرٍ لا مخرَجَ له ولا نيَّةَ لصاحبِه، فكفَّارتُه كفّارةُ يمين، ثبَتتْ بذلك السُّنَّة، وعلى ذلك جُمهورُ عُلماءِ الأمَّةِ، فأغنَى عن الإكثارِ فيه، وقد ذكرناه مُجوَّدًا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، والحمدُ لله. وقد أثنَى اللهُ تعالى على قومٍ كانوا يُوفونَ بالنَّذرِ ويخافونَ يومًا كان شرُّه مُستطيرًا (١). ومن نذرَ ما لا معصيةَ فيه ولاطاعةَ، فقد اختلَفَ الفقهاءُ في ذلك؛ فقال قومٌ: واجبٌ عليه الإتيانُ بذلك؛ لأنّه مُباحٌ. وقال آخرون: لا يجبُ عليه من النَّذرِ إلّا ما كان لله فيه طاعةٌ. وقصَّةُ أبي إسرائيلَ مِن حديثِ جابرٍ وابنِ عباسٍ تدُلُّ على صحَّةِ هذا القولِ، وقد ذكرنا ذلك في بابِ ثورِ بنِ زيدٍ مِن كتابِنا هذا (٢)، وبالله تعالى التوفيقُ. قال أبو عمر (٣): لم يفُتْ يحيَى بنَ يحيَى في "الموطأ" حديث مِن أحاديثِ الأحكام ممَّا رواه غيرُه في "الموطأ" إلّا حديثَ طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ هذا، وسائرُ ما رواه غيرُه من الأحاديثِ في "الموطأ" إنَّما هي أحاديثُ مِن أحاديثِ الجامع ونحوِه، ليسَتْ في أحكام، وأكثرُها أو كلُّها معلولةٌ، مُختلَفٌ فيها عن مالكٍ، وقد تُوبمَ يحيىَ، تابعَه جماعةٌ مِن رُواةِ "الموطأ" على سُقوطِ كلِّ ما أسقطَ مِن تلك الأحاديثِ مِن "الموطأ"، إلّا حديثَ طلحةَ هذا وحدَه، وما عداه فقد تابعَه على سُقوطِه مِن "الموطأ" قومٌ، وخالفَه آخرونَ، وقد ذكرنا ذلك في آخرِ هذا البابِ، ويحيىَ آخرُهم عَرْضًا، وما سقَط مِن روايته فعن اختيارِ مالكٍ وتمحيصِه، واللهُ أعلمُ (٤).

стр. 2128

باب الميم محمَّدُ بنُ شهابٍ الزُّهريُّ (١) وهو محمد بن مُسلم بن عُبيد الله بن عبد الله بن شِهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة بن كِلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤي. هكذا نَسَبهُ مُصعب الزُّبيري وغيرُه (٢)، ليس في ذلك اختلاف، قال مصعبٌ: وأمُّه من بني الدِّيل بن عبد مَناة بن كِنانةَ. قال أبو عمر: كنيتُه أبو بكر، وكان من عُلماء التابعين وفقهائهم، مقدَّم في الحِفْظ والإتقان والرِّواية والاتساع، إمامٌ جليلٌ من أئمَّة الدِّين، أدركَ جماعةً من الصّحابة ورَوَى عنهم، منهم: أنسُ بنُ مالك، وسَهْلُ بنُ سعدٍ، وعبدُ الرحمن بنُ أزهَرَ الزُّهريُّ، وسُنَين (٣) أبو جميلةَ السُّلَمي، ومنهم عبد الله بن عمرَ فيما ذكره مَعمر عن ابن شهاب أنّه سمع منه حديثَهُ في الحج مع الحجّاج -وقيل: إنّه سَمِعَ منه حديثين، وقيل: ثلاثة. وقد ذكرنا من صحَّح ذلك ومن نفاه في باب ابن شهاب عن سالم من هذا الكتاب. وسَمِعَ ابنُ شهاب من جماعة أدركوا النبيَّ ﷺ وهم صغارٌ مثل محمود بن الرَّبيع، وعبدِ الله بن عامر بن ربيعة (٤)، وأبي الطُّفيل، والسائبِ بنِ يزيدَ، ونظرائهم.

стр. 2129

وقد روُيَ عن عَمْرو بن دينار: أنّه ذُكِر عنده الزُّهريُّ، فقال: وأي شيء عندَه؟ أنا لقيتُ جابرًا ولم يلْقَهُ، ولقيتُ ابنَ عمرَ ولم يلْقَهُ، ولقيتُ ابنَ عباس ولم يلْقَهُ، فقَدِم الزُّهريُّ مكّةَ فقيل لعمرو: قد جاءَ الزُّهريُّ، فقال: احملوني إليه، وكان قد أُقعِدَ، فحُمل إليه فلمْ يأتِ أصحابُه إلّا بعد هَويٍّ من الليل، فقيل له: كيف رأيتَ؟ فقال: والله ما رأيتُ مثلَ هذا القرشيِّ قطُّ (١). أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ (٢)، قال: حدَّثنا أحمد بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن أبي سلمةَ الماجشونُ، قال: قلت لابن شهاب: يا أبا بكرٍ، في حديثٍ ذَكَره. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٣)، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ عن عمرِو بنِ دينار قال: جالستُ جابرَ بنَ عبد الله وابنَ عمرَ وابنَ عباسٍ وابنَ الزُّبير، فلمْ أرَ أحدًا أنسَقَ للحديثِ من الزُّهريِّ. حدَّثني خلفُ بنُ القاسم بنُ سهلٍ الحافظُ، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ عبدُ الرحمن بنُ عمرَ البَجَليُّ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ عبدُ الرحمن بنُ عمرٍو الدِّمشقيُّ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُويدٍ عن الأوزاعيِّ قال: ما داهَنَ ابنُ شهابٍ ملِكًا من الملوك قطُّ إذ دخل عليه، ولا أدركتْ خلافةُ هشام أحدًا من التابعين أفقَهَ منه.

стр. 2130

وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعة، قال (١): حدَّثنا هشامُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مسلم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبد العزيز، قال: سمعتُ مكحولًا يقولُ: ابنُ شهابٍ أعلمُ الناسِ. قال الوليد: وسمعت سعيدَ بنَ عبد العزيز يقول: ما ابنُ شهابٍ إلا بحرٌ. وحدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٢): حدَّثنا سليمانُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا ابنُ عيّاشٍ، عن أبي بكر بنِ أبي مريمَ، قال: قلتُ لمكحولٍ: مَن أعلمُ الناس؟ قال: ابنُ شهابٍ، قلت: ثمَّ مَن؟ قال: ابنُ شهابٍ، قلت: ثمَّ مَن؟ قال: ابنُ شهاب. أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ عبد العزيز يقول عن مكحول: ما بقيَ على ظهرها أعلمُ بُسنّةٍ ماضيةٍ من الزُّهريِّ (٣). وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمّدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سمعت سعيدَ بن بشير يذكُر عن قتادةَ، قال: ما بقيَ على ظهرها إلّا اثنانِ، الزُّهريُّ وآخَرُ. فظننّا أنّه يعني نفسَه (٤).

стр. 2131

وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حُدِّثت عن عبد العزيز بنِ عبد الله الأُويسيِّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدِ بن إبراهيمَ عن أبيه، قال: ما جمع أحدٌ بعدَ رسول الله ﷺ ما جَمَع ابنُ شهاب (١) (٢). وذكر الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوانيُّ في كتاب المعرفة (٣)، قال: حدَّثنا محمّدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عيسى (٤) الطّباعُ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، قال: ما وَعَى أحدٌ من العلم (٥) بعدَ رسولِ الله ﷺ ما وَعَى ابنُ شهاب (٦). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٧): حدَّثنا أبو مسلم، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: قال الهُذَليُّ: جالست الحسن وابن سيرين فما رأيت مثله، يعني الزهري. قال سفيان: كانوا يقولون: ما بقي من الناس أحد أعلم بالسنة منه.

стр. 2132

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو زُرعة، قال (١): حذَثني مَعْنُ بنُ الوليد، قال: حدَّثنا جُنادةُ بنُ محمّدٍ المُرِّيُّ، قال: حدَّثنا مخَلد بنُ حسين، عن الأوزاعيِّ، عن سليمانَ بن حبيبٍ المحاربيِّ، قال: قال لي عمرُ بنُ عبد العزيز: ما أتاك به الزهري بسنده فاشدد به يديك. وأخبرنا عبدُ الرّحمنِ بنُ مروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى القُلْزُميُّ (٢)، قال: حدَّثنا حاتمُ بن سهل، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا ابنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: سمعتُ أيوبَ يقول: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ منَ الزُّهريِّ. فقيل له: ولا الحسَنُ؟ قال: ما رأيتُ أعلمَ من الزُّهري (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن وُهيبٍ، قال: سمعت أيوبَ يقول، ما رأيت أحدًا أعلمَ من الزُّهريِّ. فقال له صَخرُ بن جُويريةَ: ولا الحسنُ؟ فقال: ما رأيتُ أعلمَ من الزُّهريِّ.

стр. 2133

وحدَّثنا خلف بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعة، قال (١): حدَّثني أحمدُ، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ محمدٍ، قال: سمعتُ مالكَ بنَ أنس يقول: أخذتُ بلِجام بَغْلة الزُّهريِّ فسألتُه أن يُعيد عليَّ حديثًا، فقال: ما استَعدتُ حديثًا قطُّ. حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا الزُّبير بنُ أبي بكر، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: حدَّثنا ابنُ شهابٍ أربعينَ حديثًا فتوهَّمتُ في حديثٍ منها فانتظرتُه حتى خرجَ ثم سألتُه، وأخذت بلِجام بغَلته عن الحديث الذي شَككْتُ فيه، فقال: أو لم أحدِّثكَه؟ قلت: بلى، ولكني توهمت فيه. فقال: لقد فسدت الرواية خل لجام البغلة، فخليته ومضى (٢). أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، عن اللّيثِ بن سعد، قال: ما رأيت عالمًا قطُّ أجمعَ من ابنِ شهاب، ولا أكثرَ علمًا، ولو سمعتُ ابنَ شهاب يحدِّث بالتَّرغيب لقلتُ: لا يُحسِن (٣) إلّا هذا، وإن حدَّث عن الأنبياء وأهلِ الكتاب قلتُ: لا يُحسن إلّا هذا، وإن حدَّث عن العرب والأنسابِ قلت: لا يُحسِنُ إلّا هذا، وإن حدَّث عن القرآن والسُّنة كان حديثَه (٤). وذكر الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن بُكير، قال: حدَّثنا الليثُ، عن جعفر بن ربيعةَ، قال: قلت لعِرَاك بنِ مالكٍ: مَنْ أفقَهُ أهلِ المدينة، فقال: أما

стр. 2134

أعلمُهم بقضايا رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمرَ وعثمانَ، وأفقَهُهم فقهًا، وأعلمُهم بما مضى من أمر الناس فسعيدُ بن المسيِّب، وأما أغزَرُهم حديثًا فعُروةُ بنُ الزُّبير، ولا تشاء أن تُفجِّرَ من عُبيد الله بنِ عبدِ الله بحرًا إلّا فجّرتَه، قال عِراكٌ: وأعلمَهُم عندي ابنُ شهابٍ، لأنّه جمعَ علمَهم جميعًا إلى علمِه (١). حدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا مروانُ (٢)، قال: حدَّثنا أبو حاتم، قال: حدَّثنا الأصمعيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ الماجشونُ، قال: سمعتُ ابنَ شهابٍ يقول: ما كتبتُ شيئًا قطُّ، ولقد وُلِّيتُ الصدقةَ فأتيتُ سالمَ بنَ عبد الله، فأخرج إليَّ كتابَ الصدقة فقرأه عليَّ فحفظتُه، وأتيتُ إلى أبي بكرٍ بنِ حزمٍ فقرأ عليَّ كتابَ العُقول فحفظتُه. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بنُ أبي بكر، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذر، عن عبد العزيز بنِ عمرانَ: أنّ عبدَ الملك كتبَ إلى أهل المدينة يُعاتِبُهم فوصَل كتابُه في طُومارٍ (٣) فقرئ الكتابُ (٤) على الناس على المنبر، فلمّا فرَغوا وافترق النالسُ اجتمع إلى سعيد بن المسيِّب جلساؤه فقال لهم سعيد: ما كان في كتابكم فإنّا نَودُّ أن نعرفَ ما فيه، فجعل الرَّجل منهم يقول: فيه كذا، والآخَرُ يقول: فيه كذا وكذا، فلمْ يشْتَفِ سعيدٌ فيما سأل عنه، فقال لابن شهاب،

стр. 2135

فقال: أتحِبُّ يا أبا محمدٍ (١) أن تسمعَ كلَّ ما فيه كاملًا (٢)؟ قال: نعم، قال: فأمسِكْ، فهَذَّهُ والله هَذًّا (٣)، كأنما هو في يَده يقرؤه (٤) حتى أتى على آخِره، قال: وقال ابن شهاب: ما استَودعتُ قلبي شيئًا قطُّ فنَسِيُته (٥). أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا دُحيمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى أبو مُسهر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبد العزيز، قال: كان سليمانُ بنُ موسى يقول: إذا جاءنا العلمُ من الحجاز عن الزُّهريِّ قَبِلناهُ، وإنْ جاءنا من العراق عن الحسن قَبِلْناهُ، وإن جاءنا من الجزيرة عن ميمونِ بنِ مهرانَ قَبلناهُ، وإن جاءنا من الشام عن مكحولٍ قَبِلْناهُ، قال سعيدٌ: كان هؤلاء الأربعةُ علماءَ الناسِ في خلافة هشام (٦). حدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: سمعت عبدَ الله بنَ جعفر أبا القاسم القَزوينيَّ يقول: سمعتُ طاهرَ بنَ خالدِ بنِ نزارٍ يقول: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ القاسمَ بنَ مبرورٍ يقول: سمعتُ يونسَ بنَ يزيدَ يقول: كان ابنُ شهابٍ إذا دخل رمضانُ فإنّما هو تلاوةُ القرآنِ وإطعامُ الطعام، وكان ابنُ شهاب أكرمَ الناس. وأخبارُه في الجود كثيرةٌ جدًّا نَذكُر منها لمحةً دالَّة.

стр. 2136

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بنُ أبي بكرٍ القاضي، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن عَمْرو بن دينار، قال: ما رأيتُ أنصَّ للحديث من ابن شهابٍ، ولا رأيتُ أجودَ منه، ما كانتِ الدَّنانيرُ والدراهمُ عندَه إلّا بمنزلة البَعَرِ (١). قال الزُّبيرُ: وحدَّثني عبدُ الرحمن بنُ عبد الله الزُّهريُّ عن عمِّه موسى بن عبد العزيز، قال: كان ابنُ شَهابٍ إذا أبى أحدٌ من أصحاب الحديث [أن] (٢) يأكلَ طعامَه حَلَف ألَّا يُحدِّثَه عشرةَ أيام. وذكر ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ: قال قيل لابن شهاب: لو جلستَ إلى ساريةٍ تُفتي الناسَ، قال: إنّما يجلس هذا المجلسَ مَنْ زَهِدَ في الدُّنيا. وذكر الحُلْوانيُّ قال: حدَّثنا أبو صالح، عن الليث، عن ابن شهابِ، أنّه قال: ما استَودعتُ قلبي شيئًا قطُّ فنسَيتُه (٣). قال الحُلْوانيُّ (٤): وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: سمعتُ مالكًا يقول: ما رأيتُ محدِّثا فقيهًا إلّا واحدًا، قلت: مَنْ هو؟ قال: ابن شهاب. وقال عبيدُ الله بنُ سعيد أبو قدامة، سمعتُ يحيى بنَ سعيد القَطّان، يقول: ما أحدٌ أعلَم بحديث المدنيِّينَ من الزُّهريِّ، وبعدَ الزُّهريِّ يحيى بنُ أبي كثير، وليس مرسلٌ أصحَّ من مرسل الزُّهريِّ لأنّه حافظٌ (٥).

стр. 2137

وقال ابنُ المبارك: حديثُ الزُّهريِّ عندنا كأخْذٍ باليدِ (١). قال: ورأيُ الزُّهريِّ أحبُّ إليَّ من حديث أبي حَنيفةَ. قال أبو عمر: أخبارُ الزُّهريِّ أكثرُ من أن تُحوَى في كتابٍ، فضلًا عن أن تُجمعَ في بابٍ وإنما ذكرتُ منها هاهنا طَرَفًا دالًا على موضعه ومكانه من العلم وإمامتِه وحفظِه، وكان نقْشُ خاتَم الزُّهريِّ: محمدٌ يسألُ اللهَ العافيةَ. ومما يُنشد لابن شهاب يُخاطب أخاه عبد الله: أقولُ لعبدِ الله يومَ لقيتُه ... وقد شدَّ أحلاسَ المَطِيِّ مُشرِّقا تَتَبَّعْ خَبايا الأرضِ وادْعُ مَلِيكَها ... لعلَّك يومًا أن تُجابَ فتُرزَقا وقد رُويَ أنّه قالها لعبد الله بنِ عبد الملكِ بنِ مروانَ، وهي أبياتٌ. ووُلد ﵀ سنة إحدى وخمسين وقيل: سنةَ ثمانٍ وخمسينَ في آخر خلافة معاويةَ، وهي السَّنةُ التي توفِّيت فيها عائشةُ أمُّ المؤمنينَ وأبو هريرة. ومات ﵁ سنة أربع وعشرينَ ومئة في شهر رمضانَ ليلةَ سبعَ عشرةَ منه وهو ابنُ ستٍّ وستينَ (٢)، وذلك قبلَ موت هشام بعام (٣)، وقيل (٤): إنّه مات وهو ابنُ

стр. 2138

اثنتينِ وسبعينَ سنةً، ودُفن على قارعة الطريقِ ليُدعى له، وكانت وفاتُه بضيعةٍ له بناحية شَغْبٍ وبَدَّا (١)، مرض هنالك وأوصى أن يُدفن على قارعة الطريق، فدُفن بموضع يقال له: أدامى، وهي خلف شَغْب وبَدَّا، وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، هذا كله قولُ الواقديِّ ومصعب الزُّبيريِّ والزُّبيرِ بنِ بكّار والطبريِّ وغيرهم (٢)، دخل كلامُ بعضِهم في بعض، والله المستعان. ولابنِ شهابٍ في "الموطّأ" رواية يحيى بن يحيى عن مالكٍ من حديث رسول الله ﷺ مئةُ حديثٍ وأحد وثلاثون حديثًا، منها متَّصلةٌ مسندة اثنانِ وتسعونَ حديثًا، وسائرُها منقطعةٌ مرسلةٌ، فأوَّل المُسنَدة ما رواه عن أنسِ بنِ مالكٍ، وذلك خمسةُ أحاديث.

стр. 2139

حديث أوَّل لابن شِهابٍ، عن أنس قد ذَكَرْنا أنسَ بن مالكٍ في كتابنا في الصحابة (١) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا. مالكٌ (٢)، عن ابن شهابٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا تحاسَدوا، وكونوا عبادَ الله إخْوانًا، ولا يحلُّ لمسلم أن يُهاجِرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ". هكذا قال يحيى: "يُهاجرَ"، وسائرُ الرُّواةِ لـ "الموطأ" يقولُ: "يَهجُرَ" (٣). واختصرَ هذا الحديثَ أبو نُعيم (٤) الفضلُ بنُ دُكَيْن، فخالفَ في لفظِه جماعةَ الرُّواةِ عن مالكٍ، فقال فيه: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ : "لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثةِ أيام، يلقاه هذا فيُعرِضُ عنه، وأيُّهما بدأ بالسلام سبَق إلى الجنة" (٥).

стр. 2140

حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكينٍ، فذَكَره. وقد زاد سعيدُ بنُ أبي مريمَ (١) في هذا الحديث عن مالكٍ: "ولا تَنافَسُوا". أخبرنا أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاق بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَدابَروا، ولا تَنافَسُوا، وكونوا عبادَ الله إخْوانًا، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ" (٣). قال حمزةُ: لا أعلمُ أحدًا قال في هذا الحديثِ عن مالكٍ: "ولا تَنافسوا" غيرَ سعيدِ بنِ أبي مريمَ، وقد روَى هذه اللفظةَ: "ولا تَنافَسُوا" عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ (٤).

стр. 2141

وفي هذا الحديثِ من الفقه: أنّه لا يحلُّ التَّباغُضُ؛ لأنَّ التَّباغُضَ مَفسدةٌ للدِّينِ، حالقِةٌ له، ولهذا ما أمَر رسولُ الله ﷺ بالتَّوادِّ والتَّحابِّ، حتى قال: "تَهادَوا تَحابُّوا" (١). وروى مالكٌ (٢)، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ يقولُ: ألا أُخْبِرُكم بخيرٍ من كثيرٍ من الصلاةِ والصدقةِ؟ قالوا: بلى، قال: صلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وإياكم والبِغْضةَ، فإنَّها هي (٣) الحالِقَةُ. وكذلك لا يحلُّ التَّدابرُ، والتَّدابرُ: الإعْراضُ وتركُ الكلام والسلام ونحوِ هذا (٤). وإنَّما قيل للإعراضِ: تدابرٌ؛ لأنَّ مَن أبغَضته أعرَضتَ عنه، ومن أعرَضتَ عنه ولَّيتَه دُبرَك، وكذلك يَصنعُ هو بك، ومن أحبَبتَه أقبَلتَ عليه وواجَهتَه، لتَسُرَّه

стр. 2142

ويسُرَّك. فمعنى "تَدابَروا"، و"تَقاطَعوا"، و"تَباغَضوا"، معنًى متداخلٌ متقاربٌ، كالمعنى الواحدِ في النَّدبِ إلى التَّواخي والتَّحابِّ، فبذلك أمَر رسولُ الله ﷺ في معنَى هذا الحديثِ وغيرِه، وأمرُ رسولِ الله ﷺ على الوجوبِ حتى يأتيَ دليلٌ يُخرِجُه إلى معنَى النَّدبِ. وهذا الحديثُ وإن كان ظاهِرُه العمومَ، فهو عندي مخصوصٌ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، حيثُ أمَر رسولُ الله ﷺ أصحابَه أنْ يَهجُروه ولا يُكلِّموه، هو، وهِلالَ بنَ أُميَّةَ، ومُرارةَ بنَ رَبيعةَ؛ لتَخلُّفِهم عن غزوَةِ تَبوكَ، حتى أنزَل اللهُ توبتَهم وعُذْرَهم، فأمَر رسولُ الله ﷺ أصحابَه (١) أن يُراجِعوهم الكلامَ (٢). وفي حديثِ كعبٍ هذا ما دليلٌ (٣) على أنّه جائزٌ أن يهجُرَ المرءُ أخاه إذا بدَتْ "له" منه بِدْعةٌ أو فاحشةٌ، يرجو أن يكونَ هِجرانُه تأديبًا له، وزجرًا عنها، واللهُ أعلم. وكذلك قولُه أيضًا في هذا الحديثِ: "لا تحاسَدوا" يقتضي النهيَ عن التحاسُدِ، وعن الحسَدِ في كلِّ شيءٍ، على ظاهِرِه وعُمومِه، إلّا أنّه أيضًا عندي مخصوصٌ بقولِه ﷺ : "لا حسَدَ إلّا في اثنتين، رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فهو يُنفِقُه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ"، هكذا رواه عبدُ الله بنُ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 2143

وروى ابنُ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "لا حسدَ إلّا في اثنتين، رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به ليلَه، ورجلٌ آتاه اللهُ الحكمةَ، فهو يقضِي بها ويُعلِّمُها" (١). فكأنه ﷺ -على ترتيبِ الأحاديثِ وتهذيبِها- قال: لا حسدَ، لكنَّ الحسدَ ينبغي أن يكونَ في قيام الليلِ والنهارِ بالقرآنِ، وفي نفقةِ المالِ في حقِّه، وتعليم العلم أهلَه، ولا هجرةَ إلّا لمن ترجو تأديبَه بها (٢)، أو مَن تخافُ من شرِّه في بدعةٍ أو غيرِها، واللهُ أعلم. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ الطّائيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطّائيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لا حسَدَ إلّا في اثنتين: رجل (٣) آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فهو يُنفِقُ منه (٤) آناءَ الليلِ وآناءَ النهار" (٥). وقد رُوي هذا الحديثُ عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سالم، عن أبيه. ولكنَّه غريبٌ لمالكٍ، وهو لا يصلُحُ له (٦)، وهو صحيح من حديثِ الزهريِّ.

стр. 2144

وروى يزيدُ بنُ الأخنسِ -وكانت له صحبةٌ- عن النبيِّ ﷺ مثلَ حديثِ ابنِ عمرَ هذا سواء (١). وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا قيسٌ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا حسدَ إلّا في اثنتين؛ رجل آتاه اللهُ مالًا فسلَّطه على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ آتاه اللهُ حكمةً، فهو يقضي بها ويُعلِّمُها". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن شيبانَ وهشام الدِّستوائيِّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن يَعيشَ ينِ الوليدِ بنِ هشام -زاد شيبانُ: عن مولى الزُّبيرِ- عن الزُّبيرِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "دبَّ

стр. 2145

إليكم داءُ الأُمم قبلَكم؛ الحسدُ والبغضاءُ، حالقتا (١) الدِّينِ، لا حالقتا الشَّعَرِ". قال أبو معاويةَ -يَعني شيبانَ- في حديثه: "والذي نفسي بيدِه، لا تدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أُنبِّئكم (٢) بشيءٍ (٣) إذا فعلْتموه تحابَبتم؟ أفشُوا السلامَ بينكم" (٤).

стр. 2146

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال (١): حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن حرب بن شَدّاد، عن يحيى بنِ أبي كثير، قال: حدَّثني يعيشُ بنُ الوليدِ، أنَّ مولَى الزُّبيرِ بن العَوّام (٢) حدَّثه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "دَبَّ إليكم داءُ الأُمَم قبلَكم؛ الحسدُ والبغضاءُ". وذكَر الحديثَ (٣). حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ عمرٍو البغداديُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله الحسينُ بنُ محمدِ بنِ عُفَيْرٍ الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا أبو مسعودٍ أحمدُ بنُ الفُراتِ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ (٤)،

стр. 2147

قال: أخبرنا معمر، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، قال: كُنّا جُلوسًا عندَ النبيِّ ﷺ ، فقال: "يطلُعُ عليكم الآنَ رجل من أهلِ الجنَّةِ". قال: فطلَع رجل من الأنصارِ، وقد توضَّأ ولحيتُه تَنْطِفُ (١) من وضوئِه، وقد علَّق نَعْليهِ في يدِه الشِّمالِ، فسلَّم، فلمّا كان الغدُ قال النبيُّ ﷺ مثلَ ذلك، فطلَع ذلك الرجلُ على مثلِ حالِه الأوَّلِ، فلمّا كان اليومُ الثالثُ قال النبيُّ ﷺ مثلَ مقالتِه الأُولى، فطلَع ذلك الرجلُ على مثْلِ هيئتِه، فلمّا قام تبِعه عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ العاص، وقال: إنِّي (٢) لاحَيْتُ أبي، وأقسَمتُ ألّا أدخُلَ عليه ثلاثًا، فإن رأيتَ أن آوِيَ عندَك حتى تمضيَ الثلاثُ فعَلتَ. فبات معه ثلاثًا، فلمْ يَرَه يقومُ من الليلِ شيئًا، غيرَ أنّه إذا تعارَّ (٣) من الليلِ أو تقلَّبَ على فراشِه، ذكَر اللهَ وكبَّر حتى يقومَ لصلاةِ الفجرِ (٤). قال: فلما مضَت الثَّلاثُ ليالٍ، وكِدْتُ أحتَقِرُ عملَه، قلتُ: يا عبدَ الله، إنَّه لم يكن بيني وبينَ أبي هجرةٌ ولا غضبٌ، غيرَ أني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ ثلاثَ مراتٍ: "يطلُعُ عليكم رجل من أهلِ الجنَّةِ". فطلَعتَ أنت ثلاثَ مرّاتٍ، فأردتُ أن آويَ إليك ليلًا، لأنظُرَ عملَك، فأقتدِيَ بك، فلم أرَك تعمَلُ كبيرَ عملٍ، فما الذي بلَغ بك ما قال رسولُ الله ﷺ ؟ قال: ما هو إلّا ما رأيتَ. غيرَ

стр. 2148

أني لم أجدْ في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسُدُه على خيرٍ أعطاه اللهُ إيّاهُ. فقلتُ: هو الذي بلَغ بك، وهو الذي لا نُطيقُ. قال أبو عمر: قد ذمَّ اللهُ قومًا على حَسَدِهم آخَرين آتاهم اللهُ من فضلِه، فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أنَّ أباه أخبره، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: لما رفعَ اللهُ (٢) موسى نجيًّا، رأى رجلًا متعلِّقًا بالعرشِ، فقال: يا ربِّ، من هذا؟ قال: هذا عبدٌ من عبادي صالحٌ، إن شئتَ أخبَرتُك بعملِه. قال: يا ربِّ، أخبِرْني. قال: كان لا يحسُدُ الناسَ على ما آتاهم اللهُ مِن فضلِه. قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ (٣)، قال: حدَّثنا غُندَر، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩]. قال: الحسدُ.

стр. 2149

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أضبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكُلُ النّارُ الحطبَ". وحدَّثنا سعيا وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ بنِ قَعْنَبٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي أَسِيدٍ، عن جَدِّه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يقول: "إيّاكم والحسدَ، فإنَّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ" (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ بنُ المفسِّرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن عبدِ الصَّمدِ، قال: حدَّثنا موسى بنُ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا مخلَدُ بنُ الحسينِ،

стр. 2150

قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسن، قال: ليس أحَدٌ من ولدِ آدَمَ إلّا وقد خُلِق معه الحسدُ، فمَن لم يُجاوِزْ ذلك إلى البغي والظُّلم لم يَتْبَعْه منه شيءٌ (١). ورُوي عن النبيِّ ﷺ بإسنادٍ لا أحفَظُه في وقتي هذا أنّه قال: "إذا حسَدتم فلا تَبغُوا، وإذا ظَنَنتُم فلا تُحقِّقوا، وإذا تطيَّرتم فامضوا، وعلى الله فتوكَّلوا" (٢). وذكر عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثَلاثٌ لا يَسلَمُ منهنَّ أحد؛ الطِّيَرةُ، والظَّنُّ، والحسدُ". قيلَ: فما المخرجُ منهنَّ يا رسولَ الله؟ قال: "إذا تطيَّرتَ فلا تَرجِعْ، وإذا ظنَنتَ فلا تَحقَّقْ، وإذا حسَدتَ فلا تَبْغ" (٣). وذكَر الحَسَنُ بن عليٍّ (٤) الحُلوانيُّ (٥)، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وعارمُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: كذَب على الحسنِ

стр. 2151

ضَربانِ من الناسِ؛ قومٌ رأيُهم القدرُ، فيزيدون عليه ليُنَفِّقوه في الناسِ، وقومٌ في صدورِهم حسدٌ وشنآنٌ وبُغضٌ (١) للحسنِ، فيقولون: أليس يقولُ كذا؟ أليس يقولُ كذا (٢)؟ قال: وحدَّثنا عَفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن هشام، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ سيرينَ يقولُ: ما حسَدتُ أحدًا شيئًا قطُّ؛ بَرًّا ولا فاجرًا (٣). قال أبو عمر: تضمَّن حديثُ الزهريِّ عن أنسٍ في هذا البابِ أنّه لا يجوزُ أن يُبْغِضَ المسلمُ أخاه المسلمَ، ولا يُدبِرَ عنه بوجهِه إذا رآه، فإنَّ ذلك من العداوةِ والبغضاءِ، ولا يَقطَعَه بعدَ صحبتِه له في غيرِ جُرْم، أو في جُرْم يُحمَدُ له العفوُ عنه (٤)، ولا يحسُدَه على نعمةِ الله عندَه حسَدًا يُؤذيه به، ولا يُنافسَه في دنياه، وحسْبُه أن يسألَ اللهَ من فضلِه، وهذا كلُّه لا يُنالُ شيءٌ منه إلّا بتوفيقِ الله تعالى. قيل للحسنِ البصريِّ: أيحسُدُ المؤمنُ أخاه؟ فقال: لا أبا لك، أنسيتَ إخوةَ يوسُفَ (٥)؟ وأصلُ التَّحابِّ والتَّوادِّ المذكورِ في السّنَنِ، معناه الحبّ في الله وحدَه تبارَك اسمُه، فهكذا المحبَّةُ بينَ أهلِ الإيمانِ، فإذا كان هكذا، فهو من أوثقِ عُرَى الدينِ، فإن لم يكنْ فلا تكنِ العداوةُ ولا المنافسةُ ولا الحسدُ؛ لأنَّ ذلك كلَّه منهيٌّ عنه.

стр. 2152

ولمّا كانت موالاةُ أولياءِ الله من أفضلِ أعمالِ البرِّ، كانت معاداةُ أعدائِه كذلك أيضًا، وسيأتي هذا المعنى في بابِ أبي طُوالةَ من هذا الكتابِ إن شاءَ الله. وأجمَع العلماءُ (١) على أنّه لا يجوزُ للمسلِم أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ، إلّا أن يكونَ يخافُ من مكالمتِه وصِلَتِه ما يُفسِدُ عليه دينَه، أو يولِّدُ به (٢) على نَفسِه مضرَّةً في دينه أو دُنياه، فإن كان ذلك فقد رُخِّص له في مجانبتِه وبُعدِه، ورُبَّ صَرْم جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيَةٍ، قال الشاعِرُ (٣): إذا ما تقضَّى الوُدُّ إلّا تكاشرًا ... فهجرٌ جميلٌ للفريقينِ صالحُ (٤) واختلَفوا في المتهاجِرَينِ يُسلِّمُ أحدُهما على صاحبِه، أيُخرِجُه ذلك من الهجرةِ أم لا؟ فروَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنّه قال: إذا سلَّم عليه فقد قطَع الهجرةَ (٥). وكأنَّه، واللهُ أعلمُ، أخَذ هذا مِن قولِه ﷺ : "وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام" (٦)، أو من قولِ من قال (٧): يُجزئُ مِن الصَّرْم السَّلام.
следующие страницы →