← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2148–2187 · переход к 2153.

стр. 2148

أني لم أجدْ في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسُدُه على خيرٍ أعطاه اللهُ إيّاهُ. فقلتُ: هو الذي بلَغ بك، وهو الذي لا نُطيقُ. قال أبو عمر: قد ذمَّ اللهُ قومًا على حَسَدِهم آخَرين آتاهم اللهُ من فضلِه، فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أنَّ أباه أخبره، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: لما رفعَ اللهُ (٢) موسى نجيًّا، رأى رجلًا متعلِّقًا بالعرشِ، فقال: يا ربِّ، من هذا؟ قال: هذا عبدٌ من عبادي صالحٌ، إن شئتَ أخبَرتُك بعملِه. قال: يا ربِّ، أخبِرْني. قال: كان لا يحسُدُ الناسَ على ما آتاهم اللهُ مِن فضلِه. قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ (٣)، قال: حدَّثنا غُندَر، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩]. قال: الحسدُ.

стр. 2149

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أضبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكُلُ النّارُ الحطبَ". وحدَّثنا سعيا وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ بنِ قَعْنَبٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي أَسِيدٍ، عن جَدِّه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يقول: "إيّاكم والحسدَ، فإنَّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ" (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ بنُ المفسِّرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن عبدِ الصَّمدِ، قال: حدَّثنا موسى بنُ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا مخلَدُ بنُ الحسينِ،

стр. 2150

قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسن، قال: ليس أحَدٌ من ولدِ آدَمَ إلّا وقد خُلِق معه الحسدُ، فمَن لم يُجاوِزْ ذلك إلى البغي والظُّلم لم يَتْبَعْه منه شيءٌ (١). ورُوي عن النبيِّ ﷺ بإسنادٍ لا أحفَظُه في وقتي هذا أنّه قال: "إذا حسَدتم فلا تَبغُوا، وإذا ظَنَنتُم فلا تُحقِّقوا، وإذا تطيَّرتم فامضوا، وعلى الله فتوكَّلوا" (٢). وذكر عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثَلاثٌ لا يَسلَمُ منهنَّ أحد؛ الطِّيَرةُ، والظَّنُّ، والحسدُ". قيلَ: فما المخرجُ منهنَّ يا رسولَ الله؟ قال: "إذا تطيَّرتَ فلا تَرجِعْ، وإذا ظنَنتَ فلا تَحقَّقْ، وإذا حسَدتَ فلا تَبْغ" (٣). وذكَر الحَسَنُ بن عليٍّ (٤) الحُلوانيُّ (٥)، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وعارمُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: كذَب على الحسنِ

стр. 2151

ضَربانِ من الناسِ؛ قومٌ رأيُهم القدرُ، فيزيدون عليه ليُنَفِّقوه في الناسِ، وقومٌ في صدورِهم حسدٌ وشنآنٌ وبُغضٌ (١) للحسنِ، فيقولون: أليس يقولُ كذا؟ أليس يقولُ كذا (٢)؟ قال: وحدَّثنا عَفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن هشام، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ سيرينَ يقولُ: ما حسَدتُ أحدًا شيئًا قطُّ؛ بَرًّا ولا فاجرًا (٣). قال أبو عمر: تضمَّن حديثُ الزهريِّ عن أنسٍ في هذا البابِ أنّه لا يجوزُ أن يُبْغِضَ المسلمُ أخاه المسلمَ، ولا يُدبِرَ عنه بوجهِه إذا رآه، فإنَّ ذلك من العداوةِ والبغضاءِ، ولا يَقطَعَه بعدَ صحبتِه له في غيرِ جُرْم، أو في جُرْم يُحمَدُ له العفوُ عنه (٤)، ولا يحسُدَه على نعمةِ الله عندَه حسَدًا يُؤذيه به، ولا يُنافسَه في دنياه، وحسْبُه أن يسألَ اللهَ من فضلِه، وهذا كلُّه لا يُنالُ شيءٌ منه إلّا بتوفيقِ الله تعالى. قيل للحسنِ البصريِّ: أيحسُدُ المؤمنُ أخاه؟ فقال: لا أبا لك، أنسيتَ إخوةَ يوسُفَ (٥)؟ وأصلُ التَّحابِّ والتَّوادِّ المذكورِ في السّنَنِ، معناه الحبّ في الله وحدَه تبارَك اسمُه، فهكذا المحبَّةُ بينَ أهلِ الإيمانِ، فإذا كان هكذا، فهو من أوثقِ عُرَى الدينِ، فإن لم يكنْ فلا تكنِ العداوةُ ولا المنافسةُ ولا الحسدُ؛ لأنَّ ذلك كلَّه منهيٌّ عنه.

стр. 2152

ولمّا كانت موالاةُ أولياءِ الله من أفضلِ أعمالِ البرِّ، كانت معاداةُ أعدائِه كذلك أيضًا، وسيأتي هذا المعنى في بابِ أبي طُوالةَ من هذا الكتابِ إن شاءَ الله. وأجمَع العلماءُ (١) على أنّه لا يجوزُ للمسلِم أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ، إلّا أن يكونَ يخافُ من مكالمتِه وصِلَتِه ما يُفسِدُ عليه دينَه، أو يولِّدُ به (٢) على نَفسِه مضرَّةً في دينه أو دُنياه، فإن كان ذلك فقد رُخِّص له في مجانبتِه وبُعدِه، ورُبَّ صَرْم جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيَةٍ، قال الشاعِرُ (٣): إذا ما تقضَّى الوُدُّ إلّا تكاشرًا ... فهجرٌ جميلٌ للفريقينِ صالحُ (٤) واختلَفوا في المتهاجِرَينِ يُسلِّمُ أحدُهما على صاحبِه، أيُخرِجُه ذلك من الهجرةِ أم لا؟ فروَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنّه قال: إذا سلَّم عليه فقد قطَع الهجرةَ (٥). وكأنَّه، واللهُ أعلمُ، أخَذ هذا مِن قولِه ﷺ : "وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام" (٦)، أو من قولِ من قال (٧): يُجزئُ مِن الصَّرْم السَّلام.

стр. 2153

وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا سلَّم عليه، هل يُجزئُه ذلك من كلامِه إيّاه؟ فقال: يُنظَرُ في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجُرَه؛ فإن كان قد عُلم منه (١) مكالمتُه والإقبالُ عليه، فلا يُخرِجُه مِن الهجرةِ إلّا سلامٌ ليس معه إعراضٌ ولا إدبارٌ (٢). وقد رُويَ هذا المعنى عن مالكٍ؛ قيل لمالكٍ: الرجلُ يهجُرُ أخاه، ثم يبدو له فيسلِّمُ عليه من غيرِ أن يكلِّمَه؟ فقال: إن لم يكنْ مُؤْذيًا له لم يخرُجْ من الشَّحناءِ حتى يكلِّمَه، ويُسقِطَ ما كان من هجرانِه إيّاه (٣). وقد ذكرنا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عطاء بنِ يزيدَ، مِن كتابِنا هذا (٤)، زيادةً مِن الأثرِ المرفوع في معنى (٥) هذا البابِ، وذكرنا في هذا البابِ قولَه: "ألا أدُلكم على شيءٍ إذا فعلْتموه تحابَبتم؟ أفْشُوا السَّلامَ بينَكم" (٦). وفي ذلك دليلٌ على فضلِ السَّلام؛ لما فيه من رَفْعِ التَّباغضِ، وتوريثِ الوُدِّ، ولقد أحسَن القائلُ: قد يمكُثُ الناسُ دهرًا ليس بينَهمُ ... وُدٌّ فيزرَعُه التَّسليمُ واللُّطفُ (٧)

стр. 2154

حديث ثانٍ للزّهْريِّ، عن أنسٍ مالكٌ (١)، عنِ ابنِ شهابٍ (٢)، عن أنسِ بنِ مالكٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ ركِب فَرسًا فصُرِعَ منه، فجُحِش شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى صلاةً مِن الصلواتِ وهو قاعدٌ، فصلَّينا وراءَه قُعودًا، فلمَّا انصرَف قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ بهِ، فإذا صلَّى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفَع فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. وإذا صلَّى جالِسًا فصَلُّوا جُلوسًا أجمعونَ". لم يختلِفْ رُوَاةُ "الموطأ" في إسنادِ هذا الحديث عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ. ورواه سويدٌ (٣)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. فقولوا: ربَّنا لك الحمدُ، وإذا سجَد فاسجُدوا، وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جُلوسًا أجمعونَ". فأخطأ سويدٌ في هذا الحديثِ خطأ لم يُتابِعْه أحدٌ عليه فيما علِمتُ، وزاد فيه: "إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا سجَد فاسجُدوا". ولم يقلْ: "إذا رفَع فارفَعوا". حدَّثنا خلفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ زكريا النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن الأعرج، عن

стр. 2155

أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ بهِ"، فذَكَره (١). ورواه ابنُ وَهْبٍ (٢)، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ (٣)، عن النبيِّ ﷺ ، وقال فيه: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتَّم به، فلا تختلِفُوا عليه". وتابَعه على ذلك عن مالكٍ، أبو عليٍّ الحنفيُّ (٤) وابنُه يحيى بنُ مالكٍ، وهذه الزِّيادةُ ليست في "الموطأ" إلّا في بلاغاتِ مالكٍ؛ أعني قوله: "فلا تختلِفوا عليهِ" (٥). وقد روَاها معنُ بنُ عيسى (٦)، وأبو قُرَّةَ موسى بنُ طارقٍ، عن مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنّما جُعِل الإمام ليُؤتمَّ بهِ، فلا تختلِفُوا عليه". وذكر الحديثَ. وسنذكُرُه بتمامِه في بابِ بلاغاتِ مالكٍ إن شاءَ الله (٧).

стр. 2156

وزادَ عبدُ الله بنُ وَهْبٍ (١) أيضًا في هذا الحديثِ: "وإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا سجَد فاسجُدوا". وتابَعه على ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي (٢) وجُويريةُ بنُ أسماء (٣). وذكر فيه إبراهيمُ بنُ بشيرٍ عن مالكٍ التكبيرَ، ولم يذكرِ السُّجودَ (٤). وليس في "الموطأ" قولُه: "إذا كبَّر فكبِّروا" (٥). ولا قولُه: "إذا سجَد فاسجُدوا". أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ السَّرْح ويونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال (٧): أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، ومالكُ بنُ أنسٍ، والليثُ بنُ سعدٍ، وابنُ سَمعانَ، أنَّ ابنَ شهابٍ أخبرَهم، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ركِب فرسًا فصُرِعَ عنه، فجُحِشَ شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى لنا (٨)

стр. 2157

صلاةً مِن الصلواتِ وهو جالسٌ، وصلَّينا معه جُلوسًا، فلمّا انصرَف قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤْتمَّ بِهِ، فلا تختلِفُوا عليه، فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفَع فارفَعوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمَن حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. وإذا سجَد فاسجُدوا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلُّوا قُعودًا أجمعونَ". فقولُه في هذا الحديثِ: "فلا تختلِفُوا عليه" ليس في "الموطأ"، ولا رواه بهذا الإسنادِ عن مالكٍ غيرُ ابنِ وَهْبٍ، وابنِه يحيى بنِ مالكٍ، وأبي عليٍّ الحنفيِّ (١). واللّه أعلم. وقولُه (٢): "وإذا كبَّر فكبِّروا وإذا سجَد فاسجُدوا" ليس في "الموطأ"، ولا رواه عن مالكٍ غيرُ ابنِ وَهْبٍ، وابنِ مهديِّ، وجُوَيْريَة (٣)، واللهُ أعلم. ورواه أبو حَنيفةَ قَحْزَمُ بنُ عبدِ الله بنِ قَحْزَم الأُسْوانيُّ (٤)، عن الشافعيِّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، فزادَ فيه: في بيتِه. وقال فيه أيضًا: فأشارَ

стр. 2158

إليهم: أنِ أجلِسُوا. ولم يقُلْ ذلك في هذا الحديثِ عن مالكٍ أحدٌ غيرُ الشافعيِّ في روايةِ قَحزَم عنه خاصةً، وإنّما قال مالكٌ: فأشار إليهم: أن اجلِسُوا في حديثه عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة (١). قال الدَّارَقطنيُّ: ليسَ يُحفَظُ في هذا الحديثِ أنّه صلَّى في بيته، إلّا من روايةِ أبي حنيفةَ قَحزَم، عن الشافعيِّ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ. وهو محفوظٌ مِن روايةِ أيوبَ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ صُرِع عن فَرَسه، فجُحِش جَنبُه، فدخَلوا عليه يعُودُونه، فصلَّى بهم قاعدًا، وأومأ إليهم أنِ اقعُدوا، فلمَّا قضَى صلاتَه، قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤْتمَّ به"، وذكر الحديث (٢). قال أبو عمر: وأما حديثُ قَحزَم، عن الشافعيِّ فأخبرناه عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ فقيرُ بنُ موسى بنِ عيسى الأُسْوانيُّ، قال: حدَّثنا أبو حنيفةَ قحزَمُ بنُ عبدِ الله بنِ قَحزَم الأُسوانيُّ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس،

стр. 2159

عن ابنِ شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ (١)، أنَّ رسولَ الله ﷺ ركب فرسًا فصُرِعَ عنه، فجُحِشَ شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى في بيته قاعدًا، وصلَّى خلفَه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم: أنِ اجلِسُوا، ثم قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جُلوسًا أجمعون". فخلَط فيه قَحزَمٌ، وزاد ونقَص ولم يُتِمَّه، والصحيحُ عن مالكِ فيه ما في "الموطأ"، واللهُ أعلم. وفي هذا الحديثِ مِن الفقه: ركُوبُ الخيلِ، وحركتُها (٢)، والتقلُّبُ عليها، وهو يرُدُّ ما رُويَ عن عمرَ مِن كراهيةِ ركوبِ الخيلِ لما فيه مِن الخُيلاء. وأمَّا السُّقوطُ مِن ظُهورِها، فإنَّه لا يكونُ في الأغلبِ لمن يُحسِنُ رُكوبَها، إلّا مع حرَكتِها ودَفعِها (٣) وإجرائِها، وكانَ رسولُ الله ﷺ مِن أحسَنِ الناسِ تقلُّبًا عليها. وفي حديث قتادةَ وثابتٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ركِب فرسًا عُرْيًا (٤) لأبي طلحة. قال بعضُ أهلِ السِّيَرِ: كان ذلك منه في حينَ أغارَ عُيينةُ بنُ حِصْنٍ على لِقاحِ المدينةِ، فخرَج رسولُ الله ﷺ (٥). وفي حديثِ أنسٍ: أنَّ خيلَ المشركين أغارَت على لِقاحٍ بالمدينةِ، فوقَعتِ الصَّيحةُ، فخرَج رسولُ الله (٦) ﷺ على فرسٍ لأبي طلحةَ عُرْىٍ، ثم انصرَف فقال: "إنْ وجَدنَاه لَبحرًا".

стр. 2160

وذكر ابنُ المباركِ، وغُندَرٌ، وابنُ أبي عَدِي، عن شُعبةَ، عن قَتادةَ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ، يقولُ: كان بالمدينةِ فَزَعٌ، فاستَعار رسولُ الله ﷺ فرسًا لأبي طلحةَ يقالُ له: مَندُوبٌ. فركِبه، فلمَّا انصرَف قال: "إنْ وجَدنَاه لَبحرًا" (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هشام، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ فراسٍ، قال: حدَّئنا محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زُنبُورٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنس بنِ مالكٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ أجمَلَ الناسِ وجْهًا، وأجْوَدَ الناسِ كفًّا (٢)، وأشْجَعَ الناس قَلْبًا، خَرَج وقد فَزعَ أهلُ المدينة، فركِبَ فرسًا لأبي طلحةَ عُرْيًا (٣)، ثم رجَع وهو يقولُ: "لن تُراعُوا، لن تُراعُوا". ثم قال: "إنْ وجَدْنَاه لَبحْرًا" (٤). قال أبو جعفر الديْبُليُّ (٥): قال لنا (٦) ابنُ زُنْبُورٍ: لم أسْمَعْ مِن حمَّاد بنِ زيدٍ غيرَ هذا الحديثِ، لَقِيتُه بزمزمَ فحدَّثني به.

стр. 2161

وأما قولُه: "فجُحِش شِقُّه". فإنَّ ذلك كما لو زاحَم إنسانٌ جِدارًا، فانخَدَش خَدشًا بيِّنًا، كما نقولُ نحنُ: انسلَخ وانجرَح (١). فالجحْشُ: فوقَ الخَدْشِ، وحَسبُك أنّه لم يقدِرْ على الصلاةِ قائمًا فصلَّى قاعدًا. وأمَّا قولُه: "إنّما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ بهِ" فقد أجمع العلماءُ على أنَّ الائتِمامَ واجبٌ على كلِّ مأموم بإمامِه في ظاهرِ أفعالِه، وأنَّه لا يجوزُ له خلافُه لغيرِ عُذرٍ. وفيه (٢) حجَّةٌ لمالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهما في إبطالِ صلاةِ مَن خالفت نيّته نيَّةَ إمامِه، فصلَّى ظهرًا خلفَ إمام يُصلِّي عصرًا، أو صلَّى فريضَة خلفَ إمام يُصلِّي نافِلَةً؛ لأنه لم يأتمَّ به في صلاتِه، فوجَب ألّا يُجزئَه (٣). وأمَّا اختلافُ نِيَّةِ الإمام والمأموم، فقد أرجأنا القولَ في هذه المسألةِ (٤)، إلى بلاغاتِ مالكٍ ومرسلاتِه عن نفسِه، حيثُ قال رسولُ الله ﷺ : "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به، فلا تختلفُوا عليه". فهناك أولى المواضع به (٥) (٦)، وقد ذكرنا هذه (٧) اللفظةَ مسندةً من غيرِ حديثِ مالكٍ في هذا البابِ بإسنادٍ صحيح، وذكرنا هنالك ما للعلماء في جوازِ اختلافِ نِيَّةِ المأموم والإمام مِن المذاهبِ والأقوالِ والتنازُع والاعتِدَالِ إن شاءَ الله.

стр. 2162

وأما قولُه: "فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا" فهذا كلامٌ خَرَج على صلاةِ الفريضةِ؛ لأنه صلَّى بهم صلاةً مِن الصَّلَواتِ الخمسِ، حينَ ذكر ذلك لهم، وأمرَهم بما في هذا الحديثِ (١)، وهذا ما لا خِلافَ فيه، وقد أجمَعُوا على جَوازِ صَلاةِ الجالِسِ خلفَ القائِم في النَّافِلَةِ، فدَلَّ ذلك (٢) على ما ذكرنا، إلّا أنَّ المصلِّيَ في النافلةِ جالسًا وهو قادر على القيام، له نصفُ أجرِ صلاةِ القائم، وقد مَضَى القولُ في حُكم صَلاةِ القاعدِ في النافلَةِ، وحُكم صلاةِ المريضِ في بابِ إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص. وفي قوله: "فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا" بيانٌ لقوله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وأجمَع العلماءُ على أنَّ القيامَ في صلاةِ الفريضةِ فرضٌ واجبٌ على كلِّ صحيح قادرٍ عليه، لا يُجزِئُه غيرُ ذلك إنْ كان مُنفَردًا أو إمامًا. واختلفوا في المأموم الصَّحيح يُصلِّي قاعدًا خلفَ إمام مريضٍ لا يستَطيعُ القيامَ، فأجازَت "ذلك" طائفةٌ من أهلِ العلم؛ اتِّباعًا لهذا الحديثِ وما كان مثلَه من قوله ﷺ في الإمام: "وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلُوسًا أجمعونَ"، رُوي هذا الحديثُ (٣) عن النبيِّ ﷺ من طرقٍ كثير (٤) متواترةٍ؛ مِن حديثِ أنسٍ (٥)، وحديثِ

стр. 2163

أبي هريرةَ (١)، وحديثِ عائشةَ (٢)، وحديثِ ابنِ عمرَ (٣)، وحديثِ جابرٍ (٤)، كلُّها عن النبيِّ ﷺ بأسانيدَ صِحاح. وممَّن ذهَب إلى هذا؛ حمادُ بنُ زيدٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَةَ، وإليه ذهَب داودُ في روايةٍ عنه. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: وفعَلَه أربعةٌ مِن الصحابةِ بعدَه: أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، وقيسُ بنُ قَهدٍ، وجابرٌ، وأبو هريرة (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٦)، قال: حدَّثنا أبو الطَّاهر (٧)، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عياض، قال:

стр. 2164

حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن بُشَيْرِ بنِ يسار: أنَّ أُسيدَ بنَ حُضَيرٍ كان يَؤُمُّ قومَه بني عبدِ الأشهلِ، فاشتكى، فخرَج عليهم بعدَ شكْوَاه، فأمَرُوه أنْ يتَقَدَّمَ لهم، فقال: لا أستطيعُ، فقالوا: لا يُصَلِّي بنا ما كنتَ فينا غيرُك. فقال: إني لا أستطيعُ أن أُصلِّيَ قائمًا فاقعُدُوا. فصلَّى قاعدًا، وصلَّوْا قُعودًا (١). أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا يعلَى بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ (٣)، عن قيسِ بن أبي حازم، عن قيسٍ الأنصاريِّ، قال: اشتكى إمامُنا أيامًا، فكُنَّا نُصلِّي بصلاتِه جلوسًا (٤). وروى أبو معاويةَ (٥)، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازم،

стр. 2165

عن أبي هريرةَ، قال: إنّما الإمامُ أميرٌ، فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا (١). وروى الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الزُّبيرِ: أنَّهم شيَّعوا جابرَ بنَ عبدِ الله وهو مريضٌ، فصلَّى بهم قاعدًا، وصلَّوا معه قُعودًا (٢). وقال جمهورُ أهلِ العلم: لا يجوزُ لأحدٍ أن يُصلِّيَ في شيءٍ من الصَّلَواتِ المكتُوباتِ جالسًا وهو صحيحٌ قادرٌ على القيام؛ لا إمامًا، ولا منفرِدًا، ولا خلفَ إمام (٣). ثم اختلفوا؛ فمنهم مَن أجازَ صلاةَ القائم خلفَ القاعدِ المريضِ؛ لأنَّ كلًّا يؤدِّي فرضَه على قدرِ طاقتِه، اقتداءً وتأسِّيًا برسولِ الله ﷺ إذْ صلَّى في مرضِه الذي تُوفي فيه قاعدًا، وأبو بكر إلى جَنبِه قائمًا يُصلِّي بصلاتِه، والناسُ قيامٌ خلفَه يُصلُّون بصلاتِه، فلم يُشِرْ إلى أبي بكرٍ ولا إليهم بالجلُوسِ، وأكمَل صلاتَه بهم جالسًا وهم خلفَه قيامٌ (٤). ومعلومٌ أنَّ ذلك كان منه بعدَ سقوطِه عن فرسِه، وصلاتِه حينئذٍ قاعدًا،

стр. 2166

وقولِه: "فإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جُلوسًا" فعُلِم أنَّ الآخِرَ مِن فِعلِه ناسِخٌ للأوَّلِ (١)، فإنَّهم ما قامُوا خلفَه وهو جالسٌ إلّا لعلْمِهم بأنَّه قد نُسِخ ذلك بفعلِه ﷺ ، والدَّليلُ على أنَّ حديثَ هذا البابِ منسوخٌ بما كان منه في مرَضِه ﷺ : إجماعُ العلماء على أنَّ حكمَ القيامِ في الصلاةِ على الإيجابِ لا على التَّخييرِ، ولما أجمَعوا على أنَّ القيامَ في الصلاةِ لم يكُنْ فرضُه قطُّ على التَّخيير، وجَب طلبُ الدَّليلِ على النَّسخ في ذلك، وقد صَحَّ أنَّ صلاةَ أبي بكرٍ والناسِ خلفَه قيامًا، وهو قاعدٌ في مرضِه الذي تُوفي فيه، مُتأخِّرٌ عن صلاتِه في حين سُقوطِه عن فَرَسِه، فبَانَ بذلك أنّه ناسِخٌ لذلك. وممَّن ذهَب هذا المذهبَ واحتَجَّ بنحوِ هذه الحُجَّةِ: الشافعيُّ (٢)، وداودُ بنُ عليٍّ، وأصحابُهما. وقد أوضَحنا معانيَ الآثارِ في صلاةِ النبيِّ ﷺ في مرضِه، وأتَينا على حكايةِ قولِ مَن قال: كان أبو بكر المُقدَّمَ في تلك الصَّلاةِ، ومَن قال: كان رسولُ الله ﷺ فيها المُقدَّمَ، في بابِ هشام بنِ عُروةَ بما يُغني عن ذكرِه هاهنا (٣). وقد (٤) روَى الوليدُ بنُ مسلم، عن مالكٍ: أنّه أجازَ للإمام المريضِ أن يُصلّيَ بالناسِ جالسًا وهم قيامٌ، قال: وأحَبُّ إليَّ أن يقُومَ إلى جَنبِه مَن يُعلِمُ النالسَ بصلاتِه. وهذه الرِّوايةُ غريبةٌ (٥) عن مالكٍ، ومذهبُه عندَ أصحابِه على

стр. 2167

خلافِ ذلك (١). ذكَر أبو المُصعبِ، عن مالكٍ في "مختَصرِه"، قال: لا يَؤُمُّ الناسَ أحدٌ قاعدًا، فإنْ أمَّهم قاعدًا فسَدت صلاتُه وصلاتُهم؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعدًا" (٢). قال: فإن كان الإمامُ عليلًا تمَّتْ صلاةُ

стр. 2168

الإمام، وفسَدت صلاةُ مَن خلفَه. قال: ومَن صلَّى قاعدًا مِن غيرِ علَّةٍ أعاد الصلاةَ. قال أبو عمر: فعلى روايةِ أبي المصعبِ هذه، عن مالكٍ -في قولِه في الإمام المريضِ يصلِّي جالسًا بقوم قيام-: إنَّ صلاةَ مَن خلفَه فاسدةٌ، تجبُ الإعادةُ عليهم في الوقتِ وغيرِه. وقد رُوِيَ عن مالكٍ في هذه أنَّهم يُعيدُون في الوقتِ خاصَّةً. وذلك عندي واللهُ أعلمُ لما ذكره في "موطئِه" (١) عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، أنَّ أبا بكرٍ كان يُصلِّي بصلاةِ النبيِّ ﷺ وهو (٢) جالِسٌ، وأبو بكرٍ إلى جنبِه قائمٌ، والناسُ قيامٌ خلفَ أبي بكرٍ. ولما رواه في غيرِ "الموطأ" عن ربيعةَ: أنَّ أبا بكرٍ كان المقدَّمَ، وأنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي بصلاتِه (٣). فلمَّا رأى الاختِلافَ في ذلك احتاطَ، فرأى الإعادةَ في (٤) الوقتِ؛ لأنَّ كلًّا قد أدَّى فرضَه على حسَب حاله، وكثيرٌ مِن مذهبِه احتياطًا. قال أبو عمر: قد احتَجَّ محمدُ بنُ الحسنِ لقولِه ومذهبِه في هذا البابِ بالحديثِ الذي ذكره أبو المُصعبِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعدًا"، وهو حديث لا يصِحُّ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ، إنَّما يرويه جابرٌ الجُعْفيُّ، عن الشعبيِّ مرسلًا (٥). وجابر الجعفيُّ لا يُحتَجُّ بشيءٍ يرويه مسندًا، فكيفَ بما يرويه مرسلًا؟

стр. 2169

وأمَّا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ في هذا البابِ، فإنَّه قال: إذا صلَّى الرجلُ لمرَضٍ به قاعدًا؛ يركَعُ ويسجُدُ، ولا يُطِيقُ إلّا ذلك، بقوم قيام يركَعون ويسجُدُون، فإنَّ صلاتَه جائزةٌ، وصلاةُ مَن خلفَه ممَّن لا يستطِيعُ القِيامَ، حُكمُه كحُكمِه، جائِزَةٌ أيضًا، وصلاةُ مَن صلَّى خلفَه ممَّن حُكمُهِ القِيامُ باطِلةٌ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: صلاتُه وصلاتُهم جائِزَةٌ. وقالوا: لو صلَّى وهو يومئُ بقوم يركَعون ويسجُدُون، لم يُجزِئْهم، في قولهم جميعًا، وأجزَأتِ الإمامَ صلاتُه (١). وكان زُفَرُ يقولُ: تُجزِئُهم صلاتُهم؛ لأنَّهم صلَّوْا على فرضِهم، وصلَّى إمامُهم على فرضِه. وأمَّا ابنُ قاسم فإنَّه قال: لا يأتمُّ القائمُ بالجالسِ في فريضةٍ ولا نافلةٍ، ولا بأسَ أن يأتمَّ الجالسُ بالقائم. قال: ولا ينبغِي أن يؤمَّ أحدٌ في نافلةٍ ولا في فريضةٍ قاعدًا. قال: وإن عرَض للإمام ما يمنَعُه منَ القيام استَخْلَف (٢). واختلَف أصحابُ مالكٍ في إمامةِ المريضِ بالمرضَى جُلوسًا، فأجازَها بعضُهم وكرِهها أكثَرُهم، ولم يختلِفُوا فيمَن صلَّى شيئًا مِن فرضِه جالسًا وهو قادِرٌ على القيام، أنَّ عليه الإعادةَ أبدًا. وذكر سُحنونٌ (٣)، عن ابنِ قاسم، عن مالكٍ، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمنِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج وهو مريضٌ وأبو بكرٍ يُصلِّي بالناسِ، فجلَس إلى جنبِ

стр. 2170

أبي بكرٍ، فكان أبو بكرٍ الإمامَ، وكان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي بصلاةِ أبي بكر، وقال: "ما مات نبيٌّ حتى يؤُمَّه رجلٌ من أمَّتِه" (١). قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: والعملُ عندَنا على حديثِ ربيعةَ هذا، وهو أحبُّ إليَّ: أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بصلاةِ أبي بكر. قال سُحنون: بهذا الحديثِ أخَذ ابنُ القاسم، وليس في "الموطأ". قال أبو عمر: أكثرُ الآثارِ الصِّحاح المسنَدةِ في هذا البابِ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان المُقدَّمَ، وأنَّ أبا بكرٍ كان يُصلِّي بصلاةِ رسولِ الله ﷺ قائمًا، والناسُ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكرٍ، وهو الذي أقرَّه مالكٌ ﵀ في "الموطأ"، وقُرِئَ عليه إلى أن ماتَ. وسنُبيِّنُه في بابِ هشام بنِ عروةَ إن شاء الله (٢).

стр. 2171

وأجمَع العلماءُ مع اختلافِ مذاهبِهم في هذا البابِ على استحبابِ الاستِخلافِ للمريضِ مِن الأئمَّةِ مَن يصلِّي بالناسِ، كما فعَل رسولُ الله ﷺ حينَ مرِض، فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ فلْيصلِّ بالناسِ" (١)، فإن صلَّى بهم وهو مريضٌ، فللعلماء في ذلك ما ذكرنا، وباللّه توفيقُنا. وأمَّا قولُه في الحديثِ: "وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا رفَع فارفَعوا" فإنَّه يدُلُّ على أنَّ عملَ المأموم يكونُ بعَقِبِ عملِ الإمام وبعدَه بلا فَصل؛ لأنَّ الفاءَ تُوجبُ التَّعقيبَ والاستِعجالَ، وليست مثلَ "ثُمَّ" التي توجبُ التَّعقيبَ والتَّراخِيَ. واختَلَف قولُ مالكٍ في ذلك؛ فرُويَ عنه: أنَّ عمَلَ المأموم كلَّه مع عملِ الإمام، رُكوعَه وسُجودَه، وخفضَه ورفعَه، ما خلا الإحرامَ والتسليمَ، فإنَّه لا يكونُ إلّا بعدَ عملِ الإمام وبعَقِبِه. ورُويَ عنه مثلُ ذلك أيضًا، ما خلا الإحرامَ، والقِيامَ مِنَ اثنَتين، والسَّلام. وكان شيخُنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ هاشم (٢) ﵀ يذهَبُ إلى الرِّوايةِ الأُولى، ورأيتُه مِرارًا لا أُحصِيها كثرةً يقُومُ مع الإمام في حينِ قيامِه مِن اثنَتَين، ولا يُراعِي اعتِدالَه ولا تكبيرَه، وكان يقولُ: هي أصحّ عن مالكٍ.

стр. 2172

وقد رُويَ عن مالكٍ أيضًا: أنَّ الأحَبَّ إليه في هذه المسألةِ أن يكونَ عملُ المأموم بعدَ عَمَلِ الإمام (١) وبعَقِبِه في كلِّ شيءٍ. قال أبو عمر: هذا أحسنُ لما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام وعبدُ الله بنُ أبي مَسَرَّةَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدي (٢)، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن يونسَ بنِ جُبيرٍ، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ الله الرَّقَاشيِّ، قال: خطَبنا أبو موسى فعلَّمنا صلاتَنا، وبيَّن لنا سُنَّتنا، فقال: إذا صلَّيتم فأقِيموا صُفوفَكم، وليؤُمَّكم أحدُكم، فإذا كبَّر الإمامُ فكبِّروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمينَ. يُجِبْكمُ اللهُ، فإذا كبَّر وركَع فكبِّروا واركعوا، فإنَّ الإمامَ يركَعُ قبلَكم، ويرفَعُ قبلَكم (٣)، قال نبيُّ الله ﷺ : "فتلك بتلك". وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. يسمَع اللهُ لكم، فإذا كبَّر وسجَد فكبِّروا واسجُدوا، فإنَّ الإمامَ يسجُدُ قبلَكم، ويرفَعُ قبلَكم، قال نبيُّ الله ﷺ : "فتلك بتلك". وذكَر تمامَ الحديث (٤). قال أبو عمر: ففي هذا الحديث بيانُ أنَّ عملَ المأموم بعَقِبِ عملِ الإمام دونَ فصلٍ ولا تَراخ، وهو الذي يُوجبُه حُكمُ الفاء في قولِه: "فكبِّروا واركَعوا".

стр. 2173

وقد ثبَت مِن جِهةِ الأثرِ والنَّظَرِ أنَّ حُكمَ قولِه: "فإذا كبَّر فكبِّروا" في تكبيرةِ الإحرام أن يكونَ فراغُ المأموم منها بعدَ فراغ الإمام منها، وابتِداؤُه بها بعدَ ابتداء الإمام بها، وإن كان ذلك معًا، فالقياسُ أن يكونَ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ وسائرُ العملِ كذلك. وسيأتي ذكرُ التَّكبير، والحُكمُ فيه عندَ الخفض والرَّفع والإحرام، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن أبي سلَمةَ، وعن عليِّ بنِ حسينٍ، مِن هذا الكتابِ إن شاء الله. قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ: متى يُكبَّرُ خلفَ الإمام، ومتى يُركَعُ؟ فذكَر الحديثَ: "إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركَع فاركَعوا". ثم قال: يَتْبعُه في كلِّ شيءٍ يصنَعُه؛ كُلَّما فعَل شيئًا فعَله بعدَه. وأمَّا قولُه: "وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حَمِدَه. فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ". فإنَّه يقتضي ما قاله مالكٌ ومَن قال بقَوْلِه في ذلك: أنَّ الإمامَ يقتصِرُ على قولِ: سمِع اللهُ لمن حَمِدَه. وهو حُجَّةٌ على مَن قال: إنَّ الإمامَ يقولُ: سمِع اللهُ لمن حَمِدَه، ربَّنا ولكَ الحمدُ. كما يفعَلُ المنفَرِدُ، وإنَّ المأمُومَ كذلك يقولُ أيضًا. ولا أعلمُ خِلافًا أنَّ المنفَرِدَ يقولُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا لك الحمدُ. أو: ولكَ الحمْدُ. وإنَّما اختلَفُوا في الإمام والمأموم؛ فقالت طائفَةٌ مِن أهلِ العلم: الإمامُ إنَّما (١) يقولُ: سمِع اللهُ لمن حمِده. فقط، ولا يقولُ: ربَّنا ولك الحمدُ. وممَّن قال بذلك أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، ومَن تابَعهم (٢). وحُجَّتُهم ظاهرُ حديثِ أنسٍ هذا وما كان مثلَه.

стр. 2174

وقال أبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل (١): يقولُ الإمامُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمد. وحُجَّتُهم حديثُ أبي هريرةَ (٢)، وأبي سعيد (٣)، وعبدِ الله بنِ أبي أوفى (٤)، كلُّهم حكَى عن النبيِّ ﷺ ، أنّه كان يقول: "سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا لك الحمد". وذكر الدارَقطنيُّ حديثًا غريبًا مِن طريقِ ابنِ أخي ابنِ وَهْب، عن عمِّه، عن مالكٍ والليث، عنِ ابنِ شهاب، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقولُ: "سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ"، ولو كان هذا صحيحًا عند مالكٍ والليثِ لم يُخالفاه في الفَتوَى، واللهُ أعلم. وقال الشافعيُّ: ويقولُ المأمومُ أيضًا: سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا لك الحمد. كما يقولُ الإمامُ المنفرِدُ؛ لأنَّ الإمامَ إنَّما جُعِل ليُؤتمَّ به. وقال مالكٌ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، والثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبل: لا يقولُ المأمومُ: سمِع اللهُ لمن حمِده.

стр. 2175

وإنَّما يقولُ: ربَّنا ولك الحمد (١). فقط، وحُجَّتُهم حديثُ أنسٍ هذا، وحديثُ أبي موسى المذكُورُ في هذا الباب، وما كان مثلَهما. وسيأتي هذا المعنَى في هذه المسألةِ، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سالم إن شاء الله. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ ما اخْتاره مالكٌ ﵀ مِن قول: ربَّنا ولك الحمد: بالوَاو، وذكَره ابنُ القاسم (٢) وغيرُه عنه. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بَنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀ يُثبِتُ أمْرَ الواوِ في "ربَّنا ولكَ الحمدُ" (٣). وقال روى الزُّهريُّ فيه ثلاثةَ أحاديثَ: عن أنسِ بنِ مالكٍ (٤)، وعن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ (٥)، وعن سالمٍ عن أبيهِ (٦)، قال: وفي حديث عليٍّ الطَّويلِ: ولكَ الحمدُ (٧)، والله الموفِّق.

стр. 2176

حديثٌ ثالثٌ لابنِ شهابٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ مالك (١)، عن ابنِ شهاب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتيَ بلَبَنٍ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينه أعرابيٌّ، وعن يَسَارِه أبو بكر، فشَرِبَ، ثم أعْطَى الأعرابيَّ وقال: "الأيمنَ فالأيمنَ". حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ مَطْرُوح، قال: حدَّثنا محمدُ (٢) بنُ جَعْفَرٍ الوكِيعِيُّ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدٍ الحلبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سعيدٍ. وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا عبالسُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ يحيى الضَّبِّيُّ البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ رَزينٍ (٣)؛ قالوا: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّار، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتي بلَبَنٍ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينِه أعرابيٌّ، وعن يَسَارِه أبو بكر، فشَرِب، ثم أعْطَى الأعرابيَّ وقال: "الأيمَنَ فالأيْمَنَ" (٤). لم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالِكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولا في ألفاظِه فيما عَلِمْتُ. وقد رواه ابنُ عيينَةَ، عن ابنِ شهابٍ، فأحْسَنَ سياقَته، وذكَرَ فيه ألفاظًا لم يذكُرها مالك. أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ (٥) بنُ نصرٍ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن

стр. 2177

الزهريِّ، سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ وأنا ابنُ عشرِ سنين، ومات وأنا ابنُ عشرين سنةً، فكُنَّ أُمَّهاتي يحثُثْنَي على خِدْمَتِه، فدخَلَ علينا النبيُّ ﷺ دارَنا، فحَلَبْنا له مِن شاةٍ لنا داجِنٍ، فشِيبَ له مِن مَاءِ بئرٍ في الدَّارِ، وأبو بكرٍ عن شِمالِه، وأعرابيٌّ عن يمينِه، فشَرِب النبيُّ ﷺ ، وعمرُ ناحِيَةً، فقال عمرُ: أعْطِ أبا بكر. فناوَلَ الأعرابيَّ وقال: "الأيمَنَ فالأيمَنَ" (١). وقد رَوى هذا الحديثَ محمدُ بنُ الوليدِ البُسْريُّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ مثلَ روايةِ ابنِ عُيينةَ عن الزهريِّ سواءً، وزاد فيه: وقال: "الأيمَنَ فالأيمَنَ"، فمَضَتْ سُنَّةً. قال الدَّارَقُطْنيُّ: ولم يَرْو (٢) هذا الحديثَ عن مالكٍ بهذِه الألفاظِ إلّا البُسْرِيُّ، عن ابنِ مَهْديٍّ، عنه، وإن كان حَفِظ، فقد أغْرَبَ بألفاظٍ عِدَّةٍ ليست في "الموطأ"؛ منها قولُه: قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ وأنا ابنُ عشرِ سنين، ومات وأنا ابنُ عشرين سنةً، وكُنَّ أُمَّهاتي يَحثُثنني على خِدْمَتِه، فدَخَل النبيُّ ﷺ دارَنا، فحلبنا له مِن شاةٍ لنا داجِنٍ. فكلُّ هذه الألفاظِ ليست في "الموطأ". وقولُه: أيضًا: وعمرُ ناحيَةً، فقال عمرُ: أعْطِ أبا بكرٍ. ليست في "الموطأ". وقولُه: فمَضَتْ سُنةً. ليس في "الموطأ"، ولا في حديثِ ابنِ عيينةَ أيضًا. وسائِرُ الألفاظِ كلِّها محفوظة عن ابنِ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن أنس. وقد بَلَغني عن بعضِ مَن تكلَّف الكلامَ في هذا الشَّأن، أنّه قال: الأعرابيُّ في هذا الحديثِ هو خالدُ بنُ الوليدِ. وهذا منه إغْفالٌ شديدٌ، وإقدامٌ على القولِ

стр. 2178

بالظَّنِّ الذي هو أكْذَبُ الحديث، أو تَقْليدٌ لمن سلَك في ذلك سَبِيلَه، ووَهْمٌ بيِّنٌ، وغَلَطٌ واضِحٌ، مِن وجْهَيْن: أحَدُهما: أنَّ الأعرابيَّ كان عن يَمينِه ﷺ في حديثِ أنسٍ هذا، وخالِدُ بنُ الوليدِ كان في قِصةِ ابنِ عباسٍ عن يَسارِه ﷺ ، وابنُ عباسٍ عن يَمِينِه (١). والآخرُ أنّه اشْتَبهَ عليه (٢) حديثُ سهل بنِ سعدٍ في الأشْياخ مع الغُلام، مع حديثِ أنسٍ في أبي بكرٍ والأعرابيِّ، وإنَّما دخَلَت عليه الشُّبهةُ في ذلك، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ في حديثِ سهلٍ (٣): وعن يمينه غلامٌ، وعن يسارِه الأشياخُ، والأشياخُ أحَدُهم (٤) خالدُ بنُ الوليدِ. وقصَّةُ ابنِ عباسٍ وخالدٍ غيرُ قصةِ أبي بكرٍ والأعرابيِّ، وحديثُ أنسٍ غيرُ حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ، فقِفْ على ذلك، ولا تَلْتَفِتْ إلى سِواه. وسنذْكُرُ حديثَ سهلٍ في بابِ أبي حازِم إن شاء الله.

стр. 2179

في هذا الحديثِ مِن روايةِ مالِكٍ مِن الفقه: إباحَةُ شُرْبِ اللبنِ، وأنَّ ذلك ليس مِن الإسرافِ؛ لأنَّه مُسْتَحِيلٌ أن يَأتيَ رسولُ الله ﷺ في أكْلِه أو شُرْبِه سرَفًا. وفيه دليلٌ على أنَّ مَن قُدِّمَ إليه شيءٌ يأْكُلُه أو يَشْرَبُه حَلالًا، فليس عليه أن يَسْألَ: من أين هو؟ وما أصْلُه؟ إذا عَلِم طِيبَ مَكْسَبِ صاحِبِه في الأغلبِ مِن أمرِه، ألا تَرَى أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَسْألِ الذي أتاه باللبنِ: مِن أين لك هذا؟ وفيه: إجازَةُ خَلْطِ اللبنِ بالماء لمن أراد شرْبَه، ولم يُرِدْ به البيعَ؛ لأنَّ قولَه: "قد شِيبَ بماءٍ" أي: قد خُلِط بماءٍ، ومعنى الشَّوْبِ: الخَلْطُ، وجَمْعُه أشوابٌ (١). وإنَّما قُلْنا: إذا لم يُرِدْ به البيعَ؛ لأنَّ خَلْطَ الماءِ باللبنِ غِشٌّ، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "مَن غَشَّنا فليس منَّا" (٢)، وقد بلَغَني أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ أهْراقَ لبنًا قد شِيبَ بماءٍ، على مُرِيدِ بيعِه والغِشِّ به (٣). وفيه: مجُالسَةُ أهلِ الباديةِ وتَقْريبُهم، إذا كان لذلك وجْهٌ. وفيه: أنَّ المجلِسَ عن يمينِ الرجلِ وعن يَسارِه سَواءٌ، إذ لو كان الفضلُ عن يمينِ الرجلِ، لما آثَر به رسولُ الله ﷺ أعرابيًّا على أبي بكرٍ. ويحتَمِلُ أن يكونَ ذلك أيضًا دليلًا على أنَّ مَن سبَق مِن مجلِسِ العلم إلى مكانٍ كان أوْلَى به مِن غيرِه، كائنًا مَن كان، ودَليلًا على أنّه لا يُقامُ أحدٌ مِن مجلِسِه لأحَدٍ، وإنْ كانَ أفضَلَ منه.

стр. 2180

وفيه: مِن أدب المُؤاكَلَةِ والمجالسَةِ: أنَّ الرجلَ إذا أكَلَ أو شَرِبَ، ناوَلَ فَضْلَه الذي على يَمِينِه، كائنًا مَن كان، وإن كان مَفْضُولًا وكان الذي على يَسارِه فاضِلًا. وفي القِياسِ على هذا النَّصِّ في هذا الحديثِ، أنْ لو كان كافَرًا، كان الأدَبُ والسُّنةُ أن يُؤثَرَ مَن على اليمينِ أبدًا على مَن كان على اليَسارِ بفضلِ الشرابِ، واللهُ أعلم. وكان رسولُ الله ﷺ يُحِبُّ التَّيامُنَ في أمره كُلِّه، كذلك ثَبَت عنه ﷺ (١). وفيه: مُواسَاةُ الجُلَساء فيما يأتي صاحِبَ المجلسِ مِن الهدايا، وقد رُوي مَرْفُوعًا: "جُلَساؤُكم شُرَكاؤُكم في الهَدِيَّةِ" (٢). وهذا، إن صَحَّ، فعلى النَّدْبِ إلى التحابِّ، وبرِّ الجلِيسِ، وإكرام الصديق، وهذا كلُّه مِن محاسنِ الأخلاق. وقد حَكَى بعضُ الناسِ عن مالكٍ في هذا الحديثِ شيئًا خِلافَ ما يُوجِبُه ظاهِرُه، ولا يَصِحُّ، وبالله العِصْمَةُ (٣) والتوفيق. ورَوى مِنْدَلُ بنُ عليٍّ، عن ابنِ جُريج، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أتَتْه هديَّةٌ وعنده قومٌ، فهم شُرَكاؤُه فيها" (٤).

стр. 2181

حديثٌ رابعٌ لابن شِهاب، عن أنَس مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَل مكةَ عامَ الفتح وعلى رأسِه المِغفَرُ، فلمَّا نَزَعه جاءه رجلٌ فقال: ابنُ خَطَلٍ مُتَعلِّقٌ بأسْتارِ الكعبة. فقال رسولُ الله ﷺ : "اقْتلُوهُ". قال مالكٌ: قال ابنُ شهاب: ولم يكن رسولُ الله ﷺ يومئذٍ مُحرِمًا. اخْتُلِف في اسم ابنِ خَطَلٍ هذا؛ فقيل (٢): هلالُ بنُ خَطَلٍ. وقيل: عبدُ العُزَّى بنُ خَطَل. وقيل: عبدُ الله بنُ خَطَل. هذا قولُ ابنِ إسحاقَ وجماعَةٍ (٣). وقال الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ: ابنُ خَطَلٍ الذي أمَر رسولُ الله ﷺ بقَتْلِه يومَ فتح مكةَ وإن كان مُتعلِّقًا بأسْتارِ الكعبةِ، فقُتِل على تلك الحالِ، هو هلالُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ منَافِ بن أسْعَدَ بنِ جابرِ بنِ كبيرِ بنِ تَيْم بنِ غالبِ بنِ فِهْرٍ. قال: وعبدُ الله هو الذي يُقالُ له: خَطَلٌ (٤). ولأخيه عبدِ العُزَّى بنِ عبدِ مَنافٍ أيضًا: خَطَلٌ. هما جميعًا الخطَلان. قال: فبنو تَيْم بنِ غالبِ بنِ فِهْرٍ يُقالُ لهم: بنو الأدْرَم (٥). وتَيْمٌ هو الأدْرَمُ بنُ غالبٍ. قال أبو عمر: المِغْفَرُ: ما غَطَّى الرأسَ مِن السِّلاح، كالبَيْضَةِ وشِبْهِها، مِن حَدِيدٍ كان ذلك أو من غيرِه (٦)، وقد روَى جماعةٌ؛ بشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ (٧)،

стр. 2182

ومنصورُ بنُ سَلَمةَ الخزاعيُّ (١)، عن مالكٍ هذا الحديثَ بإسنادِه، وقالوا فيه: مِغْفَرٌ مِن حديدٍ. ومنصورٌ وبشرٌ ثِقَتان، وتابَعَهما على ذلك جماعةٌ (٢) ليسوا هنالك. وكذلك رواه أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام (٣)، عن ابنِ بكيرٍ، عن مالكٍ، قال فيه: من حديدٍ. وليس في "الموطأ": من حديدٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابَةَ الرَّقَاشيُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ،

стр. 2183

عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَل مكةَ وعليه مِغْفَرٌ مِن حديدٍ، فلمَّا نزَعَه قيل له: ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ. فقال: "اقْتُلُوه" (١). ورَوى هذا الحديثَ رَوْحُ بنُ عُبادَةَ، عن مالكٍ، بإسنادِه هذا، وفيه زيادَةُ: وطاف وعليه المِغْفَرُ. ولم يَقُلْه غيرُه عنه. واللهُ أعلم. ورواه عبدُ الله بنُ جعفرٍ المدنيُّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ يومَ الفتح مكةَ وعلى رأسِه المِغْفَرُ، واسْتَلَم الحجَرَ بمِحْجَنٍ. وهذا أيضا لم يَقُلْه عن مالكٍ، واللهُ أعلمُ، غيرُ عبدِ الله بنِ جَعْفَرٍ. وهذا حديثٌ انفَرَد به مالكٌ ﵀، لا يُحفَظُ عن غيرِه، ولم يَرْوِه أحَدٌ عن الزُّهريِّ سِواه مِن طريقٍ صحيح. وقد رُوي عن ابنِ أخي ابنِ شهابٍ، عن عَمِّه، عن أنسٍ (٢)، ولا يكادُ يَصحُّ. ورُويَ أيضًا مِن غيرِ هذا الوَجْهِ، ولا يُثْبِتُ أهلُ العلم بالنقلِ فيه إسنادًا غيرَ حديثِ مالكٍ. وقد رواه عن مالكٍ واحتاج إليه فيه جماعَةٌ مِن الأئمَّةِ يطولُ ذكْرُهم، وقد ذكَرَهم شيخُنا أبو القاسِم خَلَفُ بنُ القاسِم الحافِظُ ﵀ في كتابٍ جُمِع في ذلك، ومن أجَلّ مَن رواه عن مالكٍ ابنُ جُريج. حدَّثنا أبو محمدٍ مَسْلَمةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو القاسِم عبدُ السَّلام بنُ محمدِ بنِ أبي موسى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصفَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل مكةَ (٣) وعلى رأسِه مِغْفَرٌ (٤).

стр. 2184

وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ: دُخولُ مكةَ بغير إحرام، وبالسِّلاح، وإظْهارُ السِّلاح فيها، ولكنْ هذا عندَ جميع العلماءِ مَنْسُوخٌ ومخصوصٌ بقوله ﷺ : "إنَّ اللهَ حَرَّم مكةَ يومَ خَلَق السماواتِ والأرضَ، لم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ"؛ يعني: يومَ الفتح. وقد تكلَّمْنا على معنى هذا الحديثِ في كتابِ "الأجْوبةِ عن المسائلِ المسْتَغْرَبَةِ في كتابِ البخاريِّ" (١) بما يُغْني عن إعادَتِه هاهنا. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٢)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسفَ (٣)، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهاب، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ حَرَّم مكةَ، فلا تَحِلَّ لأحَدٍ قبلي، ولا تَحِلَّ (٥) لأحَدٍ بعدي، وإنَّما أُحِلَّت لي ساعةً مِن نهارٍ". وذكَر الحديثَ. ورواه منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن طاوس، عن ابنِ عباسٍ مثلَه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ فتح مكةَ: "إنَّ هذا بَلَدٌ حَرامٌ لم يَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا يَحِلُّ لأحدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِن نهارٍ، ثم هو حَرَامٌ إلى يوم القيامةِ" (٦).

стр. 2185

وروى أبو شُرَيْح الكَعْبيُّ (١)، وأبو هريرةَ (٢)، وجماعَةٌ، عن النبيِّ ﷺ مِثْلَه. وكان ابنُ شهابٍ ﵀ يقولُ: لا بَأْسَ أن تَدْخُلَ مكةَ بغيرِ إحرام (٣). وخالَفَه في ذلك أكثرُ العلماءِ، وما أعلَمُ أحَدًا تابَعَه على ذلك إلّا الحسنَ البصريَّ، روَى خالِدُ بنُ عبدِ الله، عن أشعثَ، عن الحسنِ، أنّه لم يكنْ يرَى بأسًا أن يَدْخُلَ الرجلُ مكةَ بغيرِ إحرام. وإلى هذا ذهَبَ داودُ بنُ عليٍّ وأصْحابُه، وذكروا قولَ ابنِ شهابٍ، والحسَنِ، وأنَّ ابنَ عمرَ رجَع مِن طَرِيقِه فدخَلها بغيرِ إحرام (٤). واحتَجُّوا بأنَّ مُوجِبَ الإحْرام مُوجِبُ حجٍّ أو عُمْرَةٍ لم يُوجِبْها اللهُ ولا رسولُه، ولا اتَّفَق المسلمون على ذلك. وقال الشافعيُّ: مَن (٥) دخَل مكةَ خائِفًا لحربٍ، أو خائفًا مِن سلطانٍ، أو ممَّن لا يَقْدِرُ على دَفْعِه، جاز له دُخولُ مكةَ بغيرِ إحرام؛ لأنّه في معنى المُحْصَرِ (٦). وقد رُوي عن الشافعيِّ مثلُ قولِ ابنِ شهابٍ وداودَ في هذا البابِ، والمشهورُ عنه أنها لا تُدْخَلُ إلّا بإحرام، إلّا ما ذكَرْتُ عنه (٧).

стр. 2186

وقال ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: لستُ آخُذُ بقولِ ابنِ شهابٍ في دُخولِ الإنسانِ مكةَ بغيرِ إحرام. وكَرِه ذلك، وقال: إنّما يكونُ ذلك على مثل ما عَمِل عبدُ الله بنُ عمرَ مِن القُرْبِ (١)، إلّا رجلًا يأتي بالفاكِهَةِ مِن الطائفِ، أو يَنْقُلُ الحَطَبَ يبيعُه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: ورُجوعُ ابنِ عمرَ مِن قُدَيْدٍ إلى مكةَ بغيرِ إحرام؟ فقال: ذلك أنّه جاءَه خَبَرٌ مِن جُيُوشِ المدينة (٢). وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: كَرِه أكثرُ أهلِ العلم أن يَدْخُلَ أحَدٌ مكةَ إلّا مُحْرِمًا، ورَخَّصوا (٣) للحَطَّابين ومَن أشْبَهَهم ممَّن يكثرُ اختِلافُه إلى مكةَ، ورُخِّص أيضًا لمَن خرَج مِن مكةَ يُريدُ بَلْدَةً، ثم بَدا له أن يرجِعَ، كما صنَع عبدُ الله بنُ عمرَ. قال: وأمّا مَن نَزَع مِن مَوْضِعِه إلى مكةَ في تجارَةٍ أو غيرِها، فلا يَنْبَغي أن يَدْخُلَها إلّا محرِمًا؛ لأنّه يأتي الحرَمَ، فيَنْبغي له أن يُحرِمَ لدُخولِه إيّاه. قال: وممَّا يُؤكِّدُ ذلك أنَّ رجلًا لو جَعَل على نَفْسِه (٤) مشيًا إلى مكةَ (٥) لوَجَب عليه أن يدخُلَها محُرِمًا بحجٍّ أو عمرةٍ. قال: وأمّا حديثُ الزهريّ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَلَ عامَ الفَتْح مكةَ وعلى رَأسِه المِغْفَرُ، فإنَّ هذه، واللّهُ أعلمُ، حالُ خُصُوصٍ؛ لأنّه أُحِلَّتْ له مكةُ بعضَ ذلك اليوم، فلم يكنْ لإحرامِه وجْهٌ، لأنّها كانت حلالًا له ساعَةً،

стр. 2187

وإنّما يُستَحَبُّ ألّا يدخُلَها إلّا محُرمًا مِن أجْلِ أنّها حَرَمٌ. وذكَرَ حديثَ طاووسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَدْخُلْ قَطُّ مكةَ إلّا مُحْرِمًا، إلّا يومَ الفَتْح (١). قال أبو عمر: قد اختَلف العلماءُ فيمَن دخَل مكةَ بغير إحرام؛ فقال مالكٌ والليثُ: لا يدخُلُ أحَدٌ مكةَ مِن أهْلِ الآفاقِ إلّا مُحْرِمًا، فإن لم يفعَلْ أساء، ولا شيءَ عليه (٢). وهو قولُ الشافعيُّ: وأبي ثورٍ. وقال الشافعيُّ: مَن دخَل مكةَ غيرَ محُرم، فقد أساءَ، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ الحَجَّ والعمرةَ لا يجِبانِ إلّا على مَن نَواهما وأحْرَم بهما. قال الشافعيُّ: وسُنَّهُ الله في عبادِه ألّا يَدخلُوا الحَرَمَ إلّا حُرُمًا. قال: ومكةُ مُبَاينَةٌ لسائِرِ البِلادِ، فلا يَدْخُلُها أحَدٌ إلّا بإحرام، إلّا أنَّ مِن أصْحابِنا مَن رخَّصَ للحَطَّابين وشِبْهِهم ممَّن يَدْخُلُ لمنافِع أهْلِه ونفسِه (٣). قال أبو ثورٍ: ليس على العِراقِيِّ يَدْخُلُ مكةَ بغيرِ إحرام لحاجَةٍ شيءٌ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يَدْخُلُ أحدٌ مكةَ بغيرِ إحرام، فإن دخَلَها أحَدٌ غيرَ محرم، فعليه حَجَّةٌ أو عُمْرَةٌ. وهو قولُ الثوريِّ، إلّا أنّه قال: فإن لم يَحُجَّ ولم يَعْتَمِرْ، قيل له: اسْتَغْفِرِ اللهَ. وهو قولُ عَطَاءٍ والحَسنِ بنِ حَيٍّ (٤). قال أبو عمر: لا أعْلَمُ خِلافًا بينَ فقهاء الأمصارِ في الحَطَّابين، ومَن يُدْمِنُ الاخْتِلافَ إلى مكةَ، ويكثِرُه في اليوم والليلةِ، أنَّهم لا يُؤْمَرُون بذلك؛ لما عليهم فيه مِن المشَقَّةِ، ولو أُلزِمُوا الإحرامَ لكان عليهم في اليوم الواحِدِ رُبَّما عُمَرٌ
следующие страницы →