← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2183–2222 · переход к 2188.

стр. 2183

عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَل مكةَ وعليه مِغْفَرٌ مِن حديدٍ، فلمَّا نزَعَه قيل له: ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ. فقال: "اقْتُلُوه" (١). ورَوى هذا الحديثَ رَوْحُ بنُ عُبادَةَ، عن مالكٍ، بإسنادِه هذا، وفيه زيادَةُ: وطاف وعليه المِغْفَرُ. ولم يَقُلْه غيرُه عنه. واللهُ أعلم. ورواه عبدُ الله بنُ جعفرٍ المدنيُّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ يومَ الفتح مكةَ وعلى رأسِه المِغْفَرُ، واسْتَلَم الحجَرَ بمِحْجَنٍ. وهذا أيضا لم يَقُلْه عن مالكٍ، واللهُ أعلمُ، غيرُ عبدِ الله بنِ جَعْفَرٍ. وهذا حديثٌ انفَرَد به مالكٌ ﵀، لا يُحفَظُ عن غيرِه، ولم يَرْوِه أحَدٌ عن الزُّهريِّ سِواه مِن طريقٍ صحيح. وقد رُوي عن ابنِ أخي ابنِ شهابٍ، عن عَمِّه، عن أنسٍ (٢)، ولا يكادُ يَصحُّ. ورُويَ أيضًا مِن غيرِ هذا الوَجْهِ، ولا يُثْبِتُ أهلُ العلم بالنقلِ فيه إسنادًا غيرَ حديثِ مالكٍ. وقد رواه عن مالكٍ واحتاج إليه فيه جماعَةٌ مِن الأئمَّةِ يطولُ ذكْرُهم، وقد ذكَرَهم شيخُنا أبو القاسِم خَلَفُ بنُ القاسِم الحافِظُ ﵀ في كتابٍ جُمِع في ذلك، ومن أجَلّ مَن رواه عن مالكٍ ابنُ جُريج. حدَّثنا أبو محمدٍ مَسْلَمةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو القاسِم عبدُ السَّلام بنُ محمدِ بنِ أبي موسى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصفَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل مكةَ (٣) وعلى رأسِه مِغْفَرٌ (٤).

стр. 2184

وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ: دُخولُ مكةَ بغير إحرام، وبالسِّلاح، وإظْهارُ السِّلاح فيها، ولكنْ هذا عندَ جميع العلماءِ مَنْسُوخٌ ومخصوصٌ بقوله ﷺ : "إنَّ اللهَ حَرَّم مكةَ يومَ خَلَق السماواتِ والأرضَ، لم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ"؛ يعني: يومَ الفتح. وقد تكلَّمْنا على معنى هذا الحديثِ في كتابِ "الأجْوبةِ عن المسائلِ المسْتَغْرَبَةِ في كتابِ البخاريِّ" (١) بما يُغْني عن إعادَتِه هاهنا. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٢)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسفَ (٣)، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهاب، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ حَرَّم مكةَ، فلا تَحِلَّ لأحَدٍ قبلي، ولا تَحِلَّ (٥) لأحَدٍ بعدي، وإنَّما أُحِلَّت لي ساعةً مِن نهارٍ". وذكَر الحديثَ. ورواه منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن طاوس، عن ابنِ عباسٍ مثلَه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ فتح مكةَ: "إنَّ هذا بَلَدٌ حَرامٌ لم يَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا يَحِلُّ لأحدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِن نهارٍ، ثم هو حَرَامٌ إلى يوم القيامةِ" (٦).

стр. 2185

وروى أبو شُرَيْح الكَعْبيُّ (١)، وأبو هريرةَ (٢)، وجماعَةٌ، عن النبيِّ ﷺ مِثْلَه. وكان ابنُ شهابٍ ﵀ يقولُ: لا بَأْسَ أن تَدْخُلَ مكةَ بغيرِ إحرام (٣). وخالَفَه في ذلك أكثرُ العلماءِ، وما أعلَمُ أحَدًا تابَعَه على ذلك إلّا الحسنَ البصريَّ، روَى خالِدُ بنُ عبدِ الله، عن أشعثَ، عن الحسنِ، أنّه لم يكنْ يرَى بأسًا أن يَدْخُلَ الرجلُ مكةَ بغيرِ إحرام. وإلى هذا ذهَبَ داودُ بنُ عليٍّ وأصْحابُه، وذكروا قولَ ابنِ شهابٍ، والحسَنِ، وأنَّ ابنَ عمرَ رجَع مِن طَرِيقِه فدخَلها بغيرِ إحرام (٤). واحتَجُّوا بأنَّ مُوجِبَ الإحْرام مُوجِبُ حجٍّ أو عُمْرَةٍ لم يُوجِبْها اللهُ ولا رسولُه، ولا اتَّفَق المسلمون على ذلك. وقال الشافعيُّ: مَن (٥) دخَل مكةَ خائِفًا لحربٍ، أو خائفًا مِن سلطانٍ، أو ممَّن لا يَقْدِرُ على دَفْعِه، جاز له دُخولُ مكةَ بغيرِ إحرام؛ لأنّه في معنى المُحْصَرِ (٦). وقد رُوي عن الشافعيِّ مثلُ قولِ ابنِ شهابٍ وداودَ في هذا البابِ، والمشهورُ عنه أنها لا تُدْخَلُ إلّا بإحرام، إلّا ما ذكَرْتُ عنه (٧).

стр. 2186

وقال ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: لستُ آخُذُ بقولِ ابنِ شهابٍ في دُخولِ الإنسانِ مكةَ بغيرِ إحرام. وكَرِه ذلك، وقال: إنّما يكونُ ذلك على مثل ما عَمِل عبدُ الله بنُ عمرَ مِن القُرْبِ (١)، إلّا رجلًا يأتي بالفاكِهَةِ مِن الطائفِ، أو يَنْقُلُ الحَطَبَ يبيعُه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: ورُجوعُ ابنِ عمرَ مِن قُدَيْدٍ إلى مكةَ بغيرِ إحرام؟ فقال: ذلك أنّه جاءَه خَبَرٌ مِن جُيُوشِ المدينة (٢). وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: كَرِه أكثرُ أهلِ العلم أن يَدْخُلَ أحَدٌ مكةَ إلّا مُحْرِمًا، ورَخَّصوا (٣) للحَطَّابين ومَن أشْبَهَهم ممَّن يكثرُ اختِلافُه إلى مكةَ، ورُخِّص أيضًا لمَن خرَج مِن مكةَ يُريدُ بَلْدَةً، ثم بَدا له أن يرجِعَ، كما صنَع عبدُ الله بنُ عمرَ. قال: وأمّا مَن نَزَع مِن مَوْضِعِه إلى مكةَ في تجارَةٍ أو غيرِها، فلا يَنْبَغي أن يَدْخُلَها إلّا محرِمًا؛ لأنّه يأتي الحرَمَ، فيَنْبغي له أن يُحرِمَ لدُخولِه إيّاه. قال: وممَّا يُؤكِّدُ ذلك أنَّ رجلًا لو جَعَل على نَفْسِه (٤) مشيًا إلى مكةَ (٥) لوَجَب عليه أن يدخُلَها محُرِمًا بحجٍّ أو عمرةٍ. قال: وأمّا حديثُ الزهريّ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَلَ عامَ الفَتْح مكةَ وعلى رَأسِه المِغْفَرُ، فإنَّ هذه، واللّهُ أعلمُ، حالُ خُصُوصٍ؛ لأنّه أُحِلَّتْ له مكةُ بعضَ ذلك اليوم، فلم يكنْ لإحرامِه وجْهٌ، لأنّها كانت حلالًا له ساعَةً،

стр. 2187

وإنّما يُستَحَبُّ ألّا يدخُلَها إلّا محُرمًا مِن أجْلِ أنّها حَرَمٌ. وذكَرَ حديثَ طاووسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَدْخُلْ قَطُّ مكةَ إلّا مُحْرِمًا، إلّا يومَ الفَتْح (١). قال أبو عمر: قد اختَلف العلماءُ فيمَن دخَل مكةَ بغير إحرام؛ فقال مالكٌ والليثُ: لا يدخُلُ أحَدٌ مكةَ مِن أهْلِ الآفاقِ إلّا مُحْرِمًا، فإن لم يفعَلْ أساء، ولا شيءَ عليه (٢). وهو قولُ الشافعيُّ: وأبي ثورٍ. وقال الشافعيُّ: مَن دخَل مكةَ غيرَ محُرم، فقد أساءَ، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ الحَجَّ والعمرةَ لا يجِبانِ إلّا على مَن نَواهما وأحْرَم بهما. قال الشافعيُّ: وسُنَّهُ الله في عبادِه ألّا يَدخلُوا الحَرَمَ إلّا حُرُمًا. قال: ومكةُ مُبَاينَةٌ لسائِرِ البِلادِ، فلا يَدْخُلُها أحَدٌ إلّا بإحرام، إلّا أنَّ مِن أصْحابِنا مَن رخَّصَ للحَطَّابين وشِبْهِهم ممَّن يَدْخُلُ لمنافِع أهْلِه ونفسِه (٣). قال أبو ثورٍ: ليس على العِراقِيِّ يَدْخُلُ مكةَ بغيرِ إحرام لحاجَةٍ شيءٌ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يَدْخُلُ أحدٌ مكةَ بغيرِ إحرام، فإن دخَلَها أحَدٌ غيرَ محرم، فعليه حَجَّةٌ أو عُمْرَةٌ. وهو قولُ الثوريِّ، إلّا أنّه قال: فإن لم يَحُجَّ ولم يَعْتَمِرْ، قيل له: اسْتَغْفِرِ اللهَ. وهو قولُ عَطَاءٍ والحَسنِ بنِ حَيٍّ (٤). قال أبو عمر: لا أعْلَمُ خِلافًا بينَ فقهاء الأمصارِ في الحَطَّابين، ومَن يُدْمِنُ الاخْتِلافَ إلى مكةَ، ويكثِرُه في اليوم والليلةِ، أنَّهم لا يُؤْمَرُون بذلك؛ لما عليهم فيه مِن المشَقَّةِ، ولو أُلزِمُوا الإحرامَ لكان عليهم في اليوم الواحِدِ رُبَّما عُمَرٌ

стр. 2188

كثيرةٌ، وقد دخَل عبدُ الله بنُ عمرَ مكةَ بغيرِ إحرامِ (١)؛ وذلك أنّه خرَجَ عنها ثم خُوِّف، فانْصَرَف بغيرِ إحرام، فمِثْلُ هذا وشِبْهُه رُخِّص له. وذكر عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافِع، قال: خرَج ابنُ عمرَ مِن مكةَ يُرِيدُ المدينةَ، فأُخْبِر بالفِتْنَةِ، فرَجَع، فدَخَل مكةَ بغيرِ إحرام (٢). وقد كان ابنُ عباس وأصحابُه يُشَدِّدُون في ذلك. ذكر عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جريج، قال: أخبرنا عطاءٌ، أنّه سَمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: لا عمرةَ على أهلِ مكةَ مِن أجلِ الطوافِ، إلّا أن يخرُجَ أحَدُهم مِن الحَرَم، فلا يَدْخُلُه إلّا حرامًا. قال: فقيل له: فإن خرج قريبًا لحاجَتِه؟ قال: يَقْضِي حاجَتَه، ويجمَعُ مع قَضائِها عُمْرَةً (٣). قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، قال: لا يَحِلُّ لأحدٍ مِن خَلْقِ الله أن يَدْخُلَ مكةَ لحاجَةٍ ولا لغيرِها إلّا حَرَامًا، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يَدْخُلْها قَطُّ إلّا حَرَامًا، إلّا عامَ الفَتْح (٤). قال: وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابن أبي نَجِيح (٥)، عن عطاءٍ: أنّه كان يُرخِّصُ للحطَّابينَ مِن أهْلِ مكةَ أن يدْخُلُوها بغيِر إهلالٍ (٦).

стр. 2189

قال أبو عمر: أمَّا قَتلُ عبدِ الله بنِ خَطَلِ؛ فلأنَّ رسول الله ﷺ قد كان عَهِد فيه أن يُقْتَلَ وإن وُجِد مُتعلِّقًا بأستارِ الكعبةِ؛ لأنّه ارتَدَّ بعدَ إسْلامِه، وكَفَر بعدَ إيمَانِه، وبعدَ قراءتِه القرآنَ، وقتَل النَّفْسَ التي حرَّمَ الله ثم لحِق بدارِ الكفرِ بمكةَ، واتخَذ قَيْنَتيْنِ تُغنِّيانِه بهجَاءِ النبيِّ ﷺ ، فعَهِد فيه رسولُ الله ﷺ بما عَهِد، في ستَّةِ نَفَرٍ معه، قد ذكَرَهم ابنُ إسحاقَ وغيرُه، وامرأتيْن، فيما قاله ابنُ إسحاقَ (١). وقال الواقديُّ: أربعُ نِسْوِةٍ (٢). وروَى زيدُ بنُ الحُبَابِ (٣)، وإبراهِيمُ بنُ عليٍّ المغربيُّ القُرَشِيُّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ: أنَّ ابنَ خَطَلٍ كان يَهْجُو رسولَ الله ﷺ بالشِّعْرِ. وروى شَبَابَةُ بنُ سوَّارٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنس، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ مكةَ، ثم قال: "مَن رأى منكم ابنَ خَطَلٍ فلْيَقتُله" (٤). وزَعَم بعضُ أصحابِنا المتأخِّرِين: أنَّ رسولَ الله ﷺ إنّما قَتل ابنَ خَطَلٍ لأنّه كان يَسُبُّه ﷺ ، والذي ذكَرَ ابنُ إسحاقَ في "المغازي" غيرُ هذا ممَّا نذْكُره بعدُ عنه في هذا البابِ إن شاء اللهُ، ولو كانتِ العِلَّةُ في قَتْلِه ما ذكرَه هذا القائِلُ، ما ترَك منهم مَن كان يَسُبُّه، وما أظُنُّ أحدًا منهم امتَنَع في حين كُفْرِه ومحاربَتِه له مِن سبِّه ﷺ . وجعَلَ القائِلُ هذا حُجَّةً لقتل الذِّميِّ إذا سَبَّ رسولَ الله ﷺ . وهذا لا يجوزُ عندَ أحَدٍ عَلِمْتُه مِن العلماءِ، أن يَقِيسَ الذّمِّيَّ على الحربيِّ؛ لأنَّ ابنَ خَطَلٍ في دارِ

стр. 2190

حربٍ كان، ولا ذِمَّةَ له، وقد حكم اللهُ في الحربيِّ إذا قُدِرَ عليه بتَخَيُّرِ الإمام فيه؛ إن شاء قتَلَه، وإن شاء مَنَّ عليه، وإن شاء الفداء (١) به، فلهذا قتَل رسولُ الله ﷺ ابنَ خَطَلٍ وغيرَه مِمَّن أراد منهم قَتْلَه، على أنَّ ابنَ خَطَلٍ كان قد قتَل رجلًا مِن الأنصارِ مُسْلِمًا ثم ارتَدَّ، كذلك ذكر أهْلُ السِّيَرِ (٢)، وهذا يُبِيحُ دَمَه عندَ الجميع. وقد اخْتَلَف الفقهاءُ في الذميِّ يَسُبُّ رسولَ الله ﷺ ؛ فقال مالكٌ: مَن شَتَم النبيَّ ﷺ مِن أهْلِ الذمَّةِ قُتِل، إلّا أن يُسْلِمَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ: يُعَزَّرُ ولا يُقْتَلُ. وقال الليثُ: يُقْتَلُ مكانَه. وقال الشافعيُّ: يُؤخَذُ على مَن صُولح مِن الكفارِ. وذكَر أشياءَ، منها: ومتى ذكَر أحَدٌ منهم كتابَ الله، أو محمدًا ﷺ ، بما لا يَنْبغي، فقد أُحِلَّ دَمُه. قال الطحاويُّ: فهذا يَدُلُّ على أنّه إن لم يُشْترَطْ ذلك عليه فلا يُسْتَحلُّ دَمُه (٣). واحتجَّ الطحاويُّ لقولِ أصحابِه بما لا حُجَّةَ فيه (٤)، والقولُ عندي في ذلك قولُ مالكٍ واللَّيثِ، وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ أنّه قيل له في راهبٍ سبَّ النبيَّ ﷺ ، قال: لو سَمِعتُه لقَتَلْتُه (٥). ولا مُخالِفَ له من الصحابَةِ عَلِمْتُه. ولا يخلُو أمرُ رسولِ الله ﷺ بقَتْلِ ابنِ خَطَلٍ من أحَدِ وجهَيْن:

стр. 2191

إمّا أنَّ ذلك كان في الوقتِ الذي أُحلَّت له مكةُ وهي دارُ حربٍ وكفرٍ، وكان له أن يُريقَ دَمَ مَن شاء مِن أهْلِها في الساعَةِ التي أُحِلَّ له فيها القِتَال. أو يكونُ على مَذْهَبِ جماعَةٍ مِن العلماء في أنَّ الحرَمَ لا يُجِيرُ مَن وجَبَ عليه القتلُ، وكان هؤلاء ممَّن وجَبَ قتلُه لما ذكرنا، فلم يُجرهمُ الحرَم. وهذا مَوْضِعٌ اخْتَلف فيه العلماءُ قديمًا وحديثًا. فأمّا مالكٌ فقال: مَن وجَب عليه القِصاصُ في الحرم اقْتُصَّ منه، ومَن قتَلَ ودخَل المحرمَ لم يُجِره، ولم يَمْنَع الحرَمُ حدًّا وجَبَ. وهو قولُ الشافعيِّ، ورواه ابنُ سِمَاعَةَ عن أبي يوسُفَ (١). وقال أبو حنيفةَ: إذا وجَب عليه قِصَاصٌ أو حَدٌّ فدَخَل الحرمَ، لم يُقْتَصَّ منه (٢) في النَّفْسِ، ولا يُحدَّ فيما يأتي على النَّفْسِ، وتُقامُ الحُدودُ عليه فيما دونَ النَّفْسِ ممَّا سِوَى ذلك حتى يخرُجَ مِن الحرَم. وكذلك قال زُفَرُ، قال: وإن قتَل في الحرم، أو زَنَى في الحرم، رُجِمَ وقُتِل في الحرم. وروى محمدُ بنُ شُجَاع، عن الحسنِ بنِ زيادٍ، عن أبي يوسُفَ، قال: يُخرَجُ مِن الحرم فيُقْتَلُ، وكذلك في الرَّجْم. وقد ذكرنا هذه المسألةَ وبينَّاها وأوضَحْنا وجْهَ الصَّوابِ فيها في كتابِ "الأجْوبَةِ عن المسائلِ المستَغْرَبَة" (٣). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ شريكٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال (٤): وأمَّا عبدُ الله بنُ خَطَلٍ، فقَتَله

стр. 2192

سعيدُ بنُ حُرَيْثٍ المخزوميُّ وأبو بَرْزَةَ الأسلميُّ، اشْتَركا في دَمِه، وهو رجلٌ مِن بني تَيْم بنِ غالبٍ. قال: وإنَّما أمَر رسولُ الله ﷺ بقتلِه لأنّه بعَثَه مُصَدِّقًا وكان مسلمًا، وبعَث معه رجلًا مِن الأنصار، وكان معه مَوْلًى له يَخْدُمُه وكان مسلمًا، فنزَلَ ابنُ خَطَلٍ مَنْزلًا، وأمَرَ المَوْلى أن يَذْبَحَ له تَيْسًا، وَيصْنَعَ له طعامًا، فنام واستيقَظ ولم يَصنَعْ له شيئًا، فعَدَا عليه فقَتَله، ثم ارْتَدَّ مُشْركًا. وأخبرني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أشْتةَ الأصبهانيُّ المقرئُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ الجوهريُّ أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ بنُ شبَّةَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ حاتِم، قال: أخبرنا يُونُسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لما افْتَتَح النبيُّ ﷺ مكة، أخذَ أبو برزَةَ الأسْلَمِيُّ هو وسعيدُ بنُ حُرَيْثٍ عبدَ الله بنَ خَطَلٍ، وهو الذي كانت تُسَمِّيه قريشٌ ذا القَلْبَين، فأنزلَ اللهُ : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]. فقدَّمَه فضرَبَ عُنُقَه وهو مُتَعَلِّق بأستارِ الكعبةِ، فأنزَل اللهُ : ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١ - ٢]. وذكَرَ تمامَ الخبر (١). قال أبو عمر: قد قيل في ذي القَلْبين: إنّه جميلُ بنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ (٢). وقيل ذلك في رجلٍ مِن بني فِهْرٍ.

стр. 2193

وروى محمدُ بنُ سُلَيْم بنِ الوليدِ العَسْقَلانيُّ، عن محمدِ بنِ أبي السَّريِّ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ يومَ الفتح وعليه عِمَامَةٌ سوداءُ. وعندَه بهذا الإسنادِ أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل مكةَ وعلى رأسِه المِغْفَرُ (١). ومحمدُ بنُ سُلَيم هذا وإن لم يكنْ ممَّن يُعْتَمَدُ عليه، فإنَّه قد تابَعَه على ذلك بهذا الإسنادِ الوليدُ بنُ مسلم ويحيى الوحاظِيُّ، ومع هذا كلِّه فإنَّه لا يُحفَظُ عن مالكٍ في هذا الإسنادِ إلّا المغْفَرُ، لا عِمَامَةٌ سوداءُ، على ما في "الموطأ"، وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ : أنّه دخَل عامَ الفتح وعلى رأسِه عِمَامَةٌ سوداءُ، مِن حديثِ جابرٍ، مِن روايةِ مالكٍ وغيرِه. فأمَّا حديثُ مالكٍ، فأخبرناه أبو الفتح إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ سَيْبُخْتَ إجازَةً -كتَبَ إليَّ بخَطِّه، وحدَّثنيه بعضُ أصحابِنا عنه- قال: حدَّثنا الحُسَيْنُ بنُ إسماعيلَ المحامِليُّ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل مكةَ وعلى رَأْسِه عِمامَةٌ سوداء. وهذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثِ مالكٍ، ولم يَقُلْ فيه مالكٌ: عامَ الفتح. وهو محفُوظٌ مِن حديثِ جابرٍ هذا.

стр. 2194

أخبرنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا محمدُ (١) بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ، قال: حدَّثنا أبو الطاهِرِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عثمانَ المَدَنيُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوَانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن عمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ يومَ فتح مكةَ وعلى رَأْسِه عِمامَةٌ سوداءُ، ولواؤُه أبيضُ (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَة، عن أبي الزبير، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَل مكةَ يومَ الفتح وعلى رَأْسِه عِمَامَةٌ سوداءُ (٣). قال أبو عمر: ليسَ هذا "عندي" بمُعارِضٍ لحديثِ ابنِ شهابٍ؛ لأنّه قد يُمْكِنُ أن يكونَ على رأسِه عِمامةٌ سوداءُ وعليها المِغْفَرُ، فلا يتَعارَضُ الحديثان.

стр. 2195

وقد روَى داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، عن مَعْمَرِ بنِ راشِدٍ ومالكِ بنِ أنسٍ جميعًا، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، عن أنسِ بنِ مالكِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَل عامَ الفتح مكةَ في رمضانَ وليس بصائِم (١). وهذا اللفظُ ليس بمحْفُوظٍ بهذا الإسنادِ لمالكٍ إلّا مِن هذا الوجْهِ. وقد روَى سُوَيْدُ بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ مكةَ عامَ الفتح غيرَ محرم. وتابَعَه على ذلك عن مالكٍ، إبراهيمُ بنُ عليِّ ابنُ المغربيِّ. وهذا لا يُعْرَفُ هكذا إلّا بهما، وإنّما هو في "المُوطَّأ" عندَ جماعَةِ الرواةِ مِن قولِ ابنِ شهاب، قال: قال مالكٌ: قال ابنُ شهابٍ: ولم يكنْ رسولُ الله ﷺ يومَئذٍ محرمًا (٢). لم يَرْفَعْه إلى أنسٍ. وذكر عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَل مكةَ في عُمرةِ القَضَاء وهو محرمٌ، وابنُ روَاحَةَ بينَ يديهِ وهو يقول (٣): خَلُّوا بَني الكُفّارِ عن سبيلِه

стр. 2196

قد أنْزَل الرَّحمنُ في تَنْزيلِه بأنَّ خيرَ القتلِ في سبيلِه (١) وممَّا يَدُلُّ على أنَّ دُخُولَه مكةَ عامَ فَتْح مكةَ وعلى رأسِه المِغْفَرُ خُصُوصٌ له، وأنّها أُحِلَّتْ له ساعَةً مِن نهارٍ ثم عادَتْ إلى حالها؛ ما أخبرناه أبو الحسنِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ العباسِ الأخمِيمِيُّ فيما كتَبَ بإجازَته إليَّ، وأذِن لي أن أرْوِيه عنه، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ علَّانُ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ أعْيَنَ الحرَّانيُّ، قال: حدَّثنا مَعْقِلُ بنُ عبيدِ الله، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَحْمِلَ بمكةَ سِلاحًا". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، قال: زَعَم السُّدِّيُّ، عن مُصعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: لما كان يومُ فتح مكةَ أمَّنَ رسولُ الله ﷺ الناسَ إلّا أربعةَ نَفَرٍ وامرأتَين، وقال:

стр. 2197

"اقتُلوهم وإن وجَدْتُموهم مُتَعلِّقين بأستارِ الكعبةِ": عِكْرِمَةُ بنُ أبي جَهْلٍ، وعبدُ الله بنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ صُبابةَ، وعبدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ أبي سَرْح. فأمّا عبدُ الله بنُ خَطَلٍ، فأُدْرِك وهو مُتَعَلقٌ بأستارِ الكعبةِ، فاسْتَبق إليه سعيدُ بنُ حُرِيْثٍ وعمَّارُ بنُ ياسِرٍ، فسبَق سعيدٌ عمارًا وكان أشَدَّ الرجُلَيْن، فقَتَله، وأمّا مِقْيَسُ بنُ صُبابَةَ، فأدرَكَه الناسُ وهو في السُّوقِ فقَتَلُوه. وأمّا عكرمةُ، فرَكِب البحرَ فأصابَتْهُم ريحٌ عاصِفٌ، فقال أصحابُ السفينةِ لأهلِ السَّفينةِ: أخلِصوا، فإنَّ آلهتكم لا تُغْني عنكم شيئًا هاهنا. فقال عكرمةُ: والله لئن لم يُنْجِني في البحرِ إلّا الإخلاصُ، ما يُنْجيني في البرِّ غيرُه، اللهمَّ إنَّ لك عليَّ عَهْدًا إن أنت عافَيْتَني ممَّا أنا فيه، أن آتيَ محمدًا حتى أضعَ يدي في يَدِه، فلأجدَنَّه عَفُوًّا كريمًا. قال: فجاء فأسلَمَ. وأمّا عبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أبي سرح، فإنَّه اختَبأ عندَ عثمانَ بنِ عفانَ، فلمَّا دَعا النبيُّ ﷺ الناسَ إلى البيعةِ، جاء به حتى أوقَفَه على النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، بايع عبدَ الله، فرَفَع رأْسَه، فنظَر إليه ثلاثًا، كلَّ ذلك يأْبى، فبايَعَه بعدَ ثلاثٍ، ثم أقْبَل على أصحابِه فقال: "أما كان فيكم رجلٌ رَشِيدٌ يقومُ إلى هذا حينَ رآني كفَفْتُ يدي عن بَيْعَتِه فيَقْتُلَه؟ ". فقالوا: ما يُدْرينا يا رسولَ الله ما في نَفْسِك؟ ألا أومأتَ إلينا بعَيْنِك؟ فقال: "إنّه لا يَنْبَغي لنبيٍّ أن تكونَ له خائِنَةُ أعينٍ". وأخبرنا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، قال: زَعَم السُّدِّيُّ، عن مُصْعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: لما كان يومُ فتح مكةَ، فذكَره سواءً إلى آخرِه (١).

стр. 2198

حديثٌ خامسٌ لابنِ شهابٍ، عن أنس بن مالك مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كنا نُصَلِّي العصرَ، ثمَّ يذهبُ الذاهِبُ إلى قُباءٍ، فيأتيهم والشَّمسُ مُرتفعةٌ. هكذا في "المُوطأ"، ليس فيه ذكرُ النبيِّ ﷺ . ورواه عبدُ الله بنُ نافع وابنُ وَهْبٍ (٢)، في روايةِ يونُسَ بنِ عبدِ الأعلى عنه (٣)، وخالدُ بن مَخْلَدٍ (٤)، وأبو عامرٍ العَقَديُّ، كلُّهم عن مالكِ، عن الزهريُّ، عن أنس بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي العَصْرَ، ثم يذْهَبُ الذَّاهِبُ إلى قُبَاء فيأْتِيهم والشمسُ مُرْتَفِعَةٌ. وكذلك رواه عبدُ الله بنُ المُبارَكِ (٥)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ وإسحاقَ بنِ عبدِ الله بن أبي طلحَةَ، جميعًا عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي العَصْرَ، ثم يذهَبُ الذَّاهِبُ إلى قُبَاءٍ- قال أحدُهم: فيأتيهم وهم يُصَلُّون. وقال الآخَرُ: فيأتيهم والشمسُ مُرْتَفِعَة.

стр. 2199

فهؤلاء رووا هذا الحديثَ عن مالكٍ على خلافِ لفظِ "المُوطَّأ"، وهو حديث مرفُوعٌ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ؛ لأنَّ مَعْمرًا وغيرَه (١) مِن الحُفَّاظِ قالوا فيه: عن الزهريِّ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي العَصْرَ، ويَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلى العَوَالي، فيأتيهم والشمسُ مُرْتَفِعَة. هكذا قال فيه جماعَةُ أصحابِ ابنِ شِهَابٍ عنه: يذهَبُ الذَّاهِبُ إلى العَوَالي. وهو الصَّوابُ عندَ أهلِ الحديث، وقولُ مالكٍ عندهم: إلى قُبِاءٍ. وهمٌ لا شكَّ فيه، ولم يُتابِعْه أحدٌ عليه في حديثِ ابنِ شِهَابٍ هذا (٢)، إلّا أنَّ المعْنَى في ذلك مُتَقارِبٌ على سَعَةِ الوقتِ؛ لأنَّ العَوالي مخُتَلفَةُ المسافَةِ، وأقربُها إلى المدينَةِ ما كان على ميلَيْنِ أو ثلاثَةٍ، ومنها ما يكونُ "على" ثمانيةِ أميالٍ وعشَرَةٍ، ومثلُ هذا هي المسافةُ بينَ قُباءٍ وبينَ المدينَةِ، وقُباءٌ موضِعُ بني عمرو بنِ عَوْفٍ، وقد نصَّ على

стр. 2200

بني عَمْرو بنِ عوْفٍ في حديثِ أنسٍ هذا: إسحاقُ بنُ أبي طلحَةَ، وقد مضَى ذكرُ حديثه ذلك في بابِه مِن هذا الكتابِ، والحمدُ لله. حدثني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الرحمنِ النِّسائيَّ يقولُ: لم يُتابع مالكًا أحدٌ على قوله في حديثِ الزهريِّ عن أنسٍ: إلى قُبَاءٍ. والمعرُوفُ فيه: إلى العَوالي. وكذلك قال الدَّارقُطنيُّ (١) وغيرُه؛ وقد رواه خالدُ بنُ مخلدٍ، عن مالكٍ، فقال فيه: إلى العوالي. كما قال سائرُ أصحابِ ابنِ شِهَاب. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مخلدٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابن شِهَابٍ الزُّهريِّ، عن أنسٍ، قال: كنَّا نُصَلِّي العَصرَ، فيذهَبُ الذَّاهِبُ (٢) إلى العَوالي والشمسُ مُرتفِعَة (٣). هكذا رواه خالِدُ بنُ مخلَدٍ، عن مالكٍ، وسائِرُ رُواةِ "المُوطَّأ" قالوا: قُبَاء. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمَة، قال: أخبرنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، أنَّ المُغيرَةَ بنَ شعبةَ كان يُؤخِّرُ الصَّلاةَ، فقال له رجلٌ مِن الأنصارِ: أمَا سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "قال جِبْريلُ: صلِّ صلاةَ كذا في ساعَةِ كذا". حتى عدَّ الصَّلواتِ؟ قال: بلى. قال: وأشْهَدُ أنّا

стр. 2201

كُنّا نُصلِّي العَصْرَ مع النبيِّ ﷺ والشمسُ بيضَاءُ نَقِيةٌ، ثم نأتي بَني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ وإنَّها لمُرْتَفِعَةٌ، وهي على رأس ثُلُثَيْ فَرْسَخ من المدينَةِ (١). وفي هذا الحديث مِن الفِقْهِ تَعْجِيلُ العَصْرِ، وعلى هذا كان الأمْرُ الأوَّلُ، ألا ترى إلى حديثِ مالكٍ، عن العلاء، قال: صلَّينا الظُّهْرَ، ثم دخَلْنَا على أنس بنِ مالكٍ، فوجدناه يُصلِّي العَصْرَ. وذلك أنَّهم كانوا صلَّوُا الظّهْرَ مع بعضِ بني أُميَّة بالبصرَةِ ثم دخلوا على أنس فوجدُوه يُصلِّي العَصْرَ. وسنذكُرُ هذا الخبرَ في بابِ العَلاء (٢) إن شاء اللهُ تعالى. وفيه ما يدُلُّ على أنَّ مُرَاعاةَ القامَةِ في الظُّهْرِ والقَامَتَين في العَصْرِ اسْتِحبابٌ، وأنَّ وقْتَ العَصْرِ ممدُودٌ ما كانتِ الشَّمْسُ بيضَاءَ نقيةً. وكذلكَ حدَّ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ وقْتَ صلاةِ العَصْرِ مِثْلَ هذا الحدِّ، وكتَبَ به إلى عمَالِه (٣). وقد رُويَ نحوُ هذا عن جماعةٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ منهم عائِشَةُ في قولها: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ والشمسُ في حُجرتِها قبلَ أن تَظْهَرَ (٤). وروى الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني أبو النَّجَاشيِّ، قال: حدَّثني رافِعُ بنُ خَديج، قال: كُنَّا نُصلِّي مع رسولِ الله ﷺ

стр. 2202

صلاةَ العَصْرِ، ثم نَنْحَرُ جَزُورًا فنَقْسِمُه عَشْرَ قِسَم، ثم نَطْبُخُ فنأكُلُ لحمًا نَضِيجًا قبل أنْ تَغِيبَ الشمسُ (١). وفي حديثِ أبي أروى الدَّوسيِّ: كُنْتُ أُصلِّي مع رسولِ الله ﷺ ثم أمْشِي إلى ذي الحلَيْفَةِ فآتيهم قبلَ أنْ تَغِيبَ الشَّمسُ (٢). وأبو أروى: اسْمُه ربِيعَةُ (٣). وحدَّثني خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جَعْفَرِ بنِ إبراهيمَ أبو أحمدَ الزَيَّاتُ بمِصْرَ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيدَ القَرَاطيسِيُّ أبو يزيدَ، قال: حدَّثنا النَّضْرُ بنُ عبدِ الجبَّار، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن أنسٍ، قال: كُنَّا نُصلِّي العَصْرَ والشمسُ مُرتَفِعَةٌ حيةٌ، فيذهَبُ الذَّاهِبُ إلى العَوَالي والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ (٤). وكذلك رواه أسدُ بنُ مُوسى، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني ابنُ شهابٍ، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ؛ فذكَرَه.

стр. 2203

وكذلك ذكرَه ابنُ أبي ذئْبٍ في "مُوَطَّئِه" عن ابنِ شِهَابٍ (١). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ (٢) بنُ عليِّ أبو محمدِ الأُشْنانيُّ ببغدادَ، قَدِمَ علينا بها مِن الشَّام، قال: أخبرَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ زبْرِيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حميَرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي عَبْلَةَ، عن الزُّهريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي العَصْرَ والشمسُ مُرْتَفِعَةٌ حيَّةٌ، فيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلى العَوَالي، فيأتيهم والشَّمْسُ مُرْتَفِعةٌ (٣). قال: والعَوَالي مِن المَدِينَةِ على عَشَرَةِ (٤) أمْيالٍ. ومِن حديثِ ابنِ شَيْبانَ، قال: قَدِمْنا على النبيِّ ﷺ ، فكان يُؤخِّرُ العَصْرَ ما كانتِ الشمسُ بيضَاءَ نَقِيَّةً (٥). وقد مَضَى ذكرُ هذا الحديثِ وما كان مثلَه، في بابِ إسحاقَ، مِن هذا الكتابِ، والحمدُ لله. ومَضَى في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ مذاهِبُ الفُقَهاء في وقْتِ العَصْرِ خاصَّة، وسيأتي تَلْخِيصُ مَذَاهِبِهم في جميع أوْقاتِ الصَّلَواتِ مُسْتَوعَبةً مُجْمَلَةُ ومُفَسَّرَةً، في بابِ ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 2204

ابنُ شهاب، عن سَهْل بن سَعْد السَّاعديّ حديثٌ واحدٌ متّصلٌ أخبرنا أبو محمَّدٍ عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أبو الحسين عبدُ الباقي بنُ قانع القاضي ببغدادَ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: كان لفظُ الزُّهريِّ إذا حدَّثنا عن أنسٍ وسهلِ بنِ سعدٍ: سمعتُ سمعتُ (١). قد ذكرنا سَهْلَ بنَ سعدٍ في كتابنا في "الصَّحابة" (٢)، فأغنَى عن ذِكْرِه هاهنا. مالكٌ (٣)، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ أنّه أخبره أنَّ عُوَيْمِرَ بنَ أشْقَرَ العَجْلانيَّ (٤) جاءَ إلى عاصِم بنِ عَدِيٍّ الأنصاريِّ، فقال له: يا عاصِمُ، أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتقتُلونَه، أم كيف يفعَلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ عن ذلك رسولَ الله ﷺ . فسأل عاصِمٌ رسولَ الله ﷺ عن ذلك،

стр. 2205

فكَرِهَ رسولُ الله ﷺ المسائِلَ وعابَها، حتى كبُر على عاصِم ما سَمِع مِن رسولِ الله ﷺ ، فلمّا جاءَ عاصِمٌ إلى أهلِه جاءَ عُوَيمِرٌ فقال: يا عاصِمُ، ماذا قال لك رسولُ الله ﷺ ؟ فقال عاصِمٌ: لم تأتني بخيرٍ، قد كرِه رسولُ الله ﷺ المسألةَ التي سألتُه عنها. فقال عُوَيمِرٌ: والله لا أنتَهِي حتى أسأله عنها. فأقبَل عُوَيمِرٌ حتى أتى رسولَ الله ﷺ وهو وَسْطَ الناس، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتقتُلُونَه، أم كيف يفعلُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "قد أُنْزِل فيك وفي صاحبتِك، فاذهَبْ فأْتِ بها"، قال سهلٌ: فتلاعَنا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا فرَغَا مِن تلاعُنِهما قال عُوَيمِرٌ: كذَبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمسَكْتُها. فطَلَّقَها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ الله ﷺ . قال مالكٌ: قال ابنُ شهابٍ: فكانت تلك بعدُ سنة المتلاعنَين. هكذا هو في "الموطّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ (١): قال ابنُ شهابٍ: فكانت تلك سنةَ المُتلاعنَين. ورواه جُوَيْريَةُ، عن مالكٍ بإسنادِه، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ، وساقَه بنحوِ ما في "الموطأ" إلى آخرِه، وقال: فطَلَّقها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ الله ﷺ ، فكان فراقُه إيَّاها سُنةً (٢). هكذا قال في نَسَقِ الحديثِ، جعَلَه مِن قولِ سهلِ بنِ سعدٍ لا مِن قولِ ابنِ شهابٍ.

стр. 2206

وكذلك رواه إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن مالكٍ بإسنادِه ومعناه، وقال في آخِرِه: فلمَّا فرَغا مِن تلاعُنِهما طلَّقَها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ الله ﷺ . قال: فكانت فُرقَته إياها سُنّةً بعدُ (١). ومن رُواةِ إبراهيمَ بنِ طَهْمانَ مَن يقولُ عنه فيه: فكان طلاقُه إيَّاها سنةً. كلُّ ذلك مُدرَجٌ في كلام سَهْل لا مِن قولِ ابنِ شهابٍ. وهو عندَ جماعةِ رُوَاةِ "الموطَّأ" مِن قولِ ابنِ شهابٍ، كذلك هو عندَ القَعْنَبيِّ (٢)، ومُطَرِّفٍ، ومَعْنِ بنِ عِيسَى (٣)، وابنِ بُكيْرٍ، وابنِ القاسِم (٤)، وابنِ وَهْبٍ (٥)، والشافعيِّ (٦)، وأُبي مُصْعَبٍ (٧)، التِّنِّيسِي (٨)، ويحيى بنِ يحيى

стр. 2207

النَّيسابُوريِّ (١)، وأحمدَ بنِ إسماعيلَ المدنيِّ، وعبدِ الله بنِ نافع الزُّبَيْريِّ (٢)، وغيرهم (٣). واختلَف أصحابُ ابنِ شِهابٍ في ذلك أيضًا، قال الدارقطنيُّ: وقد روى حديثَ اللِّعانِ عن الزُّهريِّ عن سهلِ بنِ سعدٍ جماعَةٌ مِن الثِّقاتِ، فاختلَفوا عنه في قولِه: فكان فِرَاقُه إيَّاها سُنَّة المُتَلاعنَينِ. فأدرَجَه جماعَةٌ منهم في نفسِ الحديثِ، وجعَلوه مِن قولِ سهلِ بنِ سعدٍ؛ منهم: ابنُ جُريج، وابنُ أبي ذئْبٍ، والأوزاعيُّ، وعياضُ بنُ عبدِ الله الفِهريُّ، وفُلَيْحُ بنُ سليمانَ، وإبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّع. وفَصَلَه عُقيلُ بنُ خالدٍ، وإبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ، ويزيدُ بنُ أبي حبيبٍ فيما كتَبَ به إليه الزهريُّ، قالوا في آخِرِه: قال ابنُ شهابٍ: فكانت تلك سنةَ المُتَلاعِنَينِ، كما في "الموطأ" (٤). وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرُوسٍ (٥) إجازَةً عن أبي الحَسنِ عليِّ بنِ عمرَ الحافظِ أنّه أخبره ببغدادَ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ (٦)، قال: قُرئ على سُوَيْدِ بنِ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، فيقتُلُه أتقتلونَهُ، أم

стр. 2208

كيف يفعَلُ؟ قال: فأنزَلَ اللهُ فيهما ما ذُكِر في القرآنِ مِن التَّلاعُنِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "قد قُضِي فيك وفي امرأتِك". قال: فتلاعنَا وأنا شاهِدٌ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، إن أمسكْتُها فقد كذَبْتُ عليها. ففارَقَها، فكانتِ السُّنةُ فيهما أن يُفرَّقَ بينَ المُتلاعِنَين، وكانت حامِلًا فأنكَرَ حَمْلَها، وكان ابنُها يُدْعَى إليها، ثم جرَتِ السُّنةُ في الميراثِ أن يَرِثَها وتَرِثَ منه ما فَرَض اللهُ لها (١). وهذه الألفاظُ لم يَروِها عن مالكٍ فيما عَلِمتُ غيرُ سُوَيْدِ بنِ سعيدٍ، واللهُ أعلم (٢). وروى عبدُ الله بنُ إدريسَ هذا الحديثَ عن مالكٍ ومحمدِ بنِ إسحاقَ جميعًا، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، فذكره بطُولِه، وزاد فيه: فقال رسولُ الله ﷺ : "قد أنزَل اللهُ فيكما قرآنًا"، وتلا ما أنزَل اللهُ في ذلك، ولاعنَ رسولُ الله ﷺ بينَهما بعدَ العصر، فلما تَلاعَنا قال: يا رسولَ الله، ظلَمتُها إن أمسَكتُها، فهي الطلاقُ، فهي الطلاقُ، فهي الطلاق (٣).

стр. 2209

ولم يذكُرْ أحدٌ فيما عَلِمتُ في هذا الحديثِ أنّه لاعَنَ بينهما بعدَ صلاةِ العصرِ إلّا ابنُ إدريسَ، وأظنُّه حملَ لفظَ ابنِ إسحاقَ على لفظِ مالكٍ، وقال الدَّارقطنيُّ: لم يَقُلْ في هذا الحديثِ عن ابنِ شهابٍ أحدٌ مِن أصحابِه أنّه لاعَنَ بينهما بعد صلاةِ العصرِ غيرُ محمدِ بنِ إسحاق (١). وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْه: السؤالُ عن الإشكال. وفيه أنَّ الاستفهامَ بـ: "أرأيتَ" عن المسائلِ كان قديمًا في عصرِ رسولِ الله ﷺ . وفيه أنَّ مَن قتَل رجلًا وادَّعى أنّه إنّما قتلَه لأنّه وجَدَه مع امرأتِه، أنّه يُقْتَلُ به. وقد بينَّا هذه المسألةَ في بابِ سهَيلِ بنِ أبي صالح مِن هذا الكتابِ (٢). وفيه أن يتولَّى السُّؤالَ عن مسألتِكَ غيرُك وإن كانت مُهِمَّةً. وفيه قَبُولُ خبرِ الواحِدِ؛ لأنّه لو لم يجب عليه (٣) قَبُولُ خبرِه عندَه ما أرسَلَه يَسْألُ له. وفيه كَراهِيَةُ سماع الكلام إذا كان فيه تَعْرِيضٌ بقَبِيح؛ قَذْفًا كان أو غيرَه. وقد زعَم بعضُ الناسِ أنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على أنَّ الحَدَّ لا يجبُ في التَّعْرِيضِ بالقذف. وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ المُعَرَّضَ به غيرُ مُعيَّنٍ، وإنّما يجبُ الحدُّ على مَن عرَّضَ بقَذْفِ رجل يُشِيرُ إليه، أو يُسَمِّيه في مُشاتَمةٍ، وَيطلُبُه المُعَرَّضُ به، فحينئذٍ يجبُ في التَّعْرِيضِ بالقَذْفِ (٤) الحَدُّ، إذا كان يُعْلَمُ مِن المُعَرِّضِ أنّه قصَدَ به قصْدَ القَذْفِ، وقد صَحَّ عن عُمَرَ أنّه كان يَحُدُّ في التَّعْرِيض

стр. 2210

بالقَذْف (١). وهو قولُ مالكٍ إذا كان مفهومًا مِن ذلك التَّعْرِيضِ مُرَادُ القاذِفِ (٢)، وللكلام في هذه المسألةِ مَوْضِعٌ غيرُ هذا. واختلَف الفُقهاءُ في حُكم مَن قذَفَ امرأتَه برجلٍ سمَّاه؛ فقال مالكٌ: ليس على الإمام أن يُعْلِمَ المقْذُوفَ (٣). وهو أحَدُ قَوْلي الشافعيِّ (٤). والحُجَّةُ لمن ذهَب هذا المذهبَ قولُ الله : ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]؛ ولأنَّ العَجْلانيَّ رمَى امرأته بشَريكِ بنِ سَحْمَاء، فلم يَبعَثْ فيه رسولُ الله ﷺ ، ولا أعلَمَه. وقالت طائفةٌ: عليه أن يُعْلِمَه؛ لأنّه مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّين (٥). وقد رُويَ ذلك عن الشافعيِّ، واحتَجَّ مَن قال بهذا القولِ بقولِ رسولِ الله ﷺ : "واغْدُ يا أُنَيْسُ على امرأةِ هذا، فإن اعتَرفَتْ فارجُمْها" (٦).

стр. 2211

وقال مالكٌ: إن ذكَر المرميَّ (١) به في التِعانِه حُدَّ له. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنّه قاذِفٌ لمن لم يكنْ به ضَرُورَةٌ إلى قَذْفِه (٢). وقال الشافعيُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّ اللهَ لم يجعَلْ على مَن رمَى زَوْجَتَه بالزِّنى إلّا حدًّا واحِدًا، بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. ولم يُفرِّقْ بينَ مَن ذكَر رجلًا بعَيْنِه وبينَ مَن لم يذكُرْه، وقد رمَى العَجْلانيُّ زَوْجَتَه بشَرِيكِ بنِ سَحْماء، وكذلك هِلالُ بنُ أُميَّةَ، فلم يُحَدَّ واحِدٌ منهما (٣). وفيه أنَّ طِباعَ البَشَرِ أنْ تكونَ الغَيْرةُ تحمِلُ على سَفْكِ الدِّماء، إلّا أنْ يَعْصِمَ اللهُ عن ذلك بالعِلْم والتَّثبُّتِ والتُّقَى. وفيه أنَّ العالِمَ إذا كَرِه السُّؤالَ، له أنْ يَعِيبَه ويَنْجَهَ (٤) صاحِبَه. وفيه أنَّ مَن لقِي شيئًا مِن المكرُوه بسببِ غيرِه كان له أنْ يُؤنِّبَ ذلك الذي لقِيَ المكرُوهَ بسَبَبِه ويُعاتِبَه؛ لقولِ (٥) عاصِم لعُوَيْمِر: لم تَأْتني بخيرٍ. وفيه أنَّ المحتاجَ إلى المسألةِ مِن مسائلِ العِلْم لا يَرْدَعُه عن تَفهُّمِها غَضَبُ العالم وكراهِيَتُه لها، حتى يَقِفَ على الثَّلَج (٦) منها. وفيه أنَّ السُّؤالَ عمَّا يلزَمُ عِلْمُه مِن أمْرِ الدِّين واجِبٌ في المحَافِلِ وغيرِ المحافِلِ، وأنَّه لا حياءَ يلزَمُ فيه، ألا ترَى إلى قوله: فأقبَلَ عُوَيْمِرٌ حتى أتَى رسولَ الله ﷺ وهو

стр. 2212

وَسْطَ الناسِ، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلًا وجَدَ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتَقتُلُونه، أم كيف يفعَلُ؟ وفيه أنَّ المُلاعَنةَ لا تكونُ إلّا عندَ السلطانِ، وأنَّها ليست كالطلاقِ الذي للرَّجلِ أن يُوقِعَه حيثُ أحَبَّ، وهذا ما لا خِلافَ فيه. وكذلك لا يختَلِفُونَ أنَّ اللَّعانَ لا يكونُ إلّا في المسجدِ الذي تُجمَّعُ فيه الجمعةُ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لاعَنَ بينَ المُتلاعِنَينِ المذكُورَينِ في المسجدِ، ذكَر ذلك ابنُ مسعُودٍ وغيرُه في حديثِ اللِّعَانِ. وقد ذكرنا حديثَ ابنِ مسعودٍ وغيرِه، في بابِ نافِع، عن ابنِ عُمَرَ مِن كتابِنا هذا (١). واستَحَبَّ جماعَةٌ مِن أهلِ العِلْم أن يكونَ اللِّعانُ في الجامِع بعدَ العَصْرِ، وفي أيِّ وقْتٍ كان في المسجِدِ الجامِع أجْزَأ عندَهم. وفيه دليلٌ على أنَّ للعالِم أن يُؤخِّرَ الجوابَ إذا لم يَحْضُرْه ورجاه فيما بعدُ. وفيه أنَّ القرآنَ لم يَنْزِلْ جُمْلَةً واحدةً إلى الأرض، وإنَّما كان يَنزِلُ به جبريلُ ﵇ سورةً سورةً، وآيةً آيةً، على حسَبِ حاجَةِ النبيِّ ﷺ إليه. وأمَّا نُزولُ القرآنِ إلى سماءِ الدنيا، فنَزل كُلُّه جُملَةً واحدةً، على ما رُويَ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه في تفسيرِ قولِ الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. قالوا: ليلَةُ القدر، نزَلَ فيها القرآنُ جملَةً واحدةً إلى سَماءِ الدنيا (٢). وفيه أنَّ المتلاعِنَينِ يتَلاعَنانِ بحَضْرَةِ الحاكِم، خَلِيفَةً كان أو غيرَه. وفي قوله: "أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا" دليلٌ على أنَّ الملاعَنةَ تجبُ بينَ كُلِّ زَوجَينِ؛ لأنَّه لم يَخُصَّ رجلًا مِن رجلٍ، ولا امرأةً مِن امرأةٍ، ونَزلت آيةُ اللِّعانِ

стр. 2213

على هذا السُّؤالِ بهذا العُموم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ولم يَخُصَّ زَوْجًا مِن زوج. وهذا مَوْضِعٌ اختلفَ فيه العلماءُ؛ فقال الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا لِعانَ بينَ الحُرِّ والمملوكةِ، ولا بينَ المملوكِ والحرَّةِ، ولا بينَ المسلم والذِّمِّيةِ الكتابيَّةِ (١). ولهم في ذلك حُجَجٌ لا تَقُومُ على سَاقٍ (٢)؛ منها حديثُ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا لِعانَ بينَ مملُوكَينِ ولا كَافرَينِ" (٣). وهذا حديث ليس دُونَ عمرِو بنِ شعيبٍ مَن يُحتَجُّ به. واحتَجُّوا مِن جهةِ النَّظَرِ بأنَّ الأزواجَ لما استُثنُوا مِن جُملَةِ الشهداء بقولِه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، وجَب ألَّا يُلاعِنَ إلّا مَن تجوزُ شَهادَتُه؛ لا عبدٌ، ولا كافِرٌ، ولا يُلاعِنُ عندَهم إلّا الحُرُّ المسلمُ. وقال مالكٌ وأهلُ المدينةِ: اللِّعانُ بينَ كلِّ زَوجَينِ (٤). وهو قولُ الشافعيِّ،

стр. 2214

وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثورٍ، وداودَ (١). والحُجَّةُ لهم أنَّ اللَّعانَ يُوجِبُ فَسْخَ النكاح، فأشْبَهَ الطلاقَ، وكلُّ مَن يجوزُ طَلاقُه يجوزُ لعَانُه، واللِّعانُ أيمانٌ ليس بشهادةٍ، ولو كان شهادَةً، ما سُوِّيَ فيه بينَ الرجلِ والمرأةِ، ولكانتِ المرأةُ على النصفِ مِن الرجلِ، ولا يَشْهَدُ أحَدٌ لنفسِه، وقد سَمَّى اللهُ أيمانَ المنافِقينَ شهادةً، بقوله: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]. وقال ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢]. ومن جِهَةِ القِياسِ والنَّظَرِ مُحالٌ أنْ يَنتَفيَ عنه ولَدُ الحُرَّةِ المسلمةِ باللِّعانِ، ولا يَنْتفيَ عنه ولَدُ الأمَةِ أو الكتابِيَّةِ باللِّعان. وفيه أنَّ الحاكِمَ يُحْضِرُ مع نفسِه للتلاعُنِ قومًا يَشهَدون ذلك، ألا ترَى إلى قولِ سَهْلِ بنِ سعدٍ (٢): فتَلاعَنا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ الله ﷺ . وفي شُهُودِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ لذلك دليلٌ على جوازِ شُهُودِ الغِلمانِ والشُّبَّانِ التَّلاعُنَ مع الكُهُولِ والشُّيوخ بينَ يَدَي الحاكِم؛ لأنَّ سَهْلًا كان يومَئذٍ غُلامًا. قال أبو عمر: ما أدرَكَ سهلُ بنُ سعدٍ النبيَّ ﷺ إلّا وهو غلامٌ صغيرٌ. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ (٣)، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٤): حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، قال: قلتُ لسهلِ بنِ سعدٍ: ابنُ كم أنت يومئذٍ؟ -يعني يومَ المتلاعِنَينِ- قال: ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً.

стр. 2215

وقد احتجَّ بهذا الحديثِ مَن قال: إنَّ الطلاقَ ثلاثًا بكلِمةٍ واحدةٍ مُبَاحٌ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُنكِرْ على العَجْلانيِّ أن طَلَّقَ امرأتَه ثلاثًا بكلِمةٍ واحدةٍ بعدَ الملاعَنةِ. واختلَفوا هل تقَعُ الثلاثُ مُجتمِعاتٍ في الطُّهْرِ للسُنَّةِ أم لا؟ وسنَذْكُرُ ذلك في حديثِ مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ إن شاء اللهُ (١). واختَلَف الفقهاءُ في فُرْقَةِ المتلاعِنَينِ، هل تَحْتاجُ إلى طلاقٍ أم لا؟ فقال مالكٌ وأصحابُه، والليثُ بنُ سعدٍ، وهو قولُ زُفَرَ بنِ الهذيلِ: إذا فرَغا جميعًا مِن اللِّعانِ وقَعتِ الفُرْقَةُ وإن لم يُفَرِّقِ الحاكِمُ ثم لا يجتمِعان أبدًا (٢). ومن حُجَّتِهم في أنَّ للفُرْقَةِ تأثيرًا في التِعانِ المرأةِ وجُوبُه عليها، وقياسًا على أنَّ تَفاسُخَ البيع لا يكونُ إلّا بتمام تحالُفِهما جميعًا. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: لا تقَعُ الفُرْقَةُ بعدَ فَراغِهما مِن اللِّعانِ حتى يُفرِّقَ الحاكِمُ بينَهما. وهو قولُ الثوريِّ (٣)؛ لقولِ ابنِ عمرَ فَرَّق رسولُ الله ﷺ بينَ المتلاعِنَينِ (٤). فأضاف الفُرْقَةَ إليه لا إلى اللِّعَانِ، ولقوله ﵇: "لا سَبِيلَ لك عليها" (٥).

стр. 2216

وحُجَّةُ مالكٍ أنَّ تَفْريقَه ﷺ إنّما كان إعلامًا منه أنَّ ذلكَ شأْنُ اللِّعَانِ، ومثلُه قولُه: لا سَبِيلَ لك عليها". ومن حُجَّتِه أيضًا أنّه لما افتقَرَ اللِّعَاِن، إلى حُضورِ الحاكِم افتقَرَ إلى تَفْرِيقِه، كفُرْقَةِ العِنِّينِ. وقال الأوزَاعيُّ نحوَ قولِ مالكٍ (١). وقال الشافعيُّ: إذا أكمَلَ الزوجُ الشهادةَ والالتِعَانَ فقد زال فِراشُ امرأتِه، التَعَنتْ أو لم تَلْتَعِنْ. قال: وإنّما التِعَانُ المرأةِ لدَرْءِ الحَدِّ لا غيرُ، وليس لالتِعانِها في زوالِ الفِراشِ معنًى، ولما كان لِعَانُ الزوج يَنفِي الوَلَدَ ويُسْقِطُ الحَدَّ، رَفَع الفِرَاشَ (٢). وقد ذكَرْنا حُجَّتَه في بابِ نافِع، عن ابنِ عمرَ، مِن كتابِنا هذا (٣)، والحمدُ لله. وكلُّ الفقهاء مِن أهلِ المدينةِ، وسائرِ الحِجازِيِّينَ، وأهلِ الشام، وأهلِ الكوفةِ، يقولونَ: إنَّ اللِّعَانَ مُسْتَغْنٍ عن الطلاقِ، وإنَّ حُكْمَه وسُنَّته الفُرْقَةُ بينَ المُتَلاعِنَينِ. وإنما اختلافُهم الذي قدَّمْنا في أنَّ الحاكمَ يَلْزَمُه أن يُفرِّقَ بينهما، إلّا عثمانَ البتِّيَّ في أهلِ البصرةِ فإنَّه لم يرَ التلاعُنَ يَنْقُضُ شيئًا مِن عِصْمَةِ الزَّوْجَين حتى يُطَلِّق (٤). وهو قولٌ لم يتقَدَّمْه إليه أحَدٌ مِن الصحابةِ، على أنَّ البتِّيَّ قد

стр. 2217

استَحَبَّ للمُلاعِنِ (١) أنْ يُطَلِّقَ بعدَ اللِّعَان، ولم يستَحِبَّه قبلَ ذلك، فدلَّ على أنَّ اللِّعانَ عندَه قد أحدَثَ حُكمًا. قال أبو عمر: معنى قولِ ابنِ شهابٍ في آخِرِ حديثِ مالكٍ: فكانت تلك سُنَّةَ المُتَلاعِنَين؛ يعني: الفُرْقَةَ بينهما إذا تَلاعَنا، لا أنّه أرادَ الطلاقَ، وذلك موجودٌ منصوصٌ عليه في حديثِ ابنِ شهابٍ، مع ما يَعضُدُه مِن الأُصولِ التي ذكرنا في هذا الكتاب. وروى ابنُ وَهْبٍ في "مُوَطَّئِه"، قال أخبرني عِيَاضُ بنُ عبدِ الله الفِهريُّ، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ عُوَيْمِرَ بنَ أشْقَرَ الأنصاريَّ أحَدَ بني العَجْلانِ جاءَ إلى عاصِم. فذكَر مثلَ حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ، وزادَ فيه: وكانت امرأةُ عُوَيْمِرٍ حُبْلَى، فأنكَر حملَها، وكان الغُلامُ يُدْعَى إلى أُمِّه. قال: وجَرَتِ السُّنةُ في الميراثِ أنّه يَرِثُها، وتَرِثُ عنه ما فرَضَ اللهُ للأُمِّ. قال ابنُ شهابٍ: قال عُوَيْمِرٌ عندَ ذلك: لَبِئْسَ بهذا حقًا (٢) إن أنا رُمِيتُ عندَ رسولِ الله ﷺ بكَذِبٍ. قال: فمضَتِ السُّنّة في المُتلاعِنَينِ أن يُفَرَّقَ بينهما، ولا يجتَمِعانِ أبدًا (٣).

стр. 2218

فهذا نَصٌّ عن ابنِ شهابٍ في ذلك. وجُمهورُ الفُقهاءِ على أنّه لا يجوزُ للمُلاعِنِ أن يُمسِكَها، ويُفَرَّقُ بينهما، وقد ثَبَت عن النبيِّ ﷺ أنّه فرَّق بينَ المُتلاعِنَينِ. حدثني سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ (١)، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، أنَّ سعيدَ بنَ جبير حدَّثه، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ فَرَّق بينَ أخَوَيْ بني العَجْلان. وروى ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ فَرَّق بينَ المُتلاعِنَيْن (٢). وروى مالكٌ (٣)، عن نافِع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رجلًا لاعَنَ امرأتَه في زَمَنِ النبيِّ ﷺ وانتَفَى مِن ولَدِها، ففرَّقَ رسوُل الله ﷺ بينهما، وألحَق الولدَ بأُمِّه.

стр. 2219

ولم يذكُرْ أحَدٌ مِن أصحابِ ابنِ شهابٍ عنه، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ في هذا الحديثِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ فرَّقَ بينَ المتلاعِنَينِ غيرُ ابنِ عُيينةَ وحدَه، وهو محفوظٌ مِن حديثِ ابنِ عمرَ (١). ويقولون: إنّه لم يقلْ أحَدٌ في حديثِ ابنِ عمرَ: وألحَق الولدَ بأُمِّه، إلّا مالكُ بنُ أنسٍ. وسنذكُرُ حديثَه في بابِ نافع مِن كتابِنا هذا إن شاء الله. واختلفوا في الزوج إذا أبَى مِن الالتِعانِ؛ فقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّ اللّهَ جعلَ على الأجنبيِّ الحدَّ، وعلى الزوج اللِّعانَ، فلمّا لم يَنتَقِل اللِّعانُ إلى الأجنَبِيِّ، لم يَنتَقِل الحَدُّ إلى الزوج، ويُسجَنُ أبدًا حتى يُلاعِنَ؛ لأنَّ الحُدُودَ لا تُؤخَذُ قياسًا (٢). وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وجُمهورُ الفقهاء: إن لم يَلْتَعِنِ الزوجُ حُدَّ؛ لأنَّ اللِّعانَ له براءةٌ، كما الشُّهودُ للأجنبيِّ، وإن لم يأتِ الأجنبيُّ (٣) بأربعَةِ شُهَداءَ حُدَّ، فكذلك الزوجُ إن لم يَلْتعِنْ حُدَّ. وجائزٌ عندَ مَن احتَجَّ بهذه الحجَّةِ القِياسُ في الحدُودِ (٤).

стр. 2220

وفي حديثِ العَجْلانيِّ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لقوله: إن سكَتُّ سكَتُّ على غَيْظٍ، وإن قَتلتُ قُتِلتُ، وإن نَطَقْتُ جُلِدْتُ (١)، وقولِ رسولِ الله ﷺ له: "عَذابُ الدُّنيا أهوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ" (٢). ومِن جِهةِ القِياسِ أيضًا أنَّه لما لحِق الزوجةَ مِن العَارِ بقَذفِ الزوج لها مثلُ ما لحِقَ الأجنَبِيَّة، وجَبتِ التَّسويَةُ بينهما. واختلفوا هل للزوج أن يُلاعِنَ مع شُهودِه؟ فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُلاعِنُ، كان له شُهودٌ أو لم يكنْ؛ لأنَّ الشُّهودَ ليس لهم عَملٌ إلّا دَرءُ الحدِّ، وأمَّا رفعُ الفِرَاشِ ونَفيُ الوَلَدِ فلا بُدَّ فيه مِن اللِّعانِ (٣). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنّما جُعِل اللِّعانُ للزوج إذا لم يكنْ له شُهداءُ غيرَ نفسه (٤). واختلفوا إذا أكذَبَ نفسَه المُلاعِنُ، هل له أنْ يُراجِعَها إذا جُلِد الحدَّ؟ فأجاز ذلك حمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قالوا: يكونُ خاطِبًا مِن الخُطَّاب (٥). وقال مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ، وأحمدُ وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ:

стр. 2221

لا يجتمِعانِ أبدًا، سواءٌ أكذَب نفسَه أو لم يُكْذِبْها، ولكنَّه إن أكْذَب نفسه جُلِد الحدَّ، ولحِق به الولدُ ولا يجتَمِعانِ أبدًا (١). ورُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِ مسعودٍ (٢)، وبه قال أكثرُ علماء التابعين بالمدينة. ورُويَ مثلُ قولِ أبي حنيفةَ في هذه المسألةِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وسعيدِ بنِ المسَيِّبِ، وإبراهيمَ، وابنِ شهابٍ (٣)، على اختلافٍ عن إبراهيمَ وابنِ شهابٍ (٤) في ذلك؛ لأنّه قد رُوي عنهما أنَّ المتلاعِنَين لا يَتناكَحانِ أبدًا. وكذلك قال الحسنُ البصريُّ (٥). وقال الشَّعبيُّ، والضَّحاكُ: إذا أكْذَبَ نفسَه جُلِد الحدَّ ورُدَّتْ إليه امرأتُه (٦). وهذا عندي قولٌ ثالِثٌ خِلافُ مَن قال: يكونُ خاطِبًا مِن الخطَّابِ. وخِلافُ مَن قال: لا يجتمِعانِ أبدًا. قال أبو عمر: التلاعُنُ يقتَضي التباعُدَ، فإذا حصَلا مُتَباعِدَينِ لم يَجُزْ لهما أن يجتَمِعا أبدًا، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "لا سبيلَ لكَ عليها". وفي قولِه هذا

стр. 2222

إعلامٌ أنَّ الفُرْقةَ تقَعُ باللِّعانِ، وأنَّ السبيلَ عنها مُرتَفِعةٌ؛ لأنَّ قولَه: "لا سبيلَ لك عليها". مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بشيء. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحمَيْديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عَمْرٍو (٢)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ قال: فرَّق رسولُ الله ﷺ بينَ المتلاعِنَين، وقال: "حِسابُكما على الله، أحدُكما كاذِبٌ، لا سبيلَ لك عليها". قال: يا رسولَ الله، مالي، مالي. قال: "لا مالَ لك، إن كُنتَ صادِقًا فهو بما استَحلَلْتَ مِن فَرجِها، وإن كنتَ كذَبتَ فهو أبعدُ لك". وقال بعضُ أصحابِنا، وهو الأبْهَريُّ (٣): ومن جهةِ المعنى، فإنّما عُوقِبَ الملاعِنُ بمَنع التراجُع؛ لما أدخَلَ مِن الشبهةِ في النَّسَبِ، كما عُوقِب القاتِلُ عمدًا ألا يَرِثَ. واحتجَّ أيضًا لمذهَبِ مالكٍ في النكاح في العِدَّةِ، أنّه يُفَرَّقُ بينَهما ولا يتناكحانِ أبدًا، بمَنع المتلاعِنَينِ مِن ذلك عُقُوبَةً لهما؛ لما قطَعَا مِن نَسَبِ الولدِ، ولم يتَصادَقا فيه. قال: فكذلك المتزَوِّجُ في العِدَّةِ، لمّا أدخَل الشُّبهةَ في النَّسَبِ عُوقِب بالمنع مِن الاجتماع، ورُفِع فِرَاشُهما؛ لأنّه افْتَرش غيرَ فراشِه. قال أبو عمر: الأُصولُ عندَ أهلِ العِلْم مُستَغنِيةٌ عن الاحتِجاج لها، والزاني قد افتَرشَ غيرَ فراشِه ولم يُمنَعْ مِن النكاح بعدَ الاستبراء. ولأهلِ العِلم في هذه
следующие страницы →