← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2218–2257 · переход к 2223.

стр. 2218

فهذا نَصٌّ عن ابنِ شهابٍ في ذلك. وجُمهورُ الفُقهاءِ على أنّه لا يجوزُ للمُلاعِنِ أن يُمسِكَها، ويُفَرَّقُ بينهما، وقد ثَبَت عن النبيِّ ﷺ أنّه فرَّق بينَ المُتلاعِنَينِ. حدثني سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ (١)، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، أنَّ سعيدَ بنَ جبير حدَّثه، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ فَرَّق بينَ أخَوَيْ بني العَجْلان. وروى ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ فَرَّق بينَ المُتلاعِنَيْن (٢). وروى مالكٌ (٣)، عن نافِع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رجلًا لاعَنَ امرأتَه في زَمَنِ النبيِّ ﷺ وانتَفَى مِن ولَدِها، ففرَّقَ رسوُل الله ﷺ بينهما، وألحَق الولدَ بأُمِّه.

стр. 2219

ولم يذكُرْ أحَدٌ مِن أصحابِ ابنِ شهابٍ عنه، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ في هذا الحديثِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ فرَّقَ بينَ المتلاعِنَينِ غيرُ ابنِ عُيينةَ وحدَه، وهو محفوظٌ مِن حديثِ ابنِ عمرَ (١). ويقولون: إنّه لم يقلْ أحَدٌ في حديثِ ابنِ عمرَ: وألحَق الولدَ بأُمِّه، إلّا مالكُ بنُ أنسٍ. وسنذكُرُ حديثَه في بابِ نافع مِن كتابِنا هذا إن شاء الله. واختلفوا في الزوج إذا أبَى مِن الالتِعانِ؛ فقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّ اللّهَ جعلَ على الأجنبيِّ الحدَّ، وعلى الزوج اللِّعانَ، فلمّا لم يَنتَقِل اللِّعانُ إلى الأجنَبِيِّ، لم يَنتَقِل الحَدُّ إلى الزوج، ويُسجَنُ أبدًا حتى يُلاعِنَ؛ لأنَّ الحُدُودَ لا تُؤخَذُ قياسًا (٢). وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وجُمهورُ الفقهاء: إن لم يَلْتَعِنِ الزوجُ حُدَّ؛ لأنَّ اللِّعانَ له براءةٌ، كما الشُّهودُ للأجنبيِّ، وإن لم يأتِ الأجنبيُّ (٣) بأربعَةِ شُهَداءَ حُدَّ، فكذلك الزوجُ إن لم يَلْتعِنْ حُدَّ. وجائزٌ عندَ مَن احتَجَّ بهذه الحجَّةِ القِياسُ في الحدُودِ (٤).

стр. 2220

وفي حديثِ العَجْلانيِّ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لقوله: إن سكَتُّ سكَتُّ على غَيْظٍ، وإن قَتلتُ قُتِلتُ، وإن نَطَقْتُ جُلِدْتُ (١)، وقولِ رسولِ الله ﷺ له: "عَذابُ الدُّنيا أهوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ" (٢). ومِن جِهةِ القِياسِ أيضًا أنَّه لما لحِق الزوجةَ مِن العَارِ بقَذفِ الزوج لها مثلُ ما لحِقَ الأجنَبِيَّة، وجَبتِ التَّسويَةُ بينهما. واختلفوا هل للزوج أن يُلاعِنَ مع شُهودِه؟ فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُلاعِنُ، كان له شُهودٌ أو لم يكنْ؛ لأنَّ الشُّهودَ ليس لهم عَملٌ إلّا دَرءُ الحدِّ، وأمَّا رفعُ الفِرَاشِ ونَفيُ الوَلَدِ فلا بُدَّ فيه مِن اللِّعانِ (٣). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنّما جُعِل اللِّعانُ للزوج إذا لم يكنْ له شُهداءُ غيرَ نفسه (٤). واختلفوا إذا أكذَبَ نفسَه المُلاعِنُ، هل له أنْ يُراجِعَها إذا جُلِد الحدَّ؟ فأجاز ذلك حمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قالوا: يكونُ خاطِبًا مِن الخُطَّاب (٥). وقال مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ، وأحمدُ وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ:

стр. 2221

لا يجتمِعانِ أبدًا، سواءٌ أكذَب نفسَه أو لم يُكْذِبْها، ولكنَّه إن أكْذَب نفسه جُلِد الحدَّ، ولحِق به الولدُ ولا يجتَمِعانِ أبدًا (١). ورُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِ مسعودٍ (٢)، وبه قال أكثرُ علماء التابعين بالمدينة. ورُويَ مثلُ قولِ أبي حنيفةَ في هذه المسألةِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وسعيدِ بنِ المسَيِّبِ، وإبراهيمَ، وابنِ شهابٍ (٣)، على اختلافٍ عن إبراهيمَ وابنِ شهابٍ (٤) في ذلك؛ لأنّه قد رُوي عنهما أنَّ المتلاعِنَين لا يَتناكَحانِ أبدًا. وكذلك قال الحسنُ البصريُّ (٥). وقال الشَّعبيُّ، والضَّحاكُ: إذا أكْذَبَ نفسَه جُلِد الحدَّ ورُدَّتْ إليه امرأتُه (٦). وهذا عندي قولٌ ثالِثٌ خِلافُ مَن قال: يكونُ خاطِبًا مِن الخطَّابِ. وخِلافُ مَن قال: لا يجتمِعانِ أبدًا. قال أبو عمر: التلاعُنُ يقتَضي التباعُدَ، فإذا حصَلا مُتَباعِدَينِ لم يَجُزْ لهما أن يجتَمِعا أبدًا، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "لا سبيلَ لكَ عليها". وفي قولِه هذا

стр. 2222

إعلامٌ أنَّ الفُرْقةَ تقَعُ باللِّعانِ، وأنَّ السبيلَ عنها مُرتَفِعةٌ؛ لأنَّ قولَه: "لا سبيلَ لك عليها". مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بشيء. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحمَيْديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عَمْرٍو (٢)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ قال: فرَّق رسولُ الله ﷺ بينَ المتلاعِنَين، وقال: "حِسابُكما على الله، أحدُكما كاذِبٌ، لا سبيلَ لك عليها". قال: يا رسولَ الله، مالي، مالي. قال: "لا مالَ لك، إن كُنتَ صادِقًا فهو بما استَحلَلْتَ مِن فَرجِها، وإن كنتَ كذَبتَ فهو أبعدُ لك". وقال بعضُ أصحابِنا، وهو الأبْهَريُّ (٣): ومن جهةِ المعنى، فإنّما عُوقِبَ الملاعِنُ بمَنع التراجُع؛ لما أدخَلَ مِن الشبهةِ في النَّسَبِ، كما عُوقِب القاتِلُ عمدًا ألا يَرِثَ. واحتجَّ أيضًا لمذهَبِ مالكٍ في النكاح في العِدَّةِ، أنّه يُفَرَّقُ بينَهما ولا يتناكحانِ أبدًا، بمَنع المتلاعِنَينِ مِن ذلك عُقُوبَةً لهما؛ لما قطَعَا مِن نَسَبِ الولدِ، ولم يتَصادَقا فيه. قال: فكذلك المتزَوِّجُ في العِدَّةِ، لمّا أدخَل الشُّبهةَ في النَّسَبِ عُوقِب بالمنع مِن الاجتماع، ورُفِع فِرَاشُهما؛ لأنّه افْتَرش غيرَ فراشِه. قال أبو عمر: الأُصولُ عندَ أهلِ العِلْم مُستَغنِيةٌ عن الاحتِجاج لها، والزاني قد افتَرشَ غيرَ فراشِه ولم يُمنَعْ مِن النكاح بعدَ الاستبراء. ولأهلِ العِلم في هذه

стр. 2223

المسألةِ أقوالٌ واعتِلالٌ ليس هذا موضِعَ ذِكْرِ ذلك. وقولُ مالكٍ في مسألةِ النَّاكِح في العِدَّةِ هو مَذهَبُ عمرَ بنِ الخطابِ (١). وقد رُويَ عن عليٍّ، وابنِ مسعود (٢)، في المُتلاعِنَينِ مثلُ ذلك، وخالفاه في النكاح في العِدَّةِ (٣). ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ ومَن ذهَب مَذهبَه في هذه المسألةِ، عمومُ قولِ الله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. فلمّا لم يُجمِعُوا على تحريمِها دخلَتْ تحتَ عموم الآية. ومن جهةِ النظرِ؛ لمَّا لحِق الولَدُ وجَب أن يَعُودَ الفِراشُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَقتضِيه عقدُ النكاح ويُوجِبُه. قال أبو عمر: ذكر إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ، عن سهلِ بنِ سعدٍ: أنَّ المرأةَ كانت حاملًا، وأنّها جاءتْ بعدَ ذلك بولدٍ (٤). وتابَعَه على ذلك ابنُ جريج، فقال في دَرْج حديثه عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إن جاءتْ به أحمرَ قصيرًا كأنَّه وحَرَةٌ (٥)، فلا أُرَاها إلّا قد صَدَقتْ وكَذَب عليها، وإن جاءتْ به أسودَ، أعْيَنَ (٦)، ذا أليَتَينِ، فلا أُرَاه إلّا قد صَدَق

стр. 2224

عليها". فجاءت به على المكرُوهِ مِن ذلك. فقالى ابنُ جُريج: قال ابنُ شهابٍ: فكانتِ السُّنَّةُ بعدَهما (١) أن يُفرَّقَ بينَ المُتَلاعِنَين، وكانت حامِلًا، وكان ابنُها يُدْعَى لأُمِّه. قال: ثم جَرَتِ السُّنةُ أنّه يَرِثُها وتَرِثُ منه ما فَرَض اللهُ لها (٢). وسنَذكُرُ هذا المعنَى بما فيه للعلماء مِن التنازُع، بها بابِ نافِع، عن ابنِ عمرَ؛ لأنّه أوْلى به؛ لقولِ ابنِ عُمرَ في حديثه: وانتَفَى مِن ولدِها. وليس للحَمْلِ ولا للوَلَدِ ذكرٌ في حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ هذا، فلذلك أخَّرناه إلى بابِ نافِع إن شاء الله (٣). وأمّا كيفيَّةُ اللِّعَانِ، فإنَّ ابنَ القاسِم ذكَر عن مالكٍ: أنّه يحلِفُ أربَعَ شهاداتٍ -يُريدُ أربعَ أيمانٍ- يقولُ: أشهَدُ باللّه لرأيتُها تَزني. وإن نَفَى حَمْلَها زاد: ولقد استبرأْتُها، وما الحملُ منِّي. يقولُ ذلك أربَعَ مرَّاتٍ، والخامسة: لعنَةُ (٤) الله عليَّ إن كنتُ مِن الكاذبِينَ. ثم تقومُ هي فتقولُ: أشهَدُ باللّه ما رَآني أزني، وإنَّ حمْلي لمنه. تقولُ ذلك أربعَ مرَّاتٍ، والخامِسَةَ: غَضَبُ الله عليها إن كان مِن الصادقين (٥). وقد ذكرنا كيفيةَ اللِّعَان في نَفْي الحملِ عن مالكٍ وأصحابِه في بابِ نافع مِن كتابِنا هذا (٦). وكان مالكٌ يقولُ: لا يُلاعِنُ إلّا أن يقول: رأيتُكِ تزني. أو يَنفِيَ حملًا أو ولدًا منها. قال والأعْمَى يُلاعِنُ إذا قذَف (٧). وقولُ أبي الزِّنادِ، ويحيى بنِ

стр. 2225

سعيدٍ، والليثِ بنِ سعدٍ، والبتِّيِّ، مثلُ قولِ مالكٍ: أنَّ الملاعَنةَ لا تجِبُ بالقذفِ، وإنَّما تجبُ بادِّعاء الرُّؤيَةِ، أو نفي الحملِ مع دعوَى الاستِبراء، وعندَهم أنّه إذا قال لزَوْجَتِه: يا زانيَةُ. جُلِد الحدَّ. والحُجَّةُ لهذا القولِ قائمةٌ مِن الآثارِ؛ فمنها حديثُ مالكٍ هذا، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ؛ قولُه فيه: أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا؟ وكذلك ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصِر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويْسٍ، قال: حدثني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسم، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن ابنِ عباسٍ: أنّه ذُكِر المتلاعِنانِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فقال عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ في ذلك قولًا، ثم انصَرَف، فأتاهُ رجل مِن قومِه فذكر أنّه وجَد مع امرأتِه رجلًا. وذكَر الحديث (١). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا

стр. 2226

عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء هلالُ بنُ أُميَّةَ -وهو أحَدُ الثلاثةِ الذين تاب اللهُ عليهم- فجاء مِن أرضِه عشاءً، فوجَد عندَ أهلِه رجلًا، فرأى بعَينِه، وسمِع بأُذُنِه، فلم يَهِجْه حتى أصبَح، ثم غَدا على رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنِّي جئتُ أهلي عشاءً، فوجَدتُ عندَهم رجلًا، فرأيتُ بعَيْني، وسَمِعتُ بأُذني. فكرِه رسولُ الله ﷺ ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيتين كلتَيهِما [النور: ٦]. فسُرِّي عن رسولِ الله ﷺ ، فقال: "أبشِرْ يا هِلالُ، فقد جعَلَ اللهُ لك مخرَجًا"، وذكَر الحديثَ بطُولِه. وروى جريرُ بنُ حازم، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قذَف هِلالُ بنُ أُميةَ امرأته، قيل له: واللّه ليجلدنَّكَ رسولُ الله ﷺ ثمانينَ. فقال: اللهُ أعدَلُ مِن أن يَضربَني وقد عَلِم أنِّي رأيتُ حتى استبنتُ، وسمِعْتُ حتى استيقَنْتُ. فأنزلَ اللهُ (١) آيةَ المُلاعَنةِ (٢). فهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على أنَّ الملاعَنةَ التي قَضَى بها رسولُ الله ﷺ إنّما كانت بالرُّؤَيةِ، فلا يجبُ أن تتعَدَّى ذلك، ومَن قذَف امرأتَه ولم يذكُرْ رؤيَةً، حُدَّ بعُمُوم قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٤] الآية. ومن جهةِ النظرِ، فإن ذلك قياسٌ على الشُّهودِ، ولأنَّ المعنَى في اللّعَانِ إنّما هو مِن أجلِ النَّسَبِ، ولا يَصحُّ ارتفاعُه إلّا بالرؤية أو نَفي الوَلدِ، فلهذا قالوا: إنَّ القذفَ المُجرد (٣) لا لِعَانَ فيه، وفيه الحَدُّ؛ لعُموم قولِ الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. وقياسًا على الشهادةِ التي لا تَصحُّ إلّا برؤيَةٍ، واللهُ أعلم.

стр. 2227

وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأبو عُبيدٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وداودُ، وأصحابُهم: إذا قال لها: يا زانيةُ. وجَبَ اللِّعَانُ إن لم يأْتِ بأربعةِ شُهَداء. وسواءٌ عندَهم قال: يا زانيةُ. أو: رأيتُكِ تَزنين. أو: زَنَيتِ. وهو قولُ جُمهورِ العلماءِ، وعامةِ الفقهاء، وجماعةِ أصحاب الحديث (١). وقد رُوي أيضًا عن مالكٍ مثلُ ذلك (٢). وحُجَّتُهم أنَّ اللّهَ قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. ولم يقُلْ في واحِدَةٍ منهما برُؤَيَةٍ، ولا بغير رُؤيَةٍ، وسوَّى بينَ الرَّميَينِ بلفظٍ واحدٍ، فمَن قذَف محُصَنةً غيرَ زَوجِه ولم يأْتِ بأربعَةِ شُهداء جُلِد الحدَّ، ومَن قذَف زوجتَه ولم يأتِ بأربعةِ شُهداء لاعَنَ، فإن لم يُلاعِنْ حُدَّ. وقد أجمعوا أنَّ الأعمَى يُلاعِنُ إذا قذَف امرأتَه، ولو كانتِ الرُّؤيةُ مِن شرطِ اللِّعَانِ ما لاعَنَ الأعمَى. ولهم في هذا حُجَجٌ يطُولُ ذكرُها. واختَلَفوا في مُلاعَنةِ الأخرَسِ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُلاعِنُ؛ لأنّه ممَّن يَصِحُّ طلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه إذا فُهِم ذلك عنه، ويَصِحُّ يمينُه للمُدَّعي عليه (٣). وقال أبو حنيفةَ: لا يُلاعِنُ؛ لأنّه ليس مِن أهلِ الشَّهادَةِ، ولأنَّه قد (٤) يَنطلِقُ لسانُه فيُنكِرُ اللِّعَانَ، فلا يُمكِنُنا إقامَةُ الحدِّ عليه (٥).

стр. 2228

وقال الشافعيُّ: يقولُ الملاعِنُ: أشهَدُ بالله إنِّي لَمِنَ الصادقينَ فيما رَمَيتُ به زوجَتي فلانةَ بنتَ فلانٍ. وُيشِيرُ إليها إن كانت حاضِرةً، يقولُ ذلك أربعَ مرَّاتٍ. ثم يُقْعِدُه الإمامُ ويذكِّرُه اللّهَ، ويقولُ له: إنِّي أخافُ إن لم تكنْ صدَقتَ أن تبُوء بلَعنةِ الله. فإن رآه يُريدُ أن يَمضِيَ على ذلك أمَر مَن يضَعُ يَدَه على فيه، ويقول: إنَّ قولكَ: وعليَّ لعنةُ الله إن كنتُ مِن الكاذبين. مُوجِبةٌ إن كنتَ كاذِبًا. فإن أبى ترَكه يقولُ: ولعنةُ الله عليَّ إن كنتُ مِن الكاذبينَ فيما رمَيتُ به فلانةَ مِن الزِّنَى (١). قال أبو عمر: أخَذ الشافعيُّ هذا مِن حديثِ سفيانَ بن عيينةَ، عن عاصِم بنِ كُلَيْبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَر رجلًا -حيثُ أمرَ المتلاعِنَين أن يتَلاعَنا- أن يضَعَ يَدَه على فيه عندَ الخامسةِ، يقولُ: "إنَّها مُوجِبةٌ" (٢).

стр. 2229

ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (١) حديث واحدٌ مسندٌ وهو عبدُ الله بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ بنِ كعبِ بنِ مالكِ بنِ ربيعةَ بنِ عامرِ بنِ سعدِ بنِ عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ رُفَيدةَ بنِ عَنْز بنِ وائلِ بنِ قاسطِ بنِ هِنْبِ بن أفْصَى بنِ دُعْمِىِّ بن جَدِيلةَ بنِ أسَدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارٍ. أدرك أبا بكرٍ وعمرَ والخلفاء، وحفظ عنهم، ورأى النبيَّ ﷺ ، وحفظ عنه أيضًا خبرًا واحدًا، وهو ما أخبرنا أبو محمّدٍ عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمّدٍ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا محمّدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا أبو صالح (٢)، عن اللِّيث، عن ابن عَجْلانَ (٣)، عن مولى لعبدِ الله بنِ عامر، عن عبدِ الله بنِ عامر، قال: دَعَتْني أُمِّي والنبيُّ ﷺ عندنا، فأتيتُ، فقالت: تعالَ أُعطِيكَ. فقال النبيُّ ﷺ : "ما أردتِ أن تُعطيهِ؟ " قالت: تمرًا. قال: "لو لم تفعلي، كُتِبتْ عليك كِذْبة" (٤). وقد ذكَرناه في كتابنا في "الصَّحابةِ" (٥) وذكَرنا أباهُ (٦)، والحمدُ لله.

стр. 2230

مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خرَجَ إلى الشام، فلمَّا جاءَ سَرْغَ بلَغَه أنَّ الوبَاء قد وقَعَ بالشام، فأخبرَه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا سَمِعتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، فإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها، فلا تخرجُوا فِرَارًا منه". فرجَع عمرُ مِن سَرْغَ. سَرْغُ (٢) موضِعٌ بطريقِ الشام، قيل: إنّه وادي تَبُوكَ. وقيل: بقُربِ تَبُوك. وقولُه في هذا الحديثِ وغيره: إنَّ عمرَ بلَغَه إذ بَلَغَ سَرْغَ متوجِّهًا إلى الشام، أنَّ الوباء قد وقَع بالشَّام. فإنَّ المعنى عندهم: أنَّ الوباء وقَع بدِمَشْقَ، وكانت أُمَّ الشَّام، وإليها كان مَقْصِدُه. ورُويَ عن مالكٍ أنّه سُئِلَ عن قولِ عمر: لبَيتٌ برُكْبةَ، أحَبُّ إليَّ مِن عشَرَةِ أبياتٍ بالشام (٣). فقال: إنّما قال ذلك عمرُ حينَ وقَع الوباءُ بالشَّام. وقد رُويَ عن عُمر: لأنْ أعملَ عشْرَ خطايا برُكْبَةَ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أعْمَلَ واحِدَةً بمكة (٤). ورُكْبَةُ (٥): وادٍ مِن أوْدِيَةِ الطائِفِ. ذكرَ أهلُ السِّيَرِ: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خرَج إلى الشام، واستَخْلَف على المدينةِ زيدَ بنَ ثابتٍ، وذلك سنةَ سبعَ عَشْرَةَ، فلمَّا بلَغَ سَرْغَ، أتَاه الخبرُ عن الطَّاعُون، فانصَرَف مِن سَرْغ (٦). قال أبو عمر: الوباءُ الطاعونُ، وهو موتٌ نازِلٌ شامِلٌ (٧) لا يحِلُّ لأحدٍ

стр. 2231

أن يَفِرَّ مِن أرضٍ نزَلَ فيها إذا كان مِن ساكنِيها، ولا أن يَقْدَمَ عليه إذا كان خارجًا عن الأرضِ التي نزَل بها، إيمانًا بالقَدَرِ، ودَفْعًا لملامَةِ النَّفْس. رَوَيْنا مِن حديثِ عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "فناءُ أُمَّتي بالطَّعْنِ والطَّاعُونِ". قالت: الطَّعْنُ قد عرَفناه، فما الطَّاعُونُ؟ قال: "غُدَّةٌ كغُدَّةِ البعيرِ" تخرُجُ في المرَاقِّ والآبَاطِ. وقد ذكرنا هذا الخبَرَ في بابِ عبدِ الله [بن عبد الله] (١) بنِ جابرِ بنِ عَتِيك (٢). ورَوَينا أنَّ زيادًا كتَبَ إلى معاويةَ: إنِّي قد ضَبَطتُ العراقَ بيَميني، وشِمالي فارِغَةٌ. فأُخبرَ بذلك عبدُ الله بنُ عمرَ، فقال: مُرُوا العَجائزَ يدعُونَ اللهَ عليه. ففعَلْنَ، فخرَج بإصبَعِه طاعونٌ، فماتَ منه (٣). ورُويَ مِن حديثِ جابرٍ وغيرِه، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "الفارُّ مِن الطَّاعُونِ كالفارِّ مِن الزحفِ، والصابرُ فيه كالصَّابِر في الزحفِ" (٤). وقد رُويَ عن عمرَ أنّه نَدِم على انصِرافه مِن سَرْغَ، على أنّه انصَرَف عنه اتِّباعًا للسُّنَّة في حديثِ ابنِ عوفٍ؛ خوفًا أن يكونَ فارًّا مِن القَدَرِ.

стр. 2232

أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليْم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ، عن هشام بنِ سعدٍ، عن عروةَ بنِ رُوَيم، عن القاسم، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، قال: جئتُ عمرَ حينَ قَدِمَ مِن الشام، فوجَدتُه نائِمًا في خِبائِه (١)، فقعَدتُ، فسَمِعتُه حينَ يَثُورُ مِن نَوْمِه يقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي رُجُوعِي مِن سَرْغَ. قال عروةُ: فبلَغنا أنّه كتَب إلى عاملِه بالشام: إذا سَمِعتَ بالطاعونِ قد وقَعَ عندَكم، فاكتُبْ إليَّ حتى أخَرُجَ. قال: وحدَّثنا ضمرَةُ، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن أبي التَّياح يَزيدَ بنِ حُمَيدٍ الضُّبَعِيِّ، قال: قلتُ لمطرِّفِ بنِ الشَّخِّيرِ: ما تقولُ رَحِمك اللهُ في الفِرارِ مِن الطاعونِ؟ قال: هو القَدَرُ تَخافونَه، وليس منه بُدٌّ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ. وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ الرحيم، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ ثورٍ؛ قالا: حدَّثنا الفِرْيَابيُّ محمدُ بنُ يوسُفَ، قال: حدَّثنا سفيانُ (٢)، عن ميسرَةَ، عن المنهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. قال: كانوا أربعةَ آلافٍ، خرَجوا فِرَارًا مِن الطاعونِ، فماتوا، فدَعَا اللّهَ نبيٌّ مِن الأنبياء أن يُحيِيَهم حتى يَعْبُدُوه، فأحْيَاهم اللهُ (٣). قال الفريابيُّ: وحدَّثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن عَمْرِو بنِ دينارٍ في

стр. 2233

هذه الآية، قال: وقَع الطَّاعونُ في قَريتهم، فخرَجَ أُناسٌ وبَقِيَ أُنَاسٌ، ومَن خرَج أكثرُ ممَّن بَقِي. قال: فنَجا الذين خرجوا، وهلَك الذين أقاموا، فلمَّا كانت الثانية، خرجوا بأجمَعِهم إلّا قليلًا، فأماتَهم اللهُ ودَوَابَّهم ثم أحياهم، فرجعوا إلى بلدِهم وقد توالدَت ذُرَّيتُهم (١). ذكر أبو حاتم، عن الأصمعيِّ، قال: هرَب بعضُ البصريِّينَ مِن الطَّاعُونِ، فرَكِب حمارًا له ومضَى بأهله نحوَ سَفَوانَ (٢)، فسَمِعَ حادِيًا يحدُو خلفَه (٣). لن يُسْبَقَ اللهُ على حِمارِ ولا على ذي مَيْعَةٍ (٤) طيَّارِ أو يأْتيَ الحَتْفَ على مِقْدارِ قد يُصْبحُ اللهُ أمامَ السَّارِي

стр. 2234

وذكر ابنُ قتيبةَ في "المعارِفِ" (١) أنَّ ذلك النبيَّ حزقيلُ بنُ بُوذَى. وقال المدائنيُّ: يُقالُ: إنّه قلَّما فرَّ أحَدٌ مِن الطَّاعونِ فسَلِمَ مِن الموتِ. قال أبو عمر: لم يبلُغْني أنَّ أحدًا مِن حمَلَةِ العلم فرَّ مِن الطَّاعُونِ، إلّا ما ذكر المدائني: أنَّ علي بنَ زيدِ بنِ جُدعانَ هرَب مِن الطَّاعُونِ إلى السَّيَالةِ (٢)، فكان يُجمِّعُ كلَّ جُمُعَةٍ ويرجِعُ، فكان إذا جَمَّعَ صاحُوا به: فرَّ مِن الطَّاعُون. فطُعِنَ فماتَ بالسَّيَالةِ. قال: وهرَب عمرُو بنُ عُبيدٍ ورِبَاطُ بنُ محمد بنِ رِبَاطٍ إلى الرِّباطيةِ (٣)، فقال إبراهيمُ بنُ علي الفقيميُّ: لما اسْتَفَزَّ الموتُ كلَّ مُكَذِّبٍ ... صبَرْتُ ولم يَصْبِرْ رِبَاطٌ ولا عَمْرُو (٤) أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدَّثنا يمُوتُ بنُ المُزرِّع، قال: حدَّثنا الرِّياشيُّ (٥)، قال: حدَّثنا الأصمعيُّ، قال: لما وقَع الطَّاعونُ الجارفُ بالبصرةِ فني أهلُها، وامتَنعَ الناسُ مِن دَفْنِ موتاهم، فدخَلَتِ السِّباعُ البصرةَ على ريح الموتَى، وخَلَتْ سِكَّةُ بَني جريرٍ مِن الناس، فلم يُبْقِ اللهُ فيها سِوَى جاريةٍ، فسَمِعَتْ صوتَ الذِّئْبِ في سِكَّتِهم ليْلًا، فأنْشَأتْ تقول: ألا أيَّها الذِّئبُ المُنادي بسُحْرَةٍ ... إليَّ أُنبئْكَ الذي قد بَدَا لِيَا

стр. 2235

بدَا لي أنِّي قد نُعِيتُ وأنَّني ... بقيَّةُ قوم ورَّثُوني البَوَاكِيَا وأنِّي بلا شَكٍّ سأتْبَعُ مَن مضَى ... ويَتْبَعُني مِن بعدُ مَن كان تاليَا (١) وذكر المدائنيُّ، قال: وقَع الطَّاعُونُ بمصرَ في ولايةِ عبدِ العزيزِ بن مروانَ إيَّاها، فخرَج هاربًا منه، فنزَلَ قريةً مِن قُرَى الصعِيدِ يقالُ لها: سُكرُ. فقَدِمَ عليه حينَ نزَلها رسولٌ لعبدِ الملكِ، فقال له عبدُ العزيز: ما اسمُكَ؟ قال: طالبُ بنُ مُدْرِكٍ. فقال: أوْه، ما أُراني راجِعًا إلى الفُسْطَاطِ أبدًا! فماتَ في تلك القَرْيَةِ. وذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني عروةُ بنُ أبي رُوَيم، عن القاسم (٣)، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، قال: جئتُ عمرَ حين قَدِم مِن الشام، فوَجَدْتُه قائلًا في خِبائِه، فانتظَرْتُه في فيء الخِبَاء، فسَمِعتُه حينَ تَضَوَّرَ مِن نومِه وهو يقول: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي رُجُوعي مِن سَرْغَ؛ يعني: حينَ رجَعَ مِن أجْلِ الوبَاء. قد تقدَّمَ هذا الخبرُ مِن غير هذا الطَّريقِ (٤). وقد ذكَرنا الآثارَ المرفوعَةَ في الطَّاعُونِ في بابِ محمدِ بنِ المنكدِرِ مِن كتابِنا هذا (٥)، والحمدُ لله.

стр. 2236

وهذا الحديثُ أبينُ مِن أن يحتاجَ إلى شرح وتفسير. وفيه قبولُ خبَرِ الواحِدِ. وفيه أيضًا روايةُ الكبيرِ عمَّن دُونَه في العلم والمنزلَةِ إذا كان ثِقَةً. وفيه أنّه قد يذهَبُ عن العالم الحَبْرِ ما يُوجَدُ عندَ غيره مِن العلماء ممَّن ليس مثلَه، وكان عمرُ ﵀ مِن العلم بموضِع لا يُوَازِيه أحَدٌ، قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: لو وُضِع عِلْمُ عمرَ في كِفَّةٍ وعلمُ أهلِ الأرضِ في كفَّةٍ، رجَح علمُ عمرَ (١). ودليلُ ذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ رأى أنه دخَل الجنةَ فسُقِي بها لبنًا، فناوَلَ فَضْلَه عمرَ، فقيل له: ما أوَّلتَ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: "العِلْمَ" (٢). وأخبارُه في الفقهِ أكثَرُ من أن تُحصى، وقد جَلَبْنا الكثيرَ منها في كتابنا في الصَّحابة (٣). وفيه أيضًا أنّ الحُجَّةَ لازمةٌ بخَبر الواحدِ العَدْلِ، وأنّ المرءَ يجبُ عليه الانقيادُ للسُّنة إذا ثَبتتْ عنده من نقل الكافَّةِ كانت أو من نَقْلِ الآحادِ العُدولِ. وفيه سُرعةُ ما كانوا عليه من الانقياد للعلم والاستعمالِ له، وبالله التَّوفيق.

стр. 2237

ابنُ شهابٍ، عن السائبِ بنِ يزيدَ (١) حديثٌ واحدٌ متَّصلٌ وهو السائبُ بنُ يزيدَ بنِ سعيدِ بنِ ثُمامةَ الكِنديُّ. يُقال: إنّه مخزوميٌّ. ولا يصحُّ (٢). ويقال: إنّه كِنانيٌّ. ويقال: ليثيٌّ. ويقال: هُذَليٌّ. ويُقال: أزديٌّ. وقال الزُّهريُّ: هو من الأزْدِ، وعِدادُه في كِنانة (٣). وقال مصعبٌ الزُّبيريُّ: السائبُ بنُ يزيدَ، ابنُ أختِ النَّمِر، وهو يُنسب في كِندةَ. قال أبو عمر: يقال: إنّه من كِندةَ، وهو حليفٌ لبني أميَّة، أو بني عبدِ شمس، يُكْنى أبا يزيد، رأى رسولَ الله ﷺ وهو صغير، وحفظَ عنه أنّه رأى خاتَمَ النُّبوةِ بين كِتَفَيهِ كزِرِّ الحَجَلَةِ وأنه مَسَح رأسَه ودعا له بالبَركة، وأنّه تلقّاه في انصرافه من غزوة تبوك. وقال أبو معشرٍ عن يوسفَ بنِ يعقوبَ المدنيِّ: سمعتُ السائبَ بنَ يزيدَ ابن أُخت النَّمِرِ، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ استَخرجَ يومَ الفتح من تحتِ ستار الكعبةِ- عبدَ الله بنَ خَطَل، فضَرب عُنقَه صَبرًا (٤). وأبوه يزيدُ له صحبةٌ، والسائبُ بنُ يزيدَ يُقال: هو ابنُ أختِ النَّمِرِ بنِ جَبَل، والنَّمِرُ بنُ جَبَلٍ خالُه. وتوفّي السائبُ بنُ يزيدَ سنةَ ثمانينَ. وقيل: سنةَ ستٍّ وثمانينَ. وقد ذكر أحمدُ بنُ عبد الله بنِ صالح الكوفيُّ، قال: حدَّثنا النَّضُر بنُ محمد (٥)،

стр. 2238

قال: حدَّثنا عكرمةُ، قال: حدَّثنا عطاءٌ مولى السائبِ بنِ يزيدَ أخي النَّمِرِ بنِ قاسِط، قال: كان وسَطُ رأس السائبِ أسودَ وبقيَّةُ رأسِه ولحيتِه أبيضَ، قال: فقلت له: يا سيِّدي، والله ما رأيتُ مثلَ رأسِكَ هذا قطُّ؛ هذا أبيضُ، وهذا أسودُ!! قال: أفلا أُخبرُك يا بُنيَّ؟ قلت: بلى قال: إنّي كنتُ مع الصِّبيانِ ألعبُ، فمرَّ بي النبيُّ ﷺ ، فاعتَرضتُ له، فسلَّمتُ عليه فقال: "وعليكَ، مَنْ أنتَ؟ " قال: قلتُ: أنا (١) السائبُ بنُ يزيدَ أخو النَّمِر بنِ قاسِطٍ. قال: فمَسَح رأسي، وقال: "باركَ اللهُ فيك"، فلا والله لا يَبْيَضُّ أبدًا، ولا يزالُ هكذا أبدًا (٢). هكذا قال أحمدُ بنُ صالح الكوفيُّ، وهو وهمٌ وغَلَطٌ منه أو ممَّن نَقَل عنه، لم يُتابَعْ على قولِه: أخو النَّمِرِ بنِ قاسِطٍ، وذكرُ قاسِطٍ هاهنا خطأ، وأظنُّه لما لم يُعرف النَّمِر خال السائبِ؛ فإنه لا يكادُ يوجد منسوبًا- توهَّمَه النَّمرَ بنَ قاسِط لشُهرتِه في أنساب ربيعةَ. فأخطأ، والغلطُ لا يسلَم منه أحدٌ، (٣) وقد ذكَرناه في كتابنا في "الصَّحابة" (٤)، وذَكَرنا طرفًا من أخباره هناك، فأغنى عن أخباره هاهنا.

стр. 2239

مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهابٍ، عن السائِبِ بنِ يزيدَ، عن المُطَّلِبِ بنِ أبي ودَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عن حفْصةَ زَوْج النبيِّ ﷺ ، أنَّها قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى في سُبْحَتِه قاعِدًا قَطُّ، حتى كان قبلَ وفاتِه بعام، فكان يُصَلِّي في سُبْحَتِه قاعِدًا، ويَقْرَأُ بالسُّورَةِ فيُرتِّلُها، حتّى تكونَ أطولَ مِن أطولَ منها. هكذا رواه جماعةُ رُواةِ "الموطأ" بهذا الإسنادِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن السائبِ (٢). ورواه أبو حُمَةَ محمدُ بنُ يوسُفَ، عن أبي قُرَّةَ مُوسى بنِ طارقٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن عطاء بنِ يزيدَ الجُنْدُعيِّ، عن المُطَّلِبِ بنِ أبي وداعَةَ. فأخْطَأ فيه. ورواه عليُّ بنُ زيادٍ، عن موسى بنِ طارِقٍ، عن مالكِ بن أنَس، عن ابنِ شِهابٍ، عن السائِبِ بنِ يِزِيدَ كما رواه الناسُ، وهو الصَّوابُ. وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ: إجازَةُ صَلاةِ النّافِلَةِ جالسًا لمن يُطِيقُ القيام. والسُّبْحَةُ: النَّافِلَةُ. دليلُ ذلك قولُه ﷺ : "سيكونُ عليكم أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن مِيقاتِها، فصَلُّوا الصلاةَ لوَقْتِها، واجعَلُوا صَلاتَكم معَهم سُبْحَةً" (٣). يعني: نافِلَةً، قال اللهُ : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]. جاء في التَّفْسِير (٤): لولا أنَّه كان مِن المُصَلِّينَ. وقد يحتَمِلُ في اللُّغَةِ أن تكونَ السُّبْحَةُ اسْمًا لجنس الصلاةِ كلِّها؛ نافِلَةً وغيرها. وفي اللُّغَةِ أنَّ الصلاةَ أصْلُها: الدُّعاءُ، لكنَّ الأسماء الشَّرْعِيَّةَ أولى؛ لأنَّها قاضِيةٌ

стр. 2240

على اللُّغَويَّةِ (١)، وفي قول رسولِ الله ﷺ : "اجعلُوا صلاتكم معهم سُبْحَةً". وقد رُوي: "اجعَلُوا صلاتَكم معَهم نافلَةً" (٢). وكذلك قولُه للذَيْنِ لم يُصلِّيا معَه بمسجِدِ الخَيْفِ: "إذا صلَّيتُما في رحالِكما ثم أتَيْتُما المسجِدَ، فصلِّيا مع الناس، تكونُ لكما سُبْحَةً" (٣). ورُويَ: "تكونُ لكما نافِلَةً" (٤). وهذا كلُّه دليلٌ على أنَّ السُّبْحَةَ حَقِيقتُها في الاسم الشَّرْعِيِّ النافِلَةُ دونَ الفَريضَةِ؛ لأنّه مرَّةً يقولُ: "سُبْحَةً"، ومرَّةً يقولُ: "نافِلَةً".

стр. 2241

وفيه ترتيلُ القرآنِ في الصلاةِ، وهو الذي أمرَ اللهُ به رسوله، واختارَه له ولسائِر أُمَّتِه، قال اللهُ : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] والتَّرتيلُ: التَّمهُّلُ والتَّرسُّلُ؛ ليقَعَ مع ذلك التَّدبُّر، وكذلك كانت قراءتُه ﷺ حرفًا حرفًا، فيما حكَتْ أُمُّ سلَمَةَ وغيرُها (١). وقد ذكرنا فَضلَ التَّزْييل على الهذِّ (٢) في كتاب جمَعْناهُ في "البيان عن تلاوَةِ القرآن". وفي قولِ حفصةَ: فيُرتِّلُها حتى تكون أطولَ (٣) مِن أطولَ منها دليلٌ على إباحةِ الهذِّ؛ لأنَّه محُالٌ أن تكون أطولَ مِن أطولَ منها إذا رُتِّلَتِ التي هي أطولُ منها مثلَ تَرْتيلِها، وإنَّما أرادَتْ أطْوَلَ مِن أطولَ (٤) منها إذا حُدِرَتْ (٥) تلك وهَذَّ بها قارِئُها.

стр. 2242

وفيه أنّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ يُصَلِّي في النّافِلَةِ جالسًا إلّا في آخِرِ عُمُرِه، وذلك حينَ أسَنَّ وضَعُفَ عن القيام وبَدَّنَ (١)، وأنَّه كان صابِرًا طُولَ عُمُرِه على القِيام والاجْتِهادِ في العَمَلِ، حتى كانت تَرِمُ قَدَماه، صلَواتُ الله وسَلامُه عليه. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الفَضْلَ في النَّافِلَةِ قائمًا مِثلَيْ (٢) ذلك فيها جالسًا -دليلُ ذلك قوله ﷺ : "صلاةُ القاعِدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِم" (٣) - يَعْني في الأجْرِ. وقد تَقَدَّمَ القولُ في هذا الحديثِ، فأغْنَى عن إعادَتِه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن زيادِ بنِ علاقَةَ، سمِعَ المُغِيرَةَ بنَ شعبةَ يقولُ: قام رسولُ الله ﷺ حتى ورِمَتْ قَدَماه، فقالوا: يا رسولَ الله، قد غَفَر اللهُ لك ما تقدَّمَ مِن ذنْبِك وما تأخَّرَ! قال: "أفلا أكونُ عبدًا شكُورًا؟ " (٥). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ (٦)، قال: حدَّثنا أبو

стр. 2243

قلابةَ الرَّقاشِيُّ (١)، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي حتى تَرِمَ قَدَماه، فقيل له: تَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تقَدَّمَ مِن ذَنْبِك وما تأخَّرَ! قال: "أفلا أكونُ عبدًا شكُورًا؟ " (٢). ورواه الثوريُّ، عن الأعمشِ بإسْنادِه، مثلَه (٣). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ يحيى بن حبَّانَ، عن ابنِ محُيْريزٍ، عن معاولةَ بن أبي سفيانَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُبادِرُوني برُكُوع ولا بسُجُودٍ، فإنِّي مهما أسْبِقْكم به إذا ركَعْتُ، تُدْركُوني به إذا رَفَعْتُ، أنِّي قد بدُنْتُ". كذا قال: "بَدُنْتُ"، بالضَّمِّ،

стр. 2244

"بَدُنْتُ"، بالضَّمِّ، ومعنَاه عندَ أهلِ اللُّغَةِ: أنَّه حَمَلَ اللَّحْمَ وثَقُلَ. كذا فسَّرَه أبو عُبَيْدٍ (١). قال: وأمَّا مَن قال: "إنِّي قد بدَّنْتُ" بفَتح الدالِ وتَشْدِيدِها، فيَعْني انَه أسَنَّ وضَعُفَ بأخْذِ السِّنِّ منه. حدَّثني عُبَيْدُ بنُ محمدٍ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدثني عيسى بنُ مِسْكينٍ، قال: قال لي ابنُ أبي أُوَيْسٍ: قال إبراهيمُ بنُ سعدٍ: هذا الذي يُروى: "قد بَدُنْتُ" إنَّما هو: "بدَّنتُ" (٣)، فقلتُ: ما الحُجَّةُ فيه؟ قال: قولُ الشاعر: قامَتْ تُرِيكَ بدَنًا مكْنُونَا ... كغِرْقئ البَيْضِ (٤) اسْتَماتَ لِينا وخِلْتُ أنَّ الشَّيْبَ والتَّبْدِينَا ... والنَّأْيَ ممَّا يُذْهِلُ القَرينا (٥)

стр. 2245

ابن شهابٍ، عن محمود بنِ الرَّبيع (١) حديثٌ واحدٌ متَّصلٌ وهو محمودُ بنُ الرَّبيع بنِ سُراقةَ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، سمع من عِتْبانَ بنِ مالكٍ وعُبادةَ بنِ الصامتِ. وُلد على عهد رسولِ الله ﷺ وعَقِلَ مجَّةً مجَّها من دَلْوٍ في بئرهم (٢)، يُكْنى أبا نُعيم. روى عنه أنسُ بنُ مالكٍ. وتوفّي محمودُ بنُ الرَّبيع سنةَ تسع وتسعينَ (٣)، وقد ذكَرْناهُ في كتاب الصَّحابة (٤). مالكٌ (٥)، عن ابنِ شهابٍ، عن محمودِ بن الرَّبيع، أن عِتْبانَ بنَ مالكٍ كان يؤُمُّ قومَه وهو أعمَى، وأنَّه قال لرسولِ الله ﷺ : يا رسولَ الله، إنها تكونُ الظُّلمةُ والسَّيلُ والمطرُ، وأنا رجلٌ ضريرُ البصرِ، فصلِّ يا رسولَ الله في بيتي مكانًا أتَّخذُه مُصلًّى. فجاءه رسولُ الله ﷺ فقال: "أينَ تُحبُّ أن أُصلِّيَ؟ "، فأشار له إلى مكانٍ من البيتِ، فصلَّى فيه رسولُ الله ﷺ . قال يحيى في هذا الحديثِ: عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن محمودِ بنِ لَبيدٍ. وهو غلطٌ بيِّنٌ، وخطأٌ غيرُ مُشكِلٍ، ووَهَمٌ صريحٌ لا يُعرَّجٌ عليه، ولهذا لم نشتَغِلْ بتَرجمةِ البابِ عن محمودِ بنِ لَبيدٍ؛ لأنه من الوَهم الذي يُدرِكُه من لم يكنْ له بالعلم كبيرُ عنايةٍ، وهذا الحديثُ لم يروِه أحدٌ مِن أصحابِ مالكٍ ولا أحدٌ (٦)

стр. 2246

مِن أصحابِ ابنِ شهابٍ إلّا عن محمودِ بنِ الربيع (١)، ولا يُحفَظُ إلّا لمحمودِ بنِ الربيع، وهو حديثٌ لا يُعرَفُ إلّا به، وقد رواه عنه أنسُ بنُ مالكٍ، عن عِتْبانَ بنِ مالكٍ (٢). ومحمودُ بنُ لبيدٍ ذكرُه في هذا الحديثِ خطأٌ، والكمالُ لله والعصمةُ به لا شريكَ له. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: أنَّ إمامةَ الأعمى جائزةٌ. وفيه أنّه كان يُجمَّعُ في مدينةِ رسولِ الله ﷺ في غيرِ مسجدِ رسولِ الله ﷺ إذا كان ذلك لعُذْرٍ، ومِن هذا الباب قولُه: "ألا صلُّوا في الرِّحالِ" (٣). واللهُ أعلم. وفيه: التخلُّفُ عن الجماعةِ في المطرِ والظُّلمةِ لمن لم يُطِقِ المشيَ إليها أو تأذَّى به. وفيه: أن يُخبِرَ الإنسانُ عن نفسِه بعاهةٍ فيه، وأنَّ ذلك ليس مِنَ الشكوَى. وفيه: التبرُّكُ بالمواضع التي صلَّى فيها رسولُ الله ﷺ ووطِئها وقام عليها. وقي هذا دليلٌ على صحةِ ما كان القومُ عليه من صريح الإيمانِ، وما كان عليه رسولُ الله ﷺ مِن حُسنِ الخُلقِ وجميلِ الأدبِ في إجابتِه كلَّ مَن دعاه إلى ما دعاه إليه ما لم يكُنْ إثمًا.

стр. 2247

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١): حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ أبو الحسينِ المَعْنِيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ المغير، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: حدَّثنا محمودُ بنُ الرَّبيع، عن عِتْبانَ بنِ مالكٍ، قال: أصابني في بَصَري بعضُ الشيء، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّه قد أصابني في بصري بعضُ الشيء، وإنِّي أُحِبُّ أن تأتيَني فتُصلِّيَ في منزلي فأتَّخذَه مُصلًّى. ففعَل. وأخبرني سعيدٌ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٣): أخبرني مصعبُ بنُ عبدِ الله: أنَّ عِتبانَ بنَ مالكٍ شَهِد حُنينًا مع رسولِ الله ﷺ مسلمًا. وقال ابنُ البَرْقيِّ: هو عِتبانُ بنُ مالكِ بنِ عَمْرِو بنِ عَجْلانَ بنِ زيدِ بنِ غَنْم بنِ سالم بنِ عَوْفِ بنِ الخَزْرج، شَهِد بدرًا، فيما قاله عُروةُ والزُّهريُّ، ولم يذكُرْه ابنُ إسحاقَ في أهلِ بدر. قال أبو عمر: قد حدَّث ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ بحديثٍ لعِتبانَ بنِ مالكٍ أنكَره الشافعيُّ، وقال: حديثُ مالكٍ هذا يرُدُّه. حدَّثناهُ خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا

стр. 2248

سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ إن شاء اللهُ، عن عِتبانَ بنِ مالكٍ، أنّه سأل رسولَ الله ﷺ عن التخلُّفِ عن الصلاةِ، قال: "أتسمَعُ النداء؟ "، قال: نعم، فلم يُرخِّصْ له (١). وهذا عندَنا على الجُمُعةِ، فلا تتعارضُ الأحاديثُ، وحديثُ مالكٍ لعتبانَ في الظُلمةِ والسَّيل والمطرِ أثبَتُ مِن حديثِ ابنِ عيينةَ، وهو كما قال الشافعيُّ ﵀ (٢). وقد ذكرتُ طُرقَ حديثِ عِتبانَ بنِ مالكٍ، في بابِ حديثِ ابنِ شهابِ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن عُبيدِ الله بنِ عديِّ بنِ الخيارِ في هذا الكتابِ (٣)، وسقتُ منها هناك ما يشفي النَّاظرَ فيه إن شاءَ الله.

стр. 2249

ابنُ شِهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْل بن حُنَيْف (١) واسمُ أبي أُمامةَ: أسعدُ بنُ سهل، قال أحمدُ بنُ حنبل: سمّاهُ رسولُ الله ﷺ باسم جدِّه أبي أمِّه، أسعدَ بنِ زُرارةَ، أبي أُمامةَ، وأمُّه ابنةُ أسعدَ بنِ زُرارةَ. ذَكَره أحمدُ بنُ زهير، قال (٢): سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول. ومَن أراد أن يرى نسَبَه نَظَره عندَ ذِكْر أبيه من كتابنا في "الصَّحابة" (٣). كان أبو أمامةَ هذا من جِلَّة فقهاءِ التابعينَ وكِبارِهم، أدركَ النبيَّ ﷺ بمولدِه، وسمعَ أباه، وأبا هريرةَ، وابنَ عبّاس، وجماعةً من الصَّحابة. وقد ذكرناه في كتاب "الصَّحابة" (٤)، وإن كان معدودًا في كبار التابعينَ؛ لأنّه أدركَ عهدَ رسولِ الله ﷺ غيرَ كافرٍ، ورآه رسولُ الله ﷺ ومسحَ رأسَه وسمّاهُ (٥) وكنّاه، وكان مولدُه قبلَ وفاةِ النبيِّ ﷺ بسنتَينِ، ومات سنةَ مئة. لابنِ شهابٍ عنه في "الموطّأ" من حديث رسولِ الله ﷺ ثلاثةُ أحاديثَ، الاثنانِ منها متَّصلانِ، والثالثُ مرسَلٌ.

стр. 2250

حديثٌ أوّلُ لابن شِهاب، عن أبي أُمامةَ متّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ، أنّه قال: رأى عامِرُ بنُ ربيعةَ سَهْلَ بنَ حُنَيفٍ يَغْتَسِلُ، فقال: ما رأيتُ كاليوم ولا جلدَ مُخبأَةٍ! فلُبِطَ بسَهْلٍ (٢)، فأُتيَ رسولُ الله ﷺ ، فقيل: يا رسولَ الله، هل لك في سهلِ بنِ حُنَيفٍ؟ والله ما يَرْفَعُ رأسَه! فقال: "هل تَتَّهِمُون له أحدًا؟ ". قالوا: نتَّهِمُ عامِرَ بنَ ربيعةَ. قال: فدَعَا رسولُ الله ﷺ عامرَ بنَ رَبِيعةَ، وتَغيَّظَ (٣) عليه، وقال: "عَلامَ يَقْتُلُ أحدُكم أخاهُ؟ ألا برَّكْتَ! اغْتَسِلْ له". فغَسَل عامِرٌ وجهَه ومرْفَقَيْه، ورُكْبَتَيْه، وأطرافَ رجْلَيْه، وداخِلَةَ إزَارِه في قَدَح، ثم صُبَّ عليه، فرَاح سَهْلٌ مع الناسِ ليس به بَأْسٌ. قال أبو عمر: ليس في حديثِ مالكٍ هذا، في غُسْلِ العائِنِ عن النبيِّ ﷺ أكثرُ مِن قولِه: "اغْتَسِلْ له". وفيه: كيفيَّةُ الغُسْلِ مِن فِعْلِ عامِرِ بنِ ربيعةَ. ورواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ، قال: رأى عامِرُ بنُ ربيعةَ سهلَ بنَ حُنَيفٍ وهو يَغْتَسِلُ، فتَعَجَّبَ منه، فقال: تَالله إن رأيْتُ كاليوم ولا جِلْدَ مُخبأةٍ في خِدْرِها! أو قال: جِلْدَ فتاةٍ في خِدْرِها! قال: فلُبِطَ حتى ما يَرْفَعُ رأسَه. قال: فذُكِرَ ذلك لرسولِ الله ﷺ فقال: "هل تتَّهِمُون أحدًا؟ "

стр. 2251

قالوا: لا يا رسولَ الله، إلّا أنَّ عامِرَ بنَ ربيعةَ قال له كذا وكذا. فدَعَا عامِرًا، فقال: "سبحانَ الله! علامَ يقتُلُ أحَدُكم أخاه؟ إذا رأى منه شيئًا يُعْجِبُه، فلْيَدْعُ له بالبرَكَةِ". قال: ثم أمَرَه فغَسَل وجْهَه، وظهرَ عَقِبَيه، ومِرْفَقَيْه، وغَسَل صدرَه، وداخِلَةَ إزَارِه، ورُكْبَتَيه، وأطرافَ قدَمَيْه؛ ظاهِرَهما، في الإناء، ثم أمَرَه فصبَّ على رأسِه وكفَأ الإناءَ مِن خلفِه. قال: وأمَرَه فحَسَا منه حَسَوَاتٍ. قال: فقام فراح مع الرَّكْبِ. قال جعفرُ بنُ بَرْقَانَ للزُّهريِّ: ما كُنَّا نَعُدُّ هذا حقًّا. قال: بل هي السُّنةُ (١). قال أبو عمر: أمَّا غَرِيبُ هذا الحديثِ، فالمُخْبأةُ مَهْمُوزٌ مِن: خبأتُ الشيءَ: إذا سَتَرْتَه، وهي المُخدَّرةُ المَكْنُونةُ التي لا تراها العُيونُ، ولا تَبْرزُ للشمسِ فتُغيِّرها، يقولُ: إنَّ جِلْدَ سهلٍ كجلدِ الجاريةِ المُخدَّرة إعْجابًا بحُسْنِه، قال عبدُ الله بنُ قيسِ الرُّقيَّاتِ (٢): ذكَّرَتْنِي المخبآتِ لدى الحِجْرِ ... يُنازِعْنَني سُجُوفَ الحِجَالِ (٣) وقال إبراهيمُ بنُ هَرْمَة: يا لَكِ مِن خُلَّةِ مُبَاعِدَةٍ ... تكْتُمُ أسْرارَها وتخبؤُها ولُبِطَ: صُرع وسَقَط، تقولُ منه: لُبِطَ به يُلْبَطُ لبْطًا، فهو مَلْبُوطٌ، وقال ابنُ

стр. 2252

وَهْب: لُبِطَ: وُعِك. قال الأخْفَشُ: يقالُ: لُبِطَ به ولُبجَ به: إذا سقَطَ إلى الأرضِ مِن خَبَلٍ، أو سُكْرٍ، أو إعيَاءٍ، أو غيرِ ذلك. وقال ابنُ وَهْبٍ في قوله: دَاخِلَةَ إزَارِه: هو الحِقْوُ، تُجعَلُ مِن تحتِ الإزارِ في حِقْوِه: وهو طَرَفُ الإزَارِ الذي تَعْطِفُه إلى يَمِينِكَ (١)، ثم تَشُدُّ عليه الإزْرَةَ. قال: وهذا قولُ مالِكٍ، وفسَّرَه ابنُ حَبِيبٍ بنحوِ ذلك أيضًا، قال: داخِلَةُ الإزَارِ هو الطَّرَفُ المتدَلِّي الذي يَضَعُه المُؤْتَزرُ أولًا على حِقْوِه الأيمن. وقال الأخفشُ: داخِلَةُ إزارِه: الجانِبُ الأيسرُ مِن الإزارِ الذي تَعْطِفُه إلى يمينِك ثم تَشُدُّ الإزَارَ. وقال أبو عُبيْدٍ: طَرَفُ إزارِه: الداخلُ الذي يلي جَسَدَه، وهو يلي الجانبَ الأيمنَ مِن الرجل؛ لأنَّ المُؤتَزِرَ إنّما يبدأُ بجانِبه الأيمنِ، فذلك الطَّرَفُ يُباشِرُ جَسَدَه، فهو الذي يُغْسَلُ (٢). قال أبو عمر: الإزَارُ هو المِئْزَرُ عندنا، فما التَصَق منه بخَصْرِه وسُرَّتِه، فهو داخِلَةُ إزَارِه. وأما ما في هذا الحديثِ مِن المعْنَى، ففيه: الاغْتِسالُ بالعَرَاء في السَّفَرِ، وذلك بيِّنٌ في غيرِ هذه الرِّوايَةِ في هذا الحديثِ. وفيه: أنَّ النَّظَرَ إلى المغْتَسِلِ مُبَاح إذا لم يَنْظُرْ منه إلى عَوْرَةٍ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَقُلْ لعامِرٍ: لم نَظَرْتَ إليه؟ وإنَّما عاتَبه على تركِ التَّبْريكِ لا غيرُ. وقد يَسْتَحِبُّ العلماءُ ألّا ينظُرَ الإنسانُ إلى المُغْتَسِلِ خوفًا أن تقَعَ عينُ النَّاظِرِ منه على عَوْرَةٍ، وليس بمُحَرَّم النظرُ منه إلى غيرِ عَوْرَةٍ. وفيه: ما يدُلُّ على أنَّ في طبَاع البَشَرِ الإعجابَ بالشيء الحسنِ والحَسَدَ

стр. 2253

عليه، وهذا لا يَمْلِكُه المرءُ مِن نفسِه، فلذلك لم يُعاتِبْه رسولُ الله ﷺ على ذلك، وإنَّما عاتَبه على تَرْكِ التَّبريكِ الذي كان في وُسْعِه وطاقَتِه. وفيه: أنَّ العينَ حقٌّ، وأنَّها تَصْرَعُ وتُودِي وتَقْتُلُ. وقد رُوي في حديثِ سَهْلٍ هذا أن العَيْنَ حقٌّ، مِن حديثِ مالكٍ، عن محمدِ بنِ أبي أُمَامةَ، عن أبيه. ورُويَ مِن غير حديثِ مالكٍ أيضًا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سليمانَ، ابن الغَسِيل، قال: حدَّثنا مَسْلَمَةُ بنُ خالدٍ الأنصاريُّ، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ بنَ سهلِ بنِ حُنَيفٍ يقولُ: حدَّثني أبي سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، أنّه سمِعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: "عَلامَ يَقْتُلُ أحدُكم أخاه وهو عن قتلِه غَنيٌّ؟ إنَّ العينَ حقٌّ، فإذا رأى أحدُكم مِن أخيه ما يُعْجِبُه، أو مِن مالِه، فلْيُبرِّكْ عليه، فإنَّ العينَ حَقٌّ" (١). وفي قوله ﷺ : "عَلامَ يَقْتلُ أحدُكم أخاه" دليلٌ على (٢) أنَّ العينَ ربَّما قتَلَتْ وكانت سببًا مِن أسبابِ المنيَّةِ. أخبرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ (٣)، قال: حدَّثنا سفيانُ،

стр. 2254

قال: حدَّثنا حُصَينٌ، عن هلالِ بنِ يِسَافَ، عن سُحَيْم بنِ نَوْفَلٍ، قال: كُنَّا عندَ عبدِ الله نَعْرِضُ المصاحِفَ، فجاءت جاريَةٌ أعرابيَّةٌ إلى رجلٍ مِنَّا، فقالت: إنَّ فُلانًا قد لَقَع مُهْرَكَ بعينِه (١)، وهو يَدُورُ في فَلَكٍ، لا يأكُلُ ولا يَشْرَبُ، ولا يبُولُ ولا يَرُوثُ، فالتَمِسْ له راقيًا. فقال عبدُ الله: لا تَلْتَمِسْ له راقيًا، ولكنِ ائْتِه فانْفُخْ في مَنْخَرِه الأيمنِ أربعًا، وفي الأيسرِ ثلاثًا، وقل: لا بأسَ، أذْهِبِ الباسَ، ربَّ الناسِ، إشْفِ أنتَ الشافي، لا يكشِفُ الضُّرَّ إلّا أنت. فقام الرّجُلُ فانطلَق، فما بَرِحْنا حتى رجَع، فقال لعبدِ الله: فعَلْتُ الذي أمَرْتَني به، فما بَرِحْتُ حتى أكَلَ وشَرِبَ، وبالَ وراث (٢). وحَكى المدائنيُّ، عن الأصمَعيِّ، قال: حجَّ هِشَامُ بنُ عبدِ الملكِ، فأتى المدينةَ، فدَخَل عليه سالم بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ، فلمَّا خرَجَ مِن عندِه قال هشامٌ: ما رأيتُ ابنَ سبعين أحسَنَ كِدْنَةً (٣) منه! فلمَّا صار سالم في منزِلِه حُمَّ، فقال: أترَوْنَ الأحْوَلَ لقَعَني بعينَيْه (٤)؟ فما خرَجَ هشامٌ مِن المدينةِ حتى صَلَّى عليه (٥).

стр. 2255

وقد ذكَرْتُ في بابِ محمدِ بنِ أبي أُمَامةَ مِن هذا الكتابِ (١)، زيادَةً في هذا المعنى وشرحًا، والحمدُ لله. وفي تَغَيُّظِ رسولِ الله ﷺ على عامِرِ بنِ ربيعةَ دليلٌ على أنَّ تَأنِيبَ كلِّ مَن كان منه أو بسَبَبِه سُوءٌ وتَوْبِيخَه، مُبَاحٌ، وإن كان الناسُ كلُّهم يجرُونَ تحت القَدَرِ، ألا ترى أنَّ القاتِلَ يَقْتُلُ وإن كان المقْتُولُ يموتُ بأجلِه؟ وذكرَ الحسَنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمَدِ (٢)، قال: حدَّثنا أبو هاشِم صاحِبُ الزَّعْفَرانيِّ، قال: قلتُ للحسنِ: رجلٌ قتَل رجلًا، أبأجَلِه قتَلَه؟ قال: قتَلَه بأجلِه وعَصَى ربَّه (٣). قال أبو عمر: وكذلك يُوبَّخُ كلُّ مَن كان منه أو بسَبَبِه سوءٌ، وإن كان القَدَرُ قد سبَقَ له بذلك. وفي قوله ﷺ -في غيرِ هذا الحديثِ-: "لو كان شيءٌ يَسْبِقُ القَدَرَ لسَبقَتْه العينُ" (٤) دليلٌ على أنَّ المرءَ لا يُصِيبُه إلّا ما قُدِّرَ له، وأنَّ العينَ لا تَسْبِقُ القَدَرَ، ولكنَّها مِن القَدَر. وفي قولِ رسولِ الله ﷺ : "ألا برَّكْتَ؟ " دليلٌ على أنَّ العينَ لا تَضُرُّ ولا تَعْدُو إذا برَّكَ العائِنُ، وأنَّها إنّما تَعْدُو إذا لم يُبَرِّك، فواجِبٌ على كلِّ مَن رأى

стр. 2256

شيئًا أعجَبه أن يُبرِّكَ، فإنَّه إذا دعَا بالبركةِ صُرِف المحذورُ لا محالَةَ، واللهُ أعلمُ. والتَّبْرِيكُ: أن يقولَ: تَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالقين، اللَّهُمَّ بَارِكْ فيه. وفيه: أنَّ العائِنَ يُؤْمَرُ بالاغتسالِ للذي عانَه، ويُجْبَرُ عندي على ذلك إن أباهُ؛ لأنَّ الأمْرَ حَقِيقَتُه الوُجُوبُ، ولا ينبَغي لأحدٍ أن يمنَعَ أخاه ما ينتَفِعُ به أخوه ولا يَضُرُّه هو، لا سيَّما إذا كان بسَبَبِه وكان الجانيَ عليه، فواجِبٌ على العائِنِ الغُسْلُ عندي، واللهُ أعلم. وفيه: إباحَةُ النُّشْرةِ (١)، وإباحَةُ عَمَلِها. وقد قال الزُّهريُّ في ذلك: إنَّ هذا منَ العِلْم (٢). وإذا كانت مُبَاحَةً، فجائِزٌ أخْذُ البَدَلِ عليها، وهذا إنّما يكونُ إذا صَحَّ الانْتِفاعُ بها، فكلُّ ما لا يُنْتفَعُ به بيقينٍ، فأكْلُ المالِ عليه باطلٌ محُرَّمٌ، وقد ثَبَت عن النبيِّ ﷺ أنّه أمَرَ بالنُّشْرَةِ للمَعِينِ. وجاء ذلك عن جماعةٍ مِن أصحابِه؛ منهم: سَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، خرَجَ يومًا وهو أميرُ الكوفةِ، فنَظَرَتْ إليه امرأةٌ فقالت: إنَّ أميرَكم هذا لأهْضمُ الكَشْحَيْن (٣). فعانَتْه (٤)، فرَجَع إلى مَنْزِلِه، فوُعِك، ثم إنّه بلَغَه ما قالت، فأرْسَل إليها، فغَسَلَت له أطرَافَها، ثم اغتَسَل به، فذَهَب ذلك عنه (٥). وأحْسَنُ شيءٍ في تَفْسِيرِ الاغْتِسالِ للمَعِينِ، ما وصَفَه الزُّهريُّ، وهو راوي الحديثِ، ذكرَ ذلك عنه ابنُ أبي ذئْبٍ وغيرُه.

стр. 2257

حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا شَبَابَةُ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي أُمَامَةَ بنِ سهلٍ، عن أبيه: أنَّ عامِرًا مرَّ به وهو يَغْتَسِلُ، فقال: ما رأيتُ كاليوم ولا جِلْدَ مُخبأَةٍ! قال: فلُبِط به حتى ما يَعْقِلُ لشِدَّةِ الوَجَع، فأُخْبِر بذلك النبيُّ ﷺ ، فتَغَيَّظ عليه، فدَعَاه النبيُّ ﷺ فقال: "قَتلْتَه! علامَ يَقْتُلُ أحدُكم أخاه؟ ألا برَّكْتَّ! ". فأمَرَ النبيُّ ﷺ بذلك، فقال: "اغْسِلُوه". فاغتَسَل، فخرَج مع الرَّكْبِ. قال: وقال الزُّهريُّ: إنَّ هذا مِن العلم، يَغْتَسِلُ له الذي عانَه، يُؤتَى بقَدَح مِن ماءٍ، فيُدْخِلُ يَدَه في القَدَح، فيُمَضمِضُ ويَمُجُّه في القَدَح، ويَغْسِلُ وجْهَه في القَدَح، ثم يَصُبُّ بيدِه اليُسْرَى على كفِّه اليُمْنَى، ثم بكفِّه اليُمْنَى على كَفِّه اليُسْرَى، ثم يُدْخِلُ يَدَه اليُسْرَى، فيَصُبُّ بها على مِرْفَقِ يَدِه اليُمْنَى، ثم بيَدِه اليُمْنَى على مِرْفَقِ يَدِه اليُسْرَى، ثم يَغْسِلُ قَدَمَه اليُمْنَى، ثم يُدْخِلُ اليُمْنَى فيَغْسِلُ قدَمَه اليسرى، ثم يُدْخِلُ يَدَه اليمنى فيَغْسِلُ الرُّكْبَتين، ثم يأخُذُ داخِلَةَ إزارِه، فيَصُبُّ على رَأسِه صبَّةً واحدةً، ولا يَضَعُ القَدَحَ حتى يَفْرُغَ. وزاد ابنُ حَبِيبٍ في قولِ الزهريِّ هذا، حكاه عن الحنَفيِّ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهريِّ: يَصُبُّ مِن خلفِه صبَّة واحدةً تجري على جَسَدِه، ولا يُوضَعُ القَدَحُ في الأرضِ. قال: ويَغْسِلُ أطرافَه المذكورةَ كلَّها (٢) وداخِلَةَ إزارِه في القَدَح.
следующие страницы →