← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2253–2292 · переход к 2258.

стр. 2253

عليه، وهذا لا يَمْلِكُه المرءُ مِن نفسِه، فلذلك لم يُعاتِبْه رسولُ الله ﷺ على ذلك، وإنَّما عاتَبه على تَرْكِ التَّبريكِ الذي كان في وُسْعِه وطاقَتِه. وفيه: أنَّ العينَ حقٌّ، وأنَّها تَصْرَعُ وتُودِي وتَقْتُلُ. وقد رُوي في حديثِ سَهْلٍ هذا أن العَيْنَ حقٌّ، مِن حديثِ مالكٍ، عن محمدِ بنِ أبي أُمَامةَ، عن أبيه. ورُويَ مِن غير حديثِ مالكٍ أيضًا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سليمانَ، ابن الغَسِيل، قال: حدَّثنا مَسْلَمَةُ بنُ خالدٍ الأنصاريُّ، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ بنَ سهلِ بنِ حُنَيفٍ يقولُ: حدَّثني أبي سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، أنّه سمِعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: "عَلامَ يَقْتُلُ أحدُكم أخاه وهو عن قتلِه غَنيٌّ؟ إنَّ العينَ حقٌّ، فإذا رأى أحدُكم مِن أخيه ما يُعْجِبُه، أو مِن مالِه، فلْيُبرِّكْ عليه، فإنَّ العينَ حَقٌّ" (١). وفي قوله ﷺ : "عَلامَ يَقْتلُ أحدُكم أخاه" دليلٌ على (٢) أنَّ العينَ ربَّما قتَلَتْ وكانت سببًا مِن أسبابِ المنيَّةِ. أخبرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ (٣)، قال: حدَّثنا سفيانُ،

стр. 2254

قال: حدَّثنا حُصَينٌ، عن هلالِ بنِ يِسَافَ، عن سُحَيْم بنِ نَوْفَلٍ، قال: كُنَّا عندَ عبدِ الله نَعْرِضُ المصاحِفَ، فجاءت جاريَةٌ أعرابيَّةٌ إلى رجلٍ مِنَّا، فقالت: إنَّ فُلانًا قد لَقَع مُهْرَكَ بعينِه (١)، وهو يَدُورُ في فَلَكٍ، لا يأكُلُ ولا يَشْرَبُ، ولا يبُولُ ولا يَرُوثُ، فالتَمِسْ له راقيًا. فقال عبدُ الله: لا تَلْتَمِسْ له راقيًا، ولكنِ ائْتِه فانْفُخْ في مَنْخَرِه الأيمنِ أربعًا، وفي الأيسرِ ثلاثًا، وقل: لا بأسَ، أذْهِبِ الباسَ، ربَّ الناسِ، إشْفِ أنتَ الشافي، لا يكشِفُ الضُّرَّ إلّا أنت. فقام الرّجُلُ فانطلَق، فما بَرِحْنا حتى رجَع، فقال لعبدِ الله: فعَلْتُ الذي أمَرْتَني به، فما بَرِحْتُ حتى أكَلَ وشَرِبَ، وبالَ وراث (٢). وحَكى المدائنيُّ، عن الأصمَعيِّ، قال: حجَّ هِشَامُ بنُ عبدِ الملكِ، فأتى المدينةَ، فدَخَل عليه سالم بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ، فلمَّا خرَجَ مِن عندِه قال هشامٌ: ما رأيتُ ابنَ سبعين أحسَنَ كِدْنَةً (٣) منه! فلمَّا صار سالم في منزِلِه حُمَّ، فقال: أترَوْنَ الأحْوَلَ لقَعَني بعينَيْه (٤)؟ فما خرَجَ هشامٌ مِن المدينةِ حتى صَلَّى عليه (٥).

стр. 2255

وقد ذكَرْتُ في بابِ محمدِ بنِ أبي أُمَامةَ مِن هذا الكتابِ (١)، زيادَةً في هذا المعنى وشرحًا، والحمدُ لله. وفي تَغَيُّظِ رسولِ الله ﷺ على عامِرِ بنِ ربيعةَ دليلٌ على أنَّ تَأنِيبَ كلِّ مَن كان منه أو بسَبَبِه سُوءٌ وتَوْبِيخَه، مُبَاحٌ، وإن كان الناسُ كلُّهم يجرُونَ تحت القَدَرِ، ألا ترى أنَّ القاتِلَ يَقْتُلُ وإن كان المقْتُولُ يموتُ بأجلِه؟ وذكرَ الحسَنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمَدِ (٢)، قال: حدَّثنا أبو هاشِم صاحِبُ الزَّعْفَرانيِّ، قال: قلتُ للحسنِ: رجلٌ قتَل رجلًا، أبأجَلِه قتَلَه؟ قال: قتَلَه بأجلِه وعَصَى ربَّه (٣). قال أبو عمر: وكذلك يُوبَّخُ كلُّ مَن كان منه أو بسَبَبِه سوءٌ، وإن كان القَدَرُ قد سبَقَ له بذلك. وفي قوله ﷺ -في غيرِ هذا الحديثِ-: "لو كان شيءٌ يَسْبِقُ القَدَرَ لسَبقَتْه العينُ" (٤) دليلٌ على أنَّ المرءَ لا يُصِيبُه إلّا ما قُدِّرَ له، وأنَّ العينَ لا تَسْبِقُ القَدَرَ، ولكنَّها مِن القَدَر. وفي قولِ رسولِ الله ﷺ : "ألا برَّكْتَ؟ " دليلٌ على أنَّ العينَ لا تَضُرُّ ولا تَعْدُو إذا برَّكَ العائِنُ، وأنَّها إنّما تَعْدُو إذا لم يُبَرِّك، فواجِبٌ على كلِّ مَن رأى

стр. 2256

شيئًا أعجَبه أن يُبرِّكَ، فإنَّه إذا دعَا بالبركةِ صُرِف المحذورُ لا محالَةَ، واللهُ أعلمُ. والتَّبْرِيكُ: أن يقولَ: تَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالقين، اللَّهُمَّ بَارِكْ فيه. وفيه: أنَّ العائِنَ يُؤْمَرُ بالاغتسالِ للذي عانَه، ويُجْبَرُ عندي على ذلك إن أباهُ؛ لأنَّ الأمْرَ حَقِيقَتُه الوُجُوبُ، ولا ينبَغي لأحدٍ أن يمنَعَ أخاه ما ينتَفِعُ به أخوه ولا يَضُرُّه هو، لا سيَّما إذا كان بسَبَبِه وكان الجانيَ عليه، فواجِبٌ على العائِنِ الغُسْلُ عندي، واللهُ أعلم. وفيه: إباحَةُ النُّشْرةِ (١)، وإباحَةُ عَمَلِها. وقد قال الزُّهريُّ في ذلك: إنَّ هذا منَ العِلْم (٢). وإذا كانت مُبَاحَةً، فجائِزٌ أخْذُ البَدَلِ عليها، وهذا إنّما يكونُ إذا صَحَّ الانْتِفاعُ بها، فكلُّ ما لا يُنْتفَعُ به بيقينٍ، فأكْلُ المالِ عليه باطلٌ محُرَّمٌ، وقد ثَبَت عن النبيِّ ﷺ أنّه أمَرَ بالنُّشْرَةِ للمَعِينِ. وجاء ذلك عن جماعةٍ مِن أصحابِه؛ منهم: سَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، خرَجَ يومًا وهو أميرُ الكوفةِ، فنَظَرَتْ إليه امرأةٌ فقالت: إنَّ أميرَكم هذا لأهْضمُ الكَشْحَيْن (٣). فعانَتْه (٤)، فرَجَع إلى مَنْزِلِه، فوُعِك، ثم إنّه بلَغَه ما قالت، فأرْسَل إليها، فغَسَلَت له أطرَافَها، ثم اغتَسَل به، فذَهَب ذلك عنه (٥). وأحْسَنُ شيءٍ في تَفْسِيرِ الاغْتِسالِ للمَعِينِ، ما وصَفَه الزُّهريُّ، وهو راوي الحديثِ، ذكرَ ذلك عنه ابنُ أبي ذئْبٍ وغيرُه.

стр. 2257

حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا شَبَابَةُ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي أُمَامَةَ بنِ سهلٍ، عن أبيه: أنَّ عامِرًا مرَّ به وهو يَغْتَسِلُ، فقال: ما رأيتُ كاليوم ولا جِلْدَ مُخبأَةٍ! قال: فلُبِط به حتى ما يَعْقِلُ لشِدَّةِ الوَجَع، فأُخْبِر بذلك النبيُّ ﷺ ، فتَغَيَّظ عليه، فدَعَاه النبيُّ ﷺ فقال: "قَتلْتَه! علامَ يَقْتُلُ أحدُكم أخاه؟ ألا برَّكْتَّ! ". فأمَرَ النبيُّ ﷺ بذلك، فقال: "اغْسِلُوه". فاغتَسَل، فخرَج مع الرَّكْبِ. قال: وقال الزُّهريُّ: إنَّ هذا مِن العلم، يَغْتَسِلُ له الذي عانَه، يُؤتَى بقَدَح مِن ماءٍ، فيُدْخِلُ يَدَه في القَدَح، فيُمَضمِضُ ويَمُجُّه في القَدَح، ويَغْسِلُ وجْهَه في القَدَح، ثم يَصُبُّ بيدِه اليُسْرَى على كفِّه اليُمْنَى، ثم بكفِّه اليُمْنَى على كَفِّه اليُسْرَى، ثم يُدْخِلُ يَدَه اليُسْرَى، فيَصُبُّ بها على مِرْفَقِ يَدِه اليُمْنَى، ثم بيَدِه اليُمْنَى على مِرْفَقِ يَدِه اليُسْرَى، ثم يَغْسِلُ قَدَمَه اليُمْنَى، ثم يُدْخِلُ اليُمْنَى فيَغْسِلُ قدَمَه اليسرى، ثم يُدْخِلُ يَدَه اليمنى فيَغْسِلُ الرُّكْبَتين، ثم يأخُذُ داخِلَةَ إزارِه، فيَصُبُّ على رَأسِه صبَّةً واحدةً، ولا يَضَعُ القَدَحَ حتى يَفْرُغَ. وزاد ابنُ حَبِيبٍ في قولِ الزهريِّ هذا، حكاه عن الحنَفيِّ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهريِّ: يَصُبُّ مِن خلفِه صبَّة واحدةً تجري على جَسَدِه، ولا يُوضَعُ القَدَحُ في الأرضِ. قال: ويَغْسِلُ أطرافَه المذكورةَ كلَّها (٢) وداخِلَةَ إزارِه في القَدَح.

стр. 2258

حدَّثني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ ببغداد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الله أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن رجل يزعُمُ أنه يَحُلُّ السِّحْرَ؛ يؤتَى بالمَسْحورِ، فيَحُلُّ عنه. فقال: قد رخَّص فيه بعضُ الناسِ، وما أدْرِي ما هذا. قال الأثرمُ (١): حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ النَّمريُّ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، في الرجلِ يُؤخَّذُ عن امرأتِه، فيَلْتَمِسُ مَن يُدَاويه. قال: إنّما نَهى اللهُ عمَّا يضُرُّ، ولم يَنْهَ عمَّا يَنْفَعُ. قولُه: يُؤخَّذُ عن امرأتِه؛ أي: يُحْبَسُ عنها، قال الخليلُ (٢): رجلٌ مُؤخَّذٌ؛ أي: محبوسٌ عن النساء (٣). قال: والأُخْذَةُ: رُقْيةٌ تأْخُذُ العينَ. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا نَصْرُ بنُ مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ لَهِيعَةَ، عن أبي الزبيرِ المكيِّ، قال: سألتُ جابِرَ بنَ عبدِ الله عن الرَّجُلِ- يأْبَقُ له العبدُ-: أيؤخَّذُ؟ قال: نعم، أو قال: لا بأْسَ به. قال: وحدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن محمدِ بنِ سَيْفٍ أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ سيرينَ يُحدِّثُ، عن ابنِ عمرَ، قال: الأُخْذَةُ هي (٤) السحرُ.

стр. 2259

قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن أبي رجاءٍ محمدِ بنِ سَيْفٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الأُخْذَةِ، ففَزع، وقال: لعَلَّكَ صنَعْتَ مِن ذلك شيئًا؟ قلتُ: لا. قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن عمرِو بنِ عَوْنٍ، عن إبراهيمَ (١)، عن الأسودِ، قال: سألتُ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ عن النُّشْرةِ، فقالت: ما تَصْنَعون بالنُّشْرةِ والفُرَاتُ إلى جانِبكم، يَنْغَمِسُ فيه أحَدُكم سبعَ انغِماسَاتٍ إلى جانبِ الجِرْيَةِ (٢)؟ قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنّه سُئِلَ عن الرجلِ يأبَقُ له العبدُ: أيُؤخِّذُه؟ فقال سعيدُ بنُ المسيِّب: قد وخَّذْنا فما رُدَّ علينا شيءٌ، أو ردَّ علينا شيئًا. وأخبرنا عبدُ الرحمنِ (٣)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال (٤): أخبرني محمدُ بنُ عَمْرٍو، عن ابنِ جُريج، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبي رَباح عن النُّشْرةِ، فكَرِه نُشْرةَ الأطِبَّاء، وقال: لا أدرِي ما يَصْنَعُون فيها وأمَّا شيءٌ تصْنَعُه أنت فلا بأسَ به.

стр. 2260

قال ابنُ وَهْبٍ (١): وأخبرني يحيى بنُ أيُّوبَ، أنه سَمِعَ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: ليس بالنُّشْرةِ التي يُجمَعُ فيها منَ الشَّجَرِ والطِّيبِ ويغْتَسِلُ بها الإنسانُ بأسٌ. وذكر سُنَيدٌ (٢)، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ. وذكره عبدُ الرَّزَّاقِ (٣)، عن معمرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ طاوُسٍ يُحدِّثُ، عن أبيه، قال: العَيْنُ حَقٌّ، ولو كان شيءٌ سابِقَ القَدَرِ سبقَتْه العَيْنُ، وإذا اسْتُغْسِلَ أحدُكم فلْيَغْتَسِلْ. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مُسلِم بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا وهَيْبٌ (٤)، قال: حدَّثنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (٥)، عن النبيِّ ﷺ قال: "العينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابِقَ القدرِ لسبَقَتْه العينُ، وإذا استُغْسِلتم فاغْتَسِلوا" (٦).

стр. 2261

حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن أبي أُمامة متَّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ، عن عبدِ الله بنِ عباسٍ، عن خالدِ بنِ الوليد، أنّه دخَل معَ رسولِ الله ﷺ بيتَ ميمونةَ، فأُتيَ بضَبٍّ محنوذٍ، فأهْوَى إليه رسولُ الله ﷺ [بيَدِه] (٢)، فقال بعضُ النِّسوةِ اللاتي في بيتِ ميمونةَ: أخبِروا رسولَ الله ﷺ بما يُريدُ أن يأكُلَ منه. فقالوا: هو ضَبٌّ. فرفَع رسولُ الله ﷺ يدَه، فقُلتُ: أحرامٌ هو يا رسولَ الله؟ قال: "لا، ولكنَّه لم يكنْ بأرضِ قومي، فأجِدُني أعافُه". قال خالدٌ: فاجْتَررْتُهُ فأكَلتُه ورسولُ الله ﷺ ينْظُر. هكذا قال يحيى بنُ يحيى: عن ابنِ عباس، عن خالدِ بنِ الوليدِ. وتابَعه القَعْنَبيُّ (٣)، وابنُ القاسم (٤)، وجماعةٌ من أصحابِ مالكٍ (٥).

стр. 2262

وقال ابنُ بُكَيْرٍ: عن ابنِ عباسٍ وخالدِ بنِ الوليدِ، أنَّهما دخَلا مع رسولِ الله ﷺ بيتَ ميمونةَ. وتابَعه قومٌ (١). وكذلك رواه معمر، عن الزهريِّ: أنَّ ابنَ عباس وخالدًا شهِدا هذه القصَّةَ بنحو روايةِ ابنِ بُكيرٍ (٢).

стр. 2263

ولم تختلِفْ نُسَخُ "الموطأ" في إسنادِ هذا الحديثِ عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ (١)، عن أبي أُمامةَ، عن ابنِ عباس. ورواه عثمانُ بنُ عُمرَ فأخطأ في إسنادِه، جعَله عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبَيْدِ الله، عن ابنِ عباس. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَسَنِ بنِ علَّانَ ومحمدُ بنُ عبدِ الله القاضي، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا عبَّادُ بنُ زيادٍ السَّاجِيُّ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شهابِ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ بنِ عُتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَلتُ مع رسولِ الله ﷺ بيتَ ميمونةَ، ومعه خالدُ بنُ الوليدِ، فأُتيَ بضَبٍّ، فأهوى رسولُ الله ﷺ بيدِه، فقال بعضُ النِّسوةِ: إنّه ضبٌّ. فرفَع يدَه. فقيلَ له: أحرامٌ هو يا رسولَ الله؟ قال: "لا، ولكنَّه لم يكنْ بأرضِ قومي، فأجِدُني أعافُه". قال: فأمَّا خالدٌ فأكَله ورسولُ الله ﷺ ينظُرُ. وذكره (٢) الدَّارقُطنيُّ، عن محمدِ بنِ سليمانَ المالكيِّ القاضي بالبصرةِ، عن بُنْدارٍ، عن عثمانَ بنِ عمرَ. وذكره الدَّارقُطنيُّ أيضًا، عن إسماعيلَ بنِ محمدٍ الصَّفَّارِ، عن أبي داودَ السِّجِسْتانيِّ، عن عبَّادِ بنِ زيادٍ، عن عثمانَ بنِ عمرَ مِثلَه سواءً. والضبُّ: دُويبَّةٌ معروفةٌ بأرضِ اليمَنِ، وليس موجودًا بمكةَ؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "لم يكنْ بأرضِ قومي". وأظنُّه بالحجازِ كلِّه غيرَ مأكُولٍ أيضًا عندهم ولا موجودٍ، ألا ترى إلى ما نقَله جماعةُ أهلِ الأخبارِ، أنَّ مدنيًّا سأل أعرابيًّا فقال: أتأكلونَ الضَّبَّ؟ فقال: نعم. قال: واليربُوعَ (٣)؟ قال: نعم. قال: فالقُنْفُذَ؟

стр. 2264

فالقُنْفُذَ؟ قال: نعم. قال: فالوَرَلَ (١)؟ قال: نعم. قال: فتأكُلون أُمَّ حُبَيْنٍ (٢)؟ قال: لا. قال: فلتَهْنأْ أمَّ حُبَيْنٍ العافيةُ (٣). وممَّا يدُلُّك على أنَّ الضَّبَّ لا يُوجدُ إلّا في بعضِ أرضِ العربِ قولُ بعضِ بني تَميم: لَكِسْرَى كان أعقَلَ مِن تَميمٍ ... لَياليَ فرَّ مِن أرضِ الضِّبَابِ (٤) وقال غيرُه: بلادٌ تكونُ الخَيْمُ أظلالَ أهلِها ... إذا حضَروا بالقَيْظِ والضَّبَّ نُونُها (٥) وقد ذكرنا صفتَه بما لا يُشْكِلُ مِن كلام العربِ وأشعارِها، في بابِ عبدِ الله بنِ دينارٍ من هذا الكتابِ، وذكرنا هناك أيضًا من الآثارِ المنقولةِ في مَسْخِه ما فيه كفايةٌ وبيانٌ (٦)، والحمدُ لله. والمحنوذُ: المَشْويُّ في الأرضِ، وذلك أنّ العَربَ كانت تَحفِرُ حُفرةً وتُوقِدُ فيها النارَ، فإذا حَمِيَتْ وُضِع ذلك الشيءُ الذي يُشوى في الحُفَيرةِ

стр. 2265

ودُفِن، فهو الحَنِيذُ عندَهم. وقد قيل: إنَّ ما يُوضَعُ في التّنُورِ إذا غُطِّيَ وطُيِّنَ عليه حنيذٌ أيضًا. يقالُ: حنيذٌ، ومحنوذٌ. مثلُ: قتيلٍ ومقتول. وفي هذا الحديثِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يؤاكلُ أصحابَه، فجائزٌ للرئيسِ أن يُؤاكلَ أصحابَه، وحَسَنٌ جميلٌ به ذلك. وفيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يأكُلُ اللَّحمَ. وفيه: أنّه كان ﷺ لا يعلَمُ الغيب وإنَّما كان يعلَمُ منه ما يُظهِرُه اللهُ عليه. وفيه: أنَّ النُّفُوسَ تَعافُ ما لم تَعْهَدْ. وفيه: أنَّ أكلَ الضَّبِّ حلالٌ، وأنَّ مِن الحلالِ ما تَعافُه النُّفوسُ. وفيه: دليلٌ على أنَّ التحليلَ والتحريمَ ليس مردودًا إلى الطِّباع، ولا إلى ما يقعُ في النَّفْس، وإنَّما الحرامُ ما حرَّمه الكتابُ والسُّنةُ، أو يكونُ في معنى ما حرَّمه أحدُهما ونصَّ عليه. وفيه: دليلٌ على خطأ مَن روى عن النبيِّ ﷺ في الضَّبِّ: "لسْتُ بمُحِلِّه ولا بِمُحَرِّمِه" (١)، وهذا ليس بشيءٍ، وقد ردَّه ابنُ عباس ﵁، وقال: لم يُبعَثْ رسولُ الله ﷺ إلّا آمِرًا أو ناهيًا، أو مُحلًّا أو مُحرِّمًا، ولو كان حرامًا لم يُؤكَلْ على مائدتِه (٢).

стр. 2266

وأمَّا (١) دخولُ خالدِ بنِ الوليدِ وعبدِ الله بنِ عباسٍ بيتَ رسولِ الله ﷺ وفيه ميمونةُ مع النِّسوةِ اللَّاتي قال بعضُهنَّ: أخبِروا رسولَ الله ﷺ بما يريدُ أن يأكُلَ منه. فإنَّما كان ذلك قبلَ نزولِ الحجابِ، واللهُ أعلم. وليس الضَّبُّ ذا نَابٍ -واللهُ أعلمُ- للفرقِ الذي ورَد بينَ حُكمِه وحُكم كُلِّ ذي نابٍ في الأكلِ، وبالله التوفيقُ. وقد سلَف القولُ منَّا في أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، في باب إسماعيلَ بنِ أبي حكيم من كِتابِنا هذا، مستوعَبًا كاملًا فأغنى عن إعادتِه هاهنا، وسيأتي من ذِكْر الآثار في الضَّبِّ بما فيه شفاءٌ في باب عبد الله بن دينار عن ابن عمر من كتابنا هذا إن شاء الله.

стр. 2267

حديثٌ ثالثٌ لابن شهابٍ، عن أبي أُمامةَ مرسَلٌ، وهو يتَّصل من وُجوهٍ كثيرةٍ ثابتةٍ من غير حديث مالكٍ مالكٌ (١)، عن ابن شهابٍ، عن أبي أمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيفٍ، أنّه أخبَره، أنَّ مسكينةً مرِضَتْ، فأُخْبِرَ رسولُ الله ﷺ بمرضِها، وكان رسولُ الله ﷺ يعودُ المساكينَ ويسألُ عنهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "إذا ماتَتْ فآذِنُوني بها". فخُرِج بجِنازتها ليلًا، فكرِهوا أنْ يُوقِظوا رسولَ الله ﷺ ، فلمَّا أصبَح رسولُ الله ﷺ أُخبِر بالذي كان من شأنِها، فقال: "ألم آمُرْكم أنْ تُؤذنوني بها؟ ". فقالوا: يا رسولَ الله، كرِهْنا أنْ نُخرجَكَ ليلًا ونُوقظَك. فخرَج رسولُ الله ﷺ حتّى صَفَّ بالناسِ على قبرِها، وكبَّر أربعَ تكبيرات. لم يُختلَفْ على مالكٍ في "الموطأ" في إرسالِ هذا الحديثِ، وقد روى موسى بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ القرشيُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابِ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيفٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى على قبر امرأةٍ بعدما دُفنَتْ، فكبَّر عليها أربعًا. وهذا لم يُتابَعْ عليه، وموسى بنُ محمدٍ هذا متروكُ الحديث، وقد روى سفيانُ بنُ حسينٍ هذا الحديثَ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ (٣). وهو حديثٌ مُسندٌ مُتَّصلٌ صحيحٌ من غير حديثِ مالكٍ، من حديثِ الزهريِّ وغير، ورُويَ من وجُوه كثيرةٍ عن النبيِّ ﷺ ، كلُّها ثابتةٌ. وفيه من الفقه: أنّه جائزٌ أن يُتحدَّثَ بأحوالِ الناسِ عندَ العالِم إذا لم يكن في ذلك مكروهٌ فيكونَ غِيبةً.

стр. 2268

وفيه: ما كان عليه رسولُ الله ﷺ من التواضع (١)، وأنَّه كان يعودُ الفقراء، فجائزٌ للخليفةِ أن يعودَ المرضَى، وإن تواضعَ وعادَ المساكينَ وشهِد جنائزَهم، كان أفضلَ وأسنَى، وكان جديرًا أن يُعَدَّ من الخلفاء. وفيه: إباحةُ عيادةِ النِّساء وإنْ لم يكُنَّ ذواتِ مَحْرم. ومحلُّ هذا عندي أن تكونَ المرأةُ مُتجالَّةً (٢)، وإنْ كانت غيرَ مُتجالَّةٍ فلا، إلّا أن يُسألَ عنها ولا يُنظُرَ إليها. وفيه: ما كان عليه رسولُ الله ﷺ من الخُلُقِ الجميلِ في العفوِ، وأنَّه أمَر أصحابَه فلم يفعَلوا ما أُمِروا به، ولم يُعاتبْهم. وفيه: إجازةُ الإذنِ بالجنازةِ، وذلك ردٌّ على من قال: لا تُشعِروا بي أحدًا. وقد كان جماعةٌ يكرَهونَ ذلك، ورخَّصَ فيه آخرونَ، ودلائلُ السُّنَّةِ تدُلُّ على جوازِ ذلك، والحمدُ لله. فأمَّا الذين كرِهوا ذلك؛ فابنُ مسعودٍ وأصحابُه، واختُلِفَ في ذلك عن ابنِ عمرَ، وإبراهيمَ. ذكر عبدُ الرَّزَّاق (٣)، عن الثوريِّ، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: الإيذانُ بالجنازةِ من النَّعي، والنَّعيُ من أمرِ الجاهليَّةِ. قال إبراهيمُ: إذا كان عندَك مَن يحمِلُ الجِنازةَ فلا تُؤذِنْ أحدًا؛ مخافةَ أن يُقالَ: ما أكثرَ من اتَّبعَه.

стр. 2269

قال (١): وأخبرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ: أنَّ علقمةَ بنَ قيسٍ حينَ حضَرتْه الوفاةُ قال: لا تُؤذِنوا بي أحدًا كفعلِ الجاهليَّة. قال (٢): وأخبرنا الثوريُّ، عن عاصم بنِ محمدٍ، عن أبيه: أنَّ ابنَ عمرَ كان يتحيَّنُ بجنائزِه غفلةَ الناس. قال (٣): وأخبرني عمرُ بنُ راشدٍ، عن يحيَى بنِ أبي كثير، عن أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ الله بنِ مسعود، عن أبيه، قال: لا تُؤذِنوا بموتي أحدًا، حسبي مَن يحمِلُني إلى حُفرتي. قال (٤): وأخبرنا هشامٌ الدَّستُوائيُّ، عن حمَّاد، عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ إذا مات الرجلُ أنْ يؤذَنَ صديقُه وأصحابُه، إنّما كانوا يكرَهونَ أن يُطافَ في المجالس: أنعى فُلانًا، كفعلِ الجاهليَّة. ورَوى حمَّادُ بنُ زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عَمْرُو بنُ شُرحبيلٍ حينَ حضَرتُهُ الوفاةُ: ما أدعُ مالًا، ولا أدعُ عليَّ من دَينٍ، وما أدعُ من عيالٍ يُهمُّوني بعدي؛ فإذا أنا مِتُّ فلا تَنعَوْني إلى أحدٍ، وأسْرِعوا المشيَ. وذَكَر الحديثَ (٥). وحمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ابنِ عَوْنٍ، قال: سألتُ إبراهيمَ: أكان النَّعيُ يُكرَهُ؟ قال: نعم. فذكَرْتُ ذلك لمحمدِ بنِ سيرينَ، فقال: يؤذِنُ الرجلُ حميمَه، ويؤذِنُ صديقَه (٦).

стр. 2270

ورخَّص في ذلك جماعةٌ؛ منهم: أبو هريرةَ (١) وغيرُه (٢). والأصلُ في هذا البابِ قولُه ﷺ : "إذا ماتَتْ فآذِنوني بها"، ونَعَى النَّجاشيَّ للناس. وذكر عبدُ الرَّزَّاق (٣)، عن معمرٍ، عن أيُّوبَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: نعَى رسولُ الله ﷺ أصحابَ مُؤتةَ على المنبرِ رجلًا رجلًا، بدأ بزيدِ بنِ حارثةَ، ثم جعفرِ بنِ أبي طالبٍ، ثم عبدِ الله بنِ رواحةَ، قال: "فأخَذ اللِّواءَ خالدُ بنُ الوليدِ، وهو سيفٌ من سُيوفِ الله". قال أبو عمر: شهودُ الجنائزِ أجرٌ وتقوى وبرٌّ، والإذنُ بها تعاونٌ على البرِّ والتَّقوَى، وإدخالُ الأجرِ على الشَّاهدِ وعلى المتوفَّى، ألا ترَى إلى قوله ﷺ : "ما من مُسلم يموتُ فيصلِّي عليه أُمَّةٌ من المسلمينَ يبلُغون أن يكونوا مئةً، يستغفِرونَ له، إلّا شُفِّعوا فيه". رواه حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قلابةَ، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ -وكان أخا عائشةَ في الرَّضاعةِ- عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ (٤). ومعلومٌ أنَّ هذا العددَ ومثلَه لا يجتمِعونَ لشهودِ جنازةٍ إلّا أن يُؤذَنوا لها وبالله التوفيق. وفيه: أنَّ عصيانَ المرء مَن أمَره إذا أرادَ بعصيانِه بِرَّه وتعظيمَه، لا يُعدُّ عليه ذنبًا. وفيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ يَعِزُّ عليه أنْ يُعصَى إذا لم تُنتهَكْ لله حُرمةٌ

стр. 2271

ولم يُعصَ جلَّ وعزَّ، ألا ترَى إلى قولِ عائشةَ ﵂: ما انتقَم رسولُ الله ﷺ لنفسِه قطُّ، إلّا أنْ تُنتهَكَ حُرمةُ الله فينتقِمَ لله بها (١). وفيه: إباحةُ الدَّفنِ باللَّيلِ. وفيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ لا يطَّلِعُ على ما غاب عنه، إلّا أنْ يُطلِعَه اللهُ عليه. وفيه: الصلاةُ على القبرِ لمَن لم يُصلِّ على الجنار، وهذا عندَ كُلِّ مَن أجازَه ورَآه إنّما هو بحِدْثانِ ذلك، على ما جاءَتْ به الآثارُ المُسْنَدةُ، وعن الصحابةِ أيضًا ﵏ مثلُ ذلك. وفيه: الصَّفُّ على الجنازةِ. وفيه: أنَّ التَّكبيرَ على الجنازةِ أربعُ تكبيراتٍ. وفيه: أنَّ سُنَّةَ الصلاةِ على القبرِ كسُنَّةِ الصلاةِ على الجِنازةِ سواءً؛ في الصفِّ عليها، والدُّعاء، والتَّكبير. واختلَف االفقهاءُ فيمن فاتته الصلاةُ على الجنازةِ فجاء وقد سُلِّمَ من الصلاةِ عليها وقد دُفِنَتْ؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما: لا تُعادُ الصلاةُ على الجنازةِ، ومَن لم يُدركِ الصلاةَ مع الناسِ عليها لم يُصلِّ عليها، ولا يُصلِّ على القبرِ. وهو قولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ، واللَّيثِ بنِ سعدٍ (٢).

стр. 2272

وقال ابنُ القاسم: قلتُ لمالكٍ: فالحديثُ الذي جاءَ عن النبيِّ ﷺ أنّه صلَّى على قبرِ امرأةٍ؟ قال: قد جاءَ هذا الحديثُ، وليسَ عليه العمل (١). وذكر عبدُ الرَّزَّاقِ (٢)، عن معمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عمرَ قَدِم بعدما تُوفِّي عاصمٌ أخوه، فسأل عنه، فقال: أينَ قبرُ أخي؟ فدلُّوه عليه، فأتاه فدعا له. قال عبدُ الرَّزَّاقِ: وبه نأخُذُ. قال (٣): وأخبرنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ إذا انتهَى إلى جِنارر قد صُلِّيَ عليها، دعا وانصرفَ، ولم يُعدِ الصلاةَ. وذَكَر (٤) عن الثَّوريِّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: لا تُعادُ على ميِّتٍ صلاةٌ. قال (٥): وقال معمرٌ: كان الحسنُ إذا فاتتْه صلاةٌ على جنازةٍ لم يُصلِّ عليها، وكان قتادةُ يُصلِّي عليها بعدُ إذا فاتته. وقال الشَّافعيُّ وأصحابُه: مَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازةِ صلَّى على القبرِ إن شاء (٦). وهو رأيُ عبدِ الله بنِ وَهْبٍ، ومحمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبد الحكم، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ بنِ راهُويَة، وداودَ بنِ عليٍّ، وسائرِ أصحابِ

стр. 2273

الحديثِ. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: رُوِيَتِ الصَّلاةُ على القبرِ عن النبيِّ ﷺ من ستَّةِ وجُوهٍ حسانٍ كلُّها (١). وفي "كتابِ عبدِ الرَّزَّاقِ" (٢)، عن ابنِ مسعودٍ ومحمدِ بن قَرَظةَ (٣)، أنَّ أحدَهما صلَّى على جنازةٍ بعدما دُفنتْ، وصلَّى الآخرُ عليها بعدما صُلِّي عليها. قال (٤): وأخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُليكةَ، قال: تُوفِّي عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكر على ستَّةِ أميالٍ من مكَّةَ، فحمَلناه حتى جئْنا به إلى مكَّةَ، فدفنَّاه، فقدِمَتْ عائشةُ علينا بعدَ ذلك، فعابَتْ علينا ذلك، ثم قالت: أينَ قبرُ أخِي؟ فدَلَلْناها عليه، فوُضِعَتْ في هَودجِها عندَ قبرِه وصلَّتْ عليه. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الطَّائيُّ الأثرمُ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ حنبلٍ ﵀، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ،

стр. 2274

قال: حدَّثنا أيوبُ (١)، عن ابنِ أبي مُليكةَ، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ تُوفِّي في منزلٍ له كان فيه، فحمَلناه على رقابِنا ستةَ أميالٍ إلى مكَّةَ، وعائشةُ غائبةٌ، فقدِمَتْ بعدَ ذلك فقالت: أروني قبرَ أخي. فأرَوها، فصلَّت عليه (٢). وقال حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُليكةَ، قال: قدِمَتْ عائشةُ بعدَ موتِ أخِيها بشهرٍ، فصلَّتْ على قبرِه (٣). وقال عبدُ الرَّزَّاقِ (٤): حدَّثنا الحسنُ بنُ عُمارةَ، عن الحكم بنِ عُتيبةَ، عن حنشِ بنِ المعتمِر، قال: جاءَ ناسٌ من بعدِأنْ صلَّى عليٌّ على سهلِ بنِ حُنيفٍ، فأمَر عليٌّ قَرَظةَ الأنصاري أنْ يؤمَّهم ويصلّيَ عليه بعدَ ما دُفنَ. وعن ابن موسى أنّه فعَل ذلك (٥). وأمَّا السِّتَّةُ وجُوهٍ التي ذكر أحمدُ بنُ حنبلٍ أنّه رُوي منها أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى على قبرٍ، فهي واللهُ أعلمُ؛ حديثُ سهلِ بنِ حُنيفٍ، وحديثُ سعدِ بنِ عُبادةَ، وحديثُ أبي هريرةَ؛ رُويَ من طُرقٍ، وحديثُ عامرِ بنِ ربيعةَ، وحديث أنسٍ، وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ. فأمَّا حديثُ سهلِ بنِ حُنيفٍ، فحدَّثناه أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٦)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي

стр. 2275

شيبةَ، قال (١): حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى أبو سفيانَ الحميريُّ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الزهريُّ، عن أبي أُمامةَ بن سهلِ بنِ حُنيفٍ، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله ﷺ يعودُ فُقراءَ أهلِ المدينةِ، ويشهَدُ جنائزَهم إذا ماتوا. قال: فتُوفِّيَتِ امرأةٌ من أهلِ العوالي، فقال رسولُ الله ﷺ : "إذا قضَتْ فآذنوني بها". قال: فأتَوه ليُؤذِنُوه فوجَدُوه نائمًا وقد ذهبَ الليلُ، فكرِهوا أن يُوقِظُوه، وتخوَّفوا عليه ظُلمةَ الليلِ وهوامَّ الأرض. قال: فدفنَّاها، فلمَّا أصبحَ سألَ عنها، فقالوا: يا رسولَ الله، أتيناكَ لنُؤذِنَكَ فوجَدناكَ نائمًا، فكرِهْنا أن نُوقِظَكَ، وتخوَّفْنا عليكَ ظُلمةَ الليلِ وهوامَّ الأرضِ. قال: فمشَى رسولُ الله ﷺ إلى قبرِها فصلَّى عليها، وكبَّر أربعًا. وأمَّا حديثُ سعدِ بنِ عُبادةَ، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ (٢)، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبرنا المثنَّى بنُ سعيدٍ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ أتَى النبيَّ ﷺ فقال: إنَّ أُمَّ سعدٍ تُوفِّيَتْ وأنا غائبٌ، فصلِّ عليها يا رسولَ الله. فقامَ النبيُّ ﷺ فصلَّى عليها، وقد دُفِنَتْ قبلَ ذلك بشهر. ورَوى القطَّانُ، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنَّ أُم سعدِ بنِ عُبادةَ ماتَتْ والنبيُّ ﷺ غائبٌ، فأتى قبرَها وصلَّى عليها، وقد مضَى لذلك شهر (٣).

стр. 2276

حدَّثنا عبدُ الوارثِ (١)، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الخُشَنيُّ محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا بُندارٌ محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ القطَّانُ. فذكره بإسنادِه. وذكره (٢) أبو بكر الأثرمُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ. فذكره بإسنادِه سواء. وأمَّا حديثُ أبي هريرةَ، فرويناه من وجُوه، أحسنُها ما حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا ثابِت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى على قبر (٣). وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعناقيُّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قال: حدثني أبي، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ جريرٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن ثابِتٍ، عن أبي رافع، عن أبي هريرةَ قال: كانت امرأةٌ تقُمُّ المسجدَ (٤)، فماتَتْ، فدُفنَتْ ليلًا، ففقَدها

стр. 2277

رسولُ الله ﷺ ، فقال: "فهلَّا أعلمتُموني؟ "، فقالوا: ماتَتْ ليلًا. فقامَ رسولُ الله ﷺ حتى أتى المقبُرةَ، فصلَّى على قبرِها، ثم قال: "إنَّ هذه القبورَ مملوءةٌ ظُلمةً على أهلِها، وإنَّ صلاتي عليها نُورٌ" (١). قال حمَّادٌ: لا أدري الكلامَ الآخِر؛ عن أبي هريرةَ هو أم لا؟ وأخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ وأحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قالا: أخبرنا مسلمةُ بنُ قاسم بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ الأصبهاني، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ حبيبِ بنِ عبدِ القاهرِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ وأبو عامرٍ الخزَّازُ، عن ثابِتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنَّ رجلًا أسودَ، أو امرأةً سوداء كانت تُنقِّي المسجدَ من الأذَى، ثم ماتَتْ، فدُفنَتْ ولم يُؤذَنِ النبيُّ ﵇، فأُخبِرَ بذلك النبيُّ ﷺ ، فقال: "دُلُّوني على قبرِها". فانطلَقَ إلى القبرِ، فأتَى على القبورِ فقال: "إنَّ هذه القبورَ مُمتلئةٌ على أهلِها ظُلمةً، وإنَّ اللهَ يُنوِّرُها بصلاتي عليها". ثم أتى القبرَ فصلَّى عليه، فقال رجلٌ من الأنصارِ: يا رسولَ الله، إنَّ أبي أو أخي مات، وقد دُفِنَ، فصلِّ عليه يا رسولَ الله. فانطلَقَ رسولُ الله ﷺ مع الأنصاري (٢).

стр. 2278

وأمَّا حديثُ عامرِ بنِ ربيعةَ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (١)، قال: حدَّثنا ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا داودُ (٣) بنُ عبدِ الله الجعفريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن محمدِ بنِ زيد بنِ قُنفذٍ، عن عبدِ الله بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ بقبرٍ حديثٍ، فقال: "ما هذا القبرُ؟ "، قالوا: قبرُ فُلانة. قال: "فهلَّا آذنتُموني؟ "، قالوا كنتَ نائمًا فكرِهْنا أنْ نُوقظَكَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "فلا تفعَلوا، ادعوني لجنائزِكم". ثم صفَّ عليها فصلَّى. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عبد الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ المهاجرِ، عن عبدِ الله بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ بقبرٍ حديثٍ، فسألَ عنه، فقيل: قبرُ فُلانةٍ

стр. 2279

المِسْكينةِ. قال: "فهلَّا آذنتموني أُصلِّي عليها؟ ". فقالوا: يا رسولَ الله، كنت نائمًا، فكرِهْنا أنْ نُوقظَكَ. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "ادعُوني لجنائزِكم"، أو قال: "أعلِموني بجنائزِكم". فصفَّ وصف النَّاسُ خلفَه، وصلَّى عليها (١). وحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّئنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا أبو ثابِتٍ محمدُ بنُ عبدِ الله والقعنبيُّ جميعًا، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد (٢)، عن محمدِ بنِ زيدٍ، عن عبدِ الله بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ بقبرٍ حديثٍ (٣). فذكَرَ مثلَه سواء. وأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فحدَّثناه خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شعبةُ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوحٍ المدائنيُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سليمانَ الشَّيبانيِّ، قال: سمِعتُ الشَّعبيَّ يقولُ: أخبرني مَن مرَّ مع النبيِّ ﷺ على قبرٍ منبوذٍ، فكبَّر عليه. قال: فقلتُ للشَّعبيِّ: يا أبا عمرٍو، مَن أخبركَ بهذا؟ قال: أخبر في بذلك ابنُ عباس (٤).

стр. 2280

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا الشَّيبانيُّ (١)، عن عامرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ مرَّ بقبرٍ حديثِ عهدٍ بدَفْنٍ، فسألَ عنه، فقالوا: ماتَ ليلًا، فكرِهْنا أنْ نُوقظَكَ فنشُقَّ عليك. فقامَ رسولُ الله ﷺ وصفَّنا خلفَه، فصلَّيْنا عليه (٢). وأخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبانٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: حدَّثنا الثَّوريُّ، عن سليمانَ الشَّيبانيِّ، عن الشَّعبيِّ، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى على جنازةٍ بعدما دُفنَتْ (٣). وأمَّا حديثُ أنسٍ، فحدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زكريَّا المقدسيُّ، قال: حدَّثنا مُضرُ بنُ محمدٍ الأسديُّ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ معينٍ، قال: حدَّثنا غُندرٌ، عن شُعبةَ، عن حبيبِ بنِ الشَّهيدِ، عن ثابِتٍ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على قبرِ امرأةٍ بعدما دُفنَتْ (٤).

стр. 2281

وحدَّثناه أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَى المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابةَ (١) البغداديُّ، قال: حدَّثنا البغويُّ، قال (٢): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ هانئ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن حبيبِ بنِ الشَّهيدِ، وعن ثابِتٍ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على قبرٍ بعدما دُفِن. وقد روَيْنا عن النبيِّ ﷺ أنّه صلَّى على قبرِ من ثلاثةِ أوجُهٍ سوى هذه السِّتَّةِ الأوجُهِ المذكور، وكلُّها حسانٌ؛ منها: حديثٌ (٣) لزيدِ بنِ ثابِتٍ الأنصاريِّ، والحصينِ بنِ وحوح (٤)، وأبي أُمامةَ بنِ ثعلبةَ الأنصاريِّ، فاللهُ أعلمُ أيُّها أراد أحمدُ بنُ حنبل. أخبرنا أبو القاسم عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ (٥) بنِ مالكٍ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٦): حدَّثنا هُشيم، قال: أخبرني عثمانُ بنُ حكيم، عن

стр. 2282

خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابِتٍ، عن عمِّه يزيدَ بنِ ثابِتٍ، قال: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا ورَدْنا البقيعَ إذا هو بقبر جديدٍ، فسألَ عنه، فقيلَ: فُلانةٌ. فعرَفها، فقال: "أفلا آذنتُموني؟ "، قالوا: يا رسولَ الله، كنتَ قائلًا نائمًا فكرِهْنا أنْ نُؤذِنَكَ. فقال: "لا تفعَلوا، لا يموتنَّ فيكم ميِّتٌ ما كُنتُ بينَ أظهرِكم إلّا آذنتُموني به؛ فإنَّ صلاتي عليه له رحمةٌ". قال: ثم أتَى القبرَ فصفَّنا خلفَه، فكبَّر أربعًا. وأخبرنا عُبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنجرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جَنابٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يُونسَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ البلويُّ، عن عَزْرَةَ بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، عن الحصينِ بنِ وحْوَح، أنَّ طلحةَ بنَ البراء مرِض، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودُه في الشِّتاء في بردٍ وغيم، فلمَّا انصرَف قال لأهلِه: "إنِّي ما أرَى طلحةَ إلّا وقد حدَثَ بهِ الموتُ، فآذنوني به حتى أشهَدَه وأُصلِّيَ عليه، وعجِّلوا به؛ فإنَّه لا ينبغي لجيفةِ مُسلم أنْ تُحبَسَ بينَ ظهراني أهلِهِ". فلم يبلُغ النبيُّ ﷺ بني سالم حتى تُوفِّي، وجَنَّ عليه الليلُ، فكانَ ممَّا قال طلحةُ: ادفِنوني وألحقوني (١) بربِّي، ولا تدْعُوا رسولَ الله ﷺ ؛ فإنِّي أخافُ عليه اليهودَ أن يُصابَ بشيءٍ. فأُخبرَ النبي ﷺ حينَ أصبَح، فجاء حتى وقَف على قبرِه في قِطَارةٍ (٢) بالعَصَبةِ (٣)، فصفَّ

стр. 2283

وصفَّ الناسُ معه، ثم رفَع يدَيْه وقال: "اللَّهُمَّ القَ طلحةَ تضحَكُ إليه (١) ويضحَكُ إليكَ". ثم انصرَفَ (٢). وذكر أبو جعفرٍ العقيليُّ، قال (٣): أخبرنا هارونُ بنُ العباسِ الهاشميُّ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ محمدِ بنِ حيَّانَ، قال: حدَّثنا ابنُ مهديٍّ، عن عبدِ الله بنِ المنيبِ، عن جدِّه عبدِ الله بن أبي أُمامةَ الحارثيِّ، عن أبي أُمامةَ الحارثيِّ (٤)، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى على قبرٍ بعدما دُفنَ. قال: وأخبرنا عبدُ الله بنُ أحمد بنِ حنبل، قال: أخبرنا يحيَى بنُ معينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله (٥) بنُ المنيبِ المدنيُّ، عن جدِّه عبدِ الله بنِ أبي أُمامةَ، عن أبيه أبي أُمامةَ بنِ ثعلبةَ، قال: رجَع النبيُّ ﷺ من بدرٍ، وقد تُوفِّيَتْ -يعني أُمَّ أبي أُمامةَ- فصلَّى عليها (٦). وأمَّا العملُ من الصحابةِ بهذا، فقد تقدَّمَ عن عائشةَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وقرَظةَ بنِ كعبٍ، وأبي موسى (٧)، وغيرِهم.

стр. 2284

وذكر أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثرمُ الطَّائيُّ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن حربِ بنِ شدَّادِ، عن يحيَى بن أبي كثيرٍ، أنَّ أنسَ بنَ سيرينَ حدَّثَه، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ أتَى جنازةً وقد صُلِّيَ عليها، فصلَّى عليها (١). قال (٢): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي (٣)، عن الحكم قال: جاء سلمانُ بنُ ربيعةَ وقد صُلِّيَ على جنازةٍ فصلَّى عليها (٤). قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا الضَّحَّاكُ بنُ مخلَدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن شَبيبِ بنِ غَرْقدةَ، عن المُستَظِلِّ بنِ حُصَينٍ، أنَّ عليًّا صلَّى على جنازةٍ بعدما صُلِّيَ عليها (٥). وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ الحسنِ الأنصاريُّ، قال: أخبرنا الزُّبيرُ بنُ أبي بكرٍ القاضي، قال: حدَّثني يحيى بنُ محمدٍ، قال: تُوفِّي الزُّبيرُ بنُ هشام بنِ عُروةَ بالعقيقِ في حياةِ أبِيه، فصلَّى عليه بالعقيقِ ودعا له، وأرسَلَ إلى المدينةِ يُصلَّى عليه في موضع الجنائزِ، ويُدفنُ بالبقيع. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: أخبرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال أخبرنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ (٦)، قال: أخبرنا

стр. 2285

الوليدُ، قال: حدَّثنا المثنَّى بنُ سعيدٍ الضُّبَعيُّ، عن أبي جمرةَ الضُّبَعيِّ، قال: انطلَقْتُ أنا ومعمرُ بنُ سُميرٍ اليَشْكُريُّ، وكان من أصحابِ الدِّرهمينِ في خلافةِ عمرَ، فانطلَقْنا نطلُبُ جِنازةً نُصلِّي عليها، فاستقبَلَنا أصحابُنا وقد فرَغوا ورجَعوا. قال أبو جمرةَ: فذهبْتُ أرجِعُ، فقال: امضِ بنا، فمضَيْنا إلى القبرِ فصلَّيْنا عليه. قال: وأخبرنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: إذا فاتتْه الصلاةُ على الجنازةِ انطلَقَ إلى القبرِ فصلَّى عليه. قال وهيبٌ: ورأيتُ أيوبَ يفعَلُه، ومسلمٌ أيضًا. قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن نافع قال: تُوفِّي عاصمُ بنُ عمرَ وابنُ عمرَ غائبٌ، فقدِمَ بعدَ ذلك -قال أيوبُ: أحسَبُه قال: بثلاثٍ- فقال: أرُوني قبرَ أخي. فأرَوه، فصلَّى عليه (١). هكذا قال: عن أحمدَ، عن ابنِ عُليَّةَ، عن أيوبَ. وهو عندي وهمٌ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ معمرًا ذكرَ عن أيوبَ، عن نافع، أنَّ ابنَ عمرَ أتَى قبرَ أخيه ودعا له (٢). وهذا هو الصَّحيحُ المعروفُ من مذهبِ ابنِ عمرَ من غيرِ ما وجْهٍ عن نافع (٣). وقد يحتمِلُ أنْ تكونَ روايةُ ابنِ عُليَّةَ عن أيوبَ: فصلَّى عليه، بمعنَى: فدعا له؛ لأنَّ الصلاةَ دُعاءٌ، وهو أصلُها في اللُّغةِ، فإذا كان هذا، فليسَ بمخالفٍ لما روَى معمرٌ. وكذلك روَى عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع (٤)، قال: كان ابنُ عمرَ إذا انتهَى إلى جنازةٍ قد صُلِّي عليها، دعا وانصَرفَ، ولم يُعدِ الصلاةَ (٥).

стр. 2286

وقد يحتمِلُ ما ذكرنا عن عائشةَ من صلاتِها على قبرِ أخِيها عبدِ الرحمنِ أنّها دعَتْ له. فكنّى القومُ عن الدُّعاءِ بالصَّلاةِ؛ لأنَّهم كانوا عربًا، وهذا سائغٌ في اللُّغةِ، والشَّواهدُ عليه محفوظةٌ مشهورةٌ، فأغنَى ذلك عن ذكرِها هاهنا. وإذا احتملَ هذا، فغيرُ نكيرٍ أنْ يُقالَ فيما ذكرنا من الآثارِ المرفوعةِ وغيرها: إنّه أُريدَ بذكرِ الصلاةِ على القبرِ فيها الدُّعاءُ، إلّا أنْ يكونَ حديثًا مُفسَّرًا يُذكَرُ فيه أنّه صفَّ بهم وكبَّر ورفَعَ ﷺ يديه، ونحوُ هذا من وجُوهِ المعارضةِ. ولكنَّ الصَّحيحَ في النَّظرِ أنَّ ذكرَ الصلاةِ على الجنائزِ إذا أتى مُطلقًا، فالمرادُ به الصَّلاةُ المعهودةُ على الجنَائزِ، ومَن ادَّعَى غيرَ ذلك كانتِ البيِّنةُ عليه، وليسَ فيما ذكرنا من الآثارِ عن الصحابةِ والتَّابعينَ ما يرُدُّ قولَ مالكٍ أنَّ الصلاةَ على القبرِ جاءَ وليسَ عليه العملُ؛ لأنّها كلَّها آثارٌ بَصْريَّةٌ وكوفيَّةٌ، وليس منها شيءٌ مدنيٌّ؛ أعني عن الصحابةِ ومَن بعدَهم ﵃، ومالكٌ ﵀ إنّما حكى أنّه ليس (١) عليه العملُ عندهم بالمدينةِ في عصرِه وعصرِ شُيوخِه، وهو كما قال، ما وجَدْنا عن مدنيٍّ ما يرُدُّ حكايتَه هذه، واللهُ تعالى قد نزَّهَه عن التُّهمةِ والكذبِ، وحَباهُ بالأمانةِ والصِّدقِ (٢). قال أبو عمر: مَن صلَّى على قبرٍ، أو على جنازةٍ قد صُلِّيَ عليها، فمُباحٌ له ذلك؛ لأنّه قد (٣) فعَل خيرًا لم يحظُرْه اللهُ ولا رسولُه، ولا اتَّفقَ الجميعُ على المَنعْ منه، وقد (٤) قال اللهُ تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقد صلَّى رسولُ الله ﷺ على قبر، ولم يأْتِ عنه نَسْخُه، ولا اتَّفقَ الجميعُ على المَنع منه، فمَن فعَلَ فغيرُ حَرِج ولا مُعنَّفٍ، بل هو في حلٍّ وسَعةٍ وأجرٍ جزيلٍ إن شاء اللهُ،

стр. 2287

إلّا أنّه ما قدُمَ عهدُه فمكروهٌ الصلاةُ عليه؛ لأنّه لم يأْتِ عن النبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِه أنَّهم صلَّوا على القبرِ إلّا بحِدْثانِ ذلك، وأكثرُ ما رُويَ فيه شهرٌ، وقد أجمعَ العلماءُ أنّه لا يُصلَّى على ما قدُمَ من القبور، وما أجمعوا عليه فحُجَّةٌ، ونحن نتبعُ ولا نبتدِعُ، والحمدُ لله. وقد قال ابنُ حبيبٍ فيمَن نُسيَ أن يُصلَّى عليه حتّى دُفنَ، أو فيمَن دفَنه يهوديٌّ أو نصرانيٌّ دونَ أنْ يُغْسَلَ ويصلَّى عليه، ثم خُشيَ عليه التَّغيرُ: إنَّه يُصلَّى على قبره، فإن لم يُخفْ عليه التَّغيُّرُ، نُبشَ وغُسِلَ وصُلِّيَ عليه إذا كان بحِدثانِ ذلك (١). وقال عيسى بنُ دينارٍ (٢): من دُفنَ ولم يُصلَّ عليه من قتيلٍ، أو ميِّتٍ، فإني أرى أن يُصلَّى على قبرِه. قال: وقد بلغني ذلك عن عبدِ العزيز بنِ أبي سلمة. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يُصلَّى على جنازةٍ مرَّتين، إلّا أن يكون الذي صلَّى عليها غيرَ وليِّها، فيعيدُ وليُّها الصلاةَ عليها (٣) إن كانت لم تُدفنْ، وإنْ كانت قد دُفنَتْ أعادَها على القبرِ (٤). وقال يحيَى بنُ معينٍ: قلت ليحيَى بنِ سعيدٍ: ترى الصلاةَ على القبرِ؟ قال: لا، ولا أرى على من صلَّى عليه شيئًا، وليسَ الناسُ على هذا اليوم، وأنا أكرَهُ أن أفعلَ شيئًا أُخالفُ الناسَ فيه.

стр. 2288

ابنُ شهابٍ، عن مالك بن أوْسٍ (١) حديثٌ واحدٌ متَّصلٌ وهو مالكُ بن أوسِ بن الحَدَثانِ النَّصريُّ، من بني نَصر بن معاويةَ، أدركَ أبا بكرٍ وعمرَ، ولأبيهِ أوسُ بنُ الحَدَثانِ صُحبةٌ وروايةٌ، ولمالكِ بنِ أوْسٍ أيضًا رؤيةُ رسولِ الله ﷺ ، وهو ثقة حُجّةٌ فيما نَقَل، وبالله التوفيق. مالكٌ (٢)، عن ابن شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بن الحَدَثانِ النَّصْريِّ، أنّه أخبَره أنّه التَمَسَ صرْفًا بمئةِ دينارٍ، قال: فدعاني طلحةُ بنُ عُبيد، فتراوضْنا حتّى اصطرف منّي، وأخذَ الذَّهَبَ يُقلِّبُها في يَدِه حتى يأتيَني خازني من الغابةِ (٣) وعمرُ بنُ الخطَّابِ يسمعُ، فقال عمرُ: لا والله لا تُفارقُه حتى تأخذَ منه. ثم قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالورِقِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ". لم يُختلَفْ عن مالكٍ في هذا الحديثِ (٤). حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى، ورَوْحُ بنُ عبادةَ، وعبدُ الله بنُ نافع، قالوا: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ،

стр. 2289

عن مالكِ بنِ أوسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالورِقِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ" الحديثَ. هكذا قال مالكٌ، ومعمرٌ (١)، واللَّيثُ (٢)، وابنُ عيينةَ (٣) في هذا الحديثِ عن الزُّهريِّ: "الذَّهبُ بالورِقِ". ولم يقولوا: "الذَّهبُ بالذَّهب، والورِقُ بالورِقِ". وهؤلاء هم الحُجَّةُ الثابتةُ في ابنِ شهابٍ على كُلِّ مَن خالفهم. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٤)، قال: قال لنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ: أشهدُ على ابنِ عيينةَ أنّه قال لنا: "الذَّهبُ بالورِقِ"، ولم يقل: "الذَّهبُ بالذَّهبِ"؛ يعني: في حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، عن مالكِ بنِ أوسٍ، عن عمرَ (٥). ورواه محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحَدَثانِ، عن عمرَ مثلَه، إلّا أنّه قال فيه: "الذَّهبُ بالذَّهبِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والفضَّةُ بالفضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والبرُّ بالبرِّ مثلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، لا فضْلَ بينَهما". هكذا روَاه يزيدُ بنُ هارونَ وغيرُه عن ابنِ إسحاقَ (٦).

стр. 2290

وروايةُ أبي نُعيم لهذا الحديثِ عن ابنِ عيينةَ في الذَّهبِ بالذَّهبِ مثلُ روايةِ ابنِ إسحاقَ، ولم يقُلْه أحدٌ عن ابنِ عيينةَ غيرُ أبي نُعيم، واللهُ أعلم. وقد روَى هذا الحديثَ بنحوِ ذلك همَّامُ بنُ يحيى، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن الأوزاعيِّ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن الزُّهريِّ (١)، عن مالكِ بنِ أوسٍ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهبِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والفضَّةُ بالفضَّةِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، مَن زاد أو ازداد فقد أربى" (٢). وعلى ذا كان الناسُ؛ يروي النَّظيرُ عن النَّظيرِ، والكبيرُ عن الصَّغيرِ، رغبةً في الازدياد مِن العلم (٣). وَحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٥): حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا

стр. 2291

شعبةُ، قال: أخبرني حَبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: سمِعتُ أبا المنهالِ قال: سألتُ البراءَ بنَ عازبٍ وزيدَ بنَ أرقمَ عن الصَّرفِ، فكلاهما يقولُ: نهَى رسولُ الله ﷺ عن بيع الذَّهبِ بالورِقِ دينًا. وفي هذا الحديث: أنَّ الرَّجلَ الكبيرَ الشَّريفَ العالمَ قد يلي البيعَ والشِّراءَ بنفسِه وإن كان له وكلاءُ وأعوانٌ يكْفونه. وفيه: المُماكَسةُ في البيع والمراوضةُ. وفيه: تقليبُ السِّلعةِ، وأن يتناولها المشتري بيدِه ليقلِّبَها وينظرَ فيها، وهذا كلُّه دليلٌ على الاجتهادِ في ألّا يُغْبنَ الإنسانُ. وفيه: أنّ المهاجرينَ كانوا قد اكتسَبوا الأرضَ بالمدينةِ وبَواديها. وفيه: أنّ علمَ البيوع مِن علم الخواصِّ لا مِن علم العوامِّ؛ لجهلِ طلحةَ به وموضعُه مِن الجلالةِ موضعُه. وفيه: أنَّ الخليفةَ والسُّلطانَ -مَن كان- واجبٌ عليه إذا سمِع أو رأى شيئًا لا يجوزُ في الدِّين أن ينهى عنه ويرشدَ إلى الحقِّ فيه. وفيه: ما كان عليه أميرُ المؤمنين عمرُ ﵁ مِن تفقُّدِ أحوالِ رعيَّتِه في دينِهم، والاهتمام بهم. وفيه: أنّه كان مِن خُلقِهم وسِيَرهم أنَّهم كانوا إذا عزَموا على أمرٍ حلَفوا عليه وأكَّدوه باليمينِ بالله . وفيه: أنَّ الحجَّةَ على مَن خالَفك في حكم مِن الأحكام أو أمرٍ مِن الأمورِ حديثُ رسولِ الله ﷺ ، فيما لا نصَّ فيه مِن كتابِ الله . وفيه: أنَّ الحجَّةَ بخبرِ الواحدِ لازمةٌ.

стр. 2292

وفيه: أنَّ النَّساءَ لا يجوزُ في بيع الذَّهبِ بالورِقِ، وإذا كان الذَّهبُ والورِقُ -وهما جنسان مختلفان- يجوزُ فيهما التَّفاضلُ بإجماع ولا يجوزُ فيهما النَّساءُ، فأحرَى ألّا يجوزَ ذلك في الذَّهبِ بالذَّهبِ الذي هو جنسٌ واحد، ولا في الورِقِ بالورِقِ؛ لأنّه جنسٌ واحدٌ، وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه، لا خلافَ فيه، والحمدُ لله. وقد قال رسولُ الله ﷺ : "الدِّينارُ بالدِّينارِ، والدِّرهمُ بالدِّرهم، والفضَّةُ بالفضَّةِ؛ تِبْرُها وعَينُها، والذَّهبُ بالذَّهبِ، تِبْرُها وعَينُها، مِثْلًا بمِثْلٍ، وزنًا بوزنٍ، يدًا بيدٍ، مَن زاد أو ازداد، فقد أربى" (١). وقد جاءَ في هذا البابِ (٢) شيءٌ مردودٌ بالسُّنَّةِ عن ابنِ عباسٍ، ومعاويةَ، وقد مضَى ردُّه وبيانُ فسادِه في بابِ حُميدِ بنِ قيسٍ (٣)، وبابِ زيدِ بنِ أسلمَ (٤)، من هذا الكتاب، والحمدُ لله. فاستقرَّ الأمرُ عندَ العلماءِ على أنَّ الرِّبا في الازديادِ في الذَّهبِ بالذَّهبِ وفي الورِقِ بالورِقِ، كما هو في النَّسيئةِ سواءً، في بيع أحدِهما بالآخرِ، وفي بيع بعضِ كلِّ واحدٍ منهما ببعضٍ؛ وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه، لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه، مع تواترِ الآثارِ عن النبيِّ ﷺ بذلك. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضاح (٥)، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ،
следующие страницы →