← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2288–2327 · переход к 2293.

стр. 2288

ابنُ شهابٍ، عن مالك بن أوْسٍ (١) حديثٌ واحدٌ متَّصلٌ وهو مالكُ بن أوسِ بن الحَدَثانِ النَّصريُّ، من بني نَصر بن معاويةَ، أدركَ أبا بكرٍ وعمرَ، ولأبيهِ أوسُ بنُ الحَدَثانِ صُحبةٌ وروايةٌ، ولمالكِ بنِ أوْسٍ أيضًا رؤيةُ رسولِ الله ﷺ ، وهو ثقة حُجّةٌ فيما نَقَل، وبالله التوفيق. مالكٌ (٢)، عن ابن شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بن الحَدَثانِ النَّصْريِّ، أنّه أخبَره أنّه التَمَسَ صرْفًا بمئةِ دينارٍ، قال: فدعاني طلحةُ بنُ عُبيد، فتراوضْنا حتّى اصطرف منّي، وأخذَ الذَّهَبَ يُقلِّبُها في يَدِه حتى يأتيَني خازني من الغابةِ (٣) وعمرُ بنُ الخطَّابِ يسمعُ، فقال عمرُ: لا والله لا تُفارقُه حتى تأخذَ منه. ثم قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالورِقِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ". لم يُختلَفْ عن مالكٍ في هذا الحديثِ (٤). حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى، ورَوْحُ بنُ عبادةَ، وعبدُ الله بنُ نافع، قالوا: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ،

стр. 2289

عن مالكِ بنِ أوسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالورِقِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ" الحديثَ. هكذا قال مالكٌ، ومعمرٌ (١)، واللَّيثُ (٢)، وابنُ عيينةَ (٣) في هذا الحديثِ عن الزُّهريِّ: "الذَّهبُ بالورِقِ". ولم يقولوا: "الذَّهبُ بالذَّهب، والورِقُ بالورِقِ". وهؤلاء هم الحُجَّةُ الثابتةُ في ابنِ شهابٍ على كُلِّ مَن خالفهم. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٤)، قال: قال لنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ: أشهدُ على ابنِ عيينةَ أنّه قال لنا: "الذَّهبُ بالورِقِ"، ولم يقل: "الذَّهبُ بالذَّهبِ"؛ يعني: في حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، عن مالكِ بنِ أوسٍ، عن عمرَ (٥). ورواه محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحَدَثانِ، عن عمرَ مثلَه، إلّا أنّه قال فيه: "الذَّهبُ بالذَّهبِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والفضَّةُ بالفضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والبرُّ بالبرِّ مثلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ هاءَ وهاءَ، لا فضْلَ بينَهما". هكذا روَاه يزيدُ بنُ هارونَ وغيرُه عن ابنِ إسحاقَ (٦).

стр. 2290

وروايةُ أبي نُعيم لهذا الحديثِ عن ابنِ عيينةَ في الذَّهبِ بالذَّهبِ مثلُ روايةِ ابنِ إسحاقَ، ولم يقُلْه أحدٌ عن ابنِ عيينةَ غيرُ أبي نُعيم، واللهُ أعلم. وقد روَى هذا الحديثَ بنحوِ ذلك همَّامُ بنُ يحيى، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن الأوزاعيِّ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن الزُّهريِّ (١)، عن مالكِ بنِ أوسٍ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهبِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، والفضَّةُ بالفضَّةِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ، مَن زاد أو ازداد فقد أربى" (٢). وعلى ذا كان الناسُ؛ يروي النَّظيرُ عن النَّظيرِ، والكبيرُ عن الصَّغيرِ، رغبةً في الازدياد مِن العلم (٣). وَحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٥): حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا

стр. 2291

شعبةُ، قال: أخبرني حَبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: سمِعتُ أبا المنهالِ قال: سألتُ البراءَ بنَ عازبٍ وزيدَ بنَ أرقمَ عن الصَّرفِ، فكلاهما يقولُ: نهَى رسولُ الله ﷺ عن بيع الذَّهبِ بالورِقِ دينًا. وفي هذا الحديث: أنَّ الرَّجلَ الكبيرَ الشَّريفَ العالمَ قد يلي البيعَ والشِّراءَ بنفسِه وإن كان له وكلاءُ وأعوانٌ يكْفونه. وفيه: المُماكَسةُ في البيع والمراوضةُ. وفيه: تقليبُ السِّلعةِ، وأن يتناولها المشتري بيدِه ليقلِّبَها وينظرَ فيها، وهذا كلُّه دليلٌ على الاجتهادِ في ألّا يُغْبنَ الإنسانُ. وفيه: أنّ المهاجرينَ كانوا قد اكتسَبوا الأرضَ بالمدينةِ وبَواديها. وفيه: أنّ علمَ البيوع مِن علم الخواصِّ لا مِن علم العوامِّ؛ لجهلِ طلحةَ به وموضعُه مِن الجلالةِ موضعُه. وفيه: أنَّ الخليفةَ والسُّلطانَ -مَن كان- واجبٌ عليه إذا سمِع أو رأى شيئًا لا يجوزُ في الدِّين أن ينهى عنه ويرشدَ إلى الحقِّ فيه. وفيه: ما كان عليه أميرُ المؤمنين عمرُ ﵁ مِن تفقُّدِ أحوالِ رعيَّتِه في دينِهم، والاهتمام بهم. وفيه: أنّه كان مِن خُلقِهم وسِيَرهم أنَّهم كانوا إذا عزَموا على أمرٍ حلَفوا عليه وأكَّدوه باليمينِ بالله . وفيه: أنَّ الحجَّةَ على مَن خالَفك في حكم مِن الأحكام أو أمرٍ مِن الأمورِ حديثُ رسولِ الله ﷺ ، فيما لا نصَّ فيه مِن كتابِ الله . وفيه: أنَّ الحجَّةَ بخبرِ الواحدِ لازمةٌ.

стр. 2292

وفيه: أنَّ النَّساءَ لا يجوزُ في بيع الذَّهبِ بالورِقِ، وإذا كان الذَّهبُ والورِقُ -وهما جنسان مختلفان- يجوزُ فيهما التَّفاضلُ بإجماع ولا يجوزُ فيهما النَّساءُ، فأحرَى ألّا يجوزَ ذلك في الذَّهبِ بالذَّهبِ الذي هو جنسٌ واحد، ولا في الورِقِ بالورِقِ؛ لأنّه جنسٌ واحدٌ، وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه، لا خلافَ فيه، والحمدُ لله. وقد قال رسولُ الله ﷺ : "الدِّينارُ بالدِّينارِ، والدِّرهمُ بالدِّرهم، والفضَّةُ بالفضَّةِ؛ تِبْرُها وعَينُها، والذَّهبُ بالذَّهبِ، تِبْرُها وعَينُها، مِثْلًا بمِثْلٍ، وزنًا بوزنٍ، يدًا بيدٍ، مَن زاد أو ازداد، فقد أربى" (١). وقد جاءَ في هذا البابِ (٢) شيءٌ مردودٌ بالسُّنَّةِ عن ابنِ عباسٍ، ومعاويةَ، وقد مضَى ردُّه وبيانُ فسادِه في بابِ حُميدِ بنِ قيسٍ (٣)، وبابِ زيدِ بنِ أسلمَ (٤)، من هذا الكتاب، والحمدُ لله. فاستقرَّ الأمرُ عندَ العلماءِ على أنَّ الرِّبا في الازديادِ في الذَّهبِ بالذَّهبِ وفي الورِقِ بالورِقِ، كما هو في النَّسيئةِ سواءً، في بيع أحدِهما بالآخرِ، وفي بيع بعضِ كلِّ واحدٍ منهما ببعضٍ؛ وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه، لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه، مع تواترِ الآثارِ عن النبيِّ ﷺ بذلك. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضاح (٥)، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ،

стр. 2293

قال: حدَّثنا سفيانُ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفضَّةُ بالفضَّةِ، والبرُّ بالبرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلح، مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلَفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيفَ شئتم إذا كان يدًا بيدٍ" (١). وكذلك رواه عبدُ الرَّزَّاقِ (٢) وعبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاح، عن الثَّوريِّ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ، عن عبادةَ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الذَّهبُ بالذَّهبِ وزنًا بوزنٍ، والفضَّةُ بالفضَّةِ (٣) وزنًا بوزنٍ، والبرُّ بالبرِّ مثلًا بمثلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مثلًا بمثلٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ مثلًا بمثلٍ، والمِلحُ بالمِلح مثلًا بمثلٍ، وبيعوا الذَّهبَ بالفضَّةِ يدًا بيدٍ كيفَ شئتم، والبرَّ بالشَّعيرِ يدًا بيدٍ كيفَ شئتم، والتَّمرَ بالمِلح يدًا بيدٍ كيفَ شئتم". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُدعانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن مسلم بنِ يسارٍ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهبِ مثلًا بمثل، والورِقُ بالورِقِ مثلًا بمثل، والتَّمرُ بالتَّمرِ مثلًا بمثلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مثلًا بمثل -حتى خصَّ المِلحَ بالمِلح- مثلًا بمثلٍ، فمَن زاد أو ازداد فقد أربى". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محهمدُ بنُ أبي العوَّام،

стр. 2294

قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا هشامُ بنُ حسَّانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن رجلين أحدُهما مسلمُ بنُ يسارٍ، عن عبادةَ بنِ الصَّامتِ؛ فذكر مثلَه (١). قال أبو عمر: فقولُ رسولِ الله ﷺ : "هاءَ وهاءَ"، وقولُه: "يدًا بيدٍ" سواء. واختلَف العلماءُ في حدِّ قبضِ الصَّرفِ وحقيقتِه؛ فقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ: لا يصِحُّ الصَّرفُ إلّا يدًا بيدٍ، فإن لم ينقُدْه ومكَث معه مِن غُدْوةٍ إلى ضَحوةٍ قاعدًا، وقد تصارَفا غُدوةً، فتقابَضا ضَحوةً، لم يصِحَّ هذا، ولا يكونُ الصَّرفُ إلّا عندَ الإيجاب بالكلام، ولو انتقَلا مِن ذلك المكانِ إلى موضع غيرِه لم يصِحَّ تقابضُهما (٢). هذا كلُّه قولُ مالكٍ، وجملةُ مذهبِه في ذلك أنّه لا يجوزُ عندَه تراخي القبضِ في الصَّرفِ، سواءٌ كانا في المجلسِ أو تفرَّقا، ومَحَلُّ قولِ عمرَ عندَه -واللهُ أعلمُ-: والله لا تفارقُه حتى تأخذَ منه، أنَّ ذلك على الفورِ لا على التَّراخي، وهو المعقولُ مِن لفظِ رسولِ الله ﷺ : "هاءَ وهاءَ" عندَه، واللهُ أعلم. وقال أبو حنيفةَ والشَّافعيُّ: يجوزُ التَّقابضُ في الصَّرفِ ما لم يفترقا، وإن طالت المدَّةُ وانتقَلا إلى موضع آخرَ (٣). واحتجُّوا بقولِ عمرَ: والله لا تفارقُه حتى تأخذَ. وجعَلوه تفسيرًا لما رواه عن النبيِّ ﷺ مِن قوله: "الذَّهبُ بالورِقِ ربًا إلّا هاءَ وهاءَ". واحتجُّوا بقولِه أيضًا: وإن استنظَرك إلى أن يلِجَ بيتَه فلا تُنظِرْه (٤). قالوا: فعُلِم مِن قوله هذا أنَّ المُراعَى الافتراقُ.

стр. 2295

واختلَف الفقهاءُ أيضًا مِن معنى هذا الحديثِ في الدَّينَينِ يُصارَفُ عليهما؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما: إذا كان له عليه دراهمُ، وله على الآخرِ دنانيرُ، جاز أن يشتريَ أحدُهما ما عليه بما على الآخرِ؛ لأنَّ الذِّمَّةَ تقومُ مَقامَ العَينِ الحاضرةِ، وليس يُحتاجُ ها هنا إلى قبضٍ، فجازَ التَّطارحُ (١). وقال الشَّافعيُّ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ: لا يجوزُ؛ لأنّه دينٌ بدينٍ (٢). واستدلُّوا بقولِ عمرَ: لا تَبيعوا منها غائبًا بناجزٍ (٣). قالوا: فالغائبُ بالغائبِ أحرَى ألّا يجوزَ. ومِن حجَّةِ مالكٍ عليهما أنَّ الدَّينَ في الذِّمَّةِ كالمقبوضِ. واختلفوا -مِن معنى هذا الحديثِ أيضًا- في أخذِ الدَّراهم عن الدَّنانيرِ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه فيمَن له على رجلٍ دراهمُ حالَّةٌ؛ فإنَّه يأخُذُ دنانيرَ بها (٤)، وإن كانت مؤجَّلةً لم يَجُزْ أن يبيعَها بدنانيرَ، وليأخُذْ في ذلك عرْضًا إن شاءَ (٥). وإنَّما جازَ هذا في الحالِّ، ومنَعها في المؤجَّلِ (٦) فرارًا مِن الدَّينِ بالدَّينِ. وقال الشَّافعيُّ: إذا حلَّ دَينُه أخَذ به ما شاءَ منه مِن جنسِه، ومن غيرِ جنسِه، مِن بيع كان أو قرضٍ، وإن لم يحِلَّ ديْنُه لم يَجُزْ؛ لأنّه دينٌ بدينٍ. وقال أبو حنيفةَ فيمَن أقرَض رجلًا دراهمَ: له أن يأخُذَ بها دنانيرَ إن تراضَيا، وقبَض الدَّنانيرَ في

стр. 2296

المجلس. وقال البَتِّيُّ (١): يأخذُها بسعرِ يومِه. وقال الأوزاعيُّ: بقيمتِه يومَ يأخُذُه. وهو قولُ الحسنِ البصريِّ. وقال ابنُ شُبرُمةَ: لا يجوزُ أن يأخذَ عن دنانيرَ دراهمَ، ولا عن دراهمَ دنانيرَ، وإنَّما يأخُذُ ما أقرَض (٢). وروي عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ (٣) مثلُه، وروي عن ابن عمرَ أنَّه لا بأسَ به. وأجاز ابنُ شبرمةَ لِمَن باع طعامًا بدينٍ، فجاء الأجلُ، أن يأخذَ بدراهمِه طعامًا (٤). واختلَف قولُ الثَّوريِّ في ذلك. والأصلُ في هذا البابِ حديثُ ابنِ عمرَ، وهو ثابتٌ صحيحٌ حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم الحافظُ ﵀، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبيدِ بنِ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا أبو معنٍ ثابتُ بنُ نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عمرَ قال: كنتُ أبيعُ الإبلَ بالبقيع، فآخذُ مكانَ الدَّنانيرِ دراهمَ، ومكانَ الدَّراهم دنانيرَ، فسألتُ رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فقال: "لا بأسَ به إذا افترَقتما وليس بينكما شيءٌ" (٥).

стр. 2297

واختلَف الفقهاءُ في اعتبارِ المذكوراتِ (١) في هذا الحديثِ، وفي المعنى المقصودِ إليه بذكرِها؛ فقال العراقيُّون: الذَّهبُ والورقُ المذكوران في هذا الحديثِ موزونان، وهما أصلٌ لكلِّ موزونٍ، فكلُّ موزونٍ مِن جنسٍ واحدٍ لا يجوزُ فيه التَّفاضلُ ولا النَّساءُ بوجهٍ من الوجوهِ، قياسًا على ما أجمَعت الأمَّةُ (٢) عليه مِن أنَّ الذَّهبَ والورقَ لا يجوزُ التَّفاضلُ في الجنسِ الواحدِ منهما، ولا النَّساءُ بعضُه ببعضٍ. فإذا كان الموزونُ جنسين مختلفين فجائزٌ التَّفاضلُ بينهما، ولا يجوزُ النَّساءُ بوجهٍ من الوجوهِ؛ قياسًا على الذَّهبِ بالورقِ المجتمَع على إجازةِ التَّفاضلِ فيهما وتحريم النَّساء؛ لأنَّهما جنسان مختلفان. قالوا: والعلَّةُ في البُرِّ والشَّعيرِ والتَّمرِ الكيلُ، فكلُّ مكيلٍ مِن جنسٍ واحدٍ فغيرُ جائزٍ فيه التَّفاضلُ ولا النَّساءُ؛ قياسًا على ما أجمَعت الأمَّةُ عليه في أنَّ البُرَّ بالبُرِّ بعضَه ببعضٍ، والشَّعيرَ والتَّمرَ لا يجوزُ في واحدٍ منهما بعضِه ببعضٍ التَّفاضلُ ولا النَّساءُ بحالٍ. فإذا اختلَف الجنسانِ جازَ فيهما التَّفاضلُ، ولم يَجُزِ النَّساءُ على حالٍ، وسواءٌ كان المكيلُ أو الموزونُ مأكولًا أو غيرَ مأكولٍ، كما لا يجوزُ ذلك في الذَّهبِ والورقِ (٣). وقال الشَّافعيُّ: أمَّا الذَّهبُ والورقُ فلا يُقاسُ عليهما غيرُهما؛ لأنَّ العلَّةَ التي فيهما ليست موجودةً في شيءٍ مِن الموزوناتِ غيرِهما، فكيفَ تُرَدُّ قياسًا عليهما؟

стр. 2298

وذلك أنَّ العلَّةَ في الذَّهبِ والورقَ أنَّهما أثمانُ المبيعاتِ، وقِيَمُ المتلفاتِ، وليس كذلك شيءٌ مِن الموزوناتِ؛ لأنّه جائزٌ أن تُسْلِمَ ما شئت مِن الذَّهبِ والورقِ فيما عداهما مِن سائرِ الموزوناتِ، ولا يُسْلَمُ بعضُها في بعضٍ، فبطَل قياسُها عليهما، وردُّها إليهما (١). قال: وأمَّا البُرُّ والتَّمرُ والشَّعيرُ، فالعلَّةُ عندي فيهما الأكلُ لا الكيلُ؛ فكلّ مأكولٍ أخضرَ كان أو يابسًا، ممَّا يُدَّخرُ كان أو ممَّا لا يُدَّخرُ، فغيرُ جائزٍ بيعُ الجنسِ منه بعضِه ببعضٍ، متفاضلًا ولا نساءً، وحرامٌ فيه التَّفاضلُ والنَّساءُ جميعًا؛ قياسًا على البُرِّ بعضِه ببعضٍ، وعلى الشَّعيرِ بعضِه ببعضٍ (٢)، وعلى التَّمرِ بعضِه ببعضٍ، لا يجوزُ ذلك في واحدٍ منهما بالإجماع والسُّنَّةِ الثَّابتةِ. قال: وأمَّا إذا اختلَف الجنسانِ مِن المأكولِ فجائزٌ حينئذٍ فيهما التَّفاضلُ، وحرامٌ فيهما النَّساءُ. وحجَّتُه في ذلك نهيُ رسولِ الله ﷺ عن الطَّعام بالطَّعام، إلّا يدًا بيدٍ. وأمّا أصحابُنا مِن عصرِ إسماعيلَ بنِ إسحاقَ إلى هَلُمَّ جَرًّا، ومَن قبلَهم مِن أصحابِ مالكٍ، وأصحابِ أصحابِه، فالذي حصَل عندي مِن تعليلِهم لهذه المذكوراتِ -بعدَ اختلافِهم في شيءٍ مِن العباراتِ عن ذلك- أنَّ الذَّهبَ والورقَ القولُ فيهما عندَهم (٣) كالقولِ عندَ الشَّافعيِّ؛ لا يُردُّ إليهما شيءٌ مِن الموزوناتِ؛ لأنَّهما قيَمُ المتلَفاتِ وأثمانُ المبيعاتِ، ولاشيءَ غيرَهما كذلك، فارتفعَ القياسُ عنهما، لارتفاع العلَّةِ؛ إذ القياسُ لا يكونُ عندَ جماعةِ القياسيِّين إلّا على العللِ، لا على الأسماءِ. وعلَّلوا البُرَّ والتَّمرَ والشَّعيرَ بأنَّها مأكولاتٌ مُدَّخَراتٌ أقواتٌ، فكلُّ ما كان قُوتًا مُدَّخرًا، حرُم التَّفاضلُ والنَّساءُ في الجنسِ

стр. 2299

الواحدِ منه، وحرُم النَّساءُ في الجنسين المختلفين دونَ التَّفاضلِ، وما لم يكن مُدَّخرًا قُوتًا مِن المأكولاتِ لم يحرُمْ فيه التَّفاضلُ، وحرُمَ فيه النَّساءُ، سواءٌ كان جنسًا أو جنسين. قال أبو عمر: وهذا مجتمَعٌ عليه عندَ العلماءِ؛ أنَّ الطَّعامَ بالطَّعام لا يجوزُ إلّا يدًا بيدٍ، مُدَّخرًا كان أو غيرَ مُدَّخرٍ، إلّا إبراهيمَ ابنَ عُليَّة، فإنَّه شذَّ فأجاز التَّفاضلَ والنَّساءَ في الجنسين إذا اختلَفا مِن المكيلِ ومِن الموزونِ؛ قياسًا على إجماعِهم في إجازةِ بيع الذَّهبِ أو الفضَّةِ بالرَّصاصِ، والنُّحاسِ، والحديدِ، والزَّعفرانِ، والمسكِ، وسائرِ الموزوناتِ نساءً. وأجازَ على هذا القياسِ -نصًّا في كُتُبِه- بيعَ البُرِّ بالشَّعيرِ، والشَّعيرِ بالتَّمرِ، والتَّمرِ بالأرُزّ، وسائرِ ما اختلَف اسمُه ونوعُه، بما يخالفُه مِن المكيلِ والموزونِ متفاضلًا، نقدًا ونَسيئةً، سواءٌ كان مأكولًا أو غيرَ مأكولٍ، ولم يجعلِ الكيلَ والوزنَ علَّةً، ولا الأكلَ والاقتياتَ، وقاسَ ما اختلفوا فيه على ما أجمعوا عليه ممَّا ذكرناه. وذكر عن أبيه، عن ابنِ جريج، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ وأيوبَ بنِ موسى، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنّه باع صاعَيْ تمرٍ بالغابةِ بصاع حنطةٍ بالمدينةِ. وإبراهيمُ ابنُ عليَّة هذا له شذوذٌ كثيرٌ، ومذاهبُ عندَ أهلِ السُّنَّةِ مهجورةٌ، وليس قولُه عندَهم ممَّا يُعدُّ خلافًا، ولا يُعرَّجُ عليه؛ لثبوتِ السُّنَّةِ بخلافِه مِن حديثِ عبادةَ وغيرِه، على ما قدَّمنا في هذا البابِ ذكرَه مِن قوله ﷺ : "فإذا اختلَفت الأصنافُ فبيعوا كيفَ شئتم يدًا بيدٍ، وبيعوا البُرَّ بالشَّعيرِ كيفَ شئتم يدًا بيدٍ، وبيعوا التَّمرَ بالمِلح كيفَ شئتم يدًا بيدٍ". وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن مسلم المكِّيِّ، عن أبي الأشعثِ

стр. 2300

الصَّنعانيِّ، عن عبادةَ بنِ الصَّامتِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الذَّهبُ بالذَّهبِ؛ تِبْرُها وعينُها، والفضَّةُ بالفضَّةِ؛ تِبْرُها وعَينُها، مثلًا بمثلٍ وزنًا بوزنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ مُدْيٌ بمُدْيٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مُدْيٌ بمُدْي، والتَّمرُ بالتَّمرِ مُدْي بمُدْيٍ، والمِلحُ بالمِلح مُدْيٌ بمُدْيٍ، فمَن زاد أو ازداد فقد أربَى، ولا بأسَ ببيع الذَّهبِ بالفضَّةِ والفضَّةُ أكثرُهما يدًا بيدٍ، وأمَّا نسيئةً فلا، ولا بأسَ ببيع البُرِّ بالشَّعيرِ والشَّعيرُ أكثرُهما يدًا بيدٍ، وأمَّا نسيئةً فلا" (١). فهذه الأحاديثُ كلها ترُدُّ قولَ ابنِ عُليَّةَ في إجازتِه بيعَ الطَّعام بعضِه ببعضٍ نسيئةً. وكان مالكٌ، ﵀، يجعَلُ البُرَّ، والشَّعيرَ، والسُّلْتَ، صِنفًا واحدًا؛ فلا يجوزُ شيءٌ مِن هذه الثَّلاثةِ بعضِها ببعضٍ عندَه إلّا مثلًا بمثل، يدًا بيدٍ، كالجنسِ الواحدِ. وحجَّتُه في ذلك حديثُ زيدٍ أبي عيَّاشٍ، عن سعدٍ، في البيضاء بالسُّلتِ: أيُّهما أكثُر؟ فنهاه (٢). وحديثٌ عن سعدٍ أنّه فَنيَ علفُ حمارِه، فأمرَ غلامَه أن يأخذَ مِن حنطةِ أهلِه فيبتاعَ بها شعيرًا، ولا يأخذَ إلّا مثلًا بمِثْلٍ (٣). ذكر ذلك كلَّه في "مُوَطَّئِه"، وذكَرَ عن مُعَيْقيبٍ الدَّوسيِّ (٤)، وعبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ بنِ عبدِ يغوثَ (٥)، وسليمانَ بنِ يسارٍ (٦)، مثلَ ذلك.

стр. 2301

وخالفَه جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ، فجعلوا البُرَّ صنفًا، والشَّعيرَ صنفًا، وأجازوا فيهما التَّفاضلَ يدًا بيدٍ؛ للأحاديثِ المذكورةِ في هذا البابِ عن عبادةَ، وممَّن قال بذلك: أبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ (١). وكان داودُ بنُ عليٍّ لا يجعلُ للمُسمَّياتِ علّةً، ولا يتعدَّى المذكوراتِ إلى غيرِها، فقولُه: إنَّ الرِّبا والتَّحريمَ غيرُ جائزٍ في شيءٍ مِن المبيعاتِ؛ لقولِ الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، إلّا في السِّتَّةِ أشياءَ المنصوصاتِ؛ وهي: الذَّهبُ، والورقُ، والبُرُّ، والشَّعيرُ، والتَّمرُ، المذكوراتُ في حديثِ عمرَ هذا، والمِلعُ المذكورُ معها في حديثِ عبادةَ بنِ الصَّامتِ، وهي زيادةٌ يجبُ قَبُولُها. قال: فهذه السِّتَّةُ الأشياءِ لا يجوزُ بيعُ الجنسِ الواحدِ منها بعضِه ببَعْضٍ مُتفاضلًا، ولا نساءً؛ الثابتِ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك، وهو حديثُ عمرَ هذا، وحديثُ عبادةَ، ولإجماع الأمَّةِ أيضًا على ذلك، إلّا مَن شذَّ ممَّن لا يُعدُّ خلافًا، ولا يجوزُ النساءُ في الجنسين المختلفين منها؛ لحديثِ عمرَ في الذَّهبِ، ولحديثِ عبادةَ، ولأنَّ الأمَّةَ لا خلافَ بينَها في ذلك، ويجوزُ فيهما التَّفاضلُ، وما عدا هذه الأصْنافَ السِّتَّة فجائزٌ فيها الزِّيادةُ -عندَه- والنَّسيئةُ، وكيف شاءَ المُتبايعان، في الجنسِ وفي الجنسين. فهذا اختلافُ العلماءِ في أصلِ الرِّبا الجاري في المأكولِ والمشروبِ، والمكيلِ والموزونِ، مخُتصرًا، وبالله التوفيق.

стр. 2302

ابنُ شهاب، عن سعيد بنِ المسيِّب القرشيِّ (١) المخزوميِّ (٢) سبعةَ عشرَ حديثًا منها سبعةٌ متَّصلةٌ وستةٌ مرسلةٌ، ومنها ما شَرَكه فيها أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن أربعةُ أحاديثَ، حديثانِ متَّصلانِ مسنَدانِ، وحديثانِ مرسلان. وهو سعيدُ بنُ المسيِّب بنِ حَزْنِ بنِ أبي وَهْبٍ بنِ عمرِو بن عائذِ بنِ عمرانَ بنِ مخزوم، يُكْنى أبا محمّدٍ. وُلد لسنتَينِ مَضَتا من خلافة عمرَ بنِ الخطابِ، وذلك سنةَ أربعَ عشْرةَ (٣)، هذا أشهرُ شيءٍ في مولده وأصحُّه، وقد قيل: وُلد لسنتينِ بقِيَتا من خلافة عمرَ، وعلى الأوّل أهلُ الأثرِ. وأما الحسنُ البَصْريُّ فوُلد لسنتينِ بقيتا من خلافة عمرَ. وذكر ابنُ البَرْقي، عن ابن عبد الحكم، عن ابن وَهْب، عن مالكٍ: أن سعيدَ بنَ المسيِّب وُلد لثلاثِ سنينَ بقيتْ من خلافة عمرَ. قال: وحدَّثنا ابن عبد الحكم، قالى: سمعت مالكًا يقول: كان يُقال لسعيد بنِ المسيِّب: راويةُ (٤) عمرَ. قال: وتوفِّي سعيدُ بنُ المسيِّب سنةَ أربع وتسعين. هكذا قال ابنُ البرْقي وخالفَه غيره، وسنذكر ذلك في آخر باب أخبارِه هاهنا إن شاء الله. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ إبراهيمَ دُحيم، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى أبو مُسهرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبد العزيز، قال: لما ماتَ ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ كان عالمَ المدينةِ سعيدُ بنُ المسيِّب. قال: وحدَّثنا دُحيمٌ، قال:

стр. 2303

حدَّثنا سهلُ بنُ هاشم، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: سئل الزُّهريُّ ومكحولٌ: مَن أفقهُ مَنْ أدركتُما؟ فقالا: سعيدُ بن المسيِّب (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمون، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ دُحيمٌ فذَكَر الخبرَين جميعًا: هذا والذي قبلَه. أخبرنا عبدُ الله بن محمّدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، قال: أخبرنا محمّدُ بنُ الحسنِ، قال: أخبرنا الزُّبيرُ بنُ بكّارٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عُبيدِ الله بن عبد الله بنِ عَنْبسَةَ، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: رَمقْتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ بعدَ جَلْدِ هشامِ بنِ إسماعيلَ إيّاهُ، فما رأيتُه يفوتُه معه سجودٌ ولا ركوعٌ، ولا زال يصلّي معه بصلاتِه (٢). قال الزُّبيرُ: وحدَّثني ذؤيبُ بنُ عمامة، عن معنِ بن عيسى، عن محمّدِ بنِ هلالٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب، أنه قال: ما لقيت قط المُنصرِفينَ من الصلاة منذُ أربعينَ سنةً (٣). وروى الليثُ بنُ سعدٍ عن يحيى بن سعيدٍ، أنّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ كان يُسمّى راويةَ عمرَ بنِ الخطابِ؛ لأنّه كان أحفظَ الناسِ لأحكامِه وأقضيتِه (٤). قال يحيى بن سعيد: وكان عبدُ الله بنُ عمرَ إذا سُئل عن شيء يُشكِل عليه قال: سلُوا سعيدَ بنَ المسيِّب (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا

стр. 2304

أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب يقول: وُلدت لسنتينِ مضَتَا من خلافة عمرَ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ (١) بنُ المنذرِ الحزاميُّ، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى، عن مالكِ بنِ أنس: أنّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ وُلد في زمنِ عمرَ بنِ الخطاب، وكان احتلامُه أيامَ مقتلِ عثمانَ (٢). وروى شعبةُ عن إياسِ بنِ معاويةَ، قال: قال لي سعيدُ بنُ المسيِّبِ: ممنّ أنتَ؟ قلت: من (٣) مُزينةَ، قال: إني لأذكُر يومَ نَعَى عمرُ بنُ الخطاب النُّعمانَ بنَ مُقرِّنٍ على المنبرِ (٤). وسنذكُر روايةَ سعيدٍ عن عمرَ في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله. وذكر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ في كتاب "المعرفة"، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمّادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، قال: كان الحسنُ لا يرجعُ (٥) عن فُتْيا يُفتي بها إلّا أن يبلغَه أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب أفتى بخلافِها، فإنه يترُك قولَه ويرجِعُ إلى قول سعيدٍ، ويقول: إنّ ذلك رجلٌ طَلَب العلمَ في مظانِّه. قال الحسَنُ: وسمعتُ يزيدَ بنَ هارونَ وعبدَ الرزاقِ يقولان: كان سعيدُ بنُ المسيِّبِ سيِّدُ التابعينَ (٦).

стр. 2305

قال: وحدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا سليمُ بنُ أخضَرَ، عن ابنِ عونٍ، عن محمّدِ بنِ سيرَين، قال: كان في سعيدِ بنِ المسيِّب كَزازةٌ (١). قال محمّدٌ: ولو رفقوا به لاستخرجوا منه علمًا كبيرًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، قال: سمعتُ الزُّهريَّ يقول: أدركتُ أربعةَ بحُورٍ: سعيدَ بنَ المسيِّبِ، وعروةَ بنَ الزُّبيرِ، وأبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمن، وعُبيدَ الله بنَ عبدِ الله. قال (٣): وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مباركٍ، قال: حدَّثنا قريشُ بنُ حيّان العِجْلُّي، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينار، قال: سمعتُ قتادةَ يقول: ما جمعتُ علمَ الحسَنِ إلى علم أحدٍ منَ العلماء إلّا وجدتُ له فضلًا عليه غيرَ أنّه كان إذا أشكَل عليه شيءٌ كتبَ إلى سعيدِ بنِ المسيِّبِ يسأله. قال (٤): وحدَّثنا عبدُ الله بن جعفر الرَّقِّي، قال: حدَّثنا أبو المليح، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، قال: قدِمتُ المدينةَ فسألتُ عن أفقَهِ أهْلِها، فدُفعتُ إلى سعيد بنِ المسيِّب.

стр. 2306

قال (١): وحدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: حدَّثنا الأصمعيُّ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن الزُّهريِّ، قال: قال لي عبدُ الله بنُ ثعلبةَ بن صُعَيرٍ: تريدُ هذا الأمرَ، عليك بسعيدِ بنِ المسيِّب. قال (٢): وحدَّثنا أبو سلمةَ منصورُ بنُ سلمةَ الخُزاعيُّ وأبو سلمةَ موسى بن إسماعيلَ المِنْقِريُّ، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي عن سعيد بنِ المسيِّب، قال: سمعتُه يقول: ما بقيَ أحدٌ أعلمُ بكلِّ قضاءٍ قضاهُ رسولُ الله ﷺ وكلِّ قضاءٍ قضاهُ أبو بكرٍ وكلِّ قضاءٍ قضاهُ عمرُ -قال: وأحسَبُه قال: وعثمانُ- منِّي (٣). قال أبو بكرٍ أحمدُ بنُ زهيرٍ (٤): سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يقول: مات سعيدُ بنُ المسيِّبِ سنةَ خمسٍ ومئة، وكذلك قال (٥) عليُ بنُ محمدٍ المدائنيُّ أبو الحسن. وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: وسعيدُ بنُ المسيِّبِ سنةَ إحدى أو اثنتينِ وتسعينَ. يعني مات (٦). قال أبو نُعيم: مات سعيد بن المسيِّب سنة ثلاث وتسعين (٧). وكذلك ذكر البخاريُّ عن علي بن المديني، وزاد: وهو ابنُ بضع وثمانينَ (٨).

стр. 2307

قال الواقديُّ: مات سعيدُ بنُ المسيِّب سنةَ أربع وتسعينَ وهو ابنُ بضع وثمانينَ. قال: وفيها مات عروةُ وعليُّ بنُ حسينٍ، وكان يقال: سنةُ الفقهاء (١). وروى ابنُ وَهْبٍ والأصمعيُّ وابنُ أبي الوزير عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، قال: كنت أُجالسُ عبدَ الله بنَ ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ أتعلَّم منه النَّسبَ، فسألتُه يومًا عن شيءٍ من الفقه (٢)، فقال: إن كنتَ تريدُ هذا ولكَ به حاجةٌ فعليك بذلك الشّيخ، وأشار إلى سعيدِ بنِ المسيِّب، فتحوَّلت إليه فجالستُه تسعَ (٣) سنينَ (٤) لا أحسَبُ أنّ عالمًا غيرُه. زاد الأصمعيُّ: ثم تحوَّلتُ إلى عروةَ، ففجَّرتُ منه بحرًا (٥). وروى عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ هذا الخبرَ عن مالكٍ (٦)، فجعل موضعَ عبدِ الله بنِ ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ: ثعلبةَ بنَ أبي مالكٍ، فوَهَم فيه وغَلِطَ، والقولُ عندهم قولُ الأصمعيِّ وابنِ وَهْبٍ وابنِ أبي الوزير، واسمُ ابنِ أبي الوزيرِ: محمّدُ بنُ عمرَ، هاشميٌّ. وأخبارُ سعيدِ بنِ المسيِّب وفضائلُه في علمِه ودينِه وزُهدِه وفَهْمِه ووَرعِه كثيرةٌ جدًّا، وسنذكُرُها إن شاء الله في كتاب "أخبار أئمّة الأمصارِ" أعان اللهُ على ذلك بفضلِه ونعمته.

стр. 2308

حديثٌ أوَّلُ لابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ متَّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنّ أبا هريرةَ قال: لو رأيتُ الظِّباءَ بالمدينة تَرتَعُ ما ذَعَرْتُها، قال رسولُ الله ﷺ : "ما بينَ لابَتَيْها حرامٌ". لم يختَلِفْ رُواةُ "الموطأ" في إسنادِه ولا مَتنِه (٢). وفي هذا الحديثِ مِن الفقهِ: تحريمُ المدينةِ، وإذا كانت حرامًا لم يَجُزْ فيها الاصْطِيادُ، ولا قَطعُ الشَّجَرِ، كحَرَم مكةَ، إلّا أنّه لا جَزاءَ فيه عندَ العلماء. كذلك قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما (٣). وقال أبو حنيفةَ: صَيدُ المدينةِ غيرُ محُرَّم، وكذلك قَطعُ شجَرِها (٤). وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليه مع سائرِ ما في تحريم (٥) المدينةِ من الآثارِ. واحتَجَّ لأبي حنيفةَ بعضُ مَن ذهَب مذهَبَه بحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "مَن وجَدْتمُوه يَصِيدُ في حُدودِ المدينةِ، أو يَقْطَعُ مِن شجَرِها، فخُذُوا سَلَبَه" (٦).

стр. 2309

وأخَذ سعدٌ سَلَبَ مَن فعَلَ ذلك. قال (١): وقد اتَّفَق الفقهاءُ على أنّه لا يُؤْخَذُ سَلَبُ مَن صاد في المدينةِ، فدلَّ ذلك على أنّه منسُوخٌ. قال: وقد يحتَمِلُ أن يكونَ معنَى النهي: عن صَيْدِ المدينةِ، وقَطْع شجَرِها؛ لأنَّ الهجرَةَ كانت إليها، فكان بقاءُ الصيدِ والشجرِ ممَّا يَزِيدُ في زينتِها، وَيدْعُو إلى أُلْفَتِها، كما رُوي عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن هَدْم آطَام المدينةِ (٢)؛ فإنَّها مِن زينَةِ المدينةِ (٣). قال أبو عمر: ليس في هذا كلِّه حُجَّةٌ؛ لأنَّ حديثَ سَعْدٍ ليس بالقوي، ولو صحَّ لم يكنْ في نسخ أخْذِ السَّلَبِ ما يُسْقِطُ ما صحَّ مِن تحريم المدينةِ، وما تأوَّلَه في زينةِ المدينةِ فليس بشيءٍ؛ لأنَّ الصَّحابةَ تلقَّوا تحريمَ المدينةِ (٤) بغيرِ هذا التَّأويلِ، وسَعْدٌ قد عَمِلَ بما روى، فأيُّ نَسْخ هاهنا (٥)؟

стр. 2310

وفي قولِ أبي هريرةَ: "ما ذعَرتُها" دليلٌ على أنّه لا يجوزُ تَرويعُ الصَّيدِ في حَرَم المدينةِ، كما لا يجوزُ تَرويعُه في الحَرَم. واللهُ أعلمُ. وكذلك نَزْعُ زيدِ بنِ ثابتٍ مِن يَدِ الرجلِ النُّهَسَ (١) -وهو طائِرٌ كان صَادَه بالمدينةِ- دليلٌ على أنَّ الصحابةَ فَهِموا مُرادَ رسولِ الله ﷺ في تحريمِه صَيدَ المدينةِ، فلم يُجيزوا فيها الاصطيادَ، ولا تَمَلُّكَ ما يُصْطَادُ، ولذلك نزَعَ زيدٌ النُّهَسَ وسرَّحَه مِن يدِ صائدِه. يُقالُ: إنَّ ذلك الرَّجُلَ شُرَحْبِيلُ بنُ سَعْد. وقال ابنُ مَهْدِيٍّ، عن مالكٍ: حَرَمُ المدينةِ بَرِيدٌ في بَرِيدٍ (٢). يعني: مِنَ الشَّجَر (٣). قال: واللابَتانِ هما الحَرَّتانِ. وقال ابنُ حبيبٍ: اللابةُ الحرَّةُ، وهي الأرضُ التي أُلبِستِ الحجارةَ السُّودَ الجُرْدَ، وجَمع اللابَةِ لاباتٌ، فإذا كثُرَتْ جِدًّا فهي لُوَبٌ. قال: وتحريمُ النبيِّ ﷺ ما بينَ لابَتَي المدينةِ (٤) إنّما يعني في الصَّيدِ، فأمَّا في قَطع الشجرِ، فبريدٌ في بريدٍ. ودُورُ المدينةِ (٥) كلِّها محرمٌ، كذلك أخبرني مُطرفٌ عن مالكٍ وعمرَ بنِ عبدِ العزيز. فقولُ رسولِ الله ﷺ : "ما بين لابَتيْها". يعني:

стр. 2311

حرَّتَيها؛ الشرقيةَ والغربيةَ، وهي حِرارٌ أربعٌ، لكنَّ القِبليةَ والجوفيةَ متصلَتان بها، وقد ردَّها حسانُ بنُ ثابتٍ إلى حَرَّةٍ واحدةٍ لاتِّصالها، فقال (١): لنا حَرَّةٌ مأْطُورَةٌ بجِبالِها ... بَنَى العِزُّ فيها بيتَه فتأثَّلا قال: وقولُه: "مأطُورَةٌ بجِبَالها" يعني: معطوفةً بجِبالها؛ لاستدارَةِ الجبالِ بها، وإنَّما جِبالُها: تلك الحجارةُ السودُ التي تُسمَّى الحِرارَ. قال أبو عمر: وكذلك فَسَّرَ ابنُ وَهْبٍ "ما بينَ لابَتَيْها". قال: ما بينَ حرَّتَيْها. قال: وهو قولُ مالكٍ. قال ابنُ وَهْبٍ: وهذا الذي حَرَّمَه رسولُ الله ﷺ فيها، إنّما هو في قتلِ الصَّيدِ. قيل لابنِ وَهْبٍ: فما حرَّمَه فيها في قطع الشجرِ؟ قال: حَدُّ ذلك بَرِيدٌ في بَرِيدٍ (٢)، بلَغَني ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. وقال ابنُ نافع: اللَّابتان هما الحرتَانِ؛ إحداهما التي يَنزِلُ بها الحاجُّ إذا رجعوا مِن مكةَ، وهي بغربيِّ المدينةِ، والأُخْرَى ممَّا يَلِيها مِن شَرْقيِّ المدينةِ. قال: فما بينَ هاتَينِ الحرَّيتنِ حَرامٌ أن يُصادَ فيها طيرٌ أو صَيدٌ. قال ابنُ نافع: وحرَّةٌ أُخرى ممَّا يلي قبلةَ المدينةِ، وحرَّةٌ رابعةٌ مِن جِهَةِ الجوفِ، فما بينَ هذِه الحِرَارِ كُلِّها في الدُّورِ محرَّمٌ أن يُصادَ فيها، ومَن فعَل ذلك أثِم، ولم يكنْ عليه جزاءُ ما صادَه كما يكونُ عليه في حَرَم مكةَ إذا صادَ فيه. وجُملةُ مذهَبِ مالكٍ، والشافعيِّ، في صَيدِ المدينةِ وقطع شجرِها، أن ذلك مكروهٌ ولا جَزاءَ فيه. وقال مالكٌ: لا يُقتلُ الجرادُ في حَرَم المدينةِ. وكان يَكْرَهُ

стр. 2312

أكْلَ ما قتَلَ الحلالُ مِن الصيدِ في حرم المدينةِ (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: صيدُ المدينةِ غيرُ محرَّم، وكذلك قطعُ (٢) شجرِها. واحتجَّ الطحاويُّ (٣) لهم بحديثِ أنسٍ: "يا أبا عميرٍ، ما فعَلَ النُّغَيْرُ؟ " (٤). قال: فلم يُنكِرْ صيدَه وإمسَاكَه. قال أبو عمر: هذا قد يجوزُ أن يكونَ صِيدَ في غير حَرَم المدينةِ، فلا حُجَّةَ فيه. واحْتَجَّ أيضًا بحديثِ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ، عن عائشةَ: كان لرسولِ الله ﷺ وحْشٌ، فإذا خرَجَ لَعِب واشتدَّ، وأقبَلَ وأدبرَ، فإذا أحَسَّ برسولِ الله ﷺ رَبَضَ، فلم يَترمرمْ (٥)، كراهِيةَ أن يُؤْذِيَه (٦). والقولُ عندي في هذا الحديثِ كالقولِ في حديثِ النُّغيرِ، واللهُ أعلمُ. قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ بعدَ أن ذكَرَ الآثارَ في تَحرِيم ما بينَ لابَتَي المدينَةِ: إنِّي لأعجبُ ممَّن رَدَّ هذه الأحادِيثَ بحديثِ أنسٍ: "يا أبا عُمَيْرٍ، ما فعَلَ النُّغَيْرُ؟ ". قال أبو عمر: قد زِدْنا هذا البابَ بيانًا عندَ ذكرِ قولِه ﷺ في حديثِ مالكٍ، عن عمرِو بنِ أبي عمرٍو، عن أنسٍ: "اللَّهُمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما

стр. 2313

بينَ لابتَيْها" (١). وليس في سُقُوطِ الجزاءِ عمَّن اصْطادَ بالمدينةِ دليلٌ على سُقُوطِ تَحْرِيم صَيْدِها، ألا ترَى إلى قولِ رسولِ الله ﷺ : "إنِّي حرَّمتُ المدينةَ كما حرَّمَ إبراهيمُ مكةَ" (٢)؟ قال إسماعيلُ وغيرُه: لم يبلُغْنا أنّه كان في شريعةِ إبراهيمَ جزاءُ صَيدٍ، وظاهِرُ الآيةِ يدُلُّ على أنّه أمرٌ شرَعه اللهُ لهذه الأُمَّةِ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٤ - ٩٥]. قال إسماعيلُ: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا الفُضيلُ (٣) بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا محمّدُ بنُ أبي يحيى، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بن سعدٍ بنِ أبي وقّاصٍ، عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما بين لابَتَي المدينةِ حرامٌ كما حَرَّمَ إبراهيمُ مكّةَ، اللهمَّ اجعل البركةَ فيها بركَتَينِ، وبارِكْ في صاعِهم ومُدِّهم" (٤).

стр. 2314

حديثٌ ثانٍ لابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب متّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ أحدِكم وحدَه بخمسةٍ وعشرينَ جُزءًا". هكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة (٢)، ورواه جُويْريَةُ بنُ أسماء، عن مالك بإسنادِه، فقال: "فضلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ أحدِكم خمسٌ وعشرونَ صلاةً". ورواه عبدُ الملك بنُ زيادٍ النَّصيبيُّ، ويحيى بنُ محمدِ بنِ عبّاد، عن مالك، عن الزهريِّ، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. ورواه الشافعيُّ (٣)، ورَوْحُ بنُ عُبادة (٤)، وعمّارُ بنُ مَطَر (٥)، عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. في هذا الحديثِ من الفقهِ: معرفةُ فضل صلاةِ الجماعة، والتَّرغيبُ في حُضورها. وفيه: دليلٌ على أنَّ الجماعةَ كثُرتْ أو قلَّتْ سواءٌ؛ لأنه ﷺ لم يَختَصَّ جماعةً من جماعة، والقولُ على عُمومِه، وقد قال ﷺ : "اثنانِ فما فوقَهما جماعةٌ" (٦)،

стр. 2315

وقال ﷺ : "صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ على صلاةِ الفَذِّ بكذا وكذا درجةً" لم يقصدْ جماعةً من جماعة، ولا موضعًا من المسجدِ من موضع. وأمّا حديثُ أُبيِّ بنِ كعب: "صلاةُ الرجلِ مع الرجلِ أزكَى من صلاتِه وحدَه، وصلاتُه مع الرَّجُلَين أزكَى من صلاتِه مع الرجل، وصلاتُه مع الثلاثةِ أزكَى من صلاتِه مع الرجلَين، وكلَّما كثُرَ فهو أزكَى وأطيَبُ"، فهو حديثٌ ليس بالقويِّ، لا يُحتجُّ بمثلِه (١).

стр. 2316

وفي هذا الحديث -أعني حديثَ مالكٍ هذا- دليلٌ على جوازِ صلاةِ الفَذِّ وحدَه، وإن كانتِ الجماعةُ أفضل، وإذا جازَت صلاةُ الفَذِّ وحدَه، بطَل أن يكونَ شُهودُ صلاةِ الجماعةِ فرضًا؛ لأنه لو كان فرضًا لم تَجُزْ للفذِّ صلاتُه، كما أنَّ الفذَّ لا يُجزِئُه يومَ الجُمُعةِ أن يُصلِّيَ قبل صلاةِ الإمام ظُهرًا، إذا كان ممَّن يجبُ عليه إتيانُ الجمُعةِ، قد احتجَّ بهذا جماعةٌ من العلماء، وأكثرُ الفقهاء بالحجاز، والعراق، والشَّام، يقولون: إنَّ حضورَ صلاةِ الجماعةِ فضيلةٌ وفضلٌ، وسُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، لا ينبغي تركُها، وليست بفرضٍ. ومنهم مَن قال: إنّها فرضٌ على الكفايةِ (١). واختلف أصحابُ الشافعيِّ في هذه المسألةِ؛ فمنهم مَن قال: شهودُ الجماعةِ فرضٌ على الكفايةِ. ومنهم مَن قال: شُهودُها سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ لا يُرَخَّصُ في تركها للقادرِ عليها إلّا مِن عذْرٍ. ولهم في ذلك دلائلُ يطُولُ ذكرُها للقولَينِ جميعًا (٢). وقال أهلُ الظَّاهرِ -منهم داودُ-: إنَّ حضورَ صلاةِ الجماعةِ فرضٌ متعيِّنٌ كالجُمعةِ سواءً، وإنَّه لا يُجزئُ الفَذَّ صلاةٌ، إلّا بعدَ صلاةِ الناسِ في المسجدِ، وإن صلَّاها قبلَهم أعاد (٣). واستدلَّ بظاهرِ آثارٍ رُويت في ذلك، سنذكُرُ ما روَى منها مالكٌ في موضعِه مِن كتابِنا هذا إن شاء الله.

стр. 2317

قال أبو عمر: لا يخلُو قولُه ﷺ : "صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ صلاةَ الفَذِّ" مِن أحدِ ثلاثةِ أوجُهٍ؛ إمَّا أن يكونَ المرادُ بذلك صلاةَ النَّافلةِ، أو يكونَ المرادُ بذلك (١) مَن تخلَّفَ من عُذْرٍ عن الفريضةِ، أو يكونَ المرادُ بذلك مَن تخَلَّفَ عنها بغيرِ عُذْرٍ. فإذا احتمَلَ ما ذكرنا -وكان رسولُ الله ﷺ قد قال: "صلاةُ المرء في بيتِه أفضَلُ مِن صلاتِه في مسجدِي هذا إلّا المكتُوبةَ" (٢) -علِمنا أنَّه لم يُرِدْ صلاةَ النَّافلَةِ بتفضِيلِه صلاةَ الجماعةِ على الفَذِّ، وإنما أراد بذلك الفرضَ. وكذلك لما قال ﷺ : "مَن غلَبَه على صَلاتِه نومٌ كُتِب له أجرُها" (٣). وكذلك قولُه: "إذا كان للعبدِ عملٌ يعملُه، فمنَعه منه مرضٌ، أمَرَ اللهُ كاتِبَيه أن يكتُبا له ما كان يعمَلُ في صحَّتِهِ" (٤). وكذلك قولُه في غزوَةِ تبوكَ لأصحابِه: "إنَّ بالمدينةِ قومًا، ما سلكتُم طريقًا، ولا قطَعتُم واديًا، ولا أنفَقتُم نفقةً، إلّا وهم معكم، حبَسَهم العُذرُ" (٥)، علِمنا بهذه الآثارِ وما كان في معناها،

стр. 2318

أنَّ المتخلِّفَ بعُذْرٍ لم يُقْصَدْ إلى تفضِيلِ غيرِه عليه، وإذا بطَل هذانِ الوجهانِ، صَحَّ أنَّ المُرَادَ بذلك هو المتخلِّفُ عن الواجب عليه بغيرِ عذرٍ، وعلِمنا أنَّ النبيَّ ﷺ لم يُفاضِلْ بينَهما إلّا وهما جائزانِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أفضلُ منَ الآخر. وممَّا يدُلُّ على ما ذكرنا حديثُ مِحْجَنٍ الدِّيليِّ، حينَ قال له رسولُ الله ﷺ : "ما منَعَك أن تصلِّيَ معنا، ألستَ برجُلٍ مسلم؟ " قال: بلى، ولكنِّي قد صلَّيتُ في رَحِلي (١). فعُلِمَ أنَّه إنَّما صلَّى في رحْلِه مُنفرِدًا. وكذلك قولُه ﷺ : "إذا حضَرَتِ العَشاءُ وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فابدءُوا بالعَشَاءِ" (٢). وقد يكونُ مِن العُذْرِ المَطَرُ والظُّلمةُ؛ لقولِه: "ألا صلُّوا في الرِّحالِ" (٣). ومن العُذْرِ أيضًا: مُدَافعةُ الأخبثَين؛ الغائطِ والبولِ. وقد ذكرنا كثيرًا مِن هذه الآثارِ في مواضِعِها مِن كتابِنا، ومضَى القولُ هناك في معانيها، والحمدُ لله كثيرًا.

стр. 2319

حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب متّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليس الشديدُ بالصُّرَعةِ، إنّما الشديدُ الذي يملِكُ نفسَه عندَ الغضبِ". هكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعةِ رواتِه فيما علِمتُ (٢). ورواه شيخٌ يسمَّى حاتمَ بنَ منصور، عن مطرِّف، عن مالك، عن الزهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، فأخطأ فيه على مالكٍ، وإنَّما روايةُ مالكٍ فيه: عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة. وكذلك رواه أبو أُويسٍ (٣) وعبدُ الرحمنِ بنُ إسحاق، عن الزهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة. وخالفهم يونس (٤)، وعُقيل (٥)، ومعمر (٦)،

стр. 2320

وشعيبُ بنُ أبي حمزة (١)، والزُّبيدي (٢)، فروَوه عن الزهريِّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة. وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ الحسينِ الكَرْخي، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنّما الشديدُ الذي يملِكُ نفسَه عندَ الغضب". وفي هذا الحديثِ مِن الفقهِ: فضلُ الحِلم. وفيه: دليلٌ على أنَّ الحِلم كتمانُ الغيظِ، وأنَّ العاقلَ مَن ملَك نفسَه عندَ الغضب؛ لأنَّ العقلَ في اللُّغةِ: ضبطُ الشيء وحبسُه، ومنه (٣) عِقالُ النَّاقة، ومنه الإبلُ المعقَّلةُ -أي المربوطةُ- هذا معنى العقلِ في اللُّغةِ، ومعناه في الشريعةِ مِلكُ النفسِ وصرفُها عن شهَواتِها المُرديَةِ لها، وحبسُها عمَّا حرَّم اللهُ عليها. واللهُ أعلم. وقد جعل رسولُ الله ﷺ للذي يملِكُ نفسَه ويغلِبُها، مِن القوَّةِ ما ليس للذي يغلِبُ غيرَه. وفي هذا دليلٌ على أنَّ مجاهدةَ النفسِ أصعبُ مرامًا، وأفضلُ مِن مجاهدةِ العدوِّ. واللهُ أعلم.

стр. 2321

وأمَّا قوله: "الصُّرَعةُ" فإنَّه يَعني: الكثيرَ القوَّة، الذي يَصرَعُ كلَّ مَن صارعَه، ومثلُه مِن قولِ العربِ: هذا رجلٌ نُوَمةٌ؛ يعني: كثيرَ النوم، وحُفَظةٌ؛ يعني: كثيرَ الحِفْظ. وقال ابنُ حبيبٍ: الصُّرَعةُ تثقيلُ الكلمةِ بالحركات، معناه الذي يصْرَع الناس. قال: والصُّرْعَةُ بالتَّخفيف: الرَّجُل الضَّعيفُ النَّحيفُ الذي يصْرَعُه النّاسُ حتّى لا يكادُ يَثبُتُ، وكذلك الضُّحَكَةُ بالتَّثقيل: الذي يُضحِكُ الناسَ، والضُّحْكَةُ بالتَّخفيف: الذي يَضْحَكُ منه الناسُ، وبالله التَّوفيق.

стр. 2322

حديثٌ رابعٌ لابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب متَّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ نعَى النَّجاشيَّ للنَّاسِ في اليوم الذي ماتَ فيه، فخرَج بهم إلى المصلَّى، فصفَّ بهم وكبَّر أربعَ تكبيرات. هكذا هو (٢) في جميع "الموطَّآتِ" بهذا الإسناد (٣). وقد أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ، قال (٤): حدَّثنا أبو بكرٍ الشَّافعيُّ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شدَّادٍ المِسمَعيُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مخلدٍ القَطَوانيُّ وابنُ قَعْنَب، قالا: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهري، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، قال: نعَى رسولُ الله ﷺ النَّجاشيَّ إلى النَّاسِ في اليوم الذي مات فيه، وصفَّ الناسَ في المصلَّى، وكبَّر عليه أربعَ تكبيرات. تفرَّدَ به محمدُ بنُ شدَّادٍ بهذا الإسناد.

стр. 2323

ورُويَ هذا الحديثُ أيضًا عن عبدِ الله بنِ نافع، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة. وليسَ في "الموطَّأ" إلّا عن سعيدٍ وحدَه، وهو محفوظٌ في حديثِ الزُّهري: عن سعيدٍ وأبي سلمةَ جميعًا، عن أبي هريرة، رواهُ عُقيلٌ (١) وصالحُ بنُ كيسان (٢). وقد روَى مكيُّ بنُ إبراهيمَ (٣) وحُبابُ بنُ جَبَلةَ (٤) في هذا الحديثِ إسنادًا آخر، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ كبَّر على النَّجاشيِّ أربعًا. وليسَ هذا الإسنادُ في "الموطأ" لهذا الحديث، ولا أعلمُ أحدًا حدَّثَ به هكذا عن مالكٍ غيرَهما (٥). واللهُ أعلم. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ الحسنِ بنِ علانَ، قال: حدَّثنا أبو يعلى أحمدُ بنُ علي بن المثنَّى، قال: سمِعتُ سهلَ بنَ زَنْجَلَة الرَّازيَّ يَسألُ ابنَ أبي سَمينةَ عن حديثِ ابنِ عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على النَّجاشيِّ، قال: هذا مُنكرٌ. وقال له ابنُ أبي سَمينَةَ: مَن رواه عن نافع؟ فقال ابنُ زَنجلةَ:

стр. 2324

مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على النَّجاشيِّ. فقال ابنُ أبي سَمينةَ: عمَّنْ حمَلتَه عن مالك؟ قال: حدَّثناه مكِّيُّ بنُ إبراهيم، قال: أنبأنا مالكٌ. فسكَتَ ابنُ أبي سَمينة (١). قال أبو عمر: لا أعلمُ أحدًا روى هذا الحديثَ عن مالكٍ غيرَ مكيِّ بنِ إبراهيم، وحُبَابِ بنِ جبَلةَ، وإنَّما الصَّحيحُ فيه عن مالكٍ ما في "الموطَّأ". النَّجاشيُّ: ملِكُ الحبشةِ، قال ابنُ إسحاقَ (٢): النَّجاشيُّ: اسمُ الملكِ، كما يقالُ: كسرى، وقيصرُ. قال: واسمُه: أَصْحَمةُ، وهو بالعربيَّة: عطيَّةُ. وفي هذا الحديثِ: علَمٌ من أعلام النُّبوَّةِ كبيرٌ، وذلك أن يكونَ النبيُّ ﷺ علِمَ بموتِه في اليوم الذي ماتَ فيه، على بُعدِ ما بينَ الحجازِ وأرضِ الحبشةِ، ونعاه للناسِ في ذلك اليوم، وكان نعيُ رسولِ الله ﷺ النَّجاشيَّ في رجبٍ سنةَ تسع من الهجرة، كذلك قال أهلُ السِّير؛ الواقديُّ وغيرُه. وفيه: إباحةُ الإشعارِ بالجنازة، والإعلام بها، والاجتماع لها، وهذا أقوىَ من حديثِ حُذيفةَ، أنّه كان إذا ماتَ له ميِّتٌ، قال: لا تُؤذنِوا به أحدًا، فإني أخافُ أن يكونَ نعيًا؛ فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ ينهَى عن النَّعي (٣). وإلى هذا

стр. 2325

ذهَب جماعةٌ من السَّلفِ، قد تقدَّمَ ذكرُ بعضِهم في حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيف (١). ورُويَ عن ابنِ عمر، أنّه كان إذا ماتَ له ميِّتٌ تحيَّنَ غفلةَ الناس، ثم خرَج بجِنازته (٢). وقد رُوي عنه خلافُ هذا في جنازةِ رافع بنِ خَديج لمَّا نُعيَ له، قال: وكيفَ تُريدونَ أن تصنعوا به (٣)؟ قالوا: نحبِسُه حتى نُرسلَ إلى قُباءٍ وإلى قرياتٍ حولَ المدينةِ ليشهدوا جنازتَه. قال: نِعْمَ ما رأيتُم (٤). وجاء

стр. 2326

عن أبي هريرةَ أنّه كان يمُرُّ بالمجالسِ فيقولُ: إنَّ أخاكم قد قُبضَ فاشهَدوا جنازتَه (١). والأصلُ في هذا البابِ قولُه ﷺ في حديثِ ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ: "هلَّا آذنتموني بها؟ " (٢). وقولُه في هذا الحديث: نعَى النَّجاشيَّ للنَّاسِ. والنَّظرُ يشهَدُ لهذا؛ لأنَّ شهودَ (٣) الجنائزِ أجرٌ وخيرٌ، ومَن دعا إلى ذلك فقد دعا إلى خيرٍ وأعانَ عليه. وفيه: أنَّ من السُّنَّةِ أن تخرُجَ الجنازةُ إلى المصلَّى ليُصلَّى عليها هناك، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ صلاتَه على سُهيلِ بنِ بيضاءَ في المسجدِ إباحةٌ ليس بواجبٍ، وسيأتي القولُ في ذلك في بابِ أبي النَّضرِ (٤) إن شاء الله. وفيه: الصلاةُ على الميِّتِ الغائبِ، وأكثرُ أهلِ العلم يقولونَ: إنَّ هذا خُصوصٌ للنبيِّ ﷺ . وقد أجازَ بعضُهم الصلاةَ على الغائبِ إذا بلغَه الخبرُ بقربِ موتِه، ودلائلُ الخصوصِ في هذه المسألةِ واضحةٌ لا يجوزُ أن يَشرَكَ النبيَّ ﷺ فيها غيرُه؛ لأنّه، واللهُ أعلمُ، أُحضِرَ رُوحُ النَّجاشيِّ بينَ يديه، حيثُ شاهدَها وصلَّى عليها، أو رُفعَتْ له جنازتُه، كما كُشفَ له عن بيْتِ المقدسِ حينَ سألته قُريشٌ عن صفتِه. وقد رُويَ أنَّ جبريلَ ﵇ أتاه برُوح جعفرٍ أو جنازتِه،

стр. 2327

وقال: قُمْ فصلِّ عليه. ومثلُ هذا كُلِّه يدُلُّ على أنّه مخصوصٌ به لا يُشاركُه فيه غيرُه (١)، وعلى هذا أكثرُ العلماءِ في الصلاةِ على الغائبِ. وفيه الصَّفُّ في الصلاةِ على الجنائز، وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "ما من مُسلم يموتُ، فيصلي عليه ثلاثةُ صُفوفٍ من المسلمين إلّا أوجبَ". رواه حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن مرثدِ بنِ عبدِ الله اليزنيِّ، عن مالكِ بنِ هُبيرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ . فذكره. قال: وكان مالكٌ إذا استقلَّ أهلَ الجنازةِ جزَّأهم ثلاثةَ صُفوف. الحديث (٢). وفي هذا الحديثِ أيضًا: دليلٌ على الاستكثارِ من الناسِ في شُهودِ الجنائز، وذلك لا يكونُ إلّا بالإشعارِ والإعلام، واللهُ أعلم.
следующие страницы →