← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2323–2362 · переход к 2328.

стр. 2323

ورُويَ هذا الحديثُ أيضًا عن عبدِ الله بنِ نافع، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة. وليسَ في "الموطَّأ" إلّا عن سعيدٍ وحدَه، وهو محفوظٌ في حديثِ الزُّهري: عن سعيدٍ وأبي سلمةَ جميعًا، عن أبي هريرة، رواهُ عُقيلٌ (١) وصالحُ بنُ كيسان (٢). وقد روَى مكيُّ بنُ إبراهيمَ (٣) وحُبابُ بنُ جَبَلةَ (٤) في هذا الحديثِ إسنادًا آخر، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ كبَّر على النَّجاشيِّ أربعًا. وليسَ هذا الإسنادُ في "الموطأ" لهذا الحديث، ولا أعلمُ أحدًا حدَّثَ به هكذا عن مالكٍ غيرَهما (٥). واللهُ أعلم. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ الحسنِ بنِ علانَ، قال: حدَّثنا أبو يعلى أحمدُ بنُ علي بن المثنَّى، قال: سمِعتُ سهلَ بنَ زَنْجَلَة الرَّازيَّ يَسألُ ابنَ أبي سَمينةَ عن حديثِ ابنِ عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على النَّجاشيِّ، قال: هذا مُنكرٌ. وقال له ابنُ أبي سَمينَةَ: مَن رواه عن نافع؟ فقال ابنُ زَنجلةَ:

стр. 2324

مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على النَّجاشيِّ. فقال ابنُ أبي سَمينةَ: عمَّنْ حمَلتَه عن مالك؟ قال: حدَّثناه مكِّيُّ بنُ إبراهيم، قال: أنبأنا مالكٌ. فسكَتَ ابنُ أبي سَمينة (١). قال أبو عمر: لا أعلمُ أحدًا روى هذا الحديثَ عن مالكٍ غيرَ مكيِّ بنِ إبراهيم، وحُبَابِ بنِ جبَلةَ، وإنَّما الصَّحيحُ فيه عن مالكٍ ما في "الموطَّأ". النَّجاشيُّ: ملِكُ الحبشةِ، قال ابنُ إسحاقَ (٢): النَّجاشيُّ: اسمُ الملكِ، كما يقالُ: كسرى، وقيصرُ. قال: واسمُه: أَصْحَمةُ، وهو بالعربيَّة: عطيَّةُ. وفي هذا الحديثِ: علَمٌ من أعلام النُّبوَّةِ كبيرٌ، وذلك أن يكونَ النبيُّ ﷺ علِمَ بموتِه في اليوم الذي ماتَ فيه، على بُعدِ ما بينَ الحجازِ وأرضِ الحبشةِ، ونعاه للناسِ في ذلك اليوم، وكان نعيُ رسولِ الله ﷺ النَّجاشيَّ في رجبٍ سنةَ تسع من الهجرة، كذلك قال أهلُ السِّير؛ الواقديُّ وغيرُه. وفيه: إباحةُ الإشعارِ بالجنازة، والإعلام بها، والاجتماع لها، وهذا أقوىَ من حديثِ حُذيفةَ، أنّه كان إذا ماتَ له ميِّتٌ، قال: لا تُؤذنِوا به أحدًا، فإني أخافُ أن يكونَ نعيًا؛ فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ ينهَى عن النَّعي (٣). وإلى هذا

стр. 2325

ذهَب جماعةٌ من السَّلفِ، قد تقدَّمَ ذكرُ بعضِهم في حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنيف (١). ورُويَ عن ابنِ عمر، أنّه كان إذا ماتَ له ميِّتٌ تحيَّنَ غفلةَ الناس، ثم خرَج بجِنازته (٢). وقد رُوي عنه خلافُ هذا في جنازةِ رافع بنِ خَديج لمَّا نُعيَ له، قال: وكيفَ تُريدونَ أن تصنعوا به (٣)؟ قالوا: نحبِسُه حتى نُرسلَ إلى قُباءٍ وإلى قرياتٍ حولَ المدينةِ ليشهدوا جنازتَه. قال: نِعْمَ ما رأيتُم (٤). وجاء

стр. 2326

عن أبي هريرةَ أنّه كان يمُرُّ بالمجالسِ فيقولُ: إنَّ أخاكم قد قُبضَ فاشهَدوا جنازتَه (١). والأصلُ في هذا البابِ قولُه ﷺ في حديثِ ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ: "هلَّا آذنتموني بها؟ " (٢). وقولُه في هذا الحديث: نعَى النَّجاشيَّ للنَّاسِ. والنَّظرُ يشهَدُ لهذا؛ لأنَّ شهودَ (٣) الجنائزِ أجرٌ وخيرٌ، ومَن دعا إلى ذلك فقد دعا إلى خيرٍ وأعانَ عليه. وفيه: أنَّ من السُّنَّةِ أن تخرُجَ الجنازةُ إلى المصلَّى ليُصلَّى عليها هناك، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ صلاتَه على سُهيلِ بنِ بيضاءَ في المسجدِ إباحةٌ ليس بواجبٍ، وسيأتي القولُ في ذلك في بابِ أبي النَّضرِ (٤) إن شاء الله. وفيه: الصلاةُ على الميِّتِ الغائبِ، وأكثرُ أهلِ العلم يقولونَ: إنَّ هذا خُصوصٌ للنبيِّ ﷺ . وقد أجازَ بعضُهم الصلاةَ على الغائبِ إذا بلغَه الخبرُ بقربِ موتِه، ودلائلُ الخصوصِ في هذه المسألةِ واضحةٌ لا يجوزُ أن يَشرَكَ النبيَّ ﷺ فيها غيرُه؛ لأنّه، واللهُ أعلمُ، أُحضِرَ رُوحُ النَّجاشيِّ بينَ يديه، حيثُ شاهدَها وصلَّى عليها، أو رُفعَتْ له جنازتُه، كما كُشفَ له عن بيْتِ المقدسِ حينَ سألته قُريشٌ عن صفتِه. وقد رُويَ أنَّ جبريلَ ﵇ أتاه برُوح جعفرٍ أو جنازتِه،

стр. 2327

وقال: قُمْ فصلِّ عليه. ومثلُ هذا كُلِّه يدُلُّ على أنّه مخصوصٌ به لا يُشاركُه فيه غيرُه (١)، وعلى هذا أكثرُ العلماءِ في الصلاةِ على الغائبِ. وفيه الصَّفُّ في الصلاةِ على الجنائز، وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "ما من مُسلم يموتُ، فيصلي عليه ثلاثةُ صُفوفٍ من المسلمين إلّا أوجبَ". رواه حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن مرثدِ بنِ عبدِ الله اليزنيِّ، عن مالكِ بنِ هُبيرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ . فذكره. قال: وكان مالكٌ إذا استقلَّ أهلَ الجنازةِ جزَّأهم ثلاثةَ صُفوف. الحديث (٢). وفي هذا الحديثِ أيضًا: دليلٌ على الاستكثارِ من الناسِ في شُهودِ الجنائز، وذلك لا يكونُ إلّا بالإشعارِ والإعلام، واللهُ أعلم.

стр. 2328

وفيه: أن النَّجاسيَّ مَلِكَ الحبشةِ أسلَم ومات مُسلمًا؛ لأنَّ رسولَ الله لا يُصلِّي إلّا على مسلم. وذكر سُنَيدٌ، عن حجَّاج، عن ابنِ جُريج، قال: لمَّا صلَّى رسولُ الله ﷺ على النَّجاشيِّ طعَنَ في ذلك المنافقون، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخرها [آل عمران: ١٩٩]. قال ابنُ جُريج: وقال آخرون: نزَلت في عبدِ الله بن سَلَام ومن معَه (١). وقال معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآيةَ (٢)، إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال: هذه الآيةُ نزَلت في النجاشيِّ وأصحابِه ممَّن آمَن بالنبيِّ ﷺ (٣). حدثني خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ الوردِ عبدُ الله بنُ جعفر، قال: حدَّثنا عبدوسُ بنُ ديزويَة الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا المسيَّبُ بنُ واضح، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بنُ سليمانُ، عن حُميدٍ، عن أنس، قال: لما جاءتْ وفاةُ النَّجاشيِّ، إلى رسولِ الله ﷺ قال لأصحابِه: "صلُّوا عليه". فقامَ رسولُ الله ﷺ ، وقمْنا معه، فصلَّى عليه، فقالوا: صلَّى على عِلْج ماتَ. فنزَلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (٤).

стр. 2329

وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرٍ الزَّيَّاتُ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينة، عن ابنِ جُريج، عن عطاء، عن جابر، قال: لمَّا ماتَ النَّجاشيُّ قال النبيُّ ﷺ : "قد ماتَ اليومَ عبدٌ صالحٌ، فقوموا فصلُّوا على أصْحَمةَ"، فكنتُ في الصَّفِّ الأوَّلِ أو الثاني (١). وفي صلاةِ رسولِ الله ﷺ على النَّجاشي وأمرِه أصحابَه بالصَّلاةِ عليه وهو غائبٌ، أوضحُ الدَّلائلِ على تأكيدِ الصلاةِ على الجنائز، وعلى أنّه لا يجوزُ أنْ تُتركَ جنازةُ مُسلم دونَ صلاةٍ، ولا يحلُّ لِمَن حضره أن يدفنَه دُونَ أن يُصلِّيَ عليه، وعلى هذا جُمهورُ عُلماء المسلمينَ مِن السَّلفِ والخالفين، إلّا أنّهم اختلفوا في تسميةِ وُجوبِ ذلك؛ فقال الأكثرُ: هي فرضٌ على الكفاية، وقال بعضُهم: سُنةٌ واجبةٌ على الكفاية، يسقُطُ وُجوبُها بمنْ حضرها عمَّنْ لم يحضُرْها. وأجمعَ المسلمون على أنّه لا يجوزُ تركُ الصلاةِ على جنائزِ المسلمين؛ من أهلِ الكبائرِ كانوا، أو صالحين، وراثةً عن نبيِّهم ﷺ قولًا وعملًا. واتَّفقَ الفقهاءُ على ذلك، إلّا في الشُّهداء، وأهلِ البدَع، والبُغاةِ؛ فإنَّهم اختلفوا في الصلاةِ على هؤلاء، على حسَب ما يأتي في مواضعِه من هذا الكتابِ إن شاء الله (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسَّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ

стр. 2330

أبي العِشرين، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثير، قال: حدَّثني أبو قِلابة، قال: حدَّثني أبو المهاجر، قال: حدَّثني عمرانُ بنُ حُصين، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أخاكم النَّجاشيَّ قد مات، فصلُّوا عليه". فقامَ رسولُ الله ﷺ وصفَفْنا خلفَه، فكبَّر عليه أربعًا، وما نحسَبُ الجِنازةَ إلّا بينَ يدَيْه (١). وفيه: التَّكبيرُ على الجنائزِ أربعٌ لا غير، وهذا أصحُّ ما يُروى عن النبيِّ ﷺ في التَّكبير على الجنازة. وقد ثبَتَ عنه ﷺ أنّه كبَّر على قبرٍ أربعًا، وأنَّه كبَّر على جنازةٍ أربعًا (٢). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المقرئُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي داودَ السِّجستاني، قال: حدَّثنا العبَّاسُ بنُ الوليدِ بنِ صُبح الخلَّالُ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ صالح، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ كُلثوم، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال أخبرني يحيَى بنُ أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة،

стр. 2331

أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى على جنازة، فكبَّر عليها أربعًا، ثم أتَى القبرَ من قِبلِ رأسِه، فحثا فيه ثلاثًا (١).

стр. 2332

قال أبو بكر بنُ أبي داودَ: ليسَ يُروى عن النبيِّ ﷺ حديثٌ صحيح أنّه كبَّر على جنازةٍ أربعًا إلّا هذا، ولم يروه إلّا سلمةُ بنُ كُلثوم، وهو ثقةٌ، من كبارِ أصحابِ الأوزاعيِّ. قال: وإنَّما يُروى عن النبيِّ ﷺ من وجْهٍ ثابِتٍ أنّه كبَّر على قبرٍ أربعًا، وأنَّه كبَّر على النَّجاشيِّ أربعًا؛ وأمَّا على جنازةٍ أربعًا هكذا، فلا، إلّا حديثَ سلمةَ بنِ كُلثوم هذا. قال أبو عمر: أمَّا صحيح، فلا، كما قال ابنُ أبي داود، وقد جاءَتْ أحاديثُ ضعافٌ أنَّ رسولَ الله ﷺ كبَّر على جنازةٍ أربعًا؛ منها حديثٌ رواه المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمنِ المخزوميُّ، الفقِيهُ المدنيُّ المفتي بها، وكان ثقةً، عن خالدِ بنِ إلياس، وهو ضعيفٌ عندَ جميعهم، عن إسماعيلَ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ العاص، وكان ثقة، عن عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ الحكم، عن عثمانَ بنِ عفَّانَ، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على عثمانَ بنِ مظعون، فكبَّر عليه أربعًا (١). قال أبو عمر: اختلَفَ السَّلفُ في عددِ التَّكبير على الجنازة، ثم اتَّفقوا على أربع تكبيرات، وما خالفَ ذلك شُذوذٌ يُشبِهُ البدعةَ والحدث. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٢)، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاوية، عن وكيع، عن سفيانَ، عن الأعمش (٣)، عن أبي وائل، قال: جمع عمرُ الناس، فاستشارَهم في التَّكبيرِ على

стр. 2333

الجنازة، وجمَعهم على أربع تكبيرات (١). قال: وحدَّثنا وكيع، عن مسعر، عن عبدِ الملكِ الشيباني، عن إبراهيم، قال: اجتمعَ أصحابُ محمدٍ ﷺ في بيتِ أبي مسعود، فأجمعوا على أنَّ التَّكبيرَ أربع (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ المِصِّيصيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاري، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: أجمعوا على أربع (٣). قال المغيرةُ: بلَغني أنَّ عمرَ جمَعهم وسألهم عن أحدثِ جنازةٍ كبَّر عليها رسولُ الله ﷺ ، فشهِدوا أنّه صلَّى على أحدثِ جنازة، وكبَّر عليها أربعًا. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم (٤)، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا يُوسفُ بنُ عديٍّ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية (٥)، عن الأعمش، عن

стр. 2334

إبراهيمَ، قال: سُئل عبدُ الله عن التَّكبيرِ على الجِنازة، فقال: كُلُّ ذلك قد صُنِعَ، فرأيتُ الناسَ قد اجتمَعوا على أربع (١). قال أبو عمر: من قال: يكبِّر خمسًا، احتجَّ بحديثِ زيدِ بنِ أرقم: أنَّ رسولَ الله ﷺ كبَّر على جِنازةٍ خمسًا. وهو حديثٌ يرويه عمرُو بنُ مُرَّة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن زيدِ بنِ أرقم. رواه عن عمرِو بنِ مُرَّة جماعةٌ؛ منهم شُعبةُ (٢). وقد قال يحيَى القطَّانُ، عن شُعبة: كان عمرُو بنُ مُرَّة يعرِفُ ويُنكِرُ (٣). وقد جاءَ عن زيدِ بنِ أرقمَ ما يُعارضُ حديثَ عمرِو بنِ مُرَّة هذا. أخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنجر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن عثمانَ بنِ أبي زُرعةَ، عن أبي سلمانَ (٤) المؤذِّن، قال: تُوفِّي أبو سَريحةَ الغفاري، فصلَّى عليه زيدُ بنُ أرقم، فكبَّر أربعًا (٥).

стр. 2335

فهذا يدُلُّ على أنَّ ذلك ليسَ ممَّا يُحتجُّ به عن زيد بنِ أرقم؛ لأنّه لو لم يكن عندَه عن النبيِّ ﷺ غيرُه، ما خالفَه، وعلى أنَّ حديثَ عمرِو بنِ مُرَّة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، إنّما فيه أنَّ زيدَ بنَ أرقمَ كان يُكبِّرُ على جنائزِهم أربعًا، وأنّه مرَّةً كبَّر خمسًا، فقيلَ له: ما هذا؟ فقال: فعَله رسولُ الله ﷺ . ففي هذا ما يدُلُّ على أنَّ تكبيرَه على الجنائزِ كان أربعًا، وأنَّه إنّما كبَّر خمسًا مرَّةً واحدة، ولا يُوجدُ هذا عن النبيِّ ﷺ إلّا من هذا الوجْهِ واللهُ أعلم، وليسَ ممَّا يُحتجُّ به على ما ذكرنا من إجماع الصحابةِ واتِّفاقِهم على الأربع دُونَ ما سواها. والتَّكبيرُ على الجنائزِ أربعًا هو قولُ عامَّةِ الفقهاء، إلّا ابنَ أبي ليلى وحدَه، فإنَّه قال: خمسًا. ولا أعلمُ له في ذلك سلفًا، إلّا زيدَ بنَ أرقم، وقد اختُلِفَ عنه في ذلك، وحذيفةَ (١)، وأبا ذرٍّ (٢)، وفي الإسنادِ عنهما مَن لا يُحتَجُّ به، وقد ذكر

стр. 2336

أبو بكرٍ الأثرمُ عن النبيِّ ﷺ أنّه كبَّر أربعًا، من حديثِ سهلِ بنِ حُنيف، على قبر (١). ومن حديثِ جابرٍ (٢)، ومن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، قال ابنُ عباس: آخرُ جنازةٍ صلَّاها رسولُ الله ﷺ كبَّر عليها أربعًا (٣). وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق أنّه كبَّر أربعًا، وعن عمرَ أنّه

стр. 2337

كبَّر على أبي بكرٍ أربعًا (١)، وعن عليٍّ أنّه كبَّر على ابنِ المُكفَّفِ أربعًا (٢)، وعن أبي هريرةَ (٣)، والبراء بنِ عازب (٤)، وحذيفة (٥)، وابنِ مسعود (٦)، وأبي مسعود،

стр. 2338

أنَّهم كبَّروا أربعًا، وعن عليِّ أيضًا أنّه كبَّر أربعًا، وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ أنّه كبَّر على أُمِّه أربعًا (١). وذكر حديثَ إبراهيمَ النَّخعي، قال: اجتمَع أصحابُ رسولِ الله ﷺ في بيْتِ أبي مسعود، واجتمَع رأيُهم على أنَّ التَّكبيرَ على الجنائزِ أربعٌ (٢). قال الأثرمُ: وحدَّثنا أبو الوليد (٣)، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كان زيدُ بنُ أرقمَ يُكبِّرُ على جنائزِنا أربعًا، ثم كبَّر على جِنازةٍ خمسًا، فسألتُه، فقال: كان رسولُ الله ﷺ يُكبِّرُ ها. أو قال: كبَّرها. قال: وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا الشَّيباني، قال: حدَّثنا عامر، عن علقمة، قال: قيلَ لعبدِ الله: إنَّ أصحابَ مُعاذٍ يُكبِّرونَ على الجنائزِ خمسًا، فلو وقَّتَّ لنا. فقال عبدُ الله: إذا تقدَّمَ إمامُكم فكبَّر (٤)، فكبِّروا كما كبَّر؛ فإنَّه لا وقْتَ ولا عدَّة (٥).

стр. 2339

ومن حديثِ محمدِ بنِ إسماعيلَ الصَّائغ، قال: حدَّثنا محمودُ بنُ غَيلان، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: لم يروِ شُعبةُ عن عمرِو بنِ دينار، عن أبي معبدٍ، عن ابنِ عباس، إلّا حديثين؛ أحدُهما: أنَّ ابنَ عباسٍ قال: يُكبَّرُ على الجنائزِ ثلاثًا. والآخرُ: أنَّ ابنَ عباسٍ، قال: ليسَ على أهلِ الكتابِ حدٌّ. قال وكيعٌ: حدَّثناه شُعبة (١). وذكر الفزاريُّ، عن حُميدٍ، عن أنس، أنَّه صلَّى على جنازة، فكبَّر ثلاثًا، ثم سلَّمَ، فقيلَ له: إنّما كبَّرتَ ثلاثًا. فاستقبلَ القبلة، فكبَّر الرَّابعة، ثم سلَّم (٢). حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عليٍّ أبو العبَّاس الكنديُّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الهيثمُ بنُ خلفٍ الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا محمودُ بنُ غَيلان، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عمرٍو، عن أبي معبد، عن ابنِ عباس، أنّه كبَّر على الجنازةِ ثلاثًا (٣).

стр. 2340

وقال مالكٌ وأصحابُه، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشَّافعيُّ ومَن اتَّبعَه، والثَّوريُّ، والأوزاعي، والحسنُ بنُ حي، واللَّيثُ بنُ سعد، وأحمدُ بنُ حنبل، وداودُ، والطَّبري، وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيِّب، وأبي سلمة، وابنِ سيرينَ، والحسن، وسائرِ أهلِ الحديث: التَّكبيرُ أربع (١). قال إبراهيمُ النَّخعيُّ: قُبضَ رسولُ الله ﷺ والناسُ مخُتلفونَ؛ فمنهم مَن يقولُ: كبَّر النبيُّ ﷺ أربعًا، ومنهم مَن يقول: خمسًا، وآخر يقول: سبعًا،. فلمَّا كان عمرُ جمَع الصحابة، فقال لهم: انظُروا أمرًا تجتمِعونَ عليه، فأجمعَ أمرُهم على أربع تكبيرات (٢). وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: كُلُّ ذلك قد كان؛ خمسٌ، وأربعٌ، فأمرَ عمرُ الناسَ بأربع (٣). فإن احتجَّ محُتجٌّ بابنِ مسعود، قيلَ له: قد رُويَ عنه أنّه ليس في التَّكبيرِ شيءٌ معلومٌ، ورُويَ عنه أنّه كبَّر أربعًا، وهو أولى. وإن احتجَّ محُتجٌّ بعليٍّ ﵁، قيلَ له: إنّما كبَّر أكثرَ من أربع على قوم دونَ آخرين، وذلك أنّه كان يُكبِّرُ على أهلِ بدرٍ ستًّا أو سبعًا، وعلى سائرِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ خمسًا، وعلى سائرِ الناسِ أربعًا (٤).

стр. 2341

وقد روَى أبو مُعاوية، عن الأعمش، عن يزيدَ بنِ أبي زياد، عن عبدِ الله بنِ مَعقِل، قال: كبَّر عليٌّ في سُلطانِه أربعًا أربعًا على الجنازةِ، إلّا على سهلِ بنِ حُنيف، فإنَّه كبَّر عليه خمسًا، ثم التفت (١) فقال: إنَّه بدري (٢). والأحاديثُ عن عليٍّ في هذا مُضطربةٌ، وما جمَع عمرُ عليه الناسَ أصحُّ وأثبَتُ، مع صحَّةِ السُّننِ فيه عن النبيِّ ﷺ أنّه كبَّر أربعًا، وهو العملُ المستفيضُ بالمدينة، ومثلُ هذا يُحتجُّ فيه بالعمل؛ لأنّه قَلَّ يومٌ أو جُمُعةٌ إلّا وفيه جنازةٌ، وعليه الجمهور، وهم الحجَّةُ، وبالله التوفيق. واختلفوا إذا كبَّر الإمامُ خمسًا؛ فرُوي عن مالكٍ والثَّوريِّ أنَّهما قالا: قفْ حيثُ وقَفتِ السُّنةُ (٣).

стр. 2342

قال ابنُ القاسم وابنُ وَهْب، عن مالكٍ: لا يُكبِّرُ معه الخامسة، ولكنَّه لا يُسلِّمُ إلّا بسلامِه (١). وعن الحسن بنِ حيٍّ وعبيدِ الله بنِ الحسنِ نحوُ ذلك (٢). وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسفَ: إذا كبَّر الإمامُ خمسًا قطع المأمومُ بعدَ الأربع بسلام، ولم ينتظروا تسليمَه (٣). وقال زُفرُ: التَّكبيرُ على الجنائزِ (٤) أربعٌ، فإن كبَّر الإمامُ خمسًا كبَّر معه. وهو قولُ الثَّوريِّ في رواية، وقد رُويَ عن الثوري أنّه لا يُكبِّرُ، ولكنَّه يُسلِّمُ، كما (٥) قال أبو حنيفة سواء (٦). ورُويَ عن أبي يُوسف أنّه رجَع إلى قولِ زُفر (٧). وقال الشَّافعيُّ: لا يُكبِّر إلّا أربعًا، فإن كبَّر الإمامُ خمسًا، فالمأمومُ بالخيار؛ إن شاء سلَّمَ وقطَع، وإن شاء انتظرَ تسليمَ الإمام، فسلَّمَ بسلامِه، ولا يُكبِّر خامسةً البتَّة.

стр. 2343

وقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: فإنْ كبَّر الإمامُ خمسًا، أكبِّر معه؟ قال: نعم، قال ابنُ مسعودٍ: كبِّر ما كبَّر إمامُك. قيلَ لأبي عبدِ الله: أفلا ننصرفُ إذا كبَّر الخامسةَ؟ فقال: سُبحانَ الله! النبيُّ ﷺ كبَّر خمسًا؛ رواه زيدُ بنُ أرقم. ثم قال: ما أعجبَ الكوفيِّين! سفيانُ رحِمَنا اللهُ وإيَّاه يقول (١): ينصرِفُ إذا كبَّر الخامسةَ. وابنُ مسعودٍ يقول: ما كبَّر إمامُكم فكبِّروا. وقال أبو عبدِ الله: الذي نختارُه يُكبِّر أربعًا، فإنْ كبَّر الإمامُ خمسًا كبَّرنا معه؛ لِما رواه زيدُ بنُ أرقم، ولقولِ ابنِ مسعود، قيلَ له: فإنْ كبَّر ستًّا، أو سبعًا، أو ثمانيًا؟ قال: أمَّا هذا فلا، وأمَّا خمسٌ فقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ . وأجمَعَ هؤلاء الفقهاءُ على أنَّ مَن فاتَه بعضُ التَّكبير، فإنَّه يُكبِّر مع الإمام ما أدركَ منه، ويقضِي ما فاتَه، وهو قولُ ابنِ شهاب (٢). واختلفوا إذا وجَدَ الإمامَ قد سبقَه ببعضِ التَّكبير؛ فروَى أشهبُ، عن مالك: أنّه يُكبِّرُ أوَّلًا ولا ينتظِرُ الإمامَ (٣). وهو قولُ الشَّافعيِّ، واللَّيث، والأوزاعي، وأبي يُوسف (٤). وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ (٥): ينتظِرُ الإمامَ حتى يُكبِّر، فإذا كبَّر كبَّر معه، وإذا سلَّمَ قضَى ما عليه. ورواه ابنُ القاسم عن مالك (٦). وحجَّةُ مَن قال هذا قولُه ﷺ :

стр. 2344

"ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا" (١). فلو كبَّر قبلَ أنْ يُكبِّر إمامُه في الجِنازة، ثم قضَى ما فاتَه، على عُموم هذا الحديثِ، صارَتْ خمسًا. وحجَّةُ روايةِ أشهبَ ومَن قال بها أنَّ التَّكبيرَ الأوَّلَ بمنزلةِ الإحرام، فينبغي أنْ يفعلَه على كلِّ حال، ثم يقضيَ ما فاتَه بعدَ سلام إمامه. وقال أحمدُ: كُلُّ ذلكَ سهلٌ، لا بأسَ به (٢). روَى وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مُغيرةَ، عن الحارثِ العُكْليِّ، قال: إذا جئْتَ وقد كبَّر الإمامُ على الجنازِة، فقمْ، ولا تُكبِّر حتى يُكبِّر (٣). واختلفوا إذا رُفعَتِ الجنازة؛ فقال مالكٌ والثَّوريُّ: يقضِي ما فاتَه مِن التَّكبير نسَقًا مُتتابعًا، ولا يَدْعُ فيما بينَ ذلك بشيء، رُفعَ النَّعشُ أو لم يُرفعْ. وقال أبو حنيفةَ والشَّافعيُّ: يقضي ما بقيَ عليه مِن التَّكبير ما لم يُرفعْ، ويدعُو ما بينَ التَّكبير. وقال اللَّيثُ: كان الزُّهريُّ يقولُ: يقضي ما فاته (٤). وكان ربيعةُ يقول: لا يقضي. وقال اللَّيثُ: يقضي. وقال الأوزاعيُّ: لا يقضي. وقال أحمدُ بنُ حنبل: إنْ قضَى قبلَ أنْ يُرفعَ فحسنٌ، وإلّا فلا شيءَ عليه (٥).

стр. 2345

وقد استدلَّ بعضُ شُيوخِنا على أنَّ الجنازةَ لا يُصلَّى عليها في المسجدِ بهذا الحديث؛ لخروج رسولِ الله ﷺ بأصحابِه إلى المصلَّى للصلاةِ على النَّجاشي. قال أبو عمر: استدلَّ بهذا، وهو ممَّن يقولُ بأنّ عَمَلَ أهلِ المدينةِ أقوى من الخبرِ المنفرد، وهو يُرْوى من حديثِ مالكٍ وغيرِه، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى على سُهيلِ ابنِ بيضاءَ في المسجدِ وعلى أخيه سهل (١)، وأنَّ أبا بكرٍ صُلِّيَ عليه في المسجدِ، وأنَّ عمرَ صُلِّيَ عليه في المسجد (٢). وهذه نُصوصُ سُنَّةٍ وعمل، وليس للدَّليلِ المحتملِ للتَّاويلِ مدخلٌ مع النَّصوص. وقد قال قائلُ هذه المقالةِ: إنَّ أبا بكرٍ وعمرَ إنّما صُلِّيَ عليهما في المسجدِ من أجلِ أنَّهما دُفِنا في المسجد. فيلزَمُه أنْ يُجيزَ الصلاةَ في المسجدِ على من يُدفَنُ فيه، وإذا جازَ أنْ يُصلَّى على الجنازةِ في المسجد، ثم يُدفَنَ فيه، لم يكنِ المنعُ من الدَّفنِ في المسجدِ بمانع من الصلاة؛ لأنَّ الدَّفنَ فيه ليس بعلَّةٍ للصَّلاةِ فيه، فافْهَمْ. والأصلُ في الأشياء الإباحةُ حتى يصحَّ المنعُ بوجْهٍ لا مُعارضَ له، ودليلٍ غيرِ محُتملٍ للتَّأويل. وستأتي هذه المسألةُ في موضعِها من كتابِنا هذا إن شاء الله.

стр. 2346

حديثٌ خامسٌ لابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ متَّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهَابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يموتُ لأحدٍ مِن المسلمينَ ثلاثةٌ مِن الولدِ (٢)، فتَمَسَّه النَّارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَم". هكذا روَى هذا الحديثَ مالكٌ وغيرُه عن ابنِ شهاب (٣). وفيه: أنَّ المسلمَ تُكفَّرُ خطاياه وتُغفرُ له ذُنُوبُه بالصَّبْرِ على مُصيبتِه، ولذلك زُحْزِحَ عن النارِ فلمْ تَمَسَّه؛ لأنَّ مَن لم تُغفَرْ له ذُنُوبُه لم يُزحزَحْ عن النار، واللهُ أعلمُ، أجارَنا اللهُ منها. وإنَّما قلتُ ذلك بدليلِ قولِه ﷺ : "لا يزالُ المؤمنُ يُصابُ في ولَدِه وحَامَّتِهِ (٤) حتى يَلْقَى اللهَ وليسَت عليه خطيئَة" (٥). وإنَّما قلتُ: إنَّ ذلك بالصبرِ والاحتسابِ والرِّضَا، لقوله ﷺ : "مَن صَبَرَ على مُصِيبَتِهِ واحتسَبَ، كان جزَاؤُه الجنَّة".

стр. 2347

وقد رَوَى ابنُ سيرينَ وغيرُه هذا الحديثَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، فقالوا فيه: "مَن مات له ثلاثةٌ من الوَلَدِ لم يبلُغُوا الحِنْثَ، كانوا له حِجابًا مِن النَّار". وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي هريرةَ هذا، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِن المسلمينَ مَن يموتُ له ثلاثةٌ مِن الوَلَدِ لم يَبلُغُوا الحِنْثَ، إلا أدخَلَه اللهُ الجنّةَ بفَضلِ رحمَتِه إيّاهم، يُجاءُ بهم يومَ القيامَةِ فيمالُ لهم: ادخُلُوا الجنّةَ، فيقولون: حتى يدخُلَ آباؤُنا، فيُقالُ لهم: ادخُلُوا أنتم وآباؤُكم بفَضلِ رحمَتي" (١). وقد رَوَى أنسُ بنُ مالك، عن النبيِّ ﷺ مِثْلَه. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهيب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَا مِن مسلم يموتُ له ثلاثةٌ مِن الوَلَدِ لم يبلُغُوا (٣) الحِنثَ، إلّا أدخَلَه اللهُ الجنَّة بفضلِ رحمَتِه إيَّاهم". ففي قوله ﷺ في هذه الأحاديثِ: "لم يبلُغُوا الحِنثَ" -ومعناه عندَ أهلِ العلم: لم يَبلُغُوا الحُلُمَ ولم يَبْلُغُوا أن يَلْزَمَهم حِنثٌ- دليلٌ على أنَّ (٤) أطفالَ

стр. 2348

المسلمينَ في الجنَّةِ لا محالةَ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ الرَّحمةَ إذا نزَلت بآبائِهم مِن أجلِهم، استَحالَ أن يُرحمُوا مِن أجلِ مَن ليسَ بمَرحوم، ألا ترَى إلى قوله ﷺ : "بفضلِ رحمتِه إيَّاهم"؟ فقد صارَ الأبُ مرحُومًا بفَضلِ رحمتِهم، وهذا على عُمُومِه؛ لأنَّ لفظَه ﷺ هذه الأحاديثِ لفظُ عُموم. وقد أجمعَ العلماءُ على ما قُلنا مِن أنَّ أطفالَ المسلمينَ في الجنَّةِ، فأغْنَى ذلك عن كثيرٍ مِن الاستدلالِ، ولا أعلمُ عن جماعَتِهم في ذلك خلافًا، إلّا فِرْقَةً شذَّتْ مِن المُجبِرةِ (١)، فجعَلتهم في المشيئةِ. وهو قولٌ شاذٌّ مهجورٌ، مردودٌ بإجماع الجماعةِ، وهم الحُجَّةُ الذين لا تجوزُ مخالفَتُهم، ولا يجوزُ على مثلِهم الغلَطُ في مثلِ هذا، إلى ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ مِن أخبارِ الآحادِ (٢) الثِّقاتِ العُدُول؛ فمِنها ما ذكرنا، ومنها: قولُه ﷺ : "إنِّي مكاثرٌ بكم الأُمم، حتى بالسِّقطِ يَظَلُّ مُحْبَنْطِئًا يقالُ له: ادخُلِ الجنَّة، فيقول: لا، حتى يدخُلَها أبوايَ، فيُقالُ له: ادخُلْ أنت وأبَواكَ" (٣).

стр. 2349

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "صغَارُكم دعَاميصُ الجنَّة" (١). وقد رَوَى شعبةُ، عن معاويةَ بنِ قرَّةَ بنِ إياسٍ المُزنيِّ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ مات له ابنٌ صغيرٌ، فوجَدَ عليه، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أما يَسرُّكَ ألّا تأتي بابًا مِن أبوابِ الجنةِ إلّا وجدتَه يستفتِحُ لك؟ "، فقالوا: يا رسولَ الله، ألهُ خاصةً أم للمسلمينَ عامةً؟ قال: "بل للمسلمينَ عامةً" (٢).

стр. 2350

وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ بمعنَى ما ذكرناه. وقد ذكرنا آثارَ هذا البابِ، وما قالته الفِرَقُ في ذلك واعتقدَته، في باب أبي الزِّنَاد (١)، والحمدُ لله. وفي هذه الآثارِ مع إجماع الجمهورِ دليلٌ على أنّ قولَه ﷺ : "الشَّقيُّ مَن شَقِيَ في بَطن أُمّه، وإنَّ المَلكَ ينزلُ فيكتُبُ أجلَه ورزقَه، ويكتُبُه شقيًّا أو سعيدًا في بطنِ أُمِّه" (٢) مخصوصٌ مجملٌ، وأنَّ مَن ماتَ مِن أطفالِ المسلمينَ قبلَ الاكتسابِ، فهو ممَّن سعِد في بطنِ أُمِّه لم يشْقَ؛ بدليلِ ما ذكرنا مِن الأحاديثِ والإجماع. وفي ذلك أيضًا دليلٌ واضحٌ على سُقُوطِ حديثِ طلحةَ بنِ يحيَى، عن عمَّتِه عائشةَ بنتِ طلحة، عن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ، قالت: أُتيَ رسولُ الله ﷺ بصبيٍّ مِن صِبيانِ الأنصارِ ليُصلِّيَ عليه، فقلتُ: طُوبَى له، عُصفورٌ مِن عصافيرِ الجنةِ، لم يعمَلْ سُوءًا قطُّ، ولم يُدرِكْه ذنْبٌ. فقال النبيُّ ﷺ : "أو غيرَ ذلك يا عائشةُ؟ إنَّ اللهَ خلَقَ الجنةَ وخلَقَ لها أهلًا وهُم في أصلابِ آبائِهم، وخلقَ النَّارَ وخلَق لها خلقًا وهُم في أصلابِ آبائِهم، اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملينَ" (٣). وهذا

стр. 2351

حديثٌ ساقطٌ ضعيفٌ، مردودٌ بما ذكرنا من الآثارِ والإجماع، وطلحةُ بنُ يحيَى ضعيفٌ لا يُحتجُّ به (١)، وهذا الحديثُ ممَّا انفرَدَ به فلا يُعرَّجُ عليه. ومعنى قوله: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملِينَ": إخبار بأنَّ اللهَ يعلَمُ ما يكونُ قبلَ أن يكون، وما لا يكونُ لو كان كيف يكون، والمُجازَاةُ إنّما تكونُ على الأعمال. وحديثُ شعبة، عن معاويةَ بنِ قُرَّة، عن أبيه، حديثٌ ثابتٌ صحيح، وعليه الناسُ، وهو يُعارِضُ حديثَ طلحةَ بنِ يحيَى ويدفَعُه (٢).

стр. 2352

حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البغوي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال (١): أنبأنا شعبةُ، عن معاويةَ بنِ قُرَّة، عن أبيه، أن رجلًا جاءَ بابنِه إلى النبيِّ ﷺ ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أتُحبُّه؟ "، فقال: أحبَّك اللهُ كما أُحِبُّه يا رسولَ الله. فتُوفِّي الصبيُّ، ففقَدَه النبيُّ ﷺ ، فقال: "أين فُلانٌ؟ "، فقالوا: يا رسولَ الله، تُوفِّي ابنُه، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أما تَرْضى ألّا تأتيَ بابًا مِن أبوابِ الجنةِ إلّا جاءَ حتى يفتَحَه لكَ؟ "، فقالوا: يا رسولَ الله، ألَهُ وحدَه، أمْ لِكُلِّنا؟ فقال: "لا، بل لِكُلِّكُم". وقد رَوَينا عن عليِّ بنِ أبي طالب، ولا مخُالِفَ له في ذلك مِنَ الصحابةِ، أنّه قال في قولِ الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]، قال: هم أطفالُ المسلمين. حدَّثناه خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ وأحمدُ بنُ مطرِّفٍ، قالا: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعنَاقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا المؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمانَ بنِ مَوهَب،

стр. 2353

عن زَاذَانَ، عن عليٍّ في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾، قال: أصحابُ اليمينِ أطفالُ المسلمين (١). ورواه وكيعٌ، عن سفيانَ بإسنادِه مثلَه بمعناه (٢). وقد اختلفَ العلماءُ في أطفالِ المشركينَ وفي أطفال المسلمينَ أيضًا على ما ذكرناه ومهَّدنَاه في باب أبي الزِّنَاد (٣) مِن هذا الكتاب. وأمَّا قولُه ﷺ في حديثنا المذكورِ في هذا الباب: "إلّا تَحلَّةَ القَسَم" فهو يُخرَّجُ في التفسيرِ المسندِ؛ لأنَّ القَسَمَ المذكورَ في هذا الحديثِ معنَاه -عندَ أهلِ العلم-: قولُ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]. قال الحسنُ وقتادةُ: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: قَسَمًا واجبًا (٤). وكذلك قال السديُّ، ورواه عن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بنِ مسعود، أنّه قال ذلك (٥). وظاهِرُ قوله: "فَتمَسَّه النَّارُ" يدُلُّ على أنَّ الوُرُودَ: الدُّخُولُ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ المَسِيسَ حقيقتُه في اللُّغَةِ المباشَرَةُ، وقد يحتمِلُ على الاتِّسَاع أنْ يكونَ القُرْب. وقد اختلَفَ العلماءُ في الوُرُودِ؛ فقال منهم قائِلُون: الوُرُودُ: الدُّخُول. وممَّن قال ذلك: ابنُ عباس، وعبدُ الله بنُ رواحَةَ، وقد اختُلِفَ في ذلك عن ابنِ

стр. 2354

عباسٍ ولم يُختَلفْ عن ابنِ رواحَةَ. ورَوى ابنُ المبارَكِ (١) وغيرُه، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن قيسِ بنِ أبب حازم، أنَّ عبدَ الله بنَ رواحَةَ بكَى، فقالت له امرأتُه: ما يُبكِيكَ؟ فقال: قد علِمتُ أنِّي داخلٌ النارَ، ولا أدري أناجٍ أنا منها أم لا؟ قال أبو عمر: قال اللهُ : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]. وهذا يحتمِلُ، واللهُ أعلمُ، أنّها تكونُ بردًا وسلامًا على المؤمنينَ، وينْجُونَ منها سالمين. وذكر ابنُ جُريج، عن عطاء، عن ابنِ عباسٍ قال: إنّ الوُرُودَ الذي ذكرَ اللهُ في القرآنِ: الدُّخُولُ (٢)، ليَردَنَّها كلُّ برٍّ وفاجِرٍ، ثم قال ابنُ عباسٍ: في القرآنِ أربعةُ أورَادٍ؛ قولُه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، وقولُه: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقولُه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، وقولُه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال ابنُ عباس: والله، لقد كان مِن دُعَاء مَن مضَى: اللَّهُمَّ أخرِجْني مِن النَّارِ سالمًا، وأدخِلْني (٣) الجنّةَ غانمًا (٤).

стр. 2355

ورَوى مجُاهدٌ، أنَّ نافعَ بنَ الأزرَقِ سألَ ابنَ عباس عن قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال ابنُ عباسٍ: ﴿وَارِدُهَا﴾: داخِلُها. فقال نافعٌ: يَرِدُ القومُ ولا يدخُلُون. فاستَوى ابنُ عباسٍ جالسًا وكان مُتكِئًا، فقال له: أمَّا أنا وأنتَ فسَنَرِدُها، فانظُرْ هل ننجُو منها أم لا؟ أما تقرأُ قولَ الله: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٧ - ٩٨]؟ أفتُراه، ويلَك، إنّما أوقفَهم على شَفِيرها، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١)؟ [غافر: ٤٦]. وقد روَى الأعمشُ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ، وابنُ جريج، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، عن أمِّ مُبَشِّرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يدخُلُ النارَ أحدٌ شَهِدَ بدرًا وبايعَ تحت الشجرةِ"، فقالت له حفصةُ: ألم تسمع اللهَ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "أما تَسمَعينَ اللهَ يقولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾؟ " (٢).

стр. 2356

وقال خالدُ بنُ مَعدَانَ: إذا دخَلَ أهلُ الجنةِ الجنّةَ قالوا: ألم تقُلْ: إنَّا نَرِدُ النَّارَ؟ فيُقالُ: قد وردتُمُوها فألفيتُمُوها رمَادًا (١). وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثنا أبي (٢)، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا غالبُ بنُ سليمانَ أبو صالح، عن كثيرِ بنِ زيادٍ البُرسَاني، عن أبي سُميَّة، أنّه سأل جابرَ بنَ عبدِ الله عن الوُرُودِ، فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الوُرُودُ الدَّخُولُ، لا يبقَى بَرٌّ ولا فاجرٌ إلّا دخَلَها، فتكونُ على المؤمنينَ بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ".

стр. 2357

ورَوى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ -في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ - قال: الممَرُّ على الصِّراط (١). وممَّن قال أيضًا: إنَّ الوُرُودَ الممرُّ على الصِّراطِ: عبدُ الله بنُ مسعود (٢)، وكعبُ الأحبارِ، والسُّدِّيُّ. ورواه السُّدّيُّ، عن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ (٣). ورُويَ عن كعبٍ أنّه تلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. فقال: أتدرُونَ ما ورُودُها؟ قالوا: اللهُ أعلمُ. قال: ذلك أن يُجاءَ بجهنَّمَ فتُمْسَكَ للناسِ كأنَّها متنُ إهالةٍ -يعني الوَدَكَ الذي يجمُدُ على القِدرِ مِن المَرَقَةِ- حتى إذا استقرَّت عليها أقدامُ الخلائق؛ برِّهِم وفاجرهم، نادَى مُنادٍ: أن خُذِي أصحابَكِ، وذَري أصحابي. فيُخسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، فهي أعلمُ بهم مِن الوَالِدَةِ بوَلدِها، وينجُو المؤمنونَ نَديَّةً ثِيابُهم (٤).

стр. 2358

ورُويَ هذا المعْنَى عن أبي نَضْرَةَ، وزادَ: وهو معنَى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦]. وروى وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عبدِ الله بنِ السَّائبِ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنّه قال في قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: هو خطابٌ للكفَّار (١). ورُويَ عنه أنّه كان يقرأُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢)، ردًّا (٣) على الآياتِ التي قبلَها في الكفَّارِ؛ قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]. و: (أيُّهُم أشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أوْلَى بِها صلِيًّا * وإنْ مِنْهُمْ إلَّا وارِدُهَا). وقال ابن الأنباريِّ (٤) محُتَجًّا لمصحَفِ عثمانَ وقراءَةِ العامةِ: جائزٌ في اللغةِ أن يَرجعَ مِن مخُاطَبةِ الغائبِ إلى لفظِ المُواجهةِ بالخطَابِ، كما قال اللهُ : ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢١ - ٢٢]، فأبدَلَ الكافَ مِن الهاء. قال أبو عمر: وتَرجِعُ العربُ أيضًا مِن مُواجهةِ الخطاب إلى لفظِ الغائبِ، قال اللهُ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. وهذا كثيرٌ في القرآنِ وأشعارِ العربِ، وأحسنُ ما قيلَ في ذلك قولُ الشاعرِ:

стр. 2359

إذا لم يكنْ للقومِ جَدٌّ ولم يكنْ ... لهم رجلٌ عندَ الإمامِ مَكِينُ فكونوا كأيدٍ وَهَّنَ اللهُ بطْشَها ... تُرَى أشْمُلًا ليسَتْ لهُنَّ يَمِينُ (١) وقد جاءَ عن مجاهدٍ، أنَّه قال في تأويلِ قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال: الحُمَّى مِن فَيْح جَهَنَّمَ، وهي حظُّ المؤمنِ مِن النارِ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، أنّه قال: الحُمَّى حَظُّ المؤمنِ مِن النارِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: الحُمَّى في الدُّنيا: الوُرُودُ، فلا يَردُها في الآخِرَةِ (٢). قال أبو عمر: ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القولِ ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائِغُ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابرٍ، عن إسماعيلَ بنِ عُبيدِ الله، عن أبي صالح الأشعريِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيِّ ﷺ عاد مريضًا ومعه أبو هريرةَ، مِن وعْكٍ كان به، فقال له (٣) النبيُّ ﷺ : "أبشِرْ، فإنَّ اللهَ ﵎ يقولُ: هي نَاري أُسلِّطُهَا على عَبدِيَ المؤمنِ (٤)، لتكونَ حظَّه مِن النَّارِ في الآخِرَةِ" (٥).

стр. 2360

وحدَّثنا خَلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا فيُ بنُ مَعْبَدِ بنِ نوح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ محمدُ بنُ مُطرِّفٍ، عن الحُصَيْنِ، عن أبي صالح الأشعريِّ، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبىِّ ﷺ ، قال: "الحُمَّى كِيرٌ مِن جَهَنَّمَ، فما أصابَ المؤمنَ مِنها كان حظَّه مِن النَّارِ" (١). أبو الحُصَينِ هذا مروانُ بنُ رُؤبةَ التَّغْلِبيُّ (٢)، وأبو صالح الأشعريُّ مولى عثمان. قاله ابنُ معينٍ وغيره.

стр. 2361

وحدَّثنا خلف، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا سعيد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ معبد، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عصمةُ بنُ سالم الهُنائي، وكان صدُوقًا عاقلًا، قال: حدَّثنا الأشعثُ بنُ جابرٍ الحُدَّاني، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي ريحانَة الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الحُمَّى كِيرٌ مِن جهنَّمَ، وهي نَصِيبُ المؤمِنِ من النَّارِ" (١). وقال قومٌ: الورُودُ للمؤمنينَ أن يَروُا النارَ، ثم يُنْجَى منها الفائِزُ، ويَصْلاها مَن قُدِّرَ عليه دُخُولُها منهم، ثم يخرُجُ منها بشَفاعةِ محمدٍ ﷺ أو بغيرها مِن رحمةِ الله. واحتجَّ بقولِ رسولِ الله ﷺ في مخُاطَبةِ أصحابِه ومَن جرى مجرَاهم مِن المؤمنينَ: "إذا مات أحدُكم عُرِضَ عليه مقعدُه بالغَدَاةِ والعَشِيِّ؛ إن كان مِن أهلِ الجنةِ فمِن أهلِ الجنةِ، وإن كان مِن أهلِ النارِ فمِن أهلِ النَّار، يقالُ له: هذا مَقْعَدُكَ حتى يبْعَثَكَ اللهُ يومَ القيامةِ" (٢).

стр. 2362

هذا حديثُ ابنِ عمرَ. وقد رَوى أبو هريرةَ وغيرُه: "إنَّ المؤمنَ يُعْرَضُ عليه مقعدُه مِن النَّار، فيُقالُ له: انظُر ما نجَّاكَ اللهُ منه. ثم يفتَحُ له (١) إلى الجنةِ، فيقال: انظُرْ ما تَصِيرُ إليه" (٢). هذا معنى الحديث. فهذه الأقاويلُ كلُّها قد جاءَتْ في معنَى الوُرُودِ في قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وقد يحتمِلُ أن يكونَ قولُه ﷺ : "إلّا تحلَّةَ القَسَم" استثناءً مُنقَطِعًا، بمعنى: لكنْ تَحِلَّةَ القَسَم، وهذا معروفٌ في اللغةِ، أن تكونَ "إلّا" بمعنَى "لكن"، على ما ذكرْناه في بابِ زيدِ بنِ أسلم (٣)، قولَ الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ (٤)﴾ [المائدة: ٣]. وإذا كان ذلك كذلك، فقولُه: "لن تَمَسَّه النارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَم"؛ أي: لا تَمَسُّه النارُ أصلًا. كلامًا تامًّا، ثم ابتدَأ: "إلّا تَحلَّة القَسَم"؛ أي: لكن تَحلَّةَ القَسَم، لا بُدَّ منها في قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وهو الجوازُ على الصِّرَاطِ أو الرُّؤيةُ، والدُّخُولُ دُخُولَ سلامَةٍ، فلا يكونُ في شيءٍ مِن ذلك مَسِيسٌ يُؤذي.
следующие страницы →