← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2358–2397 · переход к 2363.

стр. 2358

ورُويَ هذا المعْنَى عن أبي نَضْرَةَ، وزادَ: وهو معنَى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦]. وروى وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عبدِ الله بنِ السَّائبِ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنّه قال في قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: هو خطابٌ للكفَّار (١). ورُويَ عنه أنّه كان يقرأُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢)، ردًّا (٣) على الآياتِ التي قبلَها في الكفَّارِ؛ قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]. و: (أيُّهُم أشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أوْلَى بِها صلِيًّا * وإنْ مِنْهُمْ إلَّا وارِدُهَا). وقال ابن الأنباريِّ (٤) محُتَجًّا لمصحَفِ عثمانَ وقراءَةِ العامةِ: جائزٌ في اللغةِ أن يَرجعَ مِن مخُاطَبةِ الغائبِ إلى لفظِ المُواجهةِ بالخطَابِ، كما قال اللهُ : ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢١ - ٢٢]، فأبدَلَ الكافَ مِن الهاء. قال أبو عمر: وتَرجِعُ العربُ أيضًا مِن مُواجهةِ الخطاب إلى لفظِ الغائبِ، قال اللهُ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. وهذا كثيرٌ في القرآنِ وأشعارِ العربِ، وأحسنُ ما قيلَ في ذلك قولُ الشاعرِ:

стр. 2359

إذا لم يكنْ للقومِ جَدٌّ ولم يكنْ ... لهم رجلٌ عندَ الإمامِ مَكِينُ فكونوا كأيدٍ وَهَّنَ اللهُ بطْشَها ... تُرَى أشْمُلًا ليسَتْ لهُنَّ يَمِينُ (١) وقد جاءَ عن مجاهدٍ، أنَّه قال في تأويلِ قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال: الحُمَّى مِن فَيْح جَهَنَّمَ، وهي حظُّ المؤمنِ مِن النارِ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، أنّه قال: الحُمَّى حَظُّ المؤمنِ مِن النارِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: الحُمَّى في الدُّنيا: الوُرُودُ، فلا يَردُها في الآخِرَةِ (٢). قال أبو عمر: ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القولِ ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائِغُ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابرٍ، عن إسماعيلَ بنِ عُبيدِ الله، عن أبي صالح الأشعريِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيِّ ﷺ عاد مريضًا ومعه أبو هريرةَ، مِن وعْكٍ كان به، فقال له (٣) النبيُّ ﷺ : "أبشِرْ، فإنَّ اللهَ ﵎ يقولُ: هي نَاري أُسلِّطُهَا على عَبدِيَ المؤمنِ (٤)، لتكونَ حظَّه مِن النَّارِ في الآخِرَةِ" (٥).

стр. 2360

وحدَّثنا خَلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا فيُ بنُ مَعْبَدِ بنِ نوح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ محمدُ بنُ مُطرِّفٍ، عن الحُصَيْنِ، عن أبي صالح الأشعريِّ، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبىِّ ﷺ ، قال: "الحُمَّى كِيرٌ مِن جَهَنَّمَ، فما أصابَ المؤمنَ مِنها كان حظَّه مِن النَّارِ" (١). أبو الحُصَينِ هذا مروانُ بنُ رُؤبةَ التَّغْلِبيُّ (٢)، وأبو صالح الأشعريُّ مولى عثمان. قاله ابنُ معينٍ وغيره.

стр. 2361

وحدَّثنا خلف، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا سعيد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ معبد، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عصمةُ بنُ سالم الهُنائي، وكان صدُوقًا عاقلًا، قال: حدَّثنا الأشعثُ بنُ جابرٍ الحُدَّاني، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي ريحانَة الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الحُمَّى كِيرٌ مِن جهنَّمَ، وهي نَصِيبُ المؤمِنِ من النَّارِ" (١). وقال قومٌ: الورُودُ للمؤمنينَ أن يَروُا النارَ، ثم يُنْجَى منها الفائِزُ، ويَصْلاها مَن قُدِّرَ عليه دُخُولُها منهم، ثم يخرُجُ منها بشَفاعةِ محمدٍ ﷺ أو بغيرها مِن رحمةِ الله. واحتجَّ بقولِ رسولِ الله ﷺ في مخُاطَبةِ أصحابِه ومَن جرى مجرَاهم مِن المؤمنينَ: "إذا مات أحدُكم عُرِضَ عليه مقعدُه بالغَدَاةِ والعَشِيِّ؛ إن كان مِن أهلِ الجنةِ فمِن أهلِ الجنةِ، وإن كان مِن أهلِ النارِ فمِن أهلِ النَّار، يقالُ له: هذا مَقْعَدُكَ حتى يبْعَثَكَ اللهُ يومَ القيامةِ" (٢).

стр. 2362

هذا حديثُ ابنِ عمرَ. وقد رَوى أبو هريرةَ وغيرُه: "إنَّ المؤمنَ يُعْرَضُ عليه مقعدُه مِن النَّار، فيُقالُ له: انظُر ما نجَّاكَ اللهُ منه. ثم يفتَحُ له (١) إلى الجنةِ، فيقال: انظُرْ ما تَصِيرُ إليه" (٢). هذا معنى الحديث. فهذه الأقاويلُ كلُّها قد جاءَتْ في معنَى الوُرُودِ في قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وقد يحتمِلُ أن يكونَ قولُه ﷺ : "إلّا تحلَّةَ القَسَم" استثناءً مُنقَطِعًا، بمعنى: لكنْ تَحِلَّةَ القَسَم، وهذا معروفٌ في اللغةِ، أن تكونَ "إلّا" بمعنَى "لكن"، على ما ذكرْناه في بابِ زيدِ بنِ أسلم (٣)، قولَ الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ (٤)﴾ [المائدة: ٣]. وإذا كان ذلك كذلك، فقولُه: "لن تَمَسَّه النارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَم"؛ أي: لا تَمَسُّه النارُ أصلًا. كلامًا تامًّا، ثم ابتدَأ: "إلّا تَحلَّة القَسَم"؛ أي: لكن تَحلَّةَ القَسَم، لا بُدَّ منها في قولِ الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وهو الجوازُ على الصِّرَاطِ أو الرُّؤيةُ، والدُّخُولُ دُخُولَ سلامَةٍ، فلا يكونُ في شيءٍ مِن ذلك مَسِيسٌ يُؤذي.

стр. 2363

وقال بعضُ أهلِ العلم في قولِ الله (١): ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: معنَاه: لكن ما ذكَّيْتُم مِن غيرِ ما ذُكِرَ في هذه الآيةِ ذكاةً تامَّةً. وقد ذكرنا ذلك فيما سلَفَ مِن كتابِنا هذا، وذكرنا هنالك تعارُفَ ذلك في لِسَانِ العَرَبِ، وذلك في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ. ومِمَّا يدُلُّ على أنَّ (٢) الاستثْناءَ هاهنا مُنْقَطِعٌ، وأنَّه غيرُ عائدٍ إلى أنَّ النارَ تَمَسُّ مَن ماتَ له ثلاثةٌ مِن الولَدِ فاحْتَسَبَهم: حديثُه الآخرُ ﷺ ، وهو قولُه: "لا يموتُ لأحَدِكم ثلاثةٌ مِن الولَدِ فيَحْتَسِبَهم، إلّا كانوا له جُنّةً مِن النَّار". فقالت امرأةٌ: يا رسولَ الله، أو اثنانِ؟ قال: "أو اثْنَانِ" (٣). والجُنَّةُ: الوقَايةُ والسِّتْرُ، ومَن وُقِيَ النارَ وسُتِرَ عنها، فلن تَمَسَّه أصلًا، ولو مسَّتْه ما كان مُوقًى، وإذا وُقِيَها وسُتِرَ عنها، فقد زُحزِحَ وبُوعِدَ بينَه وبينَها، وهذا إنّما يكونُ لِمَن صَبَرَ واحتَسَبَ ورَضِيَ وسَلَّم، واللهُ أعلم. وهذا الحديثُ يُفَسِّرُ الأول؛ لأنَّ فيه ذِكْرَ الحِسْبةِ؛ قولَه: "فيَحْتَسِبَهم"؛ ولذلك جعَلَه مالكٌ بإثرِه مُفَسِّرًا له. والوجهُ عندي في هذا الحديثِ وما أشبَهَه مِن الآثارِ، أنها لمَن حافَظَ على أداءِ فرائضه، واجتَنَبَ الكبائر، والدليلُ على ذلك أنَّ الخطابَ في ذلك العصرِ لم يتَوجَّهْ إلّا إلى قَوْم الأغلَبُ مِن أعمالهم ما ذكرنا، وهم الصحابةُ رضوانُ الله عليهم.

стр. 2364

حديثٌ سادسٌ لابنِ شِهابٍ، عن سعيد بنِ المسيِّب (١) مُسنَدٌ مالكٌ (٢)، عنِ ابنِ شهابٍ، عن سعيد بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، أنّ سائلًا سألَ رسولَ الله ﷺ عنِ الصَّلاةِ في ثَوْبٍ واحدٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أوَ لِكُلِّكُم ثوْبانِ؟ ". لم يختلِفِ الرواةُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولا متنِه (٣). رواه معمرٌ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ مثلَه سواء (٤). وكذلك رواه ابنُ جُريج (٥). ورواه يونسُ، وعُقيل، عن ابنِ شهاب، عن سعيدٍ وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٦).

стр. 2365

ورواه ابنُ سيرينَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه سواءً (١). ووهذا الحديثُ حجةٌ لإجازةِ الصلاةِ في ثوبٍ واحد (٢). فكلُّ ثوبٍ سترَ العورةَ والفخِدينِ مِن الرَّجلِ جازَتِ الصلاةُ فيه على ظاهرِ الحديثِ؛ لأنّه يقعُ عليه اسمُ ثوبٍ، وقد أجمعوا أنّ صلَّى مستورَ العورة, فلا إعادةَ عليه. فإنْ كانت امرأةً، فكلُّ ثوبٍ يُغيِّبُ ظُهورَ قدَميها، ويسترُ جميعَ جسدِها وشعرِها، فجائزٌ لها الصلاةُ فيه؛ لأنّها كلَّها عورةٌ إلّا الوجهَ والكفَّين، على هذا أكثرُ أهل العلم، وقد أجمعوا على أنَّ المرأةَ تكشفُ وجهَهَا في الصلاةِ والإحرام، وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم، وهو قولُ الأوزاعيِّ وأبي ثورٍ: على المرأةِ أن تغطِّيَ منها ما سوى وجهِها وكفَّيها (٣). وقال أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ: كلُّ شيءٍ مِن المرأةِ عورةٌ، حتى ظُفْرُها (٤). حدَّثناه أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رجاء، عن ابنِ عجلان، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بن عبدِ الرحمن، عن أبي بكر بن عبدِ الرحمن (٥)، قال: كلُّ شيءٍ مِن المرأةِ عورةٌ حتى ظُفْرُها (٦).

стр. 2366

قال أبو عمر: قولُ أبي بكرٍ هذا خارجٌ عن أقاويلِ أهلِ العلم؛ لإجماع العلماءِ على أنَّ للمرأةِ أنْ تُصلِّيَ المكتوبةَ ويدَاها ووجهُها مكشوفٌ ذلك كلُّه منها، تباشِرُ الأرضَ به، وأجمعوا على (١) أنّها لا تُصلِّي متنقِّبةً، ولا عليها أن تلبَسَ قُفَّازين في الصلاةِ. وفي هذا أوضَحُ الدلائلِ على أنَّ ذلك منها غيرُ عورةٍ. وجائزٌ أنْ ينظُرَ إلى ذلك منها كُلُّ مَن نظَرَ إليها بغيرِ ريبةٍ ولا مكروهٍ. وأمَّا النظرُ للشَّهوة، فحرامٌ تأمُّلُها مِن فوقِ ثيابِها لشهوةٍ، فكيف بالنظرِ إلى وجهِها مُسْفِرةً؟ وقد رُويَ نحوُ قولِ (٢) أبي بكر بنِ عبدِ الرحمنِ عن أحمدَ (٣) بنِ حنبل؛ قال الأثرمُ: سُئِلَ أحمدُ بنُ حنبلٍ عن المرأةِ تصلِّي وبعضُ شعرِها مكشوفٌ وقدمُها، قال: لا يُعجبُني، إلّا أن تُغطِّيَ شعرَها وقدَميها. قال: وسمعتُه يُسألُ عن أمِّ الولَدِ كيفَ تُصلِّي، فقال: تُغطِّي رأسَها وقدمَيها؛ لأنّها لا تباعُ، وهي تُصلِّي كما تُصلَي الحرَة (٤). قال (٥): وسمعتُه يُسألُ عن الرجل يصلِّي في قميصٍ واحدٍ غيرِ مزرُور، فقال: ينبغي أن يزُرَّه، قيل: فإنْ كانت لحيتُه تُغطِّي، ولم يكنِ القميصُ متسِعَ الجيبِ، أو نحوَ هذا؟ فقال: إن كان يسيرًا فجائزٌ، قال: ولا أحبُّ لأحدٍ أنْ يصلِّيَ في ثوبٍ واحدٍ إلّا أن يكونَ على عاتقِه منه أو من غيرِه شيءٌ.

стр. 2367

وقال مالكٌ: إنْ صلَّتِ المرأةُ الحرَّةُ وشعرُها مكشوفٌ، أو قدَماها (١)، أو صدرُها، أعادَتْ ما دامت في الوقت (٢). وقال الشافعيُّ وأبو ثورٍ وأحمدُ (٣): تُعيدُ أبدًا إن انكشفَ شيءٌ مِن شعرِها، أو صدرِها، أو صُدُورِ قدمَيها. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: قدمُ المرأةِ ليستْ بعورةٍ، فإن صلَّتْ وقدمُها مكشوفةٌ، فلا شيءَ عليها، وإن صلَّتْ وجُلُّ شعرِها مكشوفٌ، فصلاتُها فاسدةٌ، وإن كان الأقلُّ مِن شعرِها مكشوفًا، فلا شيءَ عليها، وإن انكشَفَ شيءٌ منها غيرُ ما ذكرْنا، فصلَّتْ بذلك، فصلاتُها فاسدةٌ، عَلِمْت أمْ لم تعلم (٤). وقال إسحاقُ (٥): إن عَلِمَتْ: فسَدَتْ صلاتُها، وإن لم تعلمْ فلا إعادةَ عليها. والأصلُ في هذا البابِ أنَّ أمَّ سلمةَ سُئِلتْ: ماذا تصلِّي فيه المرأةُ مِن الثيابِ؟ فقالت: تصلِّي في الدرع والخمارِ السابغ، الذي يغيِّبُ ظهورَ (٦) قدميها. وعن عائشةَ وميمونةَ مثلُ ذلك؛ درعٌ وخمارٌ. وهذه الآثارُ عن أمِّ سلمةَ، وعائشةَ، وميمونةَ في "الموطأ"؛ فحديثُ عائشةَ مِن بلاغاتِ مالك (٧).

стр. 2368

وحديثُ ميمونةَ عن الثقةِ عنده (١)، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ، عن عبيدِ الله الخولانيِّ، عن ميمونةَ: أنّها كانت تصلِّي في درع وخمار، دونَ إزار. وحديثُ أمِّ سلمةَ رواه مالكٌ (٢)، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ قُنفُذٍ، عن أمِّه، سألت أم سلمةَ: ماذا تصلِّي فيه المرأةُ مِن الثيابِ؟ فقالت: تصلِّي في درعٍ وخمارٍ سابغٍ إذا غيَّبَ ظُهورَ قدمَيها. وقد رُوي حديثُ أمِّ سلمةَ مرفوعًا، والذين وقفُوه (٣) على أمِّ سلمةَ أكثرُ وأحفظُ؛ منهم: مالكٌ، وابنُ إسحاقَ، وابنُ أبي ذئبٍ، وبكرُ بنُ مضرَ، وحفصُ بنُ غياثٍ، وإسماعيلُ بنُ جعفرٍ، كلُّهم رووه عن محمدِ بنِ زيد، عن أمِّه، عن أمِّ سلمة، موقوفًا (٤). قاله أبو داود (٥).

стр. 2369

ورفعَه عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ دينار، عن محمدِ بنِ زيد، عن أمِّه، عن أمِّ سلمة، أنّها سألتِ النبيِّ ﷺ . فذكره (١). عبدُ الرحمنِ (٢) هذا ضعيفٌ عندَهم (٣)، إلّا أنّه قد خرَّج البخاريُّ بعضَ حديثه (٤). والإجماعُ في هذا البابِ أقوى مِن الخبرِ فيه. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عفَّان، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمة، عن قتادة، عن ابنِ سيرين، عن

стр. 2370

صفيةَ بنتِ الحارث، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلّا بخمارٍ" (١). قال أبو عمر: اختلفَ العلماءُ في تأويلِ قولِ الله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. فرُويَ عن ابنِ عباس وابن عمرَ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الوجهُ والكفان. ورُويَ عن ابنِ مسعودٍ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الثيابُ، قال: لا يُبدينَ قُرْطًا، ولا قِلادةً، ولا سِوارًا، ولا خَلخالًا، إلّا ما ظهرَ مِن الثياب (٢). وقد رُوي عن أبي هريرةَ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: القُلْبُ والفَتَخَةُ. رواه ابنُ وَهْبٍ (٣)، عن جريرِ بنِ حازم، قال: حدَّثني قيسُ بنُ سعدٍ، أنَّ أبا هريرةَ كان يقول، فذكره. قال جريرُ بنُ حازم: القُلْبُ: السِّوارُ، والفَتَخَةُ: الخاتمُ.

стр. 2371

وقال جابرُ بنُ زيدٍ: هي كُحْلٌ في عينٍ، أو خاتمٌ في خِنصَرٍ. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: الجلبابُ والرداءُ. وعن عائشةَ مثلُ قولِ أبي هريرة (١). وقد رُويَ عن ابنِ مسعود، ولا يصِحُّ: البنانُ، والقُرطُ، والدُّمْلُجُ (٢)، والخلخالُ، والقلادةُ (٣). يريدُ موضعَ ذلك (٤)، واللهُ أعلم. واختلف التابعونَ فيها أيضًا على هذين القولين، وعلى قولِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ الفقهاءُ في هذا البابِ، فهذا ما جاء في المرأةِ وحُكمِها في الاستتارِ في صلاتِها وغيرِ صلاتِها. وأمَّا الرجلُ فإنَّ أهلَ العلم يستحِبُّون أن يكونَ على عاتقِ الرجلِ ثوبٌ إذا لم يكنْ متَّزِرًا؛ لئلّا تقَع عينُه على عورةِ نفسِه، ويستحِبُّون للواحدِ المطيقِ على الثيابِ، أنْ يتجمّلَ في صلاته ما استطاعَ بثيابِه، وطِيْبِه، وسِواكه. قال معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع: رآني ابنُ عمرَ أُصلِّي في ثوبٍ واحدٍ، فقال: ألم أكسُكَ ثوبين؟ قلتُ: بلى. فقال: أرأيتَ لو أرسلتُك إلى فلان، أكنتَ ذاهبًا في هذا الثوبِ؟

стр. 2372

قلتُ: لا، قال: فاللهُ أحقُّ أن تزيَّنَ له، أو: مَن تزيَّنتَ له (١). وقد جاءَ عن النبيِّ ﷺ مثلُ هذا (٢). ومحملُه عندَنا على الأفضل، ولا سيَّما إنْ كان إمامًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى بنِ السَّكنِ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا المثُنَّى بنُ معاذٍ، عن أبيهِ، عن شعبةَ. وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ النيسابوريُّ، قال: أنبأنا عبيدُ الله بنُ مُعاذ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا شعبةُ -واللفظُ لحديثِ المثنَّى، عن أبيهِ، عن شعبةَ- عن توبةَ العنبريِّ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أراد أحدُكم أن يصلِّيَ فلْيتَّزرْ وليرْتَدِ" (٣). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويعيشُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَر (٤)، قال: حدَّثنا

стр. 2373

عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن نافع، قال: شغَلني شيءٌ، فجاء ابنُ عمرَ وأنا أصلِّي في ثوبٍ واحد. قال: فأمهَلَني حتى فرَغتُ مِن الصلاةِ، ثم قال: ألم تُكسَ ثوبينِ؟ قلتُ: بلى. قال: فلو أُرسِلتَ خارجًا مِن الدَّارِ أكنتَ تذهبُ في ثوبٍ واحدٍ؟ قلتُ: لا. قال: فاللهُ أحقُّ أن تَزيَّنَ له أم الناسُ؟ قلتُ: بلِ اللهُ. قال: ثم حدَّثَ بحديثٍ أكثرُ ظنِّي أنّه ذَكَر النبيَّ ﷺ قال: "إذا وجَد أحدُكم ثوبينِ، فليصلِّ فيهما، فإن لم يجدْ إلّا ثوبًا واحدًا، فليتَّزِرْ به اتِّزارًا، ولا يشتملِ اشتِمالَ اليهودِ" (١). وفي قوله ﷺ : "أوَلِكلِّكم ثوبان؟ " دليلٌ على أنَّ مَن كان معه ثوبانِ يتّزِرُ بالواحدِ، ويلبَسُ الآخرَ، أنّه حسنٌ في الصلاةِ، وإنما قلنا: حسنٌ، ولم نقُلْ: واجبٌ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ وأصحابَه، قد صلَّوا في ثوبٍ واحدٍ ومعهم ثيابٌ، وحسبُك بأبي هريرة، وهو راوي هذا الحديثِ. ذكر مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنّه قال: سُئِلَ أبو هريرة: هل يُصلِّي الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ؟ قال: نعم. فقيل له: هل تفعَلُ أنتَ ذلك؟ قال: نعم، إنّي لأُصلِّي في ثوبٍ واحدٍ وإنَّ ثيابي لعَلى المِشْجَبِ. وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزَّعفَرَانيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ (٣) بنُ عيينة، عن أبي الزنادِ،

стр. 2374

عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "لا يصلِّي أحدُكم في الثوبِ الواحدِ ليسَ على مَنكِبَيهِ منه شيءٌ" (١). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عونٍ, قال: أنبأنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيهِ، عن عمرَ بنِ أبي سلمةَ، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في بيتِ أمِّ سلمةَ يُصلِّي في ثوبٍ واحدٍ، واضعًا طرَفَيهِ على عاتِقَيهِ (٢). وروى عكرمةُ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم في ثوبٍ فلْيخالِفْ بطَرَفيهِ على عاتِقَيهِ" مِن حديثِ يحيى بنِ أبي كثير عن عكرمة (٣). قال أبو عمر: فهذه سنَّةُ الصلاةِ في الثوبِ الواحدِ إذا كان واسعًا، وإن كان ضيقًا فحديثُ جابرٍ وحديثُ ابنِ عمرَ؛ أمَّا حديثُ جابرٍ، فرواه أبو حزْرَةَ (٤) يعقوبُ بنُ مجاهدٍ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ، قال: أنبأني جابرٌ، أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 2375

قال له: "إن كان واسعًا فخالِفْ بينَ طرَفيهِ، وإن كان ضيِّقًا فاشدُدْه عليك". وبعضُهم يقولُ فيه (١): "فاشْدُدْه على حَقْوِك" (٢). وعندَ مالكٍ حديثُ جابرٍ هذا بلاغًا عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، وقال في آخرِه: "وإنْ كان قصيرًا فلْيتَّزِرْ به". وقد ذكرْنا هذا الخبرَ في بلاغاتِ مالكٍ (٣)، والحمدُ لله. وأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ، فروَاه حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ أو قال عمرُ -: "إذا كان لأحدِكم ثوبان فلْيصلِّ فيهما، وإن لم يكنْ له إلّا ثوبٌ فلْيتَّزِرْ به، ولا يشتملِ اشتِمالَ اليهودِ" (٤). وروى أبو المُنيبِ عبيدُ الله العَتَكيُّ، عن عبدِ الله بنِ بُريدةَ، عن أبيه، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يصلَّى في مراويلَ ليس عليها رداءٌ (٥). وهذا خبرٌ لا يُحتجُّ به لضعفِه، ولو صحَّ كان معناه النَّدْبَ لمن قدَرَ، وقد جاءَ ما يعارضُه؛ روَى أبو حَصِينٍ، عن أبي صالح، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى في ثوبٍ،

стр. 2376

بعضه عليها (١). وهذا لا محالةَ دونَ السّراويل. ويرُدُّه أيضًا حديثُ جابر، وحديثُ ابنِ عمرَ؛ قولَه: "وإن كان ضَيقًا فلْيتَّزِرْ به". وقد روَى سلمةُ بنُ الأكوع، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال له: "صلِّ في قمِيصٍ". وبعضهم يقولُ في حديثِ سلمةَ هذا: إنّه قال: قلتُ (٢): يا رسولَ الله؛ إنِّي أتصيَّدُ، أفأصلِّي في القميصِ الواحدِ؟ قال: "نعم، وزُرَّهُ ولو بشَوكةٍ" (٣). ورَوى ابنُ عباس، عن عليٍّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كان إزارُكَ واسعًا فتوشَّحْ به، وإن كان ضيقًا فاتَّزِرْ به" (٤). وهذه الآثارُ كلُّها تبينُ لك ما قلناه وفسَّرناه. وبالله التوفيق.

стр. 2377

ورُويَ عن جابرٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، ومعاويةَ، وسلمةَ بنِ الأكوع، وأبي أُمامةَ، وأبي هريرةَ، وطاوسٍ، ومجاهدٍ، وإبراهيمَ، وجماعةٍ مِن التابعين؛ أنهم أجازُوا الصلاةَ في القميصِ الواحدِ، إذا كان لا يصِفُ (١). وهو قولُ عامةِ فقهاءِ الأمصارِ في جميع الأقطارِ، ومِن العلماءِ مَن استحبَّ الصلاةَ في ثوبينِ، واستحبُّوا أنْ يكونَ المصلِّي مخمَّرَ العاتِقَين، وكرِهُوا أنْ يصلِّيَ الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ مؤتزرًا به، ليس على عاتقِه منه شيءٌ إذا قدَرَ على غيرِه، وأجمَع جميعُهم أنَّ صلاةَ مَن صلَّى بثوب يسترُ عورتَه جائزةٌ. وكان الشافعيُّ يقولُ: إذا كان الثوبُ ضيقًا يَزُرُّه، أو يخلِّلُه بشيءٍ؛ لئلّا يتجافَى القميصُ، فيرى من الجيبِ العورةَ، وإنْ لم يفعلْ ورأى عورتَه، أعادَ الصلاةَ (٢). وهو قولُ أحمدَ (٣)، وقد رخَّصَ مالكٌ في الصلاةِ في القميص محلُولِ الإزارِ ليس عليه سراويلُ ولا أزارٌ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي ثورٍ (٤)، وكان سالمٌ يصلِّي محلولَ الإزارِ. وقال داودُ الطائيُّ (٥): إذا كان عظيمَ اللحيةِ فلا بأسَ به.

стр. 2378

وأجمعوا على أنَّ سترَ العور فرضٌ واجبٌ بالجملةِ على الآدميِّين. واختلفوا: هل هي من فروضِ الصلاةِ أم لا؟ فقال أكثرُ أهلِ العلم، وجمهورُ فقهاءِ الأمصارِ: إنها من فروضِ الصلاةِ. وإلى هذا ذهَب أبو الفرج عمرُو بنُ محمدٍ المالكيُّ، واستدلَّ بأنَّ اللهَ قرَن أخذَ الزِّينةِ بذكرِ المساجدِ، يعني الصلاةَ، والزينةُ المأمورُ بها في قولِ الله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]: هي الثيابُ الساترةُ للعور؛ لأنَّ الآيةَ نزَلت مِن أجلِ الذين كانوا يطوفونَ بالبيتِ عُراةً؛ وهذا ما لا خِلافَ فيه بينَ العلماء. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أنبأنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا غُندرٌ، عن شعبةَ، عن سلمةَ، قال: سمِعتُ مسلمًا البَطينَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانتِ المرأةُ تطوفُ بالبيتِ وهي عُريانةٌ، وتقولُ: اليومَ يبدُو بعضُه أو كُلُّهُ ... فما بَدَا منه فلا أُحِلُّهُ فنزلت: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١). قال أبو عمر: لا يختلفُ العلماءُ بتأويلِ القرآنِ أنَّ قولَه : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ نزلت في القوم الذين كانوا يطوفونَ بالبيتِ عُراةً؛ رَوَينا عن مجاهدٍ، وطاووسٍ، وأبي صالح، ومحمّدِ بنِ كعبٍ القُرظيِّ، ومحمدِ بنِ شهابٍ

стр. 2379

الزُّهريِّ، في ذلك معنى ما نورِدُه بدخولِ كلام بعضِهم في بعض، وأكثرُه على لفظِ ابنِ شهابٍ، قال: كانت العربُ تطوفُ بالبيتِ عراةً (١) إلّا الحُمسَ؛ قريشًا وأحلافَهم، فمن جاءَ من غيرِهم وضَع ثيابَه، فطافَ في ثوبَيْ أحمَسيٍّ؛ يستعيرُهما منه، فإن لم يجدْ مَن يُعيرُه استأجرَ مِن ئيابِهم، فإن لم يجد مَن يستأجرُ منه ثوبَه مِن الحُمْس، ولا مَن يُعيرُه ذلك كان بينَ أحدِ أمرين: إمَّا أن يُلقِيَ عنه ثيابَه ويطوفَ عُريانًا، وإمَّا أنْ يطوفَ في ثيابِه؛ فإن طافَ في ثيابِه ألقاها عن نفسِه إذا قضَى طوافَه، وحرَّمها عليه فلا يقربُها ولا يقربُها (٢) غيرُه، فكان ذلك الئوبُ يسمَّى اللَّقَى (٣)، وفي ذلك يقولُ بعضُهم: كفى حزنًا كرِّي عليه كأنَّه ... لَقًى بينَ أيدي الطائفينَ حريمُ (٤) والمرأةُ في ذلك والرجلُ سواءٌ، إلّا أنَّ النساءَ كُنَّ يطُفنَ بالليلِ، والرجالُ بالنهارِ، فقدِمتِ امرأةٌ لها هيئةٌ وجمالٌ، فطافتْ عريانةً، وقال بعضُهم: بل كان عليها مِن ثيابِها ما ينكشِفُ عنها، فجعَلت تقول: اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّهُ ... فما بدَا منه فلا أُحِلُّهُ فكانوا على ذلك حتى بعَث اللهُ نبيَّه ﷺ ، فأنزل (١) عليه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ لأنهم كانوا

стр. 2380

كانوا يطوفون عراةً. ونزَلت (١): ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وأمرَ رسولُ الله ﷺ مناديًا فنادَى: "ألّا يطوفَ بالبيتِ عُريانٌ" (٢). وقال مجاهدٌ: كانت قريشٌ تطوفُ عراةً، ولا يلبَسُ أحدُهم ثوبًا طافَ فيه (٣). وقال غيرُه ما ذكرناه. وقال أبو عمر: استدلَّ مَن جعَل سترَ العور مِن فرائضِ الصلاةِ بالإجماع على إفسادِ مَن ترَك ثوبَه وهو قادر على الاستتارِ به وصلَّى عُريانًا. وقال آخرون: سترُ العور فرضٌ عن أعيُنِ المخلوقين، لا مِن أجلِ الصلاةِ، وسترُ العورةِ سنَّةٌ مؤكدةٌ مِن سُننِ الصلاةِ، ومَن ترَك الاستتارَ وهو قادرٌ على ذلك وصلَّى عُريانًا فسَدَتْ صلاتُه؛ كما تفسُدُ صلاةُ مَن ترَك الجلسةَ الوسطَى عامدًا وإن كانت مسنونةً. ولكِلا الفريقين اعتِلالٌ يطولُ ذكرُه، والقولُ الأولُ أصحُّ في النظرِ، وأصحُّ أيضًا مِن جهةِ الأثر، وعليه الجمهورُ. واختلفوا في العورر مِن الرَّجُلِ ما هي؟ فقال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما، والأوزاعيُّ، وأبو ثورٍ: ما دونَ السُّرةِ إلى الرُّكبةِ عورةٌ (٤). وقال أبو حنيفةَ: الركبةُ عورةٌ (٥). وقال الشافعيُّ: ليست السُّرةُ ولا الرُّكبتان مِن العورةِ. وحكى أبو حامدٍ الترمذيُّ أنَّ للشافعيِّ في السُّرةِ قولين، واختلَف

стр. 2381

المتأخرونَ مِن أصحابِه في ذلك أيضًا على ذَينِكَ القولين؛ فطائفةٌ قالت: السُّرةُ مِن العورةِ، وطائفةٌ قالت: ليست السُّرةُ عورةً (١). وقال عطاءٌ: الركبةُ عورةٌ (٢). وقال مالكٌ: السُّرةُ ليست بعورةٍ، وأكرَهُ للرجلِ أن يكشِفَ فخِذَه بحضرةِ زوجتِه (٣). وقال ابنُ أبي ذئبٍ: العورةُ مِن الرجلِ: الفرجُ نفسُه؛ القبلُ والدبرُ دونَ غير هما (٤). وهو قولُ داودَ وأهلِ الظاهرِ، وقولُ ابنِ عليةَ، والطبريِّ (٥). فمن حجَّةِ مَن قال: إنَّ الفخِذَ ليست بعورةٍ: حديثُ عائشةَ، أن النبيِّ ﷺ كان جالسًا في بيتهِ كاشفًا عن فخذِه، فاستأذنَ أبو بكرٍ، ثم عمرُ فأذِنَ لهما وهو على تلك الحالِ، ثم استأذنَ عثمانُ، فسوَّى عليه ثيابَه ثم أذِنَ له، فسُئِلَ عن ذلك فقال: "ألا أستحيِي مِمَّنْ تستحيِي منه الملائكةُ؟ " (٦). وهذا حديثٌ في ألفاظِه اضْطرابٌ. واحتجَّ البخاريُّ في ذلك بحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ (٧)، قال: حسَر النبيُّ ﷺ على فخذه حتى إنِّي لأرى بياضَ فخذِ نبيِّ الله ﷺ .

стр. 2382

ومِن حجةِ من قال: ما بينَ السُّرَّةِ والركبةِ عورةٌ: قولُه ﷺ : "الفخذُ عورةٌ". رواه عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ (١)، وابنُ عباسٍ (٢)، ومحمدُ بنُ جحشٍ (٣)،

стр. 2383

وجَرْهَدٌ الأسلميُّ (١)، وقَبيصةُ بنُ مخُارقٍ (٢)، كلُّهم عن النبيِّ ﷺ (٣).

стр. 2384

قالوا: والركبةُ ليست مِن الفخذِ. واحتجُّوا أيضًا بأنّ أبا هريرةَ قبَّل سُرَّةَ الحسنِ بنِ عليٍّ، وقال: أُقبِّلُ منكَ ما كان رسولُ الله ﷺ يُقبِّلُ منك (١). فلو كانت السُّرَّةُ عورةً ما قبَّلها أبو هريرةَ، ولا مكَّنَه منها الحسنُ، ومحالٌ أن يُقبِّلَها حتّى ينظرَ إليها. أخبرنا أحمدُ بنُ محمّدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل بنُ العبّاس، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ الجَعْدِ الوشّاءُ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حمّادٍ النَّرْسيُّ، قال: حدَّثنا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ، قال: صلَّى النبيُّ ﷺ خَلْفَ أبي بكرٍ ﵀ في ثَوبٍ واحدٍ (٢). قال مُعتَمِرٌ: أظنُّه في مرضِه.

стр. 2385

حديثٌ سابعٌ لابن شهابٍ، عن سعيدٍ متَّصلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " قاتَلَ اللهُ اليهودَ، اتَّخذوا قُبورَ أنبيائهم مساجِدَ". في هذا الحديث إباحَةُ الدُّعاء على أهْلِ الكُفْرِ، وتحريمُ السُّجودِ على قُبورِ الأنبياء، وفي مَعْنَى هذا أنّه لا يَحِلُّ السُّجودُ لغيرِ الله . ويَحتمِلُ الحديثُ ألّا تُجعَلَ قُبورُ الأنبياء قبلةً يُصلَّى إليها، وكلُّ ما احْتَمَله الحديثُ في اللسانِ العربيِّ فمَمْنُوعٌ منه؛ لأنّه إنّما دعا على اليهودِ محُذِّرًا لأُمَّتِه ﷺ مِن أنْ يفعَلُوا فِعْلَهم. وقد زَعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على كراهِيةِ الصلاةِ في المقبُرةِ وإلى القُبُورِ، وليس في ذلك عندي حُجَّةٌ، وقد مضَى القولُ في الصلاةِ إلى القُبُورِ، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ في مُرْسَلاتِه، وأتيْنا بآثارِ هذا البابِ في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ (٢) أيضاً، عن عَطَاء بنِ يَسَارٍ (٣)، فأغْنَى ذلك عن إعادَةِ شيءٍ مِن ذلك هاهنا. وبالله العِصمَةُ والتوفيقُ، لا شَرِيكَ له.

стр. 2386

حديثٌ ثامِنٌ لابنِ شهابٍ، عن سعيد بن المسيِّب (١) مُرْسَلٌ مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ حينَ قفَل من خيبرَ أسرَى، حتّى إذا كان من آخرِ الليلِ عرَّس، وقال لبلالٍ: "اكلَأْ لنا الصُّبْحَ"، ونام رسولُ الله ﷺ وأصحابُه، وكلأ بلالٌ ما قُدِّر له، ثم استنَد إلى راحلتِه وهو مُقابِلُ الفجرِ، فغلَبتْهُ عَيناهُ، فلمْ يستيقِظْ رسولُ الله ﷺ ، ولا بلالٌ، ولا أحدٌ من الرَّكْبِ، حتى ضرَبتْهُمُ الشمسُ، ففزِعَ رسولُ الله ﷺ ، فقال بلالٌ: يا رسولَ الله، أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنفْسِك، فقال رسولُ الله ﷺ : "اقتادُوا". فبعَثوا رواحِلَهم واقتادُوا شيئًا، ثم أمَر رسولُ الله ﷺ بلالًا فأقامَ الصَّلاةَ، فصلَّى بهم الصُّبحَ، ثم قال حينَ قضَى الصَّلاةَ: "مَن نَسِيَ الصَّلاةَ فليُصَلِّها إذا ذَكَرَها، فإنَّ اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ مرسلًا جماعةُ رواةِ "الموطأ" عنه، لا خلافَ بينَهم في ذلك (٣)، وكذلك رواه سفيانُ بنُ عُيينةَ (٤)، ومعمرٌ في روايةِ عبدِ الرزاقِ (٥) عنه، عن الزهري مرسلًا، كما رواه مالكٌ.

стр. 2387

وقد وصَله أبانُ العطارُ، عن معمرٍ (١)، ووصَله الأوزاعيُّ أيضًا (٢) ويونسُ (٣)، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. وعبدُ الرزاقِ أثبتُ في معمرٍ من أبانَ العطار. وقد وصَله محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، فيما حدَّثنا به أحمدُ بنُ محمَّدٍ (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ الرافقيُّ، قال: حدَّثنا أبو شعيمبٍ صالحُ بنُ زياد السُّوسيُّ بالرَّقَّةِ، قال: حدَّثنا يعلى (٥)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: أقبَل رسولُ الله ﷺ من خيبرَ، حتى إذا كان ببعضِ الطريقِ أراد التعريسَ من آخرِ الليلِ، فاضطجَع رسولُ الله ﷺ ، وأسنَد بلالٌ ظهرَه إلى بعيرِه، فاستقبلَ الشرقَ، فغلَبته عينُه فنام، فلم يُوقظْه إلّا الشمسُ، فكان أوَّلَهم رفَع رأسَه رسولُ الله ﷺ ، قال: "ماذا صنَعتَ بنا (٦) يا بلالُ؟ " قال: أخَذ بنفسي يا رسولَ الله

стр. 2388

الذي أخَذ بنفسِكَ، فقال: "صدَقتَ". فاقْتادَ غيرَ كبيرٍ، فتوضَّأ وتوضَّأ الناسُ، ثم صلَّى الصبحَ، ثم أقبَل عليهم، فقال: "إذا نسِيتُم الصلاةَ، فصلُّوها إذا ذكرتمُوها؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (١). وأمَّا حديثُ يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله ﷺ حينَ قفَل من خيبرَ، سار ليلَه حتى إذا أدركَه الكرَى عرَّس وقال لبلالٍ: "اكلأ لنا الصبح". وساقَ الحديثَ بتمامِه إلى آخرِه. قال يونسُ: وسمِعتُ ابنَ شهابٍ يقرؤُها: (لِلذِّكْرَى) (٢). ووصَل من هذا الحديثِ ابنُ عيينةَ (٣) ومعمرٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قولَه: "من نسِيَ صلاةً فلْيصلِّها إذا ذكرها؛ فإن اللهَ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ في نومِه عن الصلاةِ في السفرِ آثارٌ كثيرةٌ من وُجوهٍ شتَّى، رواها عنه جماعة من أصحابِه، منهم: ابنُ مسعودٍ، وأبو مسعود، وأبو قتادة، وذو مخبَر الحبَشيُّ (٤)، وعمرانُ بنُ حُصَينٍ، وأبو هريرة. وقد ذكرناها

стр. 2389

في بابِ زيدِ بنِ أسلم، وبعضُهم ذكر أنّه أذَّن وأقام، ولم يذكُرْ ذلك بعضُهم. وبعضُهم ذكر أنّه ركَع ركعتي الفجرِ، وبعضُهم لم يذكُرْ ذلك. والحجةُ في قولِ مَن ذكر، لا في قولِ مَن قمَّر. وقد ذكرنا ذلك كلَّه وما للعلماءِ فيه في بابِ مرسلِ زيدِ بنِ أسلم، فلا معنى لإعادة شيءٍ من ذلك هاهنا. وقولُ ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ: عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رسولَ الله ﷺ حينَ قفَل من خيبرَ. أصحُّ من قولِ مَن قال: إن ذلك كان (١) مرجعَه من حنينٍ؛ لأن ابنَ شهابٍ أعلمُ الناسِ بالسيرِ والمغازي، وكذلك سعيدُ بنُ المسيِّبِ، ولا يقاسُ بهما المخالفُ لهما في ذلك. وكذلك ذكر ابنُ إسحاقَ (٢) وأهلُ السِّيرِ، أن نومَه عن الصلاةِ في سفرِه كان في حينِ (٣) قُفولِه من خيبرَ، وقد اختُلِفَ عن مالكٍ في ذلك؛ فرُوي عنه في هذا الحديث: حين قفَل من خيبرَ. والقُفولُ: الرجوعُ من السفر، ولا يقال: قفَل إذا سافَر مُبتدئًا. قال صاحبُ العَينِ (٤): قفَل الجندُ قُفولًا وقَفْلًا، إذا رجعوا، وقفَلتُهم أنا أيضًا -هكذا على وزن: ضرَبتُهم- وهم القَفَلُ. وفيه أيضًا: خروجُ الإمام بنفسِه في الغزواتِ، وذلك سُنة. وكذلك إرسالُه السَّرايا، كلُّ ذلك سنةٌ مَسْنونةٌ.

стр. 2390

وأما قوله: "أسْرَى" ففيه لغتانِ: سرَى وأسْرى، قال اللهُ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]. فهذا رباعيٌّ، وقال امرؤُ القيس (١): سَريتُ بهم حتى تكِلَّ مطيُّهم ... وحتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرسانِ وهذا ثلاثيٌّ. وقرئ: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧]، بالوصلِ والقطعِ، على الثلاثيِّ والرباعيِّ جميعًا (٢). وقال النابغةُ (٣): أسرَتْ (٤) عليه من الجوزاءِ ساريةٌ ... تُزجي الشَّمالُ عليه جامدَ البرَدِ فجمعَ بين اللغتين.

стр. 2391

والسُّرى: مشْيُ الليلِ وسيرُه، وهي لفظةٌ مؤنثةٌ، قال الشاعر: وليلٍ وصَلنا بين قُطريه بالسُّرى ... وقد جَدُّ شوقٌ مُطمِعٌ في وصالِكِ أَرَبَّتْ علينا من دُجاهُ حَناسٌ ... أعَدنَ الطريقَ النَّهجَ وَعْرَ المَسالكِ (١) وقال غيرُه: يفوتُ الغِنَى مَن لا ينامُ عن السُّرى ... وآخرُ يأتي رزقُه وهو نائمُ (٢) ولا يقالُ لمشي النَّهارِ: سُرى. ومنه المثَلُ السَّائرُ: عند الصباح يحمَدُ القومُ (٣) السُّرى (٤).

стр. 2392

فأما قولُه: حتى إذا كان من آخرِ الليلِ عرَّس. فالتعريسُ: النزولُ في آخرِ الليل، كما في الحديثِ. ولا تُسمِّي العربُ نزولَ أول الليلِ تعريسًا، كذلك قال أهلُ اللغةِ (١). وكذلك في حديثِ عطاءِ بنِ أبي رباح الذي ذكرناه: حتى إذا كان آخرُ الليلِ نزَلوا للتعريسِ (٢). فكلُّهم قال: آخرُ الليلِ. وهو المعروفُ عندَ العربِ. وأما قولُه: "اكلأ لنا الصبحَ". فمعناه: ارقُبْ لنا الصبحَ، واحفَظْ علينا وقتَ صلاتِنا. وأصلُ الكلاءة: الحفظُ والرِّعايةُ والمنعُ، وهي كلمةٌ مهموزةٌ، منها قولُه : ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ (٣) [الأنبياء: ٤٢]. ومنها قولُ ابنِ هَرْمة (٤): إنّ سُلَيمى واللهُ يكلؤُها ... ضنَّتْ بشيءٍ ماكان يرزؤُها

стр. 2393

وفي هذا الحديثِ أيضًا: إباحةُ الاستخدام بالصاحبِ في السفرِ وإن كان حُرًّا؛ لأن بلالًا كان في ذلك الوقت حُرًّا؛ كان أبو بكرٍ اشتراه بمكةَ فأعتَقه، وله ولاؤُه، وذلك قبلَ الهجرةِ، وكانت خيبرُ في سنةِ ستٍّ من الهجرة (١). وفيه: أن رسولَ الله ﷺ كان ينامُ أحيانًا نومًا يُشبِهُ نومَ (٢) الآدميِّين، وذلك إنّما كان منه غِبًّا، لمعنى يُريد اللهُ إحداثَه، وليَسُنَّ لأُمته سُنَّةً تبقى بعدَه، يدُلُّك على ذلك قولُه ﷺ : "إني لأنسَى، أو أُنسَّى، لأسُنَّ" (٣). وقولُه في حديثِ العلاء بنِ خبَّابِ: إنّ النبيَّ ﷺ قال: "لو شاء اللهُ لأيقَظنا، ولكن أراد أن تكونَ سنَّةٌ لمن بعدَكم" (٤). وأما طبعُه وجبلَّتُه وعادتُه المعروفةُ منه

стр. 2394

ومن الأنبياءِ قبلَه، فما حكاه عن نفسِه ﷺ : "إن عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" (١)، فأطلق ذلك عن نفسِه إطلاقًا غيرَ مُقيَّدٍ بوقتٍ. وفي حديثٍ آخرَ: "إنَّا معشرَ الأنبياءِ تنامُ أعينُنا ولا تنامُ قلوبُنا" (٢). فأخبر أن كلَّ الأنبياءِ كذلك. وممَّا يُصحِّحُ ذلك قولُه ﷺ لأصحابِه: "تراصُّوا في الصَّفِّ؛ فإنِّي أراكم من وراء ظهري" (٣). فهذه جِبلَّتُه وخِلْقتُه وعادتُه ﷺ . فأمَّا نومُه في السفرِ عن الصلاةِ، فكانَ خَرْقَ عادتِه ليَسُنَّ لأمَّتِه، ويُعرِّفَهم بما يجِبُ على مَن نام منهم عن صلاتِه حتى يخرُجَ وقتُها، وكيف العملُ في ذلك، وجعَل اللهُ نومَه سببًا لما جرَى له في ذلك اليوم من تعليمِه أُمَّتَه وتبصيرِهم. وقد ذكرنا الآثارَ الواردةَ في هذا المعنى، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتابِ (٤)، ولا سبيلَ إلى حملِها على الائتلافِ والاتفاقِ إلّا على ما ذكرناه، وغيرُ جائزٍ حملُ أخبارِه، إذا صحَّت عنه، على التناقضِ عندَ أهلِ الإسلام، لأنه لا يجوزُ فيها النَّسخ. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله (٥)، قال: حدَّثنا الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ،

стр. 2395

قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال سمِعتُ الشافعي يقولُ: رؤيا الأنبياءِ وحي (١). وقد رَوَينا عن ابنِ عباسٍ ﵁ أنّه قال: رؤيا الأنبياء وحيٌ (٢)، وتلا: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وهذا يدلُّ على أن قلوبَهم لا تنامُ، ألا ترَى إلى حديثِ ابنِ عباسٍ أن رسولَ الله ﷺ نام حتى نفَخ، ثم صلَّى ولم يتوضَّأ، ثم قال: "إن عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" (٣). والنومُ إنّما يُحكمُ له بحُكمِ الحدثِ إذا خَمر القلبَ وخامَره، وكان رسولُ الله ﷺ لا يُخامِرُ النومُ قلبَه، وقولُه ﷺ : "إني لستُ كهيئتكم، إني أبيتُ أُطعَمُ وأُسقَى" (٤). ومثلُ هذا كثير. فإن قال قائل: إن في قوله ﷺ : "مَن يكلأُ لنا الصبحَ؟ " دليلًا على أن مِن عادتِه النومَ. قيل له: لم تُنعِم النظرَ، ولو أنعَمتَه لعلِمتَ أنَّ المعنى: مَن (٥) يرقُبُ لنا انفجارَ الصُّبح فيُشعِرَنا به في أولِ طلوعِه؟ لأنَّ مَن نامت عيناه لم يرَ هذا في

стр. 2396

أوله، ونومُ العين يَمنَعُ من مثلِ هذا لا نومُ القلبِ، وكان شأنُه التَّغليسَ بالصُّبح (١)، وكان بلالٌ من أعلم الناسِ بذلك، فلذلك أمَره بمراقبةِ الفجرِ، لا أنّ عادتَه كانت النومَ المعروفَ من سائرِ الناسِ. واللهُ أعلم. ذكر ابنُ أبي شيبةَ أبو بكر (٢)، عن محمدِ بنِ فُضيلٍ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن تميم بنِ سلمةَ، عن مسروقٍ، قال: ما أُحبُّ أن لي الدنيا وما فيها بصلاةِ رسولِ الله ﷺ بعدَ طلوع الشمس. وذكره أيضًا (٣) عن عُبيدةَ بنِ حُميدٍ، عن يزيدَ بن أبي زياد، عن تميم بنِ سلمةَ، عن مسروقٍ، عن ابنِ عباس. وهذا عندي، واللهُ أعلمُ، لانه أعلَمَ أمَّتَه أن مرادَ الله تعالى من الصلاةِ أن تُقضَى في وقتٍ آخر، كما قال تعالى في الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وليس كالحجِّ وعرفةَ والضحايا والجِمار، وقد أوضَحنا هذا المعنى في كتابِ "الاستذكارِ". وليس في تخصيصِ النائم والناسي بالذكرِ في قضاءِ الصلاةِ ما يُسقِطُ قضاءَها عن العامدِ لتركِها حتى يخرُجَ وقتُها، بل فيه أوضحُ الدلائلِ على أن العامدَ المأثومَ أولى أن يُؤمرَ بالقضاء من الناسي المُتجاوَزِ عنه، والنائم (٤) المعذورِ، وإنّما ذُكِر النائمُ والناسي؛ لئلا يتوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنهما لما رُفِع عنهما الاثمُ، سقَط القضاءُ عنهما فيما وجَب عليهما، فأبان ﷺ أن ذلك غيرُ مُسقطٍ عنهما قضاء

стр. 2397

الصلاةِ، وأنها واجبةٌ عليهما متى ما ذكراها، والعامدُ لا محالةَ ذاكِرٌ لها، فوجَب عليه قضاؤُها، والاستغفارُ من تأخيرِها؛ لعموم قولِه ﷺ : "فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". وقد قضاها ﵇ بعد خروج وقتِها يومَ الخندقِ من غيرِ نسيانٍ ولا نوم، إلّا أنّه شُغِل عنها (١). وأجاز لمَن أدرَك ركعةً من العصرِ أن يصلِّي تمامَها بعد خروج وقتِها. وقد زِدْنا هذا بيانًا وإيضاحًا في كتاب "الاستذكارِ" (٢)، والحمدُ لله. وفي فزَع رسولِ الله ﷺ دليلٌ على أن ذلك لم يكنْ من عادتِه منذُ بُعِث. واللهُ أعلم. ولا معنى لقولِ مَن قال: إن فزعَ رسولِ الله ﷺ كان من أجلِ العدوِّ الذي يتبَعُهم؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ لم يتبَعْه عدوٌّ في انصرافِه من خيبرَ، ولا في انصرافِه من حُنينٍ، ولا ذكَر ذلك أحدٌ من أهلِ المغازي، بل كان منصرفُه في كلتا الغزوتين غانمًا ظافرًا، قد هزَم عدوه، وظفِر به وقمَعه، والحمدُ لله. وأمَّا فزعُ أصحابِه في غيرِ هذا الحديثِ، فلما رأوا من فزعِه، وقد فزِعوا حينَ قدَّمُوا عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ يُصلِّي لهم في غزوةِ تبُوكَ، حينَ خرَج رسولُ الله ﷺ مع المُغيرةِ بنِ شعبةَ، فتوضَّأ ومسَح على خُفَّيه، وانتظَرُوه، وخَشُواْ فواتَ الوقتِ، فقدَّمُوا عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ يؤمُّهم، فجاء رسولُ الله ﷺ وقد صلَّى بهم عبدُ الرحمنِ ركعةً، ففرخَ الناسُ، فلما فرَغ رسولُ الله ﷺ قال: "أحسَنتُم"، يغبطُهم أن صلَّوُا الصلاةَ لوقتِها. هكذا نقَله جماعةٌ من أصحابٍ
следующие страницы →