← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2393–2432 · переход к 2398.

стр. 2393

وفي هذا الحديثِ أيضًا: إباحةُ الاستخدام بالصاحبِ في السفرِ وإن كان حُرًّا؛ لأن بلالًا كان في ذلك الوقت حُرًّا؛ كان أبو بكرٍ اشتراه بمكةَ فأعتَقه، وله ولاؤُه، وذلك قبلَ الهجرةِ، وكانت خيبرُ في سنةِ ستٍّ من الهجرة (١). وفيه: أن رسولَ الله ﷺ كان ينامُ أحيانًا نومًا يُشبِهُ نومَ (٢) الآدميِّين، وذلك إنّما كان منه غِبًّا، لمعنى يُريد اللهُ إحداثَه، وليَسُنَّ لأُمته سُنَّةً تبقى بعدَه، يدُلُّك على ذلك قولُه ﷺ : "إني لأنسَى، أو أُنسَّى، لأسُنَّ" (٣). وقولُه في حديثِ العلاء بنِ خبَّابِ: إنّ النبيَّ ﷺ قال: "لو شاء اللهُ لأيقَظنا، ولكن أراد أن تكونَ سنَّةٌ لمن بعدَكم" (٤). وأما طبعُه وجبلَّتُه وعادتُه المعروفةُ منه

стр. 2394

ومن الأنبياءِ قبلَه، فما حكاه عن نفسِه ﷺ : "إن عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" (١)، فأطلق ذلك عن نفسِه إطلاقًا غيرَ مُقيَّدٍ بوقتٍ. وفي حديثٍ آخرَ: "إنَّا معشرَ الأنبياءِ تنامُ أعينُنا ولا تنامُ قلوبُنا" (٢). فأخبر أن كلَّ الأنبياءِ كذلك. وممَّا يُصحِّحُ ذلك قولُه ﷺ لأصحابِه: "تراصُّوا في الصَّفِّ؛ فإنِّي أراكم من وراء ظهري" (٣). فهذه جِبلَّتُه وخِلْقتُه وعادتُه ﷺ . فأمَّا نومُه في السفرِ عن الصلاةِ، فكانَ خَرْقَ عادتِه ليَسُنَّ لأمَّتِه، ويُعرِّفَهم بما يجِبُ على مَن نام منهم عن صلاتِه حتى يخرُجَ وقتُها، وكيف العملُ في ذلك، وجعَل اللهُ نومَه سببًا لما جرَى له في ذلك اليوم من تعليمِه أُمَّتَه وتبصيرِهم. وقد ذكرنا الآثارَ الواردةَ في هذا المعنى، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتابِ (٤)، ولا سبيلَ إلى حملِها على الائتلافِ والاتفاقِ إلّا على ما ذكرناه، وغيرُ جائزٍ حملُ أخبارِه، إذا صحَّت عنه، على التناقضِ عندَ أهلِ الإسلام، لأنه لا يجوزُ فيها النَّسخ. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله (٥)، قال: حدَّثنا الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ،

стр. 2395

قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال سمِعتُ الشافعي يقولُ: رؤيا الأنبياءِ وحي (١). وقد رَوَينا عن ابنِ عباسٍ ﵁ أنّه قال: رؤيا الأنبياء وحيٌ (٢)، وتلا: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وهذا يدلُّ على أن قلوبَهم لا تنامُ، ألا ترَى إلى حديثِ ابنِ عباسٍ أن رسولَ الله ﷺ نام حتى نفَخ، ثم صلَّى ولم يتوضَّأ، ثم قال: "إن عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" (٣). والنومُ إنّما يُحكمُ له بحُكمِ الحدثِ إذا خَمر القلبَ وخامَره، وكان رسولُ الله ﷺ لا يُخامِرُ النومُ قلبَه، وقولُه ﷺ : "إني لستُ كهيئتكم، إني أبيتُ أُطعَمُ وأُسقَى" (٤). ومثلُ هذا كثير. فإن قال قائل: إن في قوله ﷺ : "مَن يكلأُ لنا الصبحَ؟ " دليلًا على أن مِن عادتِه النومَ. قيل له: لم تُنعِم النظرَ، ولو أنعَمتَه لعلِمتَ أنَّ المعنى: مَن (٥) يرقُبُ لنا انفجارَ الصُّبح فيُشعِرَنا به في أولِ طلوعِه؟ لأنَّ مَن نامت عيناه لم يرَ هذا في

стр. 2396

أوله، ونومُ العين يَمنَعُ من مثلِ هذا لا نومُ القلبِ، وكان شأنُه التَّغليسَ بالصُّبح (١)، وكان بلالٌ من أعلم الناسِ بذلك، فلذلك أمَره بمراقبةِ الفجرِ، لا أنّ عادتَه كانت النومَ المعروفَ من سائرِ الناسِ. واللهُ أعلم. ذكر ابنُ أبي شيبةَ أبو بكر (٢)، عن محمدِ بنِ فُضيلٍ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن تميم بنِ سلمةَ، عن مسروقٍ، قال: ما أُحبُّ أن لي الدنيا وما فيها بصلاةِ رسولِ الله ﷺ بعدَ طلوع الشمس. وذكره أيضًا (٣) عن عُبيدةَ بنِ حُميدٍ، عن يزيدَ بن أبي زياد، عن تميم بنِ سلمةَ، عن مسروقٍ، عن ابنِ عباس. وهذا عندي، واللهُ أعلمُ، لانه أعلَمَ أمَّتَه أن مرادَ الله تعالى من الصلاةِ أن تُقضَى في وقتٍ آخر، كما قال تعالى في الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وليس كالحجِّ وعرفةَ والضحايا والجِمار، وقد أوضَحنا هذا المعنى في كتابِ "الاستذكارِ". وليس في تخصيصِ النائم والناسي بالذكرِ في قضاءِ الصلاةِ ما يُسقِطُ قضاءَها عن العامدِ لتركِها حتى يخرُجَ وقتُها، بل فيه أوضحُ الدلائلِ على أن العامدَ المأثومَ أولى أن يُؤمرَ بالقضاء من الناسي المُتجاوَزِ عنه، والنائم (٤) المعذورِ، وإنّما ذُكِر النائمُ والناسي؛ لئلا يتوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنهما لما رُفِع عنهما الاثمُ، سقَط القضاءُ عنهما فيما وجَب عليهما، فأبان ﷺ أن ذلك غيرُ مُسقطٍ عنهما قضاء

стр. 2397

الصلاةِ، وأنها واجبةٌ عليهما متى ما ذكراها، والعامدُ لا محالةَ ذاكِرٌ لها، فوجَب عليه قضاؤُها، والاستغفارُ من تأخيرِها؛ لعموم قولِه ﷺ : "فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". وقد قضاها ﵇ بعد خروج وقتِها يومَ الخندقِ من غيرِ نسيانٍ ولا نوم، إلّا أنّه شُغِل عنها (١). وأجاز لمَن أدرَك ركعةً من العصرِ أن يصلِّي تمامَها بعد خروج وقتِها. وقد زِدْنا هذا بيانًا وإيضاحًا في كتاب "الاستذكارِ" (٢)، والحمدُ لله. وفي فزَع رسولِ الله ﷺ دليلٌ على أن ذلك لم يكنْ من عادتِه منذُ بُعِث. واللهُ أعلم. ولا معنى لقولِ مَن قال: إن فزعَ رسولِ الله ﷺ كان من أجلِ العدوِّ الذي يتبَعُهم؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ لم يتبَعْه عدوٌّ في انصرافِه من خيبرَ، ولا في انصرافِه من حُنينٍ، ولا ذكَر ذلك أحدٌ من أهلِ المغازي، بل كان منصرفُه في كلتا الغزوتين غانمًا ظافرًا، قد هزَم عدوه، وظفِر به وقمَعه، والحمدُ لله. وأمَّا فزعُ أصحابِه في غيرِ هذا الحديثِ، فلما رأوا من فزعِه، وقد فزِعوا حينَ قدَّمُوا عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ يُصلِّي لهم في غزوةِ تبُوكَ، حينَ خرَج رسولُ الله ﷺ مع المُغيرةِ بنِ شعبةَ، فتوضَّأ ومسَح على خُفَّيه، وانتظَرُوه، وخَشُواْ فواتَ الوقتِ، فقدَّمُوا عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ يؤمُّهم، فجاء رسولُ الله ﷺ وقد صلَّى بهم عبدُ الرحمنِ ركعةً، ففرخَ الناسُ، فلما فرَغ رسولُ الله ﷺ قال: "أحسَنتُم"، يغبطُهم أن صلَّوُا الصلاةَ لوقتِها. هكذا نقَله جماعةٌ من أصحابٍ

стр. 2398

ابنِ شهابٍ (١). وقد قام رسولُ الله ﷺ إلى صلاةِ الكسوفِ فزِعًا يجُرُّ ثوبَه (٢). ويحتمِلُ أن يكونَ فزعُهم شفقةً وتأسُّفًا على ما فاتهم من وقتِ الصلاةِ، ولعلَّهم حَسِبوا أنّ الصلاةَ قد فاتَتْهم أصلًا، فلحِقَهم الفزَعُ والحزنُ لفوْتِ الأجرِ والفضلِ، ولم يعرِفوا أنّ خروجَ الوقتِ لا يُسقِطُ فرضَ الصلاةِ، حتى قال لهم رسولُ الله ﷺ : "مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها، فليُصَلِّها إذا ذكَرها، كما كان يُصلِّيها لوقتِها" (٣). فأخبرهم أنّها غيرُ ساقطةٍ عنهم، وإذا لم تسقُطْ عنهم صلَّوها، وإذا صلَّوها أدرَكوا أجرَها إن شاءَ اللهُ. وأعلَمهم ﷺ في حديثِ أبي قتادةَ أن الإثمَ عنهم في ذلك ساقطٌ بقولِه: "ليس التفريطُ في النوم، إنّما التفريطُ في اليقظةِ" (٤). وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي قتادةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الصلاةَ لا تفوتُ النائمَ، إنّما تفوتُ اليقظانَ"، ثمَّ توضَّأ وصلَّى بهم (٥). وفي هذا الحديثِ: تخصيصٌ لقولِه ﵇: "رُفع القلمُ عن النائم حتى يَستيقِظَ" (٦). وبيانُ ذلك أنَّ رفعَ القلم عنه هاهنا من جهةِ رفع المأثم،

стр. 2399

لا من جهةِ رفع الفرضِ عنه، وأن ذلك ليس من بابِ قوله: "وعن الصبِيِّ حتى يحتلِمَ" (١). وإن كان ذلك جاءَ في أثرٍ واحدٍ، فقِفْ على هذا الأصلِ. وأما قولُ بلالٍ: أخَذ بنفسي الذي أخَذ بنفسكَ. يقولُ: إذا كنتَ أنتَ في منزلتِكَ مِن الله قد غلَبتكَ عينُك، وقُبِضتْ نفسُك، فأنا أحرَى بذلك. وفي هذا دليلٌ على طلبِ الحُجَّةِ والإدلاء بها. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢)، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حسين، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ على عليٍّ وفاطمةَ وهما نائمان، فقال: "ألا تُصلُّوا؟ " فقال عليٍّ: يا رسولَ الله، ﷺ إنّما أنفسُنا بيدِ الله، فإذا أراد أن يبعَثَها بعَثها. فانصَرَف عنهما وهو يقولُ: " ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]. ورواه الليثُ، عن عُقيلٍ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حسينٍ، أنَّ الحسينَ بنَ عليٍّ حدَّثه، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أن رسولَ الله ﷺ طرَقه وفاطمةَ. فذَكَر الحديثَ. وفي آخرِه: فانصرَف رسولُ الله ﷺ حين قلتُ له ذلك، فسَمِعتُه وهو مدبرٌ يضِربُ فخذَه وهو يقولُ: " ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ " (٣). وأما قولُ بلالٍ في هذا الحديثِ: أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِكَ. فمعناه:

стр. 2400

قبَض نَفْسي الذي قبَض نفسَك. والباءُ زائدةٌ، أي: تَوفَّى (١) نفْسي مُتوفِّي نَفْسِكَ. والتَّوفِّي: هو القبضُ نَفْسُه، يعني: أن الله قبَض نفسَه. وهذا قولُ مَن جعَل النفسَ الرُّوحَ، وجعَلهما شيئًا واحدًا؛ لأنّه قد قال في غيرِ هذا الحديثِ: "إن اللهَ قبَض أرواحَنا" (٢). فنصَّ (٣) على أنَّ المقبوضَ هو الرُّوحُ. وفي القرآن: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ومَن قال: إن النفسَ غيرُ الرُّوح، تأوَّل قولَ بلالٍ: أخَذ بنَفْسي من النوم ما أخَذ بنفسِك منه (٤). وقد تقدَّم القولُ في النفسِ والرُّوح مُستوعَبًا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا، فأغنى عن إعادتِه (٥). فأما قولُه: "اقتادُوا شيئًا" فمعناه -عند أهلِ المدينةِ-: ما ذكره زيدُ بنُ أسلمَ في حديثه، وهو قولُه ﷺ : "إنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ". وقد تقدَّم القولُ في هذا، في بابِ مُرسلِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا، فأغنى عن إعادتِه (٦). وقال أهلُ العراقِ: معنى اقتيادِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه رواحلَهم حتى خرجوا من الوادي، إنّما كان تأخيرًا للصلاةِ؛ لأنهم انتبَهُوا في وقتٍ لا تجوزُ فيه صلاةٌ،

стр. 2401

وذلك عندَ طلوع الشمس. وزعَموا أن نهيَ رسولِ الله ﷺ عن الصلاةِ عندَ طلوع الشمسِ وعندَ غُروبها يقتضي الفريضةَ والنافلةَ وكلَّ صلاةٍ مفروضةٍ ومَسْنونةٍ. واحتجُّوا من الآثارِ بنحوِ حديثِ مالكٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أن رسولَ الله ﷺ كان يقولُ: "إذا بدا حاجبُ الشَّمسِ فأخِّرُوا الصلاةَ حتّى تبرُزَ، وإذا غابَ حاجبُ الشَّمسِ فأخِّرُوا الصلاةَ حتّى تغِيبَ" (١). وتأوَّلوا هذا على الفرائضِ وغيرها. وقد مضَى الرَّدُّ عليهم في تأويلهم هذا في غيرِ موضع من كتابِنا هذا فأغنَى عن إعادتِه. ومما يبيِّنُ لك أن خروجَ النبيِّ ﷺ وخروجَ أصحابِه من ذلك الوادي لم يكن لما ذكره العراقيُّون: أنَّهم لم يستيقِظُوا حتى ضرَبهم حرُّ الشمس، والشمسُ لا تكونُ لها حرارةٌ إلّا وقد ارتفَعت وحلَّت الصلاةُ. وهذه اللفظةُ محفوظةٌ في حديثِ الزُّهريِّ، وفي غيرِ ما حديثٍ من الأحاديثِ المرويةِ في نوم النبيِّ ﷺ عن الصلاةِ، منها: حديثُ جبيرِ بنِ مُطعِم، وحديثُ ابنِ مسعودٍ، وحديثُ أبي قتادةَ، وقد ذكرناها في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد. وحدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ،

стр. 2402

عن ابنِ المسيِّبِ، قال: لما قفَل رسولُ الله ﷺ من خيبرَ، أسرَى ليلةً حتى إذا كان من آخرِ الليلِ عدَل عن الطريقِ، ثم عرَّس، وقال: "مَن يحفَظُ علينا الصُّبحَ؟ "، فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ الله. فجلَس يحفَظُ عليهم، فنام النبيُّ ﷺ وأصحابُه. فبينما بلالٌ جالسٌ غلَبته عينُه، فما أيقظَهُم إلّا حرُّ الشمسِ ففزِعُوا فقال النبيُّ ﷺ : "أنمتَ يا بلالُ؟ ". فقال: يا رسولَ الله، أخَذ نَفْسي الذي أخَذ أنفُسَكم. قال: فاقتادوا رواحلَهم وارتحلُوا عن المكانِ الذي أصابتهم فيه الغَفْلةُ، ثم صلَّى بهم الصُّبحَ، فلما فرَغ قال: "مَن نسِيَ الصلاةَ فليُصلِّها إذا ذكرها؛ فإن اللهَ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". قال معمرٌ: وكان الحسنُ يُحدِّثُ نحوَ هذا الحديثِ، ويذكُرُ أنَّهم ركعُوا ركعتي الفجرِ، ثم صلَّى بهمُ الصُّبح (١). ففي قوله: فما أيقَظهم إلّا حرُّ الشمسِ. وقوله: ارتحلوا عن المكانِ الذي أصابتهم فيه الغفلةُ، دليل على صحةِ ما ذهَب إليه أهلُ المدينةِ. ودليلٌ آخرُ، هو قولُه ﵊: "مَن أدرَك ركعةً من الصُّبح قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبحَ" (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ (٣)، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسَرَّة ومحمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قالا: حدَّثنا أبو موسى الزَّمِنُ محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن خِلاسٍ، عن أبي رافع،

стр. 2403

عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ قال: "إذا أدرَكتَ ركعةً من صلاةِ الفجرِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ، فصلِّ إليها أُخرى" (١). ومعلومٌ أن الأُخرى مع طلوع الشمس، فأيُّ شيءٍ أبينُ من هذا؟ ودليلٌ آخرُ، وهو ما ذكره عطاءٌ، أن النبيَّ ﷺ ركَع في ذلك الوادي ركعتي الفجرِ، ثم سار ساعةً، ثم صلَّى الصبحَ (٢). ومعلومٌ أنّ كلَّ وقتٍ تجوزُ فيه النافلةُ يجوزُ فيه قضاءُ المنسيَّةِ المفروضةِ، وهذا ما لا خلافَ فيه. ودليلٌ آخرُ لا مدفعَ له، وهو قولُه ﷺ في آخرِ هذا الحديثِ: "مَن نام عن الصلاةِ أو نسيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكرها"، فهذا إطلاق أن يُصلِّيَ المُنتبِهُ والذاكرُ في كلِّ وقتٍ، على ظاهرِ الحديثِ، صلاتَه التي انتبَه إليها وذكرها. وقد اختلَف العلماءُ من هذا المعنى، فيمَن ذكر صلاةً فاتَتْهُ وهو في آخرِ وقتٍ صلاةٍ، أو ذكر صلاةً وهو في صلاةٍ، فجملةُ مذهبِ مالكٍ أنّه مَن ذكر صلاةً وقد حضَر وقتُ صلاةٍ أُخرى، بدأ بالتي نسِيَ إذا كان ذلك خمسَ صلواتِ فأدنى، وإن فات وقتُ هذه. وإن كان أكثرَ من ذلك، بدأ بالتي حضَر وقتُها (٣). وعلى نحوِ هذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والثوريِّ، والليثِ، إلّا أن أبا حنيفةَ وأصحابَه

стр. 2404

قالوا: الترتيبُ عندنا واجبٌ في اليوم والليلةِ، إذا كان في الوقتِ سَعةٌ للفائتةِ ولصلاةِ الوقتِ، فإن خشِيَ فواتَ صلاةِ الوقتِ بدأ بها، فإن زاد على صلاةِ يوم وليلةٍ، لم يجِبِ الترتيبُ عندَهم، والنسيانُ عندَهم يُسقِطُ الترتيبَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: مَن ذكر صلاةً فائتةً وهو في صلاةٍ أُخرى من الصلواتِ الخمسِ، فإن كان بينهما أكثرُ من خمسِ صلواتٍ مضَى فيما هو فيه، ثم قضَى التي عليه، وإن كان أقلُّ من ذلك، قطَع ما هو فيه، وصلى التي ذكر، إلّا أن يكونَ في آخرِ وقتِ التي دخَل فيها، يخافُ فوتَها إن تشاغَل بغيرِها، فإن كان كذلك أتمها ثم قضَى التي ذكر. وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ: إن ذكر الوترَ في صلاةِ الصبح فَسَدَتْ عليه، وإن ذكر فيها ركعتي الفجرِ، لم تَفسُدْ عليه. وقال أبو يوسفَ: لا تفسُدُ عليه بذكرِ الوَترِ، ولا بركعتي الفجرِ. وبه أخَذ الطَّحاويُّ. وقد رُوي عن الثوريِّ وجوبُ الترتيبِ، ولم يُفرِّقْ بينَ القليلِ والكثيرِ (١). واختُلِف في ذلك عن الأوزاعي (٢). وقال الشافعيُّ (٣): الاختيارُ أن يبدأ بالفائتةِ ما لم يخَفْ فواتَ هذه، فإن لم يفعَلْ وبدَأ بصلاةِ الوقتِ أجزَأه. وذكر الأثرمُ أن الترتيبَ عندَ أحمدَ بنِ حنبلِ واجبٌ في صلاةِ ستِّينَ سنةً

стр. 2405

وأكثر. وقال: لا ينبغي لأحدٍ أن يُصلِّيَ صلاةً (١) وهو ذاكِرٌ لما قبلَها؛ لأنّها تفسُدُ عليه (٢). قال أبو عمر: ثم نقَض هذا الأصلَ، فقال: أنا آخُذُ بقولِ سعيدِ بنِ المسيِّب، ويُعجِبُني في الذي يذكُرُ صلاةً في وقتِ صلاةٍ، كرجلٍ ذكر العشاءَ في آخر وقتِ الفجرِ، قال: يُصلِّي الفجرَ، ولا يُضيِّعُ صلاتين. أو قال: يُضيِّعُ مرتين (٣). وقال: إذا خاف طلوعَ الشمسِ فلا يُضيِّعُ هذه؛ لقولِ سعيدِ بنِ المُسيِّب: يُضيِّعُ مرتين (٤). فهذا يُصلِّي الصبحَ وهو ذاكرٌ للعشاءِ، وفي ذلك نقضٌ لأصلِه. وقال داودُ والطبريُّ: التر تيبُ غيرُ واجبٍ. وهو تحصيلُ مذهبٍ الشافعيِّ. ذى الأثرمُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، أنّه سمِع ربيعةَ يقولُ في الذي ينسَى الظهرَ والعصرَ حتى لا يجدَ إلّا موضعَ سجدةٍ قبلَ الغروبِ، قال: يُصلِّي العصرَ، ثم يُصلِّي الظهرَ إذا غابتِ الشمس. قال: وحدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٥): حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أنبأنا

стр. 2406

يونسُ ومنصورٌ، عن الحسنِ أنّه كان يقولُ فيمَن نام عن صلاةِ العشاءِ فاستيقَظ عندَ طلوع الشمسِ، قال: يُصلِّي الفجرَ، ثم يُصلِّي العشاءَ. قال: وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: أمَّا الحسنُ فيقولُ: يُصلِّي تلك وإن فاتت هذه. قال أبو عمر: وأمَّا الذي يذكُرُ صلاةً وهو وراءَ إمام، فكُلُّ مَن قال بوجوبِ الترتيبِ ومَن لم يقُلْ به، فيما علِمتُ، يقولُ: يتمادَى مع الإمام حتى يُكْمِلَ صلاتَه. ثم اختلفوا؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ: يُصلِّي التي ذكَر، ثم يعيدُ التي صلَّى مع الإمام، إلّا أن يكونَ بينَهما أكثرُ من خمسِ صلواتٍ. على ما قدَّمنا ذكرَه عن الكوفيِّين. وهو مذهبُ جماعةٍ من أصحابِ مالكٍ المدنيّين (١). وذكر الخِرَقيُّ (٢)، عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، أنّه قال: مَن ذكر صلاةً وهو في أُخرى، أتمَّها وقضَى المذكورةَ، وأعاد الصلاةَ التي كان فيها، إذا كان الوقتُ مُبقى، فإن خشِيَ خروجَ الوقتِ، اعتقد وهو فيها أن لا يُعيدَها، وقد أجزأتْه، ويقضِي التي عليه. قال الأثرمُ: قيل لأبي عبد الله: إنَّ بعضَ الناسِ يقولُ: إذا دخَلتَ في صلاةٍ فأحرَمتَ بها، ثم ذكرتَ صلاةً نسِيتَها، لم تقطَع التي دخَلت فيها، ولكنَّكَ إذا فَرَغتَ منها، قضَيتَ التي نسِيتَ، وليس عليكَ إعادةُ هذه. فأنكره، وقال: ما أعلمُ

стр. 2407

أحدًا قال بهذا، إنّما أعرِفُ أن من الناسِ مَن قال: أنا أقطَعُ وإن كنتُ خلفَ الإمام، وأُصلِّي التي ذكرتُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "فليصلِّها إذا ذكرها". قال: وهذا شنيعٌ أن يقطَع وهو خلفَ الإمام. قيل له: فما تقولُ أنتَ؟ قال: يتمادَى مع الإمام، وإن كان وحدَه قطَع (١). وذكر الأثرمُ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا هِقْلٌ (٢)، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: سمِعتُ الزهريَّ يقولُ في الذي ينسَى الظهرَ ولا يذكُرُها حتى يدخُلَ في (٣) العصر، قال: يَمضي في صلاةِ الإمام، فإذا انصرَف، استقبَل الظهرَ فصلَّاها، ثم يُصلِّي العصرَ (٤). قال أبو عمر: هذا ابنُ شهابٍ يُفْتي بقولِ ابنِ عمر، وهو الذي يروي قولَ رسولِ الله ﷺ : "مَن نام عن صلاةِ أو نسِيَها، فليُصلها إذا ذكرها؛ فإن اللهَ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". وقد رأى تماديَه مع الإمام، ثم رأى إعادتَها. لا (٥) أدري إن كان استحبابًا أو إيجابًا. وقد يحتمِلُ هذا الحديثُ إيجابَ الترتيبِ، ويحتمِلُ أن يكونَ معناه الإعلامَ بأنها غيرُ ساقطةٍ بالنوم والنسيانِ. وقد أجمَعوا على أن الترتيبَ فيما كثُر غيرُ واجبٍ، فدلَّ ذلك على أنّه مُستحبٌّ في القليلِ، واللهُ أعلم. ويدُلُّك على أن ذلك عندَهم استحبابٌ، لأنهم يأمُرونه إذا ذكرها وهو وحدَه في صلاةٍ أن يقطَعها، وإن ذكرها وراءَ إمام تمادَى مع الإمام. والأصلُ

стр. 2408

في التمادي مع الإمام عندَ أكثرِهم اتِّباعُ ابنِ عمرَ، وحديثُه في ذلك ما رواه مالكٌ (١)، عن نافع، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ (٢) كان يقولُ: من نسِيَ صلاةً فلمْ يذكُرْها إلّا وهو مع الإمام، فإذا سلَّم الإمامُ، فليُصلِّ الصلاةَ التي نسِيَ، ثم ليُصلِّ بعدَها (٣) الصَّلاةَ الأخرى. ولا مخُالفَ له في هذه المسألةِ من الصحابةِ، مع دَلالةِ قولِ رسولِ الله ﷺ : "فليصلِّها إذا ذكرها". وقد رُويَ من حديثٍ أبي جُمُعةَ -واسمُه حبيبُ بنُ سِباع، وله صحبةٌ- قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ المغربَ يومَ الأحزابِ، فلما سلَّم، قال: "هل علِمَ أحدٌ منكم أنّي صلَّيتُ العصرَ؟ "، قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: فصلَّى العصرَ، ثم أعاد المغربَ (٤). وهذا حديثٌ منكرٌ، يرويه ابنُ لهيعةَ عن مجهولَين. وقال الشافعيُّ، والطبريُّ، وداودُ: يتمادَى مع الإمام، ثم يُصلِّي التي ذكر، ولا يُعيدُ هذه. وليس الترتيبُ عندَ هؤلاء بواجبٍ، فيما قلَّ ولا فيما كثر. ومن

стр. 2409

حجَّتهم أن (١) الترتيبَ إنّما يجبُ في اليوم وأوقاتِه، فإذا خرَج الوقتُ، سقَط الترتيبُ، استدلالًا بالإجماع على أن شهرَ رمضانَ تجِبُ الرتبةُ فيه والنَّسَقُ لوقتِه، فإذا انقَضى، سقَطتِ الرتبةُ عمَّن كان عليه منه شيءٌ بسفرٍ أو علَّةٍ، وجاز أن يأتي به على غيرِ نسَقٍ ولا رتبةٍ مُتفرِّقًا، فكذلك الصلواتُ المذكوراتُ الفوائتُ، واللهُ أعلم (٢). واحتج داودُ وأصحابُه بأن رسولَ الله ﷺ صلَّى ركعتي الفجرِ ذاكرًا للصبح في حين نومِه في سفرِه. قالوا: فقد صلَّى رسولُ الله ﷺ وهو ذاكرٌ صلاةً واجبةً عليه، ركعتي الفجرِ، وهما غيرُ واجبتين عليه. وهذا عندي لا حجَّةَ فيه، لأنّه لم يذكُرْ في ركعتي الفجرِ صلاةً قبلَها، وإنما المراعاةُ أن يذكُرَ في الصلاةِ ما قبلَها. ولكلِّ واحدٍ منهم حُجج من جهةِ النظرِ في أكثرِها تشعيبٌ وتطويلٌ، وفيما ذكرتُ لكَ من أقاويلهم ما تقِفُ به على المرادِ من معنى حديثِ هذا البابِ إن شاء الله. وأما قولُه في حديثِ مالكٍ: "ثم أمَر بلالًا فأقام الصلاةَ" يحتمِلُ أن يكونَ أقام ولم يؤذِّنْ، ويحتمِلُ أن يكونَ أقام الصلاةَ بما تُقامُ به من الأذانِ والإقامةِ والطهارةِ. وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ أنّه أمَر بلالًا فأذن وأقام في حينَ نام عن الصلاةِ في السفرِ. وقد ذكرناها (٣). وقد روَى أبانُ العطَّارُ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ، عن أبي هريرةَ هذا الحديثَ، وذى فيه أن النبيَّ ﷺ صلَّى الركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ، ثم أمر بلالًا فأقام، فصلَّى الفجرَ (٤). وهذا ليس بمحفوظٍ في حديثِ الزهريِّ إلّا من

стр. 2410

روايةِ أبانَ العطَّارِ، عن معمرٍ. وأبانُ ليس بحُجَّةٍ، ولا تُقبَلُ زيادتُه على عبد الرزاقِ؛ لأن عبدَ الرزاقِ أثبتُ الناسِ في معمرٍ عندهم (١). وقد ذكرنا اختلافَ العُلماءِ

стр. 2411

في الأذانِ لما فات (١) مِنَ الصلواتِ، والحجةَ لكُلِّ فريقٍ منهم، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٢). وذكر أبو قُرّةَ (٣)، عن مالكٍ، فيمَن نام عن صلاةِ الصبح حتى طلَعتِ الشمسُ، أنّه لايركعُ ركعتي الفجرِ، ولا يبدأُ بشيءٍ قبلَ الفريضةِ. قال مالكٌ: لم يبلُغْنا أن النبيَّ ﷺ صلَّى ركعتي الفجرِ حينَ نام عن الصبح حتى طلَعتِ الشمسُ. قال أبو عمر: ليس في حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رسولَ الله ﷺ ركَع ركعتي الفجرِ في ذلك اليوم من وجهٍ يصِحُّ. وقد رُويَ ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ صحيحةٍ. وقد تقدَّم ذكرُنا لها ولجميع معاني هذا البابِ مُستوعَبةً مبسوطةً، في باب مُرسلِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٤)، فلذلك اختصرناها في هذا الباب، واللهُ الموفقُ للصواب.

стр. 2412

حديثٌ تاسعٌ لابن شِهابٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أكَل من هذه الشجرةِ، فلا يَقْرَبْ مساجدَنا، يؤذِينا بريح الثُّوم". هكذا هو في "الموطأ" عندَ جميعِهم، مُرسَلٌ (٢). إلّا ما رواه محمدُ بنُ مَعمرٍ، عن رَوح بنِ عُبادةَ، عن صالح بنِ أبي الأخضرِ ومالكِ بنِ أنس، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، مرةً موصولًا. وقد وصله مَعمرٌ، ويونسُ، وإبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ. فأما روايةُ مَعمرٍ، فذكرها عبدُ الرزاقِ (٣)، عن مَعمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من أكَل مِن هذه الشجرةِ -يعني الثُّومَ- فلا يؤذِينا في مسجدِنا". وذكره ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ كذلك سواءً مسنَدًا. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله الحسينُ بنُ إسماعيلَ المحامليُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا فضلٌ الأعرجُ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من أكَل مِن

стр. 2413

هذه الشجرةِ فلا يؤذينَا في مسجِدِنا". يعني الثُّومَ. قال يعقوبُ: وذكر أبي، عن أبيه، أنّه ذكر معه الكُراثَ والبصلَ (١). قال أبو عمر: رَوى النَّهْيَ عن أكْلِ الثُّوم بألفاظٍ متقاربةِ المعاني، عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ؛ منهم: عمرُ بنُ الخطاب (٢)، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ (٣)، وحذيفةُ (٤)،

стр. 2414

وابنُ عمرَ، وجابرٌ (١)، وأنسٌ (٢)، وأبو سعيدٍ (٣)، والمغيرةُ بنُ شعبةَ (٤)، ومَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ (٥)، وأمُّ أيوبَ (٦). فأما حديثُ ابنِ عمرَ، فرواه عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن

стр. 2415

نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال في غزوةِ خيبرَ: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ -يعني الثُّومَ- فلا يَقْرَبنَّ مسجدَنا". ذكره البخاريُّ (١)، عن مسدَّدٍ، عن يحيى، عن عُبيدِ الله. قال البخاريُّ (٢): وحدَّثنا أبو مَعمرٍ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ، قال: سأل رجلٌ أنسَ بنَ مالكٍ: ما سمِعتَ نبيَّ الله (٣) ﷺ يقولُ في الثُّوم؟ فقال: قال النبيُّ ﷺ : "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ، فلا يقربنا، ولا يُصلِّينَّ معنا". وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثثا محمدُ بنُ بكرٍ (٤)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبيدِ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ ﷺ قال: "مَن أكل مِن هذه الشجرةِ فلا يَقرَبنَّ المساجدَ". قال أبو عمر: اختلَف العلماءُ في معنى هذا الحديثِ؛ فقال بعضُهم: إنّما خرَج النهيُ عن مسجدِ النبيِّ ﷺ مِن أجلِ جبريلَ ﵇ ونُزوله فيه على النبيِّ ﵇. وقال آخرونَ، وهم الأكثرون: مسجدُ النبيِّ ﷺ وسائرُ المساجدِ غيرُه في ذلك سواءٌ، وملائكةُ الوحي في ذلك وغيرُها (٦) سواءٌ؛ لأنّه قد أخبَرَ أنّه يتأذى

стр. 2416

بنو آدمَ، وقال: "إن الملائكةَ تتأذَّى بما يتأذَّى منه بنو آدمَ" (١). وقال: "يؤذينا بريح الثُّوم"، ولا يَحِلُّ أذَى الجلَيسِ المسلِم حيثُ كان. قال أبو عمر: في هذا الحديثِ مِن الفقهِ: معرفةُ كونِ البقُولِ والخُضَرِ بالمدينةِ، فلما لم يَنقُل أحَد عن النبيِّ ﷺ أنّه أخَذ منها الزكاةَ، دلَّ على أنَّ الزكاةَ ساقطةٌ عن الخضَرِ، وعمَّا أخرجتِ الأرضُ غيرَ القُوتِ المُدَّخَرِ. وقد أوضحنا هذه المسألة، وذكرنا وجوهَها واختلافَ العلماء فيها في أولِ بلاغاتِ مالكٍ، وذلك قولُه، أنَّه بلَغه عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ وبُسْرِ بنِ سعيدٍ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "فيما سقَت السماءُ العُشرُ" الحديثَ (٢). وفي هذا الحديثِ أيضًا (٣) مِن الفقهِ: أن أكلَ الثُّوم ليس بمحرَّم؛ لأن الحرامَ لا يقالُ فيه: مَن فعَله فلا يَفعلْ كذا. لشيء غيرِه؛ لأن هذا لفظُ إباحَةٍ لا لفظُ مَنعْ، وليس هذا مِن بابِ ما رُوي عنه ﷺ : "مَن شَرِب الخمرَ فَليُشقِّصِ الخنازيرَ" (٤). في شيءٍ؛ لأنَّ شُربَ الخمرِ وتَشقِيصَ الخنازيرِ كلاهما محرَّمٌ.

стр. 2417

وقد اختلفَ العلماءُ في أكلِ الثُّوم؛ فذهَبت طائِفةٌ مِن أهلِ الظَّاهرِ (١) القائلين بوجوبِ الصلاةِ في الجماعةِ فرضًا إلى تحريم أكلِ الثُّوم في وقتٍ يُوجَدُ ريحُه منه في المسجدِ، وقالوا: نَهْيُ رسولِ الله ﷺ عن أكلِ الثّوم نهيُ تحريم، فلا يجوزُ لأحَدٍ أكلُه؛ لأنّه لا يجوزُ لأحدٍ التأخُّرُ عن صلاةِ الجماعةِ إذا كان قادرًا على شُهُودِها، ولا يحلُّ له التَّخلُّفُ عنها إذا سمِع النداءَ بها مع الاسْتِطاعَةِ على المشي إليها. قالوا: وكُلُّ مَنعْ مِن إتيانِ الفرضِ والقيام به، فحرامٌ عملُه والتشَاغُلُ به، كما أنّه حرامٌ على الإنسانِ فِعلُ كلُّ ما يمنعُه مِن مُشاهدةِ الجمُعةِ. واحتجُّوا بأن رسولَ الله ﷺ قد سمّاها خبيثةً، واللهُ قد وصَف نبيَّه ﵊ بأنه يحرِّمُ الخبائثَ. وذكروا حديثَ يحيى بنِ سعيدٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه (٢) قال: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ الخبيثةِ، فلا يَقْربنَّ مسجدَنا" (٣)،

стр. 2418

وقولَه: "مَن أكَل مِن هاتينِ الشجرتينِ الخبيثتينِ فلا يقرَبنَّ مسجدَنا" (١). وذهب جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ وجمهورُ علماءِ المسلمين مِن أهلِ الفقهِ والحديثِ إلى إباحةِ أكْلِ الثُّوم، لدَلائِلَ (٢)؛ منها: حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ. أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النضرِ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن مسلم الأعورِ، عن حبةَ العُرَنيُّ، عن عليٍّ ﵁، قال: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ أنْ نأكلَ الثُّومَ، وقال: "لولا أنَّ الملَكَ يَنزِلُ عليَّ لأكلتُه" (٣). فقد بانَ بهذا

стр. 2419

الحديثِ أنّه ليس بمحرَّم، وأنَّه مُباحٌ، وأن النهيَ عنه إنّما ورَد مِن أجلِ أن الملَكَ كان يتأذَّى بهِ. ومنها أيضًا (١): حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، ذكره عبدُ الرزاقِ (٢)، عن مَعمَرٍ، عن أبي هارونَ العَبْدِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ -يعني الثُّومَ- فلا يَقْربنَّ مسجِدَنَا، ولا يأتينَّا يمسَحُ جبهتَه". قال: فقلت: يا أبا سعيدٍ، أحرامٌ هي؟ قال: لا، إنّما كرِهها النبيُّ ﷺ من أجْلِ ريحِها. وهذا نصٌّ عن صاحِبٍ عرَف مخرَجَ النَّهْي. ومثلُه حديثُ جابرٍ، ذكره البخاريُّ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: أنبأنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني عطاءٌ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله قال: قال النبيُّ ﷺ : "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ -يُريدُ

стр. 2420

الثُّومَ- فلا يَغْشَانا في مساجِدنا". قلتُ: ما يَعني به؟ قال: ما أُراه يعني إلّا نيِّئَه. قال: وقال مخْلَدُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ جُريج: إلّا نَتْنَه. قال (١): وحدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيْر، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عطاء، أن جابرَ بنَ عبدِ الله زعَم أن النبيَّ ﷺ قال: "مَن أكل ثُومًا أو بصلًا (٢) فليعتزِلْنَا، أو فليَعْتَزِلْ مسجدَنا". وأن النبيَّ ﷺ أُتِىَ بقدرٍ فيه خَضِراتٌ من بُقول، فوجَد لها ريحًا. قال: فأُخبرَ بما فيها مِن البُقُول، فقال: "قَرِّبوها" إلى بعضِ أصحابِه كان معه، فلما رآهُ كرِه أكلَها، قال: "كُلْ، فإني أُناجِي مَن لا تُناجي". قال أبو عمر: هذا بيِّنٌ في الخُصُوص له والإباحَةِ لمن سِواه. وهذا الحديثُ ذكره أبو داود (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: حدثني عطاءُ (٤) بنُ أبي رباح، أن جابرَ بنَ عبدِ الله، قال: إن رسولَ الله ﷺ ، قال: "من أكَل ثُومًا أو بصلًا"، فذكره سواءً إلى آخِرِه. قال أبو داود (٥): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني

стр. 2421

عَمْرو، أن بكرَ بنَ سَوادةَ حدَّثَه، أن أبا النَّجِيبِ مَولى عبدِ الله بنِ سعدٍ حدَّثه، أن أبا سعيدٍ الخُدرِيَّ حدَّثه، أنّه ذُكِر عندَ رسولِ الله ﷺ الثُّومُ والبصلُ، وقيل: يا رسولَ الله، وأشَدُّ ذلك كلِّه الثُّومُ، أفتُحَرِّمُه؟ فقال النبيُّ ﷺ : "كُلُوه، ومَن أكله منكم فلا يَقْرَبْ هذا المسجدَ حتى يذهبَ ريحُه منه". ومثلُ هذا أيضًا حديثُ أُمِّ أيوبَ الأنصاريَّةِ؛ حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني عُبَيدُ الله بنُ أبي يزيد، قال: أخبرني أبي، أن أُمَّ أيوبَ الأنصاريَّةَ أخبرته قالت: نزَل علينا رسولُ الله ﷺ ، فتكلَّفْنا له طعامًا فيه بعضُ هذه البُقول، فكَرِهَه، وقال لأصحابِه: "إني لستُ كأحَدٍ منكم، فإنِّي أكرَهُ أن أوذيَ صاحبي". قال الحُميديُّ: قال سفيانُ: ورأيتُ رسولَ الله ﷺ في النوم، فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا الحديثُ الذي تُحدِّثُ به أُمُّ أيوبَ عنك: "أن الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدَمَ"؟ قال: حقٌّ. ومثلُ هذا حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شِهاب، عن سليمانَ بنِ يسَارٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يأكلُ الثُّومَ ولا الكُرَّاثَ ولا البصلَ؛ مِن أجلِ أن الملائكةَ تأتيه، ومِن أجلِ أنّه يُكلِّمُ جبريلَ ﵇. رواه عبدُ الله بنُ يوسفَ، والقعنَبِيُّ، وطائِفَةٌ عن مالكٍ في "الموطَّأ" هكذا (٢). ورواه محمدُ بنُ إسحاقَ البكريُّ، عن يحيى بنِ يحيى النَّيسابوريِّ، عن (٣) مالكٍ، أنّه قرَأ عليه: عنِ ابنِ شِهَاب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ الله ﷺ

стр. 2422

كان لا يأكُلُ الثُّومَ ولا الكُراثَ ولا البصلَ؛ مِن أجلِ أن الملائكةَ تأتيه، وأنَّه يُكلِّمُ جبريلَ ﵇ (١). قال الدَّارَقُطنيُّ (٢): هذا مما انْفَرَدَ به محمدُ بنُ إسحاقَ البكريُّ بهذا الإسنَادِ، وهو ضعيفٌ، وما جاءَ به وهْمٌ؛ لأنّه في "الموطَّأ" عن الزُّهريِّ، عن سُليمانَ بنِ يسَارٍ مُرسَلٌ. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال (٣): أنبأنا إسحاقُ بنُ منصور، قال: أنبأنا يحيى، عن ابنِ جُرَيْج، قال: حدَّثنا عطاءٌ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أكَل مِن هذه الشَّجرةِ -قال أوَّلَ يوم: "الثُّوم"، ثم قال: "الثُّوم والبَصَلِ والكُرَّاثِ"- فلا يقرَبْنَا في مساجِدِنا؛ فإن الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منهُ الإنسُ". وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا شَيبانُ بنُ فَرُّوخَ، قال: حدَّثنا أبو الهلال، قال: حدَّثنا

стр. 2423

حُميْدُ بنُ هلالٍ، عن أبي بُردَةَ، عن المغِيرَة بنِ شُعَبةَ، قال: أكلتُ ثُومًا، فأتَيتُ مُصلَّى رسولِ الله ﷺ وقد سُبِقْتُ برَكْعَةٍ، فلما دخَلتُ المسجدَ وجَد رسولُ الله ﷺ ريحَ الثُّوم، فلما قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَه قال: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ فلا يقربنَّا حتى يذهَبَ ريحُها". فلما قضَيْتُ الصلاةَ جِئْتُ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله، والله لتُعطينِّي يَدَكَ. قال: فأدْخَلتُ يَدَه في كُمِّ قَمِيصي إلى صدري، فإذا أنا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ. فقال: "إنَّ لك عُذْرًا". قال أبو داودَ (١): وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا الجراحُ أبو وكيع، عن أبي إسحاقَ، عن شَريكِ بنِ حنبَلٍ، عن عليٍّ، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن أكْلِ الثُّوم إلّا مطبُوخًا.

стр. 2424

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ وبكر، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو وكيع، عن أبي إسحاقَ، عن شَريكِ بنِ حنبل، عن عليٍّ. فذكره. قال أبو عمر: ففي هذه الأحاديثِ أوضَحُ الدلَّائلِ على أن أكلَ الثُّوم ليس به بأْسٌ، وأنه مُباح، وقد أكله جماعَةٌ مِن الصحابةِ والتابعين، وأجاز أكْلَه جمهورُ علماءِ المسلمين. أخبرنا أحمدُ بنُ عبد الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أن أباه أخبره، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: أنبأنا الحسَنُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي صدقةً -وقد ذكره أيوبُ، عن محمدٍ- أنَّ ابنَ عمرَ سُئِل عن الثُّوم والبصلِ، فقال: اذهبوا واقطَعوا عنكم ريحَها بالنُّضْج (١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ حسابٍ، قال:

стр. 2425

حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ أصابَه بُهْرٌ (١) زَمَنَ أذْرَبِيجَانَ، فنُعِتَ له الثُّومُ، فكُنَّا نَنْظِمُه فنجعَلُه في حسَاءٍ له (٢). وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ الدِّينوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا أبي وشُعَيبُ بنُ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، عن يَزيدَ بنِ الهادي، قال: قلتُ لنافِع: هل كان ابنُ عمرَ يأكُلُ الثُّومَ في اللحم؟ قال: نعم (٣). فهذا ابنُ عمرَ قد روَى الحديثَ في الثُّوم، وكان يأْكُلُه، فدَلَّ على أنّه قد علِم المُرادَ، وعرَف المَقْصِدَ. أخبرنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي الموتِ، قال: حدَّثنا أبو صالح، حدَّثنا أبو يوسفَ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحجَّاج، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن أبي عُبيدٍ (٤)، عن نُعَيم بنِ سَلامةَ، قال: دخَلتُ على عمرَ بنِ عبدِ العزيز، فوجَدْتُه يأكلُ ثُومًا مسلُوقًا بماءٍ وملح وزَيت (٥). ولو ذكرنا الآثارَ عن العُلماء في ذلك لطوَّلنا وأملَلنا، والأمرُ الواضِحُ لا وجهَ للتَّطويلِ فيه.

стр. 2426

وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ أيضًا: أنَّ حُضورَ الجماعةِ ليس بفَرْضٍ؛ لأنّه لو كان فرضًا ما كانَ أحدٌ ليُباحَ له ما يحبِسُه عن الفرضِ، وقد أباحَتِ السُّنةُ لآكِلِ الثُّوم التَّأخُّرَ عن شُهودِ الجماعَةِ، وقد بيَّنا أن أكلَه مُبَاحٌ، فدَلَّ ذلك على ما وصفنا، وبالله عِصْمَتُنا. ألا تَرى أن الجُمُعةَ إذا نُودِيَ لها، حَرُمَ على المسلمينَ مِن أهلِ الحضَر كلُّ ما يحبِسُ عنها مِن بَيع وقُعُودٍ ورُقادٍ وصلاةٍ، وكُلُّ ما يَشْتَغِلُ به المرءُ عنها؟ وكذلك مَن كانَ مِن أهلِ المِصْرِ حاضِرًا فيه، لا عُذْرَ له في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ؛ أنّه لا يحِلُّ له أن يُدخِلَ على نَفْسِه ما يحبِسُه عنها، فلو كانت الجماعةُ فرضًا، لكانَ أكْلُ الثُّوم في حينِ وقتِ الصَّلاةِ حرامًا، وقد ثبَتَتْ إباحَتُه، فدلَّ ذلك على أنَّ حُضُورَ الجماعةِ ليس بفَرْض، واللهُ أعلمُ. وإنّما حُضورُها سُنةٌ وفَضِيلَةٌ وعمَلُ بِرٍّ. وممَّا يَدُلُّ على أن حُضورَ الجماعَةِ ليس بفَرْضٍ، قولُ رسولِ الله ﷺ : "إذا حَضَرَ العَشاءُ، وسَمِعْتُم الإقامَةَ بالصلاةِ، فابدؤُوا بالعَشَاءِ" (١). وفي الحديثِ المذكورِ أيضًا مِن الفقهِ: أن آكِلَ الثُّوم يُبعَدُ مِن المسْجِدِ ويُخرَجُ عنه؛ لأن رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَقْرَبْ مسجدَنا -أو مساجدَنا- لأنّه يُؤْذِينا بريح الثُّوم"، وإذا كانت العِلَّةُ في إخراجِه مِن المسجدِ أنّه يُتأذَّى به، ففي القياسِ أن كلَّ ما يَتأذَّى به جِيرانُه في المسجدِ؛ بأنْ يكونَ ذَرِبَ اللِّسانِ (٢)، سَفِيهًا عليهم في المسجدِ مُسْتَطيلًا، أو كان ذا ريحَةٍ قَبِيحَةٍ لا تَرِيمُه (٣) لسُوء صِناعَتِه، أو عاهَةٍ مُؤذِيةٍ كالجُذَام وشِبْهِه، وكلِّ ما يتأذَّى به الناسُ إذا وُجِد في

стр. 2427

أحد جيرانِ المسجِدِ، وأرادُوا إخرَاجَه عن المسجدِ وإبْعادَه عنه، كان ذلك لهم ما كانت العِلَّةُ موجُودَةً فيه حتى تَزُولَ، فإذا زالت بإفاقَةٍ أو توبةٍ أو أيِّ وجْهٍ زالت، كانَ له مُراجَعَةُ المسجد. وقد شاهَدتُ شيخَنا أبا عمرَ أحمدَ بنَ عبدِ الملِكِ بنِ هاشِم ﵀، أفتى في رَجُلٍ شَكاه جِيرانُه، وأثبتُوا عليه أنّه يُؤْذيهم في المسجِدِ بِلسَانِه ويَدِه، فشُووِرَ فيه، فأفتَى بإخراجِه عن المسجدِ وإبعادِه عنه، وأن لا يُشَاهِدَ معهم الصلاةَ؛ إذْ لا سبيلَ مع جُنونِه واستطالتِه إلى السلامَةِ منه، فذاكرتُه يومًا أمْرَه، وطالبتُه بالدَّليلِ فيما أفتَى به مِن ذلك، وراجَعْتُه فيه القولَ، فاسْتَدَلَّ بحِدِيثِ الثُّوم، وقال: هو عندي أكثرُ أذًى مِن اَكِلِ الثُّوم، وصاحبُه يُمنَعُ مِن شُهودِ الجماعةِ في المسجدِ. وذكر الحديثَ أنّه كان إذا وُجِد مِن أحدٍ ريحُ ثوم في مسجدِ رسولِ الله ﷺ أُخرج عنه، ورُبَّما أُبْعِدَ حتى يُبلَغَ به البَقِيعُ. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال (١): أخبرنا محمدُ بنُ المُثنى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا هِشَالم، قال: حدَّثنا قتادَةُ، عن سالم بنِ أبي الجعْدِ، عن معدَانَ بنِ أبي طلحة، أن عمرَ بنَ الخطابِ، قال: إنكم أيُّها الناسُ تأكُلُون مِن شجَرَتَيْن ما أرَاهُما إلّا خَبِيثَتيْنِ؛ هذا البَصَلُ والثُّومُ، ولقد رأيتُ نبيَّ الله ﷺ إذا وجَد ريحَها مِن الرجلِ، أَمَرَ به فأُخرِجَ إلى البَقيع، فمَن أكلَها فليُمِتْهما طبخًا.

стр. 2428

فهذا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ يجيزُ أكْلَ البصلِ والثُّوم مطبوخينِ على حَسَبِ ما ذكرنا، وهذا هو الصحيحُ في هذا البابِ، واللهُ الموفقُ للصواب. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا همامُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن سالم بنِ أبي الجعْدِ الغَطفانيِّ، عن معْدانَ بنِ أبي طلحَةَ اليَعْمَري، أن عمرَ قامَ على المِنْبَر يومَ جُمُعةٍ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنَى عليه. ثم ذكر الحديثَ بمعنَى ما تقدَّم سواءً إلى آخرِه (١). وروى جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ وزُهيرُ بنُ معاويةَ، عن مُطرِّفِ بنِ طريفٍ، عن أبي الجهْم، عن أبي القاسم مولى أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ قال: لما افْتُتِحَت خيبرُ أكلوا مِن الثُّوم، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن أكَل من هذه البَقْلَةِ الخَبِيثَةِ، فلا يَقْربنَّ مسجدَنا حتى يذهبَ ريحُها مِن فيه" (٢).

стр. 2429

حديثٌ عاشِرٌ لابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". هكذا رواه كلُّ مَن روَى "الموطأ" عن مالكٍ فيما عَلِمْتُ (٢)، إلّا مَعْنَ بنَ عيسَى، فإنَّه وصَلَه، فجعَله عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ. ومَعْنٌ ثِقَةٌ، إلّا أني أخْشَى أن يكونَ الخطأُ فيه مِن عليِّ بنِ عبدِ الحميدِ الغَضَائريِّ (٣). حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ علَّانَ وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الحلَبِيُّ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ الغَضَائريُّ، قال: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو لصاحِبِه" (٤).

стр. 2430

حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح الأبْهَرِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ. وحدَّثنا إسماعِيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ القرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ بنِ يحيى الحلَبيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ جعفَرٍ وعليُّ بنُ عبدِ الحميدِ، قالا: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو مِن صاحِبِه". وزاد فيه أبو عبدِ الله بنُ عُمْرُوسٍ، عن الأبْهَريِّ، بإسنادِه: "له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه". وهذه اللفظةُ قد اختلَف الرواةُ في رَفْعِها؛ فرفَعها ابنُ أبي ذئْبٍ، ومعمرٌ (٢)، وغيرُهما في هذا الحديثِ، لكنَّهم رووه مُرْسلًا، على اختِلافٍ في ذلك عن ابنِ أبي ذئبٍ نذْكُرُه إن شاء الله. وروايةُ معن عن مالكٍ مُوافِقَةٌ لذلك، وقد رَوى ابنُ وَهْبٍ هذا الحديثَ فجوَّدَه، وبيَّنَ أنَّ هذا اللَّفْظَ ليس مرفوعًا. روَى سُحنُونٌ، ويونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، ومحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكَم، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: سمِعتُ مالكًا، ويونُسَ بنَ يزيدَ، وابنَ أبي ذئْبٍ، يُحدِّثونَ عن ابنِ شهاب، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". وقال يونسُ: قال ابنُ شهابٍ: وكان سعيدُ بنُ المسيِّب يقولُ: الرهنُ ممَّن رهَنَه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه (٣).

стр. 2431

فتبيَّن بروايةِ ابنِ وَهْبٍ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، أنَّ هذا مِن قولِ سعيدِ بنِ المسيِّب (١)، فاللهُ أعلمُ، إلّا أنَّ معمرًا قد ذكره عن ابنِ شهابٍ مرفوعًا (٢)، ومعمرٌ مِن أثبتِ الناسِ في ابنِ شهابٍ، وقد تابَعَه على ذلك يحيى بنُ أبي أُنَيْسَةَ، فرفَع هذا اللفظَ، ووصَل الحديثَ عن أبي هريرة. ويحيى ليس بالقويِّ (٣). وقد رُويَ مِن حديثِ محمدِ بنِ كثير، ومِن حديثِ زيدِ بنِ الحُبَابِ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قضَى رسولُ الله ﷺ أن لا

стр. 2432

يَغْلَقَ الرَّهْنُ؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه. ذكرَ ذلك شيخُنا ابنُ قاسم، عن شُيوخِه، عنهما. وذكره الدارَقُطنيُّ وغيرُه (١). وقد حدَّثني إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس الحلبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرانَ العابديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيَادِ بنِ سعدٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرهْنُ، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (٢). وفيما أخبرني أبو عبدِ الله إجازَةً، عن عليِّ بنِ عمرَ الحافظِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ الفتح الورَّاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ يعقوبَ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المباركِ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي سُكينةَ الحلبيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي
следующие страницы →