← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2428–2467 · переход к 2433.

стр. 2428

فهذا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ يجيزُ أكْلَ البصلِ والثُّوم مطبوخينِ على حَسَبِ ما ذكرنا، وهذا هو الصحيحُ في هذا البابِ، واللهُ الموفقُ للصواب. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا همامُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن سالم بنِ أبي الجعْدِ الغَطفانيِّ، عن معْدانَ بنِ أبي طلحَةَ اليَعْمَري، أن عمرَ قامَ على المِنْبَر يومَ جُمُعةٍ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنَى عليه. ثم ذكر الحديثَ بمعنَى ما تقدَّم سواءً إلى آخرِه (١). وروى جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ وزُهيرُ بنُ معاويةَ، عن مُطرِّفِ بنِ طريفٍ، عن أبي الجهْم، عن أبي القاسم مولى أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ قال: لما افْتُتِحَت خيبرُ أكلوا مِن الثُّوم، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن أكَل من هذه البَقْلَةِ الخَبِيثَةِ، فلا يَقْربنَّ مسجدَنا حتى يذهبَ ريحُها مِن فيه" (٢).

стр. 2429

حديثٌ عاشِرٌ لابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". هكذا رواه كلُّ مَن روَى "الموطأ" عن مالكٍ فيما عَلِمْتُ (٢)، إلّا مَعْنَ بنَ عيسَى، فإنَّه وصَلَه، فجعَله عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ. ومَعْنٌ ثِقَةٌ، إلّا أني أخْشَى أن يكونَ الخطأُ فيه مِن عليِّ بنِ عبدِ الحميدِ الغَضَائريِّ (٣). حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ علَّانَ وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الحلَبِيُّ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ الغَضَائريُّ، قال: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو لصاحِبِه" (٤).

стр. 2430

حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح الأبْهَرِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ. وحدَّثنا إسماعِيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ القرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ بنِ يحيى الحلَبيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ جعفَرٍ وعليُّ بنُ عبدِ الحميدِ، قالا: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو مِن صاحِبِه". وزاد فيه أبو عبدِ الله بنُ عُمْرُوسٍ، عن الأبْهَريِّ، بإسنادِه: "له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه". وهذه اللفظةُ قد اختلَف الرواةُ في رَفْعِها؛ فرفَعها ابنُ أبي ذئْبٍ، ومعمرٌ (٢)، وغيرُهما في هذا الحديثِ، لكنَّهم رووه مُرْسلًا، على اختِلافٍ في ذلك عن ابنِ أبي ذئبٍ نذْكُرُه إن شاء الله. وروايةُ معن عن مالكٍ مُوافِقَةٌ لذلك، وقد رَوى ابنُ وَهْبٍ هذا الحديثَ فجوَّدَه، وبيَّنَ أنَّ هذا اللَّفْظَ ليس مرفوعًا. روَى سُحنُونٌ، ويونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، ومحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكَم، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: سمِعتُ مالكًا، ويونُسَ بنَ يزيدَ، وابنَ أبي ذئْبٍ، يُحدِّثونَ عن ابنِ شهاب، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". وقال يونسُ: قال ابنُ شهابٍ: وكان سعيدُ بنُ المسيِّب يقولُ: الرهنُ ممَّن رهَنَه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه (٣).

стр. 2431

فتبيَّن بروايةِ ابنِ وَهْبٍ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، أنَّ هذا مِن قولِ سعيدِ بنِ المسيِّب (١)، فاللهُ أعلمُ، إلّا أنَّ معمرًا قد ذكره عن ابنِ شهابٍ مرفوعًا (٢)، ومعمرٌ مِن أثبتِ الناسِ في ابنِ شهابٍ، وقد تابَعَه على ذلك يحيى بنُ أبي أُنَيْسَةَ، فرفَع هذا اللفظَ، ووصَل الحديثَ عن أبي هريرة. ويحيى ليس بالقويِّ (٣). وقد رُويَ مِن حديثِ محمدِ بنِ كثير، ومِن حديثِ زيدِ بنِ الحُبَابِ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قضَى رسولُ الله ﷺ أن لا

стр. 2432

يَغْلَقَ الرَّهْنُ؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه. ذكرَ ذلك شيخُنا ابنُ قاسم، عن شُيوخِه، عنهما. وذكره الدارَقُطنيُّ وغيرُه (١). وقد حدَّثني إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس الحلبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرانَ العابديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيَادِ بنِ سعدٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرهْنُ، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (٢). وفيما أخبرني أبو عبدِ الله إجازَةً، عن عليِّ بنِ عمرَ الحافظِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ الفتح الورَّاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ يعقوبَ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المباركِ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي سُكينةَ الحلبيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي

стр. 2433

هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ممَّن رهَنه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرانَ بنِ رَزِينِ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن زيادِ بنِ سَعْدٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرهنُ" (٣). وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ الله الطائيُّ بحِمْصَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدِ بنِ خليٍّ، قال: حدَّثنا بقيَّةُ (٤)، عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن عبَّادٍ -يعني ابنَ كثيرٍ- عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمن -يعني ابنَ أبي ذئْبٍ- عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيَّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرهنُ؛ لصاحبِه غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (٥).

стр. 2434

قال أبو عمر: أمَّا حديثُ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، فهذا أصْلُه، وقد رُوي عن إسماعيلَ بنِ عيَّاش، عن ابنِ أبي ذئبٍ (١). ولم يسمَعْه إسماعيلُ من ابنِ أبي ذئبٍ، وإنَّما سَمِعه مِن عبَّادِ بنِ كثير، عن ابنِ أبي ذئبٍ، وعبَّادُ بنُ كثيرٍ عندَهم (٢) ضعيفٌ لا يُحتجُّ به، وإسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ عندَهم أيضًا غيرُ مقبولِ الحديثِ إذا حدَّث عن غيرِ أهلِ بَلَدِه، فإذا حدَّثَ عن الشاميِّينَ فحديثُه مُستقِيمٌ، وإذا حدَّث عن المدنيِّينَ وغيرِهم ما عدا الشَّامِيِّين، ففي حديثه خطأ كثيرٌ واضطِرَابٌ، ولا أعلَمُ بينَهم خِلافًا أنّه ليس بشيءٍ فيما رَوَى عن غيرِ أهلِ بلدِه، وقدِ اختَلفوا فيه إذا رَوَى عن أهل بلَدِه، والصوابُ ما ذكرتُ لك إن شاءَ الله. وقد رُوي هذا الحديثُ عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن الزُّبيديِّ (٣)، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (٤). ولو صَحَّ عن إسماعيلَ، لكان حسنًا، لكنَّ أهلَ العِلْم بالحديثِ يقولونَ: إنَّه إنّما رواه عن ابنِ أبي ذئْبٍ، ولم يَرْوه عن الزُّبيديِّ، وقد أوضَحْتُ لك أصلَ روايتِه في هذا الحديثِ عن ابنِ أبي ذئبٍ، إلّا أنّه قد رُوي عن ابنِ أبي ذئبٍ مِن وجهٍ صالح حسنٍ غيرِ هذا الوجه.

стр. 2435

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ الأنطاكيُّ وجماعَةٌ مِن أهلِ الثقةِ، قالوا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نصرٍ الأصَمُّ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا شَبابَةُ (١)، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرهنُ، الرهنُ لمَن رهَنه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (٢). ورواه عن شَبابةَ هكذا جماعَةٌ. وأمّا روايةُ ابنِ عُيينةَ لهذا الحديثِ مُتَّصلًا عن زيادِ بنِ سعْدٍ، فإنَّ الأثباتَ مِن أصحابِ ابنِ عيينةَ يروُونَه عن ابنِ عيينةَ لا

стр. 2436

يذكُرونَ فيه أبا هريرةَ، ويجعَلُونه عن سعيدٍ مُرْسلًا، وأصلُ هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلم بالنقل مُرسَل، وإن كان قد وُصِل مِن جِهَاتٍ كثيرِ؛، فإنَّهم يُعلِّلونَها، وهو مع هذا حديث لا يَرْفعُه أحَدٌ منهم وإن اختَلَفوا في تأْويله ومعناه، وبالله التوفيق. قال أبو عمر: الرِّوايةُ في هذا الحديثِ: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" برَفْع القافِ على الخبرِ، أي: ليس يَغْلقُ الرهْنُ، ومعنَاه: لا يذْهَبُ ويتلَفُ باطلًا، والأصلُ في ذلك الهلاكُ، والنحويُّونَ يقولونَ: غَلِق الرهْنُ: إذا لم يُوجَدْ له تخلُّصٌ (١). قال امرؤُ القَيْس (٢): غَلِقْنَ برَهْنٍ مِن حبيبٍ به ادَّعَتْ ... سُلَيْمَى فأمسى حبْلُها قد تَبتَّرا (٣) وقال زُهَيرٌ (٤): وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فِكَاكَ لهُ ... يومَ الوَداع فأمسى الرَّهنُ قد غَلِقا وقال آخَرُ، وهو قَعْنَبُ ابنُ أمِّ صاحِبٍ، وهو أحَدُ المنسوبِين إلى أُمَّهاتِهم، وهو قَعْنَبُ بنُ حمزةَ أحَدُ بني عبدِ الله بنِ غطَفانَ: بانت سُعَادُ وأمسَى دونَها عَدَنُ ... وغلِقَتْ عندَها مِن قلبِك الرُّهُنُ (٥)

стр. 2437

وقال آخَرُ (١): كأنّ القلبَ ليلةَ قيلَ يُغْدَى ... بليلى العامِرِيَّةِ أو يُراحُ قَطَاةٌ غَرَّها شَرَكٌ فبَاتَتْ ... تُجاذبُهُ وقد غَلِقَ الجناحُ وقال آخر: أجارَتَنا مَن يجتَمِعْ يتَفَرَّقِ ... ومَن يكُ رهْنًا للحوادِثِ يَغْلَقِ (٢) وقال أعْشَى تَغْلِبَ: لمّا رأى أهْلُها أنِّي عَلِقْتُ بها ... واسْتَيقَنوا أنَّني في حَبْلِها غَلِقُ بانَتْ نوَاهم شطُونًا عن هَوَايَ لهم ... فما دُلُوفَي (٣) مَيْسُورًا ولا رفَقُ قال أبو عُبَيْدٍ (٤): لا يجوزُ في كلام العَرَبِ أن يُقال للرَّهْنِ إذا ضاعَ: قد غَلِق، إنّما يقالُ: قد غَلِقَ إذا اسْتَحَقَّه المُرْتَهِنُ فذهَب به. قال: وهذا كان مِن فِعْلِ أهلِ الجاهِليَّةِ، فأبطَلَه النبيُّ ﷺ بقوله: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". ثم ذكر نحوَ قولِ مالكٍ وسفيانَ في تفسيرِ هذا الحديثِ.

стр. 2438

وفسَّر مالكٌ (١) هذا الحديثَ بأن قال: وتفسيرُ ذلك فيما نرى، واللهُ أعلمُ، أن يَرْهَنَ الرجلُ الرهنَ عندَ الرجلِ بالشيءِ، وفي الرهنِ فَضْل عمَّا رُهِن به، فيقولَ الرَّاهِنُ للمُرْتَهِنِ: إن جِئْتُك بحَقِّكَ إلى أجَلِ كذا، يُسَمِّيه له، وإلّا فالرَّهْنُ لك بما فيه. قال مالكٌ: فهذا لا يَصْلُحُ ولا يَحِلُّ، وهذا الذي نُهيَ عنه، وإن جاء صاحِبُه بالذي رهَن فيه بعدَ الأجلِ فهو له، وأرى هذا الشرطَ مُنْفَسِخًا. وعلى نحوِ هذا فسَّره الزهريُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وطاووسٌ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ، وشُرَيْحٌ القاضي (٢). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، قال: إذا رَهَن الرجلُ الرهنَ، فقال لصاحِبه: إن لم آتِكَ إلى كذا وكذا، فالرَّهْنُ لك. قال: ليس بشيءٍ، ولكن يُباعُ فيأْخُذُ حَقَّه، ويَرُدُّ ما فضَل (٣). وذكَرَ عبدُ الرزاقِ (٤)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ممَّن رَهَنه". قال معمرٌ: قلتُ للزهريِّ: أرأيتَ قولَه: "لا يَغْلَقُ الرهنُ"، أهو الرجلُ يقولُ: إن لم آتِكَ بمالِك فهذا الرهنُ لك؟ قال: نعم. قال معمر: ثمَّ بلغني عنه أنّه قال: إن هلَك لم يَذْهَبْ حَقُّ هذا، إنّما هلَك مِن ربِّ المالِ؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه.

стр. 2439

ورَوى عبدُ الرَّزَّاقِ (١) وعبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاح جميعًا، عن الثوريِّ، عن ابنِ أبي ذئْبٍ، عن الزهريِّ (٢)، عن ابنِ المسيِّبِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّن رهَنه؛ له غُنمُه، وعليه غُرْمُه". زاد عبدُ الملكِ، عن الثوريِّ، قال: إن لم يَأْتِه بمالِه فلا يَغْلَقُ الرَّهْنُ. قال أبو عمر: فعلى هذا تفسيرُ أهل العلم في قولِه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ": أنَّ ذلك إنّما قُصِد به الرهنُ القائِمُ، أي: لا يَسْتَغْلِقُه المُرْتَهِنُ فيأْخُذَه بشرطِه الذكور، إذ قد أبْطَلَت ذلك الشرطَ السُّنةُ، وليس ذلك في الرهنِ يَتْلَفُ عندَ المُرْتَهِنُ؛ لأنَّ الذي تَلِف لا يَغْلَقُ، لأنّه قد ذهَب، وإنّما قيل فيما كان باقيًا موجودًا: لا يَغْلَقُ؛ أي: لا يأْخُذُه المُرْتَهِنُ إذا حلَّ الأجَلُ بما له عليه، ولا يكونُ أولى به مِن صاحِبِه. ورَوى هُشَيْمٌ (٣)، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: إذا أقْرَض الرجلُ قَرْضًا، ورهَنه رَهْنًا، وقال: إن أتَيْتُكَ بحَقِّكَ إلى كذا وكذا، وإلّا (٤) فهو لك بما فيه. فقال: ليس هذا بشيءٍ، هو رَهْنٌ على حالِه لا يَغْلَقُ. قال أبو عمر: اختَلَف العلماءُ قديمًا وحديثًا، مِن الصحابَةِ والتابِعِينَ، ومَن بعدَهم مِن الخالفِين، في الرَّهْنِ يَهْلِكُ عندَ المُرْتَهنِ وَيتْلَفُ مِن غيرِ جِنايَةٍ منه (٥) ولا تَضْيِيع. فقال مالكُ بنُ أنسٍ، والأوْزَاعيُّ، وعثمانُ البتِّيُّ: إن كان الرَّهْنُ ممَّا يَخْفَى

стр. 2440

هلاكُه؛ نحوَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحُليِّ، والمتاع، والثِّيابِ، والسُّيوفِ، ونحوِ ذلك ممَّا يُغَابُ عليه، ويخْفَى هَلاكُه، فهو مَضْمُون إذا خَفِيَ هلاكُه، ويتَرادَّانِ الفضْلَ فيما بينهما، وإن كانت قيمةُ الرَّهْنِ أكثرَ مِن الدَّيْنِ، ذهب الدَّيْنُ كلُّه، ورجَع الراهنُ على المرتهِنِ بفضلِ قيمةِ الرهنِ، وإن كانت قيمةُ الرهنِ (١) مثلَ الدينِ، ذهَب بما فيه، وإن كانت قيمتُه أقلَّ مِن الدينِ، رجَع المرتهنُ على الرَّاهِنِ بباقي دينِه. إلّا أنَّ مالكًا وابنَ القاسم يقولان: إن قامَتِ البينةُ على هَلاكِ ما يُغابُ عليه، فليس بمَضْمُونٍ، إلّا أن يتَعَدَّى فيه المرتهِنُ أو يُضَيِّعَه، فيَضْمَنَ. وقال أشهبُ: كلُّ ما يُغابُ عليه مَضْمُونٌ على المرتهِنِ، خَفِي هَلاكُه أو ظهَر. وهو قولُ الأوزاعيِّ والبتِّيِّ (٢). قال أبو عمر: فإنِ اختَلَف الراهنُ والمرتَهِنُ في قيمةِ الرَّهنِ، فهو باب غيرُ هذا، ولا يجمُلُ بنا ذكرُ مسائلِ الرهونِ كلِّها؛ لخُرُوجِنا بذلك عن تأليفنا، وإنّما نذْكُرُ مِن المسائلِ في كتابِنا ما كان في معنى الحديثِ المذكُورِ لا غير. وقد جوَّد مالكٌ مذْهَبَه في اختِلافِ الراهِنِ والمُرْتَهِنِ في قيمةِ الرهنِ، وفي مِقْدَارِ الدَّينِ جميعًا، في كتابِه "المُوطَّأ"، وقد ذكرنا ما للعلماءِ مِن خِلافِه ومُوافَقَتِه، ووجْهَ قولِ كلِّ واحدٍ منهم في كتابِ "الاسْتِذْكار" (٣)، والحمدُ لله. فإن كان الرَّهْنُ ممَّا يظْهَرُ هَلاكُه؛ نحوَ الدارِ، والأرَضِينَ، والحيوانِ، فهو مِن مالِ الراهِن، ومُصيبَتُه منه، والمُرتهِنُ فيه أمينٌ، ودَينُ المرتهنِ فيه ثابِت على حالِه. هذا كلُّه قولُ مالكٍ، وعثمانَ البتِّيِّ، والأوزاعِيِّ (٤). وروى هذا القولَ

стр. 2441

الأوزاعيُّ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ (١). وقال ابنُ أبي ليلى، وعبيدُ الله بنُ الحسنِ، وإسحاقُ بنُ راهُويَة، وأبو عبيدٍ: يتَرادَّانِ الفضلَ بينهما. مثلَ قولِ الأوزاعيِّ، ومالكٍ، والبتِّيِّ، سواءً، إلّا أنّه لا فرقَ عندَهم بينَ ما يظهَرُ هَلاكُه وبينَ ما يُغابُ عليه، والرهنُ مضْمُونٌ عندَهم على كلِّ حالٍ؛ حيوانًا كان أو غيرَه، هو عندَهم مضمُونٌ بنفسِه، يترَادَّانِ الفضلَ فيه إن نَقَصَت قيمَتُه عن الدَّينِ أو زادَتْ، والقولُ قولُ المُرْتهِنِ في ذلك إن لم تَقُمْ بيِّنةٌ (٢). ويُروى هذا القولُ أو معناه عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، مِن حديثِ قتادةَ، عن خِلاسٍ، عن عليٍّ (٣)، ويُروَى أيضًا عن ابنِ عمرَ، مِن حديثِ إدريسَ الأوْدِيِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُمَيْرٍ، وهو مجهُولٌ، عن ابنِ عمر (٤). وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ حيٍّ: إن كان الرَّهنُ

стр. 2442

مثلَ الدَّينِ أو أكثرَ منه، فهو بما فيه، وإن كان أقلَّ مِن الدَّينِ، ذهَب مِن الدَّين بقَدْرِه، ورجَع المرْتَهِنُ على الراهِنِ بما نقَص. والرَّهنُ عندَهم مَضْمُونٌ بقيمةِ الدَّينِ فما دُونَ، وما زاد على الدَّينِ فهو أمانَةٌ (١). ورُويَ مثلُ هذا القولِ كلِّه أيضًا عن عليِّ بنِ أبي طالبِ، مِن حديثِ عبدِ الأعلى، عن محمدِ بنِ الحنفِيَّة، عن عليٍّ (٢)، وهو أحْسَنُ الأَسانِيدِ في هذا البابِ عن عليٍّ (٣). وتأويلُ قولِه: "له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" عندَ هؤلاء؛ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ومَن قال بقولهم: أنّه لا يكونُ للمُرْتَهنِ، ولكنْ يكونُ للراهِنِ، وغُنْمُه عندَهم: ما فضَل مِن الدَّينِ. "وعليه غُرْمُه": ما نقَصَ مِن الدَّيْنِ. وهذا كلُّه عندَهم في سلامَةِ الرَّهنِ لا في عَطَبِه (٤)، على ما تقدَّمَ ذكرُنا له، فالرهنُ عندَ هؤلاء في الهلاكِ مضْمُونٌ بالدَّين، لا بنفسِه وقيمتِه.

стр. 2443

ومن حُجَّتِهم أنَّ المرتَهِنَ لما كان أحَقَّ به مِن سائِرِ الغُرَمَاء عندَ الفَلَسِ، عُلِم أنّه ليس كالوَدِيعَةِ، وأنّه مَضْمُونٌ؛ لأنّه لو كان أمانَةً لم يكنِ المرتَهِنُ أحَقَّ به. وقال شريحٌ، وعامِرٌ الشعبيُّ، وغيرُ واحدٍ مِن الكُوفيِّينَ: يذْهَبُ الرهنُ بما فيه؛ كانت قيمَتُه مثلَ الدين، أو أكثرَ منه، أو أقَلَّ، ولا يرجِعُ واحِدٌ منهما على صاحبِه بشيءٍ. وهو قولُ الفقهاءِ السبعةِ المدنيين، إلّا أنَّهم إنّما يجعَلُونَه بما فيه إذا هَلَك وعَمِيَت قيمَتُه، ولم تَقُمْ بيِّنَةٌ على ما فيه، وإن قامتْ بيِّنةٌ على ما فيه، ترَادَّا الفضلَ (١). وهكذا قال الليثُ بنُ سعدٍ؛ مذْهَبُه في هذا ومذهَبُ السبعةِ سواءٌ، قال الليثُ: وبَلَغَني ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ. والحيوانُ عندَ الليثِ لا يُضْمَنُ، إلّا أن يُتَّهَمَ المُرْتَهِنُ في دعوَى الموتِ والإباقِ. وقال الليثُ: يكونُ بالموتِ ظاهرًا مَعْلُومًا. قال: فإن أعْلَمَ المرتهِنُ الراهِنَ بإباقِه أو موتِه، أو أعْلَم السلطانَ، إن كان صاحِبُه غائبًا، حَلَف وبَرِئ (٢). وقالت طائفةٌ مِن أهلِ الحجازِ، منهم سعيدُ بنُ المسيِّب، والزهريُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومسلمُ بنُ خالدٍ، والشافعيُّ، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وأبي ثورٍ، وعامَّةِ أهلِ (٣) الأثرِ، وداودَ بنِ عليٍّ: الرهنُ كلُّه أمانةٌ، قليلُه وكثيرُه، ما يُغابُ عليه منه، وما يظهَرُ، إذا ذهَب مِن غيرِ جنايَةِ المرْتَهِنِ، فهو من مالِ الراهِنِ، ولا يُضْمَنُ إلّا بما تُضْمَنُ به الودائِعُ وسائِرُ الأماناتِ، ودينُ المرتهِنِ ثابِتٌ على حالِه.

стр. 2444

قالوا: والحيوانُ في ذلك، والعقارُ، والحُليُّ، والثيابُ، وغيرُ ذلك، سواءٌ (١). وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الرَّهْنُ ممَّن رَهَنَه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه". وقد وصَلَه قومٌ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ. قالوا: وهو مَرْفُوع صحيح عن النبيِّ ﷺ (٢). ومراسِيلُ سعيدٍ عندَهم صِحاحٌ. ومعنى قولِه: "له غُنْمُه"؛ أي: له غَلَّتُه ورقبَتُه وفائدَتُه كلُّها، "وعليه غُرْمُه": فَكَاكُه ومُصِيبتُه. فعلى هذا معنى هذا القولِ عندَهم: غُنْمُه لصاحِبِه، وغُرْمُه عليه. قالوا: والمُرْتَهِنُ ليسَ بمُتعَدٍّ في حَبْسِه فيَضْمَنَ، وإنّما يَضْمَنُ مَن تَعَدَّى، والأمانَةُ لا تُضمَنُ بغيرِ التَّعَدِّي. فهو عندَ هؤلاء كلُّه أمانةٌ، وعندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ما زاد على قِيمَتِه فأمانةٌ، وعندَ مالكٍ، ما لا يُغَابُ عليه أمانةٌ، لا تُضْمَنُ إلّا بما تُضْمَنُ به الأماناتُ مِن التَّعدِّي والتَّضْييع، وكذلك ما يُغابُ عليه إذا ظهَر هَلاكُه، لم يجِبْ على المرتهِنِ ضَمانُه.

стр. 2445

والفرقُ بينَ ما يُغابُ عليه وما لا يُغابُ عليه في المشهورِ مِن مذهبِ مالكٍ وأصحابِه: أنّ ما لا يُغابُ عليه مِن الرُّهُونِ؛ كالحيوانِ وشِبْهِه، والعقارِ ومثلِه، إذا ادَّعَى المرتهِنُ هَلاكَه، ولم يتبيَّنْ كذِبُه، قُبِل قولُه، وإذا ادَّعَى هَلاكَ ما قد غاب عليه عند نفسِه، لم يُقْبَلْ قولُه فيه؛ لأنّه إنّما أخَذَه وثيقَةً لنفسِه، ولم يأخُذْه وديعَةً ليَحْفَظَه على ربِّه، فلا يُقْبَلُ قولُه في ضَيَاعِه إلّا ببيِّنةٍ وأمرٍ ظاهرٍ، وتلزَمُه قيمتُه، يُقَاصُّ بها من دَيْنه، والقولُ قولُه مع يمينِه في قيمَتِه إن نزَل فيها اختِلافٌ بينهما وعُمِّيَتْ، ويتَرادَّانِ الفضلَ في ذلك. ومعنى قوله ﷺ : "له غُنْمُه" عندَ مالكٍ وأصحابِه، أي: له غلَّتُه وخَراجُ ظَهْرِه، وأُجْرَةُ عَمَلِه. ومعنى قولِه: "غُرْمُه"؛ أي: نفَقَتُه، ليس الفَكَاكَ والمصيبةَ. قالوا: لأنَّ الغُنْمَ إذا كان: الخراجَ والغلَّةَ، كان الغُرْمُ: ما قابَلَ ذلك مِن النقفةِ. قالوا: والأصْلُ أنَّ المُرْتَهِنَ لم يتَعَدَّ فيَضْمَنَ ما خَفِيَ هلاكُه مِن لمجط ضَمِنَه المسْتَعِيرُ سواءً. وفي معنى قولِه: "له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" قولُه: "الرهنُ مركوبٌ ومحلوبٌ" (١)؛ أي: أُجْرَةُ ظهرِه لرَبِّه، وكَسْبُه له، ولا يجوزُ أنْ يكون ذلك للمُرْتَهنِ؛ لأنّه ربًا

стр. 2446

مِن أجلِ الدَّيْنِ الذي له، ولا يجوزُ أنْ يليَ الرّاهنُ ذلك؛ لأنّه كان يصيرُ غيرَ مَقْبُوضٍ حينَئِذٍ، والرَّهنُ لا بُدَّ أن يكونَ مَقْبُوضًا، ولو رَكِبه لخرَج مِن الرهنِ. فقِفْ على هذا كلِّه، فهو مَذْهَبُ مالكٍ وأصحابِه. وفرَّق مالكٌ بينَ الولدِ وبينَ الغَلَّةِ والخَراج، فجعَل ولدَ الأمَةِ وسَخْلَ الماشِيةِ رهنًا مع الأُمَّهاتِ، كما هي في الزكاة تَبَعًا للأُمَّهاتِ، وليس كذلك صُوفُها ولبِنُها، ولا ثَمَرُ الأشجارِ؛ لأنّها ليست تَبعًا لأُصُولها في الزكاةِ، ولا هي في صُورَتِها ولا معنَاها (١)، ولا تقومُ مقامَها، ولها حُكْمُ نفسِها لا حُكْمُ الأصلِ (٢)، وليس كذلك الولدُ والسَّخْلُ (٣)، واللهُ أعلمُ بصوابِ ذلك (٤).

стр. 2447

حديثٌ حاديَ عَشَرَ لابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ مُرسَلٌ يتَّصِلُ من وُجوهٍ (١) مالكٌ (٢)، عن ابن شهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن المُزابَنةِ والمُحاقلَة. والمُزابنةُ: اشتِراءُ الثمَرِ بالتمْرِ، والمحاقلةُ: اشتِراءُ الزّرعِ بالحنطةِ، واستكراءُ الأرضِ بالحنطةِ. هكذا هذا الحديثُ مرسل في "الموطأ" عندَ (٣) جميع الرُّواةِ (٤)، وكذلك رواه أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه، ورواه أحمدُ بنُ أبي طَيْبةَ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ (٥)، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (٦). وجاء فيه من تفسيرِ المُزابنةِ والمحاقلةِ ما فيه مَقْنَعٌ من فهِم، ولا خلافَ علِمتُه في هذا التَّأويلِ، وهو أحسنُ تفسيرٍ في المُزابنةِ والمُحاقلةِ وأعمُّه. وقد

стр. 2448

مضَى في كتابِنا هذا مِن تفسيرِ المزابنةِ والمحاقلةِ في بابِ داودَ بنِ الحُصَينِ (١) ما يُغني عن إعادتِه هاهنا (٢)، وقد تقدَّم في بابِ ربيعةَ مِنَا القولُ في كراءِ الأرضِ مستوعبًا (٣). والحمدُ لله. وقد روَى النهيَ عن المُزابنةِ والمُحاقلةِ عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ من الصَّحابةِ؛ منهم: جابر، وابنُ عمرَ (٤)، وأبو هريرةَ (٥)، ورافعُ بنُ خَدِيج (٦)، وكلُّ هؤلاء سمِع منه سعيدُ بنُ المسيِّب، فاللهُ أعلم. وقد يكونُ العالِمُ إذا اجتمع له جماعة عن النبيِّ ﷺ أو غيرِه في حديثٍ واحدٍ، يُرْسِلُه إلى المَعْزِيِّ إليه الحديثُ، ويستثقِلُ أن يُسنِدَه أحيانًا عن الجماعةِ الكثيرة، ألا ترى إلى ما ذكرنا في صدرِ هذا الديوانِ عن إبراهيم النخَعيِّ، أنّه قيل له: مرةً تقولُ: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ، ومرَّةً تُسمِّي مَن حدَّثك عنه؟ فقال: إذا

стр. 2449

أسنَدتُ لكَ الحديثَ عنه فقد حدَّثني مَن سمِّيتُ لكَ عنه، وإن لم أُسمِّ لك أحدًا فاعلَمْ أنّه حدَّثنيهُ جماعةٌ. هذا أو معناه كلامُ إبراهيم (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن طارقٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن رافع بن خَديج، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن المحاقلةِ والمزابنةِ، وقال: "إنّما يزرعُ ثلاثةٌ؛ رجلٌ له أرضٌ فهو يَزْرَعُها، ورجل مُنح أرضًا فهو يَزْرَعُ ما مُنح، ورجل استكرَى أرضًا بذهبٍ أو فضَّةٍ". أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: أنبأنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا الطحاويُّ (٤)، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ (٥)، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أنبأنا سعيدُ بنُ سالم، عن ابن جُريج، أنّه قال لعطاءٍ: ما المحاقلةُ؛ قال: المحاقلةُ في الزرعِ: كهيئةِ المزابنةِ في النخلِ سواءً، بيعُ الزَّرعِ بالقمح. قال ابنُ جُريج: فقلتُ لعطاءٍ: فسَّر لكم جابرٌ في المحاقلةِ كما أخبرتني؟ قال: نعم.

стр. 2450

وقد مضى ما للعلماء من المذاهب في المُحاقلةِ والمُزابنةِ في باب داود بن الحُصَين والحمد لله. والقضاءُ فيما وقع من المُزابنة والمُحاقلَة، أنّه إن أُدرِكَ ذلك فُسِخَ، وإن قُبِض وفات رجَعَ صاحبُ المَكِيلةِ على صاحب النّخلِ والزَّرعِ بمثلِ صفة ما قُبِض منه في كَيْله، ورجع صاحبُ النَّخلِ والزَّرع بمثلِ صفة ما قبِض منه في كَيْله، ورَجَع صاحبُ النَّخلِ والزَّرع بقيمةٍ ثمَرِه أو قيمةِ زَرْعِه على صاحب المَكِيلَةِ يومَ قبضَهُ بالغًا ما بلَغَتْ.

стр. 2451

حديثٌ ثاني عَشَرَ لابنِ شِهابٍ، عن سعيدٍ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال ليهودِ خيبرَ: "أُقِرُّكم ما أقرَّكم اللهُ على أنَّ الثمرَ بينَنا وبينكُم". قال: فكان رسولُ الله ﷺ يبعَثُ عبدَ الله بنَ رواحةَ، فيَخرُصُ بينَه وبينَهم، ثمَّ يقولُ: إنْ شئتُم فلَكُم، وإن شئتُم فلي، فكانوا يأخُذونَه. هكذا روَى هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ، جماعةُ رواةِ "الموطَّأ" (٢)، وكذلك رواه أكثرُ أصحابِ الزهريِّ، وقد وصَله منهم صالحُ بنُ أبي الأخضرِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ لما افتتَح خيبرَ، دعا اليهودَ، فقال: "نُعطيكم الثمرَ على أنْ تُعمِلوها، أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ". وكان رسولُ الله ﷺ يبعثُ عبدَ الله بنَ رواحةَ، فيخرُصُها عليهم، ثم يخيِّرُهم؛ أيأخُذون بخرصِه أم يتركون (٣).

стр. 2452

وقال معمرٌ، عن الزهريِّ في هذا الحديثِ: خمَّس رسولُ الله ﷺ خيبرَ، ولم يكنْ له ولا لأصحابِه عمَّالٌ يُعمِلونها ويزرَعونها، فدَعا يهودَ خيبرَ، وكانوا أُخرِجوا منها، فدفَع إليهم خيبرَ على أنْ يُعمِلوها على النِّصفِ، يؤدُّونَه إلى النبيِّ ﵇ وأصحابِه، وقال لهم: "أُقرُّكم على ذلك ما أقرَّكم اللهُ". فكان يبعَثُ إليهم عبدَ الله بنَ رواحةَ، فيخرُصُ النخلَ حينَ يطِيبُ، ثم يخيِّرُ يهودَ خيبرَ، يأخُذونها بذلك الخَرْصِ أمْ يدفعُونَها بذلك الخَرْصِ. قال: وإنَّما أمَر رسولُ الله ﷺ بذلك لكي يُحصيَ الزكاةَ قبلَ أنْ يؤكَلَ التَّمرُ ويفرَّقَ، فكانوا كذلك. وذى تمامَ الخبرِ (١). قال أبو عمر: أجمع العلماءُ مِن أهلِ الفقهِ والأثر، وجماعةُ أهلِ السِّيرِ، على أنَّ خيبرَ كان بعضُها عَنْوةً وبعضُها صُلحًا، وأنَّ رسولَ الله ﷺ قسَمها، فما كان منها صُلحًا، أو أُخِذَ بغيرِ قتالٍ، كالذي جَلا عنه أهلُه، عَمِل في ذلك كلِّه بسُنَّةِ الفيء، وما كان منها عَنوةً، عَمِل فيه بسُنَّةِ الغنائم، إلّا أنَّ ما فتَحه اللهُ عليه منها عَنْوةً، قسَمه بينَ أهلِ الحديبيةِ وبينَ مَن شهِد الوقعةَ. وقد رُويت في فتح خيبرَ آثارٌ كثيرةٌ ظاهرُها مختلِفٌ، وليس باختلافٍ عندَ العلماءِ على ما ذكرتُ لك، إلّا أنَّ فقهاءَ الأمصارِ اختلفوا في القياسِ على خيبرَ سائرَ الأرَضين المفتتحَةِ عَنْوةً، فمنهُم مَن جعَل خيبرَ أصلًا في قسمةِ الأرضينَ، ومنهم مَن أبى مِن ذلك، وذهَب إلى إيقافِها، وجعَلَها قياسًا على ما فعَل عمرُ بسَوادِ الكوفةِ، وسنبيِّنُ ذلك كلَّه في هذا البابِ إن شاء الله. فأمَّا الآثارُ عن أهلِ العلم والسِّيرِ بأنَّ بعضَ خيبرَ كان عَنْوةً، وبعضَها كان صلحًا، فمِن ذلك ما رَوى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، أنَّ خيبرَ

стр. 2453

كان بعضُها عَنوةً، وبعضُها صُلحًا، قال: فالكُتَيبةُ (١) أكثرُها عَنوةٌ، وفيها صُلْحٌ، قلتُ لمالكٍ: وما الكُتَيبةُ؟ قال: مِن أرضِ خيبرَ، وهي أربعونَ ألفَ عَذْقٍ (٢). قال مالكٌ: وكتَب أميرُ المؤمنينَ -يعني المهديَّ- أنْ تُقسَمَ الكُتَيبةُ مع صدقاتِ النبيِّ ﷺ ، فهم يقسِمونها في الأغنياءِ والفقراءِ. فقيل لمالكٍ: أفترَى ذلك للأغنياءِ؛ قال: لا، ولكن أرى أنْ يفرِّقوها على الفقراءِ (٣). قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: وكانت خيبرُ جماعةَ حصونٍ، فافتُتِحَ بعضُها بقتالٍ، وبعضُها سلَّمَه أهلُه على أنْ تُحقَنَ دماؤُهم. وقال موسى بنُ عقبةَ: كان ممَّا أفاءَ اللهُ على رسولِه ﷺ مِن خيبرَ نصفُها؛ كان النِّصفُ لله ورسولِه، والنِّصفُ الآخرُ للمسلمينَ، فكان الذي لله ولرسولهِ النِّصفُ: وهي: الكُتيبةُ، والوطيحُ، وسُلالِمُ، ووخْدَةُ، وكان الباقيَ للمسلمين: نَطاةُ، والشَّقُّ (٤). قال موسى بنُ عقبةَ: ولم يُقسَمْ مِن خيبرَ شيءٌ إلّا لمَن شهِد الحديبيةَ. قال ابنُ عقبةَ: وقد ذكروا، واللهُ أعلمُ، أنّه قدِم على رسولِ الله ﷺ ناسٌ كثيرٌ بخيبرَ، فرأى ألّا يُخيِّبَ مسيرَهم، وسأل أصحابَه أنْ يَشرَكوهم. قال: ولما قدِم رسولُ الله ﷺ مِن الحديبيةِ مكَث عشرينَ ليلةً أو قريبًا منها، ثم خرَج غازيًا إلى خيبرَ، وكان اللهُ وعَده إيَّاها وهو بالحديبيةِ.

стр. 2454

وقال ابنُ إسحاقَ: كانت قسمَتُه خيبرَ لأهلِ الحديبيةِ مع مَن شهِدها مِن المسلمينَ ممَّن حضر خيبرَ، أو غابَ عنها مِن أهلِ الحديبيةِ؛ وذلك أنَّ اللهَ أعطاهم إيَّاها في سفرِه ذلك. قال ابنُ إسحاقَ (١): وحدَّثني نافعٌ مولى ابنِ عمرَ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ قال: أيُّها الناسُ، إنَّ رسولَ الله ﷺ عامَل يهودَ خيبرَ على أنَّا نُخرِجُهم إذا شِئْنا، فمَن كان له مالٌ فليلْحَقْ به، فإنِّي مخرجٌ يهودَ. فأخرجَهم. ورَوى ابنُ وَهْبٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ الليثيِّ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: لما افتُتِحَتْ خيبرُ سألت يهودُ رسولَ الله ﷺ أنْ يُقرَّهم على أنْ يَعْمَلُوا على النِّصفِ ممَّا يخرُجُ منها، فقال رسولُ الله ﷺ : "أُقرُّكم فيها ما شِئْنا". فكانوا على ذلك، وكان التَّمرُ يُقسَمُ على السِّهام مِن نصفِ خيبرَ (٢). يريدُ، واللهُ أعلمُ، ما افتُتِحَ عَنوةً منها بالغلبةِ والقتالِ، قُسِمَ على السِّهام، كما يُقسَمُ السَّبيُ، وما كان فيئًا، كان له ولأهلِه ولنوائبِ المسلمينَ. وعلى هذا تأتلفُ معاني الآثارِ في ذلك عندَ أهلِ العلم. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣)،

стр. 2455

قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وزيادُ بنُ أيوبَ، أنَّ إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ حدَّثهم، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ غَزا خيبرَ، فأصَبناها عَنْوةً، فجُمِع السَّبْيُ. وليس هذا بخلافٍ لما ذكرنا، ألا تَرى إلى ما ذكر ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ وعبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، أنَّ حُصونًا مِن خيبرَ لما رأى أهلُها ما افتُتِحَ عَنْوةً منها تحصَّنوا، وسألوا رسولَ الله ﷺ أنْ يحقِنَ دماءَهم ويُسيِّرهم، ففعَل، فسَمِع بذلك أهلُ فَدَكَ، فنزَلوا على مثلِ ذلك، فكانت لرسولِ الله ﷺ خاصةً؛ لأنّه لم يُوجِفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ، وخرَج عنها أهلُها للرُّعب (١). فهذا قولُ ابنِ شهابٍ، وهو القائلُ فيما حكاه عنه معمرٌ ويونسُ، قال: خمَّس رسولُ الله ﷺ خيبرَ، ثم قسَم سائرَها على مَن شهِدها ومَن غابَ عنها مِن أهلِ الحديبيةِ (٢). ومعلومٌ أنّه لا يخمِّسُ ما لم يُوجِفْ عليه بخيلٍ ولا ركابِ، ولا يجعَلُ نصفَها لنوائبه، ونصفَها للمسلمينَ، على ما قال بُشَيرُ بنُ يسارٍ (٣)، وهي عَنْوةٌ، فهذا كلُّه يدُلُّك على أنَّ ما كان منها مأخوذًا بالغلبةِ قُسِمَ على أهلِ الحديبيةِ ومَن شهِدها، وخُمِّسَ، وما كان منها ممَّا انجلَى عنه أهلُه وأسلَموه بلا قتالٍ، حكَم

стр. 2456

فيه رسولُ الله ﷺ بحكم الفيء، واستخلَصَ منه لنفسِه، كما فعَل بفَدَكَ، فقِفْ على هذا، وتدبَّرِ الآثارَ تجِدْها على ذلك إن شاء الله. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدثني عمِّي إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن عمَّارِ بنِ أبي عمَّارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: كانت خيبرُ لأهلِ الحديبيةِ خاصَّةً (١). قال: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربِ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قسَم خيبرَ على ستَّةٍ وثلاثينَ سهمًا، فجعَل لنفسِه ثمانيةَ عشرَ سهمًا، وللناسِ النِّصفَ (٢).

стр. 2457

قال أبو عمر: رَوى هذا الحديثَ الثوريُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ، قال: قسَم رسولُ الله ﷺ خيبرَ نصفَين؛ نصفًا لنوائبِه وحاجتِه، ونصفًا بينَ المسلمين، قسَمها بينَهم على ثمانيةَ عشرَ سهمًا (١). قال إسماعيل (٢): وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن أسامةَ بنِ يزيدٍ، عن الزُّهريِّ، عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحدَثانِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطَّابِ: كان لرسولِ الله ﷺ ثلاثُ صَفايا: بَنو (٣) النضيرِ، وخيبرُ، وفَدَكُ (٤).

стр. 2458

قال إسماعيلُ: يعني خيبرَ ما كان بغيرِ قتالٍ، فجرَى مجرَى بَني النَّضيرِ. قال: وكذلك فَدَكُ، إنّما صالحَ أهلُها حينَ بلَغهم ما كان مِن أمرِ خيبرَ، فصالحوا رسولَ الله ﷺ حتى حقَن دماءَهم. قال (١): ولم تختلِفِ الرِّوايةُ في أنَّ خيبرَ قُسِمَتْ على أهلِ الحديبيةِ؛ مَن حضَر فتحَ خيبرَ ومَن لم يَحضُرْ، وإنّما اختلفتِ الرِّوايةُ فيمَن حضَر خيبرَ ولم يحضُرِ الحديبيةَ؛ فقال بعضُهم: قد أُدخِلوا في قِسْمتِها، وقال بعضُهم: لم يُدخَلوا في ذلك. قال إسماعيلُ: فإذا كان أمرُ خيبرَ على هذه الصِّفةِ، وعلى هذا الخُصوصِ الذي وقَع فيها، فكيف يجوزُ أنْ يُجعلَ أصلًا يقاسُ عليه ما افتُتِحَ بعدَها مِن السَّوادِ وغيرُه، قال: ويجبُ على مَن قاس أمرَ السَّوادِ وغيرِه على أمرِ خيبرَ أنْ يَقسِمَ السَّوادَ على مَن حضَر الوقعةَ وعلى مَن لم يحضُرْها؛ قُسِمَتْ خيبرُ على مَن حضر الوقعةَ وعلى مَن لم يحضُرْها من أهلِ الحديبيةِ، وهذا الموضعُ الذي ذكرتُ أنّه لم تختلِفِ الرِّوايةُ فيه. قال: وكيف يجوزُ أنْ يُتركَ ظاهرُ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه فيما أفاءَ اللهُ على رسولِه مِن أهلِ القرَى، ويُحتجَّ في ذلك بأمرِ خيبرَ الذي هذه صفتُه؟ قال أبو عمر: وزعَم أبو جعفرٍ الطحاويُّ أنَّ خيبرَ لم تُقسَمْ في عهدِ رسولِ الله ﷺ ، وإنّما قسِمَتْ في زمنِ عمرَ بن الخطّاب. قال: وأمَّا ما كان على ذلك مِن رسولِ الله ﷺ فيها، فإنّما هو قسمةُ جَمْع، لأنّه جعَل كلَّ مئةِ سهم كسهم واحدٍ، ثم جزَّأ غلَّاتِها على ذلك، ولم يَقسِم الأرضَ.

стр. 2459

أخبرنا بذلك أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: سمِعتُ الطحاويَّ. فذكره (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا ابنُ فُضيل، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ أدرَكَهم، أنَّ رسولَ الله ﷺ لما ظهَر على خيبرَ، وصارت خيبرُ لرسولِ الله ﷺ وللمسلمينَ، ضعُفوا عنها، فدفَعها رسولُ الله ﷺ إلى اليهودِ على أنَّ له النِّصفَ ولهم النِّصفَ، فجعَلها رسولُ الله ﷺ نصفَين، فكان في ذلك النِّصفِ سهامُ المسلمينَ وسهمُ النبيِّ ﷺ معَها، وجعَل النِّصفَ الآخرَ من نزَل به مِن الوفودِ والأمورِ ونوائبِ الناسِ.

стр. 2460

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ مسكينٍ اليماميُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ لما أفاءَ اللهُ عليه خيبرَ، قسَمها ستّةً وثلاثينَ سهمًا جَمْعُ، للمسلمينَ (٢) الشَّطرُ، ثمانيةَ عشرَ سهمًا جمعُ (٣)، كلُّ سهم مئةُ سهم، والنبيُّ ﷺ معَهم كسَهْم أحدِهم، وعزَلَ رسولُ الله ﷺ ثمانيةَ عشرَ سهمًا، وهو الشَّطرُ، لنوائبِه وما ينزِلُ مِن أمرِ المسلمينَ، فكان ذلك الوطيحَ، والكُتَيبةَ، والسُّلالِمَ وتوابعَها، فلمَّا صارتِ الأموالُ بيدِ النبيِّ ﷺ لم يكنْ لهم عمَّالٌ يَكْفُونَهم عملَها، فدَعا رسولُ الله ﷺ اليهودَ فعامَلَهم. وهذا الحديثُ أهذبُ ما رُويَ في هذا البابِ معنًى، وأحسنُه إسنادًا، وهو يوضِّحُ ما ذكرنا، وبالله توفيقُنا.

стр. 2461

وقد رُوي هذا الحديثُ عن بُشيرٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ (١). رواه وكيعٌ، عن الثوريِّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرٍ، عن سهلٍ مختصرًا. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال (٣): حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ، عن عبدِ الله بنِ مِكْنفٍ أحدِ بَني حارثةَ، قال: لما أخرَج عمرُ يهودَ خيبرَ، ركِب في المهاجرينَ والأنصارِ، وخرَج معه بجَبَّارِ بنِ صخرِ بنِ أميةَ بنِ كعبٍ، وكان خارصَ المدينةِ وحاسبَهم، ويزيدَ بنِ ثابتٍ، فهما قَسَما خيبرَ على أهلِها على أصلِ جماعةِ السُّهمانِ التي كانت عليها. وقال إسماعيلُ (٤): وأمَّا قولُ أبي عبيدٍ أنّه يجوزُ للإمام أن يقسِمَ ما افتُتِحَ عَنوةً كما قُسِمَتْ خيبرُ، ويجوزُ ألّا يقسمَ ذلك، ويفعَلُ كما فعَل عمرُ في أرضِ السوادِ، فهذا كلامُ مَن لا يحصِّلُ ما يقولُ؛ لأنَّ الذي يحصِّلُ كلامَه لا يقولُ في رجلٍ ملَّكَه اللهُ شيئًا: إنَّ للإمام إن شاء أعطاه، وإن شاء منَعه. هذا ما لا يجوزُ عندَ ذي نظرٍ ولا فهم. قال أبو عمر: أراد إسماعيلُ بقولِه هذا أنَّ الأرضَ ليس للغانمينَ فيها شيءٌ؛ لأنّه لو كان لهم فيها شيءٌ ما أعطَى رسولُ الله ﷺ (٥) ذلك الشيءَ أو بعضَه

стр. 2462

لغيرِهم، ولما مُنِعُوه، والذي ذهَب إليه إسماعيلُ تخصيصُ آيةِ "الأنفالِ" في قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وأنَّ هذا لفظُ عموم بقولِه: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يرادُ به الخصوصُ، والمرادُ بذلك عندَه الذَّهبُ والفضَّةُ وسائرُ الأمتعةِ والسَّبْيُ، وأمَّا الأرضُ فغيرُ داخلةٍ في عموم هذا اللفظِ. واستدلَّ على ما ذهَب إليه مِن ذلك بأشياءَ؛ منها: ظاهرُ قولِه : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآيةَ إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ١٠]. ومنها: فعلُ عمرَ بنِ الخطَّابِ في توقيفِه أرضَ السوادِ. ومنها: أنَّ الغنائمَ التي أُحِلَّت للمسلمين هي التي كانت محرَّمةً على الأمم قبلَهم، وهي التي كانت النارُ تأكُلُها. قال: ولم تختلفِ الرِّوايةُ في أنَّ هارونَ ﵇ أمَر بَني إسرائيلَ أن يَحرِقوا ما كان بأيديهم مِن متاع فرعونَ، فجمَعوه وأحرَقوه، وألقَى السَّامريُّ فيه (١) القبضةَ التي كانت بيدِه مِن أثَرِ الرسولِ، يقالُ: مِن أثرِ جبريلَ ﵇، فصارت عِجلًا له خُوارٌ. ومعلومٌ أنَّ الأرضَ لم تجْرِ هذا المجرَى؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. وهذا الذي ذهَب إليه إسماعيلُ واحتجَّ له هو مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، وهو الصَّحيحُ في هذا البابِ إن شاء اللهُ، لأنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ لم يقسِمْ أرضَ

стр. 2463

السَّوادِ (١) ومصرَ والشَّام، وجعَلها مادَّةً للمسلمينَ ولمَن يجيءُ بعدَ الغانمين. واحتجَّ بالآيةِ التي في سورةِ الحشرِ التي احتجَّ بها إسماعيلُ، ولا أعلمُ أحدًا مِن الصَّحابةِ رُويَ عنه بعدَ عمرَ إنكارٌ لفعلِ عمرَ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ محمدُ بنُ القاسم بنِ معروفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المثنَّى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: لولا آخرُ الناسِ ما فُتِحَتْ قريةٌ إلّا قسَمتُها كما قسَم رسولُ الله ﷺ خيبرَ (٢). حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، قال: لولا آخرُ المسلمين ما فُتِحتَ قريةٌ إلّا وقسَمتُها كما قسَم رسولُ الله ﷺ خيبرَ.

стр. 2464

وكذلك رواه عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن أبيه، عن عمرَ (١) كما رواه ابنُ مهديٍّ. وغيرُهما يُرسِلُه عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن عمرَ (٢). وممَّا يُصحِّحُ هذا المذهَبَ أيضًا، ما رواه أبو هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "منَعَتِ العراقُ قَفِيزَها ودرهمَها" الحديثَ (٣). بمعنى: ستمنَعُ (٤). فدَلَّ ذلك على أنّها لا تكونُ للغانمينَ؛ لأنَّ ما مَلَكَه الغانِمونَ لا يكونُ فيه قَفِيزٌ ولا درهمٌ، ولو كانتِ الأرضُ تُقسَمُ كما تُقسَمُ الأموالُ، ما بَقيَ لمَن جاء بعدَ الغانِمينَ شيءٌ، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وذلك دليلٌ على أنَّ الأرضَ لا تُقسَمُ، وإنّما يُقسَمُ ما يُنقَلُ مِن موضعٍ إلى موضع. قال إسماعيلُ: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لم تحِلَّ

стр. 2465

الغنائمُ لقومٍ سودِ الرُّؤوسِ قبلَكم، كانت تنزلُ نارٌ مِن السماءِ فتأكُلُها" (١). وذكَر تمامَ الخبر. حدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ (٢)، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣): حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لم تَحِلَّ الغنائمُ لقوم سُودِ الرؤوس قبلَكم، كانت تنزِلُ نارٌ مِنَ السماءِ فتأكُلُها". أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو

стр. 2466

داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا زُهيرٌ -يعني ابنَ معاويةَ- قال: أخبرَني سهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "منَعَتِ العراقُ قَفِيزَها ودرهمَها، ومنَعَتِ الشامُ مُدْيَها (٢) ودينارَها، ومنَعَتْ مصرُ إرْدَبَّها (٣) ودينارَها، ثم عدْتُم من حيث بَدَأتُم". شهِد على ذلك لحمُ أبي هريرةَ ودمُه. قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ: "منَعتْ" بمعنى: ستمنعُ (٤). واحتجَّ بهذا الحديثِ لمذهبِ عمرَ في إيقافِ الأرضِ وضربِ الخراج عليها، على مذهبِ الكوفيِّينَ. وكان الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، يذهَبون إلى أنَّ الإمامَ بالخيارِ؛ إن شاء قسَمها وأهلَها بينَ الغانِمين، وإن شاء أقرَّ أهلَها عليها، وجعَل عليها وعليهم الخراجَ، وتكونُ الأرضُ ملكًا لهم، يجوزُ بيعُهم لها وشراؤُهم (٥). وقال الشافعيُّ: ما كان عَنْوةً، فخُمُسُها لأهلِها، وأربعةُ أخماسِها للغانِمين، فمَن طاب نفسًا عن حقِّه، جاز لإمامِه أنْ يجعلَها وقفًا على المسلمين، ومَن لم تطِبْ نفسُه بذلك، فهو أحقُّ بمالِه (٦).

стр. 2467

وكان الشافعيُّ يذهَبُ إلى أنَّ خُمُسَ أرضِ العَنْوةِ غيرُ مملوكةٍ، ولا يجوزُ بيعُها ولا رهنُها (١)، وهو قولُ ابنِ شُبرُمةَ، وعُبيد الله بنِ الحسنِ، وقولُ مالكِ بنِ أنسٍ أيضًا في جملةِ أرض العَنْوةِ، على ما ذكرنا من أقوالهم في قسمتِها أو توقيفِها. فإذا قُسِمَتْ، ملَك كلٌّ نصيبَه، في قولِ مَن أجاز قِسْمتَها، فإنْ وُقِفتْ على الوُجوهِ التي ذكرنا عن طيبِ نفسٍ مِن الغانِمين، أو على مذهبِ عمرَ، في قولِ مالكٍ وغيره، فهي غيرُ مملوكةٍ (٢). وذهَب أبو حنيفة، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، إلى أنّها مملوكة لأهلِها الذينَ أُقِرَّتْ في أيديهم، على ما ذكرنا عنهم (٣). وأجاز مالكٌ بيعَ أرضِ الصُّلح ورهنَها، وجعَلَها ملْكًا لأهلِها الذين صالحوا عليها، قال: ومَن أسلَمَ منهم كان أحقَّ بأرضِه ومالِه. قال: ومَن أسلَمَ مِن أرضِ العَنْوةِ أحرزَ نفْسَه، وصارت أرضُه للمسلمين؛ لأنَّ بلادَهم صارت فيئًا للمسلمينَ، وحكمُ الأرضِ عندَهم حكمُ الفيء (٤). وقال الشافعيُّ (٥): كلُّ ما حصَل مِن الغنائم مِن أهلِ دارِ الحربِ مِن شيءٍ، قلَّ أو كثُرَ؛ مِن دارٍ أو أرضٍ أو متاع أو غيرِ ذلكَ، قُسِمَ، إلّا الرِّجالُ البالغونَ، فإنَّ الإمامَ فيهم مخيَّرٌ بينَ أنْ يمُنَّ أو يقتلَ أو يُفادِيَ أو يَسْبيَ. وسبيلُ ما سُبيَ منهم، أو أُخِذَ مِن شيءٍ على إطلاقِهم، سبيلُ الغنيمةِ.
следующие страницы →