← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2463–2502 · переход к 2468.

стр. 2463

السَّوادِ (١) ومصرَ والشَّام، وجعَلها مادَّةً للمسلمينَ ولمَن يجيءُ بعدَ الغانمين. واحتجَّ بالآيةِ التي في سورةِ الحشرِ التي احتجَّ بها إسماعيلُ، ولا أعلمُ أحدًا مِن الصَّحابةِ رُويَ عنه بعدَ عمرَ إنكارٌ لفعلِ عمرَ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ محمدُ بنُ القاسم بنِ معروفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المثنَّى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: لولا آخرُ الناسِ ما فُتِحَتْ قريةٌ إلّا قسَمتُها كما قسَم رسولُ الله ﷺ خيبرَ (٢). حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، قال: لولا آخرُ المسلمين ما فُتِحتَ قريةٌ إلّا وقسَمتُها كما قسَم رسولُ الله ﷺ خيبرَ.

стр. 2464

وكذلك رواه عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن أبيه، عن عمرَ (١) كما رواه ابنُ مهديٍّ. وغيرُهما يُرسِلُه عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن عمرَ (٢). وممَّا يُصحِّحُ هذا المذهَبَ أيضًا، ما رواه أبو هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "منَعَتِ العراقُ قَفِيزَها ودرهمَها" الحديثَ (٣). بمعنى: ستمنَعُ (٤). فدَلَّ ذلك على أنّها لا تكونُ للغانمينَ؛ لأنَّ ما مَلَكَه الغانِمونَ لا يكونُ فيه قَفِيزٌ ولا درهمٌ، ولو كانتِ الأرضُ تُقسَمُ كما تُقسَمُ الأموالُ، ما بَقيَ لمَن جاء بعدَ الغانِمينَ شيءٌ، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وذلك دليلٌ على أنَّ الأرضَ لا تُقسَمُ، وإنّما يُقسَمُ ما يُنقَلُ مِن موضعٍ إلى موضع. قال إسماعيلُ: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لم تحِلَّ

стр. 2465

الغنائمُ لقومٍ سودِ الرُّؤوسِ قبلَكم، كانت تنزلُ نارٌ مِن السماءِ فتأكُلُها" (١). وذكَر تمامَ الخبر. حدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ (٢)، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣): حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لم تَحِلَّ الغنائمُ لقوم سُودِ الرؤوس قبلَكم، كانت تنزِلُ نارٌ مِنَ السماءِ فتأكُلُها". أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو

стр. 2466

داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا زُهيرٌ -يعني ابنَ معاويةَ- قال: أخبرَني سهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "منَعَتِ العراقُ قَفِيزَها ودرهمَها، ومنَعَتِ الشامُ مُدْيَها (٢) ودينارَها، ومنَعَتْ مصرُ إرْدَبَّها (٣) ودينارَها، ثم عدْتُم من حيث بَدَأتُم". شهِد على ذلك لحمُ أبي هريرةَ ودمُه. قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ: "منَعتْ" بمعنى: ستمنعُ (٤). واحتجَّ بهذا الحديثِ لمذهبِ عمرَ في إيقافِ الأرضِ وضربِ الخراج عليها، على مذهبِ الكوفيِّينَ. وكان الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، يذهَبون إلى أنَّ الإمامَ بالخيارِ؛ إن شاء قسَمها وأهلَها بينَ الغانِمين، وإن شاء أقرَّ أهلَها عليها، وجعَل عليها وعليهم الخراجَ، وتكونُ الأرضُ ملكًا لهم، يجوزُ بيعُهم لها وشراؤُهم (٥). وقال الشافعيُّ: ما كان عَنْوةً، فخُمُسُها لأهلِها، وأربعةُ أخماسِها للغانِمين، فمَن طاب نفسًا عن حقِّه، جاز لإمامِه أنْ يجعلَها وقفًا على المسلمين، ومَن لم تطِبْ نفسُه بذلك، فهو أحقُّ بمالِه (٦).

стр. 2467

وكان الشافعيُّ يذهَبُ إلى أنَّ خُمُسَ أرضِ العَنْوةِ غيرُ مملوكةٍ، ولا يجوزُ بيعُها ولا رهنُها (١)، وهو قولُ ابنِ شُبرُمةَ، وعُبيد الله بنِ الحسنِ، وقولُ مالكِ بنِ أنسٍ أيضًا في جملةِ أرض العَنْوةِ، على ما ذكرنا من أقوالهم في قسمتِها أو توقيفِها. فإذا قُسِمَتْ، ملَك كلٌّ نصيبَه، في قولِ مَن أجاز قِسْمتَها، فإنْ وُقِفتْ على الوُجوهِ التي ذكرنا عن طيبِ نفسٍ مِن الغانِمين، أو على مذهبِ عمرَ، في قولِ مالكٍ وغيره، فهي غيرُ مملوكةٍ (٢). وذهَب أبو حنيفة، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، إلى أنّها مملوكة لأهلِها الذينَ أُقِرَّتْ في أيديهم، على ما ذكرنا عنهم (٣). وأجاز مالكٌ بيعَ أرضِ الصُّلح ورهنَها، وجعَلَها ملْكًا لأهلِها الذين صالحوا عليها، قال: ومَن أسلَمَ منهم كان أحقَّ بأرضِه ومالِه. قال: ومَن أسلَمَ مِن أرضِ العَنْوةِ أحرزَ نفْسَه، وصارت أرضُه للمسلمين؛ لأنَّ بلادَهم صارت فيئًا للمسلمينَ، وحكمُ الأرضِ عندَهم حكمُ الفيء (٤). وقال الشافعيُّ (٥): كلُّ ما حصَل مِن الغنائم مِن أهلِ دارِ الحربِ مِن شيءٍ، قلَّ أو كثُرَ؛ مِن دارٍ أو أرضٍ أو متاع أو غيرِ ذلكَ، قُسِمَ، إلّا الرِّجالُ البالغونَ، فإنَّ الإمامَ فيهم مخيَّرٌ بينَ أنْ يمُنَّ أو يقتلَ أو يُفادِيَ أو يَسْبيَ. وسبيلُ ما سُبيَ منهم، أو أُخِذَ مِن شيءٍ على إطلاقِهم، سبيلُ الغنيمةِ.

стр. 2468

ومِن الحجَّةِ من قال: تُقسَمُ الأرضُ كما تقسَمُ سائرُ الغنائم: عمومُ قولِ الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآيةَ. والأرضُ مغنومةٌ لا محالةَ، كسائرِ الغنيمةِ، فوجَب أنْ تُقسمَ كما تُقسَمُ الغنائمُ كلُّها، وقد قسَم رسولُ الله ﷺ ما افتُتِح عَنْوةً مِن خيبرَ على قسمةِ الغنائم؛ الأربعةُ الأخماسِ لأهلِ الحديبيةِ، وهم الذين وعَدهم اللهُ بها، وشَهِدوا فتحَها. قالوا: وهذا أمرٌ يُستغنَى فيه عن نقل الإسنادِ؛ لشهرتِه عندَ جميع أهلِ السِّيرِ والأثرِ، ولم يَستثنِ اللهُ أرضًا مِن غيرِها مِن الغنائم، ولو جاز أنْ يُدَّعَى الخُصوصُ في الأرضِ، جاز أنْ يُدَّعى في غيرِ الأرضِ، فيبطُلَ حكمُ الآية (١). قالوا: ولا معنى لما احتجَّ به مخالِفُنا مِن آيةِ سورةِ الحشر، لأنَّ ذلك إنّما هو في الفيءِ لا في الغنيمةِ، وجملةُ الفيءِ: ما رجَع إلى المسلمينَ مِن المشركين بلا قتالٍ، مثلَ مَن يترُكُ بلادَه ويخرُجُ عنها لما لحِقه من الرُّعبِ الذي به نُصِر رسولُ الله ﷺ ، قال ﷺ (٢): "نُصِرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ" (٣). ومثلَ ما صالَحَ عليه أهلُ الكفرِ، وما يُؤخذُ منهم مِن الجزيةِ، وما تأتي به الرِّيحُ مِن مراكبِ العدوِّ بغر أمانٍ، أو يموتُ منهم ميِّتٌ في بلادِ المسلمينَ لا وارثَ له، فكلُّ هذا وما كان مثلَه مما يُفيءُ اللهُ على المسلمين بغيرِ قتالٍ ولا مئونةِ حربٍ، فهو الفيءُ الذي قُصِد بالآيةِ التي في سور الحشرِ؛ فيُقْسَمُ على ما ذكِرَ فيها، نحوَ قَسْم خُمُسِ الغنيمةِ، ولم يُقصَدْ بذلك إلى الأرضِ المغنومةِ. قالوا: ولا دليلَ في الآيةِ على ما ذهَب إليه مخالِفُنا؛ لأنَّ قولَه :

стр. 2469

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] إنّما هو استئنافُ كلام للدُّعاءِ لهم بدعائِهم لِمَن سبَقهم بالإيمانِ، لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخْلو فعلُ عُمرَ ﵁ في توقيفه الأرضَ مِن أحدِ وجهَين: إمَّا أن تكونَ غنيمةً استطاب أنفُسَ أهلِها، فطابَتْ بذلك، فوقَفها، وكذلك روى جريرٌ: أنَّ عمرَ استطاب نفوسَ أهلِها (١)، وكذلك صنَع رسولُ الله ﷺ في سَبْي هَوازِنَ؛ استطابَ أنفُسَ الغانِمين عمَّا كان بأيديهم، على ما نقَله ثِقاتُ العلماءِ، وإمَّا (٢) أن يكونَ ما وقَفه عمرُ فيئًا، فلم يحتَجْ في ذلك إلى مُراضاةِ أحدٍ.

стр. 2470

قال أبو عمر: القولُ في هذه المسألةِ طويلٌ بينَ العلماءِ المختلِفين فيها، وفيما ذكرنا منها كفايةٌ لمَن فهِم. فهذا ما أوجبَه العلمُ مِن القولِ في فتح خيبرَ، وما جرَى مجَراها مِن أرضِ الغنائم. حدثني سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنّه قال: أفاء اللهُ على رسولِه خيبرَ، فأقرَّهم رسولُ الله ﷺ كما كانوا، وجعَلها بينَهم وبينَه، وبعَث عبدَ الله بنَ رواحةَ فخرَصها عليهم (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ شريكٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ (٣)، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال: خرَجتُ أنا والزُّبيرُ

стр. 2471

والمقدادُ بنُ الأسودِ إلى أموالِنا بخيبرَ نتعهَّدُها، فلمَّا قدِمْنا تفرَّقْنا في أموالِنا، قال: فعُدِيَ عليَّ تحتَ الليلِ وأنا نائمٌ، ففُدِعَتْ (١) يدايَ مِن مِرفَقَيَّ، فلمَّا أصبحْتُ استصْرخَ عليَّ صاحِبايَ فأتياني، فسألاني: مَن صنَع هذا بك؟ فقلتُ: لا أدري. قال: فأصلَحا مِن يدَيَّ، ثم قدِما بي على عمرَ، فقال: هذا عملُ يهودَ (٢). ثم قام في الناسِ خطيبًا، فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ رسولَ الله ﷺ كان عامَل يهودَ خيبرَ على أنَّا نُخرِجُهم إذا شِئنا، وقد عَدَوْا على عبدِ الله بنِ عمرَ، ففدَعُوا يدَيْهِ كما قد بلَغكم، مع عدْوَتِهم على الأنصاريِّ قبلَه، لا نشكُّ أنَّهم أصحابُه، ليس لنا عدوٌّ غيرُهم، فمَن كان له (٣) مالٌ بخيبرَ (٤) فليَلْحقْ به، فإنِّي مخرِجٌ يهودَ. فأخرجَهم. وروى الحجّاجُ بنُ أرطاةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دفَع خيبرَ إلى أهلِها بالشَّطرِ، فلم يزَلْ معهم حياةَ رسولِ الله ﷺ كلَّها، وحياةَ أبي بكرٍ كلَّها، حتى بعَثني إليهم عمرُ لأُقاسِمَهم، فسحَروني فتكَوَّعَتْ (٥) يدايَ فانتزَعَها عمرُ منهم (٦).

стр. 2472

وأمَّا قولُه في هذا الحديثِ: "أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" فالمعنى في ذلك، واللهُ أعلمُ، أنّه ﷺ كان يكرَهُ أن يكونَ بأرضِ العربِ غيرُ المسلمينَ، وكان يحبُّ ألّا يكونَ فيها دينانِ، كنحوِ محبَّتِه في استقبالِ الكعبةِ، حتى نزَلتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. وكان لا يتقدَّمُ في شيءٍ إلّا بوحي، وكان يرجو أنْ يحقِّقَ اللهُ رغبتَه ومحبَّته، فذكر لليهودِ ما ذكر، منتظرًا للقضاءِ فيهم بإخراجِهم عن أرضِ العرب، فلمْ يُوحَ إليه في ذلك شيءٌ إلى أنْ حضَرتْه الوفاةُ، فأتاه في ذلك ما أتاهُ، فذكر ألا يبقَى دينانِ بأرضِ العربِ، وأوصَى بذلك. وقد ذكرنا جُملًا من هذا المعنى فيما سلَف مِن كتابِنا هذا (١)، عن ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ، ما يدُلُّ على نحوِ ما قلْنا. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢)، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، أنَّ النبيَّ ﷺ دفَع خيبرَ إلى اليهودِ على أنْ يعمَلُوا فيها ولهم شطرُها. قال: فمفَى على ذلك رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكرٍ، وصدرًا مِن خلافةِ عمرَ، ثم أُخبرَ عمرُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال في وجَعِه الذي مات فيه: "لا يجتمِعُ دينانِ بأرضِ الحجازِ"، أو قال: "بأرضِ العربِ"، ففَحَص عنه حتى وجَد عليه (٣) الثَّبَتَ، فقال: مَن كان عندهَ عهدٌ مَن رسولِ الله ﷺ فليأتِ به، وإلّا فإنِّي مُجْلِيكم. فأجْلاهم عمرُ. قال عبدُ الرَّزَّاقِ (٤): وأنبأنا ابنُ جريج، قال: أنبأنا موسى بنُ عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ أجلى اليهودَ والنصارَى مِن أرضِ الحجازِ، وكان

стр. 2473

رسولُ الله ﷺ لما ظهَر على خيبرَ أرادَ أنْ يُخرِجَ اليهودَ منها، وكانتِ الأرضُ حينَ ظهَر عليها لله ولرسولِه وللمسلمينَ، وأراد إخراجَ اليهودِ منها، فسألتِ اليهودُ رسولَ الله ﷺ أنْ يُقِرَّهم بها على أنْ يكْفُوه عملَها ولهم نصفُ الثَّمرِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "نُقِرُّكم على ذلك ما شئنا". فقَرُّوا بها حتى أجْلاهم عمرُ إلى تَيْماءَ وأريحاءَ. قال عبدُ الرَّزَّاق (١): وأخبرنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِع عمرُ بنُ الخطَّابِ رجلًا مِن اليهودِ يقولُ: قال لي رسولُ الله ﷺ : "كأني بكَ (٢) وقد وضَعتَ كُورَكَ (٣) على بعيرِكَ، ثم سِرتَ ليلةً بعدَ ليلةٍ". فقال عمرُ: إنَّه والله لا تُمسُونَ بها. فقال اليهوديُّ: والله ما رأيتُ كلمةً كانت أشدَّ على مَن قالها، ولا أهونَ على مَن قِيْلَتْ له منها. قال أبو عمر: ليس في قولِه في هذا الحديثِ: "أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" دليل على جوازِ المُساقاةِ إلى أجلٍ غيرِ معلوم، ومدَّةٍ غيرِ معيَّنةٍ؛ لأنَّ السُّنَّة قد أحكمَتْ معانيَ الإجاراتِ وسائرِ المعاملاتِ؛ مِن الشَّرِكةِ، والقسمةِ، وأنواع أبوابِ الرِّبا، والعلَّةُ بيِّنةٌ في قصَّةِ اليهودِ، وذلك انتظارُ حكم الله فيهم، فدَلَّ على خصوصِهم في هذا الموضع؛ لأنّه موضعُ خصوصٍ، لا سبيلَ إلى أنْ يشْرَكَهم فيه غيرُهم، والذي عليه العلماءُ بالمدينةِ أنَّ المُساقاةَ لا تجوزُ إلّا إلى أجلٍ معلوم، وسنينَ معدودةٍ، إلّا أنَّهم يكرَهونَها فيما طالَ مِن السِّنينِ، مثلَ العَشْرِ فما فوقَها.

стр. 2474

وقد قيل: إنَّ رسولَ الله ﷺ إنَّما قال: "أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" وكان يخرُصُ عليهم؛ لأنَّ اللهَ كان قد أفاءَها عليه بغيرِ قتالٍ، أو بعضَها، على ما تقدَّمَ وصفُنا له، وكان أهلُها له ولمَنِ استحقَّ شيئًا منها، كالعبيدِ؛ لأنّه سباهُم ومنَّ عليهم (١)، وجائزةٌ بينَ السَّيِّدِ وعبدِه ما لا يجوزُ بينَه وبينَ غيرِه؛ لأنَّ مالَه له، وله انتِزاعُه منه، ألا تَرى أنّه ليس بينَ العبدِ وسيِّدِه ربًا، وإنْ كُرِهَ ذلك لهما عندنا؟ وأمَّا الخرصُ في المُساقاةِ، فإنَّ ذلك غيرُ جائزٍ عندَ أكثرِ العلماءِ في القسمةِ والبيوع، إلّا أنَّ أصحابَنا يُجيزون ذلك عندَ اختلافِ أغراضِ الشُّركاءِ، ولهم في ذلك ما نُوردُه بعدُ عنهم في هذا البابِ إن شاء الله. وأكثرُ العلماءِ يُجيزون الخرصَ للزكاةِ (٢)، وإنَّما يجوزُ ذلك عندَهم في الزكاةِ؛ لأنَّ المساكينَ ليسوا شركاءَ معيَّنينَ، وإنَّما الزكاةُ كالمعروفِ، وأهلُها فيها أُمناءُ. وأمَّا قسمةُ الثِّمارِ على رؤوسِ الأشجارِ في المساقاةِ أو غيرها (٣)، فلا يصلُحُ عندَ أكثرِ العلماءِ، إلّا أنَّ لأصحابِنا في إجار قسمةِ ذلك اختلافًا سنذكُرُه عنهم وعمَّن سلَك سبيلَهم في ذلك بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللهُ تعالى، وإنَّما لم يُجِزْ أكثرُ العلماءِ القسمةَ في ذلك إلّا كيلًا فيما يُكالُ، أو وزنًا فيما يُوزنُ؛ لنهْي رسولِ الله ﷺ عن المُزابَنةِ، وعن بيع التَّمرِ بالتَّمرِ، إلّا مِثلًا بمثلٍ (٤). وأمَّا حكايةُ قولِ أصحابِنا في ذلك، فكان ابنُ القاسم يقولُ، ويَرويه عن مالكٍ: لا يجوزُ مِن قسمةِ الثِّمارِ في رؤوسِ النخلِ إذا اختلفت حاجةُ الشَّريكين

стр. 2475

إلّا التَّمرُ والعنبُ فقط. وأمَّا الخوخُ، والرُّمَّانُ، والسَّفرجلُ، والقثَّاءُ، والبِطِّيخُ، وما أشبهَ ذلك مِن الفواكهِ التي يجوزُ فيها التَّفاضلُ يدًا بيدٍ، فإنَّه لم يُجِزْ مالكٌ اقتسامَه على التَّحرِّي (١). وكان يقولُ: المخاطَرةُ تدخُلُه حتى يتبيَّنَ فضلُ أحدِ النَّصيبينِ على صاحبِه. حكى ذلك ابنُ حبيبٍ، عن ابنِ القاسم. قال ابنُ حبيبٍ: وقال مطرِّفٌ، وابنُ الماجشونِ، وأشهبُ: ولا بأسَ باقتسامِه إذا تحرَّى وعَدَل، أو كان على التَّجاوزِ والرِّضا بالتفاضل. قال: وهو قولُ أصبغَ، وبه أقولُ؛ لأنَّ ما جاز فيه التفاضلُ، جازَتْ قسمَتُه بالتَّحَرِّي. وذكر سحنونٌ، عن ابنِ القاسم، عن مالكٍ، أنّه سأله غيرَ مرَّةٍ عن قسمةِ الفواكهِ بالخرصِ، فأبى أنْ يُرخِّصَ في ذلك. قال: وذلك أنَّ بعضَ أصحابِنا ذكر انه سأل مالكًا عن قسمةِ الفواكهِ بالخرصِ، فأرخصَ فيه، فسألتُه عن ذلك، فأبى أنْ يرخِّصَ لي فيه. قال أشهبُ: سألتُ مالكا مراتٍ عن ثمرةِ النَّخلِ وغيرِها من الثِّمارِ تُقسَمُ بالخرص، فكلَّ ذلك يقولُ لي: إذا طابَتِ الثمرةُ مِن النَّخلِ وغيرِها، قُسِمَتْ بالخرصِ (٢). واختار هذه الرِّوايةَ يحيى بنُ عمرَ، قياسًا عن جوازِ بيع العرايا في غيرِ النَّخلِ والعنبِ، كما يجوزُ في النَّخلِ والعنبِ، ويجوزُ بيعُ ذلك كلِّه بخرصِه إلى الجدادِ. قال يحيى بنُ عمرَ: أشهبُ لا يشترِطُ في الثِّمارِ إلّا طيبَها، ثم يقسِمُها بينَ أربابِها بالخرصِ. ولا يلتفِتُ إلى اختلافِ حاجاتِهم، ورواه عن مالكٍ. قال: وابنُ القاسم يقولُ (٣): لا يجوزُ أنْ يُقسَمَ بينَهم بالخرص، إلّا أن يختلِفَ غرضُ كلِّ واحدٍ منهم، فيُريدَ أحدُهم أنْ يبيعَ، والآخرُ أنْ يُيَبِّس

стр. 2476

ويدَّخرَ، والآخرُ أنْ يأكلَ، فحينئذٍ يجوزُ لهم قسمَتُها بالخرصِ إذا وجِد مِن أهلِ المعرفةِ مَن يعرِفُ الخرصَ، وإنْ لم تختلِفْ حاجاتُهم لم يجُزْ ذلك لهم، وإن اتَّفقوا على أنْ يبيعوا، أو على أنْ يأكُلوها رطبًا أو تمرًا، أو على أن يَجُدُّوها تمرًا، لم يقسِموها بالخرصِ. [قال سائرُ أهل العلم: لا تحوزُ القسمةُ في شيءٍ من ذلك كلِّه إلّا على أصلِه، مع اختلافِهم في ذَلك أيضًا] (١). وأمَّا الشافعيُّ فتحصيلُ مذهبِه أنَّ الشُّركاءَ في النَّخلِ والشَّجرِ المثمرِ إذا اقتُسمَتِ الأُصولُ بما فيها مِن الثمرةِ، جاز؛ لأنَّ الثمرةَ تبعٌ للأُصولِ، وكأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد باعَ حصَّتَه مِن عراجينِ النَّخلِ وأغصانِ الشَّجرِ بحصَّةِ شريكِه في الثَّمرِ، وكذلك الأرضُ إذا قسِمَتْ عندَه مزروعةً، كان الزَّرعُ تبعًا للأرضِ في القسمةِ، والقسمةُ عندَه مخالفةٌ للبُيوع، قال: لأنّها تجوزُ بالقرعةِ، والبيعُ لو وقَع على شرطٍ لم يجُزْ أيضًا، فإنَّ الشَّريكَ يُجبَرُ على القَسْم، ولا يجبَرُ على البيع. وأيضًا، فإنَّ التَّحابيَ في قسمةِ الثمرةِ وغيرِها جائزٌ، وذلك معروفٌ وتطوُّعٌ، ولا يجوزُ ذلك في البيع. ولا يجوزُ عندَ الشافعيِّ قسمةُ الثمرةِ قبلَ طيبِها بالخرصِ على حالٍ، ويجوزُ عندَه قسمتُها مع الأُصولِ على ما ذكرنا. وقد قال في كتابِ الصَّرفِ (٢): يجوزُ قسمتُها بالخرصِ إذا طابَتْ وحلَّ بيعُها. والأوَّلُ أشهرُ في مذهبِه عندَ أصحابِه.

стр. 2477

وقد قيل: إنَّ خرصَ رسولِ الله ﷺ على اليهودِ كان مِن أجل الزكاةِ الواجبةِ في تلك الثمرةِ، لا لغيرِ ذلك، واللهُ أعلمُ، فكان يبعَثُ مَن يخرُصُ الثِّمارَ على أربابِها، توسعةً عليهم ورفقًا بهم؛ لأنَّهم لو مُنِعوا مِن أجلِ سهم المساكينِ مِن أكلِها رطبًا، ومِن التَّصرُّفِ فيها بالصِّلةِ والصَّدقةِ والأكلِ، لأضَرَّ بهم ذلك، وكانت عليهم فيه مشقَّةٌ كبيرةٌ، ولو تُركوا والتَّصرُّفَ فيها بالأكلِ وغيرِه لأضَرَّ ذلك بالمساكينِ، وأتلِفَ كثيرٌ ممَّا تجِبُ فيه الزَّكاةُ، ولهذا ما كان توجيهُ رسولِ الله ﷺ للخارصِ، وإرسالُه إيَّاه لذلك، واللهُ أعلمُ. والأصلُ أنَّ أربابَ الأموالِ أمناءُ، والخرصُ لا يُخرِجُهم عن ذلك؛ لأنَّهم لم يُخرَصْ عليهم إلّا رفقًا بهم، وإحسانًا إليهم، على حسَبِ ما ذكرنا مِن إطلاقِهم للتَّصرُّفِ في ثمارِهم، وحفظِ ما يجبُ للمساكينِ فيها مِن حينِ طيبِها، فإنْ تبيَّنَ لربِّ المالِ بعدَ الخرصِ زيادةٌ على ما خرَص الخارصُ أدَّاها؛ لأنَّ الخرصَ حكم على الظَّاهرِ والاجتهادِ، فإذا جاءتِ الحقيقةُ بخلافِ ذلك رُجع إليها. وفي هذا اختلافٌ بينَ السَّلفِ والخلفِ، والصَّوابُ ما ذكَرتُ لك، واللهُ أعلم.

стр. 2478

ذكر عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن أبي الزُّبيرِ، أنّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: خرَص ابنُ رواحةَ أربعينَ ألفَ وسَقٍ، وزعَم أن اليهودَ لما خيَّرهم (٢)، أخَذوا الثمرَ، وأدَّوا عشرينَ ألفَ وسَقٍ. قال ابنُ جريج (٣): قلتُ لعطاءٍ: فحقٌّ على الخارصِ إذا استكثَر سيِّدُ المالِ الخرصَ أن يخيِّره، كما خيَّر ابنُ رواحةَ اليهودَ. قال: إي لعَمْري، وأيُّ سُنَّةٍ خيرٌ من سُنَّةِ رسول الله ﷺ ؟ قال (٤): وقلتُ لعطاءٍ: متى يُخرَصُ النخلُ؟ قال: حينَ يُطعمُ. قال (٥): وأخبرنا ابنُ جريج، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنّها قالت، وهي تذكُرُ شأنَ خيبرَ: كان النبيُّ ﷺ يبعَثُ عبدَ الله بنَ رواحةَ إلى اليهودِ، فيخرُصُ النخلَ حينَ يطيبُ أولُ الثمرِ قبلَ أن يؤكلَ منه، ثم يخيِّرُ يهودَ أن يأخُذوها بذلك الخرصِ أو يدفعوها إليه بذلك، وإنما كان أمرُ النبيِّ ﵇ بالخرصِ، لكي تُحصىَ الزكاةُ قبل أن تؤكلَ الثمارُ وتفرَّقَ. واختلَف الفقهاءُ في الخرصِ على صاحبِ النخلِ والعنبِ للزكاةِ، بعدَ إجماعِهم على أن الخرصَ لا يكونُ في غيرِ النخلِ والعنبِ، لحديثِ عتَّابِ بنِ أَسِيدٍ:

стр. 2479

حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ النضرِ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع وبشرُ بنُ المفضَّلِ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَث عتَّابَ بنَ أَسِيدٍ، وأمَره أنْ يخرُصَ العنبَ، وتؤدَّى زكاتُه زَبيبًا، كما تؤدَّى زكاةُ النخلِ تمرًا، فتلك سنَّةُ رسولِ الله ﷺ في النخلِ والعنبِ (١).

стр. 2480

وقال بِشرُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عتَّابِ بنِ أَسِيدٍ، قال: أمَرني رسولُ الله ﷺ . فذكره (١). واستدلَّ بعضُهم على أنَّ الزيتونَ لا زكاةَ فيه؛ لأنّه ممَّا اجتمعَ على أنّه لا يُخرَصُ، ولو كانت فيه الزكاةُ لخُرِصَ، لأنَّ ثمرتَه باديةٌ، وما عَدا النَّخلَ والعنبَ ممَّا اجتمعَ على زكاتِه، فثمرتُه ليست بباديةٍ. وقد أجاز بعضُ المتأخِّرينَ الخرصَ في الزيتونِ، ودفَع الإجماعَ فيما ذكرنا، ورَواه عن الزهريِّ، والأوزاعيِّ (٢). وممَّن أجاز الخرصَ في النخلِ والعنبِ للزكاةِ؛ مالكٌ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ (٣)، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ (٤).

стр. 2481

قال الطحاويُّ (١): وقال في "الإملاء": إنّه قولُ أبي حنيفةَ. وقال داودُ بنُ عليٍّ: الخرصُ للزكاةِ جائز في النَّخلِ، وغيرُ جائزٍ في العنبِ. ودفَع حديثَ عتَّابِ بنِ أَسِيدٍ. وكَرِه الثَّوريُّ الخرصَ، ولم يُجزْه بحالٍ، وقال: الخرصُ غيرُ مستعمل. قال: وإنَّما على ربِّ الحائطِ أنْ يودِّيَ ضُرَ ما يصيرُ في يدِه للمساكينِ إذا بلَغ خمسةَ أوسُقٍ (٢). وروى الثوريُّ (٣) وغيرُه، عن الشيبانيِّ، عن الشعبيِّ، قال: الخرصُ اليومَ بدعةٌ (٤). قال أبو عمر: كأنَّه يرَى أنّه منسوخ بالنَّهي عن المُزابنةِ، واللهُ أعلم، هذا على أنَّ الثوريَّ مع قوله: إنّما على ربِّ الحائطِ أنْ يؤدِّيَ عُشرَ ما يصيرُ في يدِه للمساكينِ إذا بلَغ خمسةَ أوسُقٍ (٥). يقولُ: إنَّ صاحبَ الثمرةِ والأرضِ يُحسَبُ عليه ما أكله. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وزُفرَ، ومالكٍ وأصحابِه. وقال أبو يوسُفَ: إذا أكَل صاحبُ الأرضِ وأطعَمَ جارَه وصديقَه، أُخِذَ منه عُشرُ ما بقي إذا بلَغ خرصُه ما فيه الزكاةُ، وإن أكل الجميعَ لم يكنْ عليه شيءٌ، فإنْ بقي منها قليلٌ أو كثيرٌ، فعليه عُشرُه أو نصفُ عُشرِه (٦).

стр. 2482

وقال مالكٌ: لا يَترُكُ الخرَّاصُ لأربابِ الثَّمارِ شيئًا، لمكانِ ما يأكُلون، ولا يُترَكُ لهم مِن الخرصِ شيءٌ. ذكره ابنُ القاسم وغيرُه عنه (١). وقال الليثُ في زكاةِ الحبوبِ: يبدأُ بها قبلَ النفقةِ، وما أكل مِن فَريكٍ هو وأهلُه، فإنَّه لا يُحسَبُ عليه، بمنزلةِ الرَّطْبِ الذي يُترَكُ لأهلِ الحوائطِ يأكُلون ولا يُخرَصُ عليهم. وقولُ الشافعيِّ في ذلك كلِّه كقولِ الليثِ سواءً، في خرصِ الثِّمارِ والتَّركِ لأهلِها ما يأكُلونه رطبًا، ولا يُحسَبُ عليهم (٢). والحجَّةُ من ذهَب هذا المذهبَ ظاهرُ قولِه : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وهذا يوجِبُ مراعاةَ وقتِ الحصادِ والجِدَادِ لا ما قبلَه. وما رواه شعبةُ، قال: أخبرني خُبيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ مسعودِ بنِ نِيارٍ يقولُ: جاء سهلُ بنُ أبي حثمةَ إلى مسجدِنا، فحدَّثَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا خرَصتم فخُذوا ودَعوا الثُّلثَ، فإنْ لم تدعوا الثلُثَ فدعُوا الرُّبعَ". رواه عن شعبةَ جماعةٌ مِن أصحابِه، وذكره أبو داودَ وغيرُه (٣).

стр. 2483

وهذا الحديثُ حجَّة على مَن أنكرَ الخرصَ للزكاةِ، ومثلُ حديثِ أبي حُمَيدٍ الساعديِّ في خرصِ رسولِ الله ﷺ وأصحابه على المرأةِ للزكاةِ -خرَصوا عليها عامَ تبوكَ في حديقتِها عشَرةَ أوسُقٍ (١). وقد ذكرنا الخبرَ في غيرِ هذا الموضع. وروى ابنُ لهيعةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "خفِّفوا في الخرصِ، فإنَّ في المالِ العريَّةَ، والواطئةَ (٢)، والأكَلةَ، والوصيَّةَ، والعاملَ، والنوائبَ". وروى سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، قال: كان عمرُ بنُ الخطَّابِ يأمُرُ الخُرَّاصَ أنْ يَخرُصوا ويرفعوا عنهم قدرَ ما يأكُلون (٣). وقال الحسنُ: كان المسلمون يُخرَصُ عليهم، ثم يُؤخذُ منهم على ذلك الخرصِ. والآثارُ عن السَّلفِ في الخرصِ كثيرةٌ جدًّا. واختلَفَ الفقهاءُ في المساقاةِ أيضًا، فممَّن أجازَها مِن فقهاءِ الأمصارِ؛ مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأصحابُهما، وجماعةُ أهلِ الحديثِ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ،

стр. 2484

والليثُ بنُ سعدٍ، والحسنُ بنُ حيٍّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وكرِهها أبو حنيفةَ، وزُفرُ (١). والحجَّةُ عليهما ثابتة بسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا يحيى القطَّانُ، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرُجُ مِن ثمرٍ أو زرع. قال (٣): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، عن الليثِ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنَج، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ دفَع إلى يهودِ خيبرَ نخلَ خيبرَ وأرضَها على أن يُعمِلوها مِن أموالهم، وأنَّ لرسولِ الله ﷺ شطْرَ ثمرِها. لم يُذكَرْ في هذا الخبرِ أنّه أخَذ مِن الأرضِ شيئًا، وإنَّما أخَذ مِن الثمرةِ، وهو حجَّةٌ لمالكٍ في إلغائه البَياضَ للعاملِ (٤)، وقولِه: إنَّ البياضَ كان بخيبرَ بينَ النخلِ تبعًا لها (٥)، واللهُ أعلم.

стр. 2485

والأحاديثُ في المساقاةِ متواترةٌ، والمساقاةُ عندَ مالكٍ والشافعيِّ جائزةٌ سنينَ؛ لأنَّ المُساقاةَ لمّا انعقدَتْ فيما لم يُخلَقْ مِن الثمرةِ في عام، كان كذلك ما بعدَه مِن الأعوام ما لم يطُلْ، على حسَبِ ما ذكرناه فيما تقدَّمَ مِن هذا البابِ (١). وقد أجمَعوا على أنّه لا تجوزُ المساقاةُ في ثمرٍ قد بدا صلاحُه؛ لأنّه يجوزُ بيعُه، إلّا قولةً عن الشافعيِّ وفرقةٍ، والمشهورُ عن الشافعيِّ أنَّ ذلك لا يجوز (٢). وأجمعوا على أنّه لا تجوزُ المساقاةُ إلّا على جزءٍ معلومِ، قلَّ أو كثُرَ، واختلَفوا فيما تجوز فيه المساقاةُ؛ فقال مالكٌ: تجوزُ المساقاةُ في كلِّ أصلٍ، نحوَ النَّخل، والرُّمَّانِ، والتِّينِ، والفِرسِكِ (٣)، والعنبِ، والوردِ، والياسمينِ، والزيتونِ، وكَلِّ ما له أصلٌ ثابتٌ يبقى. قال: ولا تجوزُ المساقاةُ في كلِّ ما يُجْنَى ثم يخلُفُ، نحوَ القصبِ، والبقولِ، والموزِ؛ لأنَّ بيعَ ذلك جائزٌ، وبيعَ ما يجنَى بعدَه. وقال مالكٌ: كان بياضُ خيبرَ يسيرًا بينَ أضعافِ سوادِها، فإذا كان البياضُ قليلًا فلا بأسَ أنْ يزرَعَه العاملُ مِن عندِه. قال ابنُ القاسم: فما نبَت منه، كان بينَ المُساقِين على حسَبِ شرِكتِهما في المساقاةِ. قال: وأَحَلُّ ذلك أن يُلْغَى البياضُ اليسيرُ في المساقاةِ للعاملِ، فيزرَعَه لنفسِه، فما نبَت من شيءٍ كان له، وهو قولُ مالكٍ. وقدرُ اليسيرِ أنْ يكونَ قدرَ الثُّلثِ مِن السوادِ. قال مالكٌ: وتجوزُ المساقاةُ في الزرع إذا استقلَّ، وعجَز صاحبُه عن سقيِه، ولا تجوزُ مُساقاةٌ إلّا في هذه الحالِ بعدَ عجزِ صاحبِه عن سقيِه. قال مالكٌ: ولا بأسَ بمُساقاةِ القثَّاءِ والبِطِّيخ إذا عجَز عنه

стр. 2486

صاحبُه، ولا تجوزُ مُساقاةُ الموزِ ولا القصبِ. حكى هذا كلَّه عنه ابنُ القاسم (١)، وابنُ عبدِ الحكم، وابنُ وَهْبٍ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تجوزُ المساقاةُ في الطَّلع ما لم يَتَناهَ عَظمُه، فإذا بلَغ حالًا لا يزيدُ بعدَ ذلك لم يجُزْ وإنْ لم يُرطِبْ. وقال في الزرع: جائز مُساقاتُه ما لم يَستَحْصِدْ، فإن استَحصدَ لم يجُزْ (٢). وقال الشافعيُّ (٣): لا تجوزُ المساقاةُ إلّا في النخلِ والكرم؛ لأنَّ ثمرَها بائنٌ مِن شجرِه، ولا حائلَ دونَه يمنَعُ إحاطةَ النَّظرِ إليه، وثمرُ غيرهما متفرِّقٌ بينَ أضعافِ ورقِ شجرِه، لا يُحاطُ بالنَّظرِ إليه. وإذا ساقاه على نخل فيها بياضٌ عندَ الشافعيِّ، فإنَّه قال: إن كان لا يوصَلُ إلى عملِ البياضِ إلّا بالدُّخولِ على النَّخلِ، وكان لا يوصَلُ إلى سقيِه إلّا بشِركِ النخلِ في الماءِ، وكان غيرَ مثمر، جاز أن يُساقيَ عليه في النخلِ، لا منفرِدًا وحدَه. قال: ولولا الخبرُ بقصةِ خيبرَ لم يجُزْ ذلك. قال: وليس لمُساقي النخلِ أنْ يزرَعَ البياضَ إلّا بإذْنِ ربِّه، فإنْ فعَل، كان كمَن زرَع أرضَ غيرِه (٤). واختلَفوا في مُساقاةِ البعلِ (٥)، فأجازَها مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ،

стр. 2487

ومحمدُ بنُ الحسنِ، والحسنُ بنُ حيٍّ، وذلك عندَهم على التَّلقيح والزَّبرِ (١) والحفرِ والحفظِ وما يُحتاجُ إليه مِن العملِ. وقال الليثُ: لا تجوزُ المساقاةُ إلّا فيما يُسْقَى. قال الليثُ: ولا تجوزُ المساقاةُ في الزَّرع، استقلَّ أو لم يستقِلَّ. قال: وتجوزُ في القصبِ؛ لأنَّ القصبَ أصلٌ. وأجازَ الليثُ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وجماعةٌ، المساقاةَ في النخلِ والأرضِ بجزءٍ معلوم؛ كان البياضُ يسيرًا أو كثيرًا (٢). وقد بيَّنَّا مذهَبَ هؤلاء وغيرهم في كراءِ الأرضِ، في بابِ داودَ (٣) وربيعةَ (٤)، والحمدُ لله. واختلَفوا في الحينِ الذي لا تجوزُ فيه المساقاةُ في الثِّمارِ؛ فقال مالكٌ: لا يُساقَى مِن النخلِ شيءٌ إذا كان فيها ثمرٌ قد بَدا صلاحُه وطاب، وحلَّ بيعُه، ويجوزُ قبلَ أنْ يبدُوَ صلاحُه ويحلَّ بيعُه (٥). واختلَف قولُ الشافعيِّ، فقال مرَّةً: يجوزُ وإن بدا صلاحُه. وقال مرَّةً: لا يجوزُ. ولا يجوزُ عندَ الشافعيِّ أنْ يشترِطَ على العاملِ في المساقاةِ ما لا منفعةَ فيه في أصلِ الثمرةِ وفيما يُخرِجُه (٦).

стр. 2488

حديثٌ ثالثَ عشَرَ لابنِ شهابٍ، عن سعيد بنِ المسيِّب مرسَلٌ، متَّصلٌ (١) من وُجُوهٍ مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى في الجنينِ يُقتَلُ في بطنِ أُمِّه بِغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو وليدةٍ. فقال الذي قُضِيَ عليه: كيف أغرَمُ ما لا شرِبَ ولا أكَل، ولا نَطَق ولا استَهَلّ، ومثلُ ذلك بَطَل (٣)؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ". هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ الرواةِ عن مالكٍ في "مُوطِّئِه" مُرسَلًا (٤)، ولا أعلمُ أحدًا وصَله بهذا الإسنادِ إلّا ما رَواه أبو سَبْرةَ المدنيُّ، عن مُطرِّفٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ (٥). وما ذكره الدارقطنيُّ، قال (٦): حدَّثنا عثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقَّاقُ وأحمدُ بنُ كاملٍ القاضي، قالا: حدَّثنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصم النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ امرأتينِ من هُذَيلٍ رمَتْ إحداهُما

стр. 2489

الأُخرى، فألقَت جنِينًا - وقال ابنُ كاملٍ: إنَّ امرأتينِ كانتا تحتَ رجلٍ مِن هُذَيلٍ، فتعايَرتا (١)، فرمَتْ إحداهما الأُخرى بحجرٍ، فألقَت جنينًا - وقالا: فقضى رسولُ الله ﷺ في الجنينِ بغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو وليدةٍ. هكذا رواه أبو قلابةَ، عن أبي عاصم، عن مالكٍ. وإنَّما في "الموطأ" حديثُ سعيدٍ مُرسلٌ، وحديثُ أبي سلمةً، عن أبي هريرة. وقد وصَل حديثَ سعيدٍ ثقاتٌ من أصحابِ ابنِ شهابٍ وغيرِه، وهو حديثٌ اختصَره مالكٌ، فذكر منه ديَةَ الجنينِ التي عليها الأمرُ المجتمَعُ عليه عنده، وتَرَك قصةَ المرأةِ إذ ضُرِبتْ فألقَت الجنينَ المذكورَ؛ لأنَّ فيه من روايةِ ابنِ شهابٍ إثباتَ شِبْهِ العمدِ، وإلزامَ العاقلةِ الدِّيَةَ، وهذا شيءٌ لا يقولُ به مالكٌ؛ لأنّه وجَد الفتوى والأمرَ بالمدينة والعملَ على خلافِه (٢)، فكرِه أن يذكُرَ في "موطئِه" بمثلِ هذا الإسنادِ الصحيح ما لا يقولُ به ويقولُ به (٣) غيرُه، وذكر قصَّةَ الجنينِ لا غيرُ؛ لأنّه أمرٌ مجتمَعٌ عليه في الغُرَّةِ. وهذا الحديثُ عندَ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وعن أبي سلمةَ جميعًا، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ فطائفةٌ من أصحابِه يُحدِّثُون به عنه هكذا، وطائفةٌ يُحدِّثُون به عنه، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، ولا يذكُرون أبا سلمةَ (٤)، وطائفةٌ يُحدِّثُون به عنه، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، ولا يذكرون سعيدًا. ومالكٌ أرسَل عنه حديثَ سعيدٍ هذا، ووصَل حديثَ أبي سلمةَ، عن

стр. 2490

أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (١)، إلّا أنّه لم يَذْكُرْ قصَّةَ المرأةِ، لا في حديثِ سعيدِ هذا المرسَلِ، ولا في حديثِ أبي سلمةَ، واقتصَر منهما على ذكرِ قصَّةِ الجنينِ وديتِه لا غيرُ؛ لِمَا ذكرنا من العلَّةِ، ولِمَا شاء اللهُ ممَّا هو أعلمُ به. والحديثُ محفوظٌ لأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، من حديثِ ابنِ شهابٍ وغيره، ولسعيدِ بن المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، من حديثِ ابنِ شهاب (٢). وهو حديثٌ صحيحٌ، رواه جماعةٌ من الصحابةِ عن النبيِّ ﷺ ؛ منهم: عمرُ بنُ الخطابِ (٣)، وابنُ عباسٍ (٤)،

стр. 2491

وجابر (١)، والمغيرةُ بنُ شعبة (٢)، وأبو هريرةَ (٣)، وحَمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغةِ (٤)، ومحمدُ بنُ مَسلمةَ (٥)، إلّا أنَّ محمدَ بنَ مسلمةَ حديثُه في الجنين لا غيرُ، ولسنا نذكُرُ هاهنا إلّا حديثَ أبي هريرةَ خاصَّةً؛ لأنّه لم يروِ مالكٌ غيرَه. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٦): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ (٧)، عن ابنِ شهابٍ، عن ابنِ المسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: اقتتَلتِ امرأتانِ من هذيلٍ، فرمَتْ إحداهما الأُخرى بحجَرٍ، فقتلَتها وما في بطنِها، فاختصَموا إلى النبيِّ ﷺ ، فقضَى أنَّ ديَةَ جنينها غُرَّةٌ؛ عبدٌ أو وليدةٌ، وقضَى أنَّ ديةَ المرأةِ على عاقلتِها.

стр. 2492

قال البخاريُّ (١): وحدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى في جنينِ امرأَةٍ من بني لحيَانَ بغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو أمةٍ؛ في هذه القصةِ. قال: ثم إنَّ المرأةَ التي قضى عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيتْ، فقضى رسولُ الله ﷺ أنَّ ميراثَها لبَنيها وزوجِها، وأنَّ العَقْلَ على عَصَبَتِها. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا وَهْبُ بنُ بَيانَ وابنُ السَّرْح، قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سلمة، عن أبي هريرةَ، قال: اقتتَلت امرأتان من هُذيلٍ، فرمَتْ إحداهما الأُخرى بحجَرٍ، فقتَلتها، فاختصَموا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقضى رسولُ الله ﷺ بأنَّ ديَةَ جنينِها غُرَّةٌ؛ عبدٌ أو وليدةٌ، وقضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقلتِها، وورَّثها ولدَها ومَن معه، فقال حَمَلُ بنُ النابغةِ الهُذَليُّ: يا رسولَ الله، كيفَ أغرمُ مَن لا شرِب ولا أكَل، ولا نطَق ولا استهلّ، فمثلُ ذلك يُطَلّ (٣)؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ". من أجلِ سجْعِه الذي سجَع.

стр. 2493

قال أبو داودَ (١): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ؛ في هذه القصةِ قال: ثمَّ إنَّ المرأةَ التي قضى عليها الغُرَّةَ تُوفِّيتْ، فقضَى رسولُ الله ﷺ أنَّ ميراثَها لبَنِيها، والعَقْلَ على عَصَبَتِها. قال أبو عمر: وقد ذكرنا ما يجبُ من القولِ في قصَّةِ قتلِ المرأةِ، والاختلافَ في ذلك مِن جهةِ الأثَرِ، واختلافَ العلماءِ في ديتِها وقتلِها، وما لهم في شِبْهِ العَمْدِ من الأقاويلِ والوُجُوهِ، في كتاب "الأجوبةِ عن المسائلِ المستغربةِ" (٢)، فمن أراده نظَر إليه وتأمَّله هناك. ولم نذكرْ هاهنا شيئًا من ذلك؛ لأنّه ليس في حديثِ مالكٍ ذِكْرُ قتلِ المرأةِ، وإنَّما فيه قصَّةُ الجنينِ. ونحن نذكُرُ ما للعلماءِ في ذلك من الأقوالِ والوجوهِ هاهنا، وبالله عونُنا وتوفيقُنا. فمِن أحكام الجنينِ ما أجمَع العلماءُ عليه، ومنها ما اختلفوا فيه؛ فممَّا أجمَعوا عليه من ذلك أنَّ الجنينَ إذا ضُرِب بطْنُ أمِّه، فألقَتْه حيًّا، ثم مات بقُربِ خروجِه، وعُلِم أنَّ موتَه كان من أجلِ الضَّربةِ وما فُعِل بأُمِّه وبه في بطْنِها، ففيه الدِّيَةُ كاملةً، وأنَّه يُعتبرُ فيه الذكرُ والأنثَى. وعلى هذا جماعةُ فقهاء الأمصار (٣). وفي إجماعِهم على ما ذكرنا دليلٌ واضحٌ على أنَّ الجنينَ الذي قضى فيه رسولُ الله ﷺ بِغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو أمَةٍ، كانت قد ألقَته أمُّه (٤) ميّتًا. ومع هذا الدَّليلِ نصَّان؛ أحدُهما من جهةِ الإجماع؛ أنَّ الغُرَّةَ واجبةٌ في الجنينِ إذا رمَتهُ ميّتًا وهي حيَّةٌ. والنَّصُّ

стр. 2494

الثاني ما في حديثِ سعيدِ بنِ المسيِّب أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى في الجنينِ يُقتَلُ في بطنِ أُمِّه بغُرَّةٍ. والمقتولُ في بطنِ أُمِّه لا تطرَحُه إلّا ميّتًا لا محالةَ. فإن لم تُلقِه وماتت وهو في جوفِها لم يخرُجْ، فلا شيءَ فيه ولا حكمَ له، وهذا أيضًا إجماعٌ لا خلافَ فيه. فإن ألقَتْه ميّتًا وهي حيَّةٌ، فالحكمُ فيه ما ثبتت به السُّنَّةُ عن النبيِّ ﷺ ، على ما ذُكِر في هذا الحديثِ، غرَّةٌ؛ عبدٌ أو أمةٌ. وقد كان للغُرَّةِ أصلٌ معروفٌ في الجاهليَّةِ من لم يبلُغْ بشرفِه أن يُودى ديةً كاملةً، قال مُهَلْهِلُ بنُ رَبيعَةَ، واسْمُه عَديّ - وإنَّما قيل له: مُهَلهِلٌ؛ لأنّه أولُ من أرَقَّ الشِّعرَ وقصَّدَه فيما ذكروا - قال في قتلِ أخيه كُلَيْبِ بنِ ربيعة (١): كُلُّ قتيلٍ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ ... حتى ينالَ القتلُ آلَ مُرَّهْ يعني مُرَّةَ بنَ ذُهْلِ (٢) بنِ شيبَانَ بنِ ثعلبةَ، وكان جَسَّاسُ بنُ مُرَّةَ قتَل كُليبَ بنَ ربيعةَ التَّغلِبي. واختلَف العلماءُ في الغُرَّةِ وقيمتِها؛ فقال مالكٌ: الغُرَّةُ تُقوَّمُ بخمسين دينارًا، أو ستِّ مئةِ درهم؛ نصفِ عُشرِ ديةِ الحرِّ المسلم الذَّكر، وعُشرِ ديةِ أمِّه الحرةِ (٣). وهو قولُ ابنِ شهابٍ، وربيعةَ، وسائرِ أهلِ المدينةِ (٤).

стр. 2495

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وسائرُ الكوفيِّين: قيمةُ الغرَّةِ خمسُ مئةِ درهم. وهو قولُ إبراهيمَ، والشعبيِّ. وقال المغيرةُ: خمسون دينارًا. وقال الشافعيُّ: سِنُّ الغرَّةِ سبعُ سنين، أو ثماني سنين، وليس عليه أن يقبلَها معيبةً (١). وقال داودُ: كلُّ ما وقَع عليه اسمُ غرَّةٍ (٢). واختلفوا في صفةِ الجنينِ الذي تجبُ فيه الغرَّةُ ما هو؟ فقال مالكٌ: ما طَرَحتْه من مُضغةٍ أو علقةٍ أو ما يُعلمُ أنّه ولا ففيه الغرَّةُ (٣). وقال الشافعيُّ: لا شيءَ فيه حتَّى يتبيَّنَ من خلقِه شيءٌ (٤). قال مالكٌ: إذا سقَط الجنينُ فلم يستهلَّ صارخًا ففيه الغرَّةُ، وسواءٌ تحرَّك أو عطَس ففيه الغرَّةُ أبدًا حتى يستهلَّ صارخًا، فإن استَهَلَّ صارخًا ففيه الديةُ كاملة (٥). وقال الشافعيُّ وسائرُ الفقهاءِ: إذا عُلِمتْ حياتُه بحركةٍ أو بعُطاسٍ أو باستهلالٍ أو بغر ذلك مما تُستيقَنُ به حياتُه، ثم مات، ففيه الديةُ كاملةً (٦). وجماعةُ فقهاء الأمصارِ يقولون في المرأةِ إذا ماتت من ضرْبِ بطنِها، ثم خرَج الجنينُ ميتًا بعد موتِها: إنّه لا يُحكمُ فيه بشيءٍ، وإنَّه هَدْر إذا ألقَتْه بعد موتِها، إلّا الليثَ بنَ سعدٍ وداودَ فإنَّهما قالا: إذا ضُرِب بطنُ المرأةِ وهي حيَّةٌ، فألقَتْ جنينًا ميِّتًا، ففيه الغُرَّةُ، وسواءٌ رمَتْه بعدَ موتِها أو قبلَ موتِها. اعتبَرا حياةَ أمِّه في

стр. 2496

وقتِ ضربِها لا غيرُ، وهو قولُ أهلِ الظَّاهرِ. وأمَّا سائرُ الفقهاءِ فإنَّهم اعتبروا حالَها في وقتِ إلقائِها للجنينِ لا غيرُ. فإن ألقَته ميِّتًا وهي ميِّتة، فلا شيء فيه عندَهم، وإن ألقْتَه ميِّتًا وهي حيَّة ففيه الغرَّةُ، وأمَّا إذا ألقَته حيًّا وهي حيَّةٌ فقد ذكرنا حكمَه، وأنَّه لا خلافَ أنَّ فيه الدِّيةَ. واحتَجَّ أبو جعفرٍ الطحاويُّ على الليثِ بنِ سعدٍ لسائرِ الفقهاءِ بأن قال: قد أجمعوا والليثُ معهم، على أنّه لو ضُرِب بطنُها وهي حيَّةٌ، فماتت والجنينُ في بطنِها ولم يسقُطْ، أنّه لا شيءَ فيه ما لم يسقُطْ، فكذلك إذا أسقَطتْه بعدَ موتِها (١). قال أبو جعفرٍ (٢): ولا يختلِفون أيضًا أنّه لو ضُرِب بطنُ امرأةٍ ميِّتةٍ حاملٍ، فألقَت جنينًا ميِّتًا، أنّه لا شيء فيه، فكذلك إذا كان الضربُ في حياتِها، ثم ماتت، ثم ألقَته ميِّتًا. قال: فبطَل بذلك قولُ الليثِ. واختلفوا في الذي تجبُ عليه الغُرَّةُ: فقال مالكٌ وأصحابُه: هي في مالِ الجاني. وهو قولُ الحسنِ بنِ حيٍّ (٣). ومن حجَّتِهم في ذلك روايةُ من روَى هذا الحديثَ: فقال الذي قُضِيَ عليه: كيفَ أغرمُ؟ وهذا يدلُّ على أنَّ الذي قُضِيَ عليه مُعين، وأنَّه واحدٌ، وهو الجاني، لا يُعطِي ظاهرُ هذا اللَّفظِ غيرَ هذا. ولو أنَّ ديةَ الجنينِ قُضِيَ بها على العاقلةِ لقال في الحديثِ: فقال الذين قضَى عليهم. وفي القياسِ أنَّ كلَّ جانٍ جنايتُه عليه، إلّا ما قام بخلافِه الدليلُ الذي لا مُعارِضَ له، مثلَ إجماع لا يجوزُ خلافُه، أو نَصٍّ، أو سُنَّةٍ مِن جهةِ نقلِ الآحادِ العُدولِ لا مُعارضَ لها، فيجِبُ الحُكْمُ بها. وقد قال اللهُ : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ

стр. 2497

نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال ﷺ لأبي رِمْثَةَ في ابنِه: "إنَّك لا تجني عليه، ولا يجني عليك" (١). وقال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما: الغُرَّةُ على العاقلةِ (٢). ومن حجَّتِهم ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سلَّام السوّاق (٣)، قال: حدَّثنا أبو عمرَ الحوضِيُّ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عُبيدِ بنِ نُضَيلةَ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ، أنَّ امرأتين كانتا تحت رجل من هُذَيلٍ، فضرَبت إحداهما الأُخرى بعمودٍ فقتلتها، فاختصَما إلى النبيِّ ﷺ ، فقال أحدُ الرَّجلين: كيفَ نَدِي مَنْ لا صاح ولا استهلّ، ولا شرِب ولا أكل؟ فقال: "أسَجْع كسجعِ الأعرابِ؟ ". فقضَى فيه غُرَّة، وجعَله على عاقلةِ المرأةِ (٤).

стр. 2498

وهذا نصٌّ ثابتٌ صحيحٌ في موضع الخلافِ، يُوجبُ الحكمَ. ولما كانت ديةُ المرأةِ المضروبةِ على العاقلةِ، كان الجنينُ أحرَى بذلك في القياسِ والنظرِ. وأجمع الفقهاءُ أنَّ الجنينَ إذا خرجَ حيًّا، ثم مات وكانت فيه الدِّيةُ، أنَّ فيه (١) الكفارةَ مع الدِّية. واختلفواها الكفارةِ إذا خرَج ميِّتًا. فقال مالكٌ: فيه الغُرَّةُ والكفارةُ إذا خرَج ميِّتًا (٢). وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: إن خرجَ حيًّا ففيه الكفارةُ والدِّيةُ، وإن خرَج ميِّتًا ففيه الغُرَّةُ، ولا كفَّارة. وهو قولُ داودَ بنِ عين (٣). وهذا على أُصولهم التي قدَّمنا ذكرَها أن تُلْقِيَه أُمُّه وهي حيَّةٌ. واختلفوا في كيفيَّةِ ميراثِ الغُرَّةِ عن الجنينِ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما: الغُرَّةُ في الجنينِ موروثةٌ عن الجنينِ؛ لأنَّها ديَةٌ على كتابِ الله . واحتجَّ الشافعيُّ في ذلك بقولِه في الحديثِ: كيف أغرَمُ مَن لا شرِب ولا أكل ولا استهل؟ قال: فالمضمونُ الجنينُ؛ لأن العُضوَ لا يُعترَضُ فيه بهذا (٤). وكان ابنُ هُرْمُزَ (٥) يقولُ: ديتُه لأبويه خاصَّة؛ لأبيه ثُلُثاها، ولأمه ثُلُثُها، من كان منهما حيًّا كان ذلك له، فإن كان أحدُهما قد مات كانت للباقي منهما؛ أبًا كان أو أُمًّا، لا يرثُ الإخوةُ منها شيئًا.

стр. 2499

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: الغُرَّةُ للأُمِّ، ليس لأحدٍ معها فيها شيءٌ، وليست ديةً، وإنَّما هي بمنزلةِ جناية جُني عليها بقطع عضوٍ من أعضائِها. وهو قولُ ربيعةَ بن أبي عبدِ الرحمن. ومن حجَّتِهم في أنّها ليست ديةً؛ لأنّه لم يُعتبر فيها: هل هو ذكرٌ أو أُنثى؟ كما يلزمُ في الدِّياتِ، فدلَّ على أنَّ ذلك كالعضو، ولهذا كانت ذكاةُ الشاةِ ذكاةً لما في بطنِها من الأجنَّةِ، ولولا ذلك كانت ميتَةً. وقولُ داودَ وأهلِ الظَّاهرِ في هذا كقول أبي حنيفةَ (١). واحتجَّ داودُ بأنَّ الغُرَّةَ لم يملِكْها الجنينُ فتُورَثَ عنه. قال أبو عمر: تدخُلُ عليه ديةُ المقتولِ خطأً؛ هو لم يملِكْها، وهي توُرَثُ عنه. وقولُ مالكٍ والشافعيِّ في هذه المسألةِ أولى (٢). وبالله العصمةُ والهدى. وقد استدلَّ قومٌ من أهلِ الحديثِ بأنَّ الحياةَ فيه لا تُعلَمُ إلّا بما ذُكِر مِن المعاني؛ وهي الأكلُ والشُّربُ، والاستهلالُ، والنُّطقُ؛ لقوله: كيفَ أغرمُ ما لا شرِب ولا أكَل، ولا نطَق ولا استهلّ؟ وقد يحتمِلُ أن يكونَ نزَع بهذه لأنَّها أسبابُ الحياةِ وعلاماتُها، فكلُّ ما عُلِمت به الحياةُ كان مثلَها. وقد اختلَف الفقهاءُ في المولودِ لا يَستهِلُّ صارخًا، إلّا أنّه تحرَّكَ حينَ سقَط من بطنِ أمِّه وعطَس، ونحو ذلك، ولم ينطِقْ ولا صرَخ مُستهِلًّا؛ فقال بعضُهم: لا يصلَّى عليه، ولا يرثُ ولا يورَثُ، إلّا أن يستهِلَّ صارخًا. وممَّن قال ذلك؛ مالكٌ وأصحابُه (٣). وقال آخرون: كلُّ ما عُرِفتْ به حياتُه فهو كالاستهلالِ والصُّراخ، ويُورَثُ

стр. 2500

ويرِثُ، ويصلَّى عليه إذا استُوقِنتْ حياتُه بأيِّ شيءٍ وصحَّت من ذلك كلِّه. وهو قولُ الشافعيِّ، والكوفيِّ، وأصحابِهم (١). وفي هذا الحديثِ أيضًا من المعاني، إنكارُ الكلام إذا لم يكنْ في موضعِه، وكان جهلًا من قائلِه. وقد زعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ ما يدلُّ على كراهيَةِ التَّسجيع في الكلام. وقال آخرون: إنّما كرِه رسولُ الله ﷺ تسجيعَ الهُذَليِّ في هذا الحديثِ لأنّه كلامٌ اعترَض به قائلُه على رسولِ الله ﷺ اعتراضَ منكِرٍ، وهذا لا يحلُّ لمسلم أن يفعَلَه، وإنَّما ترَك رسولُ الله ﷺ التَّغليظَ عليه في الإنكارِ لأنّه كان أعرابيًّا لا علمَ له بأحكام الدِّينِ، فقال له قولًا ليِّنًا، وتلك شَيْمتُه ﷺ ؛ ألّا ينتقمَ لنفسِه، وأن يُعرِضَ عن الجاهلينَ. وفي قولِه ﷺ في هذا الحديثِ: "إنّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ" دليلٌ على أنَّ الكُهَّانَ كانوا كلُّهم يَسجَعون، أو كان الأغلبَ منهم السَّجْعُ، وهذا معروفٌ عن كُهَّانِ العربِ، يُغني عن الاستشهادِ عليه، وكلُّ ما نُقِل عن شِقٍّ وسَطِيح (٢) وغيرِهما من كُهَّانِ العربِ في الجاهليَّةِ فكلام مُسجَّع كلُّه، وإنّما يُنكرُ على الإنسانِ الخطيبِ أو غيرِه في المتكلِّمين أن يكونَ كلامُه كلُّه تسجيعًا أو أكثرُه، وأمَّا إذا كان السَّجعُ أقلَّ كلامِه فليس بمعيبٍ، بل هو مُستحسَنٌ محمودٌ، وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال في بعض جِراحاتِه: "هل أنتِ إلّا إصبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لَقِيتِ؟ " (٣). وقال النبيُّ ﷺ : "أنا النبيُّ لا كذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المطَّلب" (٤).

стр. 2501

وقال ﷺ : "اللَّهمَّ لا عيشَ إلّا عيشُ الآخِره، فاغفرْ للأنصارِ والمهاجره" (١). ومثلُ هذا كثير عنه وعن أصحابِه ﵃. وهذا دليلٌ على أنَّ السَّجعَ كلامٌ، فحَسَنُه حسَنٌ، وقبيحُه قبيح، وكذلك الشِّعرُ؛ كلامٌ منظومٌ، فالحسَنُ منه حسَنٌ وحكمةٌ، والقبيحُ منه ومن المنثورِ غيرُ جائز النُّطقُ به، عصَمنا اللهُ برحمتِه. أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، عن جُنْدُب، قال: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في غارٍ، فنُكِبتْ إصبَعُه، فقال: "هل أنْتِ إلّا أصبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لقيتِ؟ " (٢). وقال ﷺ : "كتابُ الله أحق، وشَرْطُ الله أوْثَق، وإنَّما الولاءُ من أعتَق" (٣)، وقال ﷺ : "اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من علم لا ينفع، ودعاءٍ لا يُسمَع، وقلبٍ لا يخشَع،

стр. 2502

ونفسٍ لا تشبَع، أعوذُ بك يا ربِّ من شرِّ هذه الأربع" (١). وقال ﷺ : "اللَّهمَّ إني أعوذُ بك مِن الجوع، فإنَّهُ بئسَ الضَّجيع، وأعوذُ بك من الخيانة، فإنها بئسَت البِطانة" (٢). ومثلُ هذا كثيرٌ، وفيه دليلٌ على أنَّ حَسَنَ التَّسجيع حَسَنٌ، وقَبِيحَه قبيحٌ، كما النثرُ والنظمُ وسائرُ الكلام. وأمَّا جنينُ الأمةِ، فاختلافُ العلماءِ فيه لا يُشبِهُ اختلافَهم في جنينِ الحُرَّةِ؛ فأمَّا مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعيُّ، ومن قال بقولهم، فقالوا في جنينِ الأمَةِ: إن وقَع ميِّتًا مِن ضربةِ الضارِبِ لأُمِّه، ففيه عُشرُ قيمةِ أُمِّه، ذكرًا كان الجنينُ أو أُنثى (٣). وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: إن كان جنينُ الأمَةِ غلامًا، ففيه نصفُ عُشرِ قيمةِ نفسِه، لا قيمةِ أمِّه، فإن كانت أُنثى فعُشرُ قيمتِها نفسِها (٤) لو
следующие страницы →