← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2498–2537 · переход к 2503.

стр. 2498

وهذا نصٌّ ثابتٌ صحيحٌ في موضع الخلافِ، يُوجبُ الحكمَ. ولما كانت ديةُ المرأةِ المضروبةِ على العاقلةِ، كان الجنينُ أحرَى بذلك في القياسِ والنظرِ. وأجمع الفقهاءُ أنَّ الجنينَ إذا خرجَ حيًّا، ثم مات وكانت فيه الدِّيةُ، أنَّ فيه (١) الكفارةَ مع الدِّية. واختلفواها الكفارةِ إذا خرَج ميِّتًا. فقال مالكٌ: فيه الغُرَّةُ والكفارةُ إذا خرَج ميِّتًا (٢). وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: إن خرجَ حيًّا ففيه الكفارةُ والدِّيةُ، وإن خرَج ميِّتًا ففيه الغُرَّةُ، ولا كفَّارة. وهو قولُ داودَ بنِ عين (٣). وهذا على أُصولهم التي قدَّمنا ذكرَها أن تُلْقِيَه أُمُّه وهي حيَّةٌ. واختلفوا في كيفيَّةِ ميراثِ الغُرَّةِ عن الجنينِ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما: الغُرَّةُ في الجنينِ موروثةٌ عن الجنينِ؛ لأنَّها ديَةٌ على كتابِ الله . واحتجَّ الشافعيُّ في ذلك بقولِه في الحديثِ: كيف أغرَمُ مَن لا شرِب ولا أكل ولا استهل؟ قال: فالمضمونُ الجنينُ؛ لأن العُضوَ لا يُعترَضُ فيه بهذا (٤). وكان ابنُ هُرْمُزَ (٥) يقولُ: ديتُه لأبويه خاصَّة؛ لأبيه ثُلُثاها، ولأمه ثُلُثُها، من كان منهما حيًّا كان ذلك له، فإن كان أحدُهما قد مات كانت للباقي منهما؛ أبًا كان أو أُمًّا، لا يرثُ الإخوةُ منها شيئًا.

стр. 2499

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: الغُرَّةُ للأُمِّ، ليس لأحدٍ معها فيها شيءٌ، وليست ديةً، وإنَّما هي بمنزلةِ جناية جُني عليها بقطع عضوٍ من أعضائِها. وهو قولُ ربيعةَ بن أبي عبدِ الرحمن. ومن حجَّتِهم في أنّها ليست ديةً؛ لأنّه لم يُعتبر فيها: هل هو ذكرٌ أو أُنثى؟ كما يلزمُ في الدِّياتِ، فدلَّ على أنَّ ذلك كالعضو، ولهذا كانت ذكاةُ الشاةِ ذكاةً لما في بطنِها من الأجنَّةِ، ولولا ذلك كانت ميتَةً. وقولُ داودَ وأهلِ الظَّاهرِ في هذا كقول أبي حنيفةَ (١). واحتجَّ داودُ بأنَّ الغُرَّةَ لم يملِكْها الجنينُ فتُورَثَ عنه. قال أبو عمر: تدخُلُ عليه ديةُ المقتولِ خطأً؛ هو لم يملِكْها، وهي توُرَثُ عنه. وقولُ مالكٍ والشافعيِّ في هذه المسألةِ أولى (٢). وبالله العصمةُ والهدى. وقد استدلَّ قومٌ من أهلِ الحديثِ بأنَّ الحياةَ فيه لا تُعلَمُ إلّا بما ذُكِر مِن المعاني؛ وهي الأكلُ والشُّربُ، والاستهلالُ، والنُّطقُ؛ لقوله: كيفَ أغرمُ ما لا شرِب ولا أكَل، ولا نطَق ولا استهلّ؟ وقد يحتمِلُ أن يكونَ نزَع بهذه لأنَّها أسبابُ الحياةِ وعلاماتُها، فكلُّ ما عُلِمت به الحياةُ كان مثلَها. وقد اختلَف الفقهاءُ في المولودِ لا يَستهِلُّ صارخًا، إلّا أنّه تحرَّكَ حينَ سقَط من بطنِ أمِّه وعطَس، ونحو ذلك، ولم ينطِقْ ولا صرَخ مُستهِلًّا؛ فقال بعضُهم: لا يصلَّى عليه، ولا يرثُ ولا يورَثُ، إلّا أن يستهِلَّ صارخًا. وممَّن قال ذلك؛ مالكٌ وأصحابُه (٣). وقال آخرون: كلُّ ما عُرِفتْ به حياتُه فهو كالاستهلالِ والصُّراخ، ويُورَثُ

стр. 2500

ويرِثُ، ويصلَّى عليه إذا استُوقِنتْ حياتُه بأيِّ شيءٍ وصحَّت من ذلك كلِّه. وهو قولُ الشافعيِّ، والكوفيِّ، وأصحابِهم (١). وفي هذا الحديثِ أيضًا من المعاني، إنكارُ الكلام إذا لم يكنْ في موضعِه، وكان جهلًا من قائلِه. وقد زعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ ما يدلُّ على كراهيَةِ التَّسجيع في الكلام. وقال آخرون: إنّما كرِه رسولُ الله ﷺ تسجيعَ الهُذَليِّ في هذا الحديثِ لأنّه كلامٌ اعترَض به قائلُه على رسولِ الله ﷺ اعتراضَ منكِرٍ، وهذا لا يحلُّ لمسلم أن يفعَلَه، وإنَّما ترَك رسولُ الله ﷺ التَّغليظَ عليه في الإنكارِ لأنّه كان أعرابيًّا لا علمَ له بأحكام الدِّينِ، فقال له قولًا ليِّنًا، وتلك شَيْمتُه ﷺ ؛ ألّا ينتقمَ لنفسِه، وأن يُعرِضَ عن الجاهلينَ. وفي قولِه ﷺ في هذا الحديثِ: "إنّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ" دليلٌ على أنَّ الكُهَّانَ كانوا كلُّهم يَسجَعون، أو كان الأغلبَ منهم السَّجْعُ، وهذا معروفٌ عن كُهَّانِ العربِ، يُغني عن الاستشهادِ عليه، وكلُّ ما نُقِل عن شِقٍّ وسَطِيح (٢) وغيرِهما من كُهَّانِ العربِ في الجاهليَّةِ فكلام مُسجَّع كلُّه، وإنّما يُنكرُ على الإنسانِ الخطيبِ أو غيرِه في المتكلِّمين أن يكونَ كلامُه كلُّه تسجيعًا أو أكثرُه، وأمَّا إذا كان السَّجعُ أقلَّ كلامِه فليس بمعيبٍ، بل هو مُستحسَنٌ محمودٌ، وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال في بعض جِراحاتِه: "هل أنتِ إلّا إصبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لَقِيتِ؟ " (٣). وقال النبيُّ ﷺ : "أنا النبيُّ لا كذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المطَّلب" (٤).

стр. 2501

وقال ﷺ : "اللَّهمَّ لا عيشَ إلّا عيشُ الآخِره، فاغفرْ للأنصارِ والمهاجره" (١). ومثلُ هذا كثير عنه وعن أصحابِه ﵃. وهذا دليلٌ على أنَّ السَّجعَ كلامٌ، فحَسَنُه حسَنٌ، وقبيحُه قبيح، وكذلك الشِّعرُ؛ كلامٌ منظومٌ، فالحسَنُ منه حسَنٌ وحكمةٌ، والقبيحُ منه ومن المنثورِ غيرُ جائز النُّطقُ به، عصَمنا اللهُ برحمتِه. أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، عن جُنْدُب، قال: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في غارٍ، فنُكِبتْ إصبَعُه، فقال: "هل أنْتِ إلّا أصبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لقيتِ؟ " (٢). وقال ﷺ : "كتابُ الله أحق، وشَرْطُ الله أوْثَق، وإنَّما الولاءُ من أعتَق" (٣)، وقال ﷺ : "اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من علم لا ينفع، ودعاءٍ لا يُسمَع، وقلبٍ لا يخشَع،

стр. 2502

ونفسٍ لا تشبَع، أعوذُ بك يا ربِّ من شرِّ هذه الأربع" (١). وقال ﷺ : "اللَّهمَّ إني أعوذُ بك مِن الجوع، فإنَّهُ بئسَ الضَّجيع، وأعوذُ بك من الخيانة، فإنها بئسَت البِطانة" (٢). ومثلُ هذا كثيرٌ، وفيه دليلٌ على أنَّ حَسَنَ التَّسجيع حَسَنٌ، وقَبِيحَه قبيحٌ، كما النثرُ والنظمُ وسائرُ الكلام. وأمَّا جنينُ الأمةِ، فاختلافُ العلماءِ فيه لا يُشبِهُ اختلافَهم في جنينِ الحُرَّةِ؛ فأمَّا مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعيُّ، ومن قال بقولهم، فقالوا في جنينِ الأمَةِ: إن وقَع ميِّتًا مِن ضربةِ الضارِبِ لأُمِّه، ففيه عُشرُ قيمةِ أُمِّه، ذكرًا كان الجنينُ أو أُنثى (٣). وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: إن كان جنينُ الأمَةِ غلامًا، ففيه نصفُ عُشرِ قيمةِ نفسِه، لا قيمةِ أمِّه، فإن كانت أُنثى فعُشرُ قيمتِها نفسِها (٤) لو

стр. 2503

كانت حيَّةً أو كان حيًّا (١). وقال داودُ: لا شيءَ في جنينِ الأمةِ (٢). وللتابعين في ذلك أقاويلُ مُتقاربةٌ، سأذكُرُها إن شاء الله في غيرِ هذا الكتابِ، وبالله التوفيق (٣). [آخر المجلد الرابع من هذه النسخة المحققة، نسأل الله جل شأنه أن يُيَسّر لنا إتمامه] (٤).

стр. 2504

فصل حديثٌ أولُ لابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّبِ وأبي سَلَمَة (١) مُسندٌ مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّهما أخبَراه عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنه مَن وافَق تأمينُه تأمينَ اللائكةِ غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه". قال ابنُ شهابٍ: وكان رسولُ الله ﷺ يقول: "آمين". لا خلافَ بينَ الرواة لـ "الموطّأ" في إسناد هذا الحديث ومتنِه فيما علِمتُ (٣)، وكلُّهم يجعلُ قولَه: وكان رسولُ الله - ص ل ى الله عليه وسلم - يقول: "آمين" من كلام ابنِ شهابٍ، وقد رواه حفصُ بنُ عمرَ العَدنيُّ (٤) عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "آمين". ولم يُتابَعْ حفصٌ على هذا اللفظ بهذا الإسناد (٥).

стр. 2505

وروَى إسحاقُ بنُ سليمانَ (١)، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا قال الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنه مَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكة، غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه" (٢). ولم يُتابَعْ على هذا اللفظ أيضًا في هذا الإسناد، وإنما هذا لفظُ حديثِ سميٍّ، وسيأتي في بابه إن شاء الله (٣). ورواه القُداميُّ (٤)، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، ولم يذكُرْ أبا سلمةَ. ورواه جُوَيْرِيَةُ (٥)، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، ولم يذكُرْ سعيدًا. والصوابُ ما في "الموطّأ" عن سعيدٍ وأبي سلمةَ جميعًا، عن أبي هريرة (٦). وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: قراءةُ "أمِّ القرآن" في الصلاة، ومعناه عندَنا في كلِّ ركعةٍ (٧)، لدلائلَ سنذكرُها في بابِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، من كتابنا هذا، عندَ قولِه ﷺ : "كلُّ صلاةٍ لا يُقرأُ فيها بـ: "أمِّ القرآن "فهي خداجٌ" (٨) إن شاء الله. وإنما قلنا: إنّ فيه دليلًا على قراءة "فاتحة الكتاب" لقوله ﷺ : "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا". ومعلومٌ أن التأمينَ هو قولُ الإنسان: آمينَ عندَ دُعائِه، أو دعاءِ

стр. 2506

غيرِه إذا سمِعه. ومعنَى "آمين" عندَ العلماءِ: اللهمَّ استجبْ لنا دُعاءَنا. وهو خارجٌ على قولِ القارئ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فهذا هو الدعاءُ الذي يقعُ عليه التأمينُ، ألا ترى إلى قولِه ﷺ في حديثِ سميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "إذا قال الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين" (١)؟ فكأن القارئ يقول: اللهمَّ اهدِنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعَمتَ عليهم، غير المغضوبِ عليهم ولا الضالين، اللهمَّ آمين. وهذا بيِّنٌ واضحٌ، يُغني عن الإكثار فيه. وقد أجمَع العلماءُ على أنْ لا تأمينَ في شيءٍ من قراءةِ الصلاةِ إلّا عندَ خاتمةِ "فاتحة الكتاب"، ولم يختلفوا في معنى ما ذكَرنا فنحتاج فيه إلى القول، ولما كان قولُ الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] دليلًا على أنّه لا بدَّ من الأذانِ يومَ الجمعة، وإن كان ذلك خبرًا، فكذلك قولُه ﷺ : "إذا أمَّن الإمامُ" - يعني عند قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ - "فأمِّنوا"، دليلٌ على أنّه لا بدَّ من قراءةِ فاتحةِ الكتاب في كلِّ صلاةٍ. وفي هذا معَ قولِه ﷺ : "لا صلاةَ لمَن لا يقرأْ بفاتحةِ الكتاب" (٢) دليلٌ على فسادِ قولِ مَن قال: إن الصلاةَ تجزئُ بغيرِها (٣). وسنذكرُ الاختلافَ في هذه المسألة، ونأتي بالحُجةِ لاختيارِنا من ذلك في كتابِنا هذا، عندَ ذكرِ حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ إن شاء الله (٤). وقد قيل: إن معنى "آمين": أشهدُ لله، وقيل: بل معناها: كذلك فعَل اللهُ.

стр. 2507

وفي "آمين" لغتان، المدُّ والقصرُ، مثل: أوَّهُ وآوَّه. قال الشاعر (١)، فمدَّ: * ويرحمُ اللهُ عبدًا قال آمينا * وقال آخرُ (٢)، فقصر: تباعَد منِّي فُطْحُلٌ إذ دعوتُهُ ... أمينَ، فزاد اللهُ ما بينَنا بُعدا وفي هذا الحديثِ أيضًا أن الإمامَ يقولُ: آمينَ، لقولِ رسولِ الله ﷺ : "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا". ومعلومٌ أن تأمينَ المأموم قولُه: آمينَ. فكذلك يجبُ أن يكونَ قولُ الإمام سواءً، لأن رسولَ الله ﷺ قد سوَّى بينَهما في اللفظ، ولم يقلْ: إذا دعا الإمامُ فأمِّنوا. وهذا موضعٌ اختلَف فيه العلماءُ، فروَى ابنُ القاسم عن مالكٍ، أن الإمامَ لا يقولُ: آمينَ، وإنما يقولُ ذلك مَن خلفَه دونَه، وهو قولُ ابنِ القاسم والمصريين من أصحابِ مالكٍ (٣)، وحجتُهم ظاهرُ حديثِ سميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا قال الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين". وسيأتي القولُ في حديث سُمَيٍّ في بابه من هذا الكتاب إن شاء اللهُ (٤)، ومثلُ حديثِ سُمَيٍّ حديث أبي موسى الأشعريِّ (٥)، قالوا: ففي هذا الحديث دليلٌ على أن الإمامَ يقتصرُ على قراءة: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾

стр. 2508

ولا يزيدُ على ذلك، وإنما المأمومُ يؤمِّنُ، قالوا: وكما يجوزُ أن يسمَّى التأمينُ دعاء في اللغة، فكذلك يسمَّى الدعاءُ تأمينًا. واحتجُّوا بقولِ الله : ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩] لموسَى وهارونَ، ولا يختلفُ المفسِّرون أن موسَى كان يدعو، وهارونَ يؤمِّنُ، فقال اللهُ : ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. وحدَّثنا (١) عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ الخشنيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بكيرٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرَّازيُّ، عن الربيع بنِ أنسٍ، قال: قلتُ لأبي العالية: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ قال: إنما دعا موسى وأمَّن هارونُ، فمن ثَمَّ قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٢). قال أبو عُمر: ما قالوه من هذا كلِّه فليس فيه حجةٌ، فليس في شيءٍ من اللغات أن الدعاءَ يُسمَّى تأمينًا، ولو صحَّ لهم ما ادعوه وسلِم لهم ما تأوَّلوه، لم يكنْ فيه إلّا أن التأمينَ يُسمَّى دعاءً، وأما أن الدعاءَ يقالُ له: تأمينٌ فلا، وإنما قال اللهُ : ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ولم يقل: قد أُجيب تأمينُكما. فمَن قال: إنَّ الدعاءَ تأمينٌ، فمُغفَّلٌ لا رويَّةَ له، على أن قولَه : ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ إنّما قيل لأن الدعوةَ كانت لهما، وكان نفعُها عائدًا عليهما بالانتقام من أعدائهما؛ فلذلك قيل: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، ولم يقل: دعوتاكما. ولو كان التأمينُ دعاءً لقال: قد أُجيبتْ دعوتاكما. وجائز أن يُسمَّى المؤمِّنُ داعيا؛ لأن المعنى في آمين: اللهُمَّ استجبْ لنا، على ما قدَّمنا ذكرَه، وهذا دعاءٌ، وغيرُ جائزٍ أن يُسمَّى الدعاءُ تأمينًا، واللهُ أعلمُ.

стр. 2509

ومعلومٌ أن قولَه ﷺ : "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا" لم يُرِدْ به: فادعوا مثلَ دعاءِ الإمام: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة. وهذا ما لا يُختلَفُ فيه، وإنما أراد من المأموم قولَ: آمينَ لا غيرُ، وهذا إجماعٌ من العلماء، فكذلك أراد من الإمام قولَ: آمينَ. لا الدعاءَ بالتلاوة؛ لأنَّه قد سوَّى بينهما في لفظِه ﷺ بقوله: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا". فالتأمينُ من الإمام كهو من المأموم سواءً، وهو قولُ: آمينَ. هذا ما يُوجِبُه ظاهرُ الحديث، فكيف وقد ثبَت عن النبي ﷺ أنه كان يقولُ: "آمين" إذا فرَغ من قراءة فاتحة الكتاب (١)؛ وهذا نصٌّ يرفعُ الإشكالَ ويقطعُ الخلافَ، وهو قولُ جمهورِ علماءِ المسلمين. وممَّن قال ذلك مالكٌ في روايةِ المدنيِّين عنه (٢)، منهم: عبدُ الملك بنِ الماجِشون، ومطرِّفُ بنُ عبدِ الله، وأبو المصعبِ الزهريُّ، وعبدُ الله بنُ نافع، وهو قولُهم؛ قالوا: يقولُ: آمين. الإمامُ ومَن خلفَه. وهو قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ وأصحابِهما، والثوريِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ، وابنِ المبارك، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ، وأبي عبيدٍ، وأبي ثورٍ، وداودَ، والطبريِّ، وجماعةِ أهلِ الأثر (٣)؛ لصحتِه عن رسولِ الله ﷺ من حديثِ أبي هريرةَ، ووائلِ بن حُجرٍ. وقال الكوفيون وبعضُ المدنيين: لا يجهرُ بها، وهو قولُ الطبريِّ. وقال الشافعيُّ وأصحابُه، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وأهلُ الحديث: يجهرُ بها (٤). حدّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدّثنا

стр. 2510

أبو داودَ، قال (١): حدّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدّثنا صفوانُ بنُ عيسى، عن بشرِ بنِ رافعٍ، عن أبي عبدِ الله ابن عمِّ أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا تلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" حتى يَسمعَ مَن يليه من الصفِّ الأول. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الأُشنانيُّ. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ (٢)، قالا: حدّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدّثنا أبو زكريا يحيَى بنُ محمدٍ بنُ عَمروسٍ المعدَّلُ، قالا جميعًا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، ابنُ زِبرِيقَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ الحارث، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن سالم الأشعريُّ، قال: حدَّثنا الزبَيديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم الزهريُّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا فرَغ من قراءة أمِّ القرآن رفَع صوتَه وقال: "آمينَ" (٣). وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن حُجرِ بنِ العَنْبَس الحضرميِّ، عن وائلِ بنِ حُجْرٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" ورفَع بها صوتَه.

стр. 2511

ورواه يحيى القطان (١)، ووكيعٌ (٢)، وابنُ مهديٍّ (٣)، عن الثوريِّ بإسنادِه، مثلَه سواءً. ورواه أبو إسحاقَ، عن عبد الجبارِ بن وائلِ بن حُجرٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٤) وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصم الأحولِ، عن أبي عثمانَ، أن بلالًا قال: يا رسولَ الله، لا تَسبقني بآمين (٥). وذكره أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا إسحاقُ بنُ راهُوْيَة، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ، عن عاصم، عن أبي عثمانَ، عن بلالٍ، مثلَه.

стр. 2512

وذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: أكان ابنُ الزبير يقولُ: آمين ومَن خلفَه حتى أنّ للمسجدِ لَلَجَّةً؟ قال: نعم. (٢) وذكر سُنَيدٌ (٣)، عن حَجّاح، عن ابن جُريج، قال: قال لي عطاءٌ: كنتُ أسمعُ الأئمة يقولون على إثر أمِّ القرآن: آمين، هم أنفسُهم ومَن وراءَهم، حتى إنّ للمسجدِ ضجةً. قال ابنُ جُريج: قلتُ له: فكان عبدُ الله بنُ الزبيرِ يؤمِّنُ على إثر أمِّ القرآن؟ قال: نعم، ومَن وراءَه، حتى إنّ للمسجدِ ضجةً. وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يُغلِّظُ على مَن كرِه الجهرَ بها، وقال: قال النبيُّ ﷺ : "ما حسَدَنا اليهودُ على شيءٍ ما حسَدونا على آمين" (٤). وأما قولُه في هذا الحديث: "مَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه". ففيه أقوالٌ؛ منها، أنّه يحتملُ أن يكونَ أراد: فمَن أخلَص في قوله: آمين،

стр. 2513

بنيةٍ صادقةٍ، وقلبٍ صافٍ، ليس بساهٍ ولا لاهٍ، فيوافقُ الملائكةَ الذين في السماءِ الذين يستغفرون لمَن في الأرض، ويدعون لهم بنياتٍ صادقةٍ، ليس عن قلوبٍ لاهيةٍ - غُفِر له إذا أخلصَ في دعائِه. واحتجُّوا بقولِ رسولِ الله ﷺ : "إذا دعا أحدُكم فليَجتهدْ وليُخلصْ؛ فإن اللهَ لا يقبلُ الدعاءَ من قلبٍ لاهٍ" (١). وقال ﷺ "اجتهِدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم" (٢). فكأنه أراد بقوله ﷺ : "فمَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكة": الذين يُخلصونَ في الدعاء، "غُفِر له". وهذا تأويلٌ عندي (٣) فيه بُعدٌ. وقال آخرون: إنما أراد رسولُ الله ﷺ بقوله: "فمَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكة": الحثَّ على الدعاءِ للمؤمنين والمؤمنات في الصلاة، فإن الملائكةَ تستغفرُ للمؤمنين في الأرض، فمَن دعا في صلاتِه للمؤمنين غُفِر له؛ لأنّه يكونُ دعاؤُه حينئذٍ موافقًا لدعاءِ الملائكةِ المستغفرين لمَن في الأرض من المؤمنين، وفي قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ للداعي وأهلِ دينِه إن شاء الله، والتأمينُ على ذلك، فلذلك نُدِب إليه. والله أعلم. وقال آخرون: إن الملائكةَ من الحَفَظةِ الكاتبين، والملائكةَ المتعاقبين لشهودِ الصلاةِ مع المؤمنين - يؤمِّنون عندَ قول القارئ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فمَن فعَل مثلَ فعلِهم وأمَّن، غُفِر له، يحضُّهم بذلك على التأمين، قال اللهُ : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]. وقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 2514

"يتعاقبُ فيكم ملائكةٌ بالليلِ وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجر" الحديثَ (١). فإن قيل: حديثُ مالكٍ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "إذا قال أحدُكم: آمينَ، فقالت الملائكةُ في السماء: آمينَ، فوافقتْ إحداهما الأخرى، غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه" (٢). وهذا دليلٌ على أنه لم يُردِ الملائكةَ الحافظين، ولا المتعاقبين؛ لأنهم حاضرون معهم في الأرض لا في السماء. قيل له: لسنا نعرِفُ موقفَ الملائكة منهم، ولا نُكيِّفُ ذلك، وجائز أن يكونوا فوقَهم وعليهم وعلى رءوسِهم، فإذا كان كذلك، فكلُّ ما عَلاك فهو سماءٌ، وقد تُسمِّي العربُ المطرَ سماءً؛ لأنَّه ينزلُ من علٍ، وتُسمِّي الربيعَ أيضًا سماءً؛ لأنّه تولَّد من مطرِ السماء، وتُسمِّي الشيءَ باسم الشيءِ إذا كان مجاورًا له، أو كان منه بسبب. قال الشاعر (٣): إذا نَزَل السماءُ بأرض قومٍ ... رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضَابا فسمَّى الماءَ النازلَ من السماءِ والربيعَ المتولِّدَ منه: سماءً (٤)، فاللهُ أعلمُ بما أراد رسولُ الله ﷺ بقوله: "في السماء". إن كان قاله؛ فان أخبارَ الآحادِ لا يُقطعُ عليها، وكذلك هو العالمُ لا شريكَ له بمعنى قوله حقيقةً: "فمَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه".

стр. 2515

ولا يدفعُ أن يكونَ الذين يُؤمِّنون ملائكةَ السماء، فقد روَى ابنُ جُريج، عن الحكم بنِ أبان، أنّه سَمِعَ عكرمةَ يقول: إذا أُقيمتِ الصلاةُ فصَفَّ أهلُ الأرض، صفَّ أهلُ السماء، فإذا قال أهلُ الأرض: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قالت الملائكة: آمين. فإذا وافَقتْ آمينَ أهلِ الأرضِ آمينَ أهلِ السماء، غُفِر لأهلِ الأرضِ ما تقدَّم من ذنوبِهم (١). وكلُّ ما ذكرنا قد قيل فيما وصَفنا، وفيما قالوه من ذلك نظرٌ. وبالله عِصمتُنا وتوفيقُنا. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أن أعمالَ البرِّ تُغفَرُ بها الذنوبُ، وفي قولِ الله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] كفايةٌ، وقد مضَى القولُ في هذا المعنَى مُستوعَبًا في باب زيدِ بن أسلمَ (٢) من كتابِنا هذا، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا.

стр. 2516

حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن سعيد وأبي سَلَمة متّصلٌ مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ وأبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "جَرحُ العَجْماءِ جُبَارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". قال مالكٌ: وتفسيرُ الجُبَارِ أنّه لا دِيَةَ فيه. قال أبو عُمر: لا يَختلِفونَ أنَّ الجُبَارَ: الهَدْرُ الذي لا أرْشَ فيه ولا دِيَةَ، على ما قال مالكٌ ﵀. قال الشاعر (٢): وكم مَلِكٍ نزَعنا المُلْكَ عنهُ ... وجَبَّارٍ بها دَمُه جُبَارُ هكذا روَى هذا الحديثَ جمهورُ الرُّواة عن مالكٍ كما رواه يحيى (٣). ورواه القَعْنَبيُّ (٤)، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، لم يذكُرْ أبا سلَمةَ. هكذا ذكَرَه إسماعيلُ القاضي عن القَعْنَبيِّ (٥). وهو عندَنا في "الموطّأ" للقَعْنبيِّ من رواية عليِّ بنِ عبدِ العزيز (٦) وغيرِه عن القَعْنَبيِّ: مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ جميعًا، عن أبي هريرةَ

стр. 2517

مُسنَدًا، كما رَواه يحيى وغيرُه في "الموطّأ". هكذا ذكَره القَعنبيُّ في كتاب الدِّيَاتِ من "الموطّأ". وذكَرَه في كتابِ الزكاة، فقال فيه: مالكٌ، أنّه بلَغه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "في الرِّكازِ الخُمُسُ". هكذا ذكَره القَعنبيُّ في كتاب الزكاة، اختصَر إسنادَه ولفظَه. وذكَره يحيى (١) في كتابِ الزكاةِ مختَصِرًا للَّفظِ، وجاء بإسنادِه كاملًا، فقال: عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". وأمّا ابنُ القاسم في رواية سُحنونٍ (٢)، فرواه عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابن المُسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، مُرْسلًا هكذا. وأمّا اختلافُ أصحابِ ابنِ شهابِ في إسنادِ هذا الحديث، فرواه ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . لم يذكُرْ أبا سلَمةَ. هكذا حدَّث بهِ عنه ابنُ أبي شيبةَ (٣) وغيرُه (٤). ورواه الليثُ (٥) كما رواه مالكٌ سواءً، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "العَجْماءُ جَرْحُها جُبَار"، الحديثَ بتمامِه سواءً.

стр. 2518

وكذلك رَواه معمرٌ وابنُ جريج. ذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن معمرٍ وابن جُريج، عن الزهريِّ، عن ابنِ المُسيِّب وأبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "العَجَماءُ جُبَارٌ، والبئرُ جَرْحُها جُبَارٌ، والمعدِنُ جَرْحُه جُبَار، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". والعَجْماءُ عندَ العرب: كُلُّ بَهِيمَةٍ وسَبُعٍ وحَيَوانٍ غيرِ ناطقٍ مُفْصِح (٢). قال الشاعِرُ (٣) يَصفُ كلبًا: يكادُ إذا ما أبصَرَ الضيفَ مُقبِلًا ... يُكَلِّمُه من حُبِّه وهْوَ أعْجَمُ وقال حميدُ بنُ ثَوْرٍ يصفُ حمامةَ: ولم أرَ مَحزُونًا له مثلُ صَوتِها ... ولا عَرَبِيًّا شاقَه صَوْتُ أعْجَما قال ابنُ جُريج: والجُبَارُ في كلام أهلِ تِهامةَ: الهَدْرُ، والرِّكازُ: ما وُجِد في مَعْدِنٍ وما استُخْرِج منه، وما وُجِدَ من مالٍ مَدْفُونٍ كان قبلَ هذه الأُمَّة. وقال ابنُ جُريج: وأقول: هو مَغنَمٌ. وقال أهلُ اللغة: الجُبَارُ: الهَدْرُ الذي لا يَجِبُ فيه شيءٌ، وجَرحُ العَجْماءِ: جِنايَتُها. وأجمَعَ العلماءُ على أنَّ العَجْماءَ إذا جَنَت جِنايَةً نهارًا، أو جرَحَت جَرْحًا لم يكنْ لأحَدٍ فيه سَبَبٌ، أنّه هَدْرٌ، لا دَيَةَ فيه على أحَدٍ ولا أَرْشَ (٤). واختَلَفوا في المواشي يُهمِلُها صاحبُها ولا يُمسِكُها ليلًا، فتخرُجُ فتُفسِدُ زرعًا أو كَرْمًا أو غيرَ ذلك من ثمارِ الحوائطِ والأجِنَّةِ وخُضَرِها. وسنذكُرُ اختلافَهم في ذلك، ونُوضحُ

стр. 2519

القولَ فيه عندَ ذِكْرِ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن حرامِ بنِ سعدِ بنِ مُحَيِّصَةَ، من كتابنا هذا (١) إن شاء الله. ولا خلافَ بينَهم أنَّ ما أفسَدتِ المواشي وجنَت نهارًا من غير سببِ آدميٍّ، أنّه هَدْرٌ، من الزُّروع وغيرها، إلّا ما رُوِي عن مالكٍ وبعض أصحابِه في الدَّابةِ الضَّاريةِ المُعتادَةِ الفسادَ (٢)، على ما سنذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى في بابِ ابنِ شهاب عن حرامِ بن مُحَيِّصَةَ. وأمّا السّائقُ للدَّابةِ أو راكبُها أو قائدُها، فإنَّهم عندَ جمهورِ العلماءِ من الصحابةِ والتابعينَ ومَن بعدَهم مِن الخالفين، ضامِنون لما جَنَتِ الدّابّةُ من أجلِهم وبسَببِهم (٣). وقال داودُ، وأهلُ الظاهر (٤): لا ضمانَ في جَرْحِ العَجماءِ على أحدٍ على أيِّ حالٍ كان، برجْلٍ أو بمُقَدَّم؛ لأن رسولَ الله ﷺ جعَل جُرْحَها جُبَارًا، ولم يَخُصَّ حالًا من حالٍ. قالوا: فلا ضمانَ على أحَدٍ بسببِ جِنايةِ عَجْماءَ، إلّا أن يكونَ حمَلَها على ذلك وأرسَلَها عليه، فتكونَ حينَئذٍ كالآلة، فيضمَنَ بجنايَةِ نفسِه وقَصدِه إلى إفسادِ مالِ غيرِه والجنايةِ عليه. قالوا: وكذلك إذا تعَدَّى في إرسالِها، أو ربطَها في موضع لا يجبُ له ربطُها فيه، وأمّا مَن لم يَقصِدْ إلى ذلك، فلا يضمَنُ جِنايةَ دابّةٍ وإن كان سببَ ذلك، إذا فعَلَ من رُكُوبها وسياقَتِها وقيادَتِها وإرسالِها ما له فِعلُه، فلا يَضمَنُ إلّا الفاعِلُ القاصدُ، إلّا أن يُجمِعوا على غيرِه في موضع ما، فيجِبُ التسليمُ لإجماعِهم في ذلك الموضِع خاصّةً.

стр. 2520

قال أبو عُمر: لا خِلافَ عَلِمتُه أنَّ ما جَنَت يَدُ الإنسان خطأً، أنّه يَضمَنُه في مالِه، فإن كان دمًا، فعلى عاقِلَتِه (١)، تَسليمًا للسنةِ المجتَمَع عليها. وقد رُوِي عن جماعةٍ من الصحابةِ والتابعينَ ضَمانُ السّائقِ والرَّاكِبِ والقائد (٢)، على الأصل الذي قدَّمْنا، فافْهَمْه. وجاء عن عمرَ بنِ الخطاب أنّه ضَمَّنَ الذي أجْرَى فرَسَه عقلَ ما أصاب الفَرَسُ (٣). وذكَر ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني يونسُ وابنُ أبي ذئبٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنّه سُئل عن رجلٍ قاد بَدَنةً فأصابَت طيرًا فقتَلَته، فقال: إن كان يقودُها أو يَسوقُها حتى أصابَتِ الطيرَ، فقد وجَب عليه جزاءُ ما قتَلَت، وإن لم يكنْ يقودُها ولا يسوقُها، فليس يجبُ عليه جزاءُ ما أصابَت. وقال ابنُ سيرين: كانوا لا يُضَمِّنونَ مِن النَّفْحَة، ويُضَمِّنُون من رَدِّ العِنانِ (٤). وقال حمّادٌ لا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ (٥) إلّا أنْ يَنْخُسَ الإنسانُ الدّابَّة. وعن شُرَيْح مثلُه (٦). وقال حمّادٌ أيضًا: إذا ساق المُكارِي حمارًا عليه امرأةٌ، فتَخِرُّ: فلا شيءَ عليه (٧). وقال الشعبيُّ: إذا ساق الدابَّةَ فأتعَبَها، فهو ضامِنٌ لما أصابَت، وإن كان خَلَفَها مترسِّلًا (٨)، لم يَضمَنْ.

стр. 2521

وذكَرَ إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا الهَرَويُّ، عن هُشَيم، قال: حدَّثنا أشعثُ، عن ابن سيرينَ، عن شريح، أنّه كان يُضَمِّنُ الفارِسَ ما أوْطَأت دابَّتُه بيدٍ أو رِجْلٍ، ويُبْرِئُ من النَّفْحَة (١). قال إسماعيلُ: وقاله الحسنُ، والنخَعيُّ؛ وذلك لأنَّ الراكِبَ كان سبَبَه (٢). وقال مالكٌ: إنْ فَزَّعها الراكبُ أو عَنَّتها، ضَمِن ما أصابَت برجلِها، وإن لم يُفَزِّعْها، ولم يُعَنِّتْها، لم يَضمَنْ ما أصابَت برجْلِها، ويَضمَنُ ما أصابَت بمُقَدَّمِها على كلِّ حالٍ (٣). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه في نَفْحَةِ الدَّابةِ برِجْلِها: إذا كان صاحِبُها يسيرُ عليها فالضمانُ عليه (٤). وقد رُوِيَ عن شريح أنّه أبطَلَ النَّفْحَةَ بالرِّجْل (٥). قال الطحاويُّ: لا يُمكِنُه التحفُّظُ من الرِّجْلِ والذَّنَب، فهو جُبَارٌ على كلِّ حالٍ، ويُمكِنُه التحَفُّظُ من اليَدِ والفَم، فعليه ضمانُه (٦). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا ضمانَ على أصحابِ البهائمِ فيما تُفسِدُ وتَجني عليه، لا في الليل ولا في النهار، إلّا أن يكونَ راكبًا، أو سائقًا، أو قائدًا، أو مرسِلًا (٧). وقال الشافعيُّ: الضَّمانُ عن البهائم على وجهَيْن؛ أحدُهما، ما أصابَت من الزرعِ بالليلِ فأفسَدَته. والوجهُ الثاني، إذا كان الرجلُ راكبًا، فما أصابَت بيَدِها، أو رِجلِها، أو فَمِها، أو ذَنَبِها، من نَفْسٍ أو جُرْح، فهو ضامِنٌ؛ لأنَّ عليه مَنْعَها

стр. 2522

في تلك الحال من كلِّ ما تُتْلِفُ به شيئًا (١). قال: وكذلك إذا كان سائقًا أو قائدًا، وكذلك الإبلُ المُقطَرَةُ بالبَعير؛ لأنّه قائِدُها. قال: ولا يجوزُ في هذا إلّا ضمانُ كلِّ ما أصابَت به الدابَّة تحتَ الرّاكِب، أولا يَضْمَنُ إلّا ما حمَلَها عليه؛ لا يصِحُّ إلّا أحَدُ هذين القولَين، فأمّا مَن ضَمَّن عن يَدِها، ولم يُضَمِّنْ عن رِجْلها، فهو تحَكُّم. قال: وأمّا ما رُوِي عن النبيِّ ﷺ من أنَّ الرِّجْلَ جُبَارٌ، فهذا خطأٌ؛ لأنَّ الحُفَّاظَ لم يحْفَظوه هكذا (٢). قال: ولو أوقَفَها في مَوْضع ليس له أن يُوقِفَها فيه، ضَمِن، ولو أوقَفَها في مِلكِه لم يَضمَنْ. قال: ولو جعَل في دارِه كلبًا عَقورًا أو حِبَالةً (٣)، فدخَل إنسانٌ فقتَلَه الكلبُ، لم يكنْ عليه شيءٌ. قال المزنيُّ: سواءٌ عندي أَذِن لذلك الإنسانِ أن يدخُلَ الدَّارَ أو لم يأذَنْ (٤). وقال ابنُ شُبرُمة، وابنُ أبي ليلَى (٥): يَضمَنُ ما أتلَفتِ الدّابَّةُ برِجْلِها إذا كان عليها، أو قادَها، أو ساقَها، كما يَضمَنُ ما أتلَفت وهو عليها بغير رِجْلِها. كقولِ الشافعيِّ سواءً. وقال الأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ (٦) في هذا الباب كلِّه كقول مالك: لا يَضمَنُ ما أصابَتِ الدّابَّةُ برجْلِها من غيِر صُنْعِه، ويَضمَنُ ما أصابَت بيَدِها ومُقدَّمِها إذا كان راكبًا عليها، أو سائقًا لها، أو قائدًا. قال أبو عُمر: مَن فرَّق بين الرِّجْلِ والمُقَدَّمِ في راكبِ الدّابّةِ وسائِقِها وقائِدِها، فحُجَّتُه أنّه يمكِنُه التحَفُّظُ من جِنايَةِ فَمِها ويَدِها إذا كان راكِبًا عليها أو قائدًا لها، ولا يمكِنُه ذلك من رجْلِها. ومن حُجَّتِه أيضًا ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه

стр. 2523

قال: "الرِّجْلُ جُبَارٌ". وهذا لا يُثبِتُه أهلُ العلم بالحديث، وله إسنادان؛ أحدُهما: رواه الثوريُّ وغيرُه، عن أبي قَيْسٍ الأوْديِّ، عن هُزَيلِ بن شرَحبيل، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "البئرُ جُبَارٌ، والرِّجْلُ جُبَارٌ، والعَجْماءُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" (١). وهذا حديثٌ مُرْسَلٌ. هكذا رواه الثوريُّ وغيرُه، عن أبي قَيْسٍ هذا. ورواه زيادُ بنُ عبدِ الله البكَّائيُّ، عن الأعمش، عن أبي قَيْسٍ، عن هُزيلِ بنِ شرَحبيلٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (٢). فوصَلَه وأسنَده، وليس زيادٌ البكَّائيُّ ممَّن يُحتَجُّ به إذا خالَفَه مثلُ الثوريِّ، وأبو قيسٍ أيضًا ليس ممَّن يُحتَجُّ به في حُكْمٍ ينفرِدُ به. والإسنادُ الآخرُ، ما رواه سفيانُ بنُ حُسينٍ الواسطيُّ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الرِّجْلُ جُبَارٌ" (٣).

стр. 2524

وهذا حديثٌ لا يوجَدُ عندَ أحدٍ من أصحابِ الزهريِّ إلّا سفيانَ بنَ حسينٍ، وهو عندَهم فيما ينفرِدُ به لا تقومُ به حجةٌ. وقد روَى معمرٌ، عن همَّامِ بن منبهٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "النّارُ جُبَارٌ" (١). وقال يحيى بنُ معين: أصلُه: "البيرُ جُبَارٌ". ولكنَّه صحَّفه معمرٌ (٢). قال أبو عمرَ: في قولِ ابنِ معينٍ هذا نظرٌ، ولا يُسلَّمُ له حتى يتَّضِحَ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ الحدّادُ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ الحارثِ الواسطيُّ، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ عبد الواحد، قال: قال لنا ابنُ عُقبةَ بن عبدِ الغافر: أخبَرنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "النّارُ جُبَارٌ، والبئرُ جُبَار، والمعدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" (٤).

стр. 2525

وقد كان الشعبيُّ ﵀ يُفْتي بأن الرِّجْلَ جُبَارٌ. رواه أبو فَرْوةَ، والشيبانيُّ، عن الشعبيِّ (١). قال أبو عُمر: لا أعلم خلافًا عن مالك وأصحابه وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام أن من أوقف دابته في موضع ليس له أن يُوقِفَها فيه، ولا يجوزُ له ذلك؛ من طريق ضَيِّقٍ، أو غير ذلك ممّا ليس له أن يفعَلَه، فجَنَت جِنايةً، أنّه ضامِنُها، وإن أوْقَفها في موضِعٍ يعرفُ الناسُ مثلَه؛ تُوقَفُ فيه الدَّوابُّ، أو يُوقَفُ فيه مثلُ دابَّتِه (٢). قال ابنُ حبيبٍ: نحوَ دارِ نفسِه، أو بابِ المسجدِ، أو دارِ العالِم أو القاضي، أو ما أشبَهَ ذلك فلا ضَمانَ عليه فيما جَنَتْ، وكذلك إذا أرسَلها في موضعٍ ليس له أن يُرسِلَها فيه، ضَمِن ما جَنَتْ. وأمّا قولُه ﷺ في هذا الحديث: "والبِئرُ جُبَارٌ". فمعناه أنَّه لا ضمانَ على ربِّ البئرِ وحافِرِها إذا سقَط فيها إنسانٌ، أو دابّةٌ، أو غيرُ ذلك، فتَلِفَ وعَطِبَ، هذا إذا كان حافِرُ البئرِ قد حفَرها في موضعٍ يجوزُ له أن يحفِرَها فيه، مثلَ أن يَحفِرَها في فِنائِه، أو في مِلْكِه، أو في دارِه، أو في صَحراءَ للماشية، أو في طريقٍ واسعٍ مُحتَمِلٍ، ونحوِ ذلك. وهذا كلُّه قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وداودَ، وأصحابِهم، وقولُ الليثِ بنِ سعدٍ (٣). قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: للإنسانِ أن يحفِرَ في الطريقِ بئرًا يُحدِثُها للمطرِ، وله أن يَحفِرَ إلى جَنبِ حائطِه مِرْحاضًا، وله أن يُحدِثَ في دارِه ميزَابًا، ولا يَضمَنُ ما عَطِب بشيءٍ من ذلك. قال: وما حفَره

стр. 2526

في الطريقِ ممَّا لا يجوزُ له؛ لضيقِ الطريقِ، أو لغيرِ ذلك، ضَمِنَ ما عَطِبَ به. وقال ابنُ القاسم أيضًا عن مالك: إن حفَر في دارِه بئرًا لسارِقٍ يرصُدُه ليَقَعَ فيه، أو وضَع له حِبالاتٍ، أو شيئًا يَتْلَفُ به السَّارِقُ، فدخَلَ، فعَطِبَ، فهو ضامِنٌ (١). قال أبو عُمر: وجهُ قولِه هذا أنَّه لم يِحفِرِ البئرَ لمنفَعَتِه، وإنَّما حفَرها قاصِدًا ليَعْطَبَ بها غيرُه، فهو الجاني حينئذٍ، واللهُ أعلمُ. وأمّا الشافعيُّ، فلا ضمانَ عليه عندَه في هذا فيما علِمتُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: له أن يُحدِثَ في الطريق ما لا يَضُرُّ به. قالوا: وهو ضامِنٌ لما أصابَه (٢). قال أبو عُمر: قولُه ﷺ : "والبئرُ جُبَارٌ" يدفعُ الضَّمانَ عن رَبِّها في كلِّ ما سقَط فيها بغيرِ صَنيعِ آدَميٍّ. واللهُ أعلمُ. وأمّا قولُه ﷺ في هذا الحديث: "والمعدِنُ جُبَارٌ". فتأويلُه أنَّ المعادِنَ المطلوبَ فيها الذَّهبُ والفِضةُ تحتَ الأرض، إذا سقَطَ شيءٌ منها وانهار على أحَدٍ من العاملين فيها، فمات، أنَّه هدْرٌ لا دِيَةَ له في بيتِ المالِ ولا غيرِه، وكذلك مَن سقَطَ فيها فعَطِبَ بعدَ حَفرِها (٣). وأمّا قولُه ﷺ : "وفي الرِّكازِ الخمسُ"، فإنَّ العلماءَ اختلَفوا في الرِّكازِ وفي حُكمِه؛ فقال مالكٌ: الرِّكازُ في أرضِ العربِ للواجدِ، وفيه الخُمُسُ. قال: وما وُجِد من ذلك في أرضِ الصُّلْح، فإنَّه لأهلِ تلك البلاد، ولا شيءَ للواجدِ فيه. قال: وما وُجِد في أرضِ العَنْوَةِ، فهو للجماعةِ الذين افتتَحُوها، وليس من أصابَه

стр. 2527

دونَهم، ويُؤخَذُ خُمُسُه (١). قال ابنُ القاسم: كان مالكٌ يقولُ - في العُروض، والجَوْهَر، والحديد، والرَّصاص، ونحوِه، يُوجَدُ رِكازًا - إنَّ فيه الخُمُسَ. ثم رجَع، فقال: لا أرَى فيه شيئًا. ثم آخِرُ ما فارَقَناه عليه أن قال: فيه الخمُسُ (٢). وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كلُّ ما وجَدَه المسلمون في خِرَبِ الجاهليّةِ من أرضِ العربِ التي يَفتَتِحُها المسلمون؛ من أموالِ الجاهليّةِ، ظاهرةً أو مدفُونةً في الأرض، فهو الرِّكازُ، ويجرِي مجَرَى الغنائم، يكونُ من وجَدَه أربعةُ أخماسٍ، ويكونُ سبيلُ خُمُسِه سبيلَ خُمُسِ الغنائم، يَجتهِدُ فيه الإمامُ على ما يَرَاه من صَرفِه في الوجُوهِ التي ذكَر اللهُ من مَصالح المسلمين. قال: وإنَّما حُكِم للرِّكازِ بحُكم الغنيمةِ؛ لأنّه مالُ كافرٍ وجَدَه مسلمٌ، فأُنزِل منزلةَ من قاتَلَه وأخَذ مالَه؛ فإنَّ له أربعةَ أخماسِه. وقال الثوريُّ في الرِّكازِ يوجَدُ في الدار: إنَّه للواجِدِ دونَ صاحبِ الدّارِ، وفيه الخُمُسُ (٣). وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: الرِّكازُ من الذهبِ والفضةِ وغيرهما ممّا كان من دِفْنِ الجاهليّةِ، أو البَدْرَة، أو القطعَة، يكونُ تحتَ الأرض، فتوجَدُ بلا مُؤْنة، فهو ركازٌ (٤)، وفيه الخُمُسُ (٥). وقولُ الطبريِّ كقولهم سواءً. وقال أبو حنيفةَ ومحمد في الرِّكاز يوجَدُ في الدار: إنّه لصاحِبِ الدار دونَ الواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. وقال أبو يوسفَ: هو للواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. وإن وُجِد في فَلاةٍ، فهو للواجِدِ في قولهم جميعًا، وفيه الخُمُسُ. ولا فرقَ عندَهم بين أرضِ الصُّلح وأرضِ العَنْوَة، وسواءٌ عندَهم أرضُ العربِ وغيرُها،

стр. 2528

وجائزٌ عندَهم لواجِدِه أن يَحبِسَ الخُمُسَ لنفسِه إذا كان محتاجًا، وله أن يُعطِيَه للمساكين (١). قال أبو عُمر: وجهُ هذا عندي من قولهم: إنَّه أحَدُ المساكين، وإنَّه لا يُمكِنُ السلطانَ إن صرَفَه عليهم أن يَعُمَّهم به. وقال الشافعيُّ: الرِّكازُ: دِفْنُ الجاهلية؛ العُروضُ وغيرُها، وفيه الخُمُسُ، وسواءٌ وجَده في أرضِ عَنْوةٍ أو صُلح، بعدَ ألّا يكونَ في مِلْكِ أحدٍ، فإن وجَده في مِلكِ غيرِه، فهو له إن ادَّعاه، وفيه الخُمُسُ، وإن لم يَدَّعِه فهو للواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. قال: وإن أصابَ شيئًا من ذلك في أرضِ الحربِ أو منازلهم، فهو غَنيمَةٌ له وللجيش، وإنَّما يكونُ للواجِدِ ما لا يَملِكُه العَدُوُّ ممّا لا يوجَدُ إلّا في الفَيافي (٢). قال أبو عُمر: أصلُ الرِّكازِ في اللُّغة: ما ارتَكَز بالأرضِ من الذَّهبِ والفضَّة وسائرِ الجواهر (٣)، وهو عندَ الفقهاء أيضًا كذلك؛ لأنَّهم يقولون في النَّدْرة (٤) التي تُوجَدُ في المعدِن مُرْتَكِزَةً بالأرض، لا تُنالُ بعَمَلٍ ولا بسَعْي ولا نَصَب: ففيها الخُمُسُ؛ لأنّها رِكازٌ. ودَفْنُ الجاهليّةِ لأموالِهم عندَ جماعَةِ العلماء: رِكازٌ، لا يختلِفون فيه، إذا كان دَفنُه قبلَ الإسلام من الأمورِ العاديّة، وأمّا ما كان مِن ضربِ الإسلام، فحُكمُه عندَهم حكمُ اللُّقَطَة، لأنّه مِلْكُ مسلم، لا خِلافَ بينَهم في ذلك، فقِفْ على هذا الأصل (٥).

стр. 2529

وقد اسْتَدلَّ بعضُ أصحابِنا وغيرُهم من هذا الحديث بقوله ﷺ : "والمعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُس" على أنَّ الحُكْمَ في زكاةِ المعادِنِ غيرُ الحُكْمِ في الرِّكاز؛ لأنَّه ﷺ قد فصَلَ بينَ المعادِنِ والرِّكاز بالواو الفاصلة، ولو كان المعدِنُ والرِّكازُ حُكْمُهما سواءً لقال ﷺ : والمَعدِنُ جُبَارٌ، وفيه الخُمُسُ. فلمّا قال: "العَجماءُ جَرْحُها جُبَارٌ، والبئرُ جُبَارٌ، والمعدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ"، عُلِم أنَّ حُكمَ الرِّكازِ غيرُ حُكم المعدِنِ فيما وُجِد منه (١)، والله أعلمُ. وقد استدَلَّ قومٌ بما ذكَرنا، وفي ذلك عندي نَظَرٌ. وقد اختَلَف الفقهاءُ فيما يؤخَذُ من المعادن؛ فقال أبو حنيفة وأصحابُه: فيما خرَج من المعادنِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ والحديدِ والنُّحاسِ والرَّصاص الخُمُسُ (٢)، وما كان في المعدِنِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ بعدَ إخراج الخُمُسِ اعتَبر كلُّ واحدٍ فيما حصَل بيَدِه ما يجبُ فيه الزكاةُ، فزكَّاه لتمامِ الحولِ إن أتَى عليه - وهو نِصَابٌ عندَه - الحولُ، هذا إذا لم يكن معه ذهبٌ أو فضَّةٌ وجَبَت فيه الزكاةُ، وإن كان عندَه من ذلك ما تجِبُ فيه الزكاةُ، ضَمَّه إلى ذلك وزَكَّاه. وكذلك عندَهم كلُّ فائدَةٍ تُضَمُّ في الحولِ إلى النِّصابِ من جنسِها، وتُزَكَّى بحولِ الأصل، وهو قولُ الثوريِّ. قالوا: وكلُّ ما ارتَكَز بالأرضِ من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرهما من الجواهر، فهو رِكازٌ وفيه الخُمُسُ، في قليلِه وكثيرِه (٣)، على ظاهِرِ قوله ﷺ : "وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". وقال الأوزاعيُّ: في ذَهَبِ المعدِنِ وفِضَّتِه الخُمُسُ، ولا شيءَ - فيما يَخْرُجُ منه (٤) -

стр. 2530

غيرُهما (١). وقال مالكٌ وأصحابُه: لا شيءَ فيما يخرُجُ من المعادنِ من ذهبٍ أو فَضَّةٍ حتى يكونَ عشرين مثقالًا ذهبًا، أو خَمْسَ أواقيَّ فِضَّةً، وإذا بلَغَتا هذا المقدارَ وجَب فيهما الزكاةُ، وما زاد فبحسابِ ذلك، ما دام في المعدِنِ نَيْلٌ، فإن انقَطَع، ثم جاء بعدَ ذلك نَيْل آخَرُ، فإنَّه يُبتَدَأُ فيه مقدارُ (٢) الزكاة مكانَه. والمعدِنُ عندَهم بمنزلةِ الزرع تؤخَذُ منه الزكاةُ في حينِه، ولا يُنتَظَرُ به حولٌ. فإن انقطَع عمَلُه ولم يَكمُلْ فيما خرَج بذلك العملِ نِصابٌ، ثم ابتَدَأ العملَ، لم يَضُمَّ ما خرَج إلى ما حَصَل بالعمل الأوّل، كزَرع ابتُدِئَ حصادُه. قال: وإن وُجِد الذَّهبُ والفِضَّةُ في المعدِنِ من غير كبيرِ عملٍ؛ كالبَدْر وشِبهِها، فهو بمنزلةِ الرِّكاز، وفيه الخُمُسُ. قال مالكٌ: وما وُجِد في المعدِنِ بغيرِ عَمل، فهو رِكازٌ، فيه الخُمُسُ. وقد مضى ذِكرُ زكاةِ المعدِنِ خاصّة، في باب ربيعة. وهذا كلُّه تحصيلُ مذهبِ مالكٍ عندَ جماعة أصحابه (٣). وروى ابنُ سُحنونٍ، عن أبيه، عن ابن نافع، عن مالكٍ في النَّدْرة تخرُجُ من المعدِن، أنَّ فيها الزكاةَ، وإنَّما الخُمُسُ في الرِّكاز، وهو دِفْنُ الجاهليّة (٤). قال مالكٌ: ولا شيءَ فيما يخرُجُ من المعادِنِ من غير الذهبِ والفِضَّة والمعادِنِ في أرضِ العربِ والعجم (٥). وقال في المعدِنِ في أرضِ الصُّلْح: إذا ظهَر فيها فهو لأهلِها، ولهم أن يَمنَعوا الناسَ من العملِ فيها، وأن يأذَنُوا لهم، ولهم ما يُصالَحون عليه من خُمُس أو غيره. قال مالكٌ: وما فُتِح عَنْوَةً فهو إلى السلطان، يفعَلُ فيه

стр. 2531

ما يشاء (١). وقال سُحنونٌ في رجل له معادن: إنَّه لا يضُمُّ ما في واحدٍ منها إلى غيرها، ولا يُزَكِّي إلّا عن مئتي درهم أو عشرين دينارًا في كلِّ واحدٍ (٢). وقال محمدُ بنُ مسلمةَ: يَضُمُّ بعضَها إلى بعض، ويُزكِّي الجميعَ، كالزرع. وذكَر المزنيُّ، عن الشافعيِّ، قال: وأمّا الذي أنا واقفٌ فيه، فما يخرُجُ من المعادن (٣). قال المزنيُّ: الأولى به على أصلِه أن يكونَ ما يخرُجُ من المعدِنِ فائدَةً تُزكَّى لحولِه بعد إخراجِه. قال: وقال الشافعيُّ: ليس في شيءٍ أخرَجته المعادنُ زكاةٌ غيرَ الذهبِ والوَرِق (٤). وقال عنه الربيعُ في "البُوَيْطِيِّ": ومَن أصاب من مَعدِنٍ ذهبًا أو وَرِقًا، فقد قيل: هو كالفائدةِ يَستَقبِلُ بها الحولَ. وقيل: إذا بلَغ ما تجبُ فيه الزكاةُ زكَّاه مكانَه (٥). وقال الليثُ بنُ سعدٍ: ما يخرُجُ من المعادِنِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ، فهو بمنزِلَة الفائدةِ، يُستأنفُ به حولٌ، ولا تَجري فيه الزكاةُ إلّا مع مُرورِ الحول، وهو قولُ الشافعيِّ فيما حصَّلَه المزنيُّ من مذهبِه (٦)، وقولُ داودَ وأصحابه (٧). قال داودُ: وما خرَج من المعادِنِ فليس برِكازٍ، إنَّما الرِّكازُ دِفْنُ الجاهليّة، وفيه الخمُسُ لغيرِ الواجِدِ، وما يخرُجُ من المعادنِ فهو فائدةٌ، إذا حال عليها الحولُ عند مالكٍ صحيحِ المِلْك، وجَبَتْ فيها الزكاةُ في الفِضَّةِ والذَّهب على مِقدارَيْهما. وحُجَّةُ مالكٍ في إيجابِه الزكاةَ في المعادنِ حديثُ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن (٨)، أنَّ النبيَّ ﷺ أقطَعَ

стр. 2532

بلالَ بنَ الحارث المزنيَّ المعادنَ القَبَليَّة، فتلك المعادنُ لا يؤخَذُ منها إلى اليوم إلّا الزكاةُ. وهذا حديثٌ مُنقَطِعُ الإسنادِ لا يَحتَجُّ بمثلِه أهلُ الحديث، ولكنّه عملٌ يُعمَلُ به عندَهم في المدينة. واحتجَّ الشافعيُّ بحديثِ عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ أعطى قومًا من المُؤلَّفة قلوبُهم ذَهَبَةً في تُربتها، بعَثَها عليٌّ منَ اليمن. قال: والمُؤلَّفةُ إنَّما حقُّهم في الزكوات، فتبيَّن بهذا أنَّ المعادنَ سُنتُها سنةُ الزكاة (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن عبدِ الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدِ الخدريِّ، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ بعَث بذَهَبَةٍ في تُربتِها إلى رسولِ الله ﷺ ، فقسَمها بينَ أربعةِ نفَر؛ الأقرَع بن حابسٍ الحنظليِّ، وعيينةَ بنِ بَدْرٍ الفَزاريِّ، وعلقمةَ بنِ عُلاثةَ العامريِّ، ثم أحَدِ بني كلابٍ، وزيدٍ الطائيِّ أحَدِ بني نبهان (٢). وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عُمارةَ بنِ القَعْقاع، عن ابنِ أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: بعَث عليٌّ من اليمنِ إلى رسولِ الله ﷺ بذَهَبَةٍ في أديم مَقْرُوظٍ ولم تُحصَّلْ من تُربَتِها، فقسَمها رسولُ الله ﷺ بينَ

стр. 2533

أربعةِ نَفَرٍ، بينَ زيدِ الخير، والأقرع بن حابسٍ، وعيينةَ بنِ حِصْنٍ، وابنِ عُلاثةَ أو عامرِ بن الطُّفَيل (١). وذكرَ الحديث (٢). وقال الطَّحاويُّ (٣): قد أعطَى رسولُ الله ﷺ هؤلاء من غَنائِم حُنَيْنٍ؛ وهم المؤلفةُ. قال: وعَلَى أن عليًّا لم يكنْ على الصدقة؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ يستعمِلُ على الصدقةِ أحدًا من بني هاشِم. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ، قال: سمِعناه من داودَ بنِ

стр. 2534

شابُورَ ويعقوبَ بنِ عطاءٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرٍو، قال: قال رسولُ الله ﷺ في كنزٍ وجَدَه رجلٌ -: "إن كنتَ وجَدْته في قريةٍ مسكونةٍ، أو في سبيلٍ مِيتاءٍ (١)، فعَرِّفْه، وإن كُنتَ وجَدْته في قريةٍ جاهليةٍ، أو في قريةٍ غيرِ مسكونةٍ، أو في غيرِ سبيلِ مِيتاءٍ، ففيه وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنِ أنس (٢)، عن ابن شِهاب، عن سعيد بن المُسيِّب وأبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "في الركاز الخُمُس".

стр. 2535

حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن سعيد وأبي سَلَمة مرسَلٌ يتّصلُ من وجوهٍ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ بينَهم، فلا شُفْعَةَ فيه. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ أكثرُ الرواة لـ"الموطّأ" (٢) وغيرِه مرسلًا، إلّا عبدَ الملكِ بنَ عبدِ العزيز الماجِشون، وأبا عاصم النبيلَ، ويحيى بنَ إبراهيمَ بن داودَ بن أبي قُتَيْلَة المدنيَّ (٣)، وأبا يوسفَ القاضيَ، وسعيدًا الزنْبريَّ، فإنَّهم روَوه عن مالكٍ بهذا الإسنادِ متصلًا عن أبي هريرة مسندًا. واختُلِف فيه عن ابنِ وَهْبٍ، عن مالكٍ؛ فرُوِي عنه مرسلًا (٤) كما في "الموطّأ"، ورُوِي عنه مسندًا

стр. 2536

كروايَةِ ابنِ الماجشونِ ومن تابَعَه. وكذلك اختُلِف فيه عن مُطَرِّفٍ، عن مالكٍ سواءً. ورواه عبدُ الله بنُ محمدِ بن ربيعةَ القُدَاميُّ (١)، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة. ولم يذكُرْ أبا سلمةَ، والقُدَاميُّ ضعيفٌ منكرُ الحديث. فأمّا روايةُ ابنِ الماجِشون لهذا الحديث، فأخبرنا خلفُ بنُ قاسم الحافظ وأحمدُ بنُ فَتْح، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَن بن عُتبةَ الرازيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ أصبغَ بن مُلَيْح المراديُّ، قال: حدَّثنا أبو الربيع سليمانُ بنُ داودَ بن حمادٍ المَهرِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز الماجِشون، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى بالشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ. زاد ابنُ قاسم: فيه (٢). وذكَره أبو الحسنِ عليُّ بنُ عمرَ الحافظ (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ النيسابوريُّ (٤)، قال: حدَّثنا سعدُ بنُ عبد الله بنِ الحكم وإسماعيلُ بنُ إسحاقَ بن سهل. قال عليٌّ:

стр. 2537

وحدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورِ بن راشدٍ المَرْوَزِيُّ. قال عليٌّ: وحدَّثنا أبو عليٍّ إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ المَهْريُّ، قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ بنُ داودَ ابنُ أخي رِشدينٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الله بن عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قالوا كلُّهم: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبدِ العزيز الماجِشونُ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَم، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةَ فيه. وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ بنِ بَادِي العلّاف، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ وسعيد بن المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعتِ الحدودُ، فلا شفعةَ". وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى القَفْصيُّ الحافظ، قال: حدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ الله بن عبد الحَكَم، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . فذكَره (١). وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ محمدٍ العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ البصريُّ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ ابنُ أخي رِشدينِ بنِ سعدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز الماجِشون، قال: حدَّثنا مالكٌ. فذكَر بإسنادِه مثلَه.
следующие страницы →