← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2533–2572 · переход к 2538.

стр. 2533

أربعةِ نَفَرٍ، بينَ زيدِ الخير، والأقرع بن حابسٍ، وعيينةَ بنِ حِصْنٍ، وابنِ عُلاثةَ أو عامرِ بن الطُّفَيل (١). وذكرَ الحديث (٢). وقال الطَّحاويُّ (٣): قد أعطَى رسولُ الله ﷺ هؤلاء من غَنائِم حُنَيْنٍ؛ وهم المؤلفةُ. قال: وعَلَى أن عليًّا لم يكنْ على الصدقة؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ يستعمِلُ على الصدقةِ أحدًا من بني هاشِم. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ، قال: سمِعناه من داودَ بنِ

стр. 2534

شابُورَ ويعقوبَ بنِ عطاءٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرٍو، قال: قال رسولُ الله ﷺ في كنزٍ وجَدَه رجلٌ -: "إن كنتَ وجَدْته في قريةٍ مسكونةٍ، أو في سبيلٍ مِيتاءٍ (١)، فعَرِّفْه، وإن كُنتَ وجَدْته في قريةٍ جاهليةٍ، أو في قريةٍ غيرِ مسكونةٍ، أو في غيرِ سبيلِ مِيتاءٍ، ففيه وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنِ أنس (٢)، عن ابن شِهاب، عن سعيد بن المُسيِّب وأبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "في الركاز الخُمُس".

стр. 2535

حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن سعيد وأبي سَلَمة مرسَلٌ يتّصلُ من وجوهٍ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ بينَهم، فلا شُفْعَةَ فيه. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ أكثرُ الرواة لـ"الموطّأ" (٢) وغيرِه مرسلًا، إلّا عبدَ الملكِ بنَ عبدِ العزيز الماجِشون، وأبا عاصم النبيلَ، ويحيى بنَ إبراهيمَ بن داودَ بن أبي قُتَيْلَة المدنيَّ (٣)، وأبا يوسفَ القاضيَ، وسعيدًا الزنْبريَّ، فإنَّهم روَوه عن مالكٍ بهذا الإسنادِ متصلًا عن أبي هريرة مسندًا. واختُلِف فيه عن ابنِ وَهْبٍ، عن مالكٍ؛ فرُوِي عنه مرسلًا (٤) كما في "الموطّأ"، ورُوِي عنه مسندًا

стр. 2536

كروايَةِ ابنِ الماجشونِ ومن تابَعَه. وكذلك اختُلِف فيه عن مُطَرِّفٍ، عن مالكٍ سواءً. ورواه عبدُ الله بنُ محمدِ بن ربيعةَ القُدَاميُّ (١)، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة. ولم يذكُرْ أبا سلمةَ، والقُدَاميُّ ضعيفٌ منكرُ الحديث. فأمّا روايةُ ابنِ الماجِشون لهذا الحديث، فأخبرنا خلفُ بنُ قاسم الحافظ وأحمدُ بنُ فَتْح، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَن بن عُتبةَ الرازيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ أصبغَ بن مُلَيْح المراديُّ، قال: حدَّثنا أبو الربيع سليمانُ بنُ داودَ بن حمادٍ المَهرِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز الماجِشون، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى بالشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ. زاد ابنُ قاسم: فيه (٢). وذكَره أبو الحسنِ عليُّ بنُ عمرَ الحافظ (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ النيسابوريُّ (٤)، قال: حدَّثنا سعدُ بنُ عبد الله بنِ الحكم وإسماعيلُ بنُ إسحاقَ بن سهل. قال عليٌّ:

стр. 2537

وحدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورِ بن راشدٍ المَرْوَزِيُّ. قال عليٌّ: وحدَّثنا أبو عليٍّ إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ المَهْريُّ، قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ بنُ داودَ ابنُ أخي رِشدينٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الله بن عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قالوا كلُّهم: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبدِ العزيز الماجِشونُ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَم، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةَ فيه. وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ بنِ بَادِي العلّاف، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ وسعيد بن المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعتِ الحدودُ، فلا شفعةَ". وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى القَفْصيُّ الحافظ، قال: حدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ الله بن عبد الحَكَم، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . فذكَره (١). وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ محمدٍ العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ البصريُّ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ ابنُ أخي رِشدينِ بنِ سعدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز الماجِشون، قال: حدَّثنا مالكٌ. فذكَر بإسنادِه مثلَه.

стр. 2538

وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَجَّاج. وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ (١)، قالا: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز الماجِشُونُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ مثلَه سواءً. وأمّا روايةُ أبي عاصم، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله المدينيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ الضحاكُ بنُ مخلدٍ الشيبانيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ" (٢). قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: قال عليُّ بنُ المَدينيِّ: قلتُ لأبي عاصم: من أين سمِعتَ هذا من مالكٍ - يعني حديثَ الشُّفْعَة - مسندًا؟ فقال: سَمِعتُ منه بمنًى أيّامَ أبي جعفر. وقال عليُّ بنُ عمر: حدَّثنا عثمانُ بنُ أحمدَ وأبو سهلِ بنُ زيادٍ وأبو بكرٍ الشافعيُّ، قالوا حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ نصرٍ، قالوا

стр. 2539

لأبي عاصم: إنَّ الناسَ يُخالِفونَكَ في مالكٍ، في حديثِ الشُّفْعَة؛ فلا يذكُرونَ فيه أبا هريرة؟ فقال أبو عاصم: هاتُوا مَن سمِعه من مالكٍ في الوقتِ الذي سمِعتُه أنا فيه، إنَّما كان قدِم علينا أبو جعفرٍ مكةَ، فاجتمَع الناسُ إليه، وسألوه أن يأمُرَ مالكًا أن يُحدِّثَهم فأمَره، فسمِعتُه من مالكٍ في ذلك الوقت (١). قال عليُّ بنُ نصرٍ: وهذا في حياةِ ابنِ جُريج؛ لأنَّ أبا عاصم خرَج من مكةَ إلى البصرةِ حين مات ابنُ جريج، ولم يعُدْ، وقد كان أبو عاصم يتهيَّبُ إسنادَ هذا الحديث حتى بلَغَته روايةُ ابنِ إسحاقَ له عن الزهريِّ، فرجَع إلى الحديث به. قال إسماعيلُ: حدَّثناه عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ" (٢). وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ ويزيدُ بنُ سنانٍ، قالا: حدَّثنا أبو عاصم، عن مالكٍ، عن ابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ فلا شُفْعةَ (٣). زاد يزيدُ بنُ سنانٍ: قال أبو عاصم: ثم لقيتُ مالكًا

стр. 2540

بعدَ ثلاثِ سنينَ فحدَّثناه، فلم يذكُرْ أبا سلمةَ، ولم يذكُرْ أبا هريرةَ، وجعَله عن سعيدٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ . وأخبرنا محمدُ بنُ عَمْرُوسٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ الحافظُ، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن زيادٍ النيسابوريُّ (١)، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ سنانٍ، وبكارُ بنُ قتيبةَ، وأبو أُميةَ محمدُ بنُ إبراهيمَ بن مسلم، ومحمدُ بنُ إسحاقَ الصاغانيُّ، قالوا: حدَّثنا أبو عاصم النبيلُ الضحاكُ بن مخلدٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم تَقَعِ الحدودُ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة. ورواه أبو قلابةَ الرَّقاشيُّ (٢)، وعباسٌ الدُّوريُّ (٣)، ومحمدُ بنُ العوّام الزِّياديُّ، ومحمدُ بنُ سنانٍ القَزّاز (٤)، كلُّهم عن أبي عاصم بإسنادِه ومعناه. ولفظُ أبي قلابةَ: قَضَى رسولُ الله ﷺ بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَمْ، فإذا حُدَّتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ (٥)، فلا شُفْعَة. ورواه إبراهيمُ بنُ هانئ، عن أبي عاصم، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن النبيِّ ﷺ مسندًا. قال عليُّ بنُ عُمر: وحدَّثنا أبو عليٍّ الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال: سمِعتُ أبا جعفرٍ الدارميَّ أحمدَ بنَ سعيدٍ، قال: قال أبو عاصم: هكذا

стр. 2541

حدَّثنا به مالكٌ سنةَ ستٍّ وأربعين. كأنَّه يقولُ: عن سعيدٍ مرسَلٌ، وعن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة (١). وأمّا روايةُ يحيى بن أبي قُتيلَةَ، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر عبيدُ الله بنُ محمدٍ العُمرِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثني أبو إبراهيمَ يحيى بنُ أبي قُتيلةَ المدنيُّ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة" (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الرازيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عُبيدُ الله بنُ محمدِ بن عبدِ العزيزِ العُمرِيُّ القاضي إملاءً، قال: حدَّثنا أبو إبراهيمَ يحيى بنُ أبي قُتيلةَ المدنيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ . فذكَره. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ وأحمدُ بنُ الحسن بنِ إسحاقَ، قالا: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدٍ العُمرِيّ، قال: حدَّثنا أبو إبراهيمَ يحيى بنُ أبي قُتيلةَ المدنيُّ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة".

стр. 2542

وأخبرنا محمدٌ (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي قُتيلةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة" (٢). وأمّا روايةُ ابنِ وَهْبٍ على الاتصال، فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم وأحمدُ بنُ فَتْح، قالا: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ الله بنُ محمدِ بن ناصح المُفَسِّرُ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الرحمن بنُ إسماعيلَ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى بالشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة (٣). وقد ذكَر الطحاويُّ، أنَّ قُتيبةَ المَهْرِيَّ رواه عن مالكٍ كما رواه ابنُ الماجِشون وأبو عاصم، واللهُ أعلم.

стр. 2543

وذكَره الدارقطنيُّ من روايةِ أبي يوسفَ القاضي، ومطرِّفِ بنِ عبدِ الله المدنيِّ، وابنِ وَهْبٍ، وسعيدِ بن داودَ الزَّنْبَرِيِّ، بالأسانيدِ عنهم، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: وأما سائرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ غيرَ مالكٍ، فإنهم اختلفوا فيه عليه أيضًا؛ فرواه عنه محمدُ بنُ إسحاقَ كما ذكرنا، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، لم يذكُر أبا سلمةَ (١). ورواه ابنُ وَهْب، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب مرسلًا، لم يذكُرْ أبا سلمة، وجعله مرسلًا عن سعيدٍ. ورواه ابنُ جُريج، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، أو عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أو عنهما جميعًا، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا قُسِمَتِ الأرضُ أو حُدَّتْ، فلا شُفْعَة". هكذا ذكَرَه محمدُ بنُ يحيى، عن حسنِ بن الرَّبيع، عن ابنِ إدريسَ، عن ابنِ جُريج (٢). ولم يروِه عبدُ الرَّزَّاق عن ابنِ جريج. ورواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، قال: إنَّما جعَل رسولُ الله ﷺ الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطرقُ، فلا شُفْعَة. لم يذكُرْ سعيدًا، وجعَله عن جابرٍ. هكذا رواه عبدُ الرَّزَّاق (٣)، ومحمدُ بنُ ثورٍ، وهشامُ بنُ يوسفَ (٤)، عن مَعْمر (٥). أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ البَجَليُّ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعَة، قال: قال لي أحمدُ بنُ حنبل: روايةُ معمرٍ، عن الزُّهريِّ، في حديث

стр. 2544

الشُّفْعَةِ حسنةٌ. قال: وقال لي يحيى بنُ معين: روايةُ مالكٍ أحبُّ إليَّ وأصحُّ في نفسي مرسَلًا عن سعيدٍ وأبي سلمةَ (١). قال أبو عُمر: كان ابنُ شهابٍ ﵀ أكثرَ الناس بحثًا على هذا الشَّأن، فكان رُبَّما اجتَمَع له في الحديث جماعة، فحدَّث به مرّةً عنهم، ومرّةً عن أحدِهم، ومرّةً عن بعضِهم، على قدرِ نشاطِه في حين حديثِه، وربما أدخَل حديثَ بعضِهم في حديثِ بعض، كما صنَع في حديث الإفكِ (٢) وغيرِه، وربَّما لحِقه الكسلُ فلم يُسنِدْه، وربَّما انشرَح فوصَل وأسنَدَ، على حسَبِ ما تأتي به المذاكرةُ؛ فلهذا اختَلَف أصحابُه عليه اختلافًا كبيرًا في أحاديثه، ويُبيِّنُ لكَ ما قُلنا روايتُه لحديث ذي اليَدَيْن (٣)؛ رواه عنه جماعةٌ، فمرّةً يذكُرُ فيه واحدًا، ومرّةً اثنَيْن، ومرّةً جماعةً، ومرّةً جماعةً غيرَها، ومرّةً يصلُ، ومرّةً يَقطَعُ. وحديثُه هذا في الشُّفْعَةِ حديث صحيحٌ معروفٌ عندَ أهل العلم، مستعمَلٌ عندَ جميعِهم، لا أعلَمُ بينَهم في ذلك اختلافًا، كلُّ فرقةٍ من علماءِ الأُمَّة يُوجِبونَ الشُّفْعَةَ للشَّريكِ في المُشاع من الأصول الثابتة التي يُمكِنُ فيها صرفُ الحدود، وتطريقُ الطرق (٤). وأوجَبت طائفةٌ الشُّفْعةَ للجارِ المُلاصِق (٥)، لقوله ﷺ في حديثِ أبي رافع: "الجارُ أحقُّ بصَقَبِه".

стр. 2545

وهو حديثٌ يرويه ابنُ ميسرةَ، عن عمرِو بن الشَّريدِ، عن أبي رافعٍ، عن النبيِّ ﷺ (١). وهذا لفظٌ مُشكِلٌ ليس فيه تصريحٌ بالشُّفْعَةِ، والصَّقَبُ: القربُ. وهو حديثٌ قد اختُلِف في إسنادِه وفي معناه، ولم يثبُتْ فيه شيءٌ. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى القَفْصيُّ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمن - قال أحمدُ بنُ صالح: هو حجازيٌّ ثقةٌ، وهو أبو يعلى بنُ كعبٍ - قال: سمِعتُ عمرَو بنَ الشَّريدِ يحدِّثُ عن الشَّريد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "المرءُ أحقُّ بصَقَبِه" (٢). قلتُ

стр. 2546

لعمرٍو: وما صَقَبُه؟ قال: الشُّفْعَةُ. قلتُ: من الناس من يقول: الجِوارُ. قال: إنَّ الناسَ ليقولون ذلك. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، عن ابن جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: إنَّما جعَل رسولُ الله ﷺ الشُّفْعَةَ في كلِّ شِرْكٍ، رَبْعَةٍ أو حائطٍ. وذكَر الحديث (٣). قال (٤): وحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن فارس، قال: حدَّثنا حسنُ بنُ الرَّبيع، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ شهاب، عن أبي سلمةَ، أو عن سعيدِ بن المُسيِّب، أو عنهما جميعًا، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعَةَ فيها" (٥). وأوجَب آخرونَ الشُّفْعَةَ بالطريق إذا كان طريقُهما واحدًا (٦)؛ لحديثٍ يروونَه عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ بذلك، قال: "الجارُ أحقُّ بشفعَتِه، يُنتظَرُ بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقًا واحدًا".

стр. 2547

وهذا الحديثُ يرويه عبدُ الملك بنُ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الجارُ أحقُّ بشفعةِ جارِه، يُنتظَرُ بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدةً". حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٢): حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملك، عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله. فذكَره (٣).

стр. 2548

وَيَحتمِلُ أن يكونَ الجارُ المذكورُ في هذا الحديثِ هو الشَّريكَ في المُشاع، والعربُ قد تُسَمِّي الشريكَ جارًا، والزوجةَ جارةً. وإذا حُمِلَ على هذا لم تتعارَضِ الأحاديثُ، على أنِّي أقولُ: إنَّ حديثَ عبدِ الملكِ هذا في ذكرِ الطريق، قد أنكَره يحيى القطانُ وغيرُه، وقالوا: لو جاء بآخَرَ مثلِه تُرِك حديثُه. وليس عبدُ الملك هذا ممّا يُعارَضُ به أبو سلمةَ وأبو الزُّبير، وفيما ذكَرنا من روايتِهما عن جابرٍ ما يدفَعُ روايةَ عبدِ الملك هذه، وإيجابُ الشُّفْعَةِ إيجابُ حُكم، والحكمُ إنَّما يجبُ بدليلٍ لا مُعارضَ له، وليس في الشُّفْعَةِ أصلٌ لا اعتراضَ فيه ولا خلافَ إلّا في الشريكِ المُشاع، فقِفْ عليه. وفي قولِ جابرِ بنِ عبدِ الله: إنَّما جعَل رسولُ الله ﷺ الشُّفْعَةَ

стр. 2549

في كلِّ شِركٍ؛ رَبْعٍ أو حائط، ما ينفي الشُّفْعَةَ في غير المُشاع من العَقار. وفي قوله ﷺ : "إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعَة" ما ينفي شُفْعَةَ الجار، وبالله التوفيق. وقد أوجَب قومٌ الشُّفْعَةَ في كلِّ شيءٍ من الحيوانِ أو غيرِه، وسائرِ المُشاعِ من الأصول وغيرِها، وهي طائفةٌ من المكيِّين، وروَوا في ذلك حديثًا من أحاديثِ الشيوخ التي لا أصلَ لها، ولا يُلتَفَتُ إليها، لضعفِها ونكارتِها (١). وأبى أكثرُ فقهاءِ الحجازِ من الشُّفْعَةِ في شيءٍ من ذلك كلِّه، إلّا أن يكونَ أصلًا مُشاعًا يحتمِلُ القسمةَ، وتصلُحُ فيه الحدودُ؛ لحديث ابنِ شهابٍ هذا، لأنَّه ينفي الشُّفْعَةَ في كلِّ مقسومٍ، بقوله: "فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة". وهو مذهبُ عمرَ، وعثمانَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيز. وذكَر عبدُ الرزاق (٢)، عن ابنِ جُريج، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنَّ عمرَ بنَ الخطاب قال: إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعةَ فيها.

стр. 2550

قال (١): وأخبرنا مالكٌ، عن محمدِ بنِ عُمارةَ، عن أبي بكرٍ بن حزمٍ، أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ، قال: إذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ فيها. قال (٢): وأخبَرنا معمرٌ والثوريُّ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز، قال: إذا ضُرِبَتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةَ فيها. قال (٣): وأخبرنا ابنُ عُيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، قال: قلتُ لطاوس: إنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز كَتَب: إذا ضُرِبَتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةَ. قال طاوسٌ: الجارُ أحقُّ. قال أبو عُمر: إذا لم تَجبِ الشُّفْعَةُ للشريكِ إذا قسَم وضرَب الحدودَ، كان الجارُ الملاصِقُ - لم يقسِمْ ولا ضرَب الحدودَ - أبعدَ من أنْ يجِبَ ذلك له. فالشُّفْعَةُ واجبةٌ بهذا الحديث في كلِّ أصلٍ مُشاعٍ؛ من رَبْعٍ، أو أرضٍ، أو نخلٍ، أو شجرٍ تمُكِنُ فيه القسمةُ والحدودُ. وهذا - في الشريكِ في المشاعِ دونَ غيرِه - إجماعٌ من العلماء (٤). وفي قضاءِ رسولِ الله ﷺ بالشُّفْعَةِ في المشاعِ بعدَ تمام البيع دليلٌ على جوازِ بيع المشاع وإن لم يَتعيَّنْ! إذا عُلِمَ السهمُ والجزءُ. والدليلُ على صحةِ تمام البيع في المُشَاعِ أنَّ العهدةَ إنَّما تجبُ على المبتاع، وفي قوله ﷺ : "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ" دليلٌ على أنَّ ما لا يُقسمُ ولا يُضرَبُ فيه حدودٌ، لا شُفْعَةَ فيه، وهذا ينفي الشُّفْعَةَ أيضًا في الحيوانِ وغيرِه ممّا لا يُقسَمُ، ويُوجِبُها في الأصل الثابتِ في الأرض المُشاع دونَ ما عَدَاه.

стр. 2551

فإن قيل: إنَّ الأحاديثَ الموجبةَ للشفعةِ للجارِ وغيرِه، فيها زيادةُ حكم على حديثِ ابن شهابٍ هذا، فيجِبُ المصيرُ إليها. قيل له: قد عارَضَها حديثُ ابنِ شهابٍ؛ لأنَّه ينفي الشُّفْعَةَ بقولِه: "الشُّفْعَةُ في كلِّ شِركٍ لم يُقْسَمْ". فأوجَب الشُّفْعَة في المشاع، وأبطَلها في المقسوم. وإذا حصلتِ الآثارُ في هذا الباب متعارضةً متدافعةً، سقَطت عندَ النَّظَر، ووجَب الرجوعُ إلى الأصول، وأصولُ السُّنَنِ كلِّها والكتابُ يشهَدُ أنَّه لا يحِلُّ إخراجُ مِلْكٍ من يدٍ قد ملَكَتْه ملكًا صحيحًا إلّا بحجةٍ لا معارِضَ لها، والمشتَري شراءً صحيحًا قد ملَك ملكًا تامًّا، فكيف يُؤخَذُ مالُه بغيرِ طيبِ نفسٍ منه دونَ حُجَّةٍ قاطعةٍ يجبُ التسليمُ لها؟ وهذا الذي احتجَجْنا له، كلُّه قولُ مالكٍ، وأهلِ المدينة، والشافعيِّ وأصحابِه، وعامّة أهلِ الأثر (١)، إلّا أنَّ أصحابَ مالكٍ اختلَفوا في الشُّفْعَةِ في الثمرةِ إذا بِيعَتْ حِصَّةٌ منها دونَ الأصل، فأوجَب الشُّفْعَةَ للشَّريك فيها ابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسم، وأشهبُ، وروَوْه عن مالكٍ. وقال المغيرةُ، وعبدُ الملكِ بنُ الماجشون، وابنُ أبي حازم، وابنُ دينار: لا شُفْعَةَ فيها. وروَوْه عن مالكٍ أيضًا (٢)، وهو قولُ أكثرِ أهلِ المدينة، وهو مذهبُ الشافعيِّ (٣)، وأحمدَ بن حنبل (٤)، وداودَ بن عليٍّ (٥)، وأهل النظرِ والأثر، وهو الصحيحُ عندي، وبالله التوفيق. وقد حكَى ابنُ القاسم، عن مالك، أنَّه قال: ما أعلَمُ أحدًا قبلي أوجَب الشُّفْعَةَ في الثمرة (٦). وحسبُكَ بهذا. ولا خلافَ عن مالكٍ وأصحابه أنَّهم لا

стр. 2552

يُوجِبُون الشُّفْعَةَ في الثمرة إذا بِيعَتْ مع الأصلِ واشترَطها مشتريها. وهو قولُ جمهور الفقهاء؛ لأنَّها تَبَعٌ للأصل، فكأنَّها شيءٌ منه إذا بِيعَتْ معه. وقد أبطَل ابنُ القاسم الشُّفْعَةَ في الأرض دونَ الرَّحَى (١)، وخالَفه أشهبُ، وابنُ وَهْبٍ، فأوجَبا الشُّفْعَةَ في الرَّحى مع الأرض، ومعلومٌ أنَّ الرَّحى معَ أرضِها أثبتُ وأشبهُ بالأصول التي ورَدتِ الشُّفْعَةُ في مثلِها من الثمرةِ المبيعةِ دونَ أصلِها، ومن الثمرةِ المبيعةِ معَ الأصل التي لا تدخُلُ في الصَّفْقَةِ إلّا باشتراطٍ، كسائرِ العروض المُبايِنة. وبقولِ أشهبَ وابنِ وَهْبٍ يقولُ سُحنونٌ في الشُّفْعَةِ في الرَّحَى (٢). واختلَف قولُ مالكٍ وأصحابِه في الشُّفْعَةِ في الحَمّام فأوجَبها بعضُهم، ونفاها بعضُهم (٣). وكذلك اختلَف أصحابُ مالكٍ أيضًا في الشُّفْعَةِ في الكِرَاء (٤)، وفي المُساقاةِ، واختَلفَ في ذلك قولُ مالكٍ أيضًا، وحديثُ النبيِّ ﷺ المذكورُ في هذا الباب ينفي الشُّفْعَةَ في كلِّ ما لا يقعُ فيه الحدودُ من المُشاع، والقولُ به نجاةٌ لمن اتَّبَعَه، وبالله التوفيقُ والرشادُ. وقال محمدُ بنُ عبدِ الحكم: لا شُفْعَةَ إلّا في الأرَضينَ والنخلِ والشجرِ، ولا شُفْعَةَ في ثمرةٍ، ولا كتابةِ مُكاتَبٍ، ولا في دَينٍ، وإنَّما الشُّفْعَةُ في الأصولِ والأرَضينَ خاصةً. وهو قولُ الشافعيِّ، وجمهورِ العلماء (٥)، وقد قال مالكٌ: لا شُفْعَةَ في عينٍ إلّا أن يكونَ لها بياضٌ، ولا في بئرٍ، ولا في عَرَصةِ دارٍ، ولا فَحْلِ نخلٍ (٦). وقال محمدُ بنُ عبد الحكم: الشُّفْعَةُ في ذلك؛ لأنَّه من الأصول.

стр. 2553

قال أبو عُمر: هذه الأشياءُ عندَ مَن أوجَب الشُّفْعَةَ فيها، من جنس الأُصولِ التي قُصِدَتْ بإيجابِ الشُّفْعَةِ فيها. قال: وجرَى ذكرُ الحدودِ في ذلك؛ لأنّه الأغلبُ فيها، وما لا تأخُذُه الحدودُ منها فتبعٌ لها، حكمُه حكمُها. ومَن لم يُوجِبِ الشُّفْعَةَ في البئرِ والعينِ التي قد قُسِمَ البياضُ الذي يُسْقَى منها، ثم نبعتِ العينُ بعدَ ذلك، وفي فحلِ النخلِ، فمن حُجَّتِه أن ذلك ليس ممّا تأخذُهُ الحدودُ. إلا أنَّه يدخُلُ على قائل هذه المقالةِ تناقضٌ في إيجابِه الشُّفْعَةَ في الثمرةِ والكراء، وتناقُضٌ آخر في نفي الشُّفْعَةِ عن عَرَصةِ الدار. ولهذه المسائل وُجوهٌ يدخُلُ عليها الاعتراضاتُ يطولُ الكتابُ بذكرِها. واختلَف أصحابُ مالكٍ أيضًا في الرجلِ يبيعُ دينًا له على رجلٍ؛ هل يكونُ المِدْيانُ أحقَّ به أم لا (١)؟ ورُوِيَتْ بإجازةِ ذلك آثارٌ عن بعض السَّلف من أهلِ المدينة، أنَّ الذي عليه الدَّينُ أحقُّ به (٢). وهذا عندي ليس من باب الشُّفْعَةِ في شيءٍ، وإنَّما هو من باب: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٣). وإن كان المشتري كالبائع في حسن التقاضي والبعدِ من الأذَى والجَوْر، فلا قولَ للمدينِ في ذلك. وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وهو الصحيحُ في النظر، وذكرُ الشُّفْعَة في الدَّين مجازٌ؛ لأنَّه محالٌ أنْ تجِبَ الشُّفْعَةُ فيما لا يُقسَمُ من الأصولِ الثابتةِ عندَ جمهورِ علماءِ المسلمينَ، والأصلُ في هذا الباب حديثُ ابنِ شهابٍ المذكورُ، وهو ينفي الشُّفْعَةَ في كلِّ ما لا يجوزُ فيه القسمةُ بضربِ الحدودِ من

стр. 2554

الأصول، وما كان في معنَى ما يُضرَبُ فيه الحدودُ من الأصول، واللهُ أعلمُ. وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ الشُّفْعَة تجِبُ لكلِّ شَريكٍ في مُشاعٍ من الأصول. واختلَف أصحابُ مالكٍ في دخولِ العَصَبات على أصحابِ السهامِ في الشُّفْعَةِ، مثلَ رجلٍ تُوفِّي وترَك بناتٍ وعصبةً، فباعت إحدى البناتِ حصَّتَها من الرَّبْع الموروثِ، فالمشهورُ من مذهبِ مالكٍ، وابنِ القاسم، أنَّ الشُّفْعَةَ تجبُ في نصيبِها من ذلك لأخواتِها دونَ العَصَباتِ، ولا يدخُلُ العَصَبةُ على أهلِ السهام في شُفْعَتِهم بينَهم. ولو باع أحدُ العصبةِ حصتَه من ذلك، دخَل البناتُ مع مَن بَقِيَ من العصبةِ في الشُّفْعَة. وقال أشهبُ: لا يدخُلُ هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء. وقال المغيرةُ وابنُ دينار: يدخُلُ هؤلاء على هؤلاء. وهو قولُ الشافعيِّ (١)؛ لأنَّ العلةَ في ذلك الشَّرِكةُ ودخولُ الضَّرَرِ في الأغلب، وليس للقرابةِ في ذلك معنًى عندَهم. ومسائلُ الشُّفْعَة وفروعُها كثيرةٌ جدًّا، لا يصلُحُ بنا إيرادُها في هذا الكتاب، واللهُ الموفقُ للصواب، لا شريكَ له.

стр. 2555

حديثٌ رابعٌ لابن شهاب، عن سعيدٍ وأبي سَلَمةَ مرسَلٌ يتّصلُ من وجوه وقد ذكَرْناهما فيما سَلَفَ من هذا الكتاب مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ مثلَ ذلك. يعني: مثلَ روايةِ ابن شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ سليمانَ بن أبي حَثْمةَ، في حديثِ ذي اليدين (٢). وسنذكُرُ حديثَه عن أبي بكرٍ بن سليمانَ بن أبي حَثْمةَ في بابه من هذا الكتاب، ونذكرُ هناك من رواتِه وطُرُقِه عن ابنِ شهابٍ خاصةً ما حضَرنا، ولم يُسنِدْ هذا الحديثَ، فيما علِمْتُ، أحدٌ من الرواةِ عن مالكٍ (٣) إلا عبدَ الحميدِ بنَ سليمانَ أخا فُلَيْح بن سليمانَ؛ فإنَّه رواه عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . حدَّثناه محمدُ بنُ عَمْرُوسٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ بن أحمدَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ إبراهيمَ، وأبو محمدٍ الحسنُ بنُ أحمدَ بن صالح، قالا: حدَّثنا جعفرُ بنُ أحمدَ بن مروانَ الوزَّانُ بحَلَبَ، والحسينُ بنُ عبدِ الله بنِ يزيدَ القطَّانُ بالرَّقَّة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بن سابورَ، قال:

стр. 2556

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ أخو فليح، عن مالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى إحدَى صلاتي النَّهار، فسلَّمَ في ركعَتَيْن، قال له ذو اليَدَيْن: يا رسولَ الله، أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسيتَ؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "كلُّ ذلك لم يكنْ"، قال: "أصَدَقَ ذو اليَدَينِ؟ " قالوا: نَعَمْ. فتقَدَّم فصَلَّى بهم رسولُ الله ﷺ ، ثم سجَد بعدَ التسليم وهو جالسٌ. قال أبو الحسن (١): تفَرَّدَ به عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ، عن مالكٍ مسندًا. ورواه أصحابُ "الموطّأ" عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، وأبي سلمةَ، وأبي بكرٍ بن سليمانَ بن أبي حثمةَ، عن النبيِّ ﷺ ، لم يذكُروا أبا هريرة. قال أبو عُمر: وأمّا معاني حديثِ ذي اليدين فقد تقدَّم ذكرُها مُستوعَبةً مُستَقْصاةً - والحمدُ لله - في باب أيوبَ السَّختياني فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا.

стр. 2557

ابنُ شهاب، عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرّحمن (١) وهو أبو سَلَمة بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهري القُرشي، أحدُ فقهاء المدينة الجِلّة الثقات الأثبات. وقد ذكرنا نسَب أبيه في كتاب "الصحابة" (٢). واختُلف في اسم أبي سلَمة هذا؛ فقيل: اسمُه: عبد الله، وقيل: اسمُه: كُنيتُه. ذكر البخاري، قال: قال لي ابنُ أبي أُوَيس، عن مالك: أبو سَلَمة اسمُه كُنيتُه. وكذلك قال أبو نُعيم الفضل بن دُكَين: اسمُ أبي سَلَمة كُنيتُه. وقال محمد بن سَعْد كاتبُ الواقديِّ: اسمُ أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: عبدُ الله. وذكر الزُّبير في بني عبد الرحمن بن عَوْف: عبدَ الله الأكبرَ، قال: أُمُّه من بني عبد الأشهَل. قال: وقُتِلَ عبدُ الله، وعُروةُ، وسالمٌ الأصغر؛ بنو عبد الرحمن بن عَوْف بإفريقيّة. قال: وعبدُ الله الأكبر هو أبو عُثمان بن عبد الرحمن بن عوف. قال: وسالمٌ الأكبر ماتَ قبلَ الإسلام. قال: وعبدُ الله الأصغرُ أبو سَلَمة الفقيهُ، رَوى عنه الناسُ. وأُمُّه تُماضِر بنتُ الأصْبَغ الكَلْبية. وقد ذكرنا في كتاب "الصحابة"، في باب عبد الرحمن بن عَوْف، بَنِيه وأُمّهاتِهم. وذكر العُقَيْليُّ عن شيوخه، عن عَمْرو بن هارون، قال: كان اسمَ أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: عبدُ الله بن عبد الرحمن. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سُفيان قراءةً منّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثَهم، قال: حدثنا أحمد بن زُهير، قال: وجَدتُ في كتاب عليِّ بن المديني بخطِّه: قال يحيى بن سعيد: فقهاءُ أهل المدينة عشَرةٌ. قلت ليحيى: عُدَّهم، قال سعيد،

стр. 2558

وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، والقاسمُ بن محمد، وسالمُ بن عبد الله، وعُروةُ بن الزُّبير، وسُليمان بن يَسار، وعُبيدُ الله بن عبد الله، وقَبِيصةُ بن ذُؤيب، وأبانُ بن عثمان. وسَقَط من الكتاب العاشر. قال أبو عُمر: العاشرُ: خارجةُ بن زيد بن ثابت، أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١): حدَّثنا المثنّى بن مُعاذ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدثنا شُعبة، عن أبي إسحاق، قال: أبو سَلَمة في زمانِه خيرٌ من ابنَ عُمر في زمانِه. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢): حدَّثنا الصَّلْت بن مسعود، قال: حدثنا ابن عُيينة، عن مُجالِد، عن الشعبي، قال: قَدِم أبو سَلَمة الكوفةَ، فكان يمشي بيني وبينَ رجُل، فسئل: من أعلمُ مَن بقي؟ فتمنَّع ساعةً، ثم قال: رجلٌ بينَكما. وذكر المدائنيُّ، عن ابن شِهاب، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، قال: قدم أبو سلمة الكوفة، فكان يمشي بيني وبينَ الشعبي. فذَكَر مثلَه. وذكر عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهري، قال: كان أبو سَلَمة يُمارِي ابنَ عباس، فحُرِمَ بذلك عِلْمًا كثيرًا؛ ذكره الحَسَن بن علي الحُلْواني عن عبد الرزّاق. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٣): حدَّثنا مُؤَمَّل بن إهاب، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، فذكره.

стр. 2559

وأخبرنا خَلَفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد الكَشْوَري، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسُف الحَرّاني، قال: أخبرنا عبد الرزاق (١)، [عن مَعْمر] (٢) عن الزهري، قال: أدركتُ بحورًا أربعةً: سعيدَ بن المسيِّب، وعُروةَ بن الزُّبير، وعُبيدَ الله بن عبد الله، وأبا سَلَمة بن عبد الرحمن. قال الزهري: وكان أبو سلَمة يماري ابنَ عباس فحُرِمَ علمًا كثيرًا. ورَوى حمادُ بن زيد، عن مَعْمر، عن الزهري، قال: كان أبو سَلَمة يَسألُ ابنَ عباس، فكان يَخزِنُ عنه (٣). حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤): سمعت مُصعبَ بنَ عبد الله يقول: أُمُّ أبي سَلَمة بن عبد الرحمن تُماضرُ بنت الأصْبَغ بن عَمْرو بن ثَعْلَبة بن حِصن بن ضَمْضم بن عَدِي بن كَلْب، وهي أولُ كَلْبية تزوَّجها قُرَشيٌّ؛ كان رسولُ الله ﷺ بعثَ عبدَ الرحمن إلى كَلْب، وأمرَهُ أن يتزوجَ ابنةَ سَيِّدِهم. قال (٥): وأرضعت أُمُّ كلثوم بنتُ أبي بكر أبا سَلَمة، فكان يتولَّجُ على عائشة.

стр. 2560

قال أبو عُمر: كان أبو سَلَمة رجلًا جميلًا، يَخْضِب بالوَسْمة. توفي سنةَ أربع وتسعين، وفيها مات عُروة، وعليُّ بن حُسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسعيدُ بن المسيِّب في قول بعضهم، وتُعرَف بسنة الفقهاء، وقد قيل: إنّ أبا سلمة توفِّي في سنةِ أربع ومئة وهو ابن اثنتين وسبعين. سمع أبا هريرة، وعائشةَ، وابنَ عُمر، وجابرَ بن عبد الله، وجماعة من الصحابة، واختُلِفَ في سَماعه من أبيه؛ فذَكَر ابنُ لَهِيعة، عن جعفر بن رَبِيعة، عن أبي سلَمة، قال: رأيت أبي يصلِّي أربعَ رَكَعات قبلَ الظهر. وروى النَّضْرُ بن شَيْبان، عن أبي سَلَمة، قال: سمعت أبي. فذكر حديثًا في الصيام. وقال يحيى بنُ معين (١): لم يسمعْ أبو سلمة من أبيه، ولا من طلحةَ بن عُبيد الله. وضعَّف حديثَ النَّضْر بن شَيْبان. قال أبو عُمر: توفي أبوه سنة ئنتين وثلاثين، قبل وفاة عثمان بأربع سنين أو نحوها. لمالك، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمة ثمانيةُ أحاديثَ متصلة مُسْنَدة، كلُّها في "الموطأ"، شَرَكَه فيها أبو عبد الله الأغرُّ في حديثٍ واحد.

стр. 2561

حديثٌ أولُ لابن شهاب، عن أبي سَلَمة مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً من الصَّلاةِ فقد أدْرَكَ الصَّلاةَ". قال أبو عُمر: لا أعلمُ اختلافًا في إسنادِ هذا الحديثِ ولا في لفظِه عندَ رواةِ "الموطّأ" عن مالكٍ (٢)، وكذلك رواه سائرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ (٣)، إلا أنّ ابنَ عُيَيْنةَ رواه عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أدرَك من الصلاةِ رَكعةً فقد أدرَك" (٤). لم يقل: الصلاةَ. والمعنى المرادُ في ذلك واحدٌ. وقد روَى نافعُ بن يزيدَ، عن ابنِ الهاد، عن عبدِ الوهاب بن أبي بكرٍ، عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 2562

قال: "مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاةَ وفضلَها" (١). وهذه لفظةٌ لم يَقُلْها أحدٌ عن ابن شهابٍ غيرَ عبدِ الوهاب هذا، وليسَ بحجةٍ على مَن خالَفه فيها من أصحاب ابن شهابٍ، على أنَّ اللَّيثَ بنَ سعدٍ قد روَى هذا الحديثَ عن ابنِ الهاد، عن ابنِ شهابٍ (٢)، لم يذكُرْ في إسنادِه عبدَ الوهاب، ولا جاءَ بهذه اللَّفظة، أعني قولَه: "وفَضلَها". وقد روَى عمّارُ بن مَطَرٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاةَ ووقتَها". وهذا لم يَقلْه عن مالكٍ أحدٌ غيرَ عَمّارِ بن مطَرٍ، وليسَ ممَّن يُحتَجُّ به فيما خُولِفَ فيه. وقد أخبَرنا محمدُ بنُ عَمْرُوسٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حَمّادٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ،

стр. 2563

عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الفضْلَ". لم يقُلْه غيرُ الحنفيِّ عن مالكٍ، واللهُ أعلمُ، ولم يُتابَعْ عليه (١). وهو أبو عليٍّ عُبَيدُ الله بنُ عبدِ المجيدِ الحنفيُّ. وسنَذكُرُ ما للفقهاء في هذا المعنى بعونِ الله، إن شاءَ الله. وقد روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ حَمّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الرّازيُّ، قال: حدَّثنا أبو شُعَيبٍ صالحُ بنُ شُعَيبِ بنِ زيادٍ البَصريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحجَّاج السَّاميُّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيدٍ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاة" (٢). وحدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو العباس أحمدُ بنُ الحسن بن إسحاقَ بن عُتبةَ، قال: حدَّثنا أبو شُعَيبٍ صالحُ بنُ شُعَيبِ بنِ أبانَ الزاهدُ في شوالٍ سنةَ إحدى وثمانينَ ومئتين، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحجّاج السَّاميُّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَن أدرَك رَكعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاةَ". هذا هو الصحيحُ عن حَمّادِ بن زيدٍ، عن مالكٍ. ومَن قال فيه: عن حمادٍ، عن مالكٍ، بهذا الإسناد: "مَن أدرَك ركعةً من الصبح" الحديثَ، فقد أخطأ.

стр. 2564

قال أبو عُمر: أما قولُه في هذا الحديث: "فقد أدرَك الصلاةَ". فإنَّه قد اختُلِفَ في معناه؛ فقالت طائفةٌ من أهل العلم: أراد بقوله ذلك أنَّه أدرَك وَقتَها. حكَى أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ محمدِ بن سعدٍ الدَّاوُديُّ في كتابه "المُوجَز"، عن داودَ بن عليٍّ وأصحابه، قالوا: إذا أدرَك الرجلُ من الظهرِ أو العصرِ ركعةً، وقامَ يُصلِّي الثلاثَ ركعاتٍ، فقد أدرَك الوقتَ في جماعةٍ، وثوابُه على الله . قال أبو عُمر: هؤلاء قومٌ جعلوا قولَ رسولِ الله ﷺ : "مَن أدرَك رَكعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاة" في معنى قوله ﵇: "مَن أدرَك رَكعةً من العصرِ قبلَ أنْ تَغرُبَ الشمسُ فقد أدرَك العصرَ، ومَن أدرَك رَكعةً من الصبح قبل أنْ تَطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبح" (١). فليس كما ظنُّوا؛ لأنَّهما حديثان لكلِّ واحدٍ منهما معنًى (٢)، وقد ذكرنا كلًّا في موضعه من كتابنا هذا، والحمدُ لله. وقال آخرون (٣): مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك فضلَ الجماعة؛ لأنَّ صلاتَه صلاةُ جماعةٍ في فضلِها وحكمِها. واستدَلُّوا من أصولِهم على ذلك بأنَّه لا يُعيدُ في جماعةٍ مَن أدرَك رَكعةً من صلاةِ الجماعة. وقال آخرون (٤): معنى هذا الحديث أنَّ مُدرِكَ ركعةٍ من الصلاةِ مُدرِكٌ لحكمِها، وهو كمَن أدرَك جميعَها فيما يَفوتُه من سهوِ الإمام وسجودِه لسهوِه،

стр. 2565

ولو أدرَك الرَّكعةَ مسافرٌ من صلاةِ مُقيمٍ، لَزِمَه حُكمُ صلاةِ المُقيم، وكان عليه الإتمامُ ونحوُ هذا من حُكم الصلاة. قال أبو عُمر: ظاهرُ قوله ﷺ : "مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاةِ" يُوجِبُ الإدراكَ التامَّ للوقتِ والحكم والفضلِ إن شاء الله، إذا صلَّى تمامَ الصلاة، ألا ترَى أنَّ مَن أدرَك الإمامَ راكعًا، فدخَل معه وركَع قبلَ أنْ يَرفعَ الإمامُ رأسَه من الرَّكعة، أنَّه مُدرِكٌ عندَ الجمهورِ حكمَ الرَّكعة، وأنَّه كمَن ركَعها من أولِ الإحرام مع إمامِه، فكذلك مُدرِكُ ركعةٍ من الصلاة، مُدرِكٌ لها، وقد أجمَع علماءُ المسلمين أنَّ من أدرَك ركعةً من صلاةٍ من صلاتِه لا تُجزِئُه ولا تُغنيه عن إتمامها، وقال رسولُ الله ﷺ : "ما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا" (١). وهذا نصٌّ يكفي ويشفي، فدلَّ إجماعُهم في ذلك على أنَّ هذا الحديثَ ليس على ظاهرِه، وأنَّ فيه مُضمرًا بيَّنه الإجماعُ والتوقيفُ (٢)، وهو إتمامُ الصلاةِ وإكمالُها، فكأنَّه ﷺ قال: مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ مع إمامِه، ثم قامَ بعدَ سلام إمامِه، وأتَمَّ صلاتَه وحدَه على حكمِها، فقد أدْرَكها، كأنَّه قد صلَّاها مع الإمام من أولِها. هذا تقديرُ قوله ذلك ﷺ بما ذكَرْنا من الإجماع وحديثِ النبيِّ ﷺ . وإذا كان ذلك كذلك، فغيرُ مُمتنع أنْ يكونَ مدرِكًا لفضلِها وحكمِها ووقتِها، فالذي عليه مدارُ هذا الحديث وفقهُه، أنَّ مُدرِكَ ركعةٍ من الصلاةِ مدركٌ لحكمِها في السهوِ وغيرِه، وأما الفضلُ، فلا يُدرَكُ بقياسٍ ولا نَظَرٍ؛ لأنَّ الفضائلَ لا تُقاسُ،

стр. 2566

فربَّ جماعةٍ أفضلُ من جماعةٍ، وكم من صلاةٍ غيرِ متقبَّلةٍ من صاحبِها، وإذا كانتِ الأعمالُ لا تقَعُ المجازاةُ عليها إلّا على قَدرِ النيات، وهذا ما لا اختلافَ فيه، فكيف يُعرَفُ قَدرُ الفضلِ مع مَغيبِ النياتِ عنا؟ والمُطَّلِعُ عليها (١) العالمُ بها، يُجازي كلًّا بما يشاء، لا شريكَ له، وقد يَقصِدُ الإنسانُ المسجدَ، فيجِدُ القومَ مُنصرفينَ من الصلاة، فيُكتَبُ له أجرُ مَن شَهِدها لصحَّة نيتِه. واللهُ أعلمُ. وقد رُوِيَ مثلُ هذا عن النبيِّ ﷺ ، أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز - يعني ابنَ محمدٍ - عن محمدٍ - يعني ابنَ طَحلاءَ - عن مُحصِنِ بن عليٍّ، عن عَوفِ بن الحارث، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن تَوضَّأ فأحسَنَ وُضوءَه، ثم راح فوجَدَ الناسَ قد صلَّوا، أعطاه الله مثلَ أجرِ مَن صلَّاها أو حضَرَها، لا يَنقُصُ ذلك من أُجورِهم شيئًا" (٣). حدَّثنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله المعروفُ بابنِ العواف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بنُ حَمّادٍ، قال: حدَّثنا

стр. 2567

ابنُ المبارك، قال (١): حدَّثنا أبو عَوانة، قال: حدَّثنا يعلَى بنُ عطاءٍ، عن مَعبَدِ بنِ هُرْمُز، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: حضَرَ رجلًا من الأنصار الموتُ، فقال: مَن في البيت؟ قالوا: أهلُكَ وإخوانُكَ وجلساؤُكَ. قال: ارفَعوني. فأسندَه ابنُه، ففتحَ عينَيه، فسلَّم على القوم، فرَدُّوا عليه، وقالوا: خَبِّرْنا. قال: إنِّي مُحَدِّثُكمُ اليومَ حديثًا ما حدَّثْتُ به أحدًا منذ سَمِعْتُه من رسولِ الله ﷺ ، وما أحَدِّثُكموه اليومَ إلّا احْتِسابًا، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ تَوَضَّأ في بيتِه فأحسَن الوُضوءَ، ثم خَرجَ إلى المسجدِ، فصلَّى في جماعةٍ، لم يرفعْ رجلَه اليمنى إلا كُتِبَ له بها حسنَةٌ، ولم يَضَعْ رِجلَه اليسرى إلا حَطَّ الله عنه بها خطيئةً، حتى يأتيَ المسجدَ، فليَقْرُبْ أو ليَبْعُدْ، فإذا صلَّى بصلاةِ الإمام، انصرَفَ وقد غُفِرَ له، فإن هو أدرَكَ بعضَها وفاتَه بعضُها، فأتمَّ ما فاتَه، كان كذلك، فإن هو أدرَك الصلاةَ وقد صُلِّيَتْ، فصلَّى صلاتَه وأتمَّها بركوعِها وسجودِها، كان كذلك" (٢). وروَى شَريكٌ، عن عامرِ بن شَقيق، عن أبي وائلٍ، قال: مَن أدرَك التشهدَ فقد أدرَكَ الصلاة (٣). قال شريكٌ: يعني فضلَها.

стр. 2568

وروَى ابنُ عُلَيّة، عن كثيرِ بنِ شنْظيرٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن أبي هريرةَ، قال: إذا انتهى إلى القوم وهم قُعودٌ في آخرِ صلاتِهم فقد دخَل في التَّضعيف، وإذا انتهى إليهم وقد سلَّمَ الإمامُ ولم يتفَرَّقُوا فقد دخَل في التَّضعيف. قال عطاءٌ: وكان يقولُ: إذا خرَجَ من بَيتِه وهو يَنْويهم، فأدْرَكَهم أو لم يُدْرِكْهم، فقد دخَلَ في التَّضعيف (١). وقال الأثرَمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل، يقول: إنْ دخَلَ مع الإمامِ في التَّشَهُّدِ، فقد دخَلَ في التَّضعيف. وكان أبو سَلَمةَ، وهو راوي الحديث، يُفتي بنحو هذا. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمةَ، قال: مَن خرَجَ من بَيتِه قبلَ أنْ يُسَلِّمَ الإمامُ فقد أدرَك (٢). فهذا أبو سَلَمةَ يُفتي بما يَرى من الفضل، وهو فَقيهٌ جليلٌ، رَوَى هذا الحديث، وعَلِمَ مَخْرَجَه، فوجَبَ ألا يُقطعَ في شيءٍ من الفضائل، فإنَّ اللهَ هو المُبتدِئُ بها والمتفضِّلُ، لا شريكَ له، إمّا على قدرِ النِّيّات، وإمّا لما شاء مما سبَق في علمِه، وإذا كانَ منتظِرُ الصلاةِ كالمصلِّي في الفضل، ومَن نوى الشيءَ كمَنْ عمِلَه في الفضائل، فأيُّ مَدخلٍ هاهنا للقياس والنظر؟ وسنَزيدُ هذا البابَ بيانًا في بابِ محمدِ بنِ المُنْكدرِ من كتابنا هذا، عند قوله ﷺ : "ما مِن

стр. 2569

امرئ يكونُ له صلاةٌ بليل، فيَغلِبُه عليها نومٌ، إلّا كتبَ الله له أجرَ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً عليه" (١). ونُوضِّحُ ذلك بالأثرِ الصحيح إنْ شاءَ الله تعالى. وأوْلى ما قيلَ به في هذا الباب من آراءِ الرجال، قولُ أبي هريرة وقولُ أبي سلَمةَ، لروايتِهما لهذا المعنى، ومَوضِعِهما من العلم، وظاهرُ هذا الحديث حجةٌ لمَن تقلَّدَه، وبالله التوفيق. وفي هذا الحديث من الفقه أيضًا، أنَّ مَن أدرَك ركعةً من الجمعة، أضافَ إليها أخرى، فصلَّى ركعتَين، ومَن لم يُدرِكْ منها ركعةً صلَّى أربعًا؛ لأنَّ في قوله ﷺ : "مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَك الصلاةَ" دليلًا على أنَّ مَن لم يُدركْ منها ركعةً فلم يُدرِكْها، ومَن لم يُدرِكِ الجمعةَ صلَّى أربعًا. وهذا موضِعٌ اختَلَفَ الفقهاءُ فيه؛ فذَهَبَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، والثَّوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ، والأوزاعيُّ، وزُفَرُ بنُ الهُذيل، ومحمدُ بنُ الحسن - في الأشْهَر عنه - والليثُ بنُ سعدٍ، وعبدُ العزيز بنُ أبي سَلَمةَ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، إلى أنَّ مَن لم يُدرِكْ ركعةً من صلاةِ الجمعة مع الإمام صلَّى أربعًا (٢). وقال أحمدُ: إذا فاتَه الرُّكوعُ صلَّى أربعًا، وإذا أدرَك ركعةً صلَّى إليها أُخرى، عن غير واحدٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، منهم: ابنُ مسعودٍ (٣)، وابنُ عمرَ (٤)، وأنسٌ (٥). ذكَرَه الأثْرَمُ، عن أحمدَ، ثم قال:

стр. 2570

حدَّثنا أحمدُ، قاله: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق (١)، عن مَعْمَر، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: إذا أدرَك من الجمُعةِ ركعةً صلَّى إليها أُخرى، وإذا أدرَكَهم جلوسًا صلَّى أربعًا. قال أبو عبد الله: ما أغرَبَه! يعني أنَّ هذا الحديثَ غريبٌ عن ابنِ عمرَ. وذكَرَ الأثْرَمُ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، وإبراهيمَ والزُّهريِّ مثلَه (٢). قال أبو عُمر: قد رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أيضًا مثلُه، وعن الحسنِ البَصْريِّ، وعَلْقَمةَ، والأسْوَدِ، وعُرْوةَ. وبه قال إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ (٣). وقال ابنُ شهابٍ: هي السُّنَّة. ذكرَ مالكٌ في "مُوَطَّئِه" (٤)، أنَّه سمِعَ ابنَ شهابٍ يقولُ: مَن أدرَك مِن صلاةِ الجمعةِ ركعةً فليُصلِّ أُخرى. قال ابنُ شهابٍ: وهي السُّنَّةُ. قال مالكٌ: وعلى ذلك أدرَكتُ أهلَ العلم ببلدِنا؛ وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أدرَك رَكعةً من الصلاةِ فقد أدرَكَ الصلاة". حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرٍ وعبدُ الله بنُ عمرَ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُبارك، عن مَعْمَرٍ والأوزاعيِّ ومالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أدرَك من الصلاةِ ركعةً فقد أدرَكَها"، قال الزُّهريُّ: فنَرى الجُمُعةَ من الصلاة (٥).

стр. 2571

وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسُف: إذا أحْرَم في الجمُعة قبلَ سلام الإمام، صلَّى ركعتَين. ورُوِيَ ذلك أيضًا عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، والحَكَم بن عُتَيْبَة، وحَمّادٍ (١). وهو قولُ داودَ (٢). واحتجُّوا بقول رسولِ الله ﷺ : "ما أدركْتُمْ فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتمُّوا" (٣). وقد رُوِيَ: "ما فاتَكم فاقْضُوا" (٤). قالوا: والذي فات ركعتانِ لا أربَعٌ، ومَن أدرَكَ الإمامَ قبلَ سلامِه، فقد أدرَكَ؛ لأنَّه مأمورٌ بالدخولِ معه. ورُوِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ القولانِ جميعًا، ورُوِيَ عنه أيضًا أنَّه قال: يُصلِّي أربعًا؛ يقعُدُ في الثِّنتَينِ الأُوليَيْن بمقدارِ التّشهُّدِ، فإنْ لم يفعلْ أمَرْتُه أنْ يُعيدَ أربعًا. قال أبو عُمر: في قوله ﷺ : "ما أدرَكْتم فصَلُّوا" (٥)، مع قولِ الجمهورِ فيمَنْ أدرَكَ الإمامَ قد رَفَعَ رأسَه من آخِرِ ركعةٍ: إنَّه يُصلِّي معَه السجدتَين والجُلوسَ، ولا يَعْتَدُّ بشيءٍ من ذلك، دليل على فَسادِ قول عبدِ العزيز بن أبي سَلَمةَ، حيث قال: إذا أدرَكَ الإمامَ يومَ الجمُعة في التشهدِ، قعَدَ بغيرِ تكبيرٍ، فإذا سلَّمَ الإمامُ قامَ وكبَّرَ ودخَلَ في صلاةِ نفسِه. قال: وإنْ قَعَدَ مع الإمام بتَكبيرٍ، سلَّمَ إذا فَرَغَ

стр. 2572

الإمامُ، وقامَ فكَبَّرَ للظُّهْر. وفي قوله ﷺ : "مَن أدرَكَ ركعةً من الصلاةِ فقد أدرَكَ الصلاةَ" فسادُ قول مَن قال: إنَّ مَن فاتَتْه الخُطبةُ يومَ الجُمعةِ صلَّى أربعًا؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَخُصَّ جمُعةً من غيرِها. وقد قال - بأنَّ مَن فاتَتْه الخُطبةُ صلَّى أربعًا - جماعةٌ من التّابِعين؛ منهم: عطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهِدٌ، ومكحولٌ (١). وقد حدَّثني محمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّانَ، قال: حدَّثنا هِشامُ بنُ عَمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الأوْزاعيُّ، قال: سألتُ الزُّهريَّ عن رجلٍ فاتَتْه خُطبةُ الإمام يومَ الجمُعةِ، وأدرَكَ الصلاة، فقال: حدَّثني أبو سَلَمةَ أنَّ أبا هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أدرَكَ ركعةً من صلاةٍ فقد أدرَكَها" (٢). واختلفَ العلماءُ في حدِّ إدراكِ الرَّكعةِ مع الإمام، فرُوِيَ عن أبي هريرةَ من طريقٍ فيه نَظَرٌ، أنَّه قال: مَن أدرَكَ القومَ رُكوعًا فلا يَعتدُّ بها (٣). وهذا قولٌ لا نَعلَمُ أحدًا قال به من فُقهاءِ الأمْصارِ ولا من عُلَماءِ التابعين، وقد رُوِيَ مَعناه
следующие страницы →