← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 258–297 · переход к 263.

стр. 258

كتابِ "تهذيبِ الآثار" عن يونُسَ، عن ابن وَهْب، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسندًا (١)، وكذلك روَاه سُحْنُونٌ، والحارثُ بنُ مِسْكينٍ، وأبو الطاهرِ أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْحِ، وسُليمانُ بنُ داودَ؛ كلُّهم عن ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسندًا. (وكذلك ذكَرهُ الدَّارَقطنيُّ من روايةِ أبي الطَّاهِرِ، وسُليمانَ بنِ داودَ، والحارثِ بنِ مِسْكينٍ، عن ابنِ وَهْبٍ مُسْنَدًا) (٢). وهو الصَّحيحُ مِن روايةِ ابنِ وَهْبٍ، والشافعيِّ، ومحمدِ بنِ خالدِ بن عَثْمةَ، وأبي مُصعبٍ. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الخَضِرِ الأسيوطيُّ ﵀ (٣). وحدَّثنا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ؛ قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٤)، قال: أخبرَنا هلالُ بنُ بِشْرٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ خالدِ بنِ عَثْمةَ، قال: أخبرَنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبة، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مَرَّ بامرأةٍ وهي في مِحَفَّتِها، فقيلَ لها: هذا رسولُ اللَّه ﷺ ، فأخَذَت بِعَضُدِ صَبِيٍّ معها، فقالت: ألِهذا حجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم، ولكِ أجْرٌ" (٥). أخبرَنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ، قال: أخبرَنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ ومحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي دُلَيْم ومحمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا

стр. 259

أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمرَ، قال: أخبَرنا الحارثُ بنُ مِسْكينٍ (١)، وسُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ عمرِو بنِ السَّرْحِ، قالوا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مرَّ بامرأةٍ وهي في خِدرِها أو مِحَفَّتِها ومعها صبيٌّ لها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولكِ أجرٌ" (٢). وأخبَرنا أبو القاسم عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ خالدٍ، قال: حدَّثنا تَمِيمُ ابنُ محمدِ بنِ تَمِيم أبو العباسِ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسْكينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاحٍ؛ قالا جميعًا: أخبرَنا سُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْبٍ، أنَّ مالكًا حدَّثه عن إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مَرَّ بامرأةٍ وهي في خِدْرِها معها صبِيٌّ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ فقال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" (٣). قال أبو عمر (٤): وكُلُّ ما في كتابِنا من "موطأ ابنِ وَهْبٍ"، فهو بهذين الإسنادين عن سُحْنُونٍ، وما كان من غيرِها ذكَرناه بإسنادِه إن شاءَ اللَّهُ. وأخبرَنا خلفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ النَّسائيُّ، قال (٥): أخبَرنا سُليمانُ بنُ داودَ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبة، عن كُريبٍ، عن ابنِ

стр. 260

عباسٍ (١)، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مرَّ بامرأةٍ وهي في خِدْرِها، معها صبيٌّ، فقالت: ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ". وروايةُ الشافعيِّ ذكَرها بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، عن حَرْمَلةَ بنِ يحيى، عن الشافعيِّ، أنه أخبَره عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مرَّ بامرأةٍ في مِحَفَّتِها، فقيل لها: هذا رسولُ اللَّه ﷺ ، فأخَذت بعَضُدِ صبيٍّ كان معها، فقالت: ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجْرٌ" (٢). وأخبَرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمر الدَّارَقطنيُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ سُليمانَ (٣). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحُسَينيَّ (٤) حدَّثهم بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامةَ بنِ سلَمةَ (٥) الأزْديُّ الطَّحَاوِيُّ، قال: أخبَرنا أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ؛ قالا: أخبَرنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: أخبَرنا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُرَيبٍ مَولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ

стр. 261

مرَّ بامرأةٍ في محَفَّتِها، فقيل لها: هذا رسولُ اللَّه ﷺ ، فأخذت بعَضُدِ صَبِيٍّ كان معها، فقالت: ألِهذا حجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نعم ولَكِ أجرٌ" (١). وأمَّا روايةُ أبي مُصعبٍ، فأخبَرنا بها أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ محمدِ بنِ يحيى قِراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الخَضِرِ الأسيوطيُّ، قال: حدَّثنا أبو الطاهرِ المدنيُّ القاسمُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ مهديٍّ. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُزَيْق (٢) بن جامِعٍ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابن عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مرَّ بامرأةٍ. فذكَر مثلَ حديثِ يحيَى (٣). وما كان في كتابِنا من روايةِ أبي مصعَبٍ، فهو من هذين الطَّرِيقَين. واختُلِف على ابنِ القاسم في هذا الحديثِ؛ فروَاه عنه سُحْنُونٌ مُرسلًا، كروايةِ يحيى وسائرِ الرواةِ، وروَاه عنه يوسفُ بنُ عَمْرٍو والحارثُ بنُ مِسْكينٍ مُتَّصِلًا مُسنَدًا، كرِوايةِ ابنِ وَهْبٍ وأبي مُصعبٍ ومَن تابَعهما (٤).

стр. 262

وقد رَوَى هذا الحديثَ عن إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ جماعةٌ من الأئمَّةِ الحُفَّاظِ، فأكثرُهم روَاه مُسنَدًا، وممَّن روَاه مُسندًا: مَعْمَرٌ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ (١)، وسُفيانُ بنُ عُيينةَ، وموسى بنُ عُقْبةَ (٢). واختُلِفَ فيه على الثَّوريِّ، كما اختُلِفَ على مالكٍ، وكان عندَ الثوريِّ عن إبراهيمَ ومحمدٍ ابْنَي عُقبةَ جميعًا، عن كُريبٍ. فروَاهُ أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، عن الثَّوريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ مُسنَدًا. ورَواهُ وَكِيعٌ عن الثَّوريِّ، عن محمدٍ وإبراهيمَ ابنَيْ عُقبةَ، عن كُرَيبٍ مُرْسَلًا (٣). ورَواهُ يحيى القطَّانُ، عن الثَّوريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مُرْسَلًا (٤). وعن الثَّوريِّ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسْنَدًا (٥)؛ فقطَع يحيَى القَطَّانُ عن الثَّوريِّ حديثَ إبراهيمَ، ووصَل حديثَ محمدٍ.

стр. 263

ورَواه محمدُ بنُ كثير، عن الثَّوريِّ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عباس مُتَّصِلًا (١). ومَنْ وصَلَ هذا الحديثَ وأسنَده، فقولُه أولَى، والحديثُ صحيحٌ مسنَدٌ ثابتُ الاتِّصالِ، لا يضُرُّه تقصيرُ مَن قَصَّرَ به؛ لأنَّ الذين أسنَدُوه حُفَّاظٌ ثقاتٌ. فأمَّا حديثُ ابنِ عُيينةَ عن إبراهيمَ بنِ عُقبَةَ، فحدَّثنا (٢) به أبو عُثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ يوسفَ التِّرْمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ الحُميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ عُقبةَ أخُو موسَى بنِ عُقبةَ، قال: سمِعتُ كُريبًا يُحَدِّثُ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: قفَلَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فلمَّا كان بالرَّوحَاءِ لَقِيَ رَكْبًا فسلَّم عليهم، فَرَدُّوا عليه، فقال: "مَن القومُ؟ "، قالوا: المسلمون، فمَن القومُ؟ فقالوا: رسولُ اللَّه ﷺ . ففَزِعت إليه امرأةٌ، فرفَعت إليه صبيًّا لها مِن مِحَفَّةٍ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال النبيُّ ﷺ : "نعم، ولَكِ أجرٌ". قال سفيانُ: وكان ابنُ المُنكدِرِ حدَّثناه أوَّلًا مُرسلًا، فقالوا لي: إنَّما سمِعه من إبراهيمَ. فأتيتُ إبراهيمَ فسألتُه، فحدَّثني به، وقال: حدَّثتُ به ابنَ المنكدِر، فحَجَّ بأهلِه كلِّهم. قال سُفيانُ (٤): وأخبَرني المُنْكَدِرُ بنُ محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن أبيه، أنه قيلَ له: أَتَحُجُّ بالصِّبيانِ؟ فقال: نعم، أعرِضُهم على اللَّه.

стр. 264

قال الحُميديُّ (١): وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، قال: قيلَ لابنِ المُنْكدِرِ: الحُجُّ وعليك دَينٌ؟ قال: الحَجُّ أقضَى للدَّينِ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٣): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ بالرَّوحاءِ. وذكَر الحديثَ. قال: ففَزِعت امرأةٌ، فأخَذَت بعَضدِ صَبِيٍّ فأخرَجَته من مِحَفَّتِها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، هل لهذا حَجٌّ؟ قال: " نعم، ولَكِ أجرٌ" (٤). وأمَّا حديثُ مَعْمَرٍ، فحدَّثْناه خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَبَّادٍ، قال: قرأتُ على عبدِ الرَّزاقِ (٥)، عن معمرٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لَقِيَ النبيَّ ﷺ ناسٌ مِن الأعرابِ، فقالوا: مَن أنتم؟ فقال أصحابُ النبيِّ ﷺ : نحن عبادُ اللَّه المُسلمون. قال: فسألوا عنهم، فقيل لهم: إنَّ النبيَّ ﵇ معهم، فعَلِقُوه يُسائلونَهُ، فأخرَجت امرأةٌ صبيًّا، فقالت: أيْ رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ".

стр. 265

ورواه محمدُ بنُ يوسفَ الحُذاقِيُّ (١)، عن عبدِ الرَّزاقِ، عن معمرٍ، عن إبراهيمَ، عن كُريبٍ مرسلًا. وإبراهيمُ بنُ عبَّادٍ أثبَتُ (٢). وأمَّا حديثُ موسى بنِ عُقبةَ، فأخبَرني عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ بَهْرَامَ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مَرَّ بامرأةٍ معها صبيٌّ لها صغيرٌ، فرفَعته لرسولِ اللَّه ﷺ بيدِها، فقالت: هل لهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ". قال أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الطائيُّ الأثرمُ الورَّاقُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀: الذي يَصِحُّ في هذا الحديثِ: كُرَيْبٌ مُرسَلٌ، أو عن ابنِ عباسٍ؟ فقال: هو عن ابنِ عباسٍ صحيحٌ. قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: إنَّ الثوريَّ ومالِكًا يرسِلانِه؟ فقال: مَعْمَرٌ وابنُ عُيينةَ وغيرُهما قد أسنَدُوه (٣). وأَمَّا روايةُ مَن وصَل حديثَ إبراهيمَ بنِ عُقبةَ هذا عن الثَّوريِّ من أصحابه، فأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، وخلفُ بنُ سعيدٍ، وعبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ، قالوا: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا

стр. 266

عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفَضلُ بنُ دُكينِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثوريُّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رَفَعَتِ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ صبيًّا، فقالت: ألِهذا حَجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" (١). وأمَّا رِوايةُ مَن وصَل عن الثَّوريِّ حدِيثَه في ذلكَ عن محمدِ بنِ عُقْبةَ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رفَعَتِ امرأةٌ صبيًّا لها في مِحَفّةٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجْرٌ" (٢). أخبَرنا (٣) عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى

стр. 267

القَطَّانُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ امرأةً رفَعت صبيًّا. . . فذكَر الحديثَ (١). وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ (٢). وعن عبدِ الكريمِ، عن طَاوُسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ (٣). في هذا الحديثِ من الفِقْهِ أُمورٌ: منها: الحَجُّ بالصِّبيانِ الصِّغارِ، وقد اختلَف العلماءُ في ذلك، فأجازَه مالكٌ، والشَّافعيُّ، وسائرُ فقهاءِ الحجازِ من أصحابِهما وغيرِهم، وأجازَه الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، وسائرُ فقهاءِ الكُوفيِّين، وأجازَه الأوزاعِيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، فيمن سلَك سبيلَهما من أهلِ الشَّام ومصرَ. وكلُّ مَن ذكَرناه يَستَحِبُّ الحجَّ بالصِّبيانِ، ويأمُرُ به ويَستَحسِنُه، وعلى ذلك جمهورُ العلماءِ من كلِّ قَرْنٍ. وقالت طائفةٌ: لا يُحَجُّ بالصبيانِ. وهو قولٌ لا يُشْتَغَلُ به ولا يُعرَّجُ عليه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حَجَّ بأُغَيلِمَةِ بَني عبدِ المطَّلِبِ، وحَجَّ السَّلفُ بصبيانِهم. وقال

стр. 268

- ﷺ في الصَّبيِّ: له حَجٌّ، وللذي يُحِجُّه أجرٌ. يعني بمعونَتِه له، وقيامِه في ذلك به، فسقَط كلُّ ما خالَف هذا من القولِ، وباللَّه التوفيق. ورَوَيْنا عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ أنَّه طافَ بعبدِ اللَّه بنِ الزُّبَيرِ في خِرْقَةٍ (١). وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ، عن الثَّوريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ، عن أبيه، قال: كانُوا يُحِبُّونَ إذا حَجَّ الصَّبيُّ أن يُجرِّدوه، وأن يُجَنِّبوه الطِّيْبَ إذا أحرَم، وأن يُلَبَّى عنه إذا كانَ لا يُحسِنُ التَّلبِيَةَ (٢). قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: يُحَجُّ بالصغيرِ، ويُرمَى عنه، ويُجنَّبُ ما يُجنَّبُ الكبيرُ من الطِّيبِ، ولا يُخمَّرُ رأسُه، ويُهدَى عنه إن تَمتَّعَ (٣). وقال مالكٌ ﵀ (٤): يُحَجُّ بالصَّبيِّ الصغير، ويُجرَّدُ للإحرام، ويُمنَعُ

стр. 269

من الطِّيبِ ومن كلِّ ما يُمنَعُ منه الكبير، فإن قَويَ على الطَّوافِ والسَّعْي ورَمْي الجِمار، وإلا طِيفَ به محمولًا، ورُمِيَ عنه، وإن أصاب صَيدًا فُدِىَ عنه، وإن (١) احتاجَ إلى ما يحتاجُ إليه الكبير، فُعِل به ذلك، وفُدِيَ عنه. قال أبو عُمر: قال مالك (٢): وما أصاب الصَّبيُّ من صيد، أو لباس، أو طِيب، فُدِيَ عنه. وبذلك قال الشافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة: لا جزاءَ عليه ولا فِدية (٤). وقال ابنُ القاسم (٥)، عن مالك: الصغيرُ الذي لا يتكلَّمُ إذا جُرِّد يُنْوَى بتجريدِه الإحرامُ. قال ابنُ القاسم (٦): يُغنِيه تجريدُه عن التَّلبيةِ عنه، لا يُلبِّي عنه أحدٌ. قال: فإن كان يتكلَّمُ لَبَّى عن نفسِه. قال (٧): وقال مالكٌ: لا يَطُوفُ به أحدٌ لم يَطُفْ طوافَه الواجب؛ لأنَّه يُدخِلُ طَوافين في طَواف. وقال ابنُ وَهْب، عن مالك: أرَى أن يطُوفَ لنفسِه، ثم يطوفَ بالصَّبيِّ، ولا يَركَعَ عنه، ولا شيءَ على الصَّبيِّ في رَكْعتَيه (٨) (٩).

стр. 270

قال أبو عُمر: فإن قيل: فما معنَى الحَجِّ بالصغيرِ وهو عندَكم غيرُ مُجْزِئ عنه من حجةِ الإسلام إذا بلَغ، وليس ممَّن تَجرِي الأقلامُ له وعليه؟ قيل له: أمّا جَرْيُ القلم له بالعمل الصّالح، فغيرُ مُستنكَرٍ أن يُكتَبَ للصَّبيِّ درجةٌ وحسنةٌ في الآخرةِ بصلاتِه، وزكاتِه، وحجِّه، وسائرِ أعمالِ البرِّ التي يعمَلُها على سُنَّتِها، تفضُّلًا من اللَّه عليه، كما تفَضَّلَ على الميِّتِ بأَنْ يُؤجَرَ بصدقَةِ الحيِّ عنه، ويلحَقَه ثَوابُ ما لم يقصِدْه ولم يعمَلْه، مثلُ الدُّعاءِ له، والصَّلاةِ عليه، ونحو ذلك، ألا ترَى أنَّهم أجمَعوا على أنْ أمَرُوا الصَّبيَّ إذا عقَل الصلاةَ بأن يُصَلِّي، وقد صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ بأنس، واليتيمُ معه، والعَجوزُ من ورائِهما (١). وأكثرُ السَّلفِ على إيجابِ الزَّكاةِ في أموالِ اليَتامى، ويستحيلُ ألّا يُؤجَرُوا على ذلك، وكذلك وصاياهم إذا عقَلوا، وللذي يقومُ بذلك عنهم أجرٌ، كما للَّذي يُحِجُّهم أجرٌ، فَضْلًا من اللَّه ونعمةً، فلأيِّ شيءٍ يُحرَمُ الصغيرُ التعرُّضَ لفضلِ اللَّه؟ وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطّابِ ﵁ معنى ما ذكَرتُ، ولا مُخالِفَ له أعلَمُه ممَّن يجبُ اتِّباعُ قولِه. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البزّارُ (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا يحيى البكّاءُ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطّاب: تُكتَبُ للصَّغيرِ حسناتُه، ولا تُكتَبُ عليه سيِّئاتُه (٣).

стр. 271

واختلَف العلماءُ أيضًا في حَجِّ الصَّبيِّ؛ هل يُجزِئُه إذا بلَغ من حَجَّةِ الإسلام أم لا؟ فالذي عليه فقهاءُ الأمصارِ الذينَ (١) قدَّمنا ذِكْرَهم في هذا الباب، أنَّ ذلك لا يُجزِئُه إذا بلَغ من حجَّة الإسلام. ذكر أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ في كتابه في "شرح معاني الآثار" (٢) حديثَ إبراهيمَ بن عُقبةَ هذا عن كُريْب، عن ابنِ عباس، أنَّ امرأةً سألتِ النبيَّ ﷺ عن صبيٍّ: هل لهذا حَجٌّ؟ فقال: "نعم، ولكِ أجرٌ". قال أبو جعفر: فذهَب قومٌ إلى أنَّ الصَّبيَّ إذا حَجَّ قبلَ بُلُوغِه، أجزأه من حَجّةِ الإسلام، ولم يكُنْ عليه أنْ يحُجَّ بعدَ بُلوغِه، واحتَجُّوا في ذلك بهذا الحديث. قال: وخالَفهم آخَرون، فقالوا: لا يُجزِئُه من حجةِ الإسلام، وعليه بعدَ بُلوغِه حجةٌ أخرى. قال: وكان من الحُجَّةِ لهم عندَنا على أهل المقالةِ الأولى أنَّ هذا الحديثَ إنّما فيه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أخبَر أنَّ للصَّبيِّ حَجًّا، وهذا ممّا قد أجمعَ الناسُ عليه ولم يختلِفوا فيه؛ أنَّ للصَّبيِّ حَجًّا، وليس ذلك عليه بفريضة من جهةِ القياس؛ كما له صلاةٌ وليست الصلاةُ عليه بفريضة، فكذلك أيضًا قد يجوزُ أن يكونَ له حَجٌّ وليس الحجُّ عليه بفريضة، وإنّما هذا الحديثُ حُجَّةٌ على مَن زعَم أنَّه لا حَجَّ للصبيِّ، فأمّا مَن يقول: إنَّ له حَجًّا، وإنّه غيرُ فريضةٍ عليه. فلم يُخالِفْ شيئًا من هذا الحديث، وإنّما خالَف تأويلَ مخُالِفِه خاصّةً، وهذا ابنُ عباس هو الذي روَى هذا الحديثَ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم قد صَرَفَ حَجَّ الصَّبيِّ إلى غير الفريضة، وأنّه لا يُجْزِئُه بعد بُلوغِه عن حجّةِ الإسلام، وقد زعَموا أنَّ مَن روَى حديثًا فهو أعلمُ بتأويلِه.

стр. 272

قال (١): أخبرنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ رَجاء، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، قال: سمِعتُ ابنَ عباس يقول: أيُّما غُلام حَجَّ به أهلُه فماتَ فقد قَضى حجَّةَ الإسلام، فإنْ أدرَكَ فعليه الحَجُّ، وأيُّما عبدٍ حَجَّ به أهلُه فماتَ فقد قفَى حجَّةَ الإسلام، وإنْ عَتقَ فعليه الحَجُّ. قال (٢): وحدَّثنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلَمة، عن يونسَ بنِ عُبيد، عن عُبيدٍ (٣) صاحب الحُلَى (٤)، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ عن المَمْلوك إذا حَجَّ، ثم عَتقَ بعدَ ذلك؟ قال: عليه الحَجُّ. وعن الصَّبيِّ يَحُجُّ، ثم يحتَلِمُ؟ قال: يَحُجُّ أيضًا. قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ الفقهاءِ بالأمصار، وأئمّةُ الأثَر، إلّا أنَّ داودَ بنَ عليٍّ خالفَ في المملوك، فقال: تجزِئُه عن حَجّةِ الإسلام، ولا تُجْزِئُ الصَّبيَّ. وفرَّق بينَ الصَّبيِّ والمملوك؛ لأنَّ المملوكَ مخاطَبٌ عندَه بالحَجِّ، فلَزِمَه فَرضُه، وليس الصَّبيُّ ممّنْ خوطِبَ به (٥)؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "رُفِعَ القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يحتلِمَ" (٦).

стр. 273

قال أبو عمر (١): وفي قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "رُفِعَ القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يَحتَلِمَ". دليلٌ واضح على أنَّ حَجَّ الصَّبيِّ تَطَوُّع، ولم يؤدِّ (٢) به فرضًا، لأنَّه محُالٌ أنْ يؤدِّيَ فرضًا مَن لم يَجبْ عليه الفرضُ، وأمّا المملوك، فهو عندَ جمهورِ العلماءِ خارجٌ من الخطاب العامِّ في قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. بدليل عدَم التَّصرُّف، وأنَّه ليس له أن يحُجَّ بغيرِ إذنِ سيِّدِه، كما خرَج من خطابِ الجُمُعة، وهو قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآيةَ [الجمعة: ٩]. عندَ عامّةِ العلماءِ إلّا مَن شَذَّ، وكما خرَج من خطابِ إيجابِ الشَّهادة؛ قال اللَّهُ : ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يَدخُلْ في ذلك العبدُ، وكما جازَ خروجُ الصَّبيِّ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. وهو من الناس، بدليل رَفع القلم عنه، وخرجتِ المرأةُ من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، وهي ممّن شَمِلَه اسمُ الإيمان، فكذلك خُروجُ العبدِ من الخطابِ المذكورِ بما ذكَرنا من الدَّليل، وهو قولُ فقهاء الحجاز، والعراق، والشَّام، والمغرب، ومثلُهم لا يجوزُ عليهم تحريفُ تأويل الكتاب البتَّة بحال. فإن قال قائلٌ ممن يرَى أنَّ حَجَّ الصَّبيِّ يُجزِئُ عنه إذا بلَغ: إنَّ الصَّبيَّ إنّما لم يجبْ عليه الحَجُّ لأنَّه ممّن لا يستطيعُ السَّبيلَ إليه، فإذا بُلِغَ به البيتُ وجَب عليه الحَجُّ، وأجزَأه، كسائرِ مَن لا يَلْزَمُه الحَجُّ من البالغين؛ لعدَم الاستِطاعة، فإذا وصَل إلى البيتِ لَزِمَه الحَجُّ، فإذا فعَلَه أجْزَأ عنه. قيل له: إنَّ الذي لا يَجدُ السَّبيلَ إلى الحَجِّ إنّما سقَط عنه الفرضُ لعَدَم الوُصولِ إلى البيت،

стр. 274

فإذا وصَل إليه، تعيَّن عليه الفَرْضُ وارتفَعَتْ علَّتُه، وصار من الواجِدِين السَّبيل، فوجَب عليه الحَجُّ لذلك. وأما الصَّبيُّ ففَرْضُ الحَجِّ غيرُ واجبٍ عليه (١)، كما لا تَجِبُ عليه الصَّلاةُ ولا الصِّيامُ، فهو قبلَ وُصولِه إلى البيتِ وبعدَ وُصولِه سواءٌ؛ لرَفْع القلم عنه، فإذا بلَغ الحُلُمَ فحينَئذٍ وجَب عليه الحَجُّ. أخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ (٢)، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يونُسَ الكُدَيميُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عبادة، قالا جميعًا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاءِ بنِ السَّائب، عن أبي ظَبيان - قال في حديث عفّان: الجَنبيِّ. ثم اتَّفقا عن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "رُفِع القلمُ عن ثلاثة؛ عن النّائم حتى يستيقِظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يبلُغَ، وعن المَجْنون حتّى يُفِيقَ" (٣). قال يحيى بنُ معين (٤): روايةُ حمّادِ بنِ سلمةَ عن عطاءِ بنِ السَّائبِ صَحيحَةٌ؛ لأنَّه سمِع منه قبلَ أن يتغيَّر، وكذلك سماعُ الثوريِّ وشعبةَ منه. وروى حمادُ بنُ سلمة، عن حمّادٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة،

стр. 275

أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "رُفِع القلمُ عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يَستيقظ، وعن المُبتلَى حتى يَبرَأ، وعن الصَّبيِّ حتى يَعقِلَ" (١). وذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبَر نا ابنُ جريجٍ، عن عطاء، قال: تَقضي حَجَّةُ الصغيرِ عنه، فإذا عقَل فعليه حَجَّةٌ واجبةٌ (٢). وعن مَعْمَر، عن ابنِ طاووس، عن أبيه مثلَه (٣). وذكَر الثَّوريُّ، عن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ما تقدَّمَ عنه من حديثِ الطَّحاويِّ في هذا الباب (٤). وعن ابن عيينة، عن مُطرِّف، عن أبي السَّفَر، عن ابن عبّاس مثلَه (٥). وعن الثوريِّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عبّاسٍ مثلَه (٦).

стр. 276

قال أبو عُمر: لا خلافَ عَلِمتُه فيمَن شهِد مناسكَ الحَجِّ وهو لا يَنْوي حَجًّا ولا عُمرة، والقَلَمُ جارٍ عليه وله، أنَّ شُهودَها بغيرِ نيةٍ ولا قَصْدٍ غيرُ مُغْنٍ عنه، وخُصَّ الصَّبيُّ بما ذكَرنا، وإنْ لم يكُنْ له قَصْدٌ ولا نِيَّةٌ لِما وصَفنا. واختَلَف الفقهاءُ في المُراهقِ والعبد، يُحرِمان بالحَجِّ، ثم يَحتلِمُ هذا، ويعتِقُ هذا قبلَ الوقوفِ بعرفة. فقال مالكٌ وأصحابه (١): لا سبيلَ إلى رفْضِ الإحرام لهذَين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامِهما، ولا يُجزِئُهما حَجُّهما عن حجةِ الإسلام. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إذا أحرَم بالحَجِّ مَن لم يبلُغْ من الغِلمان، ثم بلَغ قبلَ أن يقفَ بعرفة، فوقَف بها بعدَ بُلوغِه، لم يُجْزِئْه ذلك من حجةِ الإسلام، فإنْ جدَّد إحرامًا بعدَما بلَغ أجزأه (٢). وقالوا: إن دخَل عبدٌ مع مولاه فلم يُحرِمْ من الميقات، ثم أذِن له فأحرَم من مكّةَ بالحَجِّ، فعليه الدَّمُ إذا أُعتِقَ لتَرْكِه الميقات، وليس ذلك (٣) على النصرانيِّ يُسلِم، ولا على الصَّبيِّ يَحتَلِمُ، لسُقوطِ الإحرام عنهما (٤)، ويجبُ على السيِّد أن يأذَنَ لعبدِه في الحَجِّ إذا بلَغ معه، لأنَّ العبدَ لا يدخُلُ مكّةَ بغيرِ إحرام (٥).

стр. 277

وقال (١) أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا أحرَمَ الصبيُّ ثم بلَغ في حالِ إحرامِه، فإن جدَّد إحرامًا قبلَ وقوفِه بعرفَة أجزأه، وإنْ لم يجدِّدْ إحرامًا لم يجزئْه. قالوا: وأما العبدُ فلا يجزئُه من حجةِ الإسلام وإن جدَّد إحرامًا (٢). قال أبو عُمر: إنما أوجَبوا الدمَ على العبد في تَرْكِه الميقاتَ على مذهبِهم؛ لأنه لا يجوزُ للعبدِ أن يدخُلَ مكةَ بغيرِ إحرام، وهو والحرُّ في ذلك سواء، وليس الصَّبيُّ ولا النصرانيُّ كذلك؛ لأنهما لا يلزَمُهما الإحرامُ لدخولِ مكة؛ لسقوطِ الفرضِ عن كلِّ واحدٍ منهما، الصبيُّ لصغرِه، والكافرُ لكفرِه، فإذا أسلمَ الكافرُ وبلَغ الصبيُّ بمكة، كان حكمُهما حكمَ المكيِّ ولا شيءَ عليهما في تركِ الميقات. وقال مالكٌ (٣) في النصرانيِّ يُسلِمُ عشيةَ عرفةَ فيحرِمُ بالحجِّ: يجزئُه حجُّه من فرضِه ولا دمَ عليه. قال أبو عُمر: هذا على أصلِه فيمن جاوزَ الميقاتَ وهو لا يريدُ الإحرام، ثم بدا له في الحجِّ فأحرم، أنه لا دمَ عليه، وإنما يلزَمُه الدمُ إذا أرادَ الحجَّ ولم يُحرِمْ من الميقات. وقال الثوريُّ: النصرانيُّ يسلِمُ بمكةَ هو بمنزلةِ المولودِ بمكة. قال: وأما العبدُ فيلزَمُه إن عَتقَ أن يخرُجَ إلى الميقات (٤).

стр. 278

وقال الشافعيُّ (١): إذا أحرَمَ الصَّبيُّ، ثم بلَغ قبلَ الوُقوفِ بعرفَة، فوقَف بها مُحرِمًا، أجزَأه ذلك من حجةِ الإسلام، وكذلك العبدُ إذا أحرَم، ثم عَتقَ قبلَ الوُقوفِ بعرفة، فوقَف بها مُحرِمًا، أجزأه من حجةِ الإسلام، ولم يَحتَجْ إلى تجديدِ إحرام واحدٌ منهما. قال (٢): ولو عَتقَ العبدُ بمزدلِفة، أو بلَغ الصَّبيُّ بها، فرجَعا إلى عرفةَ بعدَ العتقِ والبُلُوغِ فأدرَكا الوقوفَ بها قبلَ طلوع الفجر، أجزَأت عنهما من حجةِ الإسلام، ولم يكُنْ عليهما دَمٌ، ولو احتاطَا فأهْرَقا دمًا كان أحبَّ إليَّ. قال: وليس ذلك بالبَيِّن عندي. قال (٣): فأمّا الغلامُ يبلُغُ والعبدُ يَعتِقُ والكافرُ يُسلِمُ بعرفةَ أو مزدلفةَ ولم يكنْ واحدٌ منهم أحرَم، ثم أحرَم بعدَ بلوغِه أو عِتقِه أو إسلامِه بمكةَ أو بعرفةَ أو بمزدلفة، فهؤلاء عليهم دمٌ واجبٌ لتركِ الميقات. قال أبو عُمر: قد قال بكُلِّ قولٍ من هذه الأقاويل الثلاثةِ جماعة من علماءِ التَّابعين وفُقهاءِ المسلمين، ومُراعاةُ عرفةَ بإدراكِ الوقوفِ بها ليلةَ النَّحْر قبلَ طلوع الفجرِ إجماعٌ من العلماء؛ لقوله ﷺ : "الحجُّ عرفاتٌ" (٤). وسنذكُرُ هذا في

стр. 279

بابِ ابنِ شهاب، عن سالم، ونذكُرُ هناك ما للعلماءِ من التَّنازع في كيفيّة فرضِ وقتِها، وأنّه لا حَجَّ لمن لم يَقفْ بها إن شاء اللَّه. فمِن حُجَّةِ مالكٍ ومَن قال بقوله: أمْرُ اللَّه كلَّ مَن دخَل في حَجٍّ أو عمرةٍ بإتمام ما دخَل فيه؛ بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومَن رَفَض إحرامَه فلم يُتِمَّ حَجَّه، ولا عُمْرَتَه. ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ أنَّ الحَجَّ الذي كان فيه لمّا لم يكُنْ يجْزِئُ عنه، ولم يكُنِ الفَرْضُ لازِمًا له حينَ أحرَمَ به، ثم لزِمه حينَ بلَغ، استحالَ أن يَشتغلَ عن فَرْضٍ قد تعيَّن عليه بنافلةٍ ويُعطِّلَ فرضَه، كمن دخَل في نافلةٍ وأُقيمَتْ عليه المكتوبة، وخشِيَ فوتَها، قطَع النافلةَ ودخَل في المكتوبة، واحتاجَ إلى الإحْرام عندَ أبي حنيفة؛ لأنَّ الحَجَّ عندَه مُفتَقِرٌ إلى النِّيَّةِ والإحرام، وهما من فرائضه عندَه. وأمّا الشافعيُّ فاحتجَّ بهذه الحُجَّةِ التي ذكَرناها لأبي حنيفة، واحتَجَّ في إسقاطِ تجديدِ النِّيَّةِ بأنّه جائز لكلِّ مَن نوَى بإهلالِه الإحرام، أن يصرِفَه إلى ما شاء من حَجٍّ أو عُمرة، بحديثِ عليٍّ؛ إذ قال له رسولُ اللَّه ﷺ حينَ أقبَل من اليَمنِ مُهِلًّا بالحَجِّ: "بمَ أهلَلتَ؟ ". قال: قلت: لبيكَ اللهُمَّ بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّ ﷺ . فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "فإنِّي أهللتُ بالحَجِّ وسُقتُ الهَديَ". ولم يُنكِرْ عليه رسولُ اللَّه مقالتَه، ولا أمَره بتجديدِ نيّةٍ لإفرادٍ، أو قِرانٍ، أو مُتعَة. وذكَر البخاريُّ، قال (١): حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّل، عن حُميد، قال: حدَّثنا بكرٌ أنّه ذَكَرَ لابنِ عمرَ أنَّ أنسًا حدَّثهم أن النبيَّ ﷺ أهَلَّ بعُمرةٍ وحجة، فقال: أهَلَّ النبيُّ ﷺ بالحَجِّ، وأهلَلْنا به، فلمّا قَدِمنا مكة، قال:

стр. 280

"مَن لم يكنْ معه هَدْيٌ، فليَجعَلْها عُمرةً". وكان مع النبيِّ ﷺ هديٌ، فقدِم علينا عليُّ بنُ أبي طالب من اليَمَن حاجًّا، فقال له النبيُّ ﷺ : "بمَ أهلَلْتَ؛ فإنَّ معنا أهْلَك؟ ". فقال: أهْلَلْتُ بما أهلَّ به النبيُّ ﷺ . قال: "فأمسِكْ، فإنَّ معنا هَديًا". قال البخاريُّ (١): وحدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيم، عن ابنِ جُريج، عن عطاء، عن جابرٍ، قال: أمَر النبيُّ ﷺ عليًّا أن يُقيمَ على إحْرامِه. قال جابر: وقَدِم عليٌّ من سِعايَتِه، فقال له النبيُّ ﷺ : "بمَ أهْلَلْتَ يا عليُّ؟ ". قال: بما أهَلَّ به النبيُّ. قال: "فأهْدِ، وامكُثْ حَرامًا كما أنتَ". وحديثُ أبي موسى عن النبيِّ ﷺ بمثلِ معنَى حديثِ عليٍّ عنه في ذلك سواءٌ، وكلاهُما حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ. ذكر البخاريُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن طارقِ بنِ شهاب، عن أبي موسى، قال: بعَثني النبيُّ ﷺ إلى قَوْمي (٣) باليَمَن، فجِئْتُ وهو بالبَطحاء، فقال: "بمَ أهْلَلْتَ؟ ". قلتُ: أهْلَلْتُ بإهلالِ النبيِّ ﷺ . قال: "هل معك هَدْيٌ؟ ". قلتُ: لا. وذكَر الحديث. ففي هذين الحديثَيْن أنَّ عليًّا وأبا موسى لم يَنوِيا شيئًا مُعيَّنًا من حَجٍّ مُفرَد، ولا عمرة، ولا قِرَان، وإنّما أهلّا مُحْرِمَيْن، وعلَّقا النَّيَّة في عَمَلِهما بما نَواه وعَمِلَه

стр. 281

غيرُهما؛ وهو رسولُ اللَّه ﷺ ، فدلَّ ذلك، واللَّهُ أعلمُ، على أنَّ النِّيَّةَ في الإحرام بالحَجِّ ليس كالنِّيَّة في الإحرام بالصلاة، ألا تَرى أنَّ الدُّخولَ في الصلاةِ مُفتقِرٌ إلى القولِ والنِّيَّة جميعًا، وهو التَّكبيرُ واعتقادُ تعيينِ الصلاةِ بعينِها؟ وليس الحجُّ كذلك، لأنَّه يَصِحُّ عندَهم بالنِّيَّة دونَ التَّلبية، ألا تَرى أنَّ الحَجَّ قد يُدخَلُ فيه بغيرِ التَّلبيةِ من الأعمال، مثلَ إشعارِ الهَدي، والتَّوجُّهِ نحوَ البيتِ إذا نَوى بذلك الإحرام؟ ومثلَ أن يقول: قد أحرَمتُ بالحَجِّ، أو بالعُمرة، أو نحوَ ذلك، ولا يصِحُّ الإحرامُ في الصَّلاة إلّا بالتكبير، فلهذا جازَ نقلُ الإحرام في الحَجِّ من شيءٍ إلى مثلِه، ويُصحِّحُ ذلك قولُ رسولِ اللَّه ﷺ : "مَن لم يكنْ معه هَديٌ، فلْيجعَلْها عُمرة". فأجازَ أنْ يدخُلَ فيه بوجهٍ ويصرِفَه إلى غيرِه، ولهذا قال: إنّه يدخُلُ فيه الصغير، ثم يبلُغُ فيَبني على ذلك في عملِه، إذا صَحَّ له الوقوفُ بعرفة؛ لأنَّه أصلُ الحَجِّ الذي يُبنَى عليه ما سِواه منه، والكلامُ في هذه المسألةِ يطول، وفيما لوَّحنا به مَقنَعٌ إن شاء اللَّه. وقد ذكَر الربيعُ في كتاب البُوَيطيِّ، عن الشّافعيِّ، قال: ولو لبَّى رجلٌ ولم يَنْوِ حَجًّا ولا عُمرةً، لم يكُنْ حاجًّا ولا معتمِرًا، ولو نَوَى ولم يُحرِمْ حتى قضَى المناسك، كان حَجُّه تامًّا (١). واحتَجَّ بحديثِ النبيِّ ﷺ : "الأعمالُ بالنِّيَّة" (٢). قال: ومَن فعَل مثلَ فِعْل عليٍّ ﵁ حينَ أهَلَّ على إهلالِ النبيِّ ﷺ أجزأتْه تلكَ النِّيَّة؛ لأنَّها وقَعَت على نِيَّةٍ لغيره قد تقدَّمت.

стр. 282

قال أبو عُمر: فإن لم يكُنِ العبدُ أحرَم، ولا الصَّبيُّ، أو كان ذِمِّيٌّ دخَل مكةَ وهو كَرِيٌّ لبعضِ الحاجّ (١)، فرُزِق الإسلام، فأسلَم وهو بعرفة، أو بمكةَ قبلَ عرفة، فإنَّه يُحرِمُ بالحَجِّ إن أراد الحَجَّ من مكة، أو بعرفة، فإن أدرَك الوقوفَ بعرفةَ قبلَ طُلوع الفجرِ من ليلةِ النَّحْر، فقد أدرَك الحَجَّ، ويُجْزِئُه ذلك من حجةِ الإسلام، ولا دَمَ عليه في قولِ مالك. وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: عليه دَمٌ لتَرْكِ الميقاتِ وحَجُّه تامٌّ (٢). وسيأتي القولُ في النِّيَّةِ بالحَجِّ عندَ ذِكْرِ التلبيةِ به في حديثِ نافع (٣)، عن ابنِ عُمرَ، من كتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه .

стр. 283

إبراهيمُ ابنُ أبي عَبْلة (١) أبو إسحاق، وقيل: أبو إسماعيل. قيل: إنه عُقَيليٌّ من بني عُقَيل بنِ كعبِ بنِ ربيعةَ بنِ عامرِ بنِ صَعْصعة، وقد قيل (٢): إنه تميميٌّ، فاللَّهُ أعلم. واسمُ أبي عبلة شِمْرُ بن يَقْظانَ بن المُرتَحِل، هو معدودٌ في التابعين. رأى ابنَ عُمرَ، وأدرك أَنَسٍ بنَ مالك، وأبا أُمامة، وربيبَ عُبادةَ بنِ الصامتِ أبا أُبيّ (٣) ابنِ أُمِّ حرام، وروى عنهم، واختُلف في سماعه من واثلة بن الأسقع. سكن الشامَ، وعُمِّر طويلًا، ومات في خلافة أبي جعفر سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومئة. وكان ثقةً فاضلًا، له أدبٌ ومعرفة، وكان يقولُ الشِّعرَ الحَسن. وكان (٤) مسْكَنُه بالشام الرَّملة. روى عنه جماعةٌ جلةٌ: مالكٌ، والليث، ويونسُ بنُ يزيدَ، وبكْرُ بنُ مضَر. لمالك عنه في "الموطأ" من حديث رسولِ اللَّه ﷺ حديثٌ واحدٌ مرسلٌ وهو: مالكٌ (٥)، عن إبراهيمَ بنَ أبي عَبْلَة، عن طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ كَريز (٦)،

стр. 284

أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما رُئي (١) الشَّيطانُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أحقرُ ولا أدحَرُ ولا أغيظُ منه في يوم عرفة، وما ذلكَ إلّا لِما رأى من تَنزّلِ الرحمة، وتجاوزِ اللَّه عن الذُّنوب العِظام، إلّا ما رأى يومَ بدر". قيل: وما رأى يومَ بدرٍ يا رسولَ اللَّه؟ فقال: "أمَا إنّه قد رأى جبريلَ يَزَعُ الملائكة". قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "الموطّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ له عن مالك (٢). ورواه أبو النَّضرِ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ العِجليُّ، عن مالك، عن إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلة، عن طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ كَرِيز، عن أبيه. ولم يقل في هذا الحديث: "عن أبيه" غيرُه، وليس بشيء. وطلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه بنِ كَريزٍ هذا خُزاعيٌّ من أنفُسِهم، تابعيٌّ مدَنيٌّ ثقةٌ، سمِع ابنَ عمرَ وغيرَه، وقال البخاريُّ (٣): طلحةُ بنُ عُبيد اللَّه بن كَرِيز الكَعْبيُّ المَدَنيُّ، سمعَ أُمّ الدَّرْداء. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ حسنٌ (٤) في فضلِ شُهودِ ذلك الموقفِ المبارك.

стр. 285

وفيه دليلٌ على التَّرغيب في الحَجِّ، ومعنى هذا الحديثِ محفوظٌ من وجوهٍ كثيرة. وفيه دليلٌ على أنَّ كلَّ مَن شهِد تلكَ المشاهدَ يغفِرُ اللَّهُ له إن شاء اللَّه. وفيه أنَّ شُهودَ بدرٍ أفضَلُ من كلِّ عملٍ يعمَلُه الإنسانُ بعدَه إلى يوم القيامة، نَفْلًا كان أو فَرْضًا؛ لأنَّ هذا القولَ كان منه ﷺ في حَجَّةِ الوداع. وفيه الخبرُ عن حسَدِ إبليسَ وعداوتِه لعَنه اللَّه (١). وفيه دليلٌ على أنَّ الحَسودَ يجدُ في نفسِه ذِلّةً لعدَمِه ما أُوتِيه المَحْسُود. وأمّا قوله: "أصغرُ، وأحقرُ، وأغيَظُ". فمُسْتَغْنٍ عن التفسيرِ لوُضوح معاني ذلك عندَ العامّةِ والخاصّة.

стр. 286

وأما قولُه: "أدْحَرُ". فمعناه أبعدُ من الخيرِ وأهونُ، والأدْحَرُ: المطرُودُ المُبعَدُ من الخير المُهان، يقال: ادْحَرْه عنك؛ أي: اطْرُدْه وأبْعِدْه. وأمّا قولُه: "يَزَعُ الملائكة". فقال أهلُ اللُّغة: معنى يَزَعُ: يَكُفُّ ويَمنَعُ. إلّا أنّها هاهُنا بمعنى يُعبِّئُهم ويُرتِّبُهم للقتالِ ويَصُفُّهم، وفيه معنَى الكَفِّ؛ لأنَّه يَمْنَعُهم عن الكلام (١) من أنْ يَشِفَّ بعضُهم على بعض (٢)، ويخرُجَ بعضُهم عن بعضٍ في التَّرتيب. قالوا: ومنه قولُ اللَّه : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. وقد تَكْني العربُ بهذه اللفظةِ عن الموعظة؛ لِما فيها من معنى الكفِّ والمنع والرَّدع والزَّجر، قال النابغةُ الذبيانيُّ (٣): على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا ... وقلتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازعُ وقال لَبيدٌ العامريُّ (٤): إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَّ أنَّهُ ... قضَى عمَلًا والمرءُ ما عاشَ عاملُ فقُولا له إنْ كان يَعقِلُ أمْرَهُ ... ألمَّا يَزَعْكَ الدَّهْرُ أُمُّكَ هابِلُ

стр. 287

وقال المعلوطُ السَّعدِيُّ (١): ولمَّا تلاقَيْنا جرَتْ من جفُونِنا ... دموعٌ وَزَعْنا غربَها بالأصابعِ وقال آخرُ: وقد لاح في عارِضَيْكَ المَشِيبُ ... ومثلُكَ بالشَّيْبِ قد يُوزَعُ وقال آخرُ (٢): ولا يَزَعُ النفسَ اللَّجُوجَ عن الهَوَى ... مِن الناسِ إلا وافِرُ العَقْلِ كامِلُهْ وقال آخرُ (٣): امنَعْ فؤادَكَ أنْ يَميلَ بك الهَوَى ... واشدُدْ يدَيكَ بحَبْلِ دينِك واتَّزعْ وروى محمدُ بنُ إسحاق (٤)، عن يحيى بنِ عَبادِ بن عبدِ اللَّه بنِ الزُّبير، عن أبيه، عن جدِّه، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، قالت: لمّا وقَفَ رسولُ اللَّه ﷺ بذي طُوًى، يعني يومَ الفتح، قال أبو قُحافة - وقد كُفَّ يومئذٍ بصَرُه - لابنَتِه: اظْهَرِي بي على أبي قُبَيْس. قالت: فأشرَفتُ به عليه. فقال: ما تَرَيْنَ؟ قالت: أرى سوادًا

стр. 288

مجُتَمِعًا. قال: تلك الخيلُ. قالت: وأرَى رجلًا بينَ السَّواد مُقبِلًا ومُدبرًا. قال: ذلك الوازعُ يمنعُها أن تَنتشِرَ، وذكَر تمامَ الحديث. وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي الأصبَغ الإمامُ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنْباع رَوْحُ بنُ الفرج، قال: حدَّثنا أبو زيد بنُ أبي الغَمْر، قال: حدَّثنا ابنُ القاسم (٢)، قال: حدَّثنا مالكٌ، أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ كان يقول: ما يَزَعُ الإمامُ أكثرُ مما يَزَعُ القرآن. أي: من الناس. قال: قلتُ لمالك: ما يَزَعُ؟ قال: يَكُفُّ (٣). وذكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ في كتاب "المعرفة" له، قال: حدَّثنا عفان (٤)، قال: أخبرنا إسماعيلُ، يعني ابنَ عُلية، عن ابنِ عونٍ (٥)، قال: سمِعتُ الحسنَ وهو في مجلسِ قَضائِه، فلمّا رأى ما يصنَعُ الناسُ قال: واللَّه، ما يُصْلِحُ هؤلاء الناسَ إلّا وَزَعَةٌ. قال إسماعيلُ: يَزَعونَهم؛ أي: يمنعُونَهم. ومنه الحديثُ الذي حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ (٦)، أنَّ أباه حدَّثه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مخلَد، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٧): أخبرَنا حسينُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ حازم،

стр. 289

عن نافع، عن ابنِ عمر، أنّه رأى رُؤْيا؛ كأنَّ ملكًا انطَلَق به إلى النّار، فلَقِيَه ملَكٌ آخَرُ وهو يَزَعُه، فقال: لِمَ تَزَعُ هذا؟ نِعْمَ الرَّجُلُ لو كان يُصلِّي من اللَّيل. قال: فكان بعدَ ذلك يُطيلُ الصلاةَ بالليل. ومنه الحديثُ الذي يُروَى عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ إن صَحَّ عنه أنّه قال: لا أُقِيدُ من وَزَعَةِ اللَّه (١). قال ذاك في بعضِ عُمّالِه. وقد رُوِيت آثارٌ في معنى حديثِ إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلةَ هذا في يوم عرفة، أنا ذاكِرٌ منها ما حضَرني ذِكرُه بحُسنِ عونِ ربِّي، لا إلهَ إلَّا هو. حدَّثنا أبو القاسم أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الحافظُ بمصرَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا مَخرَمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، عن يونس، وهو ابنُ يوسف، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما مِن يومٍ يُعتِقُ اللَّهُ فيه أكثرَ من يومِ عرفة" (٢). وأخبرنا أحمدُ بنُ فَتْح بنِ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ الكنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ إبراهيم، قال (٣): حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ

стр. 290

وَهْب، عن مَخرَمةَ بنِ بُكير، عن أبيه، عن يونس، وهو ابنُ يوسف، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما مِن يوم أكثرَ أن يُعتِقَ اللَّهُ فيه عبدًا من النارِ من يوم عرفة، وإنّه لَيَدْنُو ثم يُباهي بهم الملائكة" (١). وهذا يدُلُّ على أنَّهم مَغفُورٌ لهم؛ لأنَّه لا يُباهي بأهلِ الخطايا والذُّنوب إلّا من بعدِ التَّوبةِ والغُفران، واللَّهُ أعلم. وروَى ابنُ المبارك، عن أبي بكر بنِ عثمان، قال: حدَّثني أبو عَقِيل، عن عائشة، قالت: يومُ عرفةَ يومُ المباهاة. قيل لها: وما يومُ المُباهاة؟ قالت: ينزلُ اللَّهُ يومَ عرفةَ إلى السماءِ الدُّنيا، ثمّ يدعُو ملائكَتَه، ويقول: انظُروا إلى عبادي شُعثًا غُبْرًا، بعَثتُ إليهم رسولًا فآمَنوا به، وبعَثتُ (٢) إليهم كتابًا فآمَنُوا به، يأتونَني من كلِّ فَجٍّ عَمِيق، يسألوني أنْ أُعتِقَهم من النّار، فقد أعتَقتُهم. فلم يُرَ يومٌ أكثرُ أنْ يُعْتِقَ فيه من النّارِ من يوم عرفة (٣).

стр. 291

حدَّثنا يعيشُ بنُ سعيدٍ الورّاقُ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا مرزوقٌ مولى طلحة، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا كان يومُ عَرفة؛ ينزلُ اللَّهُ إلى السماءِ الدنيا، يُباهي بهم الملائكة، فيقول: انظُروا إلى عبادي، أَتَوْني شُعْثًا غُبْرًا من كلِّ فَجٍّ عَميق، أُشهِدُكم أنِّي قد غفَرتُ لهم. فتقولُ الملائكة: يا رَبِّ، فلانٌ وفلانٌ مُرَهَّقٌ (١). قال: فيقول: قد غفَرتُ لهم". فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "فما مِن يوم أكثر عَتِيقًا من النّارِ مِن يوم عرفة" (٢). وروَى ابنُ جريج، عن محمدِ بنِ المنكَدر، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "المغفرةُ تنزِلُ على أهلِ عرفةَ مع الحركةِ الأولى، فإذا كانت الدَّفْعَةُ العُظمى، فعندَ ذلك يضَعُ إبليسُ الترابَ على رأسِه، يدعُو بالويْلِ والثُّبور". قال: "فيجتمِعُ إليه شياطِينُه، فيقولون: ما لك؟ فيقول: قومٌ فتَنتُهم منذُ ستِّين وسبعين سنة؛ غُفِرَ لهم في طَرْفَةِ عَينٍ" (٣).

стр. 292

وقال مُجاهد: كانوا يرَوْن أنَّ الرحمةَ تنزِلُ عندَ دَفْعَةِ الإمام عَشِيّةَ عرفة (١). أخبرنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصور. وحدَّثنا أبو عبدِ اللَّه عُبيدُ بنُ محمد، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: أخبرنا عيسى بنُ مِسكين، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال (٢): حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكين، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ يُباهي بأهلِ عرفاتٍ أهلَ السماء؛ يقول لهم: انظُروا إلى عبادِي، جاؤوني شُعْثًا غُبْرًا، أُشْهِدُكم أنِّي قد غفَرتُ لهم". أخبرنا عُبيدُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ سَنْجَرَ الجُرْجانيُّ. وأخبرنا

стр. 293

سلمةُ بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ خليفة (١)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الحُباب أبو عليٍّ المقرئ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفة، قالا (٢): حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملك الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ القاهرِ بنُ السَّرِيِّ السُّلَميُّ، قال: حدَّثني ابنٌ لكِنانةَ بنِ عبّاسِ بنِ مِرداس، عن أبيه، عن جدِّه عبّاس بنِ مِرداس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ دعا عَشِيّةَ عرفةَ لأُمَّتِه بالمغفرةِ والرحمةِ فأكثرَ الدُّعاء، فأجابَه اللَّهُ إنِّي قد فعلتُ إلّا ظُلْمَ بعضِهم بعضًا، فأمّا ذنوبُهم بيني وبينَهم فقد غفَرْتُها لهم. فقال: "أي ربِّ، إنَّك قادِرٌ أن تُثيبَ هذا المظلومَ خيرًا من مَظْلمتِه وتغفِرَ لهذا الظّالم". قال: فلم يُجِبْه تلك العشِيّة، فلمّا كان غَداةَ المُزدَلفةِ أعادَ الدُّعاءَ، فأجابَه أنِّي قد غفَرتُ لهم. قال: ثم تبسَّم رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال له أصحابه: يا رسولَ اللَّه، تبسَّمتَ في ساعةٍ لم تكُنْ تتبسَّمُ فيها؟ قال: "تَبسَّمتُ من عَدُوِّ اللَّه إبليسَ؛ لما عَرَف أنَّه قد استجابَ اللَّهُ لي في أُمَّتي، أهوَى يدعُو بالوَيل والثُّبور، ويُحْثي التُّرابَ على رأسِه" (٣).

стр. 294

حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ سيِّد، قال: حدَّثنا أبو عيسى يحيى بنُ عبدِ اللَّه (١) بنِ أبي عيسى (٢)، قال: حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ فحلُون، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن عُبيدٍ البَصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الشَّوارب القُرشيُّ الأُمويُّ، قال: أخبرنا عبدُ القاهرِ بنُ السَّريِّ السُّلميُّ، قال: حدَّثنا ابنٌ لكِنانةَ بنِ عبّاس بنِ مِرداسٍ السُّلَميِّ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ دعا لأُمَّتِه عَشيّةَ عرفةَ بالمغفرة، فأجابه اللَّهُ أنِّي قد فعلتُ إلّا ظُلْمَ بعضِهم بعضًا. فلمّا كان غَداةَ المُزدَلِفةِ أعادَ الدُّعاء، فقال: "يا رَبِّ، إنَّك قادرٌ أن تُثيبَ المظلومَ خيرًا من مَظْلمَتِه، وتَعفوَ عن الظَّالم". فأجابَه اللَّهُ أنِّي قد فعَلْتُ. ثمّ التَفَتَ إلينا رسولُ اللَّه ﷺ مُتبسِّمًا، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، ما الذي أضحَكك؟ قال: "إنَّ إبليسَ عَدُوَّ اللَّه لمّا علِم أنَّ اللَّه قد شفَّعني في أُمَّتي، أهْوَى يدعُو بالويل والثُّبور، ويَحثُو التُّرابَ على رأسِه". وروَى مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، قال: ليس يومٌ أكثرَ عَتِيقًا من يوم عرفة. هكذا ذكَره مَوقوفًا.

стр. 295

وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ وَهْبٍ المِسْعَريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ بُخْت، عن عكرمة، عن ابنِ عبّاس، قال: إنَّ يومَ عرفةَ يومٌ يُباهي اللَّهُ ملائكتَه في السماءِ بأهلِ الأرض؛ يقولُ ﵎: عبادي جاؤوني شُعْثا غُبْرًا، آمَنوا بي ولم يَرَوْني، وعِزَّتي، لأغفِرَنَّ لهم. وهو يومُ الحَجِّ الأكبر (١). قال أبو عُمر: اختُلِفَ في تأويلِ قولِ اللَّه : ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]. فقيل: يومُ عرفة. وقيل: يومُ النَّحر؛ قال بهذا جماعة، وبهذا جماعة. رُوِيَ من حديثِ عمرِو بنِ مُرَّة، عن مُرَّة بنِ شَراحيل، عن رجُلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، قال: خطَبنا رسولُ اللَّه ﷺ بالمُزدلِفةِ غَداةَ يوم النَّحرِ على ناقةٍ حمراء، فقال: "هل تدرُونَ أيُّ يوم هذا؟ هذا يومُ الحجِّ الأكبر". رواه شعبةُ وغيرُه، عن عمرِو بنِ مُرَّة (٢).

стр. 296

ومن حديثِ أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: سُئِل رسولُ اللَّه ﷺ عن يوم الحَجِّ الأكبر، فقال: "يومُ النَّحْر" (١). وروَى جعفرُ بنُ أبي وَحْشِيَّة، عن سعيدِ بنِ جبير: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْر (٢). وروى عاصمُ بنُ حكيم، عن مجاهدٍ في يوم الحَجِّ الأكبر، قال: حينَ الحَجِّ، أيَّامَه كلَّها. وابنُ جُرَيْج، عن مُجاهِد، مثلَه (٣). وقال مَعمَرٌ، عن الحسن: إنّما سُمِّيَ الحَجَّ الأكبر؛ لأنَّه حَجَّ فيه أبو بكر، ونُبِذَتْ فيه العُهود (٤). وقال ابنُ جريج، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، أنّه قيل له: ما الحَجُّ الأكبرُ؟ قال: يومُ عرفة، وهو اليومُ الأكبرُ؛ عرفة (٥).

стр. 297

قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ عرفة" (١). وهو قولُ ابنِ عبّاسٍ وطاووس. ورُوِيَ عنه ﷺ أنَّه قال: "يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْر". من حديثِ عليٍّ، وأبي هريرة، وابنِ عمرَ، ورجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﵇ (٢). ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِه أنَّ يومَ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْر (٣).
следующие страницы →