← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 293–332 · переход к 298.

стр. 293

سلمةُ بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ خليفة (١)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الحُباب أبو عليٍّ المقرئ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفة، قالا (٢): حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملك الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ القاهرِ بنُ السَّرِيِّ السُّلَميُّ، قال: حدَّثني ابنٌ لكِنانةَ بنِ عبّاسِ بنِ مِرداس، عن أبيه، عن جدِّه عبّاس بنِ مِرداس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ دعا عَشِيّةَ عرفةَ لأُمَّتِه بالمغفرةِ والرحمةِ فأكثرَ الدُّعاء، فأجابَه اللَّهُ إنِّي قد فعلتُ إلّا ظُلْمَ بعضِهم بعضًا، فأمّا ذنوبُهم بيني وبينَهم فقد غفَرْتُها لهم. فقال: "أي ربِّ، إنَّك قادِرٌ أن تُثيبَ هذا المظلومَ خيرًا من مَظْلمتِه وتغفِرَ لهذا الظّالم". قال: فلم يُجِبْه تلك العشِيّة، فلمّا كان غَداةَ المُزدَلفةِ أعادَ الدُّعاءَ، فأجابَه أنِّي قد غفَرتُ لهم. قال: ثم تبسَّم رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال له أصحابه: يا رسولَ اللَّه، تبسَّمتَ في ساعةٍ لم تكُنْ تتبسَّمُ فيها؟ قال: "تَبسَّمتُ من عَدُوِّ اللَّه إبليسَ؛ لما عَرَف أنَّه قد استجابَ اللَّهُ لي في أُمَّتي، أهوَى يدعُو بالوَيل والثُّبور، ويُحْثي التُّرابَ على رأسِه" (٣).

стр. 294

حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ سيِّد، قال: حدَّثنا أبو عيسى يحيى بنُ عبدِ اللَّه (١) بنِ أبي عيسى (٢)، قال: حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ فحلُون، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن عُبيدٍ البَصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الشَّوارب القُرشيُّ الأُمويُّ، قال: أخبرنا عبدُ القاهرِ بنُ السَّريِّ السُّلميُّ، قال: حدَّثنا ابنٌ لكِنانةَ بنِ عبّاس بنِ مِرداسٍ السُّلَميِّ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ دعا لأُمَّتِه عَشيّةَ عرفةَ بالمغفرة، فأجابه اللَّهُ أنِّي قد فعلتُ إلّا ظُلْمَ بعضِهم بعضًا. فلمّا كان غَداةَ المُزدَلِفةِ أعادَ الدُّعاء، فقال: "يا رَبِّ، إنَّك قادرٌ أن تُثيبَ المظلومَ خيرًا من مَظْلمَتِه، وتَعفوَ عن الظَّالم". فأجابَه اللَّهُ أنِّي قد فعَلْتُ. ثمّ التَفَتَ إلينا رسولُ اللَّه ﷺ مُتبسِّمًا، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، ما الذي أضحَكك؟ قال: "إنَّ إبليسَ عَدُوَّ اللَّه لمّا علِم أنَّ اللَّه قد شفَّعني في أُمَّتي، أهْوَى يدعُو بالويل والثُّبور، ويَحثُو التُّرابَ على رأسِه". وروَى مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، قال: ليس يومٌ أكثرَ عَتِيقًا من يوم عرفة. هكذا ذكَره مَوقوفًا.

стр. 295

وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ وَهْبٍ المِسْعَريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ بُخْت، عن عكرمة، عن ابنِ عبّاس، قال: إنَّ يومَ عرفةَ يومٌ يُباهي اللَّهُ ملائكتَه في السماءِ بأهلِ الأرض؛ يقولُ ﵎: عبادي جاؤوني شُعْثا غُبْرًا، آمَنوا بي ولم يَرَوْني، وعِزَّتي، لأغفِرَنَّ لهم. وهو يومُ الحَجِّ الأكبر (١). قال أبو عُمر: اختُلِفَ في تأويلِ قولِ اللَّه : ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]. فقيل: يومُ عرفة. وقيل: يومُ النَّحر؛ قال بهذا جماعة، وبهذا جماعة. رُوِيَ من حديثِ عمرِو بنِ مُرَّة، عن مُرَّة بنِ شَراحيل، عن رجُلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، قال: خطَبنا رسولُ اللَّه ﷺ بالمُزدلِفةِ غَداةَ يوم النَّحرِ على ناقةٍ حمراء، فقال: "هل تدرُونَ أيُّ يوم هذا؟ هذا يومُ الحجِّ الأكبر". رواه شعبةُ وغيرُه، عن عمرِو بنِ مُرَّة (٢).

стр. 296

ومن حديثِ أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: سُئِل رسولُ اللَّه ﷺ عن يوم الحَجِّ الأكبر، فقال: "يومُ النَّحْر" (١). وروَى جعفرُ بنُ أبي وَحْشِيَّة، عن سعيدِ بنِ جبير: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْر (٢). وروى عاصمُ بنُ حكيم، عن مجاهدٍ في يوم الحَجِّ الأكبر، قال: حينَ الحَجِّ، أيَّامَه كلَّها. وابنُ جُرَيْج، عن مُجاهِد، مثلَه (٣). وقال مَعمَرٌ، عن الحسن: إنّما سُمِّيَ الحَجَّ الأكبر؛ لأنَّه حَجَّ فيه أبو بكر، ونُبِذَتْ فيه العُهود (٤). وقال ابنُ جريج، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، أنّه قيل له: ما الحَجُّ الأكبرُ؟ قال: يومُ عرفة، وهو اليومُ الأكبرُ؛ عرفة (٥).

стр. 297

قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ عرفة" (١). وهو قولُ ابنِ عبّاسٍ وطاووس. ورُوِيَ عنه ﷺ أنَّه قال: "يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْر". من حديثِ عليٍّ، وأبي هريرة، وابنِ عمرَ، ورجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﵇ (٢). ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِه أنَّ يومَ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْر (٣).

стр. 298

واختَلفَ أصحابُ الشّافعيِّ في ذلك؛ فقالت طائفةٌ منهم: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ عرفة. وقال بعضُهم: يومُ النَّحْر (١). وكذلك اختَلفَ أصحابُ أبي حنيفة، وليس عنه شيءٌ مَنصوص (٢). وذكَر الثَّوريُّ في "جامعه" في يوم الحَجِّ الأكبر، قال: حدَّثنا ليثٌ (٣)، عن مجاهد، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْر، والحَجُّ الأصغرُ العمرَةُ. أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مالك، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن زَبْر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خُرَيْم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الغَنيِّ الحسنُ بنُ عليّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا كان يومُ عرفةَ غفَر اللَّهُ للحاجِّ الخُلَّصِ (٤)، وإذا كانت ليلَةُ مُزْدلفةَ غفَر اللَّهُ للتُّجار، وإذا كان يومُ مِنًى غفَر اللَّهُ للجمّالين (٥)، وإذا كان عندَ جَمْرةِ

стр. 299

العَقبةِ غفَر اللَّهُ للسؤّال، ولا يشهَدُ ذلك الموقفَ خلقٌ ممن قال: لا إلهَ إلّا اللَّهُ، إلّا غُفِر له" (١). وحدَّثنا خلفُ (٢) بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ بُندار، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبدِ العزيز بنِ مروان، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ عليِّ بنِ مُعانٍ الصنعانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن

стр. 300

الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللَّه ﷺ قال: "إذا كان يومُ عرفة". وذكَر الحديثَ مثلَه سواء. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أحمدَ القاضي وعليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسيُّ بمكة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ خُرَيْم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الغنيِّ الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا كان يومُ عرفةَ غفَر اللَّهُ للحاجِّ الخالص، وإذا كان ليلةُ المزدلفةِ غفَر اللَّهُ للتُّجار، وإذا كان يومُ منًى غفَر اللَّهُ للجمّالين، وإذا كان عندَ جَمْرةِ العقبةِ غفَر اللَّهُ للسؤّال، ولا يشهَدُ ذلك الموقفَ خلقٌ ممّن قال: لا إلهَ إلّا اللَّهُ إلّا غُفِر له". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ مالك، وليس محفوظًا عنه إلّا من هذا الوجه، وأبو عبدِ الغنيِّ لا أعرِفُه، وأهلُ العلم ما زالوا يسامِحُون أنفسَهم في روايةِ الرَّغائبِ والفضائلِ عن كلِّ أحد، وإنما كانوا يتشَدَّدُون في أحاديثِ الأحكام. أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم (١)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسنِ بنِ قُتيبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو الغزيُّ، قال: حدَّثنا عَطّافُ بنُ خالدٍ المخزوميُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافع، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كنتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ في مسجدِ الخيفِ قاعِدًا، فأتاه رجلٌ من الأنصارِ ورجلٌ من ثقيف. فذكَر حديثًا فيه طول، وفيه: "وأمّا وقوفُك عَشيّةَ عرفةَ فإنَّ اللَّهَ يهبِطُ إلى سماءِ الدُّنيا، ثم يُباهي بكم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي؛ جاءوني شُعثًا غُبْرًا (٢) سُفْعا (٣)، يرجون

стр. 301

رَحمتي ومغفِرَتي، فلو كانت ذنوبُكم كعددِ الرَّمل، وكعَددِ القَطْر، وكزَبَدِ البحرِ لغَفَرتُها، أفيضُوا عِبادي مغفورًا لكم، ولمن شَفَعتم له". وذكَر تمامَ الحديث (١). وأخبرنا عليُّ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ حَمُّويَة، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ خالدٍ البَرْذَعيُّ بمكةَ سنةَ ثلاثِ مئةٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ مُوفَّقٍ البغداديُّ، قال: حدَّثنا شَبُّويَة (٢) المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن سفيانَ الثوريِّ، عن الزُّبيرِ بنِ عديٍّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: وقَف النبيُّ ﷺ بعرفاتٍ وكادتِ الشمسُ أن تؤُوبَ، فقال: "يا بلالُ، أنصِتْ ليَ النّاسَ". فقام بلالٌ فقال: أنصِتُوا لرسُولِ اللَّه ﷺ . فنصَتَ الناسُ، فقال: "مَعاشرَ النّاس، أتاني جبريلُ آنِفًا، فأقرأني من ربِّي السَّلام، وقال: إنَّ اللَّهَ غفَر لأهلِ عرفات، وأهلِ المَشْعَر، وضمِنَ عنهم التَّبِعات". فقامَ عمرُ بنُ الخطّابِ فقال: يا رسولَ اللَّه، هذا لنا خاصٌّ؟ فقال: "هذا لكم ولِمَن أتى بعدَكم إلى يوم القيامة". فقال عمرُ ﵁: كثُر خيرُ اللَّه وطابَ (٣).

стр. 302

ورُوِيَ عن سالم بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمر، أنّه رأى سائلًا يَسألُ يومَ عرفة، فقال: يا عاجِزُ، في هذا اليوم تسألُ غيرَ اللَّه (١)؟! وذكَر المدائنيُّ، قال: خطَب عمرُ بنُ عبدِ العزيز بعرفة، فقال: إنّكُم قد جئتُم من القريبِ والبعيد، وانضَيتم الظَّهْرَ (٢)، وأخلَقْتم الثِّيابَ، وليس السابقُ اليومَ مَن سَبقَت دابَّتُه وراحلتُه، وإنّما السابقُ اليومَ مَن غُفِرَ له (٣). وروَى سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هند، عن ابنِ سيرين، قال: كانوا يرجُون في ذلك الموقفِ حتى للحملِ في بطنِ أُمِّه (٤).

стр. 303

إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاص (١) أحدُ الجِلّةِ الأشراف، قرشيٌّ زُهْريٌّ ثقةٌ، حُجّةٌ فيما نقلَ وروى من أثرٍ في الدِّين، وقد ذكَرنا نسَبَه عند ذكر جدِّه في كتاب "الصحابة" (٢). وأبوه محمّدُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاص، قتله الحجّاجُ صَبْرًا لخُروجِه مع ابن الأشعث. أخبرني عبدُ اللَّه بنُ محمّدِ بن يوسف، قال: أخبرني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: أخبرنا محمدُ بنُ الحسنِ الأنصاريُّ، قال: أخبرنا الزُّبيرُ بنُ أبي بكرٍ الزُّبيريّ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ حسن، عن إبراهيمَ (٣) بنِ محمّدِ بنِ عبدِ العزيز الزُّهريّ، عن الحكم بن القاسم الأُوَيْسيّ، عن عبدِ الرَّحمن بن أبي سفيانَ بنِ حُوَيطب، قال: وَفدتُ على عبدِ الملكِ بنِ مروانَ أيامَ قَتْل عبدِ الرَّحمن بنِ محمدِ بنِ الأشعث، فدخلتُ فسلّمتُ، فقال: يا ابنَ حُوَيطب، ما يقولُ أهلُ المدينةِ في قَتْل عبدِ الرَّحمن بنِ الأشعث؟ قال: قلتُ: سَرَّهُم ما كان من ظَفَرِ أميرِ المؤمنين، وما أعطاهُ اللَّهُ وأيَّدَهُ. قال: فقال: أمَا واللَّه يا ابنَ حُوَيطب، لقد علِمَتْ قريشٌ أنّي أقتَلُها لها قَعْصًا (٤)، وأعفاها بعدُ عن مُسيئها. قال: ثمّ وافَيْنا العشاء، فأُتِيَ بإسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ (٥) بنِ أبي وقّاص وبعثمانَ بنِ عمرَ بنِ موسى بنِ عُبيدِ اللَّه التَّيميِّ. قال: فقال ليحيى بنِ الحكم: يا يحيى، قُمْ فانظُرْ إلى هذَيْن الغُلامَين؛

стр. 304

هل أنْبَتا؟ قال: فقام ثم رجعَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما ذلك منهما إلا مثلُ خُدودِهما. فأقبلَ عليهما عبدُ الملك فقال: لا رَحِمَ اللَّهُ أبوَيْكُما، ولا جَبَر يُتْمَكُما، اخْرُجا عنِّي (١). قال محمدُ بنُ حسن: فحدَّثني عيسى بنُ موسى الخَطْميُّ، عن محمدِ بنِ أبي بكرٍ الأنصاريّ، قال: كان الحجّاج قتل أبويهما صَبْرًا، وكان ممّن أُسِرَ من أصحابِ عبدِ الرَّحمن بنِ محمدِ بنِ الأشعث (٢). قال أبو عُمر: روى ابنُ شهاب، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ إسماعيلَ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ حديثَ المغيرةِ في المَسْح على الخُفَّين (٣)، وحَسْبُك. قال البخاريُّ (٤): سمع إسماعيلُ أباهُ، وعامرَ بنَ سعد، ومصعبَ بنَ سعد. سمع منه الزُّهريُّ، ومالكٌ، وابنُ عُيينة. وذكَرَ الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن مصعبِ بنِ ثابت، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعد، عن عامرِ بنِ سعد، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُسلِّم عن يَمينِه، وعن يَسارِه؛ كأنِّي أنظرُ إلى صَفْحةِ خدِّه ﷺ . فقال الزُّهريُّ: ما سمِعْنا هذا من حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال له إسماعيلُ بنُ محمد، أكُلَّ حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ قد سمعْتَه؟ قال: لا. قال: فنِصْفَه؟ قال: لا. قال: فاجْعلْ هذا في النِّصفِ الذي لم تَسمعْ (٥).

стр. 305

قال أبو عُمر: إسماعيلُ بنُ محمدٍ هذا يُكْنى أبا محمد، سكَن المدينةَ، ومات بها سنة أربع وثلاثين ومئة، في خلافة أبي العبّاس فيما ذكَر الواقديُّ والطبري. لمالكٍ عنه في الموطّأ من حديثِ النبيِّ ﷺ حديثٌ واحدٌ، يَجري مجْرى المتَّصل، اختُلفَ عن إسماعيلَ في إسناده، والمتْنُ صحيحٌ من طرق، والحديثُ: مالكٌ (١)، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاص، عن مولًى لعمرِو بن العاص أو لعبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "صلاةُ أحَدِكُم وهو قاعدٌ مثلُ نِصْفِ صَلاتِه وهو قائمٌ". هكذا رواه جماعةُ الرُّواةِ عن مالك، لا خِلافَ بينَهم فيه عنه (٢). ورواه ابنُ عُيَينَة، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعد، عن أنس، والقولُ عندَهم قولُ مالك، والحديثُ محفوظٌ لعبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، وقد ذكَرنا طُرُقَه في بابِ مرسلِ ابنِ شِهابٍ من كتابِنا هذا مُسْتَقْصاةً (٣)، وباللَّه التوفيق.

стр. 306

ومعنى هذا الحديثِ المقصودُ بالخطاب إليه الفَضْلُ؛ يريدُ أنَّ صلاةَ أحدِكُم وهو قائمٌ أفضلُ من صلاتِه وهو قاعدٌ مرَّتَين، وضِعْفَين في الفَضْل، وفضلَ صلاتِه وهو قاعدٌ مثلُ نِصفِ صلاتِه في الفضلِ إذا قامَ فيها، وذلك واللَّهُ أعلم، لِما في القيام من المَشَقَّة، أو لِما شاءَ اللَّهُ أنْ يتَفضَّلَ به. وقد سُئل رسولُ اللَّه ﷺ عن أفضلِ الصلاة، فقال: "طُولُ القُنُوت" (١). والمرادُ عذا الحديثِ ومثله صلاةُ النافِلة، واللَّهُ أعلمُ؛ لأنَّ المُصلِّيَ فرضًا جالِسًا، لا يَخلُو من أنْ يكونَ مُطِيقًا على القيام، أو عاجِزًا عنه؛ فإن كان مُطِيقًا وصلَّى جالسًا فهذا لا تُجْزِئُه صلاتُه عندَ الجميع، وعليه إعادَتُها، فكيفَ يكونُ لهذا نصفُ فضلِ مُصلٍّ، بل هو عاصٍ بفعلِه، وأمّا إذا كان عن القيام عاجزًا، فقد سقَط فرضُ القيام عنه إذا لم يَقْدِرْ عليه؛ لأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُ نفسًا إلّا وُسْعَها، وإذا لم يَقدرْ على ذلك، صار فرضُه عندَ الجميع أنْ يُصَلِّيَ جالِسًا، فإذا صلَّى كما أُمِر، فليس المُصَلِّي قائمًا بأفضلَ منه؛ لأنَّ كلًّا قد أدَّى فرضَه على وجهِه. والأصلُ في هذا الباب؛ أنَّ القيامَ في الصلاةِ لمّا وجَب فرضًا بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]. وقعتِ الرُّخْصَةُ في النافلةِ أنْ يُصلِّيَها الإنسانُ جالسًا من غيرِ عُذْر؛ لكثرتِها واتصالِ بعضِها ببعض. وأمّا الفَريضةُ فلا رُخصةَ في تركِ القيام فيها، وإنَّما يَسقُطُ ذلك بعدم الاستطاعةِ عليه، وقد أجمَعوا على أنَّ القيامَ في الصلاةِ فرضٌ على الإيجابِ

стр. 307

لا على التخْيير، وأنَّ النافلةَ فاعلُها مُخيَّر في القيام فيها، فكفَى بهذا بيانًا شافيًا، وباللَّه التّوفيق. وهذا الحديثُ أصلٌ في إباحةِ الصلاةِ جالسًا في النافلة. حدَّثني أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ زيدٍ أبو جعفر، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ علّانُ (١) بنُ المغيرة، قال: حدَّثنا عبدُ الغفارِ بنُ داود، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونس، عن الأعمش، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن عبدِ اللَّه بنِ بابَيْه، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّه ﷺ ، وأنا أصلِّي قاعدًا، فقال: "أمَا إنَّ للقاعدِ نِصفَ صلاةِ القائم" (٢). وهذا إسنادٌ صحيحٌ أيضًا عندَ أهلِ العلم (٣).

стр. 308

وقد روَى هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ عِمرانُ (١) بنُ حُصين، والسّائبُ بنُ أبي السّائب (٢)، وأمُّ سلمة (٣)، وأنسٌ (٤).

стр. 309

وفي حديثِ عِمرانَ بنِ حُصين، زيادةٌ ليسَتْ موجودةً في غيرِه وهي: "وصلاةُ الرّاقدِ مثلُ نِصفِ صلاةِ القاعدِ". وجمهورُ أهلِ العلم لا يُجيزونَ النافلةَ مُضْطَجِعًا، وهو حديثٌ لم يَرْوِه إلّا حُسينٌ المعلِّمُ، وهو حُسينُ بنُ ذَكْوان، عن عبدِ اللَّه بنِ بُريدة، عن عِمرانَ بنِ حُصين (١)، وقد اختُلِفَ أيضًا على حُسينٍ المعلِّم في إسنادِه ولفظِه اختلافًا يُوجبُ التَّوقُّفَ عنه (٢) وإنْ صحَّ حديثُ حسين، عن ابنِ بُريدة، عن عمرانَ بنِ حُصين هذا، فلا أدري ما وجهُه! فإنْ كان أحدٌ من أهلِ العلم قد أجازَ النافلةَ مُضطجعًا لمن قدَر على القُعودِ أو القيام، فوجْهُ ذلك الحديثِ النافلةُ، وهو حُجَّةٌ لمَن ذهَب إلى ذلك، وإنْ أجمَعوا على كراهيةِ النافلةِ راقِدًا لمَن قدَر على القُعودِ أو القيام فيها فحديثُ حُسينٍ هذا إمّا غَلطٌ وإمّا منسوخٌ، وقد رُويَ بألفاظٍ

стр. 310

تدُلُّ على أنّه لم يَقْصِد به النافلةَ، وإنَّما قَصَدَ (١) به الفريضةَ، وهو الذي تدلُّ عليه ألفاظُ مَن يَحتَجُّ بنقلِه له (٢). أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ سُليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمان، عن حُسينٍ المعلِّم، عن ابنِ بُريدة،

стр. 311

عن عِمرانَ بنِ حُصين، قال: كان بيَ النّاسورُ، فسألتُ النبيَّ ﷺ ، فقال: "صلِّ قائمًا، فإنْ لم تَستطِعْ فقاعدًا، فإنْ لم تَستطعْ فعلَى جَنْب". قال أبو عُمر: هذا يُبيِّنُ لك أنَّ القيامَ لا يَسقطُ فرضُه إلّا بعدم الاستطاعة، ثم كذلك القعودُ إذا لم يَستطِعْ، ثم كذلكَ شيءٌ شيء، يَسقطُ عندَ عدم القُدْرةِ عليه، حتّى يَصيرَ إلى الإغماء، فيَسقطَ جميعُ ذلك. وهذا كلُّه في الفرضِ لا في النافلة (١). وأمّا حديثُ عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص في هذا الباب فإنّما هو في النافلة، والدَّليلُ على ذلك، أنَّ في نقلِ ابنِ شهابٍ له، أنَّ أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ ، كانوا يُصلُّونَ في سُبْحَتِهم قُعودًا، فخرَج عليهم رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال ذلك القول (٢)، والسُّبْحَةُ عندَ أهلِ العلم: النّافلةُ، ودليلُ ذلك أيضًا، قولُه ﷺ في الأمراءِ الذين يُوخِّرون الصلاةَ عن ميقاتِها: "صلُّوا الصلاةَ لوقتِها، واجعلوا صلاتَكم معَهُم سُبْحَة" (٣). يعني نافلة. وفرضُ القيام في الصلاةِ المكتوبةِ ثابتٌ من وَجْهين:

стр. 312

أحدُهما: إجماعُ الأمَّةِ كافّةً عن كافَّة، في المصلِّي فريضةً وحدَه أو كان إمامًا، أنَّه لا تُجزِئُه صلاتُه إذا قدَر على القيام فيها وصلَّى قاعدًا، وفي إجماعِهم على ذلك دليلٌ واضحٌ (١)، على أنَّ حديثَ عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص المذكورَ في هذا الباب معناه النافلةُ على ما وصَفْنا. والوجهُ الثاني: قوله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ أي: قائمين، ففي هذه الآيةِ فرضُ القيام أيضًا عندَ أهلِ العلم، لقوله : ﴿وَقُومُوا﴾؛ ولقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾. يريد: قوموا قائمين للَّه -يعني في الصلاة- فخرَج على غيرِ لفظِه؛ لأنّه أعمُّ في الفائدةِ لاحتمالِ القُنوتِ وُجُوهًا كلُّها تَجِبُ في الصلاة. والدَّليلُ على أنَّ القيامَ يُسمَّى قُنوتًا قولُ النبيِّ ﷺ إذْ سُئلَ: أيُّ الصلاةِ أفضلُ؟ قال: "طُولُ القُنوت" (٢)؛ يعني طُولَ القيام (٣). وزعَم أبو عُبيدٍ أنَّ القُنوتَ في الوتر، وهو عندَنا في صلاةِ الصُّبح، إنّما سُمِّيَ قُنوتًا لأنَّ الإنسانَ فيه قائمٌ للدُّعاءِ من غيرِ أنْ يقرأَ القرآن، فكأنّه سُكوتٌ وقيامٌ إذْ لا يُقرَأُ فيه، وقد يكونُ القُنوت: السُّكُوت، رُويَ عن زيدِ بنِ أرقمَ أنّه قال: كنّا نتكلَّمُ في الصلاةِ حتى نزَلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرْنا بالسُّكُوت (٤). وليس في هذا الحديث ردٌّ لما ذكرْنا؛ لأنَّ الآيةَ يقومُ منها هذان المعنيان وغيرُهما،

стр. 313

لاحتمالِهما في اللُّغةِ لذلك؛ لأنَّ القنُوتَ في اللُّغةِ له وُجُوه: منها: أنَّ القُنوتَ الطّاعةُ؛ دليلُ ذلك، قولُ اللَّه : ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦، الروم: ٢٦]؛ أي: مُطيعون، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]؛ أي: مُطيعًا للَّه، وهذا كثيرٌ مشهورٌ (١). ومنها: أنَّ القنوتَ الصلاةُ، فيما زعَم ابنُ الأنباريِّ (٢)، واحتجَّ بقولِ اللَّه: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]. ثم بقولِ الشاعر: قانتًا للَّه يتلُو كُتْبَه ... وعلى عمدٍ منَ الناسِ اعتَزَلْ وقال: تحتملُ هذه الآيةُ وهذا البيتُ جميعًا عندي معنَى الطّاعةِ أيضًا، واللَّهُ أعلم. ومنها: أنَّ القُنوتَ الدُّعاءُ، دليلُ ذلك القنوتُ في الصلاةِ وقولُهم: قنَتَ رسولُ اللَّه ﷺ شهرًا يدعُو (٣). ومثلُ هذا كثيرٌ، وباللَّه التوفيق. واختلَف الفقهاءُ في كيفيّة صلاةِ القاعدِ في النافلةِ وصلاةِ المريض؛ فذكَر ابنُ عبدِ الحكم (٤)، عن مالكٍ في المريض؛ أنّه يَتربَّعُ في قيامِه ورُكُوعِه،

стр. 314

فإذا أرادَ السُّجودَ، تَهيَّأ للسُّجودِ فسجَد على قَدْرِ ما يُطيق، وكذلك المُتنفِّلُ قاعدًا. وقال الثوريُّ (١): يتربَّعُ في حالِ القراءةِ والرُّكوع، ويثني رجْليْه في حالِ السُّجودِ فيسجدُ. وهذا نحوُ مذهبِ مالك. وكذلك قال اللَّيثُ، وأحمدُ، وإسحاق (٢). وقال الشافعيُّ: يجلسُ في صلاتِه كلِّها كجلوسِ التَّشهُّد؛ في روايةِ المزنيِّ. وقال البُوَيطيُّ عنه: يُصلِّي مُتربعًا في موضع القيام (٣). وقال أبو حنيفة وزُفَرُ: يَجلسُ كجلوسِ الصلاةِ في التَّشهُّد، وكذلك يَركعُ ويَسجدُ. وقال أبو يوسفَ ومحمد: يكونُ مُتربعًا في حالِ القيام وحالِ الرُّكوع. وقد رُويَ عن أبي يوسفَ أنّه يتربَّعُ في حالِ القيام، ويكونُ في حالِ رُكوعِه وسجودِه كجلوسِ التَّشهُّد (٤). قال أبو عُمر: رُويَ عن ابنِ مسعودٍ أنّه كرِهَ أنْ يتربَّعَ أحدٌ في الصلاة،

стр. 315

قال عبدُ الرَّزّاق (١): يقول: إذا صلَّى قائمًا فلا يَجلسْ للتَّشهُّدِ مُتربِّعًا، فأمّا إذا صلَّى قاعدًا فلْيتربَّعْ. ورُوِيَ عن ابنِ عبّاسٍ أنّه كان يكرَهُ التَّربُّعَ في الصَّلاةِ التَّطوُّع (٢). قال شعبةُ: فسألتُ عنه حمّادًا، فقال: لا بأسَ به في التَّطوُّع (٣). ورُوِيَ عن إبراهيم، ومجاهدٍ، ومحمدِ بنِ سيرينَ، وأنسِ بنِ مالك، أنَّهم كانوا يُصلُّونَ في النافلةِ جُلوسًا مُتربِّعين (٤). ومالكٌ (٥) أنّه بلغَه عن عُروةَ وسعيدِ بنِ المُسيِّب أنّهما كانا يُصلِّيان النافلةَ وهما مُحْتَبِيان. ومعمرٌ، عن أيوب: أنّ ابنَ سيرينَ كان يُصلِّي في التَّطوُّع مُحتبيًا (٦). قال معمرٌ: ورأيتُ عطاءً الخراسانيَّ يَحْتَبي في الصلاةِ التَّطوُّع. وقال: ما أراني أخذتُه إلّا من ابنِ المسيِّب (٧).

стр. 316

ومعمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب: أنّه كان يَحتبي في آخرِ صلاتِه في التَّطوُّع (١). وذكر الثَّوريُّ، عن ابن أبي ذئْب، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب مثلَه، قال: فإذا أرادَ أنْ يُسجُدَ ثنَى رِجْلَيْه وسجَد (٢). وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيز يُصلِّي جالسًا محُتبيًا، فقيلَ له في ذلك، فقال: بلَغني أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يَمُتْ حتى كان أكثرُ صلاتِه وهو جالسٌ (٣). وسيأتي القولُ فيمَن صلَّى بعضَ صلاتِه مريضًا، ثم صحَّ فيها، في باب هشام بنِ عُروةَ إن شاء اللَّه (٤). وصلَّى اللَّهُ على محمد.

стр. 317

إسماعيلُ بنُ أبي حَكيم (١) وهو مولًى لبني عديّ بنِ نَوْفلِ بنِ أسدِ بنِ عبد العُزّى بنِ قُصَيّ (٢)، وقيل: ولاءُ إسماعيلَ لآلِ الزُّبيرِ بنِ العوّام، فاللَّهُ أعلم. سكَنَ المدينة، وكان فاضلًا ثقةً، وتوفي بها سنة ثلاثين ومئة، وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين ومئة. وهو حُجّةٌ فيما روى عندَ جماعةِ أهلِ العلمِ. لمالكِ عنه في "الموطأ" من حديثِ النبيِّ ﷺ أربعةُ أحاديثَ؛ أحدُها متَّصلٌ مسندٌ، والثلاثةُ منقطعةٌ مرسلةٌ (٣).

стр. 318

حديثٌ أوّلُ لإسماعيلَ بن أبي حَكيم، مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، عن عَبيدةَ بنِ سُفيانَ الحَضرميِّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ". عَبيدةُ بنُ سُفيانُ هذا من تابعي أهلِ المدينة، ثِقَةٌ حُجَّةٌ فيما نقَل، سمِع من أبي هريرةَ وأبي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ، روَى عنه محمدُ بنُ عمرٍو، وبُكيرُ بنُ الأشجِّ، وإسماعيلُ بنُ أبي حكيم (٢). وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ مجتمعٌ على صِحَّته (٣). وفيه من الفقه: أنَّ النهيَ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع نهيُ تحريم، لا نهيُ أدبٍ وإرشاد، ولو لم يأتِ هذا اللفظُ عن النبيِّ ﷺ لكان الواجبُ في النظرِ أن يكونَ نَهْيُه ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع نَهْيَ تحريم، فكيف وقد جاء مُفسَّرًا في هذا الخبر؛ لأنَّ النَّهْيَ حقيقتُه الإبعادُ والزجرُ والانتهاءُ، وهذا غايةُ التحريم؛ لأنَّ التحريمَ في كلام العرب الحرمانُ والمنع، قال اللَّه : ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]؛ أي: حرَمناه رَضاعَهُنَّ ومنَعناه منهنَّ، ولم يكنْ ممّن تَجري عليه عبادةٌ في ذلك الوقت؛ لطفولتِه، والنَّهيُ يقتضي معنَى المنع كلِّه. وتقولُ العرب: حرَّمْتُ عليك دُخولَ داري؛ أي: منعتُكَ من ذلك. وهذا القولُ عندَهم في معنى: لا تَدخُلِ الدار. كلُّ ذلك منعٌ وتحريم، ونهيٌ وحرمانٌ.

стр. 319

وكلُّ خبرٍ جاء عن رسولِ اللَّه ﷺ فيه نهيٌ، فالواجبُ استعمالُه على التحريم، إلّا أن يأتيَ معه أو في غيرِه دليلٌ يبيِّنُ المرادَ منه أنّه ندبٌ وأدبٌ، فيُقضَى للدليل فيه، ألا ترَى إلى نهي رسولِ اللَّه ﷺ عن نكاح الشِّغار، وعن نكاح المحرِم، وعن نكاح المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها، وعن قليلِ ما أسكَر كثيرُه من الأشربة، وعن سائرِ ما نهى عنه من أبوابِ الرِّبا في البيوع، وهذا كلُّه نهيُ تحريم، فكذلك النَّهيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، واللَّهُ أعلم. وقد اختلف أصحابُنا في ذلك على ما سنُبيِّنُه في آخرِ هذا الباب إن شاء اللَّه. ومما يدُلُّ على أنَّ ما رواه إسماعيلُ بنُ أبي حكيم، عن عَبيدةَ بنِ سفيان، عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ كما رواه، ما حدَّثني به أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدة، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حرَّمَ يومَ خيبرَ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع، والمُجثَّمة، والحمارَ الأهليَّ. قال أبو عُمر: وأمّا ما جاء من النهي على جهةِ الأدب، وحُسنِ المعاملة، والإرشادِ إلى البرِّ، فنهيُه ﷺ عن أنْ يَمشيَ المرءُ في نعْلٍ واحدة (٢)، وأن يَقرنَ

стр. 320

بينَ تَمرتينِ في الأكل (١)، وأن يأكلَ من رأسِ الصَّحفة (٢)، وأن يشربَ من في السِّقاء (٣)، وغيرُ ذلك مثلُه كثيرٌ، قد عُلمَ بمخرجِه المرادُ منه. وقد قال جماعةٌ من أهلِ العلم: إنَّ كلَّ نهي ثبَت عن النبيِّ ﷺ في شيءٍ من الأشياء، ففعَله الإنسانُ مُنتهِكًا لحرمتِه، وهو عالمٌ بالنَّهي، غيرُ مضطرٍّ إليه، أنّه عاصٍ آثمٌ. واستدلُّوا بقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "إذا نهَيتكم عن شيءٍ فانتَهوا عنه، وإذا أمَرتُكم بشيءٍ فخُذوا منه ما استَطَعْتُم" (٤). فأطْلَق النهيَ ولم يُقيِّدْه بصِفَة، وكذلك الأمرُ لم يُقيِّدْه إلّا بعدم الاستِطاعَة، فقالوا: إنَّ من شَرِب من في السِّقاء، أو مَشَى في نَعلٍ واحدة، أو قَرَن بينَ تمرتين في الأكْل، أو أكَلَ من رأسِ الصَّحْفة، ونحوَ هذا، وهو عالمٌ بالنهي، كان عاصيًا.

стр. 321

وقال آخرون: إنّما نهى عن الأكْلِ من رأسِ الصحفةِ لأنَّ البركةَ تنزِلُ منها، ونهى عن القِرانِ بينَ تمرتينِ لما فيه من سوءِ الأدبِ أن يأكُلَ المرءُ مع جليسِه وأكيلِه تمرتينِ في واحد، ويأخُذَ جليسُه تمرة، فمن فعَل فلا حرج، وكذلك النَّهيُ عن الشُّربِ من فيّ السِّقاءِ خوفَ الهوامِّ؛ لأنَّ أفواهَ الأسقيةِ تَقْصِدُها الهوامُّ، وربما كان في السِّقاءِ ما يُؤذِيه، فإذا جعَل منه في إناءٍ رَآه وسلِم منه. وقالوا في سائرِ ما ذكَرنا نحوَ هذا ممّا يَطولُ ذكرُه. وما أعلمُ أحدًا من العلماءِ جعَل النهيّ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من هذا الباب، وإنّما هو من البابِ الأوّل، إلّا أنَّ بعضَ أصحابنا زعَم أنَّ النَّهيَ عن ذلك نهيُ تنزُّهٍ وتَقَذُّر. ولا أدري ما معنى قوله: نهيُ تَنزُّهٍ وتَقَذُّر. فإن أرادَ به نهيَ أدب، فهذا ما لا يُوافَقُ عليه، وإن أراد أنَّ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع يجبُ التَّنزُّهُ عنه كما يجبُ التَّنزُّهُ عن النَّجاساتِ والأقذار، فهذا غايةٌ في التَّحريم؛ لأنَّ المسلمين لا يختلِفون في أنَّ النَّجاساتِ مُحرَّماتُ العين أشدَّ التَّحريم، لا يَحِلُّ اسْتباحةُ أكلِ شيءٍ منها، ولم يُردِ القائلون من أصحابِنا ما حكينا هذا عنهم، ولكنَّهم أرادُوا الوجهَ الذي هو عندَ أهل العلم ندْبٌ وأدبٌ؛ لأنَّ بعضَهم احتجَّ بظاهرِ قول اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآيةَ [الأنعام: ١٤٥]. وذكَر أنَّ من الصحابةِ منِ استعملَ هذه الآيةَ ولم يُحرِّمْ ما عداها، فكأنّه لا حرامَ عندَه على طاعم إلّا ما ذُكِر في هذه الآية. ويَلزمُه على أصلِه هذا أن يُحِلَّ أكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وهو لا يقولُ هذا في الحُمُرِ الأهلية؛ لأنّه لا تعملُ الذَّكاةُ عندَه في لُحومِها ولا في جُلودِها، ولو لم يكنْ عندَه مُحرّمًا إلّا ما في هذه الآيةِ لكانت الحُمرُ الأهليّةُ عندَه حلالًا،

стр. 322

وهو لا يقولُ هذا، ولا أحدٌ من أصحابه، وهذه مُناقَضةٌ، وكذلك يَلزمُه ألّا يُحرِّمَ ما لم يُذكَرِ اسمُ اللَّه عليه عمدًا، ويَستحِلَّ الخمرَ المحرَّمةَ عندَ جماعةِ المسلمين، وقد أجمَعوا أنَّ مُستَحِلَّ خمرِ العِنَبِ المُسكِرِ كافرٌ مُرتدٌّ (١)، يُستَتابُ، فإن تابَ ورجَع عن قوله، وإلّا استُبيح دمُه كسائرِ الكفار. وفي إجماع العلماءِ على تحريم خمرِ العِنَبِ المُسْكِرِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قد وجَد فيما أُوحيَ إليه محُرَّمًا غيرَ ما في سورة "الأنعام"، مما قد نزَل بعدَها من القرآن، وكذلك ما ثبَت عنه ﷺ من تحريم الحُمُرِ الأهليّة. ومَن فرَّق بين الحُمُرِ وبينَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع فقد تَناقضَ، والنهيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع أصحُّ مخرجًا، وأبعدُ من العِلَل، من النَّهي عن أكلِ الحُمُرِ الأهليّة؛ لأنه قد رُوِيَ في الحُمُرِ أنّه إنّما نهاهُم عنها يومَ خيبر؛ لقلَّةِ الظَّهر (٢). وقيل: إنّه إنّما نهى منها عن الجلّالةِ التي تأكُلُ الجِلّة، وهي العَذِرَةُ وسائرُ القَذَر (٣). قد قال بهذا وبهذا قومٌ، ولا حُجَّةَ عندَه ولا عندَنا فيه؛ لثبوتِ

стр. 323

نهيِ رسولِ اللَّه ﷺ عن ذلك مُطلقًا وصحَّتِه (١)، وأنَّ ما رُويَ مما ذكَرنا لا يَثبُتُ. وسيأتي القولُ في الحُمُرِ مُستَوعَبًا في بابِ ابنِ شهابٍ من كتابِنا هذا (٢). وأظنُّ قائلَ هذا القولِ من أصحابِنا في أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، راعَى اختلافَ العلماء في ذلك، ولا يجوزُ أنْ يُراعَى الاختلافُ عندَ طلبِ الحجَّةِ؛ لأنَّ الاختلافَ ليس منه شيءٌ لازمٌ دونَ دليل، وإنّما الحُجَّةُ اللازمةُ الإجماعُ لا الاختلافُ؛ لأنَّ الإجماعَ يجبُ الانقيادُ إليه؛ لقولِ اللَّه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية [النساء: ١١٥]. والاختلافُ يجبُ طلبُ الدليل عندَه من الكتابِ والسُّنّة، قال اللَّه : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآيةَ [النساء: ٥٩]. يريدُ الكتابَ والسُّنّة. هكذا فسَّرَه العلماء. فأما قولُ اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ [الأنعام: ١٤٥]، فقد اختلَف العلماءُ في معناها؛ فقال قومٌ من فقهاءِ العراقيِّين ممّن يُجيزُ نسخَ القرآن بالسُّنة: إنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بالسُّنَّة؛ لنهي رسولِ اللَّه ﷺ عن

стр. 324

أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وعن أكلِ الحُمُرِ الأهليّة (١). وقال آخرون: معنى قولِه هنا، أنِّي لا أجدُ فيما أُوحيَ إليَّ في هذه الحال، يعني في تلك الحالِ حالِ الوحي ووقْتِ نُزولِه؛ لأنّه قد أُوحيَ إليه بعدَ ذلك في سورة "المائدة" من تحريم المُنخَنِقَةِ والموقُوذةِ إلى سائرِ ما ذُكرَ في الآية، فكما أوحَى اللَّهُ إليه في القرآنِ تحريمًا بعدَ تحريم، جازَ أنْ يُوحَى إليه على لسانِه تحريمًا بعدَ تحريم، وليس في هذا شيءٌ من النَّسخ ولكنَّه تحريمُ شيءٌ بعدَ شيء. قالوا: مع أنه ليس للحمارِ والسِّباع وذي المِخلَبِ والنَّابِ ذكرٌ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. وذلك أنَّ اللَّهَ إنّما ذكَر ثمانيةَ أزواج؛ من الضَّانِ اثنين، ومن المَعْزِ اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقرِ اثنين، ثم قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾. يعني، واللَّهُ أعلم، من هذه الأزواج الثمانية، ﴿مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. فزادَ ذِكْرَ لحم الخنزيرِ تأكيدًا في تحريمِه حيًّا وميِّتًا؛ لأنَّه ما حَرِّمَ لَحْمَهُ لم تَعملِ الذَّكاةُ فيه، فكان أشدَّ من الميتة، ولم يذكُرِ السِّباعَ والحميرَ والطَّيرَ ذا المِخلبِ بتحليلٍ ولا تحريم. وقال آخرون: ليس السِّباعُ والحمرُ من بهيمةِ الأنعام التي أُحلَّتْ لنا، فلا يُحتاجُ فيها إلى هذا.

стр. 325

وقال آخرون: هذه الآيةُ جوابٌ لما سأل عنه قومٌ من الصحابة، فأُجيبوا عن مسألتِهم، كأنّهم يقولون: إنَّ معنى الآية: قُلْ: لا أجِدُ فيما أُوحيَ إليَّ ممّا ذَكَرْتم. أو: ممّا كنتم تأكلون. ونحوَ هذا قال طاووسٌ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وتابَعهم قومٌ. واستدلُّوا على صحَّةِ ذلك بأنَّ اللَّهَ قد حرَّم في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ أشياءَ لم تُذكَرْ في الآية، لا يَختِلفُ المسلمون في ذلك. ذكَر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ أبي بكر، أنَّ مجاهدًا أخبرَه في قولِ اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. قال: ما كان أهلُ الجاهليّةِ يأكلون، لا أجِدُ من ذلك محُرَّمًا على طاعم يَطعَمُه، ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيةَ. قال حجّاجٌ: وأخبرنا ابنُ جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه مثلَه (١). وذكَر عبدُ الرَّزاق، عن معمر، عن قتادةَ نحوَه. وقالت فرقةٌ: الآيةُ محُكمةٌ، ولا يحرُمُ إلّا ما فيها. وهو قولٌ يُروَى عن ابن عبّاس (٢). وقد رُوِيَ عنه خِلافُه في أشياءَ حرَّمَها يطولُ ذِكرُها. وكذلك اختُلِفَ فيه عن عائشة (٣).

стр. 326

ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ من وجهٍ ضعيف (١) وهو قولُ الشعبيِّ وسعيد بن جُبير في الحُمُرِ الأهليّة، وكلِّ ذي نابٍ من السِّباع، أنّه ليس شيءٌ منها مُحرَّمًا (٢). وأما سائرُ فقهاءِ المسلمين في جميع الأمصار، فمخالفون لهذا القول، متَّبعون للسُّنةِ في ذلك. وقال أكثرُ أهلِ العلم والنَّظَرِ من أهلِ الأثرِ وغيرهم: إنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ غيرُ منسوخة، وكلُّ ما حرَّمه رسولُ اللَّه ﷺ مضمومٌ إليها، وهو زيادةُ حكم من اللَّه على لسانِ رسولِه ﷺ ، ولا فرقَ بينَ ما حرَّم اللَّهُ في كتابِه، أو حرَّمه على لسانِ رسولِه ﷺ ؛ بدليلِ قولِ اللَّه : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قال أهلُ العلنم القرآنُ والسُّنَّةُ (٣)، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. فقرَن اللَّهُ طاعتَه بطاعتِه، وأوعَدَ

стр. 327

على مُخالَفتِه، وأخبَر أنّه يهدي إلى صراطِه. وبَسْطُ القولِ في هذا موجودٌ في كُتبِ الأُصول، وليس في هذه الآية دليلٌ على أنْ لا حرامَ على آكلٍ إلّا ما ذُكِرَ فيها، وإنّما فيها أنَّ اللَّهَ أخبَر نبيَّه ﷺ وأمَره أنْ يُخبِرَ عبادَه أنّه لم يَجِدْ في القرآنِ منصوصًا شيئًا مُحرَّمًا على الآكل والشَّارب إلّا ما في هذه الآية، وليس ذلك بمانع أنْ يُحرِّمَ اللَّهُ في كتابِه بعدَ ذلك، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ أشياءَ سوَى ما في هذه الآية. وقد (١) أجمَعوا أنَّ سورةَ "الأنعام" مكيةٌ، وقد نزَل بعدَها قرآنٌ كثيرٌ، وسننٌ جمَّةٌ (٢)، وقد نزَل تحريمُ الخمرِ في "المائدة" بعدَ ذلك، وقد حرَّم اللَّهُ على لسانِ نبيِّه ﵇ أكْلَ كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وأكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وغيرَ ذلك، فكان ذلك زيادةَ حُكم من اللَّه على لسانِ نبيِّه ﷺ ، كنكاح المرأةِ على عمَّتِها وعلى خالتِها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وكحُكْمِه بالشاهدِ واليمين مع قول اللَّه: ﴿فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وما أشبهَ هذا كثيرٌ، تركناه خشيةَ الإطالة، ألَا ترَى أنَّ اللَّهَ قال في كتابه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقد حرَّم رسولُ اللَّه ﷺ أشياءَ من البيوع وإنْ تراضَى بها المتبايعان؛ كالمُزابنة (٣)، وبيع ما ليس عندَك، وكالتجارة في الخمر، وغيرِ ذلك مما يطولُ ذكرُه. وقد أجمعَ العلماءُ أن سورة "الأنعام" مكيةٌ إلا قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآياتِ الثلاثَ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. وأجمَعوا أنَّ نهيَ اللَّه ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع إنما كان منه بالمدينة,

стр. 328

ولم يَروِ ذلك عنه غيرُ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ (١)، وإسلامُهما مُتأخِّرٌ بعدَ الهجرةِ إلى المدينةِ بأعوام، وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ مثلُ روايةِ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ، في النَّهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من وجهٍ صالح (٢). قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: وهذا كلُّه يدُلُّ على أنّه أمرٌ كان بالمدينةِ بعدَ نُزول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ؛ لأنَّ ذلك مكيٌّ. قال أبو عُمر: قولُ اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ، قد أوضَحْنا بما أورَدْنا في هذا الباب بأنّه قولٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه ليس نصًّا مُحكَمًا (٣)؛ لأنّ النَّصَّ المحكَمَ ما لا يُختلفُ في تأويلِه، وإذا لم يكنْ نصًّا كان مُفتقرًا إلى بيانِ الرسولِ ﷺ لمرادِ اللَّه منه، كافتقارِ سائرِ مُجملاتِ الكتابِ إلى بيانِه، قال اللَّهُ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد بيَّن رسولُ اللَّه ﷺ في أكْلِ كلِّ ذي نابٍ وأكلِ الحُمُرِ الأهليّةِ مُرادَ اللَّه، فوجَب الوقوفُ عندَه، وباللَّه التوفيق. فإن قال قائل: إنَّ الحُمُرَ الأهليّة وذا الناب من السِّباع لو كان أكلُها حرامًا لكُفِّر مُستحِلُّها كما يُكفَّرُ مُسْتَحِلُّ الميتةِ والدمِ (٤) ولحم الخنزير.

стр. 329

فالجوابُ عن ذلك: أنَّ المُحرَّمَ بآيةٍ مُجتمَع على تأويلِها، أو سُنّةٍ مجتمَع على القولِ بها، يَكفُرُ مُستحلُّه؛ لأنّه جاءَ مَجيئًا يَقطعُ العُذْر، ولا يسوغُ فيه التأويل، وما جاء مَجيئًا يُوجبُ العمل، ولا يَقطعُ العُذْر، وساغَ فيه التأويلُ، لم يَكفُرْ مُستَحِلُّه وإنْ كان مُخطِئًا، ألا تَرى أنَّ المُسكِرَ من غيرِ شرابِ العنبِ لا يُكفَّرُ المتأوِّلُ فيه، وإنْ كان قد صحَّ عندَنا النّهيُ بتحريمِه، ولا يُكفَّرُ مَن يقولُ بأنَّ الصلاةَ يخرُجُ منها المرءُ ويتحلَّلُ بغيرِ سلام، وأنَّ السلامَ ليس من فرائضِها، مع قيام الدليلِ على وُجوبِ السلام عندَنا فيها، وكذلك لا يُكفَّرُ مَن قال: إنَّ قراءةَ أمِّ القرآنِ وغيرِها سواءٌ، وإنَّ تَعيينَ قراءتِها في الصلاةِ ليس بواجب، ومن قرَأ غيرَها أجزَأه، مع ثُبوتِ الآثارِ عن النبيِّ ﵇ أنَّه لا صلاةَ إلّا بها، وكذلك لا يَكْفُرُ من أوجَبَ الزكاةَ على خمسةِ رجالٍ ملَكوا خمسَ ذَوْدٍ (١) من الإبل، ولا من قال: الصائمُ في السفرِ كالمُفطِرِ في الحَضَر. و: لا حِجَّ إلا على من ملَك زادًا وراحلةً. مع إطلاقِ اللَّه الاستطاعة، ونفيِه على لسانِ رسولِه ﵇ أنْ يكونَ فيما دُونَ خمسِ ذودٍ صدقةٌ، وأنّه صامَ في السفر ﷺ . وهذا كثيرٌ لا يجهَلُه من له أقلُّ عنايةٍ بالعلم إنْ شاء اللَّه. قرأتُ على عبدِ الرَّحمن بن يحيى (٢)، أنَّ عليَّ بنَ محمدٍ أخبَرهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمان (٣)، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْب،

стр. 330

قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، وابنُ لهيعة، عن عبدِ الرَّحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "ذَرُوني ما ترَكتُكم، فإنّما أهلَك الذين من قبلِكم سُؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهم، فإذا نَهَيْتُكم عن شيءٍ فاجْتَنِبوه، وإذا أمَرتُكم بشيءٍ فخُذوا منه ما استَطَعتُم" (١). أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمّار (٢)، قال: حدَّثنا أبو داودَ سُليمانُ بنُ الأشعث، قال (٣): حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ عيسى، قال: حدَّثنا أشعثُ بنُ شُعبة، قال: حدَّثنا أرطاةُ بنُ المنذر، قال: سمِعتُ حكيمَ بنَ عُميرٍ أبا الأحوص يُحدِّثُ، عن العِرباضِ بنِ ساريةَ، قال: نزَلنا مع رسولِ اللَّه ﷺ خيبر. فذكَر الحديث، وفيه أنّه أمَر مُناديًا فنادَى: "إنَّ الجنةَ لا تَحِلُّ

стр. 331

إلّا لمؤمن، وأنِ اجتَمِعوا للصلاة". فاجتمَعوا، ثم صلَّى بهم النبيُّ ﷺ ، ثم قامَ فقال: "أيحسَبُ أحدُكم مُتَّكِئًا على أريكتِه قد يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لم يُحرِّمْ شيئًا إلّا ما في هذا القرآن، ألا وإنِّي قد أمَرْتُ ووَعَظْتُ، ونَهَيْتُ عن أشياء، إنّها لَمِثْلُ القرآنِ أو أكثرُ، وإنَّ اللَّهَ لم يُحِلَّ لكم أنْ تَدخُلُوا بُيوتَ أهلِ الكتاب إلّا بإذن، ولا ضربَ نسائِهم، ولا أكلَ ثمارِهم، إذا أعْطَوْكم الذي عليهم". وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بنُ نجدة، قال: حدَّثنا أبو عمرٍو عثمانُ بنُ كثيرِ بن دينار، عن حَريز بنِ عُثمان، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عوف، عن المِقدام بنِ مَعْدي كرِبَ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنّه قال: "إنِّي أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شَبْعانُ على أرِيكَتِه يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجَدتُم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجَدتم فيه من حَرام فحرِّمُوه، ألا لا يَحِلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كُلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطةُ مُعاهَدٍ إلّا أنْ يَستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزَل بقوم فعليهم أنْ يَقْرُوه فإنْ لم يقْرُوه فله أنْ يُعْقِبَهم بمثلِ قِراه".

стр. 332

ورواهُ بقِيّة، عن الزُّبيديِّ، عن مروانَ بنِ رُؤبة، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عوفٍ الجُرَشيِّ، عن المقدام بنِ مَعْدي كَرِبَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ألا إنِّي قد أوتيتُ الكتابَ وما يَعدِلُه، يُوشِكُ شَبعانُ على أرِيكتِه" (١)، فذكَره إلى آخرِه مثلَه. وقرأتُ على أبي عمرَ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ الباجيِّ فأقرَّ به، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحسينيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ. وقرأتُ على إبراهيمَ بنِ شاكر (٢)، أنَّ محمدَ بنَ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أسلمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُليمان، قالا جميعًا: أخبَرنا الشافعيُّ، قال: أخبَرنا سُفيانُ، عن سالم أبي النَّضر، أنّه سمِع عُبيدَ اللَّه بنَ أبي رافع يُخبِرُ، عن أبيه، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم مُتَّكِئًا على أرِيكَتِه، يأتِيه الأمرُ من أمرِي ممّا أمَرْتُ به أو نهَيْتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجَدنا في كتاب اللَّه اتَّبَعناه" (٣).
следующие страницы →