← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2743–2782 · переход к 2748.

стр. 2743

فأمَرتْني أن أُشهِدَكَ يا رسولَ الله، قال: "أعطَيتَ سائِرَ وَلَدِكَ مثلَ هذا؟ ". قال: لا. قال: "فاتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بينَ أولادِكم". قال: فرجَع، فرَدَّ عَطِيَّتَه (١). فلم يذكُرْ في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَره أن يَرجِعَ في عَطِيَّتِه، وإنَّما فيه أنَّه رجَع فرَدَّ عَطِيَّتَه. وأخبَرني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمارُ البصريُّ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٣): حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا سَيارٌ ومُغيرةُ وداودُ ومُجالدٌ وإسماعيلُ بنُ سالم، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، قال: نحَلَني أبي نُحْلًا - قال إسماعيلُ بنُ سالمٍ من بينِ القومِ: نحَله غلامًا له - قال: فقالت له أُمِّي عَمْرَةُ بنتُ رَوَاحةَ: ائْتِ رسولَ الله ﷺ فأشْهِدُه. قال فأتى النبيَّ ﷺ فذكَر ذلك له، فقال: إنِّي نَحَلتُ ابني النعمانَ نُحْلًا، وإنَّ عَمْرةَ سألتني أن أُشْهِدَكَ على ذلك. فقال: "ألك ولَدٌ سِواهُ؟ ". قلتُ: نعم. قال: "فكُلَّهم أعطَيتَه مثلَ ما أعطَيتَ النعمانَ؟ ". قال: قلتُ: لا - قال هُشَيْمٌ: فقال بعضُ هؤلاء المحدِّثينَ: "هذا جَوْرٌ". وقال بعضُهم: "هذه تَلْجِئَةٌ" - فأشهِدْ على هذا غيرِي". وقال المغيرَةُ (٤) في حديثه (٥): "أليس يسُرُّكَ أن يكونوا في البِرِّ واللُّطْفِ

стр. 2744

سواءً؟ ". قال: نعم. قال: "فأشهِدْ على هذا غيري". وذكَرَ مُجالدٌ في حديثه: "إنَّ لهم عليك من الحقِّ أن تعدِلَ بينَهم، كما أنَّ لك عليهم من الحقِّ أنْ يَبرُّوكَ" (١). وحدَّثناهُ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حَمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أبي، قال (٢): حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مجالدٍ، قال: حدَّثنا عامرٌ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ يُحدِّثُ بهذا الحديثِ. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لبَنِيكَ عليك من الحقِّ أن تعدِلَ بينَهم، فلا تُشهدْني على جَوْرٍ" (٣). فهذه الألفاظُ كلُّها مع قولِه: "أشهِدْ على هذا غيرِي". دليلُ واضحٌ على جوازِ العَطِيَّةِ. وأمَّا روايَةُ مَن روَى عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشير، في هذا الحديثِ: "أكلَّ ولَدِكَ أعطَيتَه؟ ". قال: لا. قال: "إنِّي لا أشهَدُ إلَّا على حقٍّ". وكذلك روايةُ جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، في قصَّةِ النعمانِ بنِ بَشيرٍ هذه، فيَحتَمِلُ ألَّا يكونَ مُخالِفًا

стр. 2745

لما تقدَّم، لاحْتِمالِه أن يكونَ أراد الحقَّ الذي لا تقصيرَ فيه عن (١) أعْلَى مَراتبِ الحقِّ وإن كان ما دُونَه حقًّا. فصَحَّ بهذا كلِّه مذهبُ مالكٍ، والثوريِّ، والشافعيِّ، ومَن قال بقولِهم في أستِحبابِ تَرْكِ التفضيلِ بينَ الأبناء في العَطِيَّةِ، وإمضائِه إذا وقَع؛ لأنَّ غايةَ (٢) ما في ذلك تركُ الأفْضَلِ، كما لو أعطَى لغيرِ رَحِمِه وترَكَ رَحِمَه، كان مُقَصِّرًا عن الحقِّ، وتارِكًا للأفضَلِ، ونَفَذَ مع ذلك فِعْلُه، على أنَّ حديثَ جابرٍ يدُلُّ على أنَّ مُشاوَرَةَ بَشيرِ بنِ سعدٍ لرسولِ الله ﷺ في هذه القصَّةِ إنَّما كانت قبلَ الهِبَةِ، فدلَّه رسولُ الله ﷺ على الأوْلَى به، والأوْكَدِ عليه، وما فيه الفضلُ له. وحديثُ جابرٍ هذا حدَّثَنيه سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: قالتِ امرأةُ بَشيرٍ: انْحَلِ ابنَكَ غُلامًا، وأشهِدْ لي رسولَ الله ﷺ . قال: فأتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: إنَّ ابنَةَ فُلانٍ سألتني أن أنْحُلَ ابنَها غلامًا، وقالت: أشهِدْ لي رسولَ الله ﷺ . فقال: "أله إخوَةٌ؟ ". قال: نعم. قال: "وكُلَّهم أعطَيتَه؟ ". فقال: لا. فقال: "ليس يَصلُحُ هذا، وإنِّي لا أشهَدُ إلَّا على حَقٍّ" (٣). وذكَر الطحاويُّ (٤) هذا الخبَرَ، ثم قال: حديثُ جابرٍ أوْلَى من حديثِ النعمانِ بنِ بَشيرٍ؛ لأنَّ جابرًا أحفَظُ لهذا المعنى، وأضبَطُ له؛ لأنَّ النعمانَ كان صغيرًا قال: وفي حديثِ جابرٍ أنَّ بَشِيرَ بنَ سعدٍ ذكَر ذلك لرسولِ الله ﷺ قبلَ أن يَهَبَ، فأخبَره رسولُ الله ﷺ بأجمَلِ الأُمورِ وأوْلَاها.

стр. 2746

وأمَّا قولُه ﷺ في حديثنا المذكورِ في هذا البابِ: "أكُلَّ ولَدِكَ نحَلْتَه مثلَ هذا؟ ". فإنَّ العلماء مُجمعونَ على استِحبابِ التَّسوِيَةِ في العَطِيَّةِ بينَ الأبناء، إلَّا ما ذكَرنا عن أهلِ الظَّاهرِ من إيجابِ ذلك. ومع إجماع الفقهاء على ما ذكَرنا من استِحبابِهم، فإنَّهم اختَلَفوا في كيفِيَّةِ التسوِيَةِ بينَ الأبناء في العَطِيَّةِ، فقال منهم قائلُون: إنَّ التَّسويَةَ بينَهم أن يُعْطِيَ الذَّكَرَ مثلَ ما يُعْطِي الأُنثَى. وممَّن قال ذلك: سفيانُ الثوريُّ، وابنُ المباركِ. قال ابنُ المباركِ: ألا تَرَى الحديثَ يُروَى عن النبيِّ ﷺ قال: "سوُّوا بينَ أولادِكم، فلو كنتُ مؤثِرًا أحدًا آثَرْتُ النِّسَاء على الرِّجالِ"؟ وقال آخرون: التَّسوِيَةُ أن يُعطِيَ للذكرِ مثلَ حظِّ الأُنثيَيْنِ، قياسًا على قَسْمِ الله المواريثَ بينَهم، فإذا قَسَمَ في الحياةِ قَسَم بحُكْمِ الله . وممَّن قال هذا القولَ؛ عطاءُ بنُ أبي رباح، رَوَاه ابنُ جُرَيْج عنه. وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ، وإليه ذهَبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَة (١)، ولا أحفَظُ لمالكٍ في هذه المسألةِ قولًا. وأمَّا قولُه: "فارْجِعْه". ففيه دليلٌ على أنَّ للأبِ أن يَرجِعَ فيما وهَب لابنِه، على ظاهِرِ حديثِ ابنِ شهابٍ وغيرِه. وهذا المعنى قد اختَلَف فيه الفقهاءُ؛ فذهَب مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، أنَّ للأبِ أن يَعْتَصِرَ ما وهَبَ لابنِه. ومعنى الاعْتِصارِ عندَهم: الرُّجوعُ في الهِبَةِ (٢)، وليس ذلك لغيرِ الأبِ عندَهم، وإنَّما ذلك للأبِ وحدَه، وللأُمِّ أيضًا أن وهَبت لابنِها شيئًا وأبوه حَيٌّ أن تَرجِعَ، فإن كان يتيمًا، لم يكنُ لها الرُّجوعُ فيما وهَبت له، لأنَّ الهِبَةَ لليتيمِ كالصدقةِ التي لا رُجوعَ فيها لأحدٍ.

стр. 2747

فإن وهَبت لابنِها وأبوه حَيٌّ، ثم مات، وأرادَت أن تَرجعَ في هِبَتِها تلك، فقد اختَلَف أصحابُ مالكٍ في ذلك، والمشهورُ من المذهبِ أنَّها لا تَرجِعُ. وأمَّا الأبُ فله أن يَرجِعَ أبدًا في هِبَتِه لابنِه، هذا إذا كان الولدُ الموهوبُ له لم يَستَحدِثْ دَينًا يُدَاينُه الناسُ ويأمَنونَه عليه من أجلِ تلك الهِبَةِ، أو يَنكِحْ، فإذا تَدايَن أو نَكَح، لم يكنْ للأبِ حِينَئذٍ الرجوعُ فيما وهَب له (١)، وهذا إنَّما هو في الهِبَةِ، فإن كانت صَدَقةً، لم يكنْ فيها رُجوعٌ؛ لأنَّ الصدقةَ إنَّما يُرادُ بها وجهُ الله تعالى، فلا رُجوعَ لأحدٍ فيها، أبًا كان أو غيرَه. وقولُ مالكٍ في الهِبَةِ للثوابِ أنَّ الواهِبَ على هِبَتِه إذا أراد بها الثوابَ حتى يُثابَ منها، أبًا كان أو غيرَه، إلَّا أن تتغيَّرَ بزيادةٍ أو نُقصانٍ عندَ الموهوبِ له، أو تَهلِكَ، فإن كان ذلك، وطلَب الواهِبُ الثوابَ، فإنَّما له قيمَتُها يومَ قبَضها (٢). وكان إسحاقُ بنُ راهُويَة يذهَبُ إلى هذا. وكان مالكٌ يذهَبُ إلى أنَّ قولَ رسولِ الله ﷺ في حَديثه في هذا البابِ: "فارْجِعْه". أمْرُ إيجابٍ لا نَدْبٍ، وكان يقولُ: إنَّما أمَره رسولُ الله ﷺ بذلك؛ لأنَّه نحَله من بين سائرِ بنيه مالَه كلَّه، ولم يكنْ له مالٌ غيرُ ذلك العَبدِ؛ حكَى ذلك أشهبُ عن مالكٍ، قال أشهبُ: فقيل لمالكٍ: فإذا لم يكنْ للناحِلِ مالٌ غيرُه، أيرتَجِعُه بعدَ النِّحلَةِ؟ فقال: إنَّ ذلك ليقالُ، وقد قُضِي به عندَنا في المدينةِ. وقال غيرُ مالكٍ: لا يُعرَفُ ما ذكَره مالكٌ من أنَّ بَشِيرًا لم يكنْ له مالٌ غيرُ ذلك العبدِ. قال: وإنَّما أمَره رسولُ الله ﷺ برَدِّ تلك العَطِيَّةِ من أجلِ ما يُوَلِّدُ ذلك من العداوةِ بينَ البنينَ، ورُبَّما أبغَضوا أباهم على ذلك، فكرِه ذلك كلَّه (٣)

стр. 2748

رسولُ الله ﷺ ، لا من جِهَةِ التحريم. قال: ولو كان ذلك حرامًا ما نحَل أبو بكرٍ عائشةَ من بينِ سائِرِ ولدِه (١). وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه، والثوريُّ، وأكثَرُ العراقيِّينَ: مَن وهَب هِبَةً لذي رحمٍ مَحْرَمٍ، ولَدًا كان أو غيرَه، فلا رُجوعَ له فيها؛ لأنَّها والصدقةَ سواءٌ إذا أراد بها صِلةَ الرحمِ. وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهُويَة في مراعاةِ الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وأنَّه لا يَعتَصِرُ ولا يَرجِعُ مَن وهَب هِبَةً لذي رحِمٍ مَحْرَمٍ، وأنَّها كالصَّدقَةِ لله، لا يَرِجُع في شيءٍ منها (٢). وجُملَةُ قولِ الكُوفيِّين أنَّهم قالوا: مَن وهَب لولدِه هِبَةً مَقسومةً معلومةً، فإن كان الولدُ صغيرًا، غُلامًا أو جاريةً، فالهِبَةُ له جائزةٌ، وليس للوالدِ أن يرجِعَ في ذلك، ولا يَعتَصِرَه (٣)، وإن كان الولدُ كبيرًا، لم تَجُزِ الهِبَةُ حتى يَقبِضَها الولدُ، فإذا قبَضها، فهي له جائزةٌ، وليس للوالدِ أن يرجِعَ فيها، ولا يَعتَصِرَها. قالوا: وكذلك النُّحلُ والصدقةُ (٤). والزَّوجانِ عندَهم فيما يَهَبُ بعضُهما لبعضٍ كذي الرَّحِمِ المحرَمِ، لا يجوزُ لأحدِهما أن يرجِعَ في شيءٍ ممَّا أعطَى صاحِبَه (٥). ومن حُجَّتِهم فيما ذهَبوا إليه من ذلك ما رَواه مالكٌ (٦)، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبي غطَفانَ بنِ طَرِيفٍ المُرِّيِّ، عن مروانَ بنِ الحكمِ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن وهَب هِبَةً يَرَى أنَّه أراد بها صلةَ الرحِمِ، أو على وجهِ

стр. 2749

صدَقَةٍ، فإنَّه لا يرجعُ فيها، ومَن وهَب هِبَةً يَرَى أنه أراد بها (١) الثوابَ، فهو على هبَتِه، يَرجِعُ فيها إذا لم يُرْضَ منها. وروَى الأسودُ، عن عمرَ نحوَ حديثِ مروانَ هذا، فيمَن وهَب لِصلَةِ رَحِمٍ أو قَرابةٍ (٢)، وليس في حديثِ عمرَ ذكرُ الزَّوجَين. وقولُهم في الهِبَةِ للثوابِ: إنَّها جائزةٌ. على نحوِ ما قالَه مالكٌ (٣)، إلا أنَّها إن زادَت عندَ الموهوبِ له (٤)، أو نقَصت، أو هلَكت، لم يكنْ فيها رُجوعٌ عندَهم. وهو قولُ الثوريِّ (٥). وهِبَةُ المُشَاعِ عندَهم غيرُ صحِيحةٍ؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تصِحُّ إلَّا بالقَبضِ، ولا سبيلَ إلى قَبضِ المُشَاعِ فيما زَعَموا، ولو قُبِضَ الجميعُ لم يكنْ قَبضًا عندَهم، وإنَّما القَبضُ عندَهم أن يُقبَضَ مفروزًا مَقسومًا. وهذا كلُّه فيما ينقَسِمُ فلم يُقْسَمْ، وما لم يكنْ قَبْضًا (٦)، فهي عندَهم عِدَةٌ لا تَلزَمُ الواهبَ (٧). وأمَّا مالكٌ فإنَّه يُجِيزُ هِبَةَ المُشَاعِ إذا قبَضَ الموهوبُ له جميعَ الشيء المُشَاعِ وبانَ به (٨)، وتَصحُّ الهِبَةُ عندَه بالقولِ، وتَتِمُّ بالقبضِ، وللموهوبِ له أن يُطالِبَ الواهِبَ بها، ولورثَتِه أن يقوموا في ذلك مَقامَه بعدَه، فإن مات الواهبُ قبلَ قَبضِ الهِبَةِ، فهي باطلٌ حينئذٍ؛ لأنَّهم أنزَلُوها حينَ وهَب، ولم يُسلِّمْ ما وهَب

стр. 2750

حتى مات، على أنَّ الهِبَةَ لم تكنْ في الباطنِ صحيحَةً، وإنَّما هو كلامٌ تكلَّم به الواهِبُ لتكونَ الهِبَةُ بيَدِه كما كانت، حتى إذا مات خرَجت عن وَرثتَهِ، فالهِبَةُ على هذا باطِلٌ (١). وهو معنى حديثِ عمرَ عندَهم الذي روَاه مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عبدِ الرحمن بنِ عَبدٍ القاريِّ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ، قال: ما بَالُ رجالٍ يَنحَلُون أبناءَهم نُحْلًا ثم يُمسِكونَها، فإن مات ابنُ أحَدِهم قال: مالي بيَدِي لم أُعْطِه أحَدًا، وإن مات هو قال: هو لابني، قد كنتُ أعطَيتُه إيَّاه! مَن نَحَل نِحْلَةً لم يَحُزْها الذي نُحِلها حتى تكونَ إن مات لوَرَثتِه، فهي باطلٌ. وقال الشافعيُّ: ليس لأحدٍ أن يَرجعَ في هِبَتِه إلَّا الوالِدَ فيما وهَب لبنيه، وليس في الصدقةِ رُجوعٌ؛ لأنَّه أُرِيد بها وجهُ الله . وهِبَةُ المُشَاع عندَه جائزٌ، والقبضُ فيها كالقبضِ في البُيوع (٣)، والهِبَةُ للثوابِ عندَه باطلٌ؛ لأنَّها معاوَضَةٌ على مجهولٍ، وذلك بيعٌ لا يجوزُ، ولا معنى عندَه للهِبةِ على الثوابِ، وهي مردودَةٌ ليست بشيءٍ (٤). وحُجَّتُه فيما ذهَب إليه من تَخصيصِ الولدِ بالرجوعِ في الهِبَةِ، حديثُ حُسينٍ المُعلِّمِ، عن عمرِو بنِ شعيب، عن طاوُسٍ، عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ جميعًا، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَرجعَ في هبَتِه إلَّا الوالدَ" (٥).

стр. 2751

ومن حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). ومن مراسلِ طاوسٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢). ولا تَصِحُّ الهِبَةُ عندَ الشافعيِّ لكلِّ أجنبيٍّ ولكُلِّ ابنٍ بالغٍ إلَّا بالقبضِ، على نحوِ قولِ العراقيِّينَ سواءً (٣). قال محمدُ بنُ نصرٍ أبو عبدِ الله المروزيُّ (٤): وقد اتَّفَق أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، على أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقبوضَةً. قال أبو عُمر: وللأبِ عندَ الشافعيِّ أن يرجِعَ فيما وهَب لبنيه، وسواءٌ استَحدَثَ الابنُ دَينًا، أو نَكَح، أو لم يَفعَلْ شيئًا من ذلك. فإن كان الابنُ صغيرًا في مذهَبِ الشافعيِّ، فإشهادُ أبيه وإعلانُه بما يُعطِيه حِيازَةٌ له، لا يَشرَكُه فيها أحدٌ من ورثَةِ أبيه إن مات، وهي للصغيرِ أبدًا، وإنْ كَبِر وبلَغ رشيدًا، ولا يَحتاجُ

стр. 2752

فيها إلى قَبضٍ أحدٍ، وما لم يَرجِعْ فيها أبوه بإشهادٍ بَيَّن به رُجُوعَه في تلك الهِبَةِ، فهي للابنِ، وعلى مِلكِه، فإن رجَع فيها الأبُ بالقولِ والإعلانِ وعُرِف ذلك، كان ذلك له، وإلَّا فهي للابنِ، وعلى مِلْكِه على أصلِ إشهادِه بالهِبة له وهو صغيرٌ، ولا يضُرُّه موتُه وهي بيَدِه؛ لأنَّها قد نفَذت له وهو صغيرٌ، فما لم يَرجِعْ فيها الأبُ بالقولِ، فهي على ذلك الأصلِ في مذهَبِه عندِي (١)، واللهُ أعلمُ. وسنذكُرُ قولَ مالكٍ في ذلك (٢) بعدَ هذا إن شاء اللهُ. وقال أبو ثور، وأحمدُ بنُ حنبل: تصحُّ الهِبةُ والصدقةُ غيرَ مقبوضةٍ. وسواءٌ كانتِ الهِبةُ مُشاعًا أو غيرَ مُشاع، والقَبضُ فيهما عندَهما كالقَبضِ في البيع. ورُوِي عن عليِّ بنِ أبي طالبِ أنَّ الهِبةَ تجوزُ وتصحُّ وإن لم تُقبَضْ، من وجْهٍ ضعيفٍ عن عِليٍّ (٣) لا يُحتَجُّ بمِثلِه (٤). ولم يختَلِفْ قولُ أبي ثورٍ في ذلك في شيءٍ من كُتُبِه. وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ، فقد اختُلِفَ عنه في ذلك، وأصحُّ شيءٍ في ذلك عن أحمدَ أنَّ الهبةَ والصدقةَ فيما يُكالُ أو يُوزنُ، لا يَصِحُّ شيءٌ منها إلَّا بالقَبضِ، وما عَدَا المكيلَ والموزونَ فالهِبَةُ صحيحةٌ جائزةٌ بالقولِ وإن لم تُقبَضْ (٥)، وذلك كلُّه إذا قَبِلها الموهوبُ له، والمُشَاعُ وغيرُ المُشَاع في ذلك سواءٌ، كالبيع. وقال أبو ثور: كلُّ مَن عَدَا الأبَ، فليس له أن يَرجِعَ في هِبتِه، سواءٌ أراد بها الثوابَ أو لم يُرِدْ. وحُجَّتُه في ذلك كحُجَّةِ الشافعيِّ (٦)، حديثُ ابنِ عباسٍ

стр. 2753

المذكُورُ عن النبيِّ ﷺ ؛ قولُه: "لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَرجِعَ في هِبَتِه إلَّا الوالدَ" (١). وهو قولُ طاوسٍ، والحسنِ (٢). وأمَّا أحمدُ بنُ حنبل، فقال: لا يَحِلُّ لواهبٍ أن يَرجِعَ في هِبَتِه، ولا لمُهدٍ أن يَرجِعَ في هَدِيَّته، وإن لم يُثَبْ عليها، واحتَجَّ بقولِ رسولِ الله ﷺ : "العائدُ في هِبَتِه كالكلبِ يعودُ في قَيْئه". وهو قولُ قتادةَ، قال قتادةُ: لا أعلمُ القَيءَ إلَّا حرامًا (٣). والجَدُّ عندَ أبي ثورٍ في الرُّجوعِ كالأبِ. وقالت طائفةٌ: يَرجِعُ الوالدانِ والجَدُّ فيما وهَبوا، ولا يَرجِعُ غيرُهم. وقال إسحاقُ: ما وهَبَ الرجلُ لامرأتِه فليس له أن يَرجِعَ فيه، وما وهَبَته المرأةُ لزَوجِها فلها أن تَرجِعَ فيه. وهو قولُ شرج وغيرِه من التابعين. ويَحتَجُّ مَن ذهَب هذا المذهَبَ بحديثِ مروانَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال: إنَّ النساءَ يُعطِينَ رَغبَةً ورَهْبةً (٤). وأجاز إسحاقُ الهِبَةَ للثوابِ (٥)، على نحوِ قولِ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، ومَن تابَعهم. وأجمَع الفقهاءُ أنَّ عَطِيَّةَ الأبِ لابنِه الصغيرِ في حَجْرِه لا يُحتاجُ فيها إلى قبضٍ، وأنَّ الإشهادَ فيها يُغني عن القبضِ، وأنَّها صحيحَةٌ وإن وَلِيَها أبوه، مخصوصةٌ بذلك ما دام صغيرًا، على حديثِ عثمانَ (٦).

стр. 2754

إلَّا أنَّهم اختَلَفوا من هذا المعنى في هِبَةِ الوَرِقِ والذهبِ للابنِ الصغيرِ؛ فقال قومٌ: إنَّ الإشهادَ يُغني في ذلك كسائِرِ الأشياء. وقال آخرون: لا تصحُّ الهِبَةُ في ذلك إلَّا بأن يعزِلَها ويُعيِّتها. قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ مَن نَحَل ابنًا له صغيرًا، ذهَبًا أو وَرِقًا، ثم هلَك وهو يَلِيه، أنَّه لا شيءَ للابنِ من ذلك، إلَّا أن يكونَ عزَلَها بعَينِها، أو دفَعها إلى رجلٍ وضَعها لابنِه عندَ ذلك الرجلِ، فإن فعَل ذلك، فهو جائزٌ للابنِ (١). قال أبو عُمر: في حديثِ عثمانَ الذي هو أصلُ هذه المسألةِ عندَهم، اشتراطُ الإشهادِ في هِبَةِ الرجلِ لابنِه الصغيرِ، وذلك أن يُشهِدَ على الشيءِ بعَيْنِهِ، شُهودًا يقِفونَ عليه ويُعَيِّنُونَه وَيحوزونَه (٢) إذا احتِيجَ إلى شَهادَتِهم عليه، وإن كان شيئًا يُطبَعُ عليه طبَعَ الشُّهودُ عليه دُونَ الأبِ، وما لم يَقِفِ الشُّهودُ عليه في حِينِ الإشهادِ فليس بشيءٍ. وحديثُ عثمانَ روَاه مالكٌ (٣)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّ عثمانَ بنَ عفَّانَ، قال: مَن نحَل ولدًا له صغيرًا لم يبلُغْ أن يحوزَ نُحْلَه، فأعلَنَ ذلك وأشهَدَ عليها، فهي جائزةٌ وإن وَلِيَها أبوه. ولا أعلَمُ خلافًا أنَّه إذا تصَدَّقَ على ابنِه الصغيرِ؛ بدَارٍ، أو ثوبٍ، أو سائرِ العُروضِ، أنَّ إعلانَ ذلك بالإشهادِ عليه، يُدْخِلُه في مِلكِ الابنِ الصغيرِ، ويُخرِجُه عن مِلكِ الأبِ، وتصحُّ بذلك العَطِيَّةُ للابنِ الصغيرِ؛ من هِبَةٍ، أو صَدَقةٍ، أو

стр. 2755

نِحْلَةٍ (١)، إلَّا أنْ يَبلُغَ مَبلَغَ (٢) القبضِ لنفسِه ببُلُوغِه ورُشدِه فلا يَقْبِضَ تلك الهِبَةَ بما يُقْبَضُ به مِثلُها، وتتمادَى في يَدِ الأبِ كما كانت حتى يموتَ، فإن كان كذلك، بطَلَت حنيئذٍ الهِبَةُ عندَ مالكٍ وأصحابِه (٣). فإذا بلَغ الابنُ رُشدًا، ومنَعه الأبُ منها، كان له مُطالَبتُه بها عندَهم حتى يَقبِضَها وَيحُوزَها لنفسِه، فإن ادَّعَى الأبُ أنَّه رجَع فيها، ولم يكنْ على الابنِ دَينٌ يَمنَعُ من رُجوعِه، كان ذلك له في الهِبَةِ، إذا لم يقُلْ فيها: إنَّها لله. فإن قال: إنَّها لله، كانت كالصدقةِ، ولا رُجوعَ له فيها، وأُجبِرَ على تَسليمِها إلى ابنِه إذا بلَغ رَشِيدًا (٤). هذا كلُّه قولُ مالكٍ وأصحابِه (٥). وقد مضَى قولُ الشافعيِّ وغيرِه في ذلك. قال مالكٌ: وإذا وهَب لابنِه دنانيرَ أو دراهمَ، فأخرَجَها عن نفسِه إلى غيرِه، وعَيّنها، وجعَلها لابنِه على يَدِ غيرِه، فهي جائزةٌ نافذَةٌ، إذا مات الأبُ وفي حياتِه، بحيازةِ القابضِ لها للابنِ (٦). واختَلَف أصحابُ مالكٍ إذا وهَب لابنِه الصَّغيرِ دنانِيرَ أو دَراهمَ، فيجعَلُها في ظرفٍ معلومٍ، ويَختِمُ عليها، وتُوجدُ عندَه مَختُومًا عليها؛ فروَى ابنُ القاسمِ، عن مالكٍ، أنَّها لا تجوزُ إلَّا أن يُخرِجَها عن يَدِه إلى غيرِه، وسواءٌ طبَع عليها أو لم يطبَعْ، لا تجوزُ حتى يُخرِجَها إلى غبره. وقال ابنُ الماجِشونَ، ومطرِّفٌ: هي عَطيَّةٌ جائزةٌ إذا وُجِدت بعَيْنِها. وهو ظاهرُ حديثِ عثمانَ، وظاهرُ قولِ مالكٍ في "موطَّئِه"، على ما ذكَرناه هاهنا من قولِه: الأمرُ عندَنا (٧).

стр. 2756

وقد أجمَعوا أنَّه إذا تصدَّقَ على ابنٍ له صغيرٍ بدَينٍ له على رجلٍ، ثم اقتَضَاه، أنه للابنِ، وأنَّ ذلك بمنزِلةِ العبدِ يتَصدَّقُ به على ابنٍ له صغيرٍ، ثم يبيعُه، فالثَّمنُ للابنِ (١). وأجمَعُوا أنَّ الوالِدَ لا يَعْتَصِرُ الفَرْجَ إذا وَهَبه لابْنِه فوَطِئَه (٢). ولا أعلَمُ أحدًا قال: إنَّ الولَدَ يَعتَصِرُ أيضًا ما وهَب لوالدِه، إلَّا رَبِيعَةَ؛ ذكَره ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عنه (٣). فهذا ما تَقَدَّمَ من معاني حديثِ هذا الباب (٤)، وبالله التوفيقُ. قال أبو عُمر: من حُجَّةِ مَن لم يُجِزِ الهبةَ إَّلا مقبوضَةً، حديثُ أمِّ كلثومٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أهدَى للنجاشيِّ مِسْكًا، وقال لأهلِه: "أحسَبُه مات، فإن رجَع إليَّ أعطَيتكم منه". فكان كذلك، ووُجِد قد مات، فرَجَع المِسْكُ إليه فأعطاهُنَّ منه (٥).

стр. 2757

ولو كانت الهِبَةُ والعَطيَّةُ تُحتازُ بالكَلام لما رجَع النبيُّ ﷺ في هِبَتِه ولا هَدِيَّته، وكيف كان يتَصَرَّفُ في ذلك وهو القائِلُ: "ليس لنا مَثَلُ السَّوْءِ؛ العائدُ في هِبَتِه كالكلبِ يعودُ في قَيْئه" (١). وجاء عن أبي بكرٍ الصدِّيِق، وعائشةَ، مثلُ هذا المعنى من حديثِ مالكٍ وغيرِه، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ (٢). وعن عمرَ مثلَه أيضًا وقد ذكَرناه (٣). فهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ الهِبَاتِ لا تَتِمُّ إلَّا بالقبضِ. وقد أجمَعوا على ثُبُوتِ مِلكِ الواهِبِ، واختَلَفوا في زوَالِه من جِهَةِ الهِبةِ بالقولِ وحدَه، فهو على أصلِ مِلكِ الواهِبِ حتى يُجمِعُوا، ولم يُجمِعوا إلَّا مع القبضِ (٤). وكان أبو ثورٍ يقولُ: لا تجوزُ الهبةُ إلَّا معلومةً، وإن كانت مُشَاعةً، فيكونُ الجزءُ معلومًا، وإلَّا لم تَصِحَّ. قال: وإنَّما بَطَلت عَطِيَّةُ أبي بكرٍ ﵁ لعائشةَ؛ لأنَّها لم تكنْ معلومةً، ولا سَهْمًا من سِهامٍ معلومَةٍ. قال: وكلُّ هِبةٍ أو صَدقَةٍ على هذا فغيرُ جائزةٍ (٥). فهذا كلُّه في معنى حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ المذكورِ في هذا البابِ، وهو محمولٌ على أنَّه كان صحيحًا، والناسُ على الصَّحةِ حتى يَثبُتَ المرَضُ الطَّارِئُ. وللقولِ في هِبَاتِ المريضِ موضِعٌ غيرُ هذا من كِتابِنا (٦)، وبالله تَوْفِيقُنا.

стр. 2758

حديث سابع لابن شهاب، عن حُمَيْد مُرْسَل مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهابٍ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، أنَّ رَجُلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، علِّمْني كلماتٍ أعيشُ بهنَّ، ولا تُكثِرْ عليَّ فأنْسَى. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَغْضَبْ". هكذا روَاه جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ في "الموطّأ" مرسلًا (٢)، وهو الصحيحُ فيه عن مالكٍ. وقد روَاه أبو سَبْرةَ المدنيُّ (٣)، عن مطرِّفٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ (٤). وروَاه إسحاقُ بنُ بشرٍ الكاهليُّ (٥)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه. وكلاهما خطأ. والصوابُ فيه عن مالكٍ مرسلٌ، كما في "الموطّأ" (٦). وروَاه ابنُ عيينةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن حميدٍ، عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ مثلَه، فوصلَه (٧).

стр. 2759

وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ طريقِ مالكٍ، ومن غيرِ طريق ابنِ شهابٍ مسندًا، من وجوهٍ ثابتةٍ، عن أبي هريرةَ، من حديثِ أبي صالح، عن أبي هريرةَ (١). ومعنَى هذا الحديثِ عندي، واللهُ أعلمُ، أنَّه أرادَ: علَّمْني ما ينفعُني بكلماتٍ قليلةٍ؛ لئلَّا أنْسَى إنْ أكثرْتَ عليَّ. فأجابَه بلفظٍ يسيرٍ جامع لمعانٍ كثيرةٍ خطيرة. ولو أرادَ: علِّمْني كلماتٍ من الذِّكرِ، ما أجابَه بمثلِ ذلك الجوابِ، وإنَّما أرادَ: علِّمني بكلماتٍ يسيرة، واللهُ أعلمُ. ومن طُرِق هذا الحديثِ متَّصلًا ما حدَّثني به خلفُ بنُ القاسمِ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ سعيد (٢) بنُ أحمدَ بنِ جعفرٍ الفِهْريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ سعيدِ بنِ الحكمِ بنِ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: حدَّثنا صدقةُ بنُ عبدِ الله، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن الأحنفِ بنِ قيسٍ، عن عمِّه، أنَّه قال: يا رسولَ الله، قلْ لي قولًا ينفعُني اللهُ به، وأقلِلْ لي؛ لعلِّي أعقِلُه. قال: "لا تَغْضَبْ". فأعاد عليه مرارًا، كلُّها يرجِعُ إليه رسولُ الله ﷺ : "لا تَغضَبْ" (٣).

стр. 2760

ورَواه حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن الأحنفِ، عن عمِّه، أنَّه قال: يا رسولَ الله، قُلْ لي في الإسلامِ قولًا، وأقْلِلْ لي؛ لعلِّي أعقِلُه. قال: "لا تَغضَبْ". حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ (١)، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ. فذكَره سواءً (٢). وروَاه ابنُ نميرٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن الأحنفِ بنِ قيسٍ، عن عمِّه جاريةَ بنِ قُدامةَ، أنَّه سألَ رسولَ الله ﷺ : قُلْ لي. ثم ذكَر مثلَه، إلا أنَّه قال: فأعادَ عليه، فقال: "لا تَغْضَبْ". فأعادَ عليه مِرارًا، كلَّ ذلكَ يقولُ: "لا تَغْضَبْ"؛ ذكَرَه ابنُ أبي شيبةَ (٣)، عن ابنِ نميرٍ.

стр. 2761

وروَاه يحيى القطانُ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن الأحنفِ بن قيسٍ، عن جاريةَ بنِ قُدَامةَ مثلَ لفظِ حمَّادِ بنِ سلمةَ حرفًا بحرفٍ (١). وروَاه وُهَيْبٌ (٢)، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن الأحنفِ بنِ قيسٍ، عن بعضِ عمومتِه، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، مثلَه سواء. وروَاه الليثُ بنُ سعدٍ والمفضَّلُ بنُ فَضالةَ (٣)، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن الأحنفِ بنِ قيسٍ، أنَّ ابنَ عمٍّ له قال: يا رسولَ الله، فذكَر الحديثَ مثلَه سواءً بمعناه.

стр. 2762

هكذا قال اللَّيثُ والمفضَّلُ: عن ابنِ عمٍّ له. وقال مَن ذكَرْنا من الحُفَّاظِ: عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن الأحنفِ، عن عمِّه. وبعضُهم سمَّاه - كما ترَاه - جاريةَ بنَ قدامةَ، وهو جاريةُ بنُ قدامةَ بنِ مالكِ بنِ زهيرٍ، تَمِيميٌّ سَعْديٌّ، له صُحبةٌ صحيحةٌ وروايةٌ، وقد ذكرناه في كتابِنا في "الصحابةِ" (١). والأحنفُ بنُ قيسٍ قيلَ: اسمُه الضَّحَّاكُ بنُ قيسٍ. وقيل: صخرُ بنُ قيسِ بنِ معاويةَ بنِ حصينِ بنِ حفصِ بنِ عبيدٍ، تميميٌّ سعديٌّ أيضًا، من بني سعدِ بنِ زيدِ مناةَ بنِ تميمٍ. وممكنٌ أنْ يكونَ ابنَ عمِّه في نسبِه، وعمُّه أخو أبيه لأُمِّه (٢)، واللهُ أعلمُ. وروَى ابنُ أبي الزِّنادِ هذا الحديثَ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، بإسنادِه المتقدِّم. كما قال حمَّادُ بنُ سلمةَ ومَن تابعَه، عن هشامِ بنِ عروةَ. حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ (٣)، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، عن عروةَ، عن الأحنفِ بنِ قيسٍ، عن جاريةَ بنِ قدامةَ عمِّ الأحنفِ (٤)، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٥).

стр. 2763

ورُوِيَ هذا الحديث أيضا من حديثِ أبي سعيدٍ، وأبي هريرةَ. حدَّثناه خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زكريَّا المقدسيُّ ببيتِ المقدسِ، قال: حدَّثنا مضرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ معينٍ، قال (١): حدَّثنا أبو إسماعيلَ المُؤدِّبُ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، أوصِني بعملٍ أعملُه. قال: "لا تغضبْ" (٢). وحدَّثناه خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زكريا، قال: حدَّثنا مضرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المنهالِ أخو حجَّاجِ بنِ منهالٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رجلٌ: يا رَسولَ الله، دُلَّني على عملٍ أعملُه، وأقلِلْ؛ لعلِّي أحْفظُه. قال: "لا تَغضَبْ" (٣).

стр. 2764

قال مضرُ: سمِعتُ يحيَى بنَ معينٍ يقولُ: الحديثُ حديثُ عبدِ الواحدِ بنِ زيادٍ، والقولُ قولُه. قال أبو عُمر: الحديثُ عندَ غيرِ ابنِ معينٍ، على ما روَاه أبو إسماعيلَ المؤدِّبُ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، لا عن أبي سعيدٍ (١)، وقد تابعَه على ذلك الحسينُ بنُ واقدٍ، عن الأعمشِ. وكذلك روَاه أبو حَصينٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ؛ ذكَره البزَّارُ (٢)، عن ابنِ شبُّويَة، عن عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، عن الحسينِ بن واقد. وذكَره أيضًا (٣) عن إسماعيلَ بنِ حفصٍ، عن أبي بكرِ (٤) بنِ عياشٍ، عن أبي حَصين. وحدَّثني خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ الحدَّادُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ الباغنديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الخالقِ،

стр. 2765

قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شقيقٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عمِلتُه دخلتُ الجنةَ. قال: "لا تَغضَبْ" (١). قال أبو عُمر: هذا من الكلامِ القَليلِ الألفاظِ، الجامعِ للمعاني الكثيرة، والفَوائدِ الجَليلةِ، ومَن كظَم غيظَه، وردَّ غضبَه، أخزَى شيطانَه، وسلِمتْ لهُ (٢) مُروءتُه ودينُه، ولقد أحسنَ القائلُ (٣): * لا يُعْرَفُ الحِلْمُ إلَّا ساعَةَ الغضَبِ * وقال عليُّ بنُ ثابت (٤): العَقْلُ آفَتُه الإعْجابُ والغَضَبُ ... والمآلُ آفَتُه التَّبْذِيرُ والنهبُ وقال أبو العتاهية (٥): ولم أرَ في الأعْداءِ حينَ اختبرتهم (٦) ... عَدُوًّا لعَقْلِ الرءِ أعْدَى من الغَضَبْ وكلُّ هؤلاء إنَّما حاوَلوا ودندَنوا حولَ معنَى هذا الحديثِ، وكان رسولُ الله ﷺ قد أُوتيَ جوامعَ الكلم ﷺ .

стр. 2766

حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا سُحنونُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال (١): أخبرني عمرُو بن الحارثِ، عن درَّاج، عن عبدِ الرحمن بنِ جبيرٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، أنَّه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله، ما يُبعِدُني من غَضبِ الله؟ قال: "لا تَغْضَبْ" (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُونسَ، قال: حدَّثنا بقيُّ بنُ مخلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا خالدٌ، قال: حدَّثنا ضرارُ بنُ مرَّةَ أبو سِنانٍ، عن عبدِ الله بنِ الهُذيلِ، قال: لما رَأى يحيى أنَّ عيسَى مفارقُه، قال له: أوْصِني. قال: لا تَغضَبْ. قال: لا أستطيعُ. قال: لا تَقْتنِ مالًا، قال: عسَى.

стр. 2767

حديث ثامن لابن شهاب، عن حُمَيْد لا يجوز أن يكون مثله رأيًا مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، أنَّه أخبَره أنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ، وأنَّ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تُجادِلُ عن صاحبِها. أدخَلْنا هذا في كتابِنا؛ لأنَّ مثلَه لا يقالُ من جهةِ الرَّأي، ولا بدَّ أن يكونَ توقيفًا؛ لأنَّ هذا لا يُدركُ بنظَرٍ، وإنَّما فيه التَّسليمُ، مع أنَّه قد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ. ومن شرطِنا أنَّ كلَّ ما يُمكنُ إضافتُه إلى النبيِّ ﷺ ممَّا قد ذكَره مالكٌ في "موطئِه" ذكَرناه في كتابِنا هذا، وبالله عونُنا وتوفيقُنا، لا شريكَ له. وقد روَى هذا الحديثَ ابنُ أخي ابنِ شهابٍ، عن عمِّه، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن عن أُمِّه، عن النبيِّ ﷺ ، فأسندَه ووصلَه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ (٢)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال (٣): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مسلمٍ، عن

стр. 2768

عمِّه، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أُمِّه، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئلَ عن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: "ثُلُثُ القرآنِ أوْ تعدِلُه" (١). قال أبو عُمر: أمُّ حُميدٍ هذه هي أُمُّ كُلثومٍ بنتُ عُقبةَ بنِ أبي مُعيطٍ، وكانَتْ من المبايِعاتِ، ومن جلَّةِ الصحابيَّاتِ، وقد ذكَرْناها وذكَرْنا خبرَها ونسبَها في كتابِ النِّساءِ من كتابِنا في "الصحابةِ" (٢) فأغنَى عن ذكرِها هاهنا. وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيَى، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ محمدٍ الجمحيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسلمةَ القعنبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مسلم ابنُ أخِي الزُّهريِّ، عن عمِّه ابنِ شهابٍ،

стр. 2769

عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أُمِّه أُمِّ كُلثومٍ بنْتِ عُقبةَ بنِ أبي مُعيطٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سئلَ عن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: "ثُلثُ القرآنِ أوْ تعدِلُه" (١). ومن أصحِّ المسنداتِ في هذا البابِ حديثُ مالكٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ عبدِ الله بنِ أبي صعصعةَ، عن أبِيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: "تَعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ". وسيأتي في موضعِه من كتابِنا هذا إنْ شاءَ الله (٢)، وهناك يأتي القولُ في معنَى حديثِ هذا البابِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وحديثُ مالكٍ أيضًا (٣) عن عبدِ الله، أو عُبيدِ الله بنِ عبدِ الرحمن، والصَّوابُ عُبيدُ الله، عن عُبيدِ بنِ حُنينٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه سمِع رجلًا يقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. إلى آخرِها، فقال: "وجَبَتْ له الجنَّةُ". حديثٌ صحيحٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مخلدٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ" (٤). ورُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي هريرةَ، مرفوعًا من وُجُوهٍ،

стр. 2770

ورُوِيَ مرفوعًا أيضًا من حديثِ أبي أيُّوبَ، وأبي الدَّرداءِ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ (١)، وأنس بنِ مالكٍ (٢)، وقتادةَ بنِ النُّعمان (٣). أخبَرنا يعيشُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسحاق السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثني أبِي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عليِّ بنِ مُدركٍ، عن إبراهيمَ النَّخعيِّ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثيم، عن عبدِ الله، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أيعجِزُ أحدُكم أن يقرأ ثُلثَ القرآنِ كُلَّ ليلةٍ؟ ". قالوا: ومنْ يُطيقُ ذلك؟ قال: "بلَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (٤).

стр. 2771

أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي قيسٍ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ ميمونٍ يُحدِّثُ عن أبي مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أيُغلَبُ أحدُكم أن يقرأ ثُلثَ القرآنِ في ليلةٍ؟ ". قالوا: وما ذاكَ؟ قال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (١). هكذا روَى هذا الحديثَ أبو قيسٍ الأوديُّ هنا، وكذلك رواه الثَّوريُّ عنه أيضا كما رواه شُعبةُ بهذا الإسنادِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن أبي مسعودٍ؛ ورواه وكيع وابنُ مهديٍّ وأبو نُعيم وغيرُهم، عن الثَّوريِّ، عن أبي قيسٍ، بإسنادِه هذا مثلَه، وهو عندِي خطأٌ، واللهُ أعلمُ. والصَّوابُ عندِي فيه حديثُ منصورٍ، عن هلالٍ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثيمٍ، عن عَمْرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، عن امرأةٍ من الأنصارِ، عن أبي أيُّوبَ (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قأل: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 2772

وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا حُسينُ بنُ عليٍّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، جميعًا عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، عن ربيعِ بنِ خُثيمٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، عن امرأةٍ منَ الأنصارِ، عن أبي أيُّوبَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : من قرَأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنَّما قرَأ ثُلُثَ القرآنِ" (٢). واللَّفظُ لحديثِ ابنِ أبي شيبةَ. وأخبَرنا عُبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنجرَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسَى،

стр. 2773

قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثيم، عن عَمْرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، عن امرأةٍ من الأنصارِ، عن أبي أيُّوبَ، قال: أتاها فقال: ألا ترينَ (١) ما أتى به رسولُ الله ﷺ ؟ قالَتْ: رُبَّ خيرٍ أتى به رسولُ الله ﷺ ، فما هو؟ قال: قال لنا: "أيعجِزُ أحدُكم أن يقرأ ثُلثَ القرآنِ في ليلةٍ؟ ". قال: فأشفقْنا أن يُريدَنا على أمرٍ نعجِزُ عنه، فلم نَرجعْ إليه شيئًا حتى قالها ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم قال: "أما يستطيعُ أحدُكم أن يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾؟ " (٢). ورواه أبو الدرداء، عن النبيِّ ﷺ أيضًا. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ، قال: أخبرنا شعبةُ (٣)، عن قتادةَ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، عن معدانَ بنِ أبي طلحةَ، عن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أيعجِزُ أحدُكم أن يقرأ ثُلثَ القرآنِ في ليلةٍ؟ ". قيلَ: يا رسولَ الله، ومنْ يُطيقُ ذلك؟ قال: يقرأُ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (٤). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عفَّانُ. وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ سَنجرَ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا أبان العطَّارُ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، عن معدانَ بنِ أبي طلحةَ، عن أبي الدَّرداءِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيعجِزُ أحدُكم أن يقرأ كُلَّ ليلةٍ ثُلثَ القرآنِ؟ ". قالوا: نحنُ أعجزُ من ذلك

стр. 2774

وأضعفُ. قال: "إنَّ اللهَ جزَّأ القرآنَ ثلاثةَ أجزاءٍ، فجعَل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جُزءًا من أجزاء القرآنِ" (١). ووجدْتُ في أصلِ سماعِ أبي بخطِّ يدِه ﵀، أنَّ محمدَ بنَ قاسمِ بنِ هلالٍ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسَى، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن موسَى الصَّغيرِ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، عن أُمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلثَ القرآنِ" (٢). قال البزَّارُ: موسَى الصغيرُ رجلٌ كُوفيٌّ حدَّثَ عنه الناسُ. قال: وهذا إسنادٌ صحيحٌ. وأخبَرنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عثمانَ ابنُ أخِي عليِّ بنِ عاصمٍ الواسطيِّ، قال: حدَّثنا أبو تُميلةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن يحيَى بن يزيدَ، عن زيدِ بنِ أبي أُنيسةَ، عن نُفيعِ بنِ الحارثِ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ في الرَّكعتينِ قبلَ الصُّبح: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قال: وسمِعتُه يقولُ: "نعمَ السُّورتانِ؛ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلثَ القرآنِ، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدِلُ رُبُعَ القرآنِ" (٣). قال أبو تُميلةَ: قال ابنُ إسحاقَ: وأنا أجمعُهما جميعًا.

стр. 2775

قال أبو عُمر: ليسَ هذا الإسنادُ بالقويِّ. وأخبَرنا يعيشُ بنُ سعيدٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبٍ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا يمانُ بنُ المغير، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ أبي رباح، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من قرَأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فنصفُ القرآنِ، ومن قرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فربعُ القرآنِ، ومَن قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُلثُ القرآنِ" (١). وأخبَرنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مِنْدَلٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ أبي جعفرٍ الأشجعيُّ، عن أبِيه، عن ابنِ عمرَ، قال: صلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابِه صلاةَ الفجرِ في سفرٍ، فقرَأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ثم قال: "قدْ قرأْتُ لكم ثُلثَ القرآنِ وربُعَه" (٢).

стр. 2776

وأخبَرنا عُبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنجرَ، قال: حدَّثنا زكريَّا بنُ عطيَّةَ البصريُّ، قال: حدَّثنا سعدُ بنُ محمدِ بنِ المسورِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، قال سمِعتُ سعدَ بنَ إبراهيمَ يُحدِّثُ عن عمِّه أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من قرَأ بعدَ الصُّبحِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اثنتي عَشْرةَ (١) مرَّةً، فكأنَّما ختمَ القرآنَ أربعَ مرَّاتٍ، وكان خيرَ أهلِ الأرضِ في ذلكَ اليوم إذا اتَّقَى" (٢). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ والأحاديثُ التي قبلَه من أحاديثِ الشُّيوخِ ليسَتْ من أحاديثِ الأئمَّةِ، وقد صحَّتْ عن النبيِّ ﷺ في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾

стр. 2777

أحاديثُ عِدَدٌ من جهةِ نقلِ الآحادِ (١)، لا نقطعُ على غَيْبها، ونحنُ نقولُ كما قال رسولُ الله ﷺ ، ولا نُناظِرُ فيها، والقرآنُ عندَنا صفةٌ من صفاتِ الله، وهو كلامُ الله سبحانه، فسبحانَ المحيطِ علمًا بما أرادَ رسولُه ﷺ بقولِه هذا. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الصَّبَّاحيُّ، قال: حدَّثنا أبو بشرٍ الهيثمُ بنُ سهلٍ، قال: حدَّثنا سَدوسُ بنُ علقمةَ، قال: حدَّثني والدِي، قال: كنتُ عندَ أنسِ بنِ مالكٍ، فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "سُورةٌ منَ القرآنِ تشفعُ لصاحبِها فتُدخلُه الجنّةَ". قال: "وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن شُعبةَ، عن قتادةَ، عن عباسٍ الجُشَميِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "سُورةٌ في القرآنِ ثلاثونَ آيةً شفَعتْ لصاحبِها حتَّى غُفِرَ له" (٤).

стр. 2778

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يحيى القطَّانُ، عن شعبةَ، قال: حدَّثني قتادةُ، عن عباسٍ الجشميِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه.

стр. 2779

ابنُ شهاب، عن عيسى بن طَلْحة بن عُبيد الله القُرَشيُّ التَّيْمِيّ (١) قد ذكرنا أباه في كتاب الصَّحابة (٢) فلا وجه لذِكْره هاهنا. وعيسى بن طَلْحة هذا مَدَنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، روى عنه ابنُ شهاب، ومحمد بنُ إبراهيم بن الحارث التَّيْمي، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طَلْحة، وغيرُهم. وأمُّه سُعْدَى ابنة عوف خارجة بن سِنان بن أبي خارجة، وهو شقيق يحيى بن طَلْحة. قال الزُّبير (٣): وكان عيسى بن طَلْحة صديقًا لعُروة بن الزُّبير، وذكرَ خَبَرَهُ في تعزيته له في رِجْله. قال: وأخبرني مُصْعَب بن عُثمان، قال: قيل لعيسى بن طَلْحة: ما الحِلْمُ؟ قال: الذُّلُّ. وتُوفِّي عيسى بن طَلْحة بن عُبيد الله سنة مئة (٤). لمالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طَلْحة بن عُبيد الله هذا حديث واحد مُسْنَدٌ في "الموطأ".

стр. 2780

مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عيسى بنِ طلحةَ بنِ عُبيدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، قال: وقَف رسولُ اللهَ ﷺ للناسِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بمِنًى يسْألونَه، فجاءَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، لم أشْعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "اذْبَحْ ولا حَرَجَ". فجاءَ آخَرُ فقال: يا رسولَ الله، لم أشْعُرْ فنَحَرْتُ قبلَ أن أرْميَ؟ قال: "ارْمِ ولا حَرَجَ". قال: فما سُئِل رسولُ الله ﷺ عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلَّا قال: "افْعَلْ ولا حَرَجَ". هذا حديثٌ صحيحٌ لا يُخْتَلَفُ في إسْنادِه، ولا أعلمُ عن مالكٍ اخْتِلافًا في ألفاظِه (٢)، إلَّا ما رَواه يحيى بنُ سَلَّام (٣)، عن مالكٍ. ذكَرَه الدارقطنيُّ، عن الحسنِ بنِ رَشِيقٍ. وقد حدَّثناهُ عليُّ بنُ إبراهيمَ، عن الحسنِ بنِ رَشيقٍ، عن يوسفَ بنِ عبدِ الأحدِ، عن سليمانَ بنِ شعيبِ، عن يحيى بنِ سَلَّام، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن عبدِ اللَّه بنِ عَمْرٍو، أنَّ رسولَ الله ﷺ وقَف للناسِ في حَجَّةِ الوَداع، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، حَلَقْتُ قبلَ أن أذبحَ؟ قال: "اذْبَحْ

стр. 2781

ولا حَرَجَ". قال آخَرُ: يا رسولَ الله، ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْميَ؟ قال: "ارْمِ ولا حَرَجَ". قال آخَرُ: يا رسولَ الله، طُفْتُ بالبيتِ قبلَ أن أذْبَحَ؟ قال: "اذْبَحْ ولا حَرَجَ". قال: فما سُئِل عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قال: "لا حَرجَ، لا حَرَجَ". ولم يَقُلْ أحَدٌ في هذا الحديثِ: طُفْتُ بالبيتِ قبلَ أنْ أذْبَحَ. إلَّا يحيى بنُ سَلَّامٍ، ولم يُتَابَعْ عليه. وهكذا رَوَاه جمهورُ أصْحابِ ابنِ شهابٍ كما رَواه مالكٌ في "مُوَطَّئِه". وزاد فيه صالِحُ بنُ أبي الأخْضَرِ، عن ابنِ شهابٍ: وقَف رسولُ الله ﷺ على ناقَتِه (١). ولهذا ما رُوِي عنه ﷺ من حديثِ جابِرٍ (٢) ما اسْتَحَبَّ العلماءُ، واللهُ أعلمُ، أنْ يَرْمِيَ الرجلُ جَمْرَةَ العَقَبَةِ راكبًا. وممَّن اسْتَحَبَّ ذلك: مالكٌ، والشافعيُّ، وجماعَةٌ. قال مالكٌ ﵀: يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النحرِ راكِبًا وفي غيرِ يومِ النحرِ ماشِيًا (٣). وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ وُجوهٌ كثيرةٌ من أحكامِ الحَجِّ؛ منها ما أجْمَعوا عليه، ومنها ما اخْتَلَفوا فيه، فأمَّا قولُه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ. فإنَّ العلماءَ مُجْمِعون كافّةً عن كافَّةٍ أنَّ واجِبًا على المحرمِ ألَّا يَأْخُذَ من شَعَرِه شيئًا من حينِ يُحْرِمُ بالحجِّ إلى أن يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ في وَقْتِ رَمْيِها (٤)، فإنِ اضْطُرَّ إلى حَلْقِ شَعَرِه لضَرورةٍ لازِمَةٍ، فالحُكْمُ فيه ما نَصَّ اللهُ في كِتابِه وبَيَّنَه رسولُ الله ﷺ في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ (٥)، وقد شَرَحْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ من كِتابِنا هذا. وأجْمَعوا أنَّ النبيَّ

стр. 2782

- ﷺ حلَقَ رأْسَه في حَجَّتِه بعدَ رَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ يومَ النحرِ، بعدَ أنْ نَحَر (١)، وقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ للمحَلِّقِين" (٢). وأجْمَعوا أنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ من الحَلْقِ (٣)، لمَن لم يُلبِّدْ ولم يَعْقِصْ ولم يَضْفِرْ (٤). وأجْمَعوا أنَّ الحِلَاقَ أفْضَلُ من التَّقْصِيرِ (٥)، وأنْ ليس على النِّساءِ حَلْقٌ، وأنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّقْصِيرُ (٦). وروَى أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النحرِ، ونَحَر بُدْنَه، أو أمَرَ بها فنُحِرَتْ، وقال للحَلَّاقِ: "دُونَك". فحَلَق شِقَّه الأيمنَ، ثم الشِّقَ الأيسرَ، وناوَلَ شَعَرَ أحَدِ الشِّقَّيْنِ أبا طلحةَ، وقسَمَ الآخَرَ بينَ مَن يَلِيه الشعَرَةَ والشعَرَتَيْن. وهذا الحديثُ رَواه هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ (٧). وعلى العَمَلِ به جماعَةُ المسلمين (٨)، إلَّا ما كان من قَسْم الشَّعَرِ؛ فإنَّ ذلك
следующие страницы →