← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2778–2817 · переход к 2783.

стр. 2778

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يحيى القطَّانُ، عن شعبةَ، قال: حدَّثني قتادةُ، عن عباسٍ الجشميِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه.

стр. 2779

ابنُ شهاب، عن عيسى بن طَلْحة بن عُبيد الله القُرَشيُّ التَّيْمِيّ (١) قد ذكرنا أباه في كتاب الصَّحابة (٢) فلا وجه لذِكْره هاهنا. وعيسى بن طَلْحة هذا مَدَنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، روى عنه ابنُ شهاب، ومحمد بنُ إبراهيم بن الحارث التَّيْمي، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طَلْحة، وغيرُهم. وأمُّه سُعْدَى ابنة عوف خارجة بن سِنان بن أبي خارجة، وهو شقيق يحيى بن طَلْحة. قال الزُّبير (٣): وكان عيسى بن طَلْحة صديقًا لعُروة بن الزُّبير، وذكرَ خَبَرَهُ في تعزيته له في رِجْله. قال: وأخبرني مُصْعَب بن عُثمان، قال: قيل لعيسى بن طَلْحة: ما الحِلْمُ؟ قال: الذُّلُّ. وتُوفِّي عيسى بن طَلْحة بن عُبيد الله سنة مئة (٤). لمالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طَلْحة بن عُبيد الله هذا حديث واحد مُسْنَدٌ في "الموطأ".

стр. 2780

مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عيسى بنِ طلحةَ بنِ عُبيدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، قال: وقَف رسولُ اللهَ ﷺ للناسِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بمِنًى يسْألونَه، فجاءَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، لم أشْعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "اذْبَحْ ولا حَرَجَ". فجاءَ آخَرُ فقال: يا رسولَ الله، لم أشْعُرْ فنَحَرْتُ قبلَ أن أرْميَ؟ قال: "ارْمِ ولا حَرَجَ". قال: فما سُئِل رسولُ الله ﷺ عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلَّا قال: "افْعَلْ ولا حَرَجَ". هذا حديثٌ صحيحٌ لا يُخْتَلَفُ في إسْنادِه، ولا أعلمُ عن مالكٍ اخْتِلافًا في ألفاظِه (٢)، إلَّا ما رَواه يحيى بنُ سَلَّام (٣)، عن مالكٍ. ذكَرَه الدارقطنيُّ، عن الحسنِ بنِ رَشِيقٍ. وقد حدَّثناهُ عليُّ بنُ إبراهيمَ، عن الحسنِ بنِ رَشيقٍ، عن يوسفَ بنِ عبدِ الأحدِ، عن سليمانَ بنِ شعيبِ، عن يحيى بنِ سَلَّام، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن عبدِ اللَّه بنِ عَمْرٍو، أنَّ رسولَ الله ﷺ وقَف للناسِ في حَجَّةِ الوَداع، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، حَلَقْتُ قبلَ أن أذبحَ؟ قال: "اذْبَحْ

стр. 2781

ولا حَرَجَ". قال آخَرُ: يا رسولَ الله، ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْميَ؟ قال: "ارْمِ ولا حَرَجَ". قال آخَرُ: يا رسولَ الله، طُفْتُ بالبيتِ قبلَ أن أذْبَحَ؟ قال: "اذْبَحْ ولا حَرَجَ". قال: فما سُئِل عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قال: "لا حَرجَ، لا حَرَجَ". ولم يَقُلْ أحَدٌ في هذا الحديثِ: طُفْتُ بالبيتِ قبلَ أنْ أذْبَحَ. إلَّا يحيى بنُ سَلَّامٍ، ولم يُتَابَعْ عليه. وهكذا رَوَاه جمهورُ أصْحابِ ابنِ شهابٍ كما رَواه مالكٌ في "مُوَطَّئِه". وزاد فيه صالِحُ بنُ أبي الأخْضَرِ، عن ابنِ شهابٍ: وقَف رسولُ الله ﷺ على ناقَتِه (١). ولهذا ما رُوِي عنه ﷺ من حديثِ جابِرٍ (٢) ما اسْتَحَبَّ العلماءُ، واللهُ أعلمُ، أنْ يَرْمِيَ الرجلُ جَمْرَةَ العَقَبَةِ راكبًا. وممَّن اسْتَحَبَّ ذلك: مالكٌ، والشافعيُّ، وجماعَةٌ. قال مالكٌ ﵀: يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النحرِ راكِبًا وفي غيرِ يومِ النحرِ ماشِيًا (٣). وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ وُجوهٌ كثيرةٌ من أحكامِ الحَجِّ؛ منها ما أجْمَعوا عليه، ومنها ما اخْتَلَفوا فيه، فأمَّا قولُه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ. فإنَّ العلماءَ مُجْمِعون كافّةً عن كافَّةٍ أنَّ واجِبًا على المحرمِ ألَّا يَأْخُذَ من شَعَرِه شيئًا من حينِ يُحْرِمُ بالحجِّ إلى أن يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ في وَقْتِ رَمْيِها (٤)، فإنِ اضْطُرَّ إلى حَلْقِ شَعَرِه لضَرورةٍ لازِمَةٍ، فالحُكْمُ فيه ما نَصَّ اللهُ في كِتابِه وبَيَّنَه رسولُ الله ﷺ في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ (٥)، وقد شَرَحْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ من كِتابِنا هذا. وأجْمَعوا أنَّ النبيَّ

стр. 2782

- ﷺ حلَقَ رأْسَه في حَجَّتِه بعدَ رَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ يومَ النحرِ، بعدَ أنْ نَحَر (١)، وقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ للمحَلِّقِين" (٢). وأجْمَعوا أنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ من الحَلْقِ (٣)، لمَن لم يُلبِّدْ ولم يَعْقِصْ ولم يَضْفِرْ (٤). وأجْمَعوا أنَّ الحِلَاقَ أفْضَلُ من التَّقْصِيرِ (٥)، وأنْ ليس على النِّساءِ حَلْقٌ، وأنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّقْصِيرُ (٦). وروَى أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النحرِ، ونَحَر بُدْنَه، أو أمَرَ بها فنُحِرَتْ، وقال للحَلَّاقِ: "دُونَك". فحَلَق شِقَّه الأيمنَ، ثم الشِّقَ الأيسرَ، وناوَلَ شَعَرَ أحَدِ الشِّقَّيْنِ أبا طلحةَ، وقسَمَ الآخَرَ بينَ مَن يَلِيه الشعَرَةَ والشعَرَتَيْن. وهذا الحديثُ رَواه هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ (٧). وعلى العَمَلِ به جماعَةُ المسلمين (٨)، إلَّا ما كان من قَسْم الشَّعَرِ؛ فإنَّ ذلك

стр. 2783

لرسولِ الله ﷺ خاصَّةً تَبَرُّكًا به. وجعَل أبو بكر بنُ أبي شيبةَ (١)، عن حَفْصِ بنِ غياثٍ، عن هشامٍ في هذا الحديثِ مَوْضِعَ أبي طلحةَ أُمَّ سُلَيْمٍ زوجَتَه. وسائِرُ مَن رَواه يقولون: إنَّه حلَق شِقَّه الأيمنَ، وأعطاه أبا طلحةَ. ورُبَّما قال بعضُهم: إنَّ الذي حلَقَ من شِقِّ رأسِه الأيْسَرِ هو الذي أعْطاه أبا طلحةَ (٢). فلا خِلافَ بينَ العلماءِ أنَّ سُنَّةَ الحاجِّ أنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النَّحْرِ، ثم يَنْحَرَ هَدْيًا إن كان معه، ثم يَحْلِقَ رأسَه (٣). فمَن قدَّم شيئًا من ذلك عن مَوْضِعِه أو أخَّرَه، فللعلماءِ في ذلك ما نَذْكُرُه بعونِ الله وحولِه إن شاء اللهُ. ووَقْتُ رَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ يوم النَّحْرِ ضُحًى بعدَ طُلُوعِ الشمسِ إلى الغُروبِ. وأجْمَع علماءُ المسلمين على أنَّ رسولَ الله ﷺ إنَّما رَمَاها ضُحَى ذلك اليومِ. وأجْمَعوا أيضًا أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَرْمِ من الجَمَراتِ يومَ النَّحْرِ غيرَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ (٤). وأجْمَعوا على أنَّ مَن رَمَاها (٥) من طُلوعِ الشمسِ إلى الزَّوالِ يومَ النَّحْرِ فقد أصاب سُنَّتَها ووَقْتَها المخْتارَ (٦). وأجْمَعوا أنَّ مَن رَمَاها يومَ النَّحْرِ قبلَ المغيبِ فقد رَماها في وَقْتٍ لها، وإن لم يكنْ ذلك مُسْتحبًّا له (٧). واخْتَلَفوا فيمَن أخَّرَ رَمْيَها حتى غَرَبَتِ الشمسُ من يومِ النحرِ؛ فذَكَر ابنُ القاسِم أنَّ مَالِكًا ﵀ كان مَرَّةً يقولُ: عليه دَمٌ (٨). ومرَّةً لا يَرَى عليه

стр. 2784

شيئًا (١). قال: وقد تأخَّرَتْ صَفِيَّةُ امرأةُ ابنِ عمرَ على ابنةِ أخيها حتى أتَتْ مِنًى بعدَما غابَتِ الشمسُ، فرَمَتْ يومَ النَّحْرِ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ ابنَ عمرَ أمَرَها بشيءٍ (٢). ذكَرَ ذلك أبو ثابِتٍ، عن ابنِ القاسِم. وقال الثوريُّ: مَن أخَّرَها عامِدًا إلى الليلِ فعليه دَمٌ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والشافعيُّ: يَرْمِيها من الغَدِ، ولا شيءَ عليه (٣)، وقد أساء إن ترَكَها عامِدًا، والناسي لا شيءَ عليه. وقد قيل: على العامِدِ لذلك دَمٌ. واخْتَلَفوا فيمَن رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ في غيرِ وَقْتِها قبلُ أو بعدُ؛ فأمَّا اخْتِلافُهم فيمَن رَماها قبلَ طُلوعِ الفجرِ يومَ النحرِ، فأكثرُ العلماءِ على أنَّ ذلك لا يُجْزِئُ، وعلى مَن فَعَله الإعادَةُ. وهو قولُ مالكٍ، والثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، وأبي ثورٍ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ. وقال مالكٌ في "الموطّأ"، آَنه سَمِع بعضَ أهلِ العِلْمِ يَكْرَهُ رَمْىَ جمرةِ العقبة حتى يَطْلُعَ الفجرُ من يومِ النحرِ. قال: فإن رَمَى قبلَ الفجرِ فقد حَلَّ له النَّحْرُ. قال مالكٌ: ولم يَبْلُغْنا أنَّ رسولَ الله ﷺ أرْخَصَ لأحَدٍ أن يرميَها قبلَ الفَجْرِ، فمَن رَماها حَلَّ له الحَلْقُ. وقال عطاءُ بنُ أبي رباح، وابنُ أبي مُلَيْكَةَ، وعكرمةُ بنُ خالِدٍ، وجماعَةُ المكيين، في الذي يَرْمِي جمرةَ العَقَبَةِ قبلَ طُلوعِ الفجرِ: إنَّ ذلك يُجْزِئُ، ولا إعادَةَ على مَن فَعَل ذلك. وبه قال الشافعيُّ وأصْحابُه، إذا كان الرَّمْيُ بعدَ نِصْفِ الليلِ (٤). قال

стр. 2785

الشافعيُّ: وكذلك إن نَحَر بعدَ نِصْفِ الليلِ وقبلَ الفجرِ أجْزَأه. ورُوِي عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ أنَّها كانتْ تَرْمِي الجِمارَ بالليلِ (١). واحْتَجَّ الشافعيُّ (٢) بحديثِ أُمِّ سلمةَ، فقال: أخبَرنا داودُ بنُ عبدِ الرحمن وعبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: دارَ رسولُ الله ﷺ إلى أُمِّ سلمةَ يومَ النَّحْرِ، فأمَرها أن تُعَجِّلَ الإفاضَةَ من جَمْع حتى تَرْمِيَ الجمرةَ وتُوافِىَ صلاةَ الصبح بمكةَ، وكان يومَها، وأحَبَّ أن تُوافِيَه. قال: وأخبَرنا الثِّقَةُ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أُمِّ سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. قال الشافعيُّ: وهذا لا يكونُ إلَّا وقد رَمَتِ الجَمْرَةَ قبلَ الفجرِ بساعةٍ. قال أبو عُمر: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يدْفَعُ حديثَ أُمِّ سلمةَ هذا ويُضَعِّفُه (٣). وأمَّا اخْتِلافُهم في رَمْي جمرةِ العقبةِ بعدَ طُلوعِ الفجرِ وقبلَ طُلوعِ الشمسِ؛ فإنَّ أكثرَ الفقهاءِ يُجيزون ذلك، وممَّن أجازَه: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومَن قال بقولِهم. وقال الثوريُّ (٤): إن رمَاها قبلَ طُلوعِ الشمسِ أعادَها. وقال أبو ثَوْر: إن اخْتَلفوا في رَمْيِها قبلَ طُلوعِ الشمسِ لم تُجْزِئْ مَنْ رَمَاها، وكان عليه الإعادَةُ، وإن أجْمَعوا سلَّمْنا للإجْماعِ. وحُجَّتُه أنَّ رسولَ الله ﷺ رَمَاها

стр. 2786

بعدَ طُلوعِ الشمسِ، فمَن رَمَاها قبلَ طُلوعِ الشمسِ كان مُخَالفًا للسُّنَّةِ، ولَزِمه إعادَتُها في وَقْتِها؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ جعَل لها وَقْتًا، فمَن تقَدَّمَه لم يُجْزِئْه. وزَعَم ابنُ المنذرِ أنَّه لا يَعْرِفُ خِلافًا فيمَن رَمَاها قبلَ طُلوعِ الشمسِ وبعدَ الفجرِ أنَّه يُجْزِئُه (١). قال: ولو عَلِمْتُ في ذلك خِلافًا لأوْجَبْتُ على فاعِلِ ذلك الإعادَةَ. ولم يَعْرِفْ قولَ الثوريِّ الذي حكَيْنا. وقد ذكَره الطحاويُّ (٢)، عن الثوريِّ، وقد ذكَرَه ابنُ خُوَيْز مَنْداد أيضًا. فهذا حُكْمُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ التي تُرْمَى يومَ النَّحْرِ، ولا يُرْمَى من الجِمارِ يومَ النحرِ غيرُها (٣)، وهي رُكْنٌ من أركانِ الحَجِّ، ولو وَطِئَ المحرمُ قبلَ رَمْيِها لَفسَد حَجُّه عندَ مالكٍ وأصْحابِه، فإن وَطِئَ بعدَ رَمْي جَمْرَةِ العقبةِ وقبلَ الإفاضَةِ فعليه عندَهم أن يَعْتَمِرَ ويُهْدِيَ، وإنَّما أمَروه بالعمرةِ ليكونَ طَوافُه للإفاضَةِ في إحْرامِ صحيح. وهذا هو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ عندَ أصحابِه (٤). وذكَرَ ابنُ أبي حازِم أنَّ مالكًا رجَع عن هذا القولِ (٥) إلى أن قال: مَن وَطِئَ بعدَ رَمْي جمرةِ العقبةِ وقبلَ الإفاضَةِ فعليه هَدْيُ بدنةٍ لا غيرُ، ومَن وَطِئَ قبلَ رَمْي جمرةِ العقبةِ وبعدَ الوُقُوفِ بعرفةَ اعْتَمَر وأهْدَى وأجْزَأ عنه. هذه رِوايةُ ابنِ أبي حازِمٍ عن مالكٍ، وهي رِوايَةٌ شاذَّةٌ عندَ المالكيِّين لا يَعْرِفونها، والمعروفُ عندَهم

стр. 2787

ما قَدَّمْنا ذكرَه، وعلى رِوايةِ ابنِ أبي حازِم (١) عن مالكٍ جماعَةٌ من العلماءِ؛ منهم الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ (٢). وقد روَى مالكٌ (٣)، عن أبي الزبيرِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في الذي يَطَأُ أهلَه بعدَ رَمْي جمرةِ العقبةِ وقبلَ أن يُفِيضَ، أنَّه يَنْحَرُ بدنةً ويُجْزِئُه. وروَى (٤) عن ثورِ بنِ زيدٍ، عن عكرمةَ - أظُنُّه عن ابنِ عباسٍ - أنَّه يَعْتَمِرُ ويُهْدِي. ورِوايةُ ثورٍ عن عكرمةَ في هذا ضعيفةٌ؛ لأنَّ أيوبَ روَى عن عكرمةَ أنَّه قال: ما أفْتَيْتُ برَأْيٍ قَطُّ إلَّا في ثلاثِ مسائلَ؛ إحداهُنَّ في الذي يُصيبُ أهلَه قبلَ أن يطوفَ للإفاضَةِ يَعتمِرُ ويُهْدِي. وقال مالكٌ وجمهورُ أصحابِه في الذي يَطَأُ أهلَه بعدَ يومِ النَّحْرِ (٥) قبلَ رَمْي جمرةِ العَقَبَةِ، أنَّه يَرْمِي الجمرةَ، ويطوفُ للإفاضَةِ، وعليه أن يَعْتَمِرَ ويُهْدِيَ، ليس عليه غيرُ ذلك. وإنَّما يَفْسُدُ حَجُّه عندَهم إذا وَطِئها يومَ النَّحْرِ قبلَ أن يَرْمِيَ الجمرةَ، وأمَّا إن وَطِئها بعدَ يومِ النحرِ، فإنما عليه أن يَعْتَمِرَ ويُهْدِيَ، وسواءٌ وطِئها قبلَ رَمْي الجمرةِ أو بعدُ، إذا كان قد وَقَف ليلًا بعرفةَ، وكان وَطْؤُه بعدَ يومِ النَّحْرِ (٦).

стр. 2788

وقد ذكَرَ ابنُ حبيبٍ، عن مالكٍ وأصحابِه فيمَن وَطِئَ قبلَ رمي جمرةِ العقبةِ، أنَّه يَفْسُدُ حَجُّه وإن كان بعدَ يومِ النَّحْرِ. وهذا غيرُ معروفٍ في مذْهَبِ مالكٍ وأصحابِه، والمعروفُ ما ذكَرْتُ لك. فهذه أحكامُ جَمْرَةِ يومِ النَّحْرِ فيمَن وَطِئَ قبلَها أوبعدَها، وليس لشيءٍ من الجِمارِ حُكْمُها. وأمَّا الجِمارُ التي تُرْمَى في أيامِ مِنًى بعدَ يومِ النحرِ، فأجْمَع علماءُ المسلمين أنَّ وَقْتَ الرَّمْي في غيرِ يومِ النحرِ بعدَ زَوالِ الشمسِ (١). وقال مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ (٢): لا يُجْزِئُ الرمْيُ في غيرِ يوم النَّحْرِ إلَّا بعدَ الزوالِ. وقال أبو حنيفةَ: إن فَعَلَه أحدٌ قبلَ الزَّوَالِ أجْزَأه (٣). وعن عطاءٍ (٤)، وطاوسٍ (٥)، وعكرمةَ، مثلُ قولِ أبي حنيفةَ، إلَّا أنَّ طاوسًا قال: إن شاء رَمَى من أوَّلِ النهارِ ونَفَر. وقال عكرمةُ: إن رَمَى أولَ النهارِ لم يَنْفِرْ حتى تزولَ الشمسُ. وعن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وجماعَةِ التابعين (٦)، مثلُ قولِ مالكٍ ومَن تابَعه في ذلك.

стр. 2789

أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٢): حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جريج، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ أنَّه سمِعَ جابِر بنَ عبدِ الله يقولُ: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَرْمِي يومَ النَّحْرِ ضُحًى، فأمَّا بعدَ ذلك فبعدَ زَوالِ الشمسِ. وكان يَرْمِيها على راحِلَتِه، ويقولُ لنا: "خُذوا عني منَاسِكَكم؛ فلا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعدَ حَجَّتِي هذه" (٣). وقال مالكٌ في "الموطّأ" (٤): السُّنةُ الثابتةُ التي لا اخْتِلافَ فيها عندَنا أن أحَدًا لا يَحْلِقُ رأْسَه ولا يَأْخُذُ من شَعَرِه حتى يَنْحَرَ هَدْيًا إن كان معه؛ وذلك أنَّ اللهَ يقولُ في كتابِه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال مالكٌ (٥): الأمْرُ الذي لا اخْتِلافَ فيه عندَنا أنَّ مَن قَرَن بين الحجِّ والعمرةِ لم يأْخُذ من شَعَرِه شيئًا حتى يَنْحَرَ هَدْيًا إن كان معه، ولا يَحِلُّ من شيءٍ كان حَرُمَ عليه حتى يَحِلَّ يومَ النَّحْرِ بمِنًى. وسُئِل مالكٌ (٦) عن الرجلِ يَنْسَى الحِلَاقَ في الحجِّ بمِنًى، أواسِعٌ له أن يَحْلِقَ بمكةَ؟ قال: ذلك واسِعٌ، والحِلَاقُ بمِنًى أحَبُّ إليَّ. قال أبو ثابِتٍ: قلتُ لابنِ القاسِمِ: ما قولُ مالكٍ (٧) فيمَن حلَق قبلَ أن يَرْمِيَ جمرةَ العقبةِ؟ فقال: قال مالكٌ: عليه الفِدْيَةُ. قيل له: فما قولُ مالكٍ فيمَن حلَق قبلَ أن يَذْبَحَ؟ قال: لا شيءَ

стр. 2790

عليه، وهو يُجْزِئُه. قيل له: فما قولُ مالكٍ إن هو ذبَح قبلَ أن يَرْمِيَ؟ قال: يُجْزِئُه ولا شيءَ عليه (١). قال أبو عُمر: لم يخْتَلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه فيمَن حلَق قبلَ أن يَرْمِيَ جمرةَ العقبةِ أنَّ عليه الفِدْيَةَ (٢)، ويُمِرُّ بعدَ ذلك المُوسَى على رأسِه. وذكَر ابنُ عبدِ الحكمِ فيمَن طاف طَوافَ الإفاضَةِ قبلَ أن يَرْمِيَ جمرةَ العقبةِ يومَ النحرِ، أنَّه يَرْمِي، ثم يُحْلِقُ رأسَه، ثم يُعيدُ الطوافَ للإفاضَةِ. قال: ومَن طاف للإفاضَةِ قبلَ الحِلَاقِ إلَّا أنَّه قد كان رَمَى جمرةَ العقبةِ، فإنَّه يَحْلِقُ رأسَه، ثم يُعيدُ طوافَ الإفاضَةِ، فإن لم يُعِدِ الطوافَ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه قد طاف. وقال إسماعيلُ القاضِي: مَن حَلَق قبلَ أن يَذْبَحَ لم يكنْ عليه شيءٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ يدُلُّ على أنَّه مَن رَمَى جمرةَ العقبةِ، ثم حَلَق قبلَ أن يذْبَحَ، فلا شيءَ عليه، وقد كان يَنْبَغِي له أن يذْبَحَ ثم يَحْلِقَ بعدَ الذَّبْحِ، فلمَّا بَدَأ بالحِلَاقِ كان قد أخْطَأ، ولم يكنْ عليه شيءٌ؛ لأنَّ الرَّمْيَ يَحِلُّ به الحِلاقُ، ألا تَرَى أنَّ رجلًا لو لم يكنْ معه هَدْيٌ ثم رَمَى جمرةَ العقبةِ، حَلَّ له الحَلْقُ ولُبْسُ الثِّيابِ وما أشْبَهَ ذلك، فلهذا المعنى لم يكنْ على مَن بَدَأ بالحَلْقِ قبلَ الذبحِ شيءٌ. قال إسماعيلُ: وإذا نَحَر قبلَ أن يَرْمِيَ لم يكنْ عليه أيضًا شيءٌ؛ لأنَّ الهَدْيَ قد بلَغ مَحِلَّه، ألا تَرَى أنَّ مُعْتَمِرًا لو ساق معه هَدْيًا فنَحَره حينَ بلَغ مكةَ قبلَ أن يطوفَ ويَسْعَى، لكان قد أخْطأ، ولم يكنْ عليه إبْدالُ الهَدْي، وإنَّما كان يَنْبَغِي له ألَّا يَنْحَرَ الهديَ حتى يَفْرُغَ من طَوافِه وسَعْيِه فيَنْحَرَ الهَدْيَ ثم يَحْلِقَ، فلمَّا أخْطَأ لم يكنْ عليه الإبدالُ؛ لأنَّ الهَدْيَ قد بلَغ مَحِلَّه، ولم يكنْ في شيءٍ من ذلك انتِقاصٌ لعُمْرَتِه؛ لأنَّ الرجلَ قد يَعْتَمِرُ ولا يسوقُ هَدْيًا، فتكونُ عُمْرَتُه

стр. 2791

تامَّةً، ولو نَحَر هَدْيَه قبلَ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه في الحَجِّ لم يكنْ عليه غيرُ إبْدالِ الهدي خاصَّةً، ولا يكونُ عليه في ذلك انتِقَاصٌ لشيءٍ من أمْرِ الحَجِّ. قال إسماعيلُ: وهاتانِ الخَلَّتانِ هما (١) المبْتَغَتانِ في حديثِ الزُّهريِّ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو (٢). قال إسماعيلُ: والذي رَواه هشامُ بنُ حسانَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ (٣) مثلُه في المعنى، والذي رَواه وُهَيْبٌ، عن ابن طاوسٍ (٤) مُجْمَلٌ، غيرَ أنَّه لا يَبِينُ فيه خِلافُ حديثِ الزُّهريِّ، والذي رَواه خالِدٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ (٥)، ذكَر فيه أنَّه رَمَى بعدَما أمْسَى، وهذا أيضًا ليس فيه انتِقاصٌ للحَجِّ، وإنَّما كان يَنْبَغِي له أن يَرْمِيَ جمرةَ العَقَبَةِ في ذلك اليومِ قبلَ الزَّوالِ، فلمَّا أخْطَأ وأخَّرَها إلى بعدِ الزَّوالِ لم يكنْ عليه شيءٌ؛ لأنَّ مالِكًا قال: إذا رَمَى جمرةَ العقبةِ يومَ النَّحْرِ في بَقِيَّةِ النهارِ لم يكنْ عليه شيءٌ، وإن أخَّرَها إلى الليلِ، فإنَّ أبا ثابتٍ حَكَى عن ابنِ القاسِمِ قال: كان مالكٌ مَرَّةً يقولُ: عليه دَمٌ. ومَرَّةً لا يَرَاه عليه. قال: وقد تأخَّرَتْ صَفِيَّةُ امرأةُ ابنِ عمرَ عن ابنةِ أخِيها حتى أتَتْ مِنًى بعدَما غابَتِ الشمسُ يومَ النَّحْرِ فرَمَتْ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ ابنَ عمرَ أمَرَها بشيءٍ (٦). قال أبو عُمر: قد رَوَى سُحْنُونٌ، عن ابنِ القاسِمِ، أنَّ مالكًا لم يأْخُذْ برُخْصَةِ ابنِ عمرَ لصفِيَّةَ في ذلك، ورَأى أنَّ مَن أخَّرَ رَمْيَ جمرةِ العَقَبَةِ حتى الليلِ، ورَماها بالليلِ، عليه لذلك دَمٌ (٧). والذي رَواه أبو ثابتٍ، عن ابنِ القاسِمِ، أتمُّ. وأكثرُ

стр. 2792

العلماءِ على أنَّه ليس في ذلك دَمٌ، وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ وما للعلماءِ فيها من الأقوالِ فيما تَقدَّم من هذا البابِ. والحمدُ لله. وقال إسماعيلُ: وحديثُ عكرمةَ يَدُلُّ على أنَّ الرجلَ رَمَى بالعَشِيِّ؛ لأنَّه حكَى أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل يومَئذٍ، فعُلِم أنَّ المسألةَ كانت في اليومِ. قال: والظاهرُ أيضًا في قولِه: بعدَما أمْسَيْتُ. يدُلُّ على العَشِيِّ؛ لأنَّه الغالِبُ في كلامِ الناسِ، فهذا هو النَّصُّ القويُّ في الحديثِ الصحيحِ عن النبيِّ ﷺ ، فأمَّا ما يُزادُ في الأحاديثِ الضعيفةِ فهو شيءٌ لا يُدْرَى كيف صِحَّتُه، واللهُ أعلمُ به. قال أبو عُمر: اللَّفْظُ الذي أنكَرَه إسماعيلُ في هذا الحديثِ على مَن ذكَره وزادَه وأتى به هو قوله: حَلَقْتُ قبل أن أرْميَ، وهو محفوظٌ في الأحاديث. ثم ذكر إسماعيلُ حديثَ ابنِ عباسٍ، فقال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا خالِدٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ يُسألُ يومَئِذٍ فيقولُ: "لا حَرَج". فسألَه رجلٌ، فقال: حَلَقْتُ قبلَ أن أذبَحَ. فقال: "لا حَرَجَ". فقال: رَمَيْتُ بعدَما أمْسَيْتُ. قال: "لا حَرَجَ" (١). قال إسماعيلُ: وحدثنا نَصْرُ بنُ عليٍّ، عن يزيدَ بنِ زُرَيْع مثلَه. قال: وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحَجَّاجِ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قيل له يومَ النحرِ وهو بمِنًى، في الرَّمْي والحَلْقِ، والتَّقْدِيم والتَّأْخِيرِ، فقال: "لا حَرَجَ" (٢). قال إسماعيلُ: وحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ يومَ النَّحْرِ عن رجلٍ حَلَق قبلَ أن يذْبَحَ، أو ذَبَح

стр. 2793

قبلَ أنْ يَرْمِيَ، وأشْبَاهِ هذا، فأكْثَروا في التَّقْدِيم والتَّأخِيرِ، فما سأله أحَدٌ يومَئذٍ عن شيءٍ من هذا النَّحْوِ إلَّا قال: "لا حَرَجَ، لا حَرَجَ" (١). وقال أبو ثابتٍ، عن ابنِ القاسِمِ: قال مالكٌ: إن ذَبَح المحرمُ ذَبِيحِتَه قبلَ الفجرِ أعاد ذَبِيحَتَه (٢). قال أبو عُمر: قولُه هذا مَعْناه عندِي على أصْلِه أنَّ الذَّبْحَ بالليلِ لا يُجْزِئُ في الهدي والضَّحايَا، ولا وَجْهَ له عندِي غيرُ ذلك على مَذْهَبِه، ألا ترَى إلى ما قَدَّمْنا من قولِه أنَّ مَن رَمَى قبلَ الفجرِ وإن كان لا يُجْزِئُه رَمْيُه أنَّ النَّحْرَ قد حَلَّ له، وقولِه أنَّ مَن قَدَّم نحرَه قبلَ رَمْيِه لا شيءَ عليه. قال إسماعيلُ: ولا يَضُرُّه ذلك ولا يَنْتَقِصُ من حَجِّه شيئًا؛ لأنَّ هَدْيَه قد بَلَغ مَحِلَّه، فإذا لم يُفْسِدْ عليه ما قَدَّمَه من نحرِه قبلَ رَمْيِه شيئًا من حَجِّه، ولا أوْجَب عليه شيئًا، فلا وَجْهَ لإعادَةِ ما نَحَره من هَدْيِه إلَّا من أجْلِ أنَّه ذبَحَه بالليلِ، وذلك لا يُجْزِئُه عندَه، لقولِ الله : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فذكَرَ الأيامَ دونَ الليالي، وعندَ غيرِه الليالي تَبَعٌ للأيام، واللهُ أعلمُ. قال أبو عُمر: اخْتَلف العلماءُ فيمَن قَدَّم نُسُكًا قبلَ نُسُكٍ أو أخَّرَه مِمَّا يصْنَعُه الحاجُّ يومَ النحرِ خاصَّةً؛ مثلَ تَقْدِيمِ النحرِ قبلَ الرَّمْي، أو الحَلْقِ قبلَ النحرِ أو قبلَ الرمي. فأمَّا اخْتِلافُهم فيمَن حَلَقَ قبلَ أن يَرْمِيَ؛ فإنَّ مالكًا قال ما تَقَدَّم ذكْرُه عنه، وعليه أصحابُه في إيجابِ الفديةِ في ذلك، قال: ومَن ذَبَح قبلَ أن يَرْمِيَ، أو

стр. 2794

حَلَق قبلَ أن يذْبَحَ، فلا شيءَ عليه. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: مَن قَدَّم من حَجِّه شيئًا أو أخَّرَه فعليه دَمٌ (١). ولا يَصِحُّ ذلك عنه. وعن إبراهيمَ وجابرِ بنِ زيدٍ (٢) مثلُ قولِ مالكٍ في إيجابِ الفديةِ على مَن حَلَق قبلَ أن يَرْمِيَ. وهو قولُ الكوفيِّين (٣). وقال الشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ، وداودُ، والطبريُّ: لا شيءَ على مَن حَلَق قبلَ أن يَرْمِيَ، ولا على مَن قَدَّم شيئًا أوأخَّرَه ساهِيًا مِمَّا يُفْعَلُ يومَ النحرِ (٤). ورُوِى عن الحسنِ وطاوسٍ، أنَّه لا شيءَ على مَن حَلَق قبلَ أن يَرْمِيَ. مثلُ قولِ الشافعيِّ ومَن تابَعَه.

стр. 2795

وعن عطاءِ بنِ أبي رباح: مَن قَدَّم نُسُكًا قبلَ نُسُكٍ فلا حَرَجَ. ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وطاوسٍ، ومجاهدٍ، وعكرمةَ، وقتادةَ (١). وذكر ابنُ المنذرِ، عن الشافعيِّ، في هذه المسألةِ، مَن حلَق قبلَ أن يَرْمِيَ، أنَّ عليه دَمًا. وزَعَم أنَّ ذلك حَفِظه عن الشافعيِّ، وهو خَطَأٌ على الشافعيِّ، والمشهورُ من مَذْهَبِه في كُتُبِه وعندَ أصحابِه أنَّه لا شيءَ على مَن قَدَّم أو أخَّرَ من أعمالِ يوم النحرِ كلِّها شيئًا إذا كان ساهِيًا. وأمَّا اخْتِلافُهم فيمَن حلَق قبلَ أن يذْبَحَ، فجمهورُ العلماء على أنْ لا شيءَ عليه. كذلك قال عطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعِكْرمَةُ، ومجاهدٌ، والحسنُ، وقتادةُ (٢). وهو قولُ مالكٍ، والأوزاعيِّ، والثوريِّ، والشافعيِّ، وأبي ثورٍ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وداودَ، ومحمدِ بنِ جَريرٍ (٣). وقال إبراهيمُ النخعيُّ: مَن حلَق قبلَ أن يذْبَحَ أهراقَ دَمًا. وقال جابرُ بنُ زيدٍ: عليه الفديةُ (٤). وقال أبو حنيفةَ: عليه دَمٌ. قال: وإن كان قارِنًا فعليه دَمَان؛ دَمٌ للقِرانِ، ودَمٌ للحلقِ. وقال زُفَرُ: على القارِنِ إذا حلَق قبلَ أن يَنْحَرَ ثلاثةُ دِمَاءٍ؛ دَمٌ للقِرانِ، ودَمَانِ للحَلْقِ قبلَ النحرِ (٥).

стр. 2796

ولا أعلمُ خِلافًا فيمَن نَحَر قبلَ أنْ يَرْمِيَ أنَّه لا شيءَ عليه (١)، وذلك، واللهُ أعلمُ، لأنَّ الهديَ قد بَلَغ مَحِلَّه، مع ما في حديثِ ابنِ شهابِ هذا من قولِه ﷺ لمن نَحَر قبلَ أنْ يَرْمِيَ، أو حلَق قبلَ أن يذْبَحَ: "لا حَرَجَ". وحُجَّةُ مَن لم يُوجِبْ على مَن قَدَّم شيئًا من نُسُكِ يومِ النحرِ أو أخَّرَه ساهِيًا، الأخْبارُ التي رُوِيَتْ عن النبيِّ ﷺ ؛ ففي بعضِها: "مَن قَدَّم نُسُكًا قبلَ نُسُكٍ لا حَرَجَ" (٢). وفي بعضِها أنَّ القائِلَ قال: حَلَقْتُ قبلَ أن أرْمِيَ، وحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ، وذَبَحْتُ قبلَ أن أرْمِيَ (٣). أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٤): أخبَرنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن رجلٍ حلَق قبلَ أن يذْبَحَ؟ قال: "اذْبَحْ ولا حَرَجَ". وقال آخَرُ: ذَبَحْتُ قبلَ أنْ أرْمِيَ؟ قال: "ارْمِ ولا حَرَجَ" (٥).

стр. 2797

قال أبو عمر (١): لم يقلْ فيه ابنُ عيينةَ، عن ابنِ شهابٍ: لم أشعُرْ فحلَقتُ. وقد ذكَره مالكٌ، وهي لفظةٌ فيها من الفقهِ أنَّ الرجلَ فعَل ذلك ساهِيًا، فلذلك قيل له: "لا حرجَ"، واللهُ أعلمُ، وهو الصحيحُ، وقد جاء معمرٌ بمعنَى هذه اللفظةِ بهذا الحديث. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٢): أخبَرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا معمرٌ، قال: حدَّثنا ابنُ شهابٍ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ واقفًا على راحلتِه بمنًى فأتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله, إنِّي كنتُ أرَى الحلقَ قبلَ الذبحِ, فحلَقتُ قبلَ أن أذبحَ. فقال: "اذبَحْ ولا حَرَجَ". ثم جاءه آخرُ فقال: يا رسولَ الله، إنِّي كنتُ أرَى الذبحَ قبلَ الرَّمْي، فذبَحتُ قبلَ أن أرميَ. قال: "ارمِ ولا حَرَجَ". قال: فما سُئِلَ عن شيءٍ قَدَّمه رَجلٌ قبلَ شيءٍ إلَّا قال: "افْعَلْ ولا حَرَجَ" (٣). قال أبو عُمر: فقولُه في هذا الحديثِ: فما سُئِل عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّرَ إلَّا قال: "افْعَلْ ولا حَرَجَ". من روايةِ مالكٍ وغيرِه، به (٤) احْتَجَّ الشافعيُّ ومَن تابَعَه، وبالله التوفيقُ. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن الشَّيْبانيِّ، عن زَيادِ بنِ علاقَةَ، عن أُسامَةَ بنِ شرِيكٍ، قال: خَرَجْتُ مع النبيِّ ﷺ حاجًّا، فكان الناسُ يَسألونَه، فمَن قال:

стр. 2798

سَعَيْتُ قبلَ أن أطوفَ، أو أخَّرْتُ شيئًا، أو قَدَّمْتُ شيئًا. فكان يقولُ: "لا حَرَجَ" (١). واخْتَلَفوا فيمَن أفاض قبلَ أن يَحْلِقَ بعدَ الرَّمْي؛ فكان ابنُ عمرَ يقولُ: يَرْجِعُ فيَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم يَرْجِعُ إلى البيتِ فيُفِيضُ (٢). وقال عطاءٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وسائِرُ الفقهاءِ: تُجْزِئُه الإفاضَةُ، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ولا شيءَ عليه (٣). وقال (٤) مالكٌ فيمَن أفاض يومَ النحرِ قبلَ أن يَرميَ جمرةَ العقبةِ، أنه لا تُجزئُه الإفاضةُ، وعليه أن يَرمِيَ ويحلِقَ ثم يُفيضَ (٥). ومذهبُ الشافعيِّ ومَن تابعَه أنَّ ذلك يجزئُه ويَرمِي ويحلِقُ، ولا شيءَ عليه (٦)، وهذا كلُّه في مَعْنَى الحديث. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويَةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٧): أخبَرنا يعقوبُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عَمَّن حلَق قبلَ أن يذْبَحَ، أو ذَبَح قبلَ أن يَرْمِيَ، فجعَل يقولُ: "لا حَرَجَ، لا حَرَجَ" (٨).

стр. 2799

ورَواه قيسُ بنُ سعدٍ، عن عطاءٍ، عن جابِرٍ مرفوعًا مثلَه، وزاد فيه: وقال آخَرُ: طُفْتُ بالبيت قبل أن أذبَحَ؟ قال: "اذبَحْ ولا حَرَج" (١). وحديث قيسِ بنِ سعدٍ، عن عطاءٍ، عن جابِرٍ، رَواه حمادُ بنُ سلمةَ، عن قيسٍ هكذا كما ذكَرْنا. وأخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٢): حدَّثنا عمرُو بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا المعلَّى بنُ أسَدٍ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، عن عبدِ الله بنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قيل له يومَ النحْرِ بمِنًى، في النحرِ والحَلْقِ والرَّمْي، والتَّقْدِيم والتأْخِيرِ، فقال: "لا حَرَجَ" (٣).

стр. 2800

ابنُ شِهاب، عن عُرْوةَ بن الزُّبَير بن العَوّام خمسةَ عشَرَ حديثًا، منها واحدٌ مرسَلٌ قال أبو عُمر: هو عُروةُ (١) بنُ الزُّبير بنِ العوّام بن خُوَيْلد بنِ أسَدِ بن عبدِ العُزّى بنِ قُصَيّ، القرشيُّ الأَسَديُّ، قد ذكَرْنا نسَبَ أبيه في "الصَّحابةِ" (٢). أمُّه: أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق، يُكْنى أبا عبد الله. وكان أحدَ العشَرة الفقهاءِ من تابعي أهل المدينة، وهم: سعيد، وأبو سَلَمة، وعُروةُ، والقاسم، وسالم، وأبو بكر، وعُبيدُ الله، وسُليمان، وخارِجةُ، وقَبِيصة. وكان عُروةُ أحفظَهم كلِّهم، وأغزرَهُم حديثًا. رُويَ عنه أنه قال: أدركتُ حصارَ عثمانَ بنَ عفّانَ. وكان يومَ الجَمَل ابنَ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، ووُلد سنةَ ستٍّ وعشرينَ من الهجرةِ. قال مُصعَبٌ الزُّبَيريُّ (٣): بُشِّر عبدُ الله بنُ الزُّبير بأخيه عُروةَ بنِ الزُّبير مَقْدَمَه من إفريقيّة، وذلك سنةَ ستٍّ وعشرين (٤). واستُصغِرَ حين خَرَجوا يومَ الجَمَل، فرُدَّ من الطّريقِ هو وأبو بكر بنُ عبد الرَّحمن (٥). ومات عروةُ سنةَ أربع أو خمس وتسعين وهو ابنُ تسع وستينَ سنة. وقيل:

стр. 2801

بل (١) مات عُروةُ سنةَ إحدى ومئة. حَكَى هذه الجملةَ الواقديُّ، ومُصعَبٌ، ويحيى بنُ معين (٢). ذَكَر الحُلْواني قال: حدثنا أبو أسامة (٣)، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: استُصغرنا يومَ الجمل، فرُددت أنا وأبو بكر بنُ عبد الرحمن بنِ الحارث بنِ هشام. قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب (٤)، عن يونسَ، عن ابنِ شهاب، قال: وجدتُ عروةَ بنَ الزُّبير بحرًا لا تُكدِّرُه الدِّلاءُ. قال: وحدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح (٥)، قال: حدَّثني الليثُ، قال: قلتُ ليحيى بنِ

стр. 2802

سعيدٍ: إنّ ابنَ شهابٍ قال: وجدتُ عروةَ بحرًا لا تُكدِّرُه الدِّلاءُ. فقال يحيى: أمّا أعلمُهم بالسُّنن وأقضيةِ عمرَ بنِ الخطابِ فابنُ المسيِّبِ، وأما أكثرُهم حديثًا فعُروةُ بنُ الزُّبير. قال: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، قال: تزوَّج عروةُ، فأرادُوه على أن يُفطِرَ، فأبى، وكان يسرُدُ الصَّومَ (١)، فأرادُوه على الخَلُوق، فأبى، فلمّا نام خلَّقوه وهو نائمٌ. قال أيوبُ: وكان عروة إذا دخل أرضَه، قال: ما شاء اللهُ، لا قوَّةَ إلا بالله. وروينا أنَّ عُروة قدم على الوليد بن عبد الملك في الشام، فأصابتْهُ الأكِلَةُ (٢) في رِجْله، فقطَعَها وهو (٣) عند الوليد، ولم يتحرَّكْ، ولا نَطَق، ولم يشْعُر الوليد بها حين قطعت، حتى كُوِيَت، فوَجَد رائحةَ الكَيِّ، وبقيَ بعد ذلك ثمانيَ سنينَ (٤). واحتفر بالمدينة بئرًا يُقال لها: بئر عروة، ليس بالمدينة بئر أعذبَ منها (٥). وذكر عباس (٦)، عن ابنِ معين، قال: حدَّثني الأصمعيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن الزُّهري، قال: سألت ابن صُعَير عن شيء من الفقه - وكنت أتعلم منه النَّسَب - فقال: ألك بذا حاجةٌ؟ عليك بهذا الشَّيخ. وأشار إلى سعيد بن المسيِّب، فجالسْتُه سبعَ سنينَ، لا أحسَبُ أنّ عالمًا غيرُه، ثم تحوَّلت إلى عروةَ بنِ الزُّبير، ففجَّرتُ به بحرًا.

стр. 2803

وروينا عن ابن شهاب أيضًا أنه قال: كنت أطلبُ العلمَ من ثلاثةٍ: سعيدِ بنِ المسيِّبِ، وكان أفقَهَ الناسِ، وعروةَ بنَ الزُّبيرِ، وكان بحرًا لا تُكدِّره الدِّلاءُ، وكنتَ لا تشاءُ أن تجد عند عُبيدِ الله طريقةً من عِلْمٍ لا تجدُها عند غيرِه إلا وجدْتَها (١). وذكر ابنُ بُكير، عن الليثِ بنِ سعدٍ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، قال: قلتُ لعِراكِ بنِ مالكٍ: مَنْ أفقَهُ أهلِ المدينةِ؟ فقال: أمّا أفقَهُهم فقهًا، وأعلَمُهم بقضايا رسولِ الله ﷺ وقضايا أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، وأعلمُهم بما مضى عليه الناسُ، فسعيدُ بنُ المسيِّب، وأمّا أغزرُهم حديثًا فعروةُ، ولا تشاءُ أن تُفجِّر من عُبيد الله بحرًا إلا فجَّرتَهُ (٢). وحدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفسِّر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدثنا القَواريريُّ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ الماجِشُون، قال: حدَّثنا ابنُ شهاب، قال: كنتُ إذا حدَّثني عروةُ، ثم حدَّثَتْني عَمرةُ، زاد ذلك عندي تصديقًا حديثُ عروةَ بحديثِ عمرةَ، فلما تبحرتهما إذا عروة بحر لا يُنْزَف (٣). وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدثنا ابنُ المفسِّر (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 2804

عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى (١)، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني يحيى بن أيوبَ، عن هشام بنِ عروةَ، قال: كان أبي يقول: سَلُوني إذا خلَوْتُ. وكان يعجَبُ من حفظي، والله ما تعلَّمنا منه جزءًا من ألفَي جزءٍ من حديثِه. قال هشامٌ: وما سمعتُ أحدًا من أهل الأهواء يذكُر أبي إلا بخيرٍ (٢). قال أبو عُمر: خرج عروةُ منَ المدينة، وترك سكْناها، فعُوتِبَ في ذلك، فذكَر ما ذكرناهُ عنه في كتاب "بيان العلم" (٣). قال الواقديُّ: توفي عُروةُ في أمواله بِمَجاج (٤) بناحية الفُرْع (٥)، ودُفن هناك. وقال غيرُه: توفي بقصرِه بالعَقيق. وقال عبدُ الله بن نُمير: توفي عليُّ بنُ الحسين، وسعيدُ بنُ المسيِّب وأبو بكر بنُ عبدِ الرحمن وعروةُ بنُ الزُّبير سنةَ أربعٍ وتسعينَ. قال الواقديُّ: فكان يقال: سَنةُ الفُقهاء (٦). وكان عالمًا، عابدًا، يسرد الصوم، حافظًا، حريصًا على نشر العلم.

стр. 2805

حديثُ أوَّلُ لابنِ شِهابٍ، عن عُرْوة مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ: أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ أخَّرَ الصَّلاةَ يومًا، فدخَلَ عليه عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، فأخبرَه أنّ المُغِيرةَ بنَ شُعبة أخَّرَ الصَّلاةَ يومًا وهو بالكوفةِ، فدخلَ عليه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ (٢)، فقال: ما هذا يا مغيرةُ؟ أليسَ قد علِمتَ أنَّ جِبريلَ نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ صلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم صلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم صلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم صلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: بِهذا أُمِرتَ؟ فقال عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ: اعلَمْ ما تُحدِّثُ به يا عُروَةُ، أو إنَّ جبريلَ هو الذي أقَام لرسولِ الله ﷺ وقتَ الصلاةِ؟ قال عروةُ: كذلك كان بَشيرُ بنُ أبي مسعودٍ الأنصاريُّ يُحدِّثُ عن أبيه. قال عُروةُ: ولقد حدَّثتْني عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يصلِّي العصرَ والشمسُ في حُجرَتِها قبلَ أنْ تظهَرَ (٣). هكذا رَوى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعَةُ الرُّواةِ عنه فيما بَلَغني (٤). وظاهِرُ

стр. 2806

مَساقِه في روايةِ مالكٍ يَدُلُّ على الانقطاع؛ لقولِه: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ أخَّرَ الصلاةَ يومًا، فدخَل عليه عُروةُ. ولم يَذكُرْ فيه سَماعًا لابنِ شِهابٍ مِن عُروةَ، ولا سَماعًا لعروةَ مِن بَشِيرِ بنِ أبي مسعودٍ. وهذه اللَّفظةُ - أعني "إنَّ" - عندَ جماعَةٍ مِن أهلِ العلم بالحديثِ محمولةٌ على الانقطاعِ، حتى يتبيَّنَ السَّماعُ واللِّقاءُ. ومنهم مَن لا يلتَفِتُ إليها، ويَحمِلُ الأمرَ على المعروفِ من مُجالسةِ بعضِهِم بعضًا، ومشاهدةِ (١) بعضِهِم لبعضٍ، وأخذِهم بعضِهِم عن بعضٍ، فإن (٢) كان ذلك معْروفًا لم يَسألْ عن هذه اللَّفظةِ، وكانَ الحديثُ عندَه على الاتصالِ. وهذا يُشبِهُ أنْ يكونَ مذهبَ مالكٍ؛ لأنَّه في "مُوَطَّئِه" لا يُفرِّقُ بينَ شيءٍ من ذلك. وهذا الحديثُ مُتَّصِلٌ عندَ أهلِ العلمِ، مسندٌ صحيحٌ، لوجوهٍ: منها: أنَّ مُجالسةَ بعضِ المذكورين فيه لبعضٍ معلومةٌ مشهُورةٌ. ومنها: أنَّ هذه القصةَ قد صحَّ شهودُ ابنِ شِهابٍ لما جَرَى فيها بينَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وعُروةَ بنِ الزبيرِ بالمدينة، وذلك في أيَّام إمارةِ عمرَ عليها لعبدِ الملكِ وابنِه الوليدِ. وهذا محفوظٌ مِن روايةِ الثقاتِ لهذا الحديثِ عن ابنِ شهابٍ. ونحنُ نذكرُ الرِّواياتِ في ذلك عن ابنِ شهابٍ؛ ليَبِينَ لك ما ذكَرنا، ثم نذكرُ الآثارَ في إمامةِ جبريلَ؛ ليُستَدَلَّ على المرادِ من معنى الحديثِ، فإنَّ العلمَ يُفسِّرُ بعضُه بعضًا، ويَفتحُ بعضُه بعضًا، ثم نَقصِدُ للقَولِ فيما يوجبُه الحديث على ذلك من المعاني، وباللّه العونُ لا شريكَ له. تُوفِّيَ عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ بنِ مَرْوانَ بنِ الحكم ﵀ سنةَ إحدَى ومئةٍ، في رجَبٍ، لخَمسِ ليالٍ بَقِينَ منه، بِحِمصَ، ودُفنَ بِدَيرِ سِمْعانَ (٣) من حِمصَ،

стр. 2807

وهو يومَ ماتَ ابنُ تسع وثلاثينَ سنةً وثلاثةِ أشهرٍ. وكانت خلافتهُ سنتينِ وخمسةَ أشهرٍ وأربعةَ أيّام (١). وممَّن ذكَر مشاهدةَ ابنِ شهابٍ للقصةِ عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ مع عُروةَ بنِ الزُّبيرِ في هذا الحديثِ من أصحابِ ابنِ شهاب: مَعمرٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٢)، وابنُ جُريج. فأمَّا روايةُ اللَّيثِ، فحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبَّانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّه كان قاعدًا على منابِرِ عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ في إمارتهِ على المدينةِ، ومعه عُروَةُ بنُ الزُّبيرِ، فأخَّر عمرُ العصرَ شيئًا، فقال له عُروةُ: أمَا إنَّ جبريلَ قد نزلَ فصلَّى أمامَ رسولِ الله ﷺ ، فقال له عمرُ: اعلَمْ ما تقولُ يا عُروَةُ. فقال: سِمعتُ بشيرَ بنَ أبي مسعودٍ يقولُ: سمِعتُ أبا مسعودٍ يقولُ (٣): سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "نَزلَ جبريلُ فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه" (٤). يَحسُبُ بأصَابِعِه خمسَ صلواتٍ (٥).

стр. 2808

وأمَّا حديثُ مَعمَرٍ وابنِ جريج عن ابنِ شِهابٍ في ذلك، فحدَّثني خَلَفُ بنُ سعيدٍ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدِ بنِ يزِيدَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبَّادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق (١)، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: كنّا معَ عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، فأخَّر صلاةَ العصرِ مرَّةً، فقال له عُروَةُ (٢): حدَّثني بشيرُ بنُ أبي مسعودٍ الأنصاريُّ، أنَّ المغيرَةَ بنَ شُعبةَ أخَّر الصَّلاةَ مرَّةً - يعني العصرَ - فقال له أبو مسعودٍ: أمَا والله يا مُغيرَةُ، لقد عَلمتَ أنَّ جبريلَ نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، فصلَّى الناسُ معه، ثم نزلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، وصلَّى الناسُ معه. حتى عدَّ خمسَ صلواتٍ، فقال له عمرُ: انظرْ ما تقولُ يا عروةُ، أو إنَّ جبريلَ هو سَنَّ (٣) وقتَ الصَّلاةِ؟ فقال له عروةُ: كذلك حدَّثني بشيرُ بنُ أبي مسعودٍ. قال: فما زال عمرُ يَعتلِمُ وقتَ الصَّلاةِ بِعلامَةٍ حتى فارَق الدُّنيا. قال عبدُ الرَّزاقِ (٤): وأخبرنا ابنُ جُريج، قال: حدَّثني ابنُ شِهابٍ، أنَّه سمِع عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ يسألُ عُروةَ بنَ الزُّبير، فقال عروةُ بنُ الزُّبير (٥): مَسَّى المغيرةُ بنُ شعبةَ بِصلاةِ العصرِ وهو على الكوفةِ، فدخل عليه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ، فقال له: ما هذا يا مغيرةُ؟ أما والله لقد علمتَ، لقد نزَل جبريلُ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ،

стр. 2809

فصلَّى الناسُ معَهُ، ثم نَزَلَ فصَلَّى، فصَلَّى رسولُ الله ﷺ ، وصَلَّى الناسُ معَهُ حتى عَدَّ خمسَ صلواتٍ فقال لهُ عمرُ: انظر ما تقولُ يا عروةُ (١)، أو إنَّ جبريلَ هو أقامَ وقتَ الصلاة؟ فقال عروةُ: كذلك كان بشيرُ بنُ أبي مسعودٍ يُحدِّثُ عن أبيه. وبِهذا الإسنادِ عندَنا مُصنَّفُ عبدِ الرَّزاقِ، ولنا - والحمدُ لله - فيه إسنادانِ غيرُ هذا، مذكوران في موضعِهِما (٢). فقد بان بِما ذكَرنا مِن روايةِ الثقاتِ عن ابنِ شهابٍ لهذا الحديثِ اتصالُه، وسماعُ ابنِ شهابٍ له مِن عروةَ، وسَماعُ عروةَ مِن بشيرٍ. وبانَ بِذلك أيضًا أنَّ الصَّلاةَ التي أخَّرَها عمرُ هي صلاةُ العصرِ، وأنَّ الصَّلاةَ التي أخَّرَها المغيرةُ هي تلك أيضًا. وبانَ بِما ذكَرنا أيضًا أنَّ جبريلَ صلَّى بِرسولِ الله ﷺ الخمسَ صلواتٍ في أوقاتِهِنَّ، وليس في شيءٍ مِن معنى حديثِ ابنِ شهابٍ هذا ما يدلُّ على أنَّ جبريلَ صلَّى بِرسولِ الله ﷺ مرتينِ؛ كلَّ صلاةٍ في وقتين. وظاهرُ حديثِ ابنِ شهابٍ هذا يدلُّكَ على أنَّ ذلك إنَّما كانَ مرَّةً واحدةً لا مرتينِ، وقد رُويَ من غيرِ ما وجهٍ في إمامةِ جبريلَ للنبيِّ ﷺ ، أنَّه صلَّى به مرَّتينِ كلَّ صلاةٍ من الصلواتِ الخمسِ في وقتينِ، وسنذكرُ الآثارَ المَرْوِية (٣) في ذلك؛ ليَبينَ ما ذَكرنا إن شاءَ اللهُ. وروايةُ ابنِ عُيَينةَ لهذا الحديثِ عن ابنِ شهابٍ، بِمثلِ معنى حديثِ اللَّيثِ ومن ذكَرنَا معه في ذلك (٤). وفي حديثِ معمَرٍ وابنِ جُريج: أنَّ الناسَ صَلَّوا خلفَ رسولِ الله ﷺ حينَئذٍ، وقد رُويَ ذلك مِن غيرِ حديثهِما، فاللهُ أعلمُ.

стр. 2810

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، قال: أخَّر عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ الصلاةَ يومًا، فقال له عروةُ بنُ الزُّبير: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "نزَل جبريلُ ﷺ فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم نزَل فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم نزَل فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم نزَل فأمَّني، فصلَّيتُ معه". حتى عدَّ الصَّلواتِ الخمسَ، قال له عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ: اتَّقِ اللهَ يا عروةُ، وانظُرْ ما تقولُ. فقال عروةُ: أخبَرَنِيه بَشيرُ بنُ أبي مسعودٍ، عن أبيه، عن رسولِ الله ﷺ . فهذا يوضِّحُ ما ذكَرنا مِن أنَّه إنَّما صلَّى به الصلواتِ الخمسَ مرَّةً واحدةً، وهو ظاهرُ الحديثِ، إلَّا أنَّ في روايةِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وأُسامَةَ بنِ زيدٍ اللَّيثيِّ عن ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ، ما يدلُّ على أنَّه صلَّى به مرتينِ في يومينِ، على نحوِ ما ذكَر غيرُ ابنِ شهابٍ في حديثِ إمامَةِ جبرِيلَ. فأمَّا روايةُ ابنِ أبي ذِئب له، فإنَّ ابنَ أبي ذِئبٍ ذكَره في "مُوطَّئِه" (٢)، عن ابنِ شهابٍ، أنَّه سمِعَ عروةَ بنَ الزُّبيرِ، يُحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ، عن ابنِ (٣) أبي مسعودٍ الأنصارِيِّ، أنَّ المغيرةَ بنَ شعبةَ أخَّر الصلاةَ، فدخَل عليه أبو مسعودٍ، فقال: ألم تعلمْ أنَّ جبريلَ نزَل على محمدٍ ﷺ صلَّى، وصلَّى، وصلَّى، وصلَّى، وصلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم قال: هكذا أُمرتَ؟

стр. 2811

أخبرنا بِـ"مُوطَّأ" ابنِ أبي ذِئبٍ" إجازَةً, أبو عُمرَ يُوسُفُ بنُ محمدِ بنِ عَمْرُوسٍ الإستجِيُّ، قال: حدَّثنا أبو الطَّاهرِ محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ السَّعيديُّ، قال: حدَّثنا أبو زكرِيا يحيى بنُ أيُّوبَ بنِ بادِي العَلَّافُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المصرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فُديكٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ المُغيرَةِ بنِ أبي ذئب. فذَكَره. وأمَّا حديثُ أُسامة بنِ زَيدٍ عن ابنِ شهابٍ في ذلك، فأخبرَني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ سلامةَ المُرَادِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ اللَّيثيِّ، أنَّ ابنَ شهابٍ أخبره، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ كان قاعدًا على المنبَرِ، فأخَّرَ العصرَ شيئًا، فقال له عروةُ بنُ الزبيرِ: أمَا إنَّ جبريلَ ﵇ قد أخبرَ محمدًا ﷺ بِوَقتِ الصلاة. فقال له عمرُ: اعلَمْ ما تقولُ. فقال عُروةُ: سَمِعتُ بشيرَ بنَ أبي مسعودٍ يقولُ: سمِعتُ أبا مسعودٍ الأنصاريَّ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "نزَل جبريلُ ﷺ فأخبَرني بِوقتِ الصلاةِ، فَصلَّيتُ معه، ثم صَلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صَلَّيتُ معه" - يحسُبُ بأصابعِه (٢) خمسَ صلواتٍ - فرأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى الظُّهرَ حِينَ تزولُ الشَّمسُ,

стр. 2812

ورُبَّما أخَّرَها حينَ يشتَدُّ الحرُّ، ورأيتُه يُصلِّي العصرَ والشمسُ مُرتفعةٌ بيضَاءُ قبلَ أن تدخُلَها الصُّفرةُ، فينصَرِفُ (١) الرجلُ من الصلاة فيأتي ذا الحُليفَةِ قبلَ غُروبِ الشمسِ، ويصلِّي المغرِبَ حينَ تَسقُطُ الشمسُ، ويصلِّي العشاءَ حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ، ورُبَّما أخَّرَها حتى يجتمِعَ الناسُ، وصلَّى الصُّبحَ مَرةً بِغَلَسٍ، ثم صلَّى مرَّةً أُخرَى فأسفَرَ بِها، ثم كانت صَلاتُه بعدَ ذلك التَّغليسَ حتى ماتَ، لم يَعُدْ بعدُ إلى أنْ يُسفِرَ. قال أبو داودَ (٢): رَوى هذا الحديثَ عن الزُّهريِّ مَعمَرٌ، ومالِكٌ، وابنُ عُيَينةَ، وشُعيبُ بنُ أبي حَمزَةَ، واللَّيثُ بنُ سَعدٍ, وغيرُهم، لم يَذكُرُوا الوقتَ الذي صلَّى فيه، لم يُفَسِّروه. وكذلك أيضًا رَوَاه هشامُ بنُ عُروةَ، وحَبيبُ بنُ أبي مَرزُوقٍ، عن عُروةَ، نحوَ روايةِ مَعمَرٍ وأصحابِهِ، إلَّا أنَّ حبيبًا لم يذكُرْ بَشيرًا. قال أبو عُمر: هذا كلامُ أبي داودَ، ولم يَسُقْ في كِتابِهِ روايةَ معمرٍ، ولا مَن ذكَر معه عن ابنِ شِهَابٍ لهذا الحديثِ، وإنَّما ذكرَ روايةَ أُسامَةَ بنِ زَيدٍ هذه عن ابنِ شهاب وحدَها، مِن روايةِ ابنِ وَهْبٍ، ثمَّ أردَفَها بِما ذكَرنا مِن كَلامِه. وصدَق فيما حكَى، إلَّا أنَّ حديثَ أُسامَةَ ليسَ فيه مِنَ البيانِ ما في حديثِ ابنِ أبي ذِئبٍ من تكرِيرِ الصَّلَواتِ الخمسِ مَرَّتينِ مرَّتين. وكذلك روايةُ (٣) مَعمرٍ، ومالكٍ، واللَّيثِ ومَن تابَعهم؛ ظاهِرُها مرةً واحدةً، وليسَ فيها ما يُقطعُ به على أنَّ ذلك كذلك. وقد ذكَرنا روايةَ معمرٍ، وماللث، واللَّيثِ، وغير هم في كتابِنا هذا لِيَقِفَ الناظِرُ فيه على سياقِهِم للحديثِ، واختلافِ ألفاظِهِم فيه، فليسَ الخبرُ كالمُعايَنةِ.

стр. 2813

وقد رَوى اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن يزِيدَ بنِ أبي حبيب، عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ، عن ابنِ شهابٍ هذا الحديثَ، بمثلِ روايةِ ابنِ وَهْبٍ عن أسامةَ بنِ زَيدٍ سواءً (١). وقال محمدُ بنُ يحيَى الذُّهِليُّ: في روايةِ أبي بكرٍ بنِ حَزم (٢) عن عروةَ بنِ الزُّبير ما يُقوِّي روايةَ أُسامَةَ؛ لأنَّ روايةَ أبي بكرٍ بنِ حَزم شَبيهَةٌ بروايةِ أُسامةَ، أنَّه صلَّى الوَقتينِ، وإن كانَ لم يُسنِدْه عنه إلَّا أيُّوبُ بنُ عتبةَ (٣)، فقد روَى مَعنَاه عنه مرسلًا يحيَى بنُ سعيدٍ وغيرُه من الثِّقاتِ. قال أبو عُمر: قد رَوى هذا الحديثَ جماعَةٌ عن عروةَ بنِ الزُّبير، منهم هِشامُ بنُ عروةَ، وحبيبُ بنُ أبي مَرزوقٍ، وأبو بكرٍ بنُ محمدِ بنِ عَمرِو بنِ حزم، وغيرُهم. فأمَّا روايةُ هِشَام بنِ عروةَ عن أبِيه لهذا الحديثِ، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٤): حدَّثنا

стр. 2814

سُرَيجُ (١) بنُ النُّعمانِ, قال: حدَّثنا فُليحٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: أخَّرَ عُمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ الصَّلاةَ يومًا، فدَخلتُ عليه، فقلتُ: إنَّ المُغيرةَ بنَ شُعبةَ أخَّرَ الصَّلاةَ يومًا (٢)، فدَخل عليه أبو مَسعُودٍ. فذكَر الحديثَ، وقال فيه: كذلك سَمِعتُ بشيرَ بنَ أبي مَسعُودٍ يُحدِّثُ عن أبيه. قال: ولقد حدَّثَتني عائِشةُ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي العَصرَ والشمسُ في حُجرَتِها لم تَظْهَرْ. قال أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٣): وحدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمَةَ، قال: أخبرَنا هِشامُ بنُ عروةَ، عن أبِيه، أنَّ المُغيرَةَ بنَ شُعبةَ كانَ يُؤخِّرُ الصَّلاةَ، فقال له رجلٌ من الأنصارِ: أمَا سَمِعتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "قال جبريلُ: صلِّ صَلاةَ كَذا في سَاعَةِ كَذا". حتى عدَّ الصَّلواتِ؟ قال: بلى. قال: فأشهدُ أنَّا كُنَّا نُصلِّي العَصرَ مع النبيِّ ﷺ والشَّمسُ بيضاءُ نَقيَّةٌ، ثم نأتي بني عَمرِو بنِ عَوفٍ (٤) وإنَّها لَمُرتفعةٌ، وهي على رأسِ ثُلثَي فَرسَخٍ من المَدِينَةِ.

стр. 2815

وأمَّا روايةُ حَبيبِ بنِ أبي مَرزُوقٍ، فحدَّثناهُ أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا كَثيرُ بنُ هِشام، قال: حدَّثنا جعفرٌ (١)، قال: حدَّثَني حبيبُ بنُ أبي مَرزُوقٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، قال: حدَّثَني أبو مسعُودٍ، أنَّ جبريلَ نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم نزَلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم نزلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ . حتى أتمَّها خَمسًا، فقال له عُمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ: انظُر يا عروةُ ما تقولُ؛ إنَّ جبريلَ هو الذي وقَّتَ مواقيتَ الصَّلَواتِ؟ قال: كَذلك حدَّثني أبو مَسعودٍ. فبحَث عمرُ عن ذلك حتى وجَد ثَبَتَه (٢)، فما زالَ عمرُ عندَه علاماتُ السَّاعاتِ ينظُرُ فيها، حتى قُبِضَ ﵀ (٣). قال أبو عُمر: قد أحسَن حبيبُ بنُ أبي مَرْزُوقٍ في سِياقَةِ هذا الحديثِ على ما سَاقَه أصحابُ ابنِ شهابٍ في الخَمسِ صَلَواتٍ، لوقتٍ واحدٍ، مرَّةً واحدةً، إلَّا أنَّه قال فيه: عن عُروةَ، حدَّثني أبو مسعودٍ. والحُفَّاظُ يقولونَ: عن عُروةَ، عن بشيرِ بنِ أبي مسعُودٍ، عن أبيه. وبَشيرٌ هذا وُلدَ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ ، وأبُوه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ، اسمُه عُقبةُ بنُ عمرٍو، ويُعرَفُ بالبدريِّ لأنَّه كانَ يَسكُنُ بدرًا. واختُلِفَ في شُهودِه بَدرًا. وقد ذكرنَاه في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٤) بِما يُغني عن ذكرِه هاهُنا.

стр. 2816

وأمَّا روايةُ أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزم، فمِثلُ روايةِ ابنِ أبي ذِئبٍ وأُسامةَ بنِ زَيدٍ عن ابنِ شهابٍ، في أنَّه صلَّى الصَّلواتِ الخمسَ مرَّتينِ مرَّتينِ لوقتَينِ. وحدِيثُه أبينُ في ذلك وأوضحُ، وفيه ما يُضارعُ (١) قولَ حَبيبِ بنِ أبي مَرزُوقٍ عن عروةَ، عن أبي مَسعُودٍ. حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثني [أحمدُ بنُ] (٢) إبراهيمَ بنِ جامع السُّكَّرِيُّ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزِيزِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ عُتبةَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ حزم، أنَّ عروةَ بنَ الزُّبير كان يُحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ وهو يومَئذٍ أميرُ المَدينةِ في زمنِ الحجَّاج والوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ، وكان ذلك زمانًا يُؤخِّرونَ فيه الصَّلاةَ، فحدَّثَ عروةُ عمرَ، قال: حدَّثني أبو مسعُودٍ الأنصاريُّ، أو بشيرُ بنُ أبي مسعُودٍ - قال: كلاهُما قد صَحِبَ النبيَّ ﷺ - أنَّ جِبريلَ جاءَ إلى النبيِّ ﷺ حينَ دَلكَتِ الشَّمسُ - قال أيُّوبُ: فقلتُ: وما دُلُوكُها؟ قال: حينَ زالت - قال: فقال: يا محمَّدُ، صلِّ الظُّهرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم جاءَه حينَ كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، فقال: يا محمدُ، صلِّ العصرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ غرَبَتِ الشَّمسُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ المغرِبَ. قال: فصلَّى. قال: ثم جاءَهُ حينَ غابَ الشَّفَقُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ العشاءَ. قال: فصلَّى. ثم أتاه حينَ انشقَّ الفجرُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ الصبحَ.

стр. 2817

قال: فصلَّى، ثم أتاه الغدَ حينَ كان ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، فقال: يا محمدُ، صلِّ الظهرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه، فقال: يا محمدُ، صلِّ العصرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ غَرَبتِ الشمسُ، فقال: يا محمدُ، صَلِّ المغرِبَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ ذهب ساعةٌ من اللَّيلِ، فقال: يا محمدُ، صَلِّ العِشاءَ. قال: فصلَّى. ثم أتاه حينَ أضاءَ الفجرُ وأسفَرَ، فقال: يا محمدُ، صلِّ الصبحَ. قال: فصلَّى. قال: ثم قال: ما بين هذين وقتٌ. يعني أمسِ واليومَ. قال عمرُ لعروةَ: أجبريلُ أتاه؟ قال: نعم (١). ففي هذا الحديثِ، وفي هذه الرِّوايَةِ عن عُرْوةَ بَيانٌ واضِحٌ أنَّ صَلاةَ جبريلَ بالنبيِّ ﷺ في حينِ تَعليمِه له الصَّلاةَ في أوَّلِ وقتِ فَرضِها، كانت في يَومَينِ لوَقتَينِ وَقتَينِ لكلِّ صلاةٍ (٢). وكذلك رواه معمرٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزم، عن أبيه: أنَّ جِبريلَ نزَل فصلَّى. فذكَر مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه مُرسَلٌ (٣).
следующие страницы →