← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2813–2852 · переход к 2818.

стр. 2813

وقد رَوى اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن يزِيدَ بنِ أبي حبيب، عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ، عن ابنِ شهابٍ هذا الحديثَ، بمثلِ روايةِ ابنِ وَهْبٍ عن أسامةَ بنِ زَيدٍ سواءً (١). وقال محمدُ بنُ يحيَى الذُّهِليُّ: في روايةِ أبي بكرٍ بنِ حَزم (٢) عن عروةَ بنِ الزُّبير ما يُقوِّي روايةَ أُسامَةَ؛ لأنَّ روايةَ أبي بكرٍ بنِ حَزم شَبيهَةٌ بروايةِ أُسامةَ، أنَّه صلَّى الوَقتينِ، وإن كانَ لم يُسنِدْه عنه إلَّا أيُّوبُ بنُ عتبةَ (٣)، فقد روَى مَعنَاه عنه مرسلًا يحيَى بنُ سعيدٍ وغيرُه من الثِّقاتِ. قال أبو عُمر: قد رَوى هذا الحديثَ جماعَةٌ عن عروةَ بنِ الزُّبير، منهم هِشامُ بنُ عروةَ، وحبيبُ بنُ أبي مَرزوقٍ، وأبو بكرٍ بنُ محمدِ بنِ عَمرِو بنِ حزم، وغيرُهم. فأمَّا روايةُ هِشَام بنِ عروةَ عن أبِيه لهذا الحديثِ، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٤): حدَّثنا

стр. 2814

سُرَيجُ (١) بنُ النُّعمانِ, قال: حدَّثنا فُليحٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: أخَّرَ عُمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ الصَّلاةَ يومًا، فدَخلتُ عليه، فقلتُ: إنَّ المُغيرةَ بنَ شُعبةَ أخَّرَ الصَّلاةَ يومًا (٢)، فدَخل عليه أبو مَسعُودٍ. فذكَر الحديثَ، وقال فيه: كذلك سَمِعتُ بشيرَ بنَ أبي مَسعُودٍ يُحدِّثُ عن أبيه. قال: ولقد حدَّثَتني عائِشةُ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي العَصرَ والشمسُ في حُجرَتِها لم تَظْهَرْ. قال أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٣): وحدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمَةَ، قال: أخبرَنا هِشامُ بنُ عروةَ، عن أبِيه، أنَّ المُغيرَةَ بنَ شُعبةَ كانَ يُؤخِّرُ الصَّلاةَ، فقال له رجلٌ من الأنصارِ: أمَا سَمِعتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "قال جبريلُ: صلِّ صَلاةَ كَذا في سَاعَةِ كَذا". حتى عدَّ الصَّلواتِ؟ قال: بلى. قال: فأشهدُ أنَّا كُنَّا نُصلِّي العَصرَ مع النبيِّ ﷺ والشَّمسُ بيضاءُ نَقيَّةٌ، ثم نأتي بني عَمرِو بنِ عَوفٍ (٤) وإنَّها لَمُرتفعةٌ، وهي على رأسِ ثُلثَي فَرسَخٍ من المَدِينَةِ.

стр. 2815

وأمَّا روايةُ حَبيبِ بنِ أبي مَرزُوقٍ، فحدَّثناهُ أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا كَثيرُ بنُ هِشام، قال: حدَّثنا جعفرٌ (١)، قال: حدَّثَني حبيبُ بنُ أبي مَرزُوقٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، قال: حدَّثَني أبو مسعُودٍ، أنَّ جبريلَ نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم نزَلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم نزلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، ثم نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله ﷺ . حتى أتمَّها خَمسًا، فقال له عُمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ: انظُر يا عروةُ ما تقولُ؛ إنَّ جبريلَ هو الذي وقَّتَ مواقيتَ الصَّلَواتِ؟ قال: كَذلك حدَّثني أبو مَسعودٍ. فبحَث عمرُ عن ذلك حتى وجَد ثَبَتَه (٢)، فما زالَ عمرُ عندَه علاماتُ السَّاعاتِ ينظُرُ فيها، حتى قُبِضَ ﵀ (٣). قال أبو عُمر: قد أحسَن حبيبُ بنُ أبي مَرْزُوقٍ في سِياقَةِ هذا الحديثِ على ما سَاقَه أصحابُ ابنِ شهابٍ في الخَمسِ صَلَواتٍ، لوقتٍ واحدٍ، مرَّةً واحدةً، إلَّا أنَّه قال فيه: عن عُروةَ، حدَّثني أبو مسعودٍ. والحُفَّاظُ يقولونَ: عن عُروةَ، عن بشيرِ بنِ أبي مسعُودٍ، عن أبيه. وبَشيرٌ هذا وُلدَ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ ، وأبُوه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ، اسمُه عُقبةُ بنُ عمرٍو، ويُعرَفُ بالبدريِّ لأنَّه كانَ يَسكُنُ بدرًا. واختُلِفَ في شُهودِه بَدرًا. وقد ذكرنَاه في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٤) بِما يُغني عن ذكرِه هاهُنا.

стр. 2816

وأمَّا روايةُ أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزم، فمِثلُ روايةِ ابنِ أبي ذِئبٍ وأُسامةَ بنِ زَيدٍ عن ابنِ شهابٍ، في أنَّه صلَّى الصَّلواتِ الخمسَ مرَّتينِ مرَّتينِ لوقتَينِ. وحدِيثُه أبينُ في ذلك وأوضحُ، وفيه ما يُضارعُ (١) قولَ حَبيبِ بنِ أبي مَرزُوقٍ عن عروةَ، عن أبي مَسعُودٍ. حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثني [أحمدُ بنُ] (٢) إبراهيمَ بنِ جامع السُّكَّرِيُّ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزِيزِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ عُتبةَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ حزم، أنَّ عروةَ بنَ الزُّبير كان يُحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ وهو يومَئذٍ أميرُ المَدينةِ في زمنِ الحجَّاج والوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ، وكان ذلك زمانًا يُؤخِّرونَ فيه الصَّلاةَ، فحدَّثَ عروةُ عمرَ، قال: حدَّثني أبو مسعُودٍ الأنصاريُّ، أو بشيرُ بنُ أبي مسعُودٍ - قال: كلاهُما قد صَحِبَ النبيَّ ﷺ - أنَّ جِبريلَ جاءَ إلى النبيِّ ﷺ حينَ دَلكَتِ الشَّمسُ - قال أيُّوبُ: فقلتُ: وما دُلُوكُها؟ قال: حينَ زالت - قال: فقال: يا محمَّدُ، صلِّ الظُّهرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم جاءَه حينَ كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، فقال: يا محمدُ، صلِّ العصرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ غرَبَتِ الشَّمسُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ المغرِبَ. قال: فصلَّى. قال: ثم جاءَهُ حينَ غابَ الشَّفَقُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ العشاءَ. قال: فصلَّى. ثم أتاه حينَ انشقَّ الفجرُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ الصبحَ.

стр. 2817

قال: فصلَّى، ثم أتاه الغدَ حينَ كان ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، فقال: يا محمدُ، صلِّ الظهرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه، فقال: يا محمدُ، صلِّ العصرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ غَرَبتِ الشمسُ، فقال: يا محمدُ، صَلِّ المغرِبَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ ذهب ساعةٌ من اللَّيلِ، فقال: يا محمدُ، صَلِّ العِشاءَ. قال: فصلَّى. ثم أتاه حينَ أضاءَ الفجرُ وأسفَرَ، فقال: يا محمدُ، صلِّ الصبحَ. قال: فصلَّى. قال: ثم قال: ما بين هذين وقتٌ. يعني أمسِ واليومَ. قال عمرُ لعروةَ: أجبريلُ أتاه؟ قال: نعم (١). ففي هذا الحديثِ، وفي هذه الرِّوايَةِ عن عُرْوةَ بَيانٌ واضِحٌ أنَّ صَلاةَ جبريلَ بالنبيِّ ﷺ في حينِ تَعليمِه له الصَّلاةَ في أوَّلِ وقتِ فَرضِها، كانت في يَومَينِ لوَقتَينِ وَقتَينِ لكلِّ صلاةٍ (٢). وكذلك رواه معمرٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزم، عن أبيه: أنَّ جِبريلَ نزَل فصلَّى. فذكَر مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه مُرسَلٌ (٣).

стр. 2818

وكذلك رواه الثَّوريُّ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ ويحيى بنِ سعيدٍ جميعًا، عن أبي بكرٍ بنِ حزم مثلَه سَواءً، أنَّ جبريلَ صلَّى الصَّلواتِ الخمسَ بالنبيِّ ﷺ مرَّتَين في يَومينِ لوَقتَينِ (١). ومراسِلُ مِثْلِ هؤلاء عندَ مالكٍ حُجَّةٌ، وهو خِلافُ ظاهِرِ حديثِ "المُوطَّأ"، وحديثُ هؤلاء بالصَّوابِ أولَى؛ لأنَّهمْ زادُوا وأوضَحُوا، وفَسَّرُوا ما أجْمَله غيرُهم وأهمَله. ويشهَدُ لصِحَّةِ ما جاؤُوا به روايةُ ابنِ أبي ذِئبٍ ومَن تابَعَه عن ابنِ شهاب، وعامَّةُ الأحادِيثِ في إمامَةِ جِبريلَ على ذلك جاءَت مُفسَّرةً لوَقتَين، ومعلومٌ أنَّ حديثَ أبي مسعُودٍ من روايةِ ابنِ شهابٍ وغيرِه في إمَامَةِ جبريلَ وردَ، فروايَةُ من زادَ وأتمَّ وفسَّرَ أولَى من روايةِ مَن أجمَلَ وقصَّرَ. وقد رُويَت إمامةُ جبريلَ بالنبيِّ ﷺ من حديثِ ابنِ عباسٍ، وحديثِ جابرٍ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، على نحوِ ما ذكَرنا. فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرِ بنِ حربٍ، قال (٢): حدَّثنا أبو نُعيم

стр. 2819

الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ عيَّاشٍ بنِ أبي ربيعةَ، عن حَكيم بنِ حكيم بنِ عَبَّادٍ، عن نافِعِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أمَّني جبريلُ عند البيتِ مرتين؛ فصلَّى بيَ الظُّهرَ حينَ زالَتِ الشمسُ على مثلِ قَدرِ الشِّراكِ، ثم صلَّى بي العصرَ حين كان كلُّ شيءٍ قدرَ ظلِّه، ثم صلَّى بي المغرِبَ حينَ أفطر الصائمُ، ثم صلَّى بي العشاءَ حين غاب الشَّفقُ، ثم صلَّى بي الفجرَ منَ الغدِ حينَ حَرُمَ الطَّعامُ والشَّرابُ على الصَّائمِ، ثم صلَّى بي الظُّهرَ من الغدِ حينَ كان كلُّ شيءٍ قدْرَ ظلِّه، ثم صلَّى بي العصرَ حين كان كلُّ شيءٍ مثلَي ظلِّهِ، ثم صلَّى بي المغرِبَ حين أفطَر الصائمُ؛ لوقتٍ واحدٍ، ثم صلَّى بي العشاءَ حين ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ، ثم صلَّى بي الفجرَ - قال أبو نعيمٍ: لا أدرِي ما قال في الفجرِ - ثمَّ التفَت إليَّ فقال: يا محمدُ، هذا وقتُك ووقتُ الأنبياءِ قَبلَكَ". قال أبو عُمر: لا يُوجَدُ هذا اللَّفظُ: "ووقتُ الأنبياءِ قَبلَكَ" إلَّا في هذا الإسنادِ (١)، واللهُ أعلمُ.

стр. 2820

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيبَةَ، قال (١): حدَّثنا وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ عيَّاشٍ بنِ أبي ربيعةَ، قال: حدَّثني حَكيمُ بنُ حَكيم بنِ عبَّادِ بنِ حُنيفٍ، عن نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعم، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ . ثمَّ ذكَر مثلَه، وقال في آخرِهِ: "ثمَّ صلَّى الفجرَ حينَ أسفرَ، ثمَّ التفتَ إليَّ فقال: يا محمدُ". وذكَر مثلَه. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٢): حدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ (٣)، عن حكيم بنِ حكيم، عن نافعِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أمَّني جبريلُ عندَ البيتِ مرَّتين". فذكَر الحديثَ، وقال في آخرِهِ: "ثم صلَّى الصبحَ حينَ أسفَرَ جدًّا". ثم ذكَر مِثلَه، وزاد: "الوقتُ فيما بينَ هَذينِ الوَقتينِ".

стр. 2821

قال أبو عُمر: تكَلَّمَ بعضُ الناسِ في إسنادِ حديثِ ابن عباسٍ هذا بِكلام لا وجهَ له، ورواتُه (١) كلُّهم معرُوفُو النَّسبِ، مشهُورُونَ بالعلمِ، وقد خرَّجَه أبو داودَ، وغيرُه (٢). وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٣) عن الثَّورِيِّ وابنِ أبي سَبرَةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بإسنادِه مثلَ روايةِ وَكِيع وأبي نُعَيم. وذكَره عبدُ الرَّزَّاقِ أيضًا (٤)، عن العُمرِيِّ، عن عمرَ بنِ نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. وأمّا حديثُ جابرٍ، فحدَّثناه عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بنُ الحجَّاج. وحدَّثنا

стр. 2822

محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١): حدَّثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبرني حسينُ بنُ عليِّ بنِ حسينٍ، قال: أخبرني وَهْبُ بنُ كَيسانَ، قال: حدَّثنا جابِرُ بنُ عبدِ الله، قال: جاءَ جِبريلُ إلى النبيِّ ﷺ حينَ مالتِ الشمسُ، فقال: قُمْ يا محمدُ فصلِّ الظهرَ. فصلَّى الظهرَ حينَ مالتِ الشمسُ، ثم مكَث حتَّى إذا كانَ فيءُ الرَّجُلِ مثلَه، جاءَه للعَصرِ، فقال: يا محمدُ، قُم فَصلِّ العَصَر. فصلَّاها، فمكَثَ حتى إذا غابتِ الشمسُ جاءَ فقال: قُم فصلِّ المغربَ. فقامَ فصلَّاها حينَ غابتِ الشمسُ، ثم مكث حتى إذا غابَ الشَّفَقُ جاءَه، فقال: قُمْ فصلِّ العِشاءَ. فقامَ فصلَّاها، ثم جاءه حينَ سَطع الفجرُ بالصبحِ، فقال: يا محمدُ، قُم (٢) فصلِّ الصبحَ. فقامَ فصلَّى الصبحَ (٣)، ثم جاءَه من الغدِحينَ كان فيءُ الرَّجُلِ مثلَه، فقال: يا محمدُ، قُم فصلِّ الظهرَ. فصلَّى، ثم جاءَه حينَ كانَ فيءُ الرَّجُلِ مِثلَيْه (٤)، فقال: يا محمدُ، قُم فصلِّ العصرَ. فصلَّى العصرَ (٥)، ثم جاءه للمغربِ حينَ غابتِ الشمسُ؛ وقتًا واحدًا لم يَغِبْ عنه، فقال: قُم فَصَلِّ المغربَ. ثمَّ جاءَه حينَ ذهب ثُلثُ اللَّيلِ، فقال: قُم فصلِّ العشاءَ. ثم جاءَه للصبح حينَ ابيضَّ جدًّا، فقال: قُمْ فصلِّ. فصلى، ثم قال له: الصلاةُ ما بينَ هذينِ الوقتينِ. وقال سُويدُ بنُ نصرٍ في حديثِه: "ما بينَ هذينِ وقتٌ كلُّه" (٦).

стр. 2823

وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب (١). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزَةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢): أخبرنا يوسفُ بنُ واضح، قال: حدَّثنا قُدامةُ بنُ شهابٍ، عن بُرْدٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ جبريلَ أتَى النبيَّ ﷺ يُعلِّمُه مواقيتَ الصَّلَواتِ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى الظهرَ حينَ زالتِ الشمسُ. وأتاهُ حينَ كانَ (٣) الظِّلُّ مثلَ شَخصِه، فصنَع كما صنَع، فتقَدَّم جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى العصرَ. ثم أتاهُ حينَ وجَبت الشمسُ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى المغربَ. ثم أتاهُ حينَ غابَ الشَّفقُ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى العشاءَ. ثم أتاهُ حينَ انشقَّ الفجرُ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى الغَدَاةَ. ثم أتاهُ اليومَ الثانيَ حينَ كانَ ظلُّ الرَّجُلِ (٤) مثلَ شَخصِه (٥)، فصنَع مثلَ ما صنَع بالأمسِ؛ صلَّى الظهرَ. ثم أتاه حينَ كانَ ظلُّ الرَّجُل مثلَ شخصَيه، فصَنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى العصرَ.

стр. 2824

ثم أتاه حينَ وجَبتِ الشمسُ، فصَنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى المغربَ. فنِمنَا ثم قُمنا، ثم نِمنَا ثم قُمنا، فأتاهُ، فصنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى العشاءَ. ثم أتاه حينَ امتدَّ الفجرُ وأصبَحَ، والنُّجُومُ بادِيةٌ مُشتَبِكةٌ، فصَنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى الغَدَاةَ، ثم قال: "ما بينَ الصلاتينِ وقتٌ". ورواه أبو الرّدادِ، عن بُرْدٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه قال في اليوم الثاني في المغربِ: ثم جاءَه حينَ وجَبَت الشمسُ لوقتٍ واحدٍ. فذكَره. قال: ثم جاءَ نحوَ ثُلثِ اللَّيلِ للعشاءِ. فذكَرَه، قال: ثم جاءَ حينَ أضاءَ الصبحُ. ولم يقُلْ: والنُّجُومُ بادِيةٌ مُشتبِكةٌ. أخبرناه سعيدُ بنُ عثمانَ النَّحويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم بنِ خليل، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الصَّوَّافُ، قال: حدَّثنا أبو الرّدادِ عمرُو بنُ بشرٍ الحارثيُّ، فذكَرَه بإسنادِه (١). وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ، فحدَّثناهُ عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسكينٍ. وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمرو، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنجَر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ الحكَم، قال: حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، قال: حدَّثني بُكيرُ بنُ

стр. 2825

الأشجِّ، عن عبدِ الملكِ بنِ سعيدِ بنِ سُويدٍ السَّاعديِّ، أنَّه سَمِعَ أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "أمَّني جبريلُ في الصَّلاةِ؛ فصلَّى الظهرَ حين زاغَتِ الشَّمسُ، وصلَّى العصرَ حينَ كانت الشَّمسُ قامةً، وصلَّى المغربَ حينَ غابتِ الشَّمسُ، وصلَّى العشاءَ حينَ غابَ الشَّفقُ، وصلَّى الفجرَ حينَ طلَع الفجرُ. ثم جاءَ يومًا ثانيًا؛ فصلَّى الظهرَ وظلُّ كلِّ إنسَانٍ مثلُه، وصلَّى العصرَ والفَيءُ قامتانِ، وصلَّى المغربَ حينَ غرَبتِ الشَّمسُ في وقتٍ واحدٍ، وصلَّى العشاءَ ثُلُثَ اللَّيلِ، وصلَّى الصُّبحَ حينَ كادت الشَّمسُ أن تطلُعَ، ثم قال: الصَّلاةُ فيما بينَ هذينِ الوقتينِ" (١). فهذا ما في إمَامَةِ جبريلَ النبيَّ ﵉ من صَحيح الآثارِ. ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلم وجماعةِ أهلِ السِّيرِ أنَّ الصَّلاةَ إنَّما فُرضَتْ على النبيِّ ﷺ بمَكَّةَ في حينِ الإسراءِ، حينَ عُرجَ به إلى السَّماءِ. ولكنَّهمُ اختلَفُوا في هَيئتِها حينَ فُرضَتْ؛ فرُويَ عن عائِشَةَ أنَّها فُرضَت ركعتَينِ ركعتَينِ، ثمَّ زيدَ في صلاةِ الحَضَرِ فأُكمِلَتْ أربعًا، وأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَرِ على ركعَتينِ (٢). وبذلك قال الشَّعبيُّ، وميمُونُ بنُ مِهرَانَ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ.

стр. 2826

ورُويَ عن ابنِ عباسٍ أنَّها فُرِضَت في الحضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ ركعتَينِ (١). وقال نافعُ بنُ جُبيرٍ (٢) - وكانَ أحدَ عُلماءِ قُريش بالنَّسبِ وأيَّام العَربِ والفِقهِ، وهو راويةُ حديثِ ابنِ عباسٍ في إمامَةِ جِبريلَ -: إنَّها فُرضَت في أوَّلِ ما فُرضَت أربعًا، إلَّا المغربَ، فإنَّها فُرضَت ثلاثًا، والصبحَ ركعتين (٣). وكذلك قال الحسنُ بنُ أبي الحسنِ البصريُّ، وهو قولُ ابنِ جُريج، ورُويَ عن النبيِّ ﷺ من حديثِ القُشيرِيِّ (٤) وغيرِه ما يُوافِقُ ذلك. ولم يختلِفُوا في أنَّ جبريلَ هبَط صَبيحَةَ ليلةِ الإسراءِ عندَ الزَّوالِ، فعَلَّم النبيَّ ﷺ الصَّلاةَ ومَواقيتَها وهَيئَتَها. وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ (٥): أوَّلُ ما فُرِضَت بمكَّةَ؛ فركعتان في أوَّلِ النَّهارِ، وركعتان في آخِرِه، وذكَر حديثَ عائشةَ قالت: فرَض رسولُ الله ﷺ الصَّلاةَ ركعتَينِ، ثمَّ زَادَ فيها في الحَضَرِ. هكذا حدَّثَ به الحَربيُّ عن أحمدَ بنِ الحجَّاج، عن ابن المباركِ (٦)، عن ابنِ عجلانَ، عن صالح بنِ كيسَانَ، عن عُروَةَ، عن عائشةَ، قالت: فرَض رسولُ الله ﷺ الصَّلاةَ ركعتين ركعتين، الحديثَ.

стр. 2827

وليس في حديثِ عائشةَ هذا دليلٌ على صِحَّةِ ما ذهبَ إليه من قال: إنَّ الصلاةَ فُرِضَت ركعتين في أوَّلِ النَّهارِ وركعتين في آخِرِه. وليسَ يُوجَدُ هذا في أثَر صحيح، بل في حديث عائشةَ دليلٌ على أنَّ الصَّلاةَ التي فُرضَت ركعتين ركعتين هي الصَّلواتُ الخمسُ، ثم زِيدَ في صَلاةِ الحَضرِ، وأُقرَّتْ صلاةُ السَّفرِ؛ لأنَّ الإشارَةَ بالألِفِ واللَّام إلى الصَّلاةِ، وفي حديثِ عائشةَ هذا هي إشارَةٌ إلى الصلاةِ المعهودةِ، وهذا هو الظَّاهرُ المعروفُ في الكلام. وقد أجمَعَ العلماءُ أنَّ الصلواتِ الخمسَ إنَّما فُرضَت في الإسراء، والظَّاهرُ من حديثِ عائشةَ أنَّها أرادت تلك الصلاةَ، واللهُ أعلمُ. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢): أخبرنا محمدُ بنُ هاشم البعلبكِّيُّ، قال: أخبرنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: أخبرني أبو عَمْرٍو - يعني الأوزاعيَّ - أنَّه سألَ الزُّهريَّ عن صَلاةِ رسولِ الله ﷺ بمكَّةَ قبلَ الهجرَةِ إلى المدينةِ، فقال: أخبَرَني عروةُ، عن عائشةَ، قالت: فرَض اللهُ الصلاةَ على رسولِه أوَّلَ ما فَرضَها ركعتينِ ركعتين، ثم أُتمَّت في الحَضرِ أربعًا، وأُقرَّت صلاةُ السَّفَرِ على الفَريضَةِ الأُولى.

стр. 2828

فهذا ومثلُه يدُلُّ على أنَّها الصلاةُ المعهودَةُ، وهي الخَمسُ المُفتَرضَةُ في الإسرَاءِ، لا صلاتانِ. ومن ادَّعى غيرَ ذلك كان عليه الدَّليلُ من كتابٍ أو سنَّةٍ، ولا سبيلَ له (١) إليه. وقال جماعةٌ من أهلِ العِلم: إنَّ النبيَّ ﷺ لم تكنْ عليه صلاةٌ مفروضَةٌ قبلَ الإسراء، إلَّا ما كانَ أُمرَ به مِن صلاةِ اللَّيل على نحوِ قيام رمضانَ، من غيرِ توقيتٍ ولا تحديدٍ، لا لرَكعاتٍ معلُوماتٍ، ولا لوقتٍ محضُورٍ. وكان ﷺ يقومُ أدنَى من ثُلثَي اللَّيلِ، ونصفَه، وثُلُثَه. وقام المسلمونَ معه نحوًا من حَولٍ، حتى شقَّ عليهم ذلك، فأنزَلَ اللهُ التَّوبَةَ عليهم، والتَّخفيفَ في ذلك، ونَسَخه وحطَّه (٢) بقولِه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فنَسَخَ آخرُ السُّورةِ أوَّلَها فضلًا منه ورحمةً، فلم تبقَ في الصَّلاةِ فريضةٌ إلَّا الخمسُ (٣). ألا ترى إلى حديثِ طلحَةَ بنِ عُبيدِ الله في الأعرَابيِّ النَّجديِّ، إذ سألَ رسولَ الله ﷺ عمَّا عليه منَ الصَّلاةِ، فقال له: "الصَّلواتُ الخمسُ"، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا" (٤).

стр. 2829

وذكَرَ وكيعٌ، عن مسعرٍ، عن سماكٍ الحَنَفيِّ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: لمَّا أُنزِلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ وكانوا يقُومُون نحوًا من قِيَامِهم في شهرِ رمضانَ، حتى نزَلت آخِرُها، وكانَ بينَ آخِرِها وأوَّلها حولٌ (١). وعن عائشةَ مثلُه بمَعناه، وقالت: فجُعِل قيامُ اللَّيلِ تطوُّعًا بعدَ فريضةٍ (٢). وعن الحسنِ مثلُه، قال: نزَلتِ (٣) الرُّخصَةُ بعدَ حولٍ (٤). قال أبو عُمر: روَى مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن الزُّبيرِ بنِ عديٍّ، عن طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لمَّا أُسريَ برسولِ الله ﷺ انتُهِيَ به إلى سِدرَةِ المُنتَهى، وهي في السماء السادسَةِ، وإليها ينتهي ما يُعرَجُ به من الأرواح فيُقبَضُ منها، وإليها يَنتهِي ما يُهبطُ به من فوقِها فيُقبَضُ منها. قال: وأُعطيَ رسولُ الله ﷺ عندَها ثلاثًا؛ الصَّلَواتِ الخمسَ، وخَواتِمَ سُورةِ "البقرةِ"، وغُفرَ لمن ماتَ من أُمَّتِه لا يُشركُ به شيئًا (٥).

стр. 2830

وأمَّا حديثُ الإسراء، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسُفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، أنَّ أباه أخبره، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ يونُسَ، قال: أخبرنا بَقيُّ بنُ مخَلدٍ - قالوا جميعًا: حدَّثنا هُدبَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا هَمّامٌ (٣)، قال: حدَّثنا قتَادةُ، عن أنس بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصَعةَ. قال البُخاريُّ (٤): وقال لي خَليفَةُ: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا سعيدٌ وهشامٌ، قالا: حدَّثنا قتادةُ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعَةَ. وقال بقيٌّ: حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديِّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصَعَةَ - والألفاظُ متقاربَةٌ، والمعنى واحدٌ - أنَّ نبيَّ الله ﷺ حدَّثهم عن ليلَةِ أُسريَ به، قال: "بينما أنا في الحَطِيم - وربما قال: في الحِجرِ - عند البيتِ مُضطجِعًا بين النَّائم واليقظَانِ، إذ أتاني (٥) آتٍ،

стр. 2831

فسمِعتُ قائلًا يقولُ: أحدُ الثَّلاثَةِ بين الرَّجُلين (١). فأُخذتُ، فشقَّ من نَحري إلى مَراقِّ بطنِي (٢)، واستَخرَجَ قلبي، ثم أُتيتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ مملوءةٍ حِكمَةً وإيمانًا، فغُسِلَ قَلبي، وأُتيتُ بدابَّةٍ أبيضَ دُونَ البَغلِ وفَوقَ الحمارِ، وهو البُراقُ، فحُمِلتُ عليهِ، فانطَلَقَ بي جبرِيلُ حتى أتَينا (٣) سماءَ الدُّنيا، فاستفتحَ". وساقُوا الحديثَ بتَمامِه إلى قولِه: "ثم فُرضَت عليَّ الصلاةُ؛ خمسُونَ صلاةً كلَّ يوم، فأقبَلتُ فمررتُ على مُوسى، فقال: بمَ أُمرتَ؟ قُلتُ: أُمرتُ بخمسين صلاةً كلَّ يوم. قال: إنَّ أُمَّتكَ لا تستطيعُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، وإنِّي قد خَبَرتُ (٤) الناسَ قبلَك، وعالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المُعالجةِ، فارجِعْ إلى ربِّكَ فاسألهُ التَّخفيفَ لأمَّتِكَ. فرجَعتُ، فوضَع عني عشرًا وجعَلها أربعينَ، ثم مثلَه، ثم ثلاثينَ، ثم مثلَه فجعَلها عشرين، ثم مثلَه فجعَلها عشرًا. فأتَيتُ مُوسى، فقال مثلَه، فجعَلها خمسًا، فأتَيتُ مُوسى، فقال: ما صَنَعتَ؟ قُلتُ: جعَلها خمسًا. فقال مثلَه، فقلتُ: سلَّمتُ". وساقَ بقيُّ بنُ مخلَدٍ الألفاظَ بتمامِها، وتَردادَ المسألَةِ في ذلك، ولم يقُلْ: "ثم مثلَه، ثم مِثلَه". ثم قال هاهنا: "قد سألتُ ربِّي حتى استحيَيتُ، ولكنِّي أرضَى وأُسلِّمُ. فلما جاوزتُ نادَى مُنادٍ - وقال البخاريُّ: فنُوديَ. ثم اتَّفقا -: أنِّي قد أمضَيتُ فَريضَتي، وخَفَّفتُ عن عبادي". ورَواه اللَّيثُ، عن يُونُسَ، عن ابنِ شهاب، عن أنس، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٥). وقتادةُ أحسنُ سياقَةً لهذا الحديثِ.

стр. 2832

ورواه أبو ضَمْرَةَ أنسُ بنُ عياض، عن يُونُسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شِهاب، عن أنس، عن أُبيٍّ. وليس بشيءٍ، وإنَّما هو عن أبي ذرٍّ (١)، والله أعلمُ. قال أبو عُمر: احتجَّ من زعَم أنَّ جبريلَ صلَّى بالنبيِّ ﷺ في اليوم الذي يلي ليلةَ الإسراء مرَّةً واحدةً الصَّلواتِ كلَّها لا مرَّتَيْنِ، على ظاهرِ حديثِ مالكٍ في ذلك بما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٢): حدَّثنا هُدبةُ بنُ خالدٍ، عن همَّام، عن قتادةَ، قال: فحدَّثنا الحسنُ أنَّه ذُكِر له: أنَّه لمَّا كان عندَ صلاةِ الظُّهرِ نودِيَ: أنِ الصَّلاةُ جامعةٌ. ففَزِعَ الناسُ فاجتَمَعوا إلى نبيِّهم ﷺ ، فصلَّى بهم الظهرَ أربَعَ رَكَعاتٍ، يَؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتَدي محمَّدٌ بجبريلَ، ويقتَدي الناسُ بمحمدٍ، لا يُسمِعُهم فيهنَّ قِراءَةً، ثمَّ يُسَلِّمُ جبريلُ على محمدٍ، ويُسَلِّمُ محمدٌ على الناسِ.

стр. 2833

فلمَّا سقَطَتِ الشمسُ نُوديَ: أنِ الصَّلاةُ جامِعةٌ. ففَزِعَ الناسُ واجتَمعُوا إلى نَبيِّهم، فصلَّى بهم العصرَ أربعَ ركَعاتٍ، لا يُسمِعُهم فيهن قراءةً، وهي أخَفُّ، يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتَدي محمدٌ بجبريلَ، ويقتَدِي الناسُ بمحمدٍ، ثم سلَّم جبريلُ على محمدٍ، وسلَّم محمدٌ على الناسِ. فلمَّا غابتِ الشمسُ نُودي: الصَّلاةُ جامِعةٌ، ففَزِعَ الناسُ، واجتَمَعُوا إلى نبيِّهم، فصلَّى بهم ثلاثَ رَكَعاتٍ؛ أسمَعَهمُ القراءَةَ في ركعتين، وسبَّحَ في الثالثة - يعني به: قامَ ولم يُظهِرِ القِراءَةَ - يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، ويقتَدي محمدٌ بجِبريلَ، ويقتَدِي الناسُ بمحمدٍ ﷺ ، ثم يُسَلِّمُ جبريلُ على محمدٍ، ويُسَلِّمُ محمدٌ على الناسِ. فلمَّا بدَتِ النُّجومُ نُوديَ: أنِ الصَّلاةُ جامِعةٌ. ففزِعَ الناسُ واجتمَعُوا إلى نبيِّهم، فصلَّى بهم أربَعَ ركَعاتٍ؛ أسمَعَهمُ القِراءةَ في ركعتين، وسبَّحَ في الأُخرَيينِ، يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتدِي محمدٌ بجبريلَ، ويقتدِي الناسُ بمحمدٍ، ثم سلَّم جبريلُ على محمدٍ، وسلَّم محمدٌ على الناس. ثم رَقَدُوا ولا يدرُون أيُزادُون أم لا، حتى إذا طلَع الفَجرُ نُوديَ أنِ الصَّلاةُ جامعةٌ. ففَزِع الناسُ واجتمعُوا إلى نبيِّهم، فصلَّى بهم ركعتَينِ أسمَعَهم فيهما القِراءَةَ، يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتدِي محمدٌ بجبريلَ، ويقتدِي الناسُ بمحمدٍ، ثم سلَّم جبريلُ على محمدٍ، وسلَّم محمدٌ على الناس. صلَّى اللهُ على جبريلَ ومحمدٍ، وسلَّمَ كثيرًا. ففي هذا الخَبرِ أنَّ جبريلَ لم يُصلِّ الصَّلواتِ الخَمسَ بالنبيِّ ﷺ إلَّا مرَّةً واحدةً. وهو وإنْ كانَ مُرسلًا، فإنَّه حديثٌ حسنٌ مهذَّبٌ. واحتَجُّوا أيضًا بما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (١) وعُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 2834

محمدِ بنِ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهِيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عُتبَةَ بنِ مُسلم مولى تيم، عن نافع بنِ جُبيرٍ - قال: وكانَ نافعٌ كثيرَ الرِّوايةِ عن ابنِ عباسٍ - قال: لمَّا فُرضَتِ الصَّلاةُ، وأصبَحَ النبيُّ ﷺ . وذكره عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، عن ابنِ جُريج، قال: قال نافعُ بنُ جبيرٍ وغيرُه (٢): لمَّا أصْبَح النبيُّ ﷺ منَ اللَّيلةِ التي أُسريَ به فيها، لم يَرُعه إلَّا جبريلُ ينزلُ ﷺ حينَ زاغَتِ الشمسُ، ولذلك سُمِّيتِ الأُولى، فأمَر، فصيحَ بأصحابِه: الصَّلاةُ جامِعةٌ. فاجتَمَعوا، فصلَّى جبريلُ بالنبيِّ ﷺ ، وصلَّى النبيُّ ﷺ بالناس؛ طوَّلَ الركعتينِ الأُوليين، ثم قصَّرَ الباقيتَين، ثم سلَّمَ جبريلُ على النبيِّ ﷺ ، وسلَّم النبيُّ على الناس. ثم نزلَ في العَصرِ على مِثلِ ذلك، ففعَلوا كما فعَلوا في الظهر.

стр. 2835

ثم نزَل في أوَّلِ اللَّيلِ، فصيحَ: الصَّلاةُ جامِعةٌ، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ (١) ﷺ ، وصلَّى النبيُّ ﷺ بالناس؛ طوَّلَ في الأُولَيينِ، وقصَّرَ في الثالثة، ثم سلَّمَ جبريلُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وسلَّم النبيُّ ﷺ على الناس. ثم لمَّا ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ نزَل، فصيحَ: الصلاةُ جامعةٌ، فاجتَمعُوا، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ ﷺ ، وصلَّى النبيُّ ﷺ بالناس، فقرَأ في الأُوليين، فطوَّل وجهَر، وقصَّر في الثانيَتين، ثم سلَّم جبريلُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وسلَّم النبيُّ ﷺ على الناس. فلمَّا طلَع الفَجرُ صيحَ: الصَّلاةُ جامِعةٌ، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ ﷺ ، وصلَّى النبيُّ ﷺ بالناس، فقرَأ فيهما فجهَر وطوَّلَ، ورفَع صوتَه، وسلَّم جبريلُ على النبيِّ ﵉، وسلَّم النبيُّ ﷺ على الناس. قال أبو عُمر: قولُه: "الصَّلاةُ جامِعةٌ"؛ لأنَّه لم يكنْ يومئذٍ أذانٌ، وإنَّما كانَ الأذانُ بالمَدِينَةِ بعدَ الهجرَةِ بعام أو نحوِه، حينَ أُريَه عبدُ الله بنُ زيدٍ في النوم. فقال من ذكَرنا قولَه: حديثُ نافِع بنِ جُبيرٍ هذا مثلُ حديثِ الحَسَنِ؛ في أنَّ جبريلَ لم يُصلِّ في وقتِ فرضِ الصَّلاةِ بالنبيِّ ﷺ الصَّلواتِ الخَمسَ إلَّا مرَّةً واحدةً. وهو ظاهرُ حديثِ مالكٍ. والجوابُ عن ذلك ما تقدَّمَ ذكرُنا له مِن الآثارِ الصِّحاح المُتَّصِلةِ في إمامَةِ جبريلَ لوَقتينِ وقولِه: "ما بينَ هذينِ وقتٌ"، وفيها زيادةٌ يجبُ قَبُولُها والعَمَلُ بها؛ لنقلِ العُدُولِ لها. وليس تَقصيرُ من قصَّرَ عن حفظِ ذلك وإتقانِه والإتيَانِ به بحُجَّةٍ، وإنَّما الحُجَّةُ في شَهادَةِ مَن شَهِد، لا في قَولِ من قصَّر عن حفظِ ذلك (٢) وأجمَلَ واختصَر. على أنَّ هذه الآثارَ مُنقطِعَةٌ، وإنَّما ذكَرناها لما وصَفنا، ولأنَّ فيها

стр. 2836

أنَّ الصَّلاةَ فُرضَت في الحَضَرِ أربَعًا، لا رَكعتينِ، على خِلافِ ما زَعَمتْ عائِشةُ. وقال بذلك جماعةٌ، وردُّوا حديثَ عائشةَ، وإن كانَ إسنادُه صحيحًا، بضُرُوبٍ من الاعتِلالِ، سنذكُرُ ذلك كلَّه أو بعضه، في بابِ صالح بنِ كيسَانَ، من كتابِنا هذا إن شاءَ اللهُ، فعنه رَوَى مالِكٌ حديثَ عائشةَ أنَّ الصَّلاةَ فُرضت ركعتين، ثم زِيدَ في صَلاةِ الحَضَر (١). ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى أنَّ الصَّلاةَ فُرضت أربَعًا في الحَضرِ، وفي السَّفَرِ ركعتين، ولم يُزَدْ في شيءٍ من ذلك ولا نُقصَ، ما حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبرنا عمرُو بنُ عليِّ، قال: أخبرَنا يحيَى وعبدُ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن بُكيرِ بنِ الأخنَسِ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباس، قال: فُرضتِ الصَّلاةُ على لسانِ النبيِّ ﷺ في الحَضرِ أربعًا، وفي السَّفَرِ ركعتين، وفي الخَوفِ ركعةً. قال أبو عُمر: يعني مع الإمام، ثم يُتمُّونَ برَكعةٍ أُخرى، واللهُ أعلمُ. وقد قيلَ: إنَّ ركعةً تُجزئُ في الخوفِ، وليسَ هذا موضعَ ذكرِ اختلافِهم في صلاةِ الخوفِ. وقالت طائِفةٌ: فرضُ الصَّلاةِ على حَسَبِ ما قد استُقِرَّ عليه في إجماع المسلمينَ، وقصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ كانَ بعدَ ذلك رُخصةً من الله وصدَقَةً وتوسِعةً

стр. 2837

ورحمَةً. قالوا: ولم يَقصُرْ رسولُ الله ﷺ آمنًا إلّا بعدَ نُزولِ آيةِ القَصْرِ في صلاةِ الخوفِ، وكان نُزولُها بالمدينَةِ، وفُرضَتِ الصَّلاةُ بمكَّةَ. واحتَجُّوا بآثارٍ سنذكُرُها في بابِ ابنِ شهاب، عن رجُل من آلِ خالدِ بنِ أَسِيدٍ (١) إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه موضِعُها. ومن حُجَّتِهم أيضًا: ما حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ بنِ أبي رافِع البغداديُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا وُهيبُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ سَوادَةَ القُشيريُّ، عن أبيه، عن أنسِ بنِ مالكٍ - رَجُلٌ منهم - أتى المدينَةَ، وأتى النبيَّ ﷺ وهو يتغدَّى، فقال: "هلُمَّ إلى الغَدَاء". فقال: يا نَبيَّ الله، إنِّي صائِمٌ. فقال له النبيُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ وضَع عن المسافِرِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ" (٢). قالوا: "ووضَع" لا يكونُ إلَّا من فَرض مُتقدِّم، واللهُ أعلمُ.

стр. 2838

وروَى هذا الحديثَ أيُّوبُ (١)، وأبو قِلابَةَ (٢)، وأبو هِلالٍ الرَّاسبيُّ (٣)، وجماعةٌ من عُلماء البصرَةِ مثلَه، ولكنَّه حديثٌ فيه من روايةِ أبي قِلابَةَ وأبي هِلالٍ اضطرابٌ كثيرٌ. وأمَّا قولُ الشَّعبيِّ، وميمُونِ بنِ مِهرانَ، وابنِ إسحاقَ: إنَّ الصَّلاةَ فُرِضت ركعتين، ثم زيدَ في صلاةِ الحضَرِ. فذكَر أبو بكر بنُ أبي شَيبةَ (٤)، قال: حدَّثنا عُبيدةُ بنُ حُميدٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: أوَّلُ ما فُرِضتِ الصَّلاةُ فُرِضت ركعتين ركعتين، فلمَّا أتى النبيُّ ﷺ المَدِينةَ زاد مع كلِّ ركعتَينِ ركعتَينِ، إلَّا المغرِبَ. قال أبو عُمر: قولُ الشَّعبيِّ هذا أصلُه من حديثِ عائشَةَ، وقد يُمكنُ أن يأخُذَه عن الأسودِ أو مَسرُوقٍ عن عائشةً؛ فأكثرُ ما عندَه عن عائشةَ هو عنهما (٥).

стр. 2839

وروى يُونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن سالمٍ مولى أبي المهاجِرِ، قال: سمعتُ ميمُونَ بنَ مِهرانَ يقولُ: كانَ أوَّلُ الصَّلاةِ مثنى، ثم صلَّى رسولُ الله ﷺ أربعًا، فصارَت سُنَّةً، وأُقرَّتِ الركعتان للمُسافرِ، وهي تمامٌ. وهذا إسنادٌ لا يُحتجُّ بمِثلِه.

стр. 2840

وقولُه: فصارَتْ سُنَّةً قولٌ مُنكرٌ، وكذلك استثناءُ الشَّعبيِّ المغربَ وحدَها ولم يَذكُرِ الصبحَ، قولٌ لا معنَى له، ومن قال بهذا مِن أهلِ السِّيرِ قال: إنَّ الصَّلاةَ أُتِمَّت بالمَدينةِ بعدَ الهِجَرةِ بشَهرٍ وأربَعَةِ أيّام. وقد أجمَعَ المسلمونَ أنَّ فرضَ الصَّلاةِ في الحضَرِ أربعٌ، إلَّا المغربَ والصُّبحَ، ولا يعرِفُون غيرَ ذلك عَمَلًا ونقلًا مُستفيضًا، ولا يضُرُّهم الاختِلافُ فيما كان أصلَ فرضِها، وإنَّما فائدةُ قولِ عائشةَ: فُرضتِ الصَّلاةُ ركعتين ركعتين - إن صحَّ قولُها - إيجابُ فرضِ القَصرِ في السَّفرِ، وسنُبيِّنُ اختلافَ العُلماء في ذلك ووجهَ الصَّوابِ فيه، إن شاء اللهُ، في باب صالح بنِ كيسانَ (١)، من كتابِنا هذا بحولِ الله. وأجمَعوا أنَّ فرضَ الصَّلاةِ إنَّما كان في حينِ الإسراء. واختلَفُوا في تاريخِ الإسراء؛ قال أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ القاسم الذَّهبيُّ (٢) في تاريخه: ثمَّ أُسريَ بالنبيِّ ﷺ مِن مكَّةَ إلى بيتِ المقدِسِ، وعُرِج به إلى السَّماء، بعدَ مَبعَثِه بثَمانيةَ عشرَ شَهرًا. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا مِن أهلِ السِّيرِ قال ما حَكَاهَ الذَّهبيُّ، ولم يُسنِدْ قَولَه إلى أحدٍ ممَّن يُضافُ إليه هذا العلمُ منهم، ولا رَفَعَه إلى مَنْ يُحتجُّ به عليهم. وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ: فلمَّا كانت ليلَةُ سَبع وعشرينَ من رَبيع الأوَّلِ (٣)،

стр. 2841

قبلَ الهجرةِ بسنةٍ، أُسريَ برسولِ الله ﷺ وفُرضَ عليه خمسُونَ صلاةً، ثم نُقِصت إلى خمسٍ صلواتٍ، فأتاه جبريلُ فأمَّه عندَ البيتِ، فصلَّى الظُّهرَ أربعًا، والعَصرَ أربعًا، والمغرِبَ ثلاثًا، والعِشاء أربعًا، والفجرَ رَكعتينِ، كلُّ ذلكَ نحوُ بيتِ المَقدس، فلمَّا كانَ المَوسمُ مِن هذه السَّنةِ لقِيَه الأنصارُ فبايَعُوه ثمَّ انصرَفُوا. وذكر قِصَّةَ البَرَاءِ بنِ معرُورٍ، وصَلاتَه إلى الكعبةِ وحدَه، دُون النبيِّ ﷺ ودونَ الناس، وقِصَّتُه مشهُورَةٌ عندَ جميع أهلِ العِلم بالسِّيرِ والأثَرِ (١). وهكذا قال: إنَّ صلاةَ جبريلَ بالنبيِّ ﷺ كانت بمكَّةَ إلى بيتِ المَقدِس. وهذا موضِعٌ قد خالَفه فيه مَنْ هو أكبرُ منه. وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ (٢)، عن ابنِ شهاب، أنَّ عبدَ الرَّحمن بنَ كعبِ بنِ مالكٍ أخبرَه، أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا قَدِمَ المَدينَةَ مُهاجرًا، صلَّى نحوَ بيتِ المَقدسِ اثنَي عشًر شهرًا. وقد ذكَرَ ابنُ شهابِ أنَّ في صَلاتِه بمَكَّةَ اخْتِلافًا؛ قيلَ: كانت صَلاتُه إلى الكَعبَةِ. وقيلَ: إلى بيتِ المَقدِس.

стр. 2842

ورَوى همَّامٌ (١)، عن قَتادَةَ، قال: كانوا يُصلُّونَ إلى بيتِ المَقدسِ ورسولُ الله ﷺ بمكَّةَ قبلَ الهِجرَةِ، وبعدَ ما هاجَرَ رسولُ الله ﷺ صلَّى إلى بيتِ المقدِسِ ستّةَ عشَرَ شهرًا. وهكذا قال في الإسراء: إنَّه كانَ قبلَ الهِجرةِ بسنةٍ. وهو قولُ مُوسى بنِ عُقبةَ. واختُلِفَ في ذلك عن ابنِ شهاب، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُليح، عن مُوسى بنِ عقبَةَ، عن ابنِ شهاب، قال: ثم أُسريَ برَسُولِ الله ﷺ إلى بيتِ المَقدسِ قبلَ خُروجِه إلى المدينَةِ بسنةٍ، وفرَضَ اللهُ عليه الصَّلاةَ. قال ابنُ شهاب: وزعَم ناسٌ، واللهُ أعلمُ، أنَّه كانَ يسجُدُ نحوَ بيتِ المقدِسِ، ويجعَلُ وراءَ ظهرِه الكَعبَةَ وهو بمكَّةَ. ويزعُمُ ناسٌ أنَّه لم يَزَلْ مُستقبِلَ الكَعبَةِ حتى خرَج منها، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ استقبلَ بيتَ المقدِسِ. قال: فقد اختُلِفَ في ذلك، واللهُ أعلمُ. قال أبو عُمر: الاختلافُ، كما قال ابنُ شِهاب، في صَلاتِه بمكَّةَ؛ هل كانت إلى الكَعبَةِ أو إلى بيتِ المَقدسِ؟ وسنذْكُرُ ذلك بعدُ إن شاء الله.

стр. 2843

قال أبو عُمر: هكذا قال مُوسى بنُ عُقبةَ عن ابنِ شهاب: أنَّ الإسراء كان قبلَ الهِجرةِ بسَنةٍ. قال أبو عُمر: وذلك بعدَ مَبعَثِه بتسعِ سنينَ، أو باثنتَي عَشْرَةَ سنةً، على حسَبِ اختِلافِهم في مُقامِه بمكّةَ بعدَ مَبعَثِه، على ما قدَّمنا ذِكرَه في بابِ ربيعة (١). ورَوى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشَةَ، قالت: تُوفِّيت خديجَةُ قبلَ أن تُفرضَ الصَّلاةُ (٢). قال ابنُ شهابٍ: وذلك بعدَ مبعَثِ النبيِّ ﷺ بسبعةِ أعوام (٣). وخالَفه الوَقَّاصيُّ (٤)، عن ابنِ شهاب، فقال: أُسرِيَ به بعدَ مَبعَثِه بخَمسِ سِنينَ.

стр. 2844

قرَأْتُ على عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ يُوسُفَ، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ يحيى حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارِديُّ، قال: حدَّثنا يُونسُ بنُ بكير، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن (١)، عن الزُّهريِّ، قال: فُرِضَتِ الصَّلاةُ بمكَّةَ بعدَ ما أوحَى اللهُ إلى النبيِّ ﷺ بخمسِ سنينَ، وفُرِض الصِّيامُ بالمدينةِ قبلَ بدرٍ، وفُرضتِ الزَّكاةُ والحجُّ بالمدينةِ، وحُرِّمتِ الخمرُ بعدَ أُحُدٍ. وقال ابنُ إسحاقَ (٢): أُسريَ به من المسجِدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى، وهو بيتُ المقدسِ، وقد فشا الإسلامُ بمكَّةَ، وفي القَبائلِ كُلِّها. قال يُونُسُ بنُ بُكير وغيرُه، عن ابنِ إسحاقَ (٣): ثم إنَّ جبريلَ أتى النبيَّ ﷺ حينَ افتُرِضَت عليه الصَّلاةُ - يعني في الإسراء - فهَمَز له بعقِبِه في ناحيةِ الوادي، فانفجَرَتْ عينُ ماءٍ مُزنٍ، فتوضَّأ جبريلُ ومحمدٌ ينظُرُ، فوضَّأ وجهَه، واستنشَقَ، ومَضمضَ، ومسَح برأسِه وأُذُنَيه، ورجلَيه إلى الكعبين، ونضَح فرجَه، ثم قامَ يصلِّي ركعتين وأربعَ سَجَداتٍ، فرجَع رسولُ الله ﷺ وقد أقرَّ اللهُ عينَه، وطابت نَفسُه، وجاءَه ما يُحبُّ من أمرِ الله تعالى، فأخَذَ بيدِ خَديجَةَ فأتَى بها العينَ، فتوضَّأ كما توضَّأ جبريلُ، ثم ركَع ركعتين، وأربعَ سجَداتٍ هو وخديجةُ، ثم كانَ هو وخَديجةُ يُصلِّيان سواءً (٤).

стр. 2845

قال أبو عُمر: هذا يَدُلُّكَ على أنَّ الإسراء كانَ قبلَ الهِجرةِ بأعوام؛ لأنَّ خديجةَ تُوفِّيت قبلَ الهِجرةِ بخمسِ سنينَ، وقد قيلَ: بثلاثةِ أعوام. وقيلَ: بأربَع سنينَ. وقد ذكَرنا القائِلينَ بذلك في بابِ خديجةَ من كتابِ "الصَّحابةِ" (١). وقولُ ابنِ إسحاقَ مُخالفٌ لقولِ ابنِ شهابٍ في الإسراء، على أنَّ ابنَ شِهاب قد اختُلفَ عنه في ذلك، على ما ذكَرنا من روايةِ ابن عُقبَةَ، وروايةِ يونسَ، وروايةِ الوَقَّاصيِّ، وهي رواياتٌ مُختلفاتٌ على ما تَرى. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٣): حدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشَةَ، قالت: فتَزوَّجني رسُولُ الله ﷺ بعدَ مُتوفَّى خدِيجةَ، وقبلَ مخرجِه إلى المدينَةِ بسنَتينِ أو ثلاثٍ. وأمَّا صلاتُه إلى الكعبَةِ، فإنَّ ابنَ جريج ذكَرَ في "تفسيره" - رَوَاه عنه حجَّاجٌ، وغيرُه، وذكَرَه سُنيدٌ، عن حجَّاج، عن ابنِ جُريج - قال: صلَّى النبيُّ ﷺ أوَّلَ ما صلَّى إلى الكَعبَةِ، ثمَّ صُرفَ إلى بيتِ المَقدِسِ، فصلَّتِ الأنصارُ إلى بيتِ المقدِسِ قبلَ قُدومِه ﵇ بثلاثِ حج، وصلَّى النبيُّ ﷺ بعد قُدومِه سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثم وجَّهَهُ اللهُ إلى الكَعبةِ البيتِ الحرام (٤).

стр. 2846

هكذا قال ابنُ جريج، إنَّ أوَّلَ صَلاةِ رسولِ الله ﷺ كانت إلى الكَعبةِ. وهذا أمرٌ قد اختُلفَ فيه؛ وأحسنُ شيءٍ رُويَ في ذلك ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ وجيهُ بنُ الحسنِ بنِ يوسُفَ، قال: حدَّثنا بكَّارُ بنُ قُتيبةَ أبو بكرَةَ القاضِي سنَةَ سبعين ومئتين، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباس، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي نحوَ بيتِ المَقدِسِ وهو بمكَّةَ والكعبةُ بينَ يدَيه، وبعدَ ما هاجرَ إلى المدينةِ ستّةَ عشَرَ شهرًا، ثم صُرفَ إلى الكعبةِ (١). وروى عليُّ بنُ أبي طلحَةَ، عن ابنِ عباس، قال: كانَ أوَّلَ ما نُسخَ من القُرآنِ القِبلَةُ؛ وذلكَ أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا هاجرَ إلى المدينةِ، وكانَ أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَه اللهُ أن يستَقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحتِ اليَهُودُ، فاستقبَلها رسولُ الله ﷺ بِضعةَ عشَرَ شهرًا، ثمَّ انصَرفَ إلى الكعبَةِ (٢). وقد ذكَرنا الخبرَ بهذا عن ابنِ عباس من وُجُوهٍ في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ، والحمدُ لله.

стр. 2847

ففي قولِ ابنِ عباس هذا مِن الفِقه: أنَّ الصَّلاةَ لم يُنسَخْ منها شيءٌ قبلَ القِبلةِ. وفيه: أنَّه كانَ يُصلِّي بمكَّةَ إلى الكعبةِ، وهو ظاهِرُه أنَّه لم يُصلِّ إلى بيتِ المقدسِ إلَّا بالمدينةِ، وقد يَحتملُ غيرَه. وسنذكُرُ الآثارَ في صَلاتِه إلى بيتِ المقدسِ، وتحويلِه بعدُ إلى الكعبَةِ، في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ إن شاء الله (١). وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ: ثم قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ في ربيع الأوَّلِ، فصلَّى إلى بيتِ المقدسِ تمامَ سنةِ إحدَى عشْرَةَ، وصلَّى من سنَةِ ثنتينِ ستّةَ أشهر، ثم حُوِّلتِ القِبلةُ في رجب.

стр. 2848

وقال مُوسَى بنُ عُقبَةَ وإبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهاب، عن عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ: إنَّ القِبلةَ صُرِفت في جُمادى (١). وقال الواقدِيُّ (٢): إنَّما صُرفت صلاةَ الظُّهرِ يومَ الثُّلاثاء في النِّصفِ من شعبانَ. وأمَّا قولُ ابنِ إسحاقَ: إنّه صلَّى حينئذٍ ركعتين وأربعَ سَجَداتٍ، فأظُنُّه أخَذَه، واللهُ أعلمُ، من قولِ عائشةَ. وأمَّا قولُه: إنَّ رسولَ الله توضَّأ حينَئذٍ، وإنَّ جبريلَ نزَل عليه يومَئذٍ بالوُضُوء. فإنَّما أخَذه، واللهُ أعلمُ، من حديثِ زيدِ بنِ حارثةَ. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال (٣): حدَّثنا الحَسنُ بنُ مُوسى، قال: حدَّثنا

стр. 2849

عبدُ الله بنُ لهيعةَ، قال: حدَّثنا عُقيلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، عن أبيه زيدِ بنِ حارثةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ في أوَّلِ ما أُوحيَ إليه، أتاهُ جبريلُ ﵇ فعلَّمَه الوُضُوءَ، فلمَّا فرَغ من الوُضُوء أخَذ غَرفةً من ماءٍ فنضَح بها فرجَه. وأمَّا قولُه في الحديثِ: إنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أخَّر الصَّلاةَ يومًا. فمعناه، واللهُ أعلمُ (١)، أنَّه أخَّرها حتى خرَج الوقتُ المستحبُّ المرغُوبُ فيه، ولم يؤخِّرْها حتى غرَبتِ الشمسُ. وقولُه: أخَّر الصَّلاة يومًا، الأغلبُ فيه، واللهُ أعلمُ، أنَّه لم يكنْ ذلك كثيرًا منه، ولو كان ذلك ما قيل: يومًا. وإن كانت مُلوكُ بني أميَّةَ على تأخيرِ الصَّلاةِ، كان ذلك شأنَهم قديمًا من زمنِ عثمانَ، وقد كان الوليدُ بنُ عقبَةَ يؤخِّرُها في زمن عثمانَ، وكان ابنُ مسعودٍ يُنكِرُ ذلك عليه، ومن أجلِه حدَّث ابنُ مسعودٍ بالحديثِ في ذلك. وكانت وفَاةُ ابنِ مسعودٍ في خِلافَةِ عُثمانَ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحسنِ الحربيُّ، قال: حدَّثنا أبو طالب الهرويُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ

стр. 2850

عيَّاش، قال: حدَّثنا عاصمٌ، قال زرٌّ: قال عبدُ الله: قال رسولُ الله ﷺ : "لعلَّكُم تُدركُون أقوامًا يُؤخِّرون الصَّلاةَ، فإن أدرَكتُموهم فصلُّوا في بُيوتِكم الوقتَ الذي تَعرفُون، وصلُّوا معَهم واجعلُوها سُبحةً" (١). وبهذا الإسنادِ عن أبي بكر بنِ عيَّاش، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيع، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ ﷺ (٢). أخبرنا محمدُ بنُ زكريَّا قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ عبدِ المَلكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الأشَجُّ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن عُبيدةَ - يعني ابنَ مُعتِّب - قال: كنا نُصلِّي مع الحجَّاج الجُمُعةَ، ثم ننصَرِفُ فنُبادِرُ مسجدَ سِماكٍ (٣) نُصلِّي المغربَ.

стр. 2851

وذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، عن معمر، عن عبدِ الرَّحمن بنِ (٢) عبدِ الله المسعوديِّ، عن القاسم بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: أخَّر الوليدُ بنُ عُقبةَ الصَّلاةَ مرَّةً، فأمَر ابنُ مسعودٍ المُؤذِّنَ فثوَّب بالصَّلاةِ، ثم تقدَّمَ فصلَّى بالنالس (٣)، فأرسَل إليه الوليدُ: ما صنَعتَ؟ أجاءَكَ من أميرِ المُؤمنينَ حَدَثٌ أم ابتَدعْتَ؟ فقال ابنُ مسعودٍ: كلُّ ذلك لم يكنْ، ولكنْ أبى اللهُ ورسولُه أن ننتظِرَك بصلاتِنا وأنتَ في حاجتِك. وذكر معمرٌ (٤) أيضًا، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ خُثيم، عن القاسم بنِ عبدِ الرَّحمن، عن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "كيفَ بك يا أبا عبدِ الرَّحمن إذا كان عليك أُمراءُ يُطفئُون السُّنَّة، ويُؤخِّرونَ الصلاةَ عن مِيقاتِها؟ قال: فكيفَ

стр. 2852

تأمرُني يا رسولَ الله؟ فقال النبيُّ ﷺ : "يَسألُني ابنُ أمِّ عبدٍ: كيفَ يفعلُ! لا طاعةَ لمخلُوقٍ في معصيةِ الله". فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ في هذا الخبَرِ دليلًا على أنَّهم كانُوا يؤخِّرونَها حتى يخرُجَ الوقتُ كلُّه، ولهذا استحقُّوا اسمَ العِصيانِ للّه، قيلَ له: يَحتَمِلُ أن يكونَ قولُه خرَج على جُملةِ طاعَةِ الله وعِصيانِه في سائرِ الأُمورِ، وعلى أنَّه لا يُؤمَنُ على مَن كان شأنُه تأخيرَها أبدًا أن يَفُوتَه الوَقتُ. وأمَّا الآثارُ عنهم فتدُلُّ على ما ذكَرنا. وروَى معمرٌ (١)، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال لأصحابِه يومًا: إنِّي لا آلُوكُم عن الوَقتِ. فصلَّى بهم الظُّهرَ - حسِبتُه قال: حينَ زالتِ الشمسُ - ثم قال: إنَّه سيكونُ عليكم (٢) أمراءُ يُؤخِّرون الصَّلاةَ، فصلُّوا الصَّلاةَ لوَقتِها، فإن أدرَكَتْكُم معهم فصلُّوا. ومعمرٌ (٣)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: إنَّكم في زمانٍ قليلٍ خُطباؤُه، كثيرٍ علماؤه، يُطيلُونَ الصَّلاةَ، ويُقصِّرونَ الخُطبَةَ، وإنَّه سيأتي عليكم زَمانٌ كثيرٌ خُطباؤُه، قليلٌ عُلماؤُه، يُطيلُون الخُطبَةَ، ويُؤَخِّرون الصَّلاةَ، حتى يُقال: هذا شَرَقُ الموتَى. قلتُ (٤): ما شَرَقُ المَوتَى؟ قال: إذا
следующие страницы →