← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2883–2922 · переход к 2888.

стр. 2883

وقال عبَّاسٌ (١): سمِعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: حديثُ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ للصَّلاةِ أوَّلًا وآخرًا"، رواه الناسُ كلُّهم عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ مرسلًا. ورواه محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن الأعمشِ، فأخطأ فيه، وهو حديث ضعيفٌ ليسَ بشيءٍ، إنَّما هو عن الأعمشِ، عن مُجاهدٍ، مرسلٌ (٢). وأمَّا روايةُ سليمانَ بنِ موسى، عن عطاءٍ، عن جابرٍ (٣)، فلم يُتابَعْ عليها سُليمانُ بنُ موسى. وقد روَى ابنُ جريج وبُردُ بنُ سنانٍ، عن عطاءٍ، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ الحديثَ (٤)، ليس فيه للمغربِ إلَّا وقتٌ واحدٌ، وكذلكَ رواه كلُّ مَن رواه عن جابر؛ منهم: وَهْبُ بنُ كَيسانَ (٥)، وبَشيرُ (٦) بنُ سلمان (٧)، وغيرُهم.

стр. 2884

وممَّا يُوضِّحُ ذلك أنَّ جابرًا سُئلَ عن مواقيتِ الصَّلاةِ في زَمنِ الحجَّاج، وعن صلاةِ النبيِّ ﷺ ، فلم يذكُرْ للمغربِ إلَّا وقتًا واحدًا. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جريرِ بنِ حازم وعبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ، قال: كان الحجَّاجُ يُؤخِّرُ الصَّلاةَ، فسألتُ جابرَ بنَ عبدِ الله، فقال: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي الظُّهرَ إذا زالتِ الشمسُ، والعصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيَّةٌ، والمغربَ إذا غرَبتِ الشمسُ، والعِشاءَ؛ إن رأى في الناسِ قلَّةً أخَّر، وإن رأى فيهم كثرةً عجَّلَ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ حسنٍ، قال: سألنا جابرَ بنَ عبدِ الله عن صلاةِ رسولِ الله ﷺ . فذكَرَ مثلَه، وزادَ: والصُّبحَ بغَلَسٍ. وفي لفظِ حديثِ مسلم بنِ إبراهيمَ: كان يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرةِ، والعصرَ والشَّمسُ حيةٌ. ثم ذكَره سواءً (٢). ورواه يحيى القطَّانُ، عن شُعبةَ، بإسنادِه مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه قال: وكان - أو كانوا - يُصلُّونَ الصُّبحَ بغَلسٍ.

стр. 2885

حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القطَّانُ. فذكَره (١). وأمَّا حديثُ قتَادةَ، عن أبي أيُّوبَ الأزديِّ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو (٢). فقد جاءَ عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﷺ خِلافُه؛ وهو ما رَوَاه حسَّانُ بنُ عطيَّةَ، عن عمرِو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ . فذكَرَ في المغرِبِ وقتًا واحدًا (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا داودُ بنُ شَبيبٍ (٥)، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن

стр. 2886

ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كنا نُصلِّي المغربَ مع النبيِّ ﷺ ثم نَرمِي، فيَرى أحدُنا مواقِعَ نَبْلِه. وهذا على المُداومَةِ والتَّكرار. ومثلُه ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا ابنُ أخي جُويريَةَ بنِ أسماءَ، عن عمِّه، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن الزُّهريِّ، أنَّ عبدَ الرحمن بنَ كعبِ بنِ مالكٍ أخبرَه، أنَّ رجُلًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ أخبرَه، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي المغربَ، ثم ننصرِفُ إلى أهلِنا في بني سَلِمَةَ، فنُبصِرُ مواقِعَ نَبلِنا (١). وهذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ مالكٍ، وقد رواه جماعةٌ عن الزُّهريِّ (٢). وروى جعفرُ بنُ بُرْقانَ هذا الحديثَ عن الزُّهريِّ، فقال في آخرِه: قلتُ للزُّهريِّ: وكم كانت منازلُهم من المدينةِ؟ قال: على ثُلثَي ميلٍ (٣). وهذا غايةٌ في تعجيلِ المغرِب. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدِينيِّ. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 2887

بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عمرُو بنُ عليِّ، قالا جميعًا: حدَّثنا صفوَانُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمةَ بنِ الأكوعِ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يصلِّي المَغربَ ساعَةَ تغرُبُ الشمسُ، إذا سقَطَ حاجِبُها. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمَرَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن مرثدِ بنِ عبدِ الله، قال: قَدِمَ علينا أبو أيُّوبَ غازيًا، وعُقبةُ بنُ عامرٍ يومئذٍ على مصرَ، فأخَّرَ المَغربَ، فقامَ إليه أبو أيُّوبَ فقال: ما هذه الصلاةُ يا عُقبةُ؟ فقال: شُغِلنا. فقال: أمَا سمِعتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تزالُ أُمَّتي بخيرٍ - أو قال: على الفِطرةِ - ما لم يُؤخِّروا المغرِبَ إلى أن تَشتبِكَ النُّجومُ".

стр. 2888

ومن حديثِ عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، قال: "لا تزالُ هذهِ الأُمَّةُ بخيرٍ ما صلَّوا صلاةَ المغرِبِ قبلَ اشتباكِ النُّجوم" (١). وليس في حديثِ القراءةِ بـ "الأعرافِ" وشِبهِها في المغربِ حجَّةٌ قاطِعةٌ في سَعةِ وقتِها؛ لأنَّ المُراعاةَ في ذلك وقتُ الدُّخُولِ فيها، فإذا دخَلَ المُصلِّي فيها على ما أُمرَ، فله أن يمتدَّ في ذلك ما لم يدخُلْ وقتُ صلاةٍ أُخرى، كما أنَّ من أدرَكَ ركعةً من الصُّبح قبلَ طُلوعِ الشمسِ، كان له أن يمتدَّ في الثانيةِ. وهذا كلُّه على المُتعارَفِ من سننِ الصلواتِ. وبالله التوفيقُ. وكما فعَل أبو بكر ﵁، إذ قرأ بـ "البقرَةِ" في صلاةِ الصُّبحِ، وكان يُغلِّسُ، فلمَّا سلَّم من صلاتِه قيل له: كادتِ الشمسُ أن تطلُعَ. فقال: لو طَلَعت لم تجدْنا غافلينَ (٢). يعني، واللهُ أعلمُ، أنَّه دخَل في الصَّلاةِ في أوَّلِ وقتِها، ومدَّ قِراءَتَها.

стр. 2889

وأجمَعُوا على أنَّ وقتَ العِشاءِ الآخرةِ للمُقيم مغيبُ الشَّفقِ، والشَّفقُ: الحُمرةُ التي تكونُ في المغربِ، تبقَى في الأُفقِ بعدَ مَغيبِ الشمسِ. هذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأكثرِ العُلماءِ (١). ورُويَ ذلك عن جماعةٍ من الصَّحابةِ؛ منهم: شدَّادُ بنُ أوسٍ، وعُبادةُ (٢)، وابنُ عُمرَ (٣). وإليه ذهَب داودُ. وكان أبو حنيفَةَ يقولُ: الشَّفقُ: البياضُ. وإليه ذهَب المُزنيُّ (٤).

стр. 2890

وقال أحمدُ بنُ حنبل: أمَّا في الحضرِ، فأحبُّ إليَّ ألا تُصلَّى حتى يذهَبَ البياضُ احتياطًا، وأمَّا في السَّفرِ، فيُجزِئُه أن يُصلِّيَ إذا ذهَبتِ الحُمرةُ. واختلَفُوا في آخرِ وقتِها؛ فالمشهُورُ من مذهبِ مالكٍ في آخرِ وقتِ العِشاءِ، في السَّفرِ والحضِر، لغيرِ أصحابِ الضَّرُوراتِ، ثُلُثُ اللَّيلِ الأوَّلِ، ويستحَبُّ لأهلِ مساجدِ الجماعةِ (١) ألَّا يُعجِّلوا بها في أوَّلِ وقتِها إذا كان غيرَ مضرٍّ بالناسِ، وتأخيرُها قليلًا أفضلُ عندَه. وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ قال: وقتُها من حينِ يغيبُ الشَّفقُ إلى أن يطلُعَ الفجرُ. وهو قولُ داودَ. وقال الثَّوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ: أوَّلُ وقتِ العِشاءِ مغيبُ الشَّفقِ إلى ثُلثِ اللَّيلِ، والنِّصفُ بعدَه آخرُه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: المُستحبُّ في وقتِها إلى ثلثِ اللَّيلِ، ويُكرَهُ تأخيرُها إلى بعدِ نصفِ اللَّيلِ، ولا تفوتُ إلَّا بطلوعِ الفجرِ. وقال الشافعيُّ: آخرُ وقتِها أن يمضيَ ثُلثُ اللَّيلِ، فإذا مضَى ثلُثُ اللَّيلِ فلا أراها إلَّا فائِتةً. وقال أبو ثور: وقتُها من مغيبِ الشَّفقِ إلى نِصفِ اللَّيلِ (٢). قال أبو عُمر: في أحادِيثِ إمامَةِ جبريلَ من روايةِ ابنِ عبّاس وجابر: ثُلثُ اللَّيل. وكذلك في حديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ. وفي حديثِ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ وحديثِ أبي هُريرة: ساعةٌ من اللَّيلِ. وفي حديثِ عبدِ الله بنِ عمرٍو: نصفُ اللَّيل. وحديثُ عليٍّ مِثلُه. وحديثُ الحكم بنِ عُتيبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ نحوُه (٣).

стр. 2891

وروَى أبو سعيدٍ الخدريُّ وغيرُه، عن النبيِّ ﷺ : "لولا سُقْمُ السَّقيم، وضَعْفُ الضَّعيفِ، ولولا أن أشُقَّ على أمَّتي، لأخَّرتُها إلى شطرِ اللَّيلِ" (١). وفي حديثِ عائشةَ: حتى ذهَب عامَّةُ اللَّيلِ. ثم قال: "إنَّه لَوقتُها لولا أن أشُقَّ على أمَّتي" (٢). وقال جابرُ بنُ سَمُرةَ: كان رسولُ الله ﷺ يُؤخِّرُ العِشَاءَ الآخرةَ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانَةَ، عن أبي بشرٍ، عن بَشيرِ بنِ ثابتٍ، عن حبيبِ بنِ سالم، عن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: أنا أعلمُ الناسِ بوقتِ هذه الصَّلاةِ؛ صلاةِ العِشاءِ الآخرةِ، كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّيها لسُقُوطِ القمرِ لثَالثةٍ (٤).

стр. 2892

وذكَر أبو داودَ (١)، عن مسدَّدٍ بإسنادِه مثلَه. ومن حُجَّةِ مالكٍ ومن قال بقولِه - وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ - حديثُ أبي قتادةَ، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّما التَّفريطُ في اليقَظةِ على من لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتَّى يدخُلَ وقتُ الأخرى" (٢). وقياسٌ على سائِرِ الصَّلواتِ حاشى الصُّبحَ، فإنَّها منفرِةٌ بوقتِها. ومَن أشرَكَ بينَ وقتَي صلاتَي النَّهارِ وصلاتَي اللَّيلِ لمن كانت به ضرُورةُ حيض أو إغماءٍ أو نحوِ ذلك، فيَلزَمُه المصيرُ إلى قولِ مالكٍ، إلَّا أن يجعلُوا وقتَ الضَّرورةِ قياسًا على السَّفرِ، فإنَّ الوقتَ عندَ الشَّافعيِّ في السَّفرِ له حكمٌ غيرُ حكم الحضَرِ، ولا يجوزُ عنده اشتراكُ (٣) الوقتِ في الحَضرِ لغيرِ أصحابِ الضَّروراتِ ألبتَّةَ (٤). وأجمَعوا أنَّ أوَّلَ وقتِ صلاةِ الصُّبح طُلُوعُ الفجرِ وانصداعُه، وهو البياضُ المُعترضُ في أُفقِ السَّماءِ، وهو الفجرُ الثَّاني الذي ينتشِرُ ويطيرُ، وأنَّ آخرَ وقتِها طلُوعُ الشمسِ (٥). إلَّا أنَّ ابنَ القاسم (٦) روَى عن مالكٍ أنَّ آخرَ وقتِها الإسفارُ.

стр. 2893

وكذلك حكَى ابنُ عبدِ الحكم عنه، أنَّ آخرَ وقتِها الإسفارُ الأعلى. وقال ابنُ وَهْب، عن مالكٍ: آخرُ وقتِها طُلُوعُ الشمسِ. وهو قولُ الثَّوريِّ والناسِ (١). وقال الشافعيُّ (٢): لا تفوتُ صلاةُ الفجرِ حتى تطلُعَ الشمسُ قبلَ أن يُدركَ منها ركعةً بسُجُودِها، فمن لم تَكمُلْ له رَكعةٌ قبلَ طلُوعِ الشمسِ فقد فاتتهُ. وهو قولُ أبي ثورٍ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ، وداودَ، والطَّبريِّ، وأبي عُبيدٍ (٣). وأمَّا أبو حنيفَةَ وأصحابُه، فإنَّهم يُفسدُون صلاةَ مَن طلَعت عليه الشمسُ وهو يُصلِّيها (٤). وقد ذكَرنا قولَهم وحُجَّتَهم في ذلك والحُجَّةَ عليهم، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٥)، فأغنى عن إعادَتِه هاهنا. وأمَّا اختيارُهم من الأوقاتِ، فإنَّ مالكًا، واللَّيثَ بنَ سعدٍ، والشافعيَّ، والأوزاعِيَّ، وأحمدَ بنَ حنبلٍ، كانوا يقولونَ بالتَّغلِيسِ في صلاةِ الفجرِ في أوَّلِ وقتِها، وذلك أفضلُ عندَهم؛ أن تُصلَّى والنُّجُومُ باديةٌ مشتبِكةٌ. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفَةَ، وأصحابُه، والحسنُ بنُ حيٍّ، بالإسفارِ في الفجرِ، في كلِّ الأزمانِ، في الصَّيفِ والشِّتاءِ، وذلك عندَهم أفضلُ. وقد ذكَرنا حُجَّةَ كلِّ فريقٍ منهم في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٦). وقال مالكٌ: يُصلِّي الظُّهرَ إذا فاءَ الفيءُ ذراعًا، في الشِّتاءِ والصَّيفِ. وهو أحبُّ إليه في الجماعةِ وغيرِها، عندَ أكثرِ أصحابِه (٧). ومض من قال: إنَّ هذا

стр. 2894

معناه في مساجدِ الجماعاتِ، وأمَّا المُنفردُ الذي لا جَماعةَ معه ينتظِرُها، فإنَّه يُصلِّي في أوَّلِ الوقت. وقال اللَّيثُ، والشافعيُّ: يُصلِّيها في أوَّلِ الوقتِ. قال الشَّافعيُّ: إلَّا المساجدَ التي تُنتابُ من بعيدٍ، فإنَّها يُبرَدُ فيها بالظُّهرِ. والصَّلواتُ كلُّها عندَ اللَّيثِ والشافعيِّ أوائلُ أوقاتِها أفضلُ. قال الشَّافعيُّ: إلَّا الإبرادَ في شدَّةِ الحرِّ في المَساجدِ التي تُقصَدُ من المواضِعِ النائِيةِ (١). وزعَمَ أبو الفرج أنَّ مذهبَ مالكٍ أنَّ الصَّلواتِ كلَّها أوائِلُ أوقَاتِها أفضلُ، إلَّا الظُّهرَ في شدَّةِ الحرِّ، فإنَّها تُؤخَّرُ قليلًا في المساجدِ وغيرِها. وقال العِراقيُّونَ: تُعجَّلُ الظُّهرُ في الشِّتاءِ في أوَّلِ الوقتِ، وتؤخَّرُ في الحرِّ حتى يبرُدَ (٢). وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: أوَّلُ الأوقاتِ أعجبُ إليَّ في الصلواتِ كلِّها، إلَّا في صلاتين؛ صلاةِ العِشاءِ الآخرةِ، وصلاةِ الظهرِ في الحرِّ، يُبْرَدُ بها وتُؤخَّرُ حتى يبرُدَ، وأمَّا في الشِّتاءِ فيُعجَّلُ بها. قال: وتُؤخَّرُ العشاءُ أبدًا ما لم يشُقَّ على الناسِ. وهذا كلُّه حكايَةُ معنى رِوايةِ الأثرم عنه (٣). وكلُّهم قال: يصلِّي العصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيَّةٌ. إلَّا ما قال جريرٌ (٤)، عن الثَّوريِّ: أنَّه كان يؤخِّرُ العصرَ. وغيرُه عن الثَّوريِّ كما ذكَرنا.

стр. 2895

وكلُّهم يَستحِبُّ تعجيلَ المغرِبِ، إلَّا أنَّ مالكًا قال: لا بأسَ للمُسافرِ يَمُدُّ الميلَ ونحوَه ثم ينزِلُ فيُصلِّي (١). واستحبَّ العراقيُّون تأخيرَ العِشاء (٢). وقال الشافعيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ: أوَّلُ وقتِها أفضلُ (٣). وقد ذكَرنَا من الآثارِ ما منه قال كلُّ فريقٍ، وبالله التَّوفيق. وقال الأوزاعيُّ: كان عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يُصلِّي الظُّهرَ في السَّاعةِ الثامِنةِ، والعصرَ في السَّاعةِ العاشِرةِ حينَ تدخلُ؛ حدَّثني بذلك عاصمُ بنُ رجاءِ بنِ حيوَةَ، عن أبيه، عنه (٤). قال أبو عُمر: ذكَرنا قولَ عُمرَ هذا، وقد قدَّمنا عنه أنَّه لمَّا حدَّثه عُروةُ، عن بشيرِ بنِ أبي مسعُودٍ، عن أبيه، بالحديثِ المذكورِ في هذا البابِ، لم يزَلْ يرتقِبُ الأوقاتَ، وتكونُ عندَه علاماتٌ للسَّاعات. وحسبُكَ به اجتِهادًا في خِلافتِه، وعن حالِه تلك حكَى رجاءُ بنُ حيوةَ.

стр. 2896

قال أبو عُمر: أشبَعنا القولَ في هذا البابِ؛ لأنَّه رُكنٌ من أركانِ الصلاةِ عظيمٌ، وأصلٌ كبيرٌ، وحديثُ مالكٍ فيه مُستغلِقٌ جدًّا، فبسَطناه، ومهَّدناه بالآثارِ وأقاويلِ العُلماءِ؛ ليكونَ كتابُنا مُغنيًا عمَّا سِواه، كافيًا شافيًا فيما قصدناه. وأمَّا قولُ عُروةَ: ولقد حدَّثتني عائشةُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي العصرَ والشمسُ في حُجرتِها قبلَ أن تظهرَ. فمعناه: قبلَ أن يظهَرَ الظِّلُّ على الجِدارِ، يريدُ: قبلَ أن يرتفعَ ظِلُّ حُجرتِها على جُدُرِها، وكلُّ شيءٍ علا شيئًا فقد ظَهَرَ، قال اللهُ : ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧]، أي: يعلُوا عليه. وقيل: معناه: أن يخرُجَ الظِّلُّ مِن قاعةِ حُجرتِها، وكلُّ شيءٍ خرجَ فقد ظهَرَ، والحُجرةُ: الدَّارُ، وكلُّ ما أحاطَ به حائِطٌ فهو حُجرةٌ، وأصلُ الحُجرة مأخوذٌ من التَّحجيرِ، تقولُ: حجَّرتُ على نفسي. إذا أحَطتَ عليها (١) بحائطٍ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على قِصرِ بُنيانِهم واختصارِهم فيه؛ لأنَّ الحديثَ إنَّما قُصدَ به تَعجيلُ العصرِ، وذلك إنَّما يكونُ مع قصرِ الحيطانِ، وإنَّما أرادَ بذلك عُروةُ ليُعلِمَ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي العصرَ قبلَ الوَقتِ الذي أخَّرها إليه عُمرُ. ذكَرَ الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا حُريثُ بنُ السائِبِ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: كنتُ أدخُلُ بُيُوتَ النبيِّ ﷺ وأنا محتَلِمٌ، وأنالُ سُقُفَها بيَدي (٢). وذلك في خِلافَةِ عُثمانَ ﵁.

стр. 2897

حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حبيبِ بنِ زَبّانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي العَصرَ والشمسُ في حُجرتِها، لم يظهرِ الفيءُ من حُجرتِها (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيان، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يصلِّي العصرَ والشمسُ بيضَاءُ نقيَّةٌ في حُجرتِها (٣)، لم يَظهَرِ الفيءُ بعد. قال أبو عُمر: كلُّ مَن ذكَرَ هذا الحديثَ منَ المُصنِّفينَ إنَّما ذكَرهَ في بابِ تعجيلِ العَصرِ، وقد تقدَّمَ في وقتِ العصرِ وغيرِها ما فيه كِفايةٌ لمَن تدبَّرَ وفَهِمَ. وفيه دليلٌ على قَبُولِ خبَرِ الواحِدِ؛ لأنَّ عُمرَ قَبِلَ قولَ عُروةَ وحدَه فيما خفِي عليه (٤) من أمرِ دينِه. وهذا منَّا على التَّنبيهِ فإنَّ قَبُولَ خبرِ الواحِدِ مُستفيضٌ عندَ الناسِ مُستعمَلٌ، لا على سبيلِ الحُجَّةِ؛ لأنَّا لا نقولُ: إنَّ خبرَ الواحدِ حجَّةٌ في قبولِ خبرِ الواحدِ على مَن أنكَرَه.

стр. 2898

حديثٌ ثانٍ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ الله ﷺ كان يغتسِلُ من إناءٍ، هو الفَرَقُ، من الجَنابةِ. هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ، وتابَعه ابنُ عُيينةَ والليثُ بنُ سعدٍ على إسنادِه ومتنِه، إلا أنهما زادا فيه: وكنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ. وهذا اللفظُ عندَ مالكٍ عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ. وروَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ: معمرٌ وابنُ جُريجٍ، بمثلِ إسنادِ مالكٍ، إلا أنهما قالا: كنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ، هو الفَرَقُ. فأتَيا بلفظِ حديثِ مالكٍ عن هشام بنِ عروةَ، فذكَرا فيه الفَرَقَ، وليس في حديثِ هشام ذكرُ الفَرَق. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، قال: أخبرني عروةُ بنُ الزبيرِ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: كان رسولُ الله ﷺ يغتسلُ في القَدح، وهو الفَرَقُ، وكنتُ أغتسلُ أنا وهو من إناءٍ واحد.

стр. 2899

فأتَى بحديثَي مالكٍ جميعًا عن: ابنِ شهابٍ وهشام، في هذا الإسنادِ، وكذلك روَه الليثُ. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١): أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ يغتسلُ في القدح، وهو الفَرَقُ، وكنتُ أغتسلُ أنا وهو من إناءٍ واحد. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ (٢) معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا معمرٌ وابنُ جُريجٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ، وهو قدرُ الفَرَقِ. ورَواه إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، فخالف جميعَهم في إسنادِه؛ وجعَله عن القاسم، ولم يجعلْه عن عروةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ شهابٍ، عن القاسم بنِ

стр. 2900

محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يغتسِلُ من إناءٍ، هو الفَرَقُ. قالت عائشةُ: وكنتُ أغتسلُ معه في الإناء الواحدِ. قال ابنُ شهابٍ: وأظنُّ الفَرَقَ يومئذٍ خمسةَ أقساطٍ (١). قال أبو عُمر: لا أدري ما أراد ابنُ شهابٍ بالقِسطِ، ولا ما كان مقدارُه عندَهم، وأما العربُ فالقِسطُ عندَها الحصةُ والقدارُ، كذلك قال الخليلُ (٢)، وقال الخليلُ: الفرَقُ مكيالٌ (٣). وقال ابنُ وَهْبٍ: الفرَقُ مكيالٌ من خشبٍ، كان ابنُ شهابٍ يقولُ: إنه يسعُ خمسةَ أقساطٍ بأقساطِ بني أميةَ. وفسَّر محمدُ بنُ عيسى الأعشى (٤) عن ابنِ

стр. 2901

كِنانةَ الفرَقَ أنه ثلاثةُ أصْوع، قال الأعشَى: والثلاثةُ الأصْوعِ خمسةُ أقساطٍ. قال: وفي الخمسةِ أقساطٍ اثنا عشَرَ مُدًّا بمُدِّ النبيِّ ﷺ . وقال ابنُ مَزيَنٍ (١): قال لي عيسى بنُ دينارٍ: قال لي ابنُ القاسم وسفيانُ بنُ عُيينةَ في الفَرَقِ: إنَّه كان يحملُ ثلاثةَ أصْوع. وقال أبو داودَ (٢): سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: الفَرَقُ ستةَ عشَرَ رَطْلًا. وقال موسى الجُهَنيُّ، عن مجاهدٍ، إنه أُتيَ بقدَحٍ حَزَرْتُه ثمانيةَ أرطالٍ، فقال: حدَّثتني عائشةُ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يغتسلُ بمثلِ هذا (٣). وقال الأثرمُ: سمِعتُ أبا عبدِ الله يُسألُ عن الفَرَقِ كم هو؟ قال: ثلاثةُ أصْوع. قال أبو عُمر: قولُ ابنِ شهابٍ، وابنِ عُيينةَ، وابنِ القاسم، والأعشَى، قريبٌ من قريبٍ، في مقدارِ الفَرَقِ، وكذلك قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وأما قولُ مجاهدٍ فبعيدٌ، وقولُ أولئك أولى، واللهُ أعلمُ. ورُوي في "الموطآتِ" (٤): الفَرْقُ والفَرَقُ، بتسكينِ الراء وتخفيفِها وحركتِها، وروايةُ يحيى بالإسكانِ، وتابَعه قومٌ. وأما قولُ عائشةَ: كنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله

стр. 2902

- ﷺ من إناءٍ واحدٍ. فروَاه عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، من حديثِ شعبةَ وغيرِه، عن عبدِ الرحمن (١). وروَاه إبراهيمُ عن الأسودِ، عن عائشةَ (٢). وروَاه هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة (٣)، وقد ذكَرنا الاختلافَ فيه على ابنِ شهابٍ. وفيه من الفقهِ: تركُ التحديدِ فيما يكفِي من الماءِ، وأن فضلَ المرأةِ لا بأسَ بالوضوءِ منه. وسنذكُرُ الاختلافَ في ذلك ووجهَ الصوابِ فيه إن شاء اللهُ عند ذكرِ حديثِ نافع، عن ابنِ عمرَ: إن كان الرجالُ والنساءُ لَيَتوضَّؤونَ جميعًا في زمنِ رسولِ الله ﷺ (٤)؛ لأن حديثَ هشام بنِ عروةَ هذا ليس من روايةِ مالكٍ في "الموطأ"، وإذا توضَّأ الاثنان وأكثرُ من إناءٍ واحدٍ، ففي ذلك دليلٌ على أنه لا تحديدَ ولا توقيفَ فيما يكفي المغتَسِلَ والمتوضّئ من الماءِ، وحسْبُه الإتيانُ بالماءِ على ما يُغسلُ من الأعضاءِ غَسلًا، وعلى ما يُمسحُ مسحًا. وأما حديثُ ابنِ شهابٍ المذكورُ في هذا البابِ، ففيه من الفقهِ: الاقتصارُ على أقلِّ ما يكفِي من الماءِ، وأن الإسرافَ فيه مذمومٌ. وفي ذلك ردٌّ على الإباضيَّةِ (٥) ومَن ذهَب مذهبَهم في الإكثارِ من الماءِ؛ ولهذا ما سيقَ هذا الحديثُ، واللهُ أعلمُ،

стр. 2903

إنكارًا على أولئك الطائفة؛ لأنه مذهبٌ ظهَر في زمانِ التابعين، وسُئِل عنه الصحابةُ، ونُقل في ذلك من الحديثِ ما ترَى. وروَى عبدُ الله بنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ جَبرٍ (١)، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَتوضأُ بمكُّوكٍ (٢)، ويغتسِلُ بخمسِ مكاكِيكَ. وقال الخليلُ: الصَّاعُ: كأسٌ يُشربُ به، والمكوكُ: مكيالٌ (٣). وقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ: تَمارَيْنا في الغُسلِ عندَ جابرٍ، فقال جابرٌ: يكفِي للغُسلِ صاعٌ من ماءٍ. قلنا: ما يكفِي صاعٌ ولا صاعان. فقال جابرٌ: قد كان يكفِي مَن كان خيرًا منكم، وأكثرَ شعَرًا (٤). وقد رُوِي عن النبيِّ ﷺ ، من وجوهٍ، أنه كان يتوضَّأ بالمُدِّ ويغتسلُ بالصَّاعِ. وهي آثارٌ مشهورةٌ مستعملةٌ عندَ قومٍ من الفقهاءِ، وليست أسانيدُها مما يُحتجُّ به. والذي اعتمَد عليه البخاريُّ وأبو داودَ في "بابِ ما يكفي الجُنبَ من الماءِ" حديثُ الفَرَقِ المذكورُ في هذا البابِ. وهذه الآثارُ كلُّها إنما رُوِيت إنكارًا على الإباضيَّةِ، وجُملتُها تدلُّ على أنْ لا توقيفَ فيما يكفي من الماءِ، والدليلُ على ذلك أنهم أجمَعوا أن الماءَ لا يُكالُ

стр. 2904

للوضوءِ ولا للغُسلِ؛ مَن قال منهم بحديثِ المُدِّ والصاعِ، ومَن قال بحديثِ الفَرَقِ، لا يختلِفون أنه لا يُكالُ للوضوءِ ولا للغُسلِ (١)، لا أعلمُ في ذلك خلافًا، ولو كانت الآثارُ في ذلك على التحديد الذي لا يُتجاوَزُ استحبابًا أو وجوبًا ما كَرِهوا الكيلَ، بل كانوا يستحِبُّونه، اقتداءً وتأسيًا برسولِ الله ﷺ ، ولا يَكرَهونه. روَى عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ يقولُ: صاعٌ للغسلِ من غيرِ أن يُكالَ. قال: وأخبرني ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: كم بلَغك أنه يكفي الجُنبَ؟ قال: صاع من ماءٍ، من غيرِ أن يُكالَ. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ (٢)، قال: حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ عطاءٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيِّب ورجلًا (٣) من أهلِ العراقِ يسألُه عما يكفي الإنسانَ في غُسلِ الجَنابةِ، فقال سعيدٌ: إن لي تَورًا يسَعُ مُدَّين من ماءٍ - أو نحوَهما - وأغتسلُ به فيكفِيني، ويفضُلُ منه فَضْلٌ. فقال الرجلُ: والله إني لأستنثِرُ بمُدَّين من ماءٍ. فقال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: فما تأمرُني إن

стр. 2905

كان الشيطانُ يلعبُ بك؟ فقال له الرجلُ: فإن لم يكفني، فإني رجلٌ كما ترَى عظيمٌ. فقال له سعيدٌ: ثلاثةُ أمدادٍ. فقال: إن ثلاثةَ أمدادِ قليلٌ. فقال له سعيدٌ: فصاعٌ. قال عبدُ الرحمن: وقال لي سعيدٌ: إن لي لَرَكْوَةً - أو قدحًا - ما يسَعُ إلا نصفَ المُدِّ ونحوَه، وإني لأتوضأُ به، وربما فضَل منه فضلٌ. قال عبدُ الرحمنِ: فذكَرتُ هذا الحديث الذي سمِعتُ من سعيدِ بنِ المسيِّبِ لسليمانَ بنِ يسارٍ، فقال سليمانُ بنُ يسارٍ: وأنا يكفِيني مثلُ ذلك. قال عبدُ الرحمن: فذكَرتُ ذلك لأبي عُبيدةَ بنِ محمدِ بن عمارِ بنِ ياسرٍ. فقال أبو عُبيدةَ: هكذا سمِعنا عن أصحابِ رسولِ الله ﷺ . قال الأثرم (١): وحدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: كنتُ معَ القاسم بنِ محمدٍ، فدعَا بوَضوءٍ، فأُتيَ بقَدرِ نصفِ مُدٍّ وزيادةِ قليل، فتوضَّأ به. قال (٢): وسألتُ أبا عبدِ الله - يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ -: أيُجزِئُ في الوُضوءِ مُدٌّ؟ قال: نعم، إذا أحسَن أن يتوضأ به. قلتُ: فإن الناسَ في الأسفارِ ربما ضاق عليهم الماءُ، أفيُجزئُ الرجلَ أن يتوضأ بأقلَّ من المدِّ؟ قال: إذا أحسَن أن يتوضأ به فإنه يُجزئُه. ثم قال أبو عبدِ الله: لا يمسَحُ، إنما هو الغَسلُ، كما (٣) قال اللهُ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فإنما هو الغَسلُ، ليس هو المسحَ، فإذا أمكَنه أن يغسِلَ به غسلًا، وإن كان مُدًّا أو أقلَّ أجزأه. قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ العلماءِ من أهلِ الفقهِ والأثرِ بالحجازِ والعراقِ، ولا يُخالِفُ في هذا إلا مُبتدِعٌ ضالٌّ، وبالله التوفيقُ.

стр. 2906

حديثٌ ثالثٌ لابنِ شِهابٍ، عن عُروة مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى في المسجد (٢)، فصلَّى بصلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى من القابلَةَ (٣)، فكثُر الناسُ، ثم اجْتَمَعوا مِن الليلةِ الثالثةِ أو الرابعةِ فلم يَخرجْ إليهم رسولُ الله ﷺ ، فلّمَا أصبحَ قال: "قد رأيْتُ الذي صَنَعْتُم، ولم يمنعْني مِن الخُرُوجِ إليكم إلّا أنِّي خشِيتُ أن تُفْرَضَ عليكم". وذلك في رمَضانَ. هذا حديثٌ صحيح لم يُختلفْ في إسْنادِه ولا في متنِه. وفيه مِن الفقْهِ: الاجتماعُ في النافلةِ، وأنَّ النَّوافلَ إذا اجْتُمِع في شيءٍ منها على سُنَّتِه لم يكنْ لها أذانٌ ولا إقامةٌ؛ لأنَّه لم يُذْكَرِ الأذانُ في ذلك، ولو كان لذُكِرَ ونُقِل، وقد اجتمعَ العلماءُ أنْ لا أذانَ ولا إقامةَ في النافلةِ، فأغنَى عن الكلام في ذلك. وفيه: أنَّ قِيامَ رمضانَ سُنّةٌ مِن سُننِ النبيِّ ﷺ ، مندوبٌ إليها، مرغوبٌ فيها، ولم يَسُنَّ منها عمرُ بنُ الخطَّابِ إذْ أحْياها، إلَّا ما كان رسولُ الله ﷺ يُحِبُّه ويرضاه، ولم يمنعْ مِن المُواظبةِ عليه إلَّا خشيةَ أن يُفرضَ على أُمَّتِه، وكان بالمؤمنينَ رؤوفًا رحيمًا ﷺ ، فلمَّا علِمَ ذلك عُمرُ مِن رسولِ الله ﷺ ، وعَلِم أنَّ

стр. 2907

الفرائضَ لا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها بعدَ موتِه ﵊، أقامَها للناسِ وأحْياها وأمرَ بها، وذلك سنةَ أربعَ عشْرةَ مِن الهجرةِ، وذلك شيءٌ ادَّخرَه اللهُ له، وفضَّلَه به، ولم يُلْهَم إليه أبو بكرٍ، وإن كان أفضلَ مِن عُمرَ، وأشدَّ سبقًا إلى كلِّ خيرٍ بالجملةِ، ولكلِّ واحدٍ منهم فضائلُ خُصَّ بها ليست لصاحبِه، ألا ترَى إلى قولِ رسولِ الله ﷺ : "أرحمُ أُمَّتي بأمَّتي أبو بكرٍ، وأقواهمْ في دينِ الله عُمرُ، وأصْدَقُهم حَياءً عثمانُ، وأقْضاهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأقْرَؤُهم أُبيُّ بنُ كعبٍ" (١). فجعلَ لكلِّ واحدٍ منهم خصلةً أفردَه بها، لم يَلحقْه فيها صاحبُه، وكان عليُّ بنُ أبي طالبٍ يستحسنُ ما فعَل عُمرُ مِن ذلك ويفضِّلُه، ويقولُ: نوَّرَ شهرَ الصوم علينا (٢). وحدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيُّوبَ العلَّافُ وعمرُو بنُ أحمدَ بنِ عمرٍو وأحمدُ بنُ حمَّادٍ زُغْبةُ، قالوا: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ أبي نُعيم القارئُ،

стр. 2908

عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ جَعَل الحقَّ على لِسانِ عُمَرَ وقَلْبِه" (١). ورَواه ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ مثلَه، عن النبيِّ ﷺ (٢). والضحاكُ بنُ عثمانَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣).

стр. 2909

ورَواه أبو ذرٍّ وأبو هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (١). أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا أبو قلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ فرضَ عليكم صيامَ شهرِ (٢) رمضانَ، وسَنَنْتُ لكم قِيامَه، فمَن صامَه وقامَه إيمانًا واحْتِسابًا غُفرَ له ما تَقَدَّم مِن ذنبِه، ومَن قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفرَ له ما تقدَّم مِن ذنبِه". قال أبو الحسنِ عليُّ بنُ عُمرَ الدَّارقطنيُّ: لم يذكرْه إلَّا أبو قلابةَ، عن بشرِ بنِ عُمرَ، وكذلك قولُه: "ومَن قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا" غيرُ محفوظٍ لمالكٍ عن الزهريِّ. قال أبو عُمر: أبو قِلابةَ ثقةٌ، وبشرُ بنُ عُمرَ ثقةٌ، والحديثُ غريبٌ.

стр. 2910

ومما يدلُّ على أنَّ قيامَ رمضانَ سُنَّةٌ مِن سُننِ النبيِّ ﷺ ، ما رَواه عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني مُسلمُ بنُ خالدٍ، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: خرَج رسولُ الله ﷺ وإذا الناسُ في رمضانَ يُصلُّون في ناحيةِ المسجدِ، فقال: "مَن هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناسٌ ليس معهم قُرآنٌ (١)، وأبيُّ بنُ كعبٍ يُصلِّي بهم، وهم يُصلُّون بصلاتِه. فقال النبيُّ ﷺ : "أصابوا، ونِعْمَ ما صنَعوا" (٢). فقد أقرَّهُم رسولُ الله ﷺ على ذلك، وما أقرَّ عليه فقد رضيَه؛ وذلك سُنَّةٌ. وممَّا يُؤيِّدُ ذلك أيضًا قولُ عائشةَ: إنْ كان رسولُ الله ﷺ لَيدعُ العملَ وهو يُحبُّ أنْ يَعملَ به خشيةَ أنْ يَعملَ به الناسُ فيُفرضَ عليهم (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ

стр. 2911

حمَّادٍ. قالا جميعًا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الوليدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: صُمْنَا - يعني رمضانَ - فلم يَقُمْ بنا - يعني النبيَّ ﷺ - شيئًا منَ الشَّهرِ حتى بَقيَ سبعٌ، فقامَ بنا حتى ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ، فلمَّا كانت السادسةُ لم يقُمْ بنا (١)، فلمَّا كانت الخامسةُ قامَ بنا حتى ذهَب شطرُ اللَّيلِ. قال: فقال: "إنَّ الرَّجلَ إذا صلَّى مع الإمامِ حتى يَنْصَرِفَ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ". فلمَّا كانت الرابعةُ لم يقمْ بنا، فلمَّا كانت الثَّالثةُ جمَع أهلَه ونساءَه والناسَ، فقامَ بنا حتى خشِينا أنْ يفوتَنا الفَلاحُ. قال: قلتُ: وما الفَلاحُ؟ قال: "السُّحورُ"، ثم لم يَقمْ بنا بقيَّةَ الشَّهرِ. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ حُباب، قال: أخبرني معاويةُ بنُ صالح، قال: حدَّثني نعيمُ بنُ زيادٍ أبو طلحةَ، قال: سمِعتُ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ على منبرِ حمصَ يقولُ: قُمْنا مع رسولِ الله ﷺ في شهرِ رمضانَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين إلى ثُلثِ اللَّيلِ، ثم قُمْنا معه ليلةَ خمسٍ وعِشْرِين إلى نصفِ اللَّيلِ، ثم قُمْنَا معه ليلةَ سبعٍ وعشرين حتى ظنَنَّا ألَّا نُدركَ الفَلاحَ. وكانوا يُسمُّونَه السُّحُورَ. فهذه الآثارُ في معنَى حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ المذكورِ في هذا البابِ، وفيها تفسيرٌ له وعبارةٌ عن معنَى الليلةِ القابلةِ والليلةِ الثالثةِ والرَّابعةِ المذكوراتِ فيه.

стр. 2912

واختلفَ العلماءُ في عددِ قيامِ رمضانَ؛ فقال مالكٌ: تسعٌ وثلاثونَ بالوترِ؛ سِتٌّ وثلاثونَ، والوترُ ثلاثٌ (١). وزعَم أنَّه الأمرُ القديمُ (٢). وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٣)، وداودُ، ومن اتَّبعهم: عشرون ركعةً سوَى الوترِ، لا يُقامُ بأكثرَ منها استحبابًا. واحتجُّوا بحديثِ السَّائبِ بنِ يزيدَ؛ أنَّهم كانوا يقومونَ في زمنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ بعشرين ركعةً. ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٤)، عن داودَ بنِ قيسٍ وغيرِه، عن محمدِ بنِ يُوسفَ، عن السَّائبِ بنِ يزيدَ: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ جمَع الناسَ في رمضانَ على أُبيِّ بنِ كعبٍ، وعلى تميم الدَّاريِّ، على إحدى وعشرين ركعةً؛ يقرؤون بالمئينَ، ويَنْصَرفُون في فُروعِ الفجرِ. وروى مالكٌ (٥) هذا الحديثَ عن محمدِ بنِ يُوسفَ، عن السَّائبِ بنِ يزيدَ، قال: أمرَ عمرُ بنُ الخطَّابِ أُبيَّ بنَ كعبٍ، وتميمًا الدَّاريَّ أنْ يقومَا للناسِ بإحدى عشْرةَ ركعةً. قال: وكان القارِئُ يقرأُ بالمئينَ، حتى كُنَّا نعتمِدُ على العِصِيِّ مِن طُولِ القيام، وما كُنَّا ننصرفُ إلَّا في فُروعِ الفجرِ.

стр. 2913

هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ: إحدَى عشْرةَ ركعةً. وغيرُه يقولُ فيه: إحدَى وعشرينَ. وقد روَى الحارثُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي ذبابٍ، عن السَّائبِ بنِ يزيدَ، قال: كنّا ننصرفُ من القيام على عهدِ عمرَ وقد دَنَا فُروعُ الفجرِ، وكان القيامُ على عهدِ عُمر بثلاثٍ وعشرين ركعةً (١). وهذا محمولٌ على أنَّ الثَّلاثَ للوترِ. وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢)، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرني عمرانُ بنُ مُوسى أنَّ يزيدَ بنَ خُصيفةَ أخبَرهم عن السَّائبِ بنِ يزيدَ، عن عَمِّه، قال: جمَعَ عُمرُ الناسَ على أُبيِّ بنِ كعب وتميم الدَّاريِّ، فكان أُبيُّ بنُ كعبٍ يُوترُ بثلاثٍ. وعن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسن، قال: كان أُبيُّ بنُ كعبٍ يُوترُ بثلاثٍ، لا يُسلِّمُ إلَّا في الثالثةِ، مثلَ المغربِ (٣). وقد ذكَرْنَا أحكامَ الوترِ في بابِ نافع، وما للعلماءِ فيه من المذاهبِ مُمهَّدًا، والحمدُ لله (٤). وقد روى مالكٌ (٥)، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: كان الناسُ يقومون في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ في رمضانَ بثلاثٍ وعشرين ركعةً. وقد رُوي عن النبيِّ

стр. 2914

- ﷺ أنَّه كان يُصلِّي في رمضانَ عشرينَ ركعةً والوترَ، إلَّا أنَّه حديثٌ يدورُ على أبي شيبةَ إبراهيمَ بنِ عُثمانَ جدِّ بني أبي شيبةَ، وليس بالقويِّ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (١)، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ، عن الحكمِ، عن مِقسمٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُصلِّي في رمضانَ عشرينَ ركعةً والوترَ. وعن عليٍّ ﵁، أَنَّه أمَر رجلًا يُصلِّي بهم في رمضانَ عشرين ركعةً. وهذا أيضًا سوَى الوترِ (٢). واختلفوا أيضًا في الأفضلِ منَ القيامِ مع الناسِ أو الانفرادِ في شهرِ رمضانَ؛ فقال مالكٌ والشَّافعيُّ (٣): صلاةُ المنفردِ في بيتِه في رمضانَ أفضلُ. قال مالكٌ: وكانَ ربيعةُ وغيرُ واحدٍ من علمائِنا ينصرفونَ، ولا يقومونَ مع الناسِ. قال مالكٌ: وأنا أفعلُ ذلك، وما قام رسولُ الله ﷺ إلَّا في بيتِه (٤).

стр. 2915

واحتجَّ الشَّافعيُّ بحديثِ زيدِ بنِ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال في قيامِ رمضانَ: "أيُّها النَّاسُ، صلُّوا في بُيُوتِكم، فإنَّ أفضلَ صلاةِ المرءِ في بيتِه، إلَّا المكتوبةَ". قال الشَّافعيُّ: ولا سيَّما مع رسولِ الله ﷺ في مسجدِه، على ما كان في ذلك كُلِّه من الفضلِ (١). وحديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ هذا حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ الجُمَحيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي النَّضرِ، عن أبيه، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "صلاةُ المرء في بيته أفضلُ منْ صلاتِه في مسجدي هذا، إلَّا المكتوبةَ" (٢). ورَوَينا عن ابنِ عُمرَ، وسالم، والقاسم، وإبراهيمَ، ونافع: أنَّهم كانوا ينصرِفون ولا يقومون مع الناس (٣). وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لو أنَّ الناسَ قاموا في رمضانَ لأنفسِهم ولأهلِيهم كلِّهم حتى يُترَكَ المسجدُ لا يقومُ فيه أحدٌ، لكان ينبغي أن يخرجُوا مِن بُيوتِهم إلى المسجدِ،

стр. 2916

حتى يقوموا فيه؛ لأنَّ قيامَ الناس في شهرِ رمضانَ من الأمرِ الذي لا ينبغي تركُه، وهو ممَّا سَنَّ عُمرُ بنُ الخطَّابِ للمسلمين، وجمَعهم عليه (١). قال اللَّيثُ: فأمَّا إذا كانت الجماعةُ، فلا بأسَ أنْ يقومَ الرَّجلُ لنفْسِه في بيتِه، ولأهلِ بيتِه (٢). وحجَّةُ مَن قال بقولِ اللَّيثِ قولُه ﷺ : "عليكم بسنَّتي، وسنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين المهديِّين بعدِي" (٣). ولا يختلِفون أنَّ عمرَ منهم، ﵃. وقال قومٌ من المتأخِّرين، مِن أصحابِ أبي حنيفةَ، وأصحابِ الشَّافعيِّ؛ فمنْ أصحابِ أبي حنيفةَ: عيسى بنُ أبان، وبكَّارُ بنُ قُتيبةَ، وأحمدُ بنُ أبي عِمرانَ، ومن أصحاب الشافعيِّ: إسماعيلُ بنُ يحيى (٤) المُزَنيُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم (٥)، كلُّهم قالوا: الجماعةُ في المسجدِ في قيام رمضانَ أحبُّ إلينا، وأفضلُ مِن صلاةِ المرءِ في بيتِه. واحتجُّوا بحديثِ أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ الرَّجلَ إذا قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ". وقد ذكرنا هذا الحديثَ فيما تقدَّمَ مِن هذا البابِ (٦)، وإلى هذا ذهَب أحمدُ بنُ حنبل. قال أبو بكرٍ الأثرمُ: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يُصلِّي مع الناسِ التَّراويحَ كلَّها - يعني

стр. 2917

الأشفاعَ إلى آخرِها - ويوترُ معهم (١)، ويحتجُّ بحديثِ أبي ذرٍّ. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: كان جابرٌ، وعليٌّ، وعبدُ الله يُصلُّونها في جماعةٍ (٢). قال الأثرمُ: وحدَّثنا عبدُ الله بنُ رجاءٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي سنانٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: لأنْ أُصلِّيَ مع إمام يقرأُ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية: ١] أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقرَأ مئةَ آيةٍ في صلاتي وحدي (٣). قال أبو عُمر: هذا عندي لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه يحتملُ أنْ يكونَ أرادَ صلاةَ الفريضةِ. قال الأثرمُ: وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن الصَّلاةِ بينَ التَّراويح، فكرِهَها، فذُكِرَ له في ذلك رُخصةٌ عن بعضِ الصحابةِ، فقال: هذا باطلٌ؛ إنَّما فيه رخصةٌ عن الحسنِ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وإبراهيم (٤).

стр. 2918

قال أحمدُ (١): وفيه عن ثلاثةٍ من الصَّحابةِ كراهيةٌ؛ عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، وعُقبةُ بنُ عامرٍ، وأبو الدَّرداء. قال أبو بكرٍ الأثرمُ (٢): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حبابٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يُونسَ، قال: حدَّثنا ثورُ بنُ يزيدَ، عن راشدِ بنِ سعدٍ، أنَّ أبا الدَّرداء أبصَر قومًا يُصلُّون بينَ التَّراويح، فقال: ما هذه الصَّلاةُ؟ أتصلِّي وإمامُكَ قاعدٌ بينَ يدَيكَ؟! ليس مِنَّا مَن رَغِبَ عنا. وقال: مِن قلَّةِ فقْهِ الرَّجلِ أنْ يُرَى أنَّه في المسجدِ وليس في صلاةٍ. وحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ. فذكرَه بإسنادِه، وذكَرَ سائرَ كلام أحمدَ، وكلُّ ما في كتابي هذا عن الأثرم، عن أحمدَ وغيرِه، فبهذا الإسناد.

стр. 2919

وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا مُوسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صُبيح، عن إسماعيلَ بنِ زيادٍ، قال: مرَّ عليٌّ ﵁ على المساجدِ فيها القناديلُ في شهرِ رمضانَ، فقال: نوَّرَ اللهُ على عُمرَ قبرَه، كما نوَّرَ علينا مساجدَنا (١). وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٢): قيامُ رمضانَ واجبٌ على الكفايةِ؛ لأنَّهم قد أجمعوا أنَّه لا يجوزُ للناسِ تعطيلُ المساجدِ عن قيامِ رمضانَ، فمَن فعَله كان أفضلَ ممَّنِ انفردَ، كسائرِ الفروضِ التي هي على الكفايةِ. قال: وكلُّ من اختارَ التَّفرُّدَ فينبغي أن يكونَ ذلك على ألَّا يُقْطَعَ معه القيامُ في المساجدِ، فأمَّا التَّفرُّدُ الذي يُقطعُ معه القيامُ في المساجدِ فلا. قال أبو عُمر: القيامُ في رمضانَ تطوعٌ، وكذلك قيامُ اللَّيلِ كلِّه، وقد خشيَ رسولُ الله ﷺ أن يُفرضَ على أُمَّتِه، فمنْ أوجبَه فرضًا واقعَ (٣) ما خشيَه رسولُ الله ﷺ وكرِهَه وخافه على أُمَّتِه، وإذا صحَّ أنَّه تطوُّعٌ فقد علِمْنا - بالسُنَّةِ الثابتةِ - أنَّ التَّطوُّعَ في البيُوتِ أفضلُ، إلَّا أنَّ قيامَ رمضانَ لا بدَّ أنْ يُقامَ اتِّباعًا لعمرَ، واستدلالًا بسنَّةِ رسولِ الله ﷺ في ذلك، فإذا قامت الصلاةُ في المساجدِ فالأفضلُ عندي حينئذٍ حيثُ تصِحُّ (٤) للمُصَلِّي نيتُه وخشوعُه وإخباتُه وتدبُرُ ما يتلُوه في صلاتِه، فحيثُ كان ذلك مع قيامِ سُنَّةِ عُمَرَ فهو أفضلُ إنْ شاءَ اللهُ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 2920

حديثٌ رابعٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي مِن الليلِ إحدَى عشْرةَ ركعةً، يُوترُ منها بواحدةٍ، فإذا فرَغ منها اضطَجَع على شِقِّه الأيمن. إلى هاهنا انتهَت روايةُ يحيى في هذا الحديث، وتابعَه القَعْنَبيُّ وجماعةُ (٢) الرُّواةِ لـ"الموطأ" (٣). وأمَّا أصحابُ ابنِ شهابٍ، فروَوْا هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه هذا، فجعَلوا الاضطِجاعَ بعدَ ركعتَي الفجرِ لا بعدَ الوترِ، وذكَر بعضُهم فيه عن ابنِ شِهابٍ، أنَّه كان يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتَيْنِ في الإحدَى عَشْرةَ ركعةً، ومنهم مَن لم يذكُرْ ذلك، وكلُّهم ذكَر اضْطِجاعَه بعدَ ركعتَي الفجرِ في هذا الحديثِ.

стр. 2921

وزعَم محمدُ بنُ يحيَى وغيرُه أنَّ ما ذكَروا مِن ذلك هو الصَّوابُ دونَ ما قالَه مالكٌ (١). قال أبو عُمر: لا يدفعُ ما قالَه مالكٌ مِن ذلك لحفظِه وإتقانِه وثبوتِه في ابنِ شِهابٍ وعِلْمِه بحديتِه (٢)، وقد وجدْنا معنَى ما جاء به مالكٌ في هذا الحديث

стр. 2922

مَنْصوصًا (١) حديثِه عن مخرمةَ بن سليمانَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ حينَ باتَ عندَ ميمونةَ خالتِه، قال: فقامَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتَين. الحديثَ (٢). قال: ثم أوترَ، ثم اضطجعَ حتى أتاه المؤذِّنُ فصلَّى ركعتينِ (٣). ففي هذا الحديثِ أنَّ اضطجاعَه ﷺ كان بعدَ الوترِ وقبلَ ركعتي الفجرِ، على ما ذكَر مالكٌ في حديثِه عن ابنِ شهابٍ هذا. فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ ما قاله مالكٌ في حديثِ ابنِ شهابٍ وإن لم يُتابِعْه عليه أحدٌ مِن أصحابِ ابنِ شِهابٍ (٤). وقال محمدُ بنُ يحيَى الذُّهْليُّ في حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي مِن اللَّيلِ إحدَى عَشْرَةَ ركعةً، فإذا انفجرَ الصُّبحُ صلَّى
следующие страницы →