← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2918–2957 · переход к 2923.

стр. 2918

قال أحمدُ (١): وفيه عن ثلاثةٍ من الصَّحابةِ كراهيةٌ؛ عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، وعُقبةُ بنُ عامرٍ، وأبو الدَّرداء. قال أبو بكرٍ الأثرمُ (٢): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حبابٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يُونسَ، قال: حدَّثنا ثورُ بنُ يزيدَ، عن راشدِ بنِ سعدٍ، أنَّ أبا الدَّرداء أبصَر قومًا يُصلُّون بينَ التَّراويح، فقال: ما هذه الصَّلاةُ؟ أتصلِّي وإمامُكَ قاعدٌ بينَ يدَيكَ؟! ليس مِنَّا مَن رَغِبَ عنا. وقال: مِن قلَّةِ فقْهِ الرَّجلِ أنْ يُرَى أنَّه في المسجدِ وليس في صلاةٍ. وحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ. فذكرَه بإسنادِه، وذكَرَ سائرَ كلام أحمدَ، وكلُّ ما في كتابي هذا عن الأثرم، عن أحمدَ وغيرِه، فبهذا الإسناد.

стр. 2919

وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا مُوسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صُبيح، عن إسماعيلَ بنِ زيادٍ، قال: مرَّ عليٌّ ﵁ على المساجدِ فيها القناديلُ في شهرِ رمضانَ، فقال: نوَّرَ اللهُ على عُمرَ قبرَه، كما نوَّرَ علينا مساجدَنا (١). وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٢): قيامُ رمضانَ واجبٌ على الكفايةِ؛ لأنَّهم قد أجمعوا أنَّه لا يجوزُ للناسِ تعطيلُ المساجدِ عن قيامِ رمضانَ، فمَن فعَله كان أفضلَ ممَّنِ انفردَ، كسائرِ الفروضِ التي هي على الكفايةِ. قال: وكلُّ من اختارَ التَّفرُّدَ فينبغي أن يكونَ ذلك على ألَّا يُقْطَعَ معه القيامُ في المساجدِ، فأمَّا التَّفرُّدُ الذي يُقطعُ معه القيامُ في المساجدِ فلا. قال أبو عُمر: القيامُ في رمضانَ تطوعٌ، وكذلك قيامُ اللَّيلِ كلِّه، وقد خشيَ رسولُ الله ﷺ أن يُفرضَ على أُمَّتِه، فمنْ أوجبَه فرضًا واقعَ (٣) ما خشيَه رسولُ الله ﷺ وكرِهَه وخافه على أُمَّتِه، وإذا صحَّ أنَّه تطوُّعٌ فقد علِمْنا - بالسُنَّةِ الثابتةِ - أنَّ التَّطوُّعَ في البيُوتِ أفضلُ، إلَّا أنَّ قيامَ رمضانَ لا بدَّ أنْ يُقامَ اتِّباعًا لعمرَ، واستدلالًا بسنَّةِ رسولِ الله ﷺ في ذلك، فإذا قامت الصلاةُ في المساجدِ فالأفضلُ عندي حينئذٍ حيثُ تصِحُّ (٤) للمُصَلِّي نيتُه وخشوعُه وإخباتُه وتدبُرُ ما يتلُوه في صلاتِه، فحيثُ كان ذلك مع قيامِ سُنَّةِ عُمَرَ فهو أفضلُ إنْ شاءَ اللهُ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 2920

حديثٌ رابعٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي مِن الليلِ إحدَى عشْرةَ ركعةً، يُوترُ منها بواحدةٍ، فإذا فرَغ منها اضطَجَع على شِقِّه الأيمن. إلى هاهنا انتهَت روايةُ يحيى في هذا الحديث، وتابعَه القَعْنَبيُّ وجماعةُ (٢) الرُّواةِ لـ"الموطأ" (٣). وأمَّا أصحابُ ابنِ شهابٍ، فروَوْا هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه هذا، فجعَلوا الاضطِجاعَ بعدَ ركعتَي الفجرِ لا بعدَ الوترِ، وذكَر بعضُهم فيه عن ابنِ شِهابٍ، أنَّه كان يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتَيْنِ في الإحدَى عَشْرةَ ركعةً، ومنهم مَن لم يذكُرْ ذلك، وكلُّهم ذكَر اضْطِجاعَه بعدَ ركعتَي الفجرِ في هذا الحديثِ.

стр. 2921

وزعَم محمدُ بنُ يحيَى وغيرُه أنَّ ما ذكَروا مِن ذلك هو الصَّوابُ دونَ ما قالَه مالكٌ (١). قال أبو عُمر: لا يدفعُ ما قالَه مالكٌ مِن ذلك لحفظِه وإتقانِه وثبوتِه في ابنِ شِهابٍ وعِلْمِه بحديتِه (٢)، وقد وجدْنا معنَى ما جاء به مالكٌ في هذا الحديث

стр. 2922

مَنْصوصًا (١) حديثِه عن مخرمةَ بن سليمانَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ حينَ باتَ عندَ ميمونةَ خالتِه، قال: فقامَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتَين. الحديثَ (٢). قال: ثم أوترَ، ثم اضطجعَ حتى أتاه المؤذِّنُ فصلَّى ركعتينِ (٣). ففي هذا الحديثِ أنَّ اضطجاعَه ﷺ كان بعدَ الوترِ وقبلَ ركعتي الفجرِ، على ما ذكَر مالكٌ في حديثِه عن ابنِ شهابٍ هذا. فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ ما قاله مالكٌ في حديثِ ابنِ شهابٍ وإن لم يُتابِعْه عليه أحدٌ مِن أصحابِ ابنِ شِهابٍ (٤). وقال محمدُ بنُ يحيَى الذُّهْليُّ في حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي مِن اللَّيلِ إحدَى عَشْرَةَ ركعةً، فإذا انفجرَ الصُّبحُ صلَّى

стр. 2923

ركْعَتَين خَفِيفتَين. قال: هكذا روَاه معمرٌ (١)، وعُقَيلٌ (٢)، وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٣)، لم يقولوا في حديثِهم (٤): يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتيْن. ولا ذكروا: يُوترُ بواحدةٍ. قال: وذكَر فيه يُونسُ الأيليُّ وابنُ أبي ذئبٍ والأوزاعيُّ: يُسلِّمُ مِن كلِّ اثنتيْن ويوترُ بواحِدَةٍ. وذكَر فيه مالكٌ: يُوترُ بواحدةٍ. ولم يقُلْ: يسلِّمُ مِن كُلَّ ركعتَيْن. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ دُحَيمٌ ونَصرُ بنُ عاصم الأنطاكيُّ، قالا: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ وابنُ أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يصلِّي فيما بينَ أن يفرُغَ مِن صلاةِ العشاءِ إلى أن ينصدعَ الفجرُ، إحدى عشْرةَ ركعةً؛ يسلِّمُ مِن كلِّ اثنتَيْن، ويوترُ بواحدةٍ، ويمكُثُ في سُجودِه بقَدرِ ما يقرأُ أحدُكم خمسينَ آيةً قبلَ أن يَرفعَ رأسَه، فإذا سكَت المؤذِّنُ بالأوَّلِ مِن صلاةِ الفجرِ قام فركَع ركعتَينِ خَفيفتَينِ، ثم اضطجعَ على شِقِّهِ الأيمنِ حتى يأتيَه المؤذِّنُ.

стр. 2924

وذكَر ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئِه" (١)، عن عَمْرِو بنِ الحارثِ ويونسَ بنِ يزيدَ وابن أبي ذئبٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، مثلَه. وأخبرنا عبدُ الوارثِ (٢)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرَني عروةُ بنُ الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي إحدَى عشرةَ ركعةً فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صلاةِ العشاءِ إلى الفجرِ، بالليلِ، سوَى ركعَتَي الفجرِ، ويسجدُ قَدْرَ ما يقرأُ أحَدُكم خمسينَ آيةً قبلَ أن يرفَعَ رأسَه، فإذا سكَتَ المؤذِّنُ الأوَّلُ مِن صَلاةِ الفجرِ قام فركَع ركعتيْنِ خفيفتَينِ، ثم اضطجعَ على شقِّهِ الأيمنِ حتى يأتيَه المؤذِّنُ (٣). وفي هذا الحديثِ مِن الفقْهِ: أنَّ قيامَ الليل سُنَّةٌ مسنونةٌ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ فعلَه، وواظَب عليه، ولفظُ الحديثِ يدلُّ على مُداومتِه على ذلك ﷺ ، وذلك معروفٌ محفوظٌ يُغني عن الإكثارِ فيه. وقد كان ﵊ يقومُ حتى تَرِمَ قَدَماه، فقيل له: أليس قد غفَر اللهُ لك ما تقَدَّم مِن ذنبِك وما تأخَّرَ؟ قال: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا" (٤).

стр. 2925

والوترُ سنَّةٌ وهو مِن صلاةِ الليلِ؛ لأنَّه بها سُمِّي وترًا، وإنَّما هو وترٌ لها. وقد أوجبَه بعضُ أهلِ الفِقهِ فرضًا وفي قولِ رسولِ الله ﷺ للأعرابيِّ، أنَّه ليسَ عليه غيرُ الخَمسِ إلَّا أن يطَّوَّعَ (١). ما يردُّ قولَه، وسنبيِّنُ ذلك بحُجَّتِه في موضعِه مِن كتابِنا إن شاء اللهُ. وأوجَب بعضُ التابعينَ قيامَ الليلِ فرضًا، ولو كقَدرِ حَلْبِ شاةٍ (٢). وهو قولٌ شاذٌّ متروكٌ؛ لإجماع العلماءِ على أنَّ قيامَ الليلِ منسوخٌ عن الناسِ بقولِ الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. والفرائضُ لا تثبُتُ إلَّا بتقديرٍ وتحصيلٍ، وللكلام في ذلك موضعٌ غيرُ هذا. وأمَّا الإحدَى عشْرةَ ركعةً المذكورةُ في هذا الحديثِ، فمحملُها عندَنا أنَّها كانت مثنَى مثنَى حاشَى ركعةَ الوترِ، بدليلِ قولِ رسولِ الله ﷺ في حديثِ ابنِ عمرَ: "صلاةُ الليلِ مثنَى مثنَى" (٣). وأنَّ ذلك قد ذكره في هذا الحديثِ جماعةٌ

стр. 2926

مِن أصحابِ ابنِ شهابٍ؛ منهم: الأوزاعيُّ، وابنُ أبي ذئبِ، وعمرُو بنُ الحارثِ، ويونسُ بنُ يزيدَ. وهذا موضعٌ فيه اختلافٌ بينَ أهلِ الَعلمِ؛ لاختلافِ الآثارِ في ذلك، وسنذكرُ ما قالوه فيه في بابِ نافع مِن هذا الكتابِ، ويأتي منه ذكرٌ في بابِ سعيدٍ (١) بنِ أبي سعيدٍ إن شاء اللهُ. وقد ذهَب قومٌ إلى أنَّ المصلِّيَ بالليلِ إذا ركَع ركعَتَي الفجرِ كان عليه أن يضطَجعَ، على ما جاء في هذا الحديثِ، وزعَموا أنَّ الاضطِجاعَ سنَّةٌ (٢) في هذا الموضِع، واحتجُّوا بحديثِ ابنِ شهابِ هذا عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا ركَع ركعَتَي الفجرِ اضَطَجَعَ على شِقِّهِ الأيمنِ. هكذا قال كُلُّ مَن روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، إلَّا مالكَ بنَ أنسٍ فإنَّه جعَل الاضْطِجاعَ في هذا الحديثِ بعدَ الوترِ، واحتجَّ أيضًا مَن ذهَب إلى الاضْطِجاعِ بعدَ ركعَتَي الفجرِ، مع ما ذكرنا (٣)، بحديثِ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم ركعتَينِ قبلَ الصُّبحِ فلْيَضطَجعْ على يمينِه"، الحديثَ. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، فذكَره بإسنادِه سواءً (٤).

стр. 2927

وأبى جماعةٌ مِن أهلِ العلم ذلك وقالوا: ليس الاضْطِجاعُ سُنةً، وإنَّما كان ذلك راحةً لطُولِ قيامِه. واحتجُّوا بحديثِ أبي سلمةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا صلَّى ركعَتَي الفجرِ؛ فإن كنتُ نائمةً اضطَجَعَ، وإن كنتُ مُستيقِظةً حدَّثني (١). وفي لفظِ بعضِ الناقلين لهذا الحديثِ إن كنتُ مُستيقظةً حدَّثني وإلَّا اضطجع (٢). وقد قال ابنُ القاسم، ورَواه عن مالكٍ أيضًا: لا بأسَ بالضِّجعةِ بينَ ركعَتَي الفجرِ وصلاةِ الصبح، إن لم يُردْ بها أن يفصلَ بينَهما (٣). وقال الأثرمُ: سَمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن الاضطجاع بعدَ ركعَتَي الفجرِ، فقال: ما أفعلُه أنا، فإن فعلَه رجلٌ. ثم سكَت كأنَّه لم يَعِبْه إن فعلَه. قيلَ له:

стр. 2928

لِمَ لَمْ تأخذْ به؟ فقال: ليس فيه حديثٌ يثبُتُ (١). قلتُ له: حديثُ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ؟ قال: روَاه بعضُهم مُرسلًا. وذكَر أبو بكرٍ الأثرمُ مِن وجوهٍ عن ابنِ عمرَ أنَّه أنكَره، وقال: إنَّها بدعةٌ (٢). وعن إبراهيمَ، وأبي عبيدةَ، وجابرِ بنِ زيدٍ، أنَّهم أنكروا ذلك (٣). وفي هذا الحديثِ أيضًا مِن الفقهِ، في غيرِ روايةِ مالكٍ مما روَاه أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه، على ما ذكرناه في هذا البابِ، من اتِّخاذُ مؤذِّنٍ راتبٍ للأذانِ. وفيه إشعارُ المؤذِّنِ للإمامِ بدخولِ الوقتِ وإعلامُه بذلك. وفي ذلك ما يدلُّ على أنَّ على المؤذِّنينَ ارتقابَ الأوقَاتِ. وقد احتجَّ بعضُ مَن لا يُجيزُ الأذانَ للصبحِ قبلَ الفجرِ بحديثِ ابنِ شِهابٍ هذا، مِن روايةِ عُقَيلٍ وغيرِه؛ لأنَّ فيه: فإذا سكت المؤذِّنُ الأوَّلُ من صلاةِ الفجرِ قام فرَكَع ركعتَين خَفِيفَتيْن (٤). قالوا: فهذا يدلُّ على أنَّ الأذانَ لصلاةِ الفجرِ إنَّما كان بعدَ الفجرِ، في حينِ يجوزُ فيه ركوعُ ركعتَي الفجرِ؛ لقولِه: المؤذِّنُ الأوَّلُ. وهذا التأويلُ قد عارَضه نصُّ قولِه ﷺ : "إنَّ بلالًا يُنادي بليلٍ". وسيأتي القولُ فيه في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن سالم (٥) إن شاءَ اللهُ.

стр. 2929

وفيه أنَّ ركعَتَي الفجرِ خفِيفَتان. وفيه دليلٌ على أنَّ رسولَ الله ﷺ كان لا يتركُ ركعَتَي الفجرِ، وأنَّه كان يُواظبُ عليهما، كما يُواظبُ على الوترِ. واختلَف العلماءُ في الأوكدِ منهما؛ فقالت طائفةٌ: الوتْرُ أوكدُ وكلاهما سُنَّةٌ. ومِن أصحابِنَا مَن يقولُ: رَكْعتا الفجر (١) ليستا بسُنَّةٍ، وهما مِن الرَّغائبِ، والوَترُ سنةٌ مؤكَّدةٌ. وقال آخَرُون: ركعتَا الفجرِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ كالوترِ. وقال آخَرُون: هما أوكدُ مِن الوترِ؛ لأنَّ الوترَ ليس بسُنَّةٍ إلَّا على أهلِ القرآنِ. ولكلِّ واحدٍ مِن هذه الطَّوائفِ حُجَّةٌ مِن جهةِ الأثرِ، سنذكرُها في أوْلَى المواضعِ بها مِن كتابِنا هذا إن شاء اللهُ. ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ركعَتا الفجرِ أحبُّ إليَّ مِن الدنيا وما فيها" (٢). وفاتتا عبدَ الله بنَ أبي ربيعةَ فأعتقَ رقبةً (٣). واحتجَّ بعضُ مَن ذهَب إلى أنَّ ركعَتَي الفجرِ أوكدُ مِن الوترِ بأنَّ رسولَ الله ﷺ قضَاهما حين نام عن الصَّلاة في سَفَرِه، كما قضى الفريضةَ، وأنّ الوِتْرَ لا يُقضى بعدَ صلاةِ الصُّبح، ولا يُقضَى شيءٌ من السُّنَنِ والنّوافِلِ غيرَها، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 2930

حديثٌ خامسٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا اشتَكَى يَقْرأ على نَفْسِه بالمُعوِّذات، وينفُثُ، قالت: فلمّا اشتدَّ وجعُهُ كنتُ أنا أقرأ عليه وأمسَحُ عليه بيمينه؛ رجاءَ بركتِها. هكذا في روايتنا ليحيى "وأمْسَحُ عليه"، وتابَعَه قُتيبَةُ (٢). وغيرُهما يقول (٣) تقولُ فيه: "وأمْسَحُ عنه" (٤). وفيه: إثباتُ الرَّقْي، والرَّدُّ على مَن أنكَره من أهلِ الإسلام. وفيه: الرَّقْيُ بالقرآنِ، وفي معناه كلُّ ذكرٍ لله جائِزٌ الرُّقيَةُ به. وفيه: إباحَةُ النَّفْثِ في الرُّقَى، والتَّبرُّك به. والنَّفْثُ شِبْهُ البَصْقِ، ولا يُلقِي النَّافِثُ شيئًا من البُصَاقِ، وقيل: كما يَنفُثُ آكِلُ الزَّبيب. وفيه: المسحُ باليَدِ عندَ الرُّقْيَةِ، وفي معناه المسحُ باليَدِ على كلِّ ما تُرْجَى بَركتُه وشِفاؤُه وخيرُه، مِثلُ المسحِ على رأسِ اليَتيم وشِبْهِه.

стр. 2931

وفيه: التَّبرُّكُ بأيمانِ الصَّالحينَ، قِياسًا على ما صنَعتْ عائشةُ بيَدِ النبيِّ ﷺ . وفيه: التَّبرُّكُ باليُمْنَى دُونَ الشِّمالِ، وتَفْضِيلُها عليها، وفي ذلك معنَى الفَأْل. وأمَّا اختلافُ الألفاظِ في هذا الحديثِ عن مالك: فحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِمٍ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسينُ بنُ أحمدَ بنِ محمدٍ القُطْرُبُليُّ بمكةَ، قال: حدَّثنا إدرِيسُ بنُ عبدِ الكريم أبو الحسنِ الحَدَّادُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حاتمٍ أبو جَعفرٍ الطويلُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا اشتكى قرَأ على نَفْسه بالمعوِّذات وتَفَل. أو قال: نَفَث. وحدَّثنا خلفٌ (١)، قال: حدَّثنا أبو القاسِم عبدُ الوهَّابِ بنُ محمدِ بنِ الحجَّاج النَّصِيبيُّ، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنُ موسى بنِ هارونَ الأنْماطِيُّ بمكةَ، وأبو الحسنِ عليُّ بنُ الحسنِ (٢) بنِ عَلّانَ، وأبو يوسفَ يعقوبُ بنُ مسدَّدِ بنِ يعقوبَ، وأبو الحسنِ عليُّ بنُ فارِسِ بنِ طَرْخَان، وثَوَابةُ بنُ أحمدَ بنِ ثَوَابةَ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المثنَّى، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ حاتِم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، فذكَر الحديثَ.

стр. 2932

وحَدَّثَنَا خَلَفٌ (١)، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الخَضِرِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٢). وحَدَّثَنَا خَلفٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جَعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُبيدِ الله التُّستَرِيُّ، قالا: أخبرنا عليُّ بنُ خَشْرَم، قال: أخبرنا عيسى بنُ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشْتَكى قرَأ على نفسِه بـ: "المعوِّذاتِ"، ويَنفُث. وحَدَّثَنَا خَلَف" (٣)، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ ابراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ (٤) الصَّائِغُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عمرَ (٥) بنِ أبي الوزيرِ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يرقي نَفْسَه بـ: "المعَوِّذتينِ"، ويَنفُث. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عمرَ (٦)، قال: أخبرنا مالِكٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ شِهَابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: لما اشْتكَى رسولُ الله ﷺ شَكاتَه (٧) التي تُوفِّي فيها، كان يقرَأُ على نفسِه بـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾،

стр. 2933

و: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ويَمسَحُ بيَدِه على جَسَدِه، فلمَّا اشْتَّدَّ وجَعُه كنتُ أقرأُ عليه بهما، وأمسَحُ عليه بيَدِهِ رجاءَ بركةِ يَدِه (١). وحَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالِدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيْسٍ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ مَرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو صالح الحرَّانيُّ عبدُ الغَفَّارِ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا مالِكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا اشْتكَى قرَأ على نفسِه بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و: "المعَوِّذتَين". فزاد عيسى بنُ يُونُسَ ذكرَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك معنَى روايةِ يحيى بـ: "المعوِّذاتِ" (٢)، واللّهُ أعلم. وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسِم وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبَغَ (٣)، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سلَّام، قال (٤):

стр. 2934

حَدَّثَنَا ابنُ مهدي، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا مَرِض يقرأُ على نفسِه بـ: "المُعوِّذات"، ويَنفُث. وروَاه وكيعٌ عن مالكٍ فاختَصَره، وكان كثيرًا ما يختَصِرُ الأحاديثَ؛ حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصِر، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَنفُثُ في الرُّقية. وحَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسِم وعبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قالا: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ الخضِرِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٣). وحَدَّثَنَا خَلَفٌ، قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ القاسِم بنِ يُوسُفَ الميَانجيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ السَّرَّاجُ، قالا: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ راهُويَة، قال: حَدَّثَنَا وكيعُ بنُ الجرَّاح، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان ينفُثُ في الرُّقية. وكذلك (٤) رَواه زيدُ بنُ أبي الزَّرقَاء، عن مالكٍ بإسنادِه هذا، بلفظِ وكِيع سواءً، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَنفُثُ في الرُّقْيَة.

стр. 2935

ذكره النسائيُّ، عن عيسى، عن زَيدٍ؛ حَدَّثَنَاه خَلَفٌ وعبدُ الرَّحمن، عن الحسنِ بنِ الخَضرِ، عنه. وأمَّا (١) روايةُ ابنِ بُكير، والقَعنَبيِّ (٢)، وقُتيبةَ (٣)، والتِّنيسيِّ (٤)، وابنِ القاسِم (٥)، وأبي المصعَبِ (٦)، وسائرِ رُواةِ "الموطأ" (٧)، فألفاظُهم في هذا الحديثِ مثلُ لفظِ يحيى سواءً إلى آخِرِه. قال أبو عُمر: أجاز أكثرُ العلماءِ النَّفْثَ عندَ الرَّقْي؛ أخْذًا بهذا الحديثِ وما كان مثلَه، وكرِهَته طائِفَةٌ، منهم الأسودُ بنُ يزيدَ؛ روَاه جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، أنَّه كان يكرَه النَّفثَ، ولا يرَى بالنَّفْخ بَأسًا. وروَى الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: إذا دعوتَ بما في القرآنِ فلا تنفُثْ. وهذا شيءٌ لا يجبُ الالتِفَاتُ إليه، إلَّا أنَّ مَن جَهِل الحديثَ ولم يسمَعْ، وسبَقَ إليه من الأُصُولِ ما نزَعَ به، فلا حرَجَ عليه، ولكنَّه لا يُلتفَتُ مع السُّنةِ إليه، وأظُنُّ الشُّبهةَ التي لها كَرِه النَّفْثَ مَن كَرِهه، ظاهِرَ قولِ الله : ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. وهذا نَفْثُ سِحْرٍ، والسِّحرُ باطِلٌ مُحَرَّمٌ. وما جاءَ عن رسولِ الله ﷺ ففيه الخيرُ والبَركةُ، وباللّه التوفيق.

стр. 2936

حديثٌ سادسٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: ما سَبَّحَ رسولُ الله ﷺ سُبْحةَ الضُّحَى قطُّ، وإنِّي لأسبِّحُها، وإن كانَ رسولُ الله ﷺ ليدَعُ العَمَلَ وهو يُحبُّ أن يعملَ به، خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ به الناسُ فيُفرضَ عليهم. أمَّا قولُها: سبَّحَ سُبحةَ الضُّحَى. فمعنَاه: صلَّى صلاةَ الضُّحَى. قال اللهُ : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]. قال المُفسِّرُون: مِن المصلِّينَ. إلَّا أنَّ أهلَ العلم لا يُوقعونَ اسمَ سُبحةٍ إلَّا على النافلةِ دُونَ الفريضةِ؛ لقولِه ﷺ : "واجعَلُوا صَلاتَكم معَهم سُبحةً" (٢)، أي: نافلة. وفي هذا الحديثِ مِن الفقْهِ: معرفةُ رأفةِ رسولِ الله ﷺ بأمَّتِه ورحمتِه بهم، صلواتُ الله عليه وسلامُه، كما قال اللهُ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وأما قولُ عائشةَ: ما سبَّحَ رسولُ الله ﷺ سُبحةَ الضُّحَى قطُّ. فهو مما قلتُ لك، أنَّ مِن علم السُّننِ كثيرًا يُوجدُ عندَ بعضِ أهلِ العلم دونَ بعضٍ. فليس أحدٌ مِن الصحابةِ إلَّا وقد فاتَه مِن الحديثِ ما أحصَاه غيرُه، والإحاطةُ مُمتنعة،

стр. 2937

وهذا ما لا يجهلُه إلَّا مَن لا عنايةَ له بالعلم، وإنَّما حصلَ المتأخِّرونَ على علم ذلك مُذْ صار العلمُ في الكتبِ، لكنَّهم بذلك دخلَتْ عليهم الدواخلُ في حفظِهم، فليسوا في الحفظِ كالمتقدِّمينَ وإن كان قد حصلَ في كُتبِ المُقِلِّ منهم علمُ جماعةٍ مِن العلماءِ، واللّهُ يُنوِّرُ بالعلم قلبَ مَن يشاءُ. وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ آثارٌ كثيرةٌ حسانٌ في صلاةِ الضُّحَى؛ منها: حديث أُمِّ هانئ وغيرِها. فحديثُ أُمِّ هانئ مِن روايةِ مالكٍ سيأتي في موضعِه مِن كتابِنا هذا إن شاء اللهُ (١). وأمَّا غيرُ روايةِ مالكٍ، في حديث أُمِّ هانيء، وغيرُ إسنادِه، فقَرأتُ على سعيدِ بنِ نصرٍ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ شاكرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ طَهمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن أُمِّ هانئ بنتِ أبي طالبٍ، أنَّها قالت: قَدِم رسولُ الله ﷺ في الفتح، فتح مكَّةَ، فنزلَ بأعلَى مكَّةَ، فصلَّى ثمانيَ رَكَعاتٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، ما هذه الصلاةُ؟ قال: "صَلاةُ الضُّحَى" (٢). ألا ترى أنَّ أُمَّ هانئ قد علِمت من صلاةِ الضُّحى ما خفِيَ على (٣) عائشةَ،

стр. 2938

وأينَ أُمُّ هانئ في الفقْهِ والعلم مِن عائشةَ؟ وبالأغلبِ مِن الأمورِ يُقضَي، وعليه المدارُ، وهو الأصلُ. وقد روَى إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالح، عن أُمِّ هانئ قالت: لما كان يومُ الفتح اغتسلَ رسولُ الله ﷺ ، وصلَّى ثمانيَ ركعاتٍ، فلم يَره أحدٌ صلَّاهُنَّ بعدُ (١). فهذه أُمُّ هانئ لَمْ تعلمْ أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّاهُنَّ بعدُ. وروَى شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن ابنِ أبي ليلَي، قال: ما خبَّرنا أحدٌ أنَّه رأى رسولَ الله ﷺ ، صلَّى صلاةَ الضُّحَى غيرَ أُمِّ هانئ؛ فإنَّها ذكرَتْ أنَّ رسولَ الله ﷺ يومَ فتح مكّةَ اغتسلَ في بيتِها، وصلَّى ثَمانيَ ركعاتٍ، فلمْ يرَهُ أحدٌ صلَّاهُنَّ بعدُ (٢). وابنُ أبي ليلَى مِن كبار التَّابعين (٣). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُضرُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ حفصٍ الحرَّانيُّ، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ أعيَنَ، عن إسحاقَ بنِ راشدٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارثِ، عن أبيه قال: سمعتُه يقولُ: سألتُ وحرصْتُ على أحدٍ يُحدِّثُني أنَّه رأى رسولَ

стр. 2939

الله ﷺ يُصلِّي (١) الضُّحَى، فلم أجدْ غيرَ أُمِّ هانئ بنتِ أبي طالبٍ، حدَّثتني أنَّ رسولَ الله ﷺ دخلَ عليها يومَ فتح مكَّةَ، فأمَرَ بماءٍ فوُضِعَ له، فاغْتَسَل ثم صلَّى في بيتِها ثمانيَ ركَعاتِ، تقولُ أُمُّ هانئ: لا أدري، أقيامُه أطولُ أم رُكوعُه؟ ولا أدري، أركوعُه أطولُ أم سُجودُه؟ غيرَ أنَّ ذلك مقاربٌ يُشبِهُ بعضُه بعضًا (٢). وروَى سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عبدِ الكريم أبي أُميَّةَ ويزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ، قال: سألتُ عن صلاةِ الضُّحَى في إمارَةِ عثمانَ (٣) وأصحابُ رسولِ الله ﷺ مُتوافرونَ، فلم أجدْ أحدًا أثبتَ لي صلاةَ رسولِ الله ﷺ الضُّحَى إلَّا أمَّ هانئ. فذكَر الحديثَ. قال عبدُ الله بنُ الحارثِ: فحَدَّثْتُ به ابنَ عباسٍ فقال: إنْ كنتُ لأمرُّ على هذه الآيةِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]. فهذه صلاةُ الإشراق (٤).

стр. 2940

قولُ ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ: عن أبيه. هو الصوابُ، لا ما قال عبدُ الكريم ويزيدُ بنُ أبي زيادٍ (١)، واللّهُ أعلمُ. فهذه الآثارُ كلُّها حُجَّةٌ لعائشةَ في قولها: ما سبَّحَ رسولُ الله ﷺ سُبحةَ الضُّحَى قطُّ؛ لأنَّ كثيرًا مِن الصحابةِ قد شَرِكَها في أنَّها لَمْ تَعْلَمْ (٢) ذلك. وممَّا يُؤيِّدُ ذلك أيضًا حديثُ جابرِ بنِ سمرةَ، قال سماكُ بنُ حربٍ: قلتُ لجابرِ بنِ سمرةَ: أكُنْتَ تُجالسُ رسولَ الله ﷺ ؟ قال: نعمْ، كثيرًا، فكانَ لا يقومُ مِن مُصلَّاه الذي صلَّى فيه الغداةَ حتى تطلُعَ الشمسُ، فإذا طلعَتْ قام. وهذا حديثٌ صحيحٌ، روَاه الثوريُّ وغيرُه جماعةٌ، عن سماكٍ (٣). وأمَّا الآثارُ المرويَّةُ في صلاةِ الضُّحَي، فحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ (٤). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسم،

стр. 2941

قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّاد، قالا: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن واصل، عن يحيى بن عُقيل، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُصبحُ ابنُ آدَمَ وعلى كُلِّ سُلامَى منه صدقةٌ؛ فإماطتُه الأذَى عنِ الطَّريقِ صدقةٌ، وتَسْلِيمُه على مَن لقيَ صدقةٌ، وأمْرُه بالمعروفِ صدقة، ونَهْيُه عن المُنكَرِ صَدَقَةً؟ ومُجامعَتُه أهلَه صدقةٌ". قالوا: يا رسولَ الله، أحدُنا يضعُ شهوتَه فتكونُ له صدقةً؟ قال: "أرأيْتُم لو وضعَها في غيرِ حلٍّ، ألم يكنْ يأْثَمُ؟ " قال:"ورَكْعَتا الضُّحَى تُجزئان من ذلك كُلِّه". قال أبو داودَ (١): وحَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ بقيَّة (٢)، قال: حَدَّثَنَا خالدٌ، عن واصلٍ، عن يحيى بنِ عُقيلٍ، عن يحيَى بنِ يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ، قال: بينَما نحن عندَ أبي ذرٍّ. فذكرَ نحوَه، وفيه ذكرُ الصلاةِ، والصوم، والحجِّ، والتَّسبيح، والتَّكبير، والتَّحميدِ؛ كُلُّ ذلك صدقةٌ. وقال: فعدَّ رسولُ الله ﷺ مِن هذه الأعمالِ الصَّالحةِ، ثم قال: "يُجزئُ أحدَكم مِن ذلك رَكْعَتا الضُّحَى". وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرتيُّ، قال: حَدَّثَنَا عاصمُ بنُ عليٍّ. وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ،

стр. 2942

قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١): أخبرنا عليُّ بنُ حُجرٍ، قالا: أخبرنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني محمدُ بنُ أبي حرملةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: أوصاني حبيبي (٢) بثلاثٍ لا أدَعُهُنَّ إن شاء اللهُ أبدًا؛ أوصاني بصلاةِ الضُّحَي، وبالوترِ قبلَ النَّوم، وبصيام ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهر. وقد روَى أبو الدَّرداءِ عن النبيِّ ﷺ مثلَه: حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إبراهيمَ القرشيُّ بدِمَشْقَ، قال: حَدَّثَنَا أبو النَّضرِ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يزيدَ القرشيُّ (٣)، قال: حدَّثثا خالدُ بنُ يزيدَ بنِ صالح بنِ صبيح، عن العلاءِ، عن مكحولٍ، عن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَا عُويمرُ، لا تَبِتْ إلَّا على وترٍ، وصلِّ ركعتي الضُّحَى مُقيمًا أو مُسافرًا، وصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ من كُلِّ شهرٍ، تستكملِ الزَّمانَ كُلَّه - أو قال: الدَّهرَ كُلَّه" (٤).

стр. 2943

وروَى أبو هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ مثلَه: حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: حَدَّثَنَا بكَّارُ بنُ محمدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ عونٍ، عن محمدٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: أمرني رسولُ الله ﷺ أنْ أصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهرٍ، وأَلَّا أنامَ إلَّا على وترٍ، وبركعتي الضُّحَى (١).

стр. 2944

ورُوِيَ هذا عن أبي هُريرةَ مِن وُجُوهٍ. فهذا أبو ذرٍّ، وأبو الدَّرداءِ، وأبو هُريرةَ، قد رووْا عن النبيِّ ﷺ أنَّه أوصاهُم بركعتي الضُّحَى، أو صلاةِ الضُّحَى. ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عطاءٌ، أنَّ أبا هُريرةَ، قال: ثلاثٌ لا أدعُهُنَّ حتى أَلقَى أبا القاسم ﷺ ، أن أبِيتَ على وترٍ، وأنْ أصومَ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وصلاةُ الضُّحَى. قال (٢): وأخبرنا عُمرُ بنُ ذرٍّ، قال: سمِعتُ مُجاهدًا يقولُ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي الضُّحَى ركعتَين، وأربعًا، وستًّا، وثمانيًا. وهذا حديثٌ مُرسلٌ. وكان سعيدُ بنُ جبيرٍ ومجاهدٌ يُصلِّيانِ الضُّحَى ويرغِّبانِ فيها (٣). وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن يحيى بن أيُّوبَ، عن زبَّانَ بنِ فائدٍ، عن سهلِ بنِ مُعاذِ بنِ أَنَسٍ الجُهنيِّ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ يه قال: "منْ قعَدَ في مُصلَّاه

стр. 2945

حينَ ينصرفُ من الصُّبحِ حتَّى يُسبِّحَ ركعتي الضُّحَى، لا يقولُ إلَّا خيرًا، غُفرَ لَه خطايَاهُ، وإنْ كانَتْ أكثرَ منْ زَبَدِ البَحْرِ" (١). وهذا الإسنادُ عندَهم ليِّنٌ ضعيفٌ، إلَّا أنَّ الفضائلَ يروُونَها عن كُلِّ مَن روَاها ولا يردُّونَها. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٢): حَدَّثَنَا داودُ بنُ رُشَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، عن كثيرِ بنِ مُرَّةَ، عن نُعيم بنِ همَّارٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "يا ابنَ آدمَ، لا تُعجِزْني من أربع ركَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ أكفِكَ آخرَهُ".

стр. 2946

فهؤلاءِ كلُّهم قد عرفوا من صلاةِ الضُّحَى ما لَمْ يعلمْه (١) غيرُهم. وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عُثمانَ وسعيدُ بنُ خُمَيْر (٢)، قالا: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حَدَّثَنَا عُثمانَ بنُ عُمرَ، قال: حَدَّثَنَا يُونسُ، عن الزُّهريِّ، عن محمودِ بنِ الرَّبيع، عن عِتبانَ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى في بيتِه سُبحةَ الضُّحَى، فقاموا وراءَه فصلَّوا (٣). وهذا حديثٌ إنَّما حدَّثَ به عُثمانُ بنُ عُمَر بنِ فارسٍ أو يُونسُ بنُ يزيدَ، على المعنَي، بتأويلٍ تأوَّلَه، وإنَّما الحديثُ على حسبِ ما روَاه مالكٌ وغيرُه، عن ابنِ شهابٍ، على ما مضَى في هذا الكتابِ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن محمودِ بنِ الرَّبيع (٤). والدَّليلُ على أنَّه لا يُعرفُ في هذا الحديثِ ذكرُ صلاةِ الضُّحَى، إنكارُ ابنِ شهابٍ لصلاةِ الضُّحَى، فقد كانَ الزُّهريُّ يُفتي بحديثِ عائشةَ هذا. ويقولُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يُصلِّ الضُّحَى قطُّ. قال: وإنَّما كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ

стр. 2947

يُصلُّونَها بالهواجرِ. أو قال: بالهجيرِ (١). ولم يكنْ عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ، وعبدُ الله بنُ مسعودٍ، وعبدُ الله بنُ عُمرَ، يُصلُّونَ الضُّحَى ولا يعرفونَها (٢). وروَى القاسمُ بنُ عوفٍ الشَّيبانيُّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "صلاةُ الأوَّابينَ إذا رمِضَتِ الفِصَالُ" (٣). وروى بكرٌ (٤) الأعنقُ، عن ثابِتٍ، عن أَنَسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال له: "يَا أنسُ، وصلِّ صلاةَ الضُّحَى؛ فإنَّها صلاةُ الأوَّابينَ" (٥). والأوَّلُ أثبَتُ. روَاه مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثَنَا هشامٌ الدَّستُوائيُّ، قال: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ عوفٍ (٦). وقال طاووسٌ: أوَّلُ مَن صلَّاها الأعرابُ (٧).

стр. 2948

وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، عن ابنِ عُيينةَ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: ما صلَّيْتُ الضُّحَى منذُ أسلمْتُ. وروَى معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: لقد قُتِلَ عُثمانُ وما أحدٌ يُسبِّحُها، وما أحدثَ الناسُ شيئًا أحبَّ إليَّ منها (٢). وهذا نحوُ قولِ عائشةَ: إني لأُسبِّحُها (٣). وقولِها: لو نُشرَ لي أبوايَ ما تركتُها. أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ (٤) بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن ابنِ (٥) المنكدرِ، عن ابنِ (٦) رُميثَةَ، عن أُمِّه، قالت: دخلْتُ على عائشةَ فصلَّتْ ثمانيَ ركَعاتٍ مِن الضُّحَى، فسألتها أُمِّي: أخْبرِيني عن رسولِ الله ﷺ في هذه الصلاةِ بشيءٍ. قالت: ما أنا بمخبرتكِ عن رسولِ الله ﷺ في فيها بشيءٍ، ولكنْ لو نُشرَ لي أبي على أنَّ أدَعَهُنَّ ما تركتُهُنَّ. وقد رُويَ عن عائشةَ في صلاةِ الضُّحَى حديثٌ مُنكرٌ، روَاه معمرٌ، عن قتادةَ، عن مُعاذةَ العدويَّةِ، عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي صلاةَ

стр. 2949

الضُّحَى أربعَ ركعاتٍ، ويزيدُ ما شاء (١). وهذا عندي غيرُ صحيحٍ، وهو مردودٌ بحديثِ ابنِ شهابٍ المذكورِ في هذا الباب.

стр. 2950

حديثٌ سابعٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ في أمرَينِ قَطُّ إلَّا أخَذ أيسرَهُما ما لَمْ يكنْ إثْمًا، فإن كان إثْمًا، كان أبعدَ الناس منه، وما انتقَم رسولُ الله ﷺ لنفسِه قَطّ (٢)، إلَّا أن تُنتهَكَ حُرمةٌ للّه، فينتقِمَ للّه بها. في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ المرءَ ينبغِي له تركُ ما عَسُرَ عليه مِن أمورِ الدنيا والآخرةِ، وتركُ الإلحاح فيه إذا لَمْ يُضطرَّ إليه، والميلُ إلى اليُسرِ أبدًا، فإنَّ اليُسرَ في الأُمورِ كلِّها أحبُّ إلى الله وإلى رسولِه، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفي معنَى هذا الحديثِ: الأخذُ برُخَصِ الله تعالى، ورُخَصِ رسولِه ﷺ ، والأخذُ برُخَصِ العلماءِ ما لَمْ يكنِ القولُ خطأ بيِّنًا، وقد تقَدَّمَ مِن القولِ في هذا المعنَى في بابِ الفِطْرِ في السَّفرِ في حديثِ حُميدٍ الطويلِ (٣)، وفي بابِ القُبلةِ للصائمِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من كتابِنا هذا ما فيه كفايةٌ (٤).

стр. 2951

رَوَيْنا عن محمدِ بنِ يحيى بنِ سَلَّامٍ، عن أبيه، قال: ينبغِي للعالم أن يحمِلَ الناسَ على الرُّخصةِ والسَّعَةِ، ما لَمْ يَخفِ المأثَمَ. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ ربِّه وأحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قالا: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن معمرٍ، قال: إنَّما العلمُ أن تسمَعَ بالرُّخصةِ مِن ثِقَةٍ، فأمَّا التَّشديدُ فيُحسِنُه كلُّ أحدٍ (١). وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ للعالمِ (٢) أن يتجافَى عن الانتقامِ لنَفسِه ويَعفوَ ويأخُذَ بالفضلِ، إن أحَبَّ أن يتَأسَّى بنبيِّه ﷺ ، وإن لَمْ يُطِقْ كُلًّا فبعضًا، وكذلك السلطانُ، قال اللهُ لنبِيِّه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. قال المفسِّرون: كان خُلقُه ما قال اللهُ تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وعلى العالِم أن يغضَبَ عندَ المُنكرِ ويغيِّره، إذا لَمْ يكنْ لنفسِه. وفي معنَى هذا الحديثِ: ألَّا يَقضِيَ الإنسانُ لنفسِه ولا يحكُمَ لها، ولا لمَن في ولايَتِه. وهذا ما لا خِلافَ فيه، واللّهُ أعلم. وهذا الحديثُ ممَّا روَاه منصورُ بنُ المعتمِرِ، عن ابنِ شهابٍ: أخبرني عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ بَحْرٍ، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ،

стр. 2952

قال: حَدَّثَنَا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن محمدِ بنِ شهابٍ الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ مُنتصِرًا مِن ظُلامَةٍ ظُلِمَها قَطُّ، إلَّا أن يُنتَهكَ شيءٌ مِن مَحارمِ الله، فإذا انتُهِكَ مِن مَحارم الله شيءٌ، كان أشَدَّهُم في ذلك، وما خُيِّر بينَ أمرَينِ قَطُّ إلَّا اختار أيسرَهُما (١). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحميديُّ، قال (٢): حَدَّثَنَا الفُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورِ بنِ المعتمِرِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ مُنتصِرًا (٣) مِن مَظلِمةٍ قَطُّ، ما لَمْ تُنْتَهكْ مِن مَحارمِ الله شيءٌ، فإذا انتُهِكَ مِن مَحارمِ الله شيءٌ، كان أشدَّهم في ذلكَ غضبًا، وما خُيِّر بينَ أمرَينِ إلَّا اختارَ أيسرَهما، ما لَمْ يكنْ إثمًا. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحوصِ محمدُ بنُ الهيثم، قال: حَدَّثَنَا دُحَيمٌ الدِّمشقيُّ، قال: حَدَّثَنَا مُؤمَّلٌ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن منصورٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما رأيتُ

стр. 2953

رسولَ الله ﷺ يَنتصِرُ لنفسِه مِن مَظلِمةٍ ظُلِمَها، إلَّا أن تُنتَهكَ محارمُ الله فيكونَ للّه يَنتَصرُ، وما خُيِّر بينَ أمرَين إلَّا اختارَ أيسرَهما ما لَمْ يكنْ إثمًا. وأمَّا روايةُ ابنِ إسحاقَ، فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُضَرُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ أحمدَ بنِ أبي شُعيبٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سلَمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بينَ أمرَينِ قَطُّ إلَّا اختار أيسرَهما ما لَمْ يكنْ حرامًا، فإن كان حرامًا، كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقَم رسولُ الله ﷺ لنفسِه مِن شيءٍ يُصابُ منه، إلَّا أن تُصَابَ حُرمةُ الله فيَنتقِمَ للّه.

стр. 2954

حديثٌ ثامنٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، أنَّها قالت: إنَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ حين تُوفي رسولُ الله ﷺ أردْنَ أن يَبْعثنَ عثمانَ بنَ عفَّان إلى أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵄، فيسألنَه ميراثَهُنَّ مِن النبيِّ ﷺ ، فقالت لهنَّ عائشةُ: أليسَ قد قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ"؟ هكذا روَى هذا الحديثَ مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ . لَمْ يجعَلْه عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، عن النبيِّ ﷺ . وكلُّ أصحابِ مالكٍ روَوه عنه كذلك (٢)، إلَّا إسحاقَ بنَ محمدٍ الفَرْويَّ، فإنَّه قال فيه: عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ، عن النبيِّ ﷺ (٣).

стр. 2955

والصَّوابُ عن مالكٍ ما في "الموطَّأ": عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ . وقد تابَعَه على ذلك يونُسُ بنُ يزيدَ، فجعَلَه أيضًا عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ، كرواية مالكٍ سواءً، إلَّا أنَّ في روايَةِ مالكٍ: أرَدْنَ أن يَبْعَثْنَ. وفي روايةِ يُونسَ، قالت: أرسَل إلى أبي بكرٍ الصديقِ أزواجُ النبيِّ ﷺ يسألنَه ميراثَهُنَّ ما أفاء اللهُ على رسولِه. قالت عائشةُ: حتى كنتُ أنا التي أرُدُّهنَّ عن ذلك، فقلتُ لهنَّ: ألا تتَّقينَ اللهَ؟ ألم تَسمَعْنَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ محمدٍ في هذا المالِ"؟ هذا لفظُ حديثِ يُونُسَ؛ روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: أرسَلَ. وساقَ الحديثَ (١). وروَاه معمرٌ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ، وعُقَيلٌ، وأُسامةُ بنُ زيدٍ، كلُّهم عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ الصَّدِّيقِ، عن النبيِّ ﷺ . والحديث لأبي بكْرٍ عن النبيِّ ﷺ صحيحٌ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّي، قال: حدَّثنا صَفْوانُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا أسامَةُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ" (٢).

стр. 2956

وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفَضْلِ بنِ العباسِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (١). وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُمَيرٍ وأبو أُسامةَ، عن عُبيْدِ الله بنِ عُمرَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله يقولُ: "لا نُورَثُ، ما تَركْنا صدَقَةٌ" (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ تَمِيم، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا سحنُونٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقيْلِ بنِ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا المطَّلِبُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: أخبرني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزبيرِ، عن عائشةَ، أنَّها أخبرَتْه، أنَّ فاطمةَ أرسَلَتْ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تسألُه ميراثَها مِن رسولِ الله ﷺ ، ممَّا أفاء اللهُ عليه بالمدينَةِ وفدَكَ، وخُمُسِ خيْبرَ، فقال أبو بكرٍ لها:

стр. 2957

إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ محمدٍ في هذا المالِ". وإنِّي واللّه لا أُغيِّرُ شيئًا مِن صدقةِ رسولِ الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في حياةِ رسولِ الله ﷺ ، ولأعْمَلنَّ فيها بما عَمِل به رسولُ الله ﷺ (١). ففي روايَةِ عُقَيْل هذه أنَّ فاطِمةَ أرسَلَتْ إلى أبي بكرٍ تَسْألُه مِيراثَها، وفي روايةِ مالِكٍ ويونسَ (٢) أنَّ أزْواجَ النبيِّ ﷺ فَعَلْنَ ذلك، والقَلْبُ إلى روايَةِ مالكٍ أمْيَلُ؛ لأنَّه أثْبَتُ في الزهريِّ، وقد تابَعَه يونسُ، وإن كان عُقَيلٌ قد جوَّدَ هذا الحديث. وسُؤالُ فاطمةَ أبا بكرٍ ذلك مَشهُورٌ معْلُومٌ مِن غيرِ هذا الحديثِ، وغيرُ نكيرٍ أنْ يكنَّ كلُّهُنَّ يسْألنَ ذلك، ولم يكنْ عنْدَهُنَّ عِلْمٌ مِن قولِ رسولِ الله ﷺ ذلك، فلمَّا أعلمَهُنَّ أبو بكر سكتْنَ وسلَّمْنَ، وهذا ممَّا أخبَرتُكَ أنَّ هذا مِن عِلْمِ الخاصَّةِ، لا يُنكَرُ جَهْلُ مثلِه مِن أخبارِ الآحَادِ على أحَدٍ، ألا تَرى أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ لَمْ يَعْلَم (٣) مِن هذا البابِ ما عَلِمَه حمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغةِ - رجلٌ مِن
следующие страницы →