← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2953–2992 · переход к 2958.

стр. 2953

رسولَ الله ﷺ يَنتصِرُ لنفسِه مِن مَظلِمةٍ ظُلِمَها، إلَّا أن تُنتَهكَ محارمُ الله فيكونَ للّه يَنتَصرُ، وما خُيِّر بينَ أمرَين إلَّا اختارَ أيسرَهما ما لَمْ يكنْ إثمًا. وأمَّا روايةُ ابنِ إسحاقَ، فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُضَرُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ أحمدَ بنِ أبي شُعيبٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سلَمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بينَ أمرَينِ قَطُّ إلَّا اختار أيسرَهما ما لَمْ يكنْ حرامًا، فإن كان حرامًا، كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقَم رسولُ الله ﷺ لنفسِه مِن شيءٍ يُصابُ منه، إلَّا أن تُصَابَ حُرمةُ الله فيَنتقِمَ للّه.

стр. 2954

حديثٌ ثامنٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، أنَّها قالت: إنَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ حين تُوفي رسولُ الله ﷺ أردْنَ أن يَبْعثنَ عثمانَ بنَ عفَّان إلى أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵄، فيسألنَه ميراثَهُنَّ مِن النبيِّ ﷺ ، فقالت لهنَّ عائشةُ: أليسَ قد قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ"؟ هكذا روَى هذا الحديثَ مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ . لَمْ يجعَلْه عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، عن النبيِّ ﷺ . وكلُّ أصحابِ مالكٍ روَوه عنه كذلك (٢)، إلَّا إسحاقَ بنَ محمدٍ الفَرْويَّ، فإنَّه قال فيه: عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ، عن النبيِّ ﷺ (٣).

стр. 2955

والصَّوابُ عن مالكٍ ما في "الموطَّأ": عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ . وقد تابَعَه على ذلك يونُسُ بنُ يزيدَ، فجعَلَه أيضًا عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ، كرواية مالكٍ سواءً، إلَّا أنَّ في روايَةِ مالكٍ: أرَدْنَ أن يَبْعَثْنَ. وفي روايةِ يُونسَ، قالت: أرسَل إلى أبي بكرٍ الصديقِ أزواجُ النبيِّ ﷺ يسألنَه ميراثَهُنَّ ما أفاء اللهُ على رسولِه. قالت عائشةُ: حتى كنتُ أنا التي أرُدُّهنَّ عن ذلك، فقلتُ لهنَّ: ألا تتَّقينَ اللهَ؟ ألم تَسمَعْنَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ محمدٍ في هذا المالِ"؟ هذا لفظُ حديثِ يُونُسَ؛ روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: أرسَلَ. وساقَ الحديثَ (١). وروَاه معمرٌ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ، وعُقَيلٌ، وأُسامةُ بنُ زيدٍ، كلُّهم عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ الصَّدِّيقِ، عن النبيِّ ﷺ . والحديث لأبي بكْرٍ عن النبيِّ ﷺ صحيحٌ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّي، قال: حدَّثنا صَفْوانُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا أسامَةُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ" (٢).

стр. 2956

وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفَضْلِ بنِ العباسِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (١). وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُمَيرٍ وأبو أُسامةَ، عن عُبيْدِ الله بنِ عُمرَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله يقولُ: "لا نُورَثُ، ما تَركْنا صدَقَةٌ" (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ تَمِيم، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا سحنُونٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقيْلِ بنِ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا المطَّلِبُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: أخبرني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزبيرِ، عن عائشةَ، أنَّها أخبرَتْه، أنَّ فاطمةَ أرسَلَتْ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تسألُه ميراثَها مِن رسولِ الله ﷺ ، ممَّا أفاء اللهُ عليه بالمدينَةِ وفدَكَ، وخُمُسِ خيْبرَ، فقال أبو بكرٍ لها:

стр. 2957

إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ محمدٍ في هذا المالِ". وإنِّي واللّه لا أُغيِّرُ شيئًا مِن صدقةِ رسولِ الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في حياةِ رسولِ الله ﷺ ، ولأعْمَلنَّ فيها بما عَمِل به رسولُ الله ﷺ (١). ففي روايَةِ عُقَيْل هذه أنَّ فاطِمةَ أرسَلَتْ إلى أبي بكرٍ تَسْألُه مِيراثَها، وفي روايةِ مالِكٍ ويونسَ (٢) أنَّ أزْواجَ النبيِّ ﷺ فَعَلْنَ ذلك، والقَلْبُ إلى روايَةِ مالكٍ أمْيَلُ؛ لأنَّه أثْبَتُ في الزهريِّ، وقد تابَعَه يونسُ، وإن كان عُقَيلٌ قد جوَّدَ هذا الحديث. وسُؤالُ فاطمةَ أبا بكرٍ ذلك مَشهُورٌ معْلُومٌ مِن غيرِ هذا الحديثِ، وغيرُ نكيرٍ أنْ يكنَّ كلُّهُنَّ يسْألنَ ذلك، ولم يكنْ عنْدَهُنَّ عِلْمٌ مِن قولِ رسولِ الله ﷺ ذلك، فلمَّا أعلمَهُنَّ أبو بكر سكتْنَ وسلَّمْنَ، وهذا ممَّا أخبَرتُكَ أنَّ هذا مِن عِلْمِ الخاصَّةِ، لا يُنكَرُ جَهْلُ مثلِه مِن أخبارِ الآحَادِ على أحَدٍ، ألا تَرى أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ لَمْ يَعْلَم (٣) مِن هذا البابِ ما عَلِمَه حمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغةِ - رجلٌ مِن

стр. 2958

الأعرابِ مِن هُذَيْلٍ - في ديَةِ الجنينِ؟ ولم يَعْلَم (١) مِن ذلك أيضًا ما عَلِمَه الضَّحَّاكُ بنُ سفيانَ الكلابيُّ في ميراثِ المرأةِ مِن ديَةِ زَوْجِها (٢)؟ ولم يَعْلَم (٣) مِن ذلك أيضًا ما عَلِمَه أبو موسى الأشْعَريُّ في الاستِئْذانِ (٤)؟ ومَوْضِعُ عمرَ مِن العِلْمِ الموضِعُ الذي لا يجهَلُه أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: لو أنَّ عِلْمَ أهْلِ الأرضِ جُعِلَ في كِفَّةٍ، وجُعِل عِلْمُ عمرَ في كِفَّةٍ، لرَجَح عِلْمُ عمرَ (٥). فإذا جاز مثلُ هذا على عمرَ، فغيرُ نكيرٍ أن يخفى (٦) على أزواجِ النبيِّ ﷺ وابنتِهِ ﵅ ما عَلِمَه أبو بكرٍ ﵁ مِن قولِه ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكْنَا صدقة". وقد عَلِمه جماعَةٌ مِن أصحابِهِ، وذلك موجودٌ في حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَان، وسنذكُرُه إن شاء اللهُ تعالى بعدُ في هذا الباب (٧). وقد خَفِيَ على أبي بكرٍ وعُمرَ ما عَلِم المغيرَةُ ومحمدُ بنُ مسلَمَة مِن توْرِيثِ الجَدَّةِ (٨)، وخَفِيَ على ابنِ مسعودٍ (٩) ما عَلِم مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشْجعِيُّ مِن صَداقِ المُتوفَّى

стр. 2959

عنها التي لَمْ يُدْخَلْ بها ولم يُسَمَّ لها (١)، وقد خَفِيَ على الأنصار وعلى أبي موسى (٢) حديثُ التقاءِ الختَانَيْن، وعَلِمَتْه عائشةُ (٣)، وخَفِيَ على ابنِ عمرَ (٤) حديثُ القُنُوتِ وعَلِمه أبو هريرةَ وغيرُه (٥)، ومثلُ هذا كثيرٌ عن الصحابَةِ يطُولُ ذكرُه، مِثْلُهُ حديثُ: "لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدقَةٌ"، غيرُ نكيرٍ أنْ يَخْفَى عليهن وأن يَخْفَى أيضًا عن عليٍّ (٦) والعبَّاسِ حتى عَلِموه على لسانِ مَن حَفِظَه. وفي هذا الحديث: قبُولُ خبَرِ الواحِدِ العَدْلِ؛ لأنَّهم لَمْ يرُدُّوا على أبي بكرٍ قولَه، ولا ردَّ أزواجُ النبيِّ ﷺ على عائشةَ قولَها ذلك، وحكايتَها لهُنَّ عن رسولِ الله ﷺ ، بل قَبِلوا ذلك وسلَّمُوا. وفي هذا الحديثِ عندَ مالكٍ إسنادٌ آخَرُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسٍ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق. وليس في "الموطَأ" بهذا الإسناد، وهو مأخُوذٌ مِن حديثه الطويل.

стр. 2960

حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو محمدٍ بكرُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله الخلَّالُ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داودَ بنِ سُفيانَ المكِّي، قال: حَدَّثَنَا عمْرُو بنُ مرزُوق، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدثَانِ، عن عمرَ بن الخطَّابِ، قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (١). هكذا حَدَّثَنَاه. وقد حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسِم أيضًا، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله القاضِي، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ حَفْصٍ القَطرانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ مرْزُوق، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أزْوَاجَ النبيِّ ﷺ حينَ تُوفي أرَدْنَ أنْ يَبْعثنَ عثمانَ إلى أبي بكرٍ يسألْنَه مِيراثَهُنَّ مِن رسولِ الله ﷺ ، فقالت لهُنَّ عائشةُ: أليس قد قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما تَركْنا صدقةٌ"؟ وحَدَّثَنَا خَلَفٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَر، وعبدُ الله بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ بنِ معمر، وأبو بكرٍ محمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، قالوا: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجَّاج، قال: حدَّثنا الهيثَمُ بنُ حَبِيبِ بنِ غَزْوانَ، قال: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَان، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ يقولُ: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّا لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صَدَقةٌ" (٢). ولم يذْكُرِ ابنُ مَعْمَرٍ أبا بكرٍ الصدِّيقَ، وجعَلَ الحديثَ لعمرَ عن النبيِّ ﷺ . وكذلك روَاه بِشْرُ بنُ عمرَ، عن مالكٍ وبِشْرُ بنُ عمرَ ثقةٌ.

стр. 2961

حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حَدَّثَنَا أبو عيسى عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ سُليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّى. وحَدَّثَنَا خَلَفٌ، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بنُ أحمدَ النَّحويُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ الكوفيُّ، قال: حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ سِنَانٍ أبو خالدٍ، قالا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ الزَّهرانيُّ، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكْنَا صَدَقَة" (١). وقد حَدَّثَنَا خلفٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بنِ زكريَّا بنِ حيُّوية، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جعفَرِ بنِ أعيَنَ سنةَ إحدَى وتسعين (٢) ومئتين، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، حَدَّثَنَا بِشرُ بنُ عمرَ بنِ الحكَم، حَدَّثَنَا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: لما تُوفِّي رسولُ الله ﷺ قال أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسولِ الله ﷺ ، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (٣). قال ابنُ أعْيَن: هذا الحديثُ كتَبتُه سنةَ ستٍّ وعشرينَ ومئتَينِ.

стр. 2962

وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ووَهْبُ بنُ محمدِ بنِ محمودٍ أبو الحَزْم (١)، قالا: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهيْرِ بنِ حرْبٍ، قال (٢): حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسماءَ بنِ عُبيْدٍ أبو عبدِ الرحمنِ، ابنُ أخي جُويريَةَ بنِ أسماءَ، قال: حدَّثني جُويريَةُ، عن مالكِ بنِ أَنَسٍ، عن الزُّهريِّ، أنَّ مالكَ بنَ أوْس بنِ الحدَثَانِ حدَّثَه، عن عمرَ بنِ الخطابِ، عن أبي بكرٍ الصديق، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدَقَةٌ". وهذا هو الصَّوابُ إن شاء اللهُ عن عمرَ، عن أبي بكرٍ، وإن كان معمَرٌ قد رَواه عن الزهريِّ، فجعَلَه عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ (٣). كما قال فيه بعضُ أصحابِ مالِكٍ، عن مالِكٍ. والصَّحيحُ فيه عندي: عن عُمرَ، عن أبي بكرٍ، واللّهُ أعلمُ. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ عندَهما وعندَ غيرِهما مِن الصحابةِ عن النبيِّ ﷺ ، لكنْ مِن جِهَةِ الإسنادِ هو ما ذكرْتُ لك، واللّهُ أعلمُ. أخبرني قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا مالِكُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بنُ حميْدٍ الرُّؤاسيُّ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ الأعْمَشُ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، عن عُمَيرٍ مَوْلى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اخْتَصم

стр. 2963

عليٌّ والعباسُ إلى أبي بكرٍ في ميراثِ النبيِّ ﷺ ، فقال أبو بكرٍ: ما كُنْتُ لأُحوِّلَه عن مَوْضِعه الذي وضَعه فيه رسولُ الله ﷺ (١). وهذا الحديثُ مُختصَرٌ، وتمَامُه كما ذكَرَ الطحاويُّ، قال (٢): حَدَّثَنَا أبو بَكْرَة بكَّارُ بنُ قُتيْبةَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عوانَةَ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رجَاءٍ، عن عُمَيرٍ موْلى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قُبِض رسولُ الله ﷺ واستُخْلِفَ أبو بكرٍ، خاصَمَ العبَّاسُ عليًّا إلى أبي بكرٍ في أشياءَ ترَكَها رسولُ الله ﷺ ، فقال أبو بكرٍ: شيءٌ ترَكَه رسولُ الله ﷺ لَمْ يُحرِّكه لا أُحرِّكُه. فلمَّا استُخلِف عمرُ اختَصَما إليه، فقال عمرُ: شيءٌ ترَكَه أبو بكْرٍ، إنِّي لأكرَهُ أن أُحرِّكَه. فلمَّا وَلِيَ عُثْمانُ اخْتَصَما إليه. قال: فسَكَت عثمانُ ونكَس رأْسَه، قال ابنُ عباس: فخَشِيتُ أن يأْخُذَه، فضَرَبْتُ بيدَيَّ على مَنكبَي العباسِ، وقلتُ: يا أبتَاه، أقْسَمْتُ عليك لما سَلَّمْتَ لعليٍّ. قال: فسَلَّمَه لعَليٍّ. فإن قال قائلٌ: لو سلَّمَت فاطمةُ وعليٌّ والعباسُ ذلك لقولِ أبي بكرٍ، ما أتى عليٌّ والعباسُ في ذلك عمرَ بنَ الخطابِ في خلافتِه يَسْألانِه ذلك، وقد عَلِمْتَ

стр. 2964

أنَّهما أتَيا عمرَ يَسْألانِه ذلك، ثم أتَيا عثمانَ بعدُ، وذلك معلومٌ. قيل له: أمَّا تَشَاجُرُ عليٍّ والعباسِ، وإقبالُهما إلى عمرَ، فمشْهُورٌ، لكنَّهما لَمْ يَسْألا ذلك ميراثًا، إنَّما سألا ذلك مِن عمرَ ليكونَ بأيدِيهما منه ما كان بيَدِ رسولِ الله ﷺ أيَّامٍ حياتِه، ليَعْمَلا في ذلك بالذي كان رسولُ الله ﷺ يَعْمَلُ به في حياتِه، وكان رسولُ الله ﷺ يأْخُذُ منه قُوتَ عيالِه (١)، ثم يجعَلُ ما فَضَل في الكُراعِ (٢) والسَّلاح عُدَّةً في سبيلِ الله، وكذلك صنَعَ أبو بكرٍ ﵁، فأرادا عمرَ على ذلك؛ لأنَّه موضِعٌ يسُوغُ فيه الاختِلافُ. وأمَّا الميراثُ والتمليكُ، فلا يقولُه أحَدٌ إلَّا الرَّوافِضُ، وأمَّا علماءُ المسلمين، فعلى قَوْلَين: أحدُهما، وهو الأكثرُ، وعليه الجمهورُ: أنَّ النبيَّ ﷺ لا يُورَثُ، وما تَرَك صدقَةٌ. والآخرُ: أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمْ يُورَثْ؛ لأَنه خَصَّه اللهُ بأنْ جعَل مالَه كلَّه صدقةً؛ زيادَةً في فَضِيلَتِه، كما خَصَّه في النِّكَاح بأشياءَ حرَّمها عليه وأباحها لغيرِه، وأشياءَ أباحها له وحرَّمَها على غيرِه. وهذا القولُ قاله بعضُ أهلِ البصرةِ؛ منهم ابنُ عُليَّة (٣)، وسائِرُ علماءِ المسلمين على القولِ الأوَّلِ. وأمَّا الرَّوافِضُ، فليس قولُهم ممَّا يُشتَغَلُ به، ولا يُحكَى مِثْلُه؛ لما فيه مِن الطعنِ على السَّلَفِ والمخالفةِ لسبيلِ المؤمنينَ. وأمَّا ما ذكرنا من قِصَّةِ عليٍّ والعباسِ في ذلك مع عمرَ، فمحفُوظٌ في غير ما حديثٍ مِن حديثِ الثِّقاتِ، منها:

стр. 2965

ما حَدَّثَنَا به (١) عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحسن الحربيُّ، قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بنُ بكارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عوانَةَ، عن عاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، قال: حدَّثني شيخٌ مِن قريشٍ مِن بني تَيْمٍ، قال: حدَّثني فُلانٌ وفُلانٌ وفلانٌ. يَعُدُّ سِتّةً أو سبعةً، فيهم (٢) عبدُ الله بنُ الزبيرِ، أنَّهم كانوا جُلوسًا عندَ عُمرَ بنِ الخطابِ يومًا، فجاء العباسُ وعليٌّ قد ارْتَفَعت أصْواتُهما يكادَانِ يَتَلاحَيَان. فقال: مَهْ! مَهْ! لا تَفْعَلا، قد عَلِمْتُ ما تقولُ يا عباسُ، تقولُ: ابنُ أخي، ولي شَطْرُ المالِ. وقد عَلِمْتُ ما تقولُ يا عليُّ: تقولُ: ابنته امْرَأتي، ولها شَطْرُ المالِ. وهذا ما كان في يَدَيْ رسولِ الله ﷺ ، قد رأيْنا ما كان يَصْنَعُ فيه. وقال عمرُ: حدَّثني أبو بكرٍ - وأحلفُ باللّه إنَّه لصادِقٌ - أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "لا يَمُوتُ نبيٌّ حتى يؤُمَّه بعضُ أُمَّتِه". وحدَّثني أبو بكرٍ - وحلَف باللّه إنَّه لصادِقٌ - أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "إنَّ النبيَّ لا يُورَثُ، إنَّما ميرَاثُه في سبيلِ الله، وفي فقراءِ المسلمين". وهذا ما كان في يَدَيْ رسولِ الله ﷺ ، وقد رأينا كيف كان يَصْنَعُ فيه، فوَلِيه أبو بكرٍ، فأحْلِفُ باللّه لقد كان يَعْمَلُ فيه بما كان يَعْمَلُ فيه رسولُ الله ﷺ ، ووَلِيتُه بعدَه، وأحْلِفُ باللّه لقد جَهَدْتُ أن أعْمَلَ فيه بما عَمِل فيه أبو بكرٍ، وما عَمِل فيه رسولُ الله ﷺ ، فإن شِئْتُما طابَتْ نفسُ أحَدِكما للآخَرِ دَفَعْتُه إليه، على أنْ يُعْطيَني ليَعْمَلَنَّ فيه بما عمِل أبو بكرٍ، وما عمِل فيه (٣) رسولُ الله ﷺ قال: فخَلَوا، أخَذ عليٌّ بيَدِ العباس فخَلا له، فحاءَ عباسٌ، فقال: قد طابَتْ نفسي لابنِ أخي، تدْفعُه إليه. فلمَّا كان الحولُ جاءا على مِثْلِ حالهما الأخْرَي، مُرْتَفِعَةً أصواتُهما، فقال عمرُ: إنكما أتَيْتُماني عامَ أوَّلَ فقلتُما كذا وكذا - وعَدَّدَ عليهما كلَّ شيءٍ قالَه لهما في ذلك

стр. 2966

اليوم - فأمَرْتُكما أن تَطِيبَ أنفسكما (١) للآخَرِ فأدْفَعَه إليه، فخَلَوْتُما، فأتَيْتَني يا عباسُ قد طابت نَفْسُك لعليٍّ، فجِئْتُما إليَّ، وأدْرَكَك ما أدْرَكَ الناسَ، فجِئْتُما إليَّ لتَرُدَّاهُ إليَّ، فلا واللّه، لا أجْعَلُه في عُنُقي حتى أجْتَمِعَ أنا وأنتُما عندَ الله (٢). وهذا خِلافُ روايةِ ابنِ عباسٍ، وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه إن شاء اللهُ، فقد بان بهذا الحديثِ ما ذكَرْنَا مِن المعنى المَطْلُوبِ أنَّها ولايَةُ ذلك المالِ على تلك الحالِ، لا مِيراثٌ ولا تملُّكٌ، والآثارُ بمِثْلِ هذا كثيرةٌ مِن حديثِ مالكٍ وغيرِه. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ووَهْبُ بنُ محمدٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ مَرْزُوق، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهاب، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، قال: أرْسَل إليَّ عمرُ بعدَما تعالى النَّهارُ. قال: فذَهَبْتُ فوجَدْتُه على سَرِيرٍ مُفْضٍ إلى رُمَالِه (٣). قال: فقال لي حين دخَلْتُ عليه: يا مالِ (٤)، إنَّه قد دَفَّ عليَّ ناسٌ مِن قومِك (٥)، وقد أمَرْتُ فيهم برَضْخ، فخُذْه فاقْسِمْه فيهم. قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، لو

стр. 2967

أمَرْتَ غيرِي بذلك. قال: فقال: خُذْه. قال: فجاء يَرْفأُ (١)، فقال: يا أمِيرَ المؤمنين، هل لك في عثمانَ، وعبدِ الرَّحمن، وسعدٍ، والزبيرِ؟ قال: نعم، ائْذَنْ لهم. فدخَلُوا عليه، قال: ثم جاءَ يَرْفأُ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنين، هل لك في عليٍّ والعباسِ؛ قال: نعم. فأذِنَ لهما، فدَخَلا عليه. قال: فقال العباسُ: يا أميرَ المؤمنين، اقْضِ بيني وبينَ هذا - يعني عليًّا - قال: فقال بعضُهم: أجَلْ يا أميرَ المؤمنين، فاقْضِ بينهما وارْحَمْهما. قال مالكُ بنُ أوْسٍ: يُخيَّلُ إليَّ أنَّهما قدَّمَا أولئك النَّفرَ لذلك. قال: فقال عُمَرُ: اتئِد" (٢). قال: ثم أقْبَلَ على أُولئك الرَّهْطِ، فقال: أنْشُدُكم باللّه الذي بإذْنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، أتَعْلَمون (٣) أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقة"؟ قالوا نعم. ثم أقْبَل على عليٍّ والعباسِ، فقال: أنشدُكما باللّه الذي بإذنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعلَمان أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صدقةٌ"؟ قالا: نعم. قال: فقال عمرُ: فإنَّ الله ﵎ خَصَّ رسولَه بخاصَّةٍ لَمْ يخُصَّ بها أحَدًا مِن الناسِ، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآية [الحشر: ٦]. وكان ممَّا أفاء اللهُ على رسولِه: بنو النَّضِيرِ، فوالُلّه ما اسْتَأثرَ بها رسولُ الله ﷺ عليكم، ولا أخَذَها دُونكم، فكانَ رسولُ الله ﷺ يأْخُذُ منها نفَقةَ سنةٍ - أو نفقتَه ونفَقَةَ أهْلِه سنَةً - ويجعَلُ ما بَقِي أُسْوَةَ المالِ (٤).

стр. 2968

قال: ثم أقْبلَ على أولئك الرَّهْطِ، فقال: أنْشُدُكم باللّه الذي بإذْنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعْلَمون ذلك؟ قالوا: نعم. قال: ثم أقْبَلَ على عليٍّ والعباسِ، فقال: أنشُدُكما باللّه الذي بإذْنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تَعْلَمان ذلك؟ قالا: نعم. قال؛ فلمَّا تُوفِّي رسولُ الله ﷺ قال أبو بكر: أنا وليُّ رسولِ الله ﷺ . فجِئْتَ أنت وهذا إلى أبي بكرٍ تَطْلُبُ أنت مِيراثَكَ مِن ابنِ أخِيكِ، ويَطْلُب هذا مِيراثَ امرَأتِه مِن أبيها، فقال له أبو بكرٍ: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّا لا نُورَثُ، ما ترَكْنَا فهو صدقةٌ". فوَليها أبو بكر، فلمَّا تُوفِّي أبو بكرٍ قلتُ: أنا وَليُّ رسولِ الله ﷺ ووليُّ أبي بكرٍ، فوَليتُها ما شاء اللهُ أنْ أليَها، ثم جِئْتَ أنتَ وهذا جميعًا، وأمْرُكما واحِدٌ، فسألْتُمانِيها، فقلتُ: إنْ شِئْتُما أدفَعُها إليكما على أنَّ عليكما عَهْدَ الله أنْ تَلِياها بالذي كان رسولُ الله ﷺ يَلِيها به. فأخَذْتمُاها منِّي على ذلك، ثم جِئْتُماني لأقْضِيَ بَيْنكما بغيرِ ذلك؟! واللّه لا أقْضِي بَيْنكما بغيرِ ذلك حتى تقومَ الساعةُ، فإن عَجَزْتمُا عنها فرُدَّاها إليَّ (١). وروَاه بِشْرُ بنُ عمرَ (٢)، عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسٍ مثلَه بتَمامِه إلى آخرِه، إلَّا أنَّه قال عندَ قولِه: وتَطْلُبُ أنت ميراثَ امْرَأتِك مِن أبيها، فقال أبو بكرٍ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صدقةٌ": فرأيْتُماه، واللّهُ يَعْلَمُ، أنَّه صادِقٌ، بارٌّ، راشِدٌ، تابع للحَقِّ، فوَليها أبو بكرٍ، فلمَّا تُوفِّي أبو بكرٍ قلتُ: أنا وليُّ رسولِ الله ﷺ ، ووَليُّ أبي بكرٍ، فرَأيْتُماني، واللّهُ يَعْلَمُ (٣)، أنِّي صادِقٌ،

стр. 2969

بارٌّ، راشِدٌ، تابعٌ للحَقِّ، فوَليتُها ما شاء اللهُ أنْ أليَها. وساق الحديثَ إلى آخِرِه؛ ذكرَه ابنُ الجارُودِ (١)، عن محمدِ بنِ يحيى وأبي أُميَّة، عن بِشْرِ بنِ عمرَ. وحَدَّثَنَا وَهْبٌ وعبدُ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمٌ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيد بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليٍّ بنِ داودَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ داودَ (٣)، قال: حَدَّثَنَا مالِكٌ، فذكرَ مثلَه، وقال: قد أمَرْتُ فيهم برَضْخ، فخُذْه واقْسِمْه بينَهم. وقال فيه: فقال أبو بكرٍ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما تَركْنا صدقةٌ". ثم ذكرَه بتَمامِه إلى آخِرِه. قال إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤): الذي تَنازَعا فيه عندَ عمرَ ليس هو المِيراثَ؛ لأنَّهم قد عَلِموا أنَّ رسولَ الله ﷺ لا يُورَثُ، وإنَّما تَنازَعا في ولايَةِ الصدقةِ وتَصْريفِها؛ لأنَّ المِيراثَ قد كان انقَطَع العِلْمُ به في حَياةِ أبي بكر. وأمَّا تَسْلِيمُ فاطمةَ ﵂، فحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن الوَليدِ بنِ جُميع، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: أرْسَلَت

стр. 2970

فاطمةُ ابنةُ رسولِ الله ﷺ إلى أبي بكرٍ، فقالت: ما لَكَ يا خليفةَ رسولِ الله! أنتَ وَرِثْتَ رسولَ الله ﷺ أمْ أهْلُه؟ قال: لا، بل أهْلُه. قالت: فما بالُ سَهْمِ رسولِ الله ﷺ ؟ قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ اللهَ إذا أطْعَم نَبِيًّا طُعْمَةً ثم قَبَضَه، جعَلَه للذي يقومُ بعدَه". فرأيتُ أنا بعدَه أن أرُدَّه على المسلمين (١). فقالت: أنت وما سَمِعْتَ مِن رسولِ الله (٢). ووجَدْتُ في أصْلِ سَماع أبي بخَطِّهِ ﵀، أنَّ أبا عبدِ الله محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسِمٍ حدَّثَه، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال:

стр. 2971

حَدَّثَنَا أسَدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ بِلالٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن الكَلْبيِّ، عن أبي صالح، عن أُمِّ هانئ: أنَّ فاطمةَ قالت لأبي بكرٍ: مَن يَرِثُك إذا مِتَّ؟ قال وَلَدي وأهْلي. فقالت: ما لكَ تَرِثُ رسولَ الله ﷺ دُونَنا؟ فقال: يا بنتَ رسولِ الله، ما ورثْتُ أباكِ دينارًا ولا دِرْهمًا، ولا ذهبًا ولا فِضَّةً. فقالت: بَلَى، سَهْمُ الله الذي جعَلَه لنا، وصَفَايا النبيِّ ﷺ ؛ فَدَكُ (١) وغيرُها بيَدِكَ. فقال أبو بكرٍ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّما هي طُعْمَةٌ أطْعَمَنيها اللهُ، فإذا مِتُّ كانت بين (٢) المسلمين" (٣). فإن قيل: ما مَعْنَى قولِ أبي بكرٍ لفاطمةَ: بل وَرِثَه أهْلُه، يَعْني رسولَ الله ﷺ ، وهو يقولُ: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ"؟ قيل له: مَعْناه - على تصحِيح الحدِيثَيْن - أنَّه لو تخَلَّفَ رسولُ الله ﷺ شيئًا يُورَثُ عنه لوَرِثه أهْلُه، فكأنَّه قال: بل وَرِثه أهْلُه إن كان خَلَّفَ شيئًا يورَثُ، وإن كان لَمْ يتَخَلَّفْ شيئًا يُورَثُ؛ لأنَّ ما تخَلَّفَه صدقةٌ راجِعَةٌ في منافِع المسلمين، مِن الكُرَاع والسِّلاح وغيرِها، فأيَّ شيءٍ يَرِثُ عنه أهْلُه وهو لَمْ يُخلِّفْ شيئًا؟ فإن قيل: فما معنى قولِ أبي بكرٍ، عن النبيِّ ﷺ : "إذا أطْعَم اللهُ نبيًّا طُعْمَةً، ثم قَبضه، جَعَله للذي يقومُ بعدَه"؟ قيل له: اللامُ في قولِه: "للذي" ليست لامَ

стр. 2972

المِلْكِ، وإنَّما هي بمَعْنَى "إلى"، كما قال اللهُ تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، أي: هدانا إلى هذا. ألا تَرى إلى قولِه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ومثلُه قولُه : ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. معناه: أوْحَى إليها. فكأنَّه قال: جعَلَه إلى الذي بعدَه، يقومُ فيه بما يَجِبُ، على حَسَب ما قَدَّمْنا ذِكْرَه. والأحادِيثُ الصِّحاحُ، ولِسانُ العربِ، كلُّ ذلك يَدُلُّ على ما ذكَرْنا. حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيدٍ، قال (١): حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ ومَعْمَرٍ جميعًا، عن الزُّهريِّ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: كانت أمْوَالُ بني النَّضِيرِ ممَّا أفاء اللهُ على رسولِه ممَّا لَمْ يُوجِفْ عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ، وكانت لرسولِ الله خاصَّةً، فكان يُنْفِقُ على أهْلِه نفقةَ سنةٍ، وما بَقِيَ جعَلَه في الكُرَاع والسلاح في سَبِيلِ الله (٢). وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفَضْلِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جَرير، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ حُميْدٍ، قال: حَدَّثَنَا جَريرٌ، عن مُغيرَةَ، قال: لما وَلي عمرُ بنُ عبدِ العَزِيز جمَعَ بَني أُمَيَّة، فقال لهم: إنَّ النبيَّ ﷺ كانت له خاصَّةً فَدَكُ،

стр. 2973

فكان يأكُلُ منها، ويُنْفِقُ منها، ويعُودُ على فقراءِ بني هاشِم، ويزَوِّجُ منهم (١) أيِّمَهم، وإنَّ فاطمةَ ﵂ سألَتْه أن يجعَلَها لها فأبَى، فكانت كذلك حياةَ النبيِّ ﷺ حتى قُبِض، ثم وَليَ أبو بكرٍ، فكانت في يَدِ أبي بكرٍ؛ يَعْمَلُ فيها بما عَمِلَ النبيُّ ﷺ ، حتى قُبِض لسَبيله، ثمّ وَليَ عمرُ، فعَمِل فيها مثلَ ذلك، ثمّ وَليَ عثمانُ، فأقْطَعها مَرْوانَ فجَعَل مَرْوانُ، ثُلُثيْها لعبدِ الملكِ، وثُلُثَها لعبدِ العزيزِ، فجَعَل عبدُ الملكِ ثُلُثيْهِ: ثُلُثَيْه (٢) للوَليدِ، وثُلُثًا لسليمانَ، وجعلَ عبدُ العزيزِ ثُلُثَه لي، فلمَّا وَليَ الوليدُ جعَلَ ثُلُثَه لي. فلم يكنْ لي مالٌ أعْودَ عليَّ منه، ولا أسدَّ لحاجتي، ثم وليتُ أنا، فرأيْتُ أنَّ أمرًا منعَه النبيُّ ﷺ فاطمةَ ابنتَه، أنَّه ليس لي بحَقٍّ، وإنِّي أُشْهِدُكم أنِّي قد رَدَدْتُها على ما كانت على عهدِ رسولِ الله ﷺ . قال أبو عُمر: اختلَف العلماءُ في سَهْم رسولِ الله ﷺ وفيما كان له خاصَّةً مِن صَفَاياه، وما لَمْ يُوجِفْ عليه بخَيْلٍ ولا ركابٍ، فأمَّا أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ وعمرُ بنُ الخطابِ، فمَذْهَبُهما في ذلك ما قد تكرَّر ذكرُه (٣) في كتابِنا هذا مِن أوَّلِ البابِ، وذلك الأخْذُ بظاهِرِ هذا الحديثِ في أموالِ بني النضيرِ وفَدَكَ وخيبرَ، أنَّ ذلك يُسَبَّلُ على حسَبِ ما كان رسولُ الله ﷺ يُسَبِّلُه في حياتِه، كان يُنْفِقُ منه على عِيَالِه وعامِلِه سنةً، ثم يجعَلُ باقِيَه عُدَّةً في سَبيلِ الله. وعلى مَذْهَبِ أبي بكرٍ وعُمَرَ في ذلك (٤) جمهورُ أهلِ العِلْم مِن أهلِ الحديثِ والرَّأي. وأمَّا عثمانُ بنُ عفانَ، فكان يرَى أنَّ ذلك للقائِم بأمرِ المسلمين، يَصْرِفُه فيما رأى مِن مَصالح المسلمين، ولذلك أقْطَعه مَرْوانَ.

стр. 2974

وفِعْلُ عثمانَ هذا ومَذْهَبُه هو قولُ قَتادةَ والحسَنِ، كانا يقولان في سَهْم ذي القُرْبَى وسهْم رسولِ الله ﷺ وصَفاياه: إنَّ ذلك كان طُعْمَةً لرَسولِ الله ﷺ ما كان حيًّا، فلمَّا تُوفِّي صار لوليِّ الأمْرِ بعدَه (١). ويُشْبِهُ أنْ يكونَ مِن حُجَّةِ مَن ذهَب هذا المذْهَبَ حديثُ أبي الطُّفيْل ومِثْلُه: "إذا أطْعَم اللهُ نبيًّا طُعْمَةً فقُبِض، فهي للذي يَلي الأمْرَ بعدَه" (٢). وقد ذكرْنا تَأْويلَ هذا الحديثِ ومذْهَبَ رَاوِيه، وهو أبو بكرٍ ﵁، وكيف يَسُوغُ لمسلم أن يَظُنَّ بأبي بكرٍ ﵁ مَنع فاطِمَةَ مِيراثَها مِن أبيها؟! وهو يَعْلَمُ بنَقْلِ الكافَّةِ أنَّ أبا بكرٍ كان يُعْطِي الأحمرَ والأسودَ حُقُوقَهم، ولم يَسْتأْثِرْ مِن مالِ الله لنَفْسِه ولا لبنيه، ولا لأحَدٍ مِن عَشِيرته بشيءٍ، وإنَّما أجْرَاه مَجرَى الصدقةِ. أليس يَسْتَحِيلُ في العُقُولِ أنْ يَمْنَعَ فاطِمَةَ ويرُدَّه على سائرِ المسلمين؟ وقد أمرَ بنيه أن يرُدُّوا ما زاد في مالِه منذُ وَلي على المسلمين، وقال: إنَّما كان لنا مِن أمْوالهم ما أكَلْنا مِن طَعامِهم، ولَبِسْنا على ظُهُورِنا مِن ثِيابِهم. وروَى أبو ضَمْرَة أنسُ بنُ عِيَاض، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ أبا بكرٍ لما حضَرَتْه الوفاةُ قال لعائشةَ: ليس عندَ آلِ أبي بكرٍ مِن هذا المالِ شيءٌ إلَّا هذه اللِّقْحَةَ والغُلامَ الصَّيْقَل (٣)؛ كان يَعْمَلُ سيُوفَ المسلمين ويخدُمُنا، فإذا مِتُّ فادْفَعِيه إلى عُمرَ. فلمَّا مات دفَعَتْه إلى عمرَ، فقال عمرُ ﵀: رَحِم اللهُ أبا بكرٍ، لقد أتْعَبَ مَن بعدَه (٤).

стр. 2975

فإن قيل: كيفَ سكَن أزواجُ النبيِّ ﷺ من بعدِ وفاتِه في مساكِنِهنَّ اللاتي ترَكهُنَّ رسولُ الله ﷺ فيها إن كُنَّ لَمْ يَرِثْنَه؟ وكيف لَمْ يخْرُجْنَ عنها؟ قيل: إنَّما تُرِكْنَ في المساكِنِ التي كُنَّ يَسْكُنَّها في حَياةِ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنَّ ذلك كانَ مِن مُؤْنَتهِنَّ التي كان رسولُ الله ﷺ اسْتَثنَاها لهُنَّ، كما اسْتَثْنى لهُنَّ نفَقَتَهُنَّ حينَ قال: "لا يَقْتَسِمُ ورَثَتي دينارًا ولا درْهمًا، ما ترَكْتُ بعدَ نفقةِ أهْلي ومؤنةِ عامِلي فهو صدقةٌ" (١). وروَى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن أبي بكرٍ، أنَّه قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا نُورَثُ". ولكنِّي أعُولُ مَن كان رسولُ الله ﷺ يَعُولُ، وأُنْفِقُ على مَن كان رسولُ الله ﷺ يُنْفِقُ (٢). وروَى الثوريُّ (٣)، ومالكٌ (٤)، وابنُ عيينةَ (٥)، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَقْتَسِمُ ورثتي دينارًا ولا دِرْهمًا، ما ترَكْتُ بعدَ نَفَقَةِ نسائي ومؤنةِ عاملي فهو صدقةٌ".

стр. 2976

وسيأتي ذكْرُ هذا الحديثِ من روايةِ مالكٍ في بابِ أبي الزِّنَاد من كتابِنا هذا إن شاء الله (١). قال أهلُ العِلْم: فمساكِنُهنَّ كانت في معنى نَفَقاتِهنَّ، في أنَّها كانت مُستثْناةً لهُنَّ بعدَ وفاتِه ممَّا كان له في حياتِه. قالوا: ويدُلُّ على صِحَّةِ ذلك أنَّ مساكِنَهنَّ لَمْ يَرثْها عنْهُنَّ ورثَتُهُنَّ. قالوا: ولو كان ذلك مِلْكًا لهُنَّ، كان لا شكَّ قد وَرِثه عنْهُنَّ ورَثَتُهُنَّ. قالوا: وفي تَرْكِ ورَثَتِهنَّ ذلك دليلٌ على أنَّها لَمْ تكنْ لهُنَّ مِلْكًا، وإنَّما كان لهُنَّ سُكنَاها حياتَهنَّ، فلمّا تُوُفِّينَ، جُعِل ذلك زيادَةً في المسجِدِ الذي يَعُمُّ المسلمين نَفْعُه كما فُعِل ذلك في الذي كان لهُنَّ مِن النَّفقاتِ وفي تَرِكةِ رسولِ الله ﷺ ، لمّا مَضَيْنَ لسَبيلِهنَّ، رُدَّ (٢) إلى أصْلِ المالِ، فصُرِف في منافِع المسلمين ممَّا يَعُمُّ جميعَهم نَفْعُه. وفي حديثنا المذكورِ في أوَّلِ هذا البابِ مِن الفِقْهِ: تَفْسيرٌ لقولِ الله : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]. وعبارَةٌ عن قولِه تعالى مُخْبِرًا (٣) عن زكَريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦]. وتَخصيصٌ للعُمومِ في ذلك، وأنَّ سليمانَ لَمْ يَرِثْ مِن داودَ مالًا خَلَّفَه داودُ بعدَه، وإنَّما ورِثَ منه الحِكمةَ والعِلْمَ، وكذلك وَرِث يحيَى مِن آلِ يعقوبَ، هكذا قال أهلُ العِلْم بتَأويلِ القرآنِ والسُّنةِ، واسْتَدَلوا مع سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ المذكور بقولِ الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]. قال المفَسِّرُون: يَعْني عِلْمَ التورَاةِ والزَّبُورِ، والفِقْهَ في الدِّينِ، وفَصْلَ القَضاءِ، وعِلْمَ كَلام الطَّيْرِ والدَّوَابِّ،

стр. 2977

﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٥، ١٦]. فوَرِث سليمانُ مِن داودَ النبوةَ، والعِلْمَ، والحِكْمةَ، وفَصْلَ القَضَاءِ. وعلى هذا جماعَةُ أهْلِ العِلْمِ وسائرُ المسلمينَ، إلَّا الرَّوافِضَ. وكذلك قَوْلُهم في: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦]. لا يختَلِفُون في ذلك، إلَّا ما رُوِيَ عن الحسن أنَّه قال: ﴿يَرِثُنِي﴾: مالي، ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾: النُّبوةَ والحِكْمةَ (١). والدَّليلُ على صِحَّةِ ما قال علماءُ المسلمين في تَأْويلِ هاتَيْنِ الآيتَيْنِ: ما ثَبتَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّا مَعْشَرَ الأنْبياءِ لا نُورَثُ، ما تَركْنَا صدقةٌ". وكلُّ قولٍ يُخالِفُه قولُ رسولِ الله ﷺ ويَدْفَعُه، فمَدْفُوعٌ مَهْجُورٌ. أخبرنا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا القاضي أبو عمرَ محمدُ بنُ يُوسُفَ بنِ يَعْقُوبَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسْحاقَ الصَّاغَانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أُمَيّةَ النَّحَّاسُ، قال: قُرئ على مالِكِ بنِ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: حَدَّثَنَا أبو بكْرٍ، أنه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّا معشرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ (٢)، ما تَرَكْنا صدقةٌ". حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصر، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قال (٣): حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي الزِّنَادِ، عن

стр. 2978

الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّا مَعْشَرَ (١) الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما تَركْنا فهو (٢) صدقةٌ، بعدَ نَفَقَةِ نسائي، ومُؤونَةِ عاملي". وممَّا يَدُلُّك على أنَّه أراد - بقولِه : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ -: النبوةَ والعِلْمَ والسِّيَاسَةَ، ولم يُردِ المالَ، لأنَّه لو أرادَ المالَ لَمْ يقْتَضِ الخبَرُ عن ذلك فائِدَةً، لأنَّه معلومٌ أنَّ الأبناءَ يَرِثُون الآباءَ أموالَهم، وليس مَعلومًا أنَّ كلَّ ابنٍ يقومُ مَقامَ أبيه في الملكِ والعلم والنُّبوةِ. وفي هذا الحديثِ أيضًا مِن الفِقْهِ: دليلٌ على صحَّةِ ما ذهَبَ إليه فقهاءُ أهْلِ الحِجَازِ وأهلُ الحديثِ مِن تَجوِيزِ الأوْقافِ في الصَّدَقاتِ المحَبَّسَاتِ، وأنَّ للرجلِ أن يُحبِّسَ مالَه، ويُوقِفَه على سبِيلٍ مِن سُبُلِ الخيرِ، يَجرِي عليه مِن بعدِ وفَاتِه. وفيه: جَوازُ الصدقةِ بالشيءِ الذي لا يَقِفُ المتَصَدِّقُ على مَبْلَغِه؛ لأنَّ تَرِكَتَه ﷺ لَمْ يُقَفْ على مَبْلَغ ما تَنْتهي إليه، وسَنُوضِّحُ ذلك في بابِ أبي الزِّنَادِ إن شاء اللهُ (٣).

стр. 2979

وفيه أيضًا: دَلالةٌ واضِحَةٌ على اتِّخاذِ الأمْوَالِ، والْمَتِسابِ الضِّيَاع، وما يَسَعُ الإنسانَ؛ لنفسِه، وعُمَّالِه، وأهْلِيهم، ونَوائِبهم، وما يَفْضُل على الكفايَةِ. وفي ذلك رَدٌّ على الصوفيَّة ومَن ذهَبَ مَذْهبَهم في قطع الاكْتِسابِ المباح. وقد اسْتَدَلَّ بهذا الحديثِ قومٌ في أنَّ للقاضي أن يَقْضيَ بعِلْمِه، لِما قضى أبو بكرٍ في ذلك بما كان عندَه مِن العِلْم. وهذا عندي مَحمِلُه إذا كانَت الجماعَةُ حولَ القاضِي والحاكِم يَعْلَمُون ذلك، أو يَعْلَمُه منهم مَن إن احْتِيج إلى شهادَتِه عندَ الإنكارِ، كان في شَهادَتِه براءَةٌ أو ثُبوتُ حُجَّةٍ على المحكوم عليه، واللّهُ أعلم؛ لأنَّ أبا بكرٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بالحديثِ، بل سَمِعَه معَه من النبيِّ ﷺ جماعَةٌ غيرُه، ولو تَفَرَّدَ به ما كان ذلك بضَائِرٍ له، ولا قادِحٍ في معنى ما جاء به؛ لأنَّه عِلْمٌ لا يَحتاجُ فيه القاضِي إلى شهادَةٍ، ألا ترَى أنَّ القاضِيَ إذا قَضى بما عَلِمه مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ ليس يَحتاجُ فيه إلى شاهِدٍ ولا بيِّنةٍ (١)؟! وقد تقَدَّمَ مِن (٢) قولِنا: إن في هذا الحديثِ أيضًا دلالةً على قبُولِ خبرِ الواحِدِ العَدْلِ، وباللّه العونُ والتوفيقُ، لا شريكَ له.

стр. 2980

حديثٌ تاسعٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبير، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان عُتْبةُ بنُ أبي وقاصٍ عَهِد إلى أخيه سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، أنَّ ابنَ وليدَةِ زَمْعَةَ منِّي، فاقبِضْه إليك. قالت: فلمَّا كان الفتحُ أخَذَه سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وقال: ابنُ أخي، قد كان عَهِد إليَّ فيه. فقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخي وابنُ وليدَةِ أبي، وُلِدَ على فراشِه (٢). فتَساوَقَا (٣) إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، ابنُ أخي، قد كان عَهِد إليَّ فيه. وقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخي وابنُ وَليدَةِ أبي، وُلِدَ على فراشِه. فقال النبيُّ ﷺ : "هو لك يا عبدَ بنَ زَمْعَةَ، الولدُ للفِرَاشِ، وللعاهِرِ الحجرُ". ثم قال لسودةَ بنتِ زَمْعَةَ: "احْتَجِبي منه". لما رَأى مِن شَبَهِه بعُتبةَ، فما رَآها حتى لَقِيَ اللهَ. هكذا روَى مالِكٌ هذا الحديثَ، لا خِلافَ عَلِمْتُه عنه في إسنادِه ولا في لفظِه (٤)، إلَّا أنَّ ابنَ وَهْبٍ (٥)، وأبا جعفرٍ النُّفيْليَّ (٦)، والقَعْنَبيَّ (٧) في غيرِ "الموطَّأ"،

стр. 2981

رَوَوه مُختصرًا، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الوَلَدُ للفِرَاشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ". لَمْ يَذكُرُوا قِصةَ عبدِ بنِ زَمْعَةَ وعُتْبةَ (١)؛ روَاه هكذا عن ابنِ وَهْبٍ: ابنُ أخيه (٢)، ومحمدُ بنُ عبدِ الحَكم، وبحرُ (٣) بنُ نصرٍ (٤). ويقالُ: إنَّه ليس عندَ يُونُسَ عن ابنِ وَهْبٍ (٥). وعندَ ابنِ وَهْبٍ والقَعْنَبيِّ (٦) أيضًا في "الموطَّأ" الحديثُ بتَمامِه، وهو أصلُ هذا الحديثِ عن مالكٍ. وقد خالفَه ابنُ عيينةَ في بعضِ لفظِه، لَمْ يقُلْ فيه: "وللعاهِرِ الحجَرُ". والقولُ قولُ مالكٍ، وقد أتْقَنَه وجوَّدَه.

стр. 2982

حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمانَ الرَّمليُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الله البصريُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم الضَّحَّاكُ بنُ مخْلَدٍ، قال: حدَّثنا مالِكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ عُتْبةَ بنَ أبي وقَّاصٍ عَهِد إلى أخِيهِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص، أنَّ ابنَ وليدَةِ زَمْعَةَ: هو مِنِّي، فاقْبِضْه إليك. فلمَّا فتَحوا مكةَ أخَذَه سعدٌ، فقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: هذا أخي، وابنُ وليدَةِ أبي. قال: فقَضَى رسولُ الله ﷺ به لعبدِ بنِ زَمْعَةَ، وقال: "الوَلَدُ للفِرَاشِ، وللعاهِرِ الحَجَرُ". وأمَرَ سَوْدَةَ أنْ تَحتَجِبَ منه، فما رآها حتى ماتت. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثني قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيدِيُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، قال: أخبرنا عروةُ بنُ الزبير، أنَّه سَمِع عائشةَ تقولُ: اخْتَصَم عندَ رسولِ الله ﷺ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعبدُ بنُ زَمْعَةَ في ابنِ أمةٍ لزَمْعَةَ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، إنَّ أخي عُتْبةَ أوصاني فقال: إذا قَدِمْتَ مكةَ، فانظُرِ ابنَ أمَةِ زَمْعَةَ، فاقْبِضْه، فإنَّه ابني. وقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: يا رسولَ الله، أخي، وابنُ أمَةِ أبي، وُلد على فِراشِ أبي. فرأى رسولُ الله ﷺ شبَهًا بيِّنًا بعُتبَةَ، فقال: "هو لك يا عبدَ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للفِرَاشِ، واحْتَجِبي منه يا سَوْدَةُ". قيل لسفيانَ: فإنَّ مالكًا يقولُ فيه: "وللعاهِرِ الحجرُ". فقال سفيانُ: لكنَّا لم نَحْفَظْه مِن الزهريِّ أنَّه قاله في هذا الحديث. قال أبو عُمر: قولُه ﷺ : "الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ" من أصَحِّ ما يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ مِن أخبارِ الآحادِ العُدُولِ، وهذا اللفظُ عندَ ابنِ عيينةَ مِن حديثِ ابنِ شِهَابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلَمةَ، عن أبي هريرة.

стр. 2983

حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْرٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الفَرَضِيُّ (١)، قال: حدَّثنا أبو عُثْمانَ عمرُو بنُ محمدِ بنِ بُكَيرٍ الناقِدُ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن أبي سلَمةَ وسعيدِ بنِ المسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ" (٢). وهذا الحديثُ أيضًا عندَ معمرٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلَمةَ وسعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. ذكرَه عن معمرٍ، عبدُ الرَّزَّاقِ (٣) وغيرُه. وروَى شُعبةُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجرُ" (٤). وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ العَسْكَريُّ، قال: حدَّثنا بَحْرُ بنُ نصِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال (٥): أخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، ويونُسُ بنُ يزيدَ، والليثُ بنُ سعدٍ، أنَّ ابنَ شهابٍ أخبَرهم، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الولَدُ للفراشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ".

стр. 2984

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن حسينٍ المُعَلِّم، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: لما فُتِحَت مكةُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، قام رجلٌ فقال: إنَّ فُلانًا ابني. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا دِعْوةَ في الإسلام (١)، ذهَب أمْرُ الجاهليَّةِ، الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الأثلَبُ". قالوا: وما الأثلبُ؟ قال: "الحجَرُ" (٢). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ وجُوهٌ مِن الفقهِ، وأُصولٌ جِسامٌ؛ منها: الحُكْمُ بالظاهِرِ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ حكَم بالولَدِ للفِرَاشِ على ظاهِر حُكْمِه وسُنتِه (٣)، ولم يَلْتَفِتْ إلى الشَّبَه، وكذلك حَكَمَ في اللِّعان بظاهِرِ الحُكْم، ولم يَلْتفِتْ إلى ما جاءَتْ به بعدَ قولِه: "إن جاءَتْ بهِ كذا، فهو للذي رُمِيَتْ به". فجاءَتْ به على النَّعْتِ المكْرُوهِ (٤). ومن ذلك قولُه ﵇: "فأقضي له على نحوِ ما أسْمعُ منه" (٥). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ما كان عليه أهلُ الجاهِليَّةِ مِن استِلحاقِ أولادِ الزنى، وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ يُلِيطُ أولادَ الجاهليَّةِ (٦) بمَن ادَّعَاهم

стр. 2985

في الإسلام. ذكرَه مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ كان يُلِيطُ أولادَ الجاهليَّةِ بمَن ادَّعَاهم في الإسلام. قال أبو عُمر: هذا إذا لم يكنْ هناك فِرَاشٌ؛ لأنَّهم كانوا في جاهليَّتِهم يُسافِحُون ويُناكِحُون، وأكثرُ نِكاحَاتِهم - على حُكْمِ الإسلامِ - غيرُ جائزةٍ، وقد أمْضَاها رسولُ الله ﷺ ، فلمَّا جاء الإسلامُ أبطَل به رسولُ الله ﷺ حُكْمَ الزنَى؛ لتَحْرِيم الله إياه، وقال: "للعاهِرِ الحجَرُ" فنَفَى أنْ يُلْحَقَ في الإسلام ولَدُ الزِّنَى، واجْتمَعَتِ (٢) الأُمَّةُ على ذلك نَقْلًا عن نبيِّها ﷺ ، وجعَل رسولُ الله ﷺ كلَّ ولَدٍ يُولَدُ على فِرَاشٍ لرجلٍ لاحِقًا به على كلِّ حالٍ، إلَّا أن يَنْفِيَه بلِعانٍ على حُكْمِ اللِّعَانِ، وقد ذكرْنَاه في مَوْضِعِه من كِتابِنا هذا (٣). وأجْمَعَتِ (٤) الجماعةُ مِن العلماءِ أنَّ الحُرَّةَ فِراشٌ بالعقدِ عليها مع إمكانِ الوَطْءِ وإمكانِ الحملِ، فإذا كان عقدُ النكاح يُمْكِنُ معه الوَطْءُ والحملُ، فالوَلَدُ لصاحِبِ الفِرَاشِ، لا يَنْتفِي عنه أبدًا بدعوَى غيره، ولا بوَجْهٍ مِن الوُجوه إلَّا باللِّعانِ. واختلَف الفقهاءُ في المرأةِ يُطلِّقُها زوجُها في حين العقدِ عليها بحضرةِ الحاكم أو الشهودِ، فتأتي بولَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا مِن ذلك الوقتِ عَقِيبَ العقدِ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُلْحَقُ به؛ لأنَّها ليست بفِراشٍ له، إذْ لم يُمْكِنْه الوطءُ في العِصْمَةِ، وهو كالصغيرِ أو الصغير اللَّذَيْن لا يُمْكِنُ منهما الوَلَدُ. وقال أبو حنيفةَ: هي فِراشٌ له، ويُلْحَقُ به ولَدُها (٥).

стр. 2986

واختلَف الفقهاءُ في الأمَةِ؛ فقال مالكٌ: إذا أقرَّ بوطْئِها صارت فِراشًا، فإن لم يَدَّعِ اسْتِبْراءً لحِق به ولَدُها، وإن ادَّعَى اسْتِبْراءً حَلَف وبَرئ مِن ولَدِها يمِينًا واحِدًا. واحتَجَّ بعمرَ بنِ الخطابِ في قولِه: لا تَأْتيني وليدةٌ يعْتَرفُ سيِّدُها أنْ قد ألمَّ بها، إلَّا ألحَقْتُ به (١) ولَدَها، فأرْسِلُوهنَّ بعدُ أو أمْسكُوهُنَّ (٢). وقال الكوفيُّون (٣): لا تكونُ الأمَةُ فِرَاشًا بالوَطْءِ حتى يَدَّعِيَ سيِّدُها ولَدَها، وأمَّا إن نَفَاهُ فلا يُلْحَقُ به، سَواءٌ أقرَّ بوَطْئِها أم لم يُقِرَّ، وسَواءٌ اسْتَبرَأ أو لم يَسْتَبرئ (٤). وأجمَع العلماءُ على أنْ لا لعَانَ بينَ الأمَةِ وسَيِّدِها. وأجمَع جمهورُ الفقهاءِ أيضًا على ألَّا يَسْتَلْحِقَ أحَدٌ غيرَ الأبِ؛ لأنَّ أحدًا لا يُؤْخَذُ بإقرارِ غيرِه عليه، وإنَّما يُؤْخَذُ بإقرارِه على نفسِه، ولا يُقِرُّ أحَدٌ على أحَدٍ، ولو قُبِل اسْتِلْحَاقُ غيرِ الأبِ، كان فيه إثْباتُ حُقُوقٍ على الأبِ بغيرِ إقْرَارِه، ولا بيِّنةٍ تَشْهَدُ عليه، وقد أبَى اللهُ ورسولُه مِن ذلك، قال اللهُ : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال ﷺ لأبي رِمْثةَ في ابنِه: "إنَّك لا تَجني عليه، ولا يَجني عليك" (٥). وفي هذا كلِّه ما يدُلُّك على أنَّ رسولَ الله ﷺ إنَّما حكَم بالوَلَدِ (٦) لزَمْعَةَ؛ لأنَّ فِراشَه قد كان مَعْرُوفًا عندَه، واللهُ أعلمُ، لا أنَّه قَضَى به لعَبْدِ بنِ زَمْعَةَ بدَعْواه على أبيه.

стр. 2987

هذا أوْلى ما حُمِل عليه هذا الحديثُ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ فيه قولَ عبدِ بنِ زَمْعَةَ: أخي وابنُ وليدَةِ أبي، وُلِد على فِراشِه. فلم يُنكِر عليه رسولُ الله ﷺ قولَه: وُلِدَ على فِراشِه. فدَلَّ على أنَّه قد عَلِمَ بوَطْءِ زَمْعَةَ لوَليدَتِه، فلذلك لم يُنكرِ الفِراشَ، وكانت سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ زَوْجتَه ﷺ ، ومثلُ هذا لا يخفَى مِن أفعالِ الصِّهْرِ على صِهْرِه، فلمَّا لم يُنكِرْ قولَ عبدِ بنِ زَمْعَةَ: وُلِد على فِراشِه، دلَّ على أنَّه قد كان عَلِم بأنَّها كانت فِراشًا له بمَسِّه إيَّاها، فقَضَى بما عَلِم مِن ذلك، ولولا ذلك لم يُلْحِقِ الوَلَدَ بزَمْعَةَ بدَعْوَى أخيه؛ لأنَّ سُنَّتَه المجتَمَعَ عليها أنَّه لا يُؤخَذُ أحَدٌ بإقْرَار غيرِه عليه، إلَّا أنَّ في هذا التَّأويلِ ما يُوجِبُ قَضاءَ القاضي بعِلْمِه، وهو مما يَأْبَاه مالِكٌ وأصحابُهُ. وأمَّا قولُ رسولِ الله ﷺ في هذا الحديثِ: "احْتَجِبي منه يا سَوْدَةُ"، فقد أشْكَلَ مَعْنَاه قديمًا على العلماءِ؛ فذهَبَ أكثرُ القائلين بأنَّ الحرامَ لا يُحرِّمُ الحلالَ، وأنَّ الزِّنَى لا تَأْثِيرَ له في التحريم، إلا أنَّ قولَه ذلك كان منه على وجْهِ الاخْتِيارِ والتَّنزُّهِ، وأنَّ للرجلِ أن يَمْنَعَ امْرَأتَه مِن رُؤَيَةِ أخيها. هذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ (١). وقالت طائفةٌ: كان ذلك منه لقطعِ الذريعةِ بعدَ حُكْمِه بالظاهِر، فكأنَّه حكَم بحُكْمَيْن؛ حُكْمٍ ظاهِرٍ وهو الولدُ للفِرَاشِ، وحُكْمٍ باطِنٍ وهو الاحْتِجابُ مِن أجْلِ الشَّبَهِ، كأنَّه قال: ليس بأخٍ لكِ يا سَوْدَةُ إلا في حُكْمِ الله بالوَلَدِ للفِراشِ، فأمَرَها بالاحتِجاب منه (٢). قال ذلك بعضُ أصْحابِ مالِكٍ (٣)، وضارَعَ في ذلك قولَ العِراقيِّين. وأمَّا الكوفيُّون، فذَهَبوا إلى أنَّ الزنى يُحرِّمُ، وأنَّ له في هذه القِصَّةِ

стр. 2988

حُكما باطِنًا أوجَب الحِجابَ، والحُكْمُ الظاهِرُ لَحاقُ ابنِ وليدَةِ زَمْعَةَ بالفِراشِ. وقد وافَقَهم ابنُ القاسِم في أنَّ الزنى يُحرِّمُ مِن نِكاح الأُمِّ والابنةِ ما يُحرِّمُ النِّكاحُ، خِلافَ "المُوطَّأ". وقد قال المزنيُّ في مَعْنَى هذا الحديثِ غيرَ ما تقَدَّمَ. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: أخبرنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثني أبي، قال: سُئِل المزَنيُّ عن حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص وعبدِ بنِ زَمْعَةَ حينَ اختَصما إلى رسولِ الله ﷺ في ابنِ وليِدَةِ زَمْعَةَ، فقال: اخْتَلفَ الناسُ في تأْويلِ ما حكَمَ به رسولُ الله ﷺ مِن ذلك؛ فقال قائِلُون وهم أصحابُ الشافعيِّ، في قولِ رسولِ الله ﷺ : "احْتَجِبي منه يا سودةُ": إنَّه منَعَها منه لأنَّه يجوزُ للرجلِ أن يمْنَعَ امرأتَه مِن أخيها. وذَهَبوا إلى أنَّه أخوها على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ ألحَقَه بفِراشِ زَمْعَةَ، وما حَكَم به فهو الحقُّ الذي لا شَكَّ فيه. قال: وقال آخرون - وهم الكوفيون -: إنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ الزِّنَى حُكْمَ التحرِيم بقولِه: "احْتَجِبي منه يا سَوْدَةُ"، فمَنَعها مِن أخيها في الحُكْم؛ لأنَّه ليس بأخِيها في غيرِ الحُكْم، لأنَّه مِن زِنى في الباطنِ؛ إذ كان شَبِيهًا بعُتْبةَ في غيرِ الحُكْم. فجَعَلوه كأنَّه أجْنَبيٌّ، وأن لا يَراها لحُكْم الزنى (١)، وجعَلوه أخاها بالفِراشِ. وزَعَم الكُوفيُّون أنَّ ما حرَّمَه الحلالُ، فالحرامُ له أشَدُّ تحرِيمًا. قال المزنيُّ: وأمَّا أنا؛ فيَحْتَمِلُ تأْويلُ هذا الحديثِ عندي، واللهُ أعلمُ، أن يكونَ النبيُّ ﷺ أجاب عن المسألةِ، فأعْلَمَهم بالحُكْم أنَّ هذا يكونُ إذا ادَّعَى صاحِبُ فِراشٍ وصاحِبُ زنًى، لا أنَّه قَبِل على عُتْبةَ قولَ أخيه سعدٍ، ولا على زَمْعةَ قولَ ابنِه: إنَّه أوْلَدَها الوَلَدَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أخْبَر عن غيرِه، وقد أجْمَع المسلمون أنَّه لا يُقْبَلُ إقرارُ أحَدٍ على غيرِه، وفي هذا عندي دليلٌ على أنَّه حُكْم خرَجَ على المسألةِ، ليُعَرِّفَهم كيف الحُكْمُ في مثلِها إذا نزَل، ولذلك قال

стр. 2989

لسَوْدَةَ: "احْتَجِبي منه"؛ لأنَّه حكَمَ على المسألةِ، وقد حَكَى اللهُ في كتابِه مثلَ ذلك في قِصَّةِ داودَ والملائكةِ: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]، ولم يكونا خَصْمَيْن، ولا كان لواحِدٍ منهما تسعٌ وتسعون نَعْجَةً، ولكنَّهم كلَّموه على المسألةِ، ليعرِفَ بها ما أرادوا تَعْرِيفَه، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ حكَمَ في هذه القِصَّةِ على المسألةِ، وإن لم يكنْ أحَدٌ يُؤْنِسُني على هذا التَّأويلِ، أو كان، فهو عندي صحيحٌ، واللهُ أعلم. قال المزنيُّ: قال الشافعيُّ: إنَّ رُؤْيَةَ ابنِ زَمْعَةَ سَوْدَةَ مُباحٌ في الحُكْم، ولكنَّه كَرِهَه للشَّبَه (١)، وأمَر (٢) بالتَّنزُّهِ عنهُ اخْتيارًا. قال المزَنيُّ: لمَّا لم تَصِحَّ دَعْوَى سعدٍ لأخيه (٣)، ولا دَعْوَى عبدِ بنِ زَمْعَة، ولا أقَرَّتْ سَوْدَةُ أنَّه ابنُ أبيها، فيكونَ أخاها، منَعه مِن رُؤْيَتها، وأمَرَها بالاحْتِجابِ منه، ولو ثَبَت أنَّه أخوها ما أمَرَها أن تَحْتَجِبَ منه؛ لأنَّه ﷺ بُعِث بصلَةِ الأرحام، وقد قال لعائشةَ في عَمِّها مِن الرَّضَاعةِ: "إنَّه عَمُّكِ، فلْيَلِجْ عليك" (٤). ويَسْتَحِيُل أنْ يَأْمُرَ زَوْجَتَه ألَّا تَحْتَجِبَ مِن عَمِّها مِن الرضاعَةِ، ويأْمُرَ زَوْجَةً له أُخْرَى أنْ (٥) تَحْتَجِبُ مِن أخيها لأبيها. قال: وَيحْتَمِلُ أن تكونَ سَوْدَةُ جَهِلَتْ ما عَلِم أخوها عبدُ بنُ زَمْعَةَ، فسَكَتَت.

стр. 2990

قال المُزَنيُّ: فلَمَّا لم يَصِحَّ أنَّه أخٌ؛ لعَدَم البيِّنةِ، أو الإقرارِ ممَّن يلْزَمُه إقرارُه، وزادَه بُعْدًا في القلوبِ شَبَهُه بعُتبةَ، أمَرَها بالاحْتِجابِ منه، وكان جوابُه ﷺ على السُّؤالِ، لا على تحقيقِ زِنَى عُتْبةَ بقولِ أخيه، ولا بالوَلَدِ أنَّه لزَمْعَةَ بقولِ ابنِه، بل قال: "الولَدُ للفِرَاشِ". على قولِك: يا عَبْدَ بنَ زَمْعَة، لا على ما قال سعدٌ. ثم أخبرَ بالذي يكونُ إذا ثَبَت مثلُ هذا. قال أبو عُمر: لم يَصْنَع المُزَنيُّ شيئًا؛ لأنَّ المسلمين مُجمِعُون أنَّ حُكْمَ رسولِ الله ﷺ بينَ عبدِ بن زَمْعَةَ وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ حُكْمٌ صحيحٌ، نافِذٌ في تلك القِصَّةِ بعينِها، وفي كلِّ ما يكونُ مثلَها، وليست قِصةُ داودَ ﷺ مع المَلكَيْن كذلك؛ لأنَّهما إنَّما أرادا تَعْريفَه لا الحُكْمَ عليه، وكان أمْرًا قد نَفَذ، فعَرَّفاه بما كان عليه في ذلك، وحُكْمُ رسولِ الله ﷺ ليس كذلك؛ لأنَّه حُكْم استَأنفَه وقَضَى به ليُمْتَثَلَ في ذلك وفي غيرِه. وقال محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: مَعْنَى قولِه ﷺ في هذا الحديثِ: "هو لك يا عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ"؛ أي: هو لك عبدٌ مِلْكًا، لأنَّه ابنُ وليدَةِ أبيك، وكلُّ أمَةٍ تَلِدُ مِن غيرِ سَيِّدِها، فوَلَدُها عبدٌ. يُرِيدُ أنَّه لما لم يُنْقَلْ في الحديثِ اعْتِرافُ سَيِّدِها بوَطْئِها، ولا شُهِد بذلك عليه، وكانتِ الأُصولُ تَدْفَعُ قبُولَ قولِ ابنِه عليه، لم يَبْقَ إلَّا القضاءُ بأنَّه عبدٌ، تَبعٌ لأُمِّه، وأمرَ سوْدَةَ بالاحْتِجابِ منه لأنَّها لم تَمْلِكْ منه إلَّا شِقْصًا (١). وهذا أيضًا مِن الطبريِّ تحكمٌ خِلافَ ظاهِرِ الحديثِ، ومَن قال له: إنَّها ولَدَتْ مِن غيرِ سيِّدِها؟ وهو يرَى في الحديثِ قولَ عبدِ بنِ زمْعَة: أخي، وابنُ وليدَةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه. فلم يُنْكِرْ رسولُ الله ﷺ قولَه، وقَضَى بالولَدِ للفِرَاش، وقد قدَّمْتُ لك مِن الإجْماع على أنَّ الولَدَ لاحِقٌ بالفِراشِ، وأنَّ ذلك مِن حُكْمِ رسولِ الله ﷺ

стр. 2991

مُجْمَعٌ عليه، ومن أنَّ ولَدَ الزِّنَى في الإسلام لا يلْحَقُ - بإجماع - ما يَقْطَعُ العُذْرَ، وتسكُنُ إليه النَّفْسُ؛ لأنَّه أصْلٌ، وإجماعٌ، ونَصٌّ، وليس التأويلُ كالنَّصِّ. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (١): ليس قولُ مَن قال: إنَّ دعوَى سعدٍ في هذا الحديثِ كَلا دعوَى بشيءٍ؛ لأنَّ سعدًا إنَّما ادَّعى ما كان معروفًا في الجاهليَّةِ مِن لحوقِ ولدِ الزنى بمَن ادَّعاه، وقد كان عمرُ يقْضِي بذلك في الإسلام، فادَّعَى سعدٌ وصِيَّةَ أخيه بما كان يُحكَمُ في الجاهليَّةِ به، فكانت دَعْواه لأخيه كدعْوَى أخيه لنفسِه، غيرَ أنَّ عبدَ بنَ زَمْعَةَ قابَلَه بدَعْوَى تُوجبُ عِتْقًا للمُدَّعى؛ لأنَّ مُدَّعيَه كان يَمْلِكُ بعضَه حينَ ادَّعَى فيه ما ادَّعَى، وَيعْتِقُ عليه ما كان يَمْلِكُ منه (٢)، فكان ذلك هو الذي أبْطَل دَعْوَى سعدٍ، ولما كان لعبدِ بنِ زَمْعَةَ شَريكٌ فيما ادَّعَاه، وهو أُخْتُه سودَةُ، ولم يُعْلَمْ منها في ذلك تَصْديقٌ له، ألزَمَ رسولُ الله ﷺ عبدَ بنَ زَمْعَةَ ما أقَرَّ به في نفسِه، ولم يجعَلْ ذلك حُجَّةً على أُختِه إذ لم تُصَدِّقْه، ولم يجعَلْه أخَاها، وأمرَها بالحِجابِ منه. قال (٣): وأمَّا قولُه ﷺ : "هو لكَ يا عبدَ بنَ زمْعَةَ". فمَعناه: هو لك بيَدِكَ عليه، لا أنَّك تَمْلِكُه، ولكنْ تَمْنَعُ بيَدِك عليه كل مَن سِواكَ منه، كما قال في اللُّقَطَة: "هي لَك": بيَدِكَ عليها، تدْفعُ غيرَك عنها، حتى يجيءَ صاحِبُها، ليس على أنَّها مِلْكٌ له. قال: ولا يجوزُ أن يجعَلَه رسولُ الله ﷺ ابنًا لزَمْعَةَ ثم يأْمُرَ أُخْتَه تَحتَجِبُ منه، هذا مُحالٌ لا يجوزُ أن يُضَافَ إلى النبيِّ ﵇. واختَلَف الفقهاءُ مِن معنَى هذا الحديثِ في نكاح الرجلِ ابنتَه مِن زنًى أو أُخْتَه بنتَ أبيه مِن زِنًى، فحرَّم ذلك قومٌ؛ منهم ابنُ القاسِم، وهو قولُ أبي حنيفةَ

стр. 2992

وأصحابِه، وأجاز ذلك قومٌ آخرون؛ منهم عبدُ الملِكِ بنُ الماجِشُونِ، وهو قولُ الشافعيِّ على كراهَةٍ، قال: وأحَبُّ إليَّ التَّنزُّهُ عنه؛ لقولِه ﷺ : "احْتَجِبي منه يا سَوْدَةُ". وهو لا يَفْسَخُه إن (١) نزَلَ، وقد رُوِيَ مثلُ ذلك عن مالكٍ. وحُجَّتُهم: "الولدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجرُ". فنَفَى أن يكونَ للزاني في الولدِ شيءٌ (٢). وكذلك اختلَفوا في الرجلِ يزني بالمرأةِ فتُرْضِعُ بلَبَنِه صبيةً، هل له أن يتَزوَّجَها؟ فمذهبُ جماعةٍ ممَّن قال بتحريم لبنِ الفحلِ؛ مِن الكُوفيِّينَ وغيرِهم، أنه لا يجوزُ له نِكَاحُها (٣). وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ بنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نَصرٍ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: أعطاني جابرُ بنُ زيدٍ صحيفَةً فيها مَسائِلُ أسْألُ عنها عكرمةَ (٥)، وكانَ فيها: رجلٌ فجَر بامرأةٍ، فرآها تُرضِعُ جارِيةً، أيحِلُّ له أنْ يتَزوَّجَها؟ قال: لا. وقاله جابِرُ بنُ زَيْدٍ.
следующие страницы →