← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 2988–3027 · переход к 2993.

стр. 2988

حُكما باطِنًا أوجَب الحِجابَ، والحُكْمُ الظاهِرُ لَحاقُ ابنِ وليدَةِ زَمْعَةَ بالفِراشِ. وقد وافَقَهم ابنُ القاسِم في أنَّ الزنى يُحرِّمُ مِن نِكاح الأُمِّ والابنةِ ما يُحرِّمُ النِّكاحُ، خِلافَ "المُوطَّأ". وقد قال المزنيُّ في مَعْنَى هذا الحديثِ غيرَ ما تقَدَّمَ. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: أخبرنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثني أبي، قال: سُئِل المزَنيُّ عن حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص وعبدِ بنِ زَمْعَةَ حينَ اختَصما إلى رسولِ الله ﷺ في ابنِ وليِدَةِ زَمْعَةَ، فقال: اخْتَلفَ الناسُ في تأْويلِ ما حكَمَ به رسولُ الله ﷺ مِن ذلك؛ فقال قائِلُون وهم أصحابُ الشافعيِّ، في قولِ رسولِ الله ﷺ : "احْتَجِبي منه يا سودةُ": إنَّه منَعَها منه لأنَّه يجوزُ للرجلِ أن يمْنَعَ امرأتَه مِن أخيها. وذَهَبوا إلى أنَّه أخوها على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ ألحَقَه بفِراشِ زَمْعَةَ، وما حَكَم به فهو الحقُّ الذي لا شَكَّ فيه. قال: وقال آخرون - وهم الكوفيون -: إنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ الزِّنَى حُكْمَ التحرِيم بقولِه: "احْتَجِبي منه يا سَوْدَةُ"، فمَنَعها مِن أخيها في الحُكْم؛ لأنَّه ليس بأخِيها في غيرِ الحُكْم، لأنَّه مِن زِنى في الباطنِ؛ إذ كان شَبِيهًا بعُتْبةَ في غيرِ الحُكْم. فجَعَلوه كأنَّه أجْنَبيٌّ، وأن لا يَراها لحُكْم الزنى (١)، وجعَلوه أخاها بالفِراشِ. وزَعَم الكُوفيُّون أنَّ ما حرَّمَه الحلالُ، فالحرامُ له أشَدُّ تحرِيمًا. قال المزنيُّ: وأمَّا أنا؛ فيَحْتَمِلُ تأْويلُ هذا الحديثِ عندي، واللهُ أعلمُ، أن يكونَ النبيُّ ﷺ أجاب عن المسألةِ، فأعْلَمَهم بالحُكْم أنَّ هذا يكونُ إذا ادَّعَى صاحِبُ فِراشٍ وصاحِبُ زنًى، لا أنَّه قَبِل على عُتْبةَ قولَ أخيه سعدٍ، ولا على زَمْعةَ قولَ ابنِه: إنَّه أوْلَدَها الوَلَدَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أخْبَر عن غيرِه، وقد أجْمَع المسلمون أنَّه لا يُقْبَلُ إقرارُ أحَدٍ على غيرِه، وفي هذا عندي دليلٌ على أنَّه حُكْم خرَجَ على المسألةِ، ليُعَرِّفَهم كيف الحُكْمُ في مثلِها إذا نزَل، ولذلك قال

стр. 2989

لسَوْدَةَ: "احْتَجِبي منه"؛ لأنَّه حكَمَ على المسألةِ، وقد حَكَى اللهُ في كتابِه مثلَ ذلك في قِصَّةِ داودَ والملائكةِ: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]، ولم يكونا خَصْمَيْن، ولا كان لواحِدٍ منهما تسعٌ وتسعون نَعْجَةً، ولكنَّهم كلَّموه على المسألةِ، ليعرِفَ بها ما أرادوا تَعْرِيفَه، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ حكَمَ في هذه القِصَّةِ على المسألةِ، وإن لم يكنْ أحَدٌ يُؤْنِسُني على هذا التَّأويلِ، أو كان، فهو عندي صحيحٌ، واللهُ أعلم. قال المزنيُّ: قال الشافعيُّ: إنَّ رُؤْيَةَ ابنِ زَمْعَةَ سَوْدَةَ مُباحٌ في الحُكْم، ولكنَّه كَرِهَه للشَّبَه (١)، وأمَر (٢) بالتَّنزُّهِ عنهُ اخْتيارًا. قال المزَنيُّ: لمَّا لم تَصِحَّ دَعْوَى سعدٍ لأخيه (٣)، ولا دَعْوَى عبدِ بنِ زَمْعَة، ولا أقَرَّتْ سَوْدَةُ أنَّه ابنُ أبيها، فيكونَ أخاها، منَعه مِن رُؤْيَتها، وأمَرَها بالاحْتِجابِ منه، ولو ثَبَت أنَّه أخوها ما أمَرَها أن تَحْتَجِبَ منه؛ لأنَّه ﷺ بُعِث بصلَةِ الأرحام، وقد قال لعائشةَ في عَمِّها مِن الرَّضَاعةِ: "إنَّه عَمُّكِ، فلْيَلِجْ عليك" (٤). ويَسْتَحِيُل أنْ يَأْمُرَ زَوْجَتَه ألَّا تَحْتَجِبَ مِن عَمِّها مِن الرضاعَةِ، ويأْمُرَ زَوْجَةً له أُخْرَى أنْ (٥) تَحْتَجِبُ مِن أخيها لأبيها. قال: وَيحْتَمِلُ أن تكونَ سَوْدَةُ جَهِلَتْ ما عَلِم أخوها عبدُ بنُ زَمْعَةَ، فسَكَتَت.

стр. 2990

قال المُزَنيُّ: فلَمَّا لم يَصِحَّ أنَّه أخٌ؛ لعَدَم البيِّنةِ، أو الإقرارِ ممَّن يلْزَمُه إقرارُه، وزادَه بُعْدًا في القلوبِ شَبَهُه بعُتبةَ، أمَرَها بالاحْتِجابِ منه، وكان جوابُه ﷺ على السُّؤالِ، لا على تحقيقِ زِنَى عُتْبةَ بقولِ أخيه، ولا بالوَلَدِ أنَّه لزَمْعَةَ بقولِ ابنِه، بل قال: "الولَدُ للفِرَاشِ". على قولِك: يا عَبْدَ بنَ زَمْعَة، لا على ما قال سعدٌ. ثم أخبرَ بالذي يكونُ إذا ثَبَت مثلُ هذا. قال أبو عُمر: لم يَصْنَع المُزَنيُّ شيئًا؛ لأنَّ المسلمين مُجمِعُون أنَّ حُكْمَ رسولِ الله ﷺ بينَ عبدِ بن زَمْعَةَ وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ حُكْمٌ صحيحٌ، نافِذٌ في تلك القِصَّةِ بعينِها، وفي كلِّ ما يكونُ مثلَها، وليست قِصةُ داودَ ﷺ مع المَلكَيْن كذلك؛ لأنَّهما إنَّما أرادا تَعْريفَه لا الحُكْمَ عليه، وكان أمْرًا قد نَفَذ، فعَرَّفاه بما كان عليه في ذلك، وحُكْمُ رسولِ الله ﷺ ليس كذلك؛ لأنَّه حُكْم استَأنفَه وقَضَى به ليُمْتَثَلَ في ذلك وفي غيرِه. وقال محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: مَعْنَى قولِه ﷺ في هذا الحديثِ: "هو لك يا عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ"؛ أي: هو لك عبدٌ مِلْكًا، لأنَّه ابنُ وليدَةِ أبيك، وكلُّ أمَةٍ تَلِدُ مِن غيرِ سَيِّدِها، فوَلَدُها عبدٌ. يُرِيدُ أنَّه لما لم يُنْقَلْ في الحديثِ اعْتِرافُ سَيِّدِها بوَطْئِها، ولا شُهِد بذلك عليه، وكانتِ الأُصولُ تَدْفَعُ قبُولَ قولِ ابنِه عليه، لم يَبْقَ إلَّا القضاءُ بأنَّه عبدٌ، تَبعٌ لأُمِّه، وأمرَ سوْدَةَ بالاحْتِجابِ منه لأنَّها لم تَمْلِكْ منه إلَّا شِقْصًا (١). وهذا أيضًا مِن الطبريِّ تحكمٌ خِلافَ ظاهِرِ الحديثِ، ومَن قال له: إنَّها ولَدَتْ مِن غيرِ سيِّدِها؟ وهو يرَى في الحديثِ قولَ عبدِ بنِ زمْعَة: أخي، وابنُ وليدَةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه. فلم يُنْكِرْ رسولُ الله ﷺ قولَه، وقَضَى بالولَدِ للفِرَاش، وقد قدَّمْتُ لك مِن الإجْماع على أنَّ الولَدَ لاحِقٌ بالفِراشِ، وأنَّ ذلك مِن حُكْمِ رسولِ الله ﷺ

стр. 2991

مُجْمَعٌ عليه، ومن أنَّ ولَدَ الزِّنَى في الإسلام لا يلْحَقُ - بإجماع - ما يَقْطَعُ العُذْرَ، وتسكُنُ إليه النَّفْسُ؛ لأنَّه أصْلٌ، وإجماعٌ، ونَصٌّ، وليس التأويلُ كالنَّصِّ. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (١): ليس قولُ مَن قال: إنَّ دعوَى سعدٍ في هذا الحديثِ كَلا دعوَى بشيءٍ؛ لأنَّ سعدًا إنَّما ادَّعى ما كان معروفًا في الجاهليَّةِ مِن لحوقِ ولدِ الزنى بمَن ادَّعاه، وقد كان عمرُ يقْضِي بذلك في الإسلام، فادَّعَى سعدٌ وصِيَّةَ أخيه بما كان يُحكَمُ في الجاهليَّةِ به، فكانت دَعْواه لأخيه كدعْوَى أخيه لنفسِه، غيرَ أنَّ عبدَ بنَ زَمْعَةَ قابَلَه بدَعْوَى تُوجبُ عِتْقًا للمُدَّعى؛ لأنَّ مُدَّعيَه كان يَمْلِكُ بعضَه حينَ ادَّعَى فيه ما ادَّعَى، وَيعْتِقُ عليه ما كان يَمْلِكُ منه (٢)، فكان ذلك هو الذي أبْطَل دَعْوَى سعدٍ، ولما كان لعبدِ بنِ زَمْعَةَ شَريكٌ فيما ادَّعَاه، وهو أُخْتُه سودَةُ، ولم يُعْلَمْ منها في ذلك تَصْديقٌ له، ألزَمَ رسولُ الله ﷺ عبدَ بنَ زَمْعَةَ ما أقَرَّ به في نفسِه، ولم يجعَلْ ذلك حُجَّةً على أُختِه إذ لم تُصَدِّقْه، ولم يجعَلْه أخَاها، وأمرَها بالحِجابِ منه. قال (٣): وأمَّا قولُه ﷺ : "هو لكَ يا عبدَ بنَ زمْعَةَ". فمَعناه: هو لك بيَدِكَ عليه، لا أنَّك تَمْلِكُه، ولكنْ تَمْنَعُ بيَدِك عليه كل مَن سِواكَ منه، كما قال في اللُّقَطَة: "هي لَك": بيَدِكَ عليها، تدْفعُ غيرَك عنها، حتى يجيءَ صاحِبُها، ليس على أنَّها مِلْكٌ له. قال: ولا يجوزُ أن يجعَلَه رسولُ الله ﷺ ابنًا لزَمْعَةَ ثم يأْمُرَ أُخْتَه تَحتَجِبُ منه، هذا مُحالٌ لا يجوزُ أن يُضَافَ إلى النبيِّ ﵇. واختَلَف الفقهاءُ مِن معنَى هذا الحديثِ في نكاح الرجلِ ابنتَه مِن زنًى أو أُخْتَه بنتَ أبيه مِن زِنًى، فحرَّم ذلك قومٌ؛ منهم ابنُ القاسِم، وهو قولُ أبي حنيفةَ

стр. 2992

وأصحابِه، وأجاز ذلك قومٌ آخرون؛ منهم عبدُ الملِكِ بنُ الماجِشُونِ، وهو قولُ الشافعيِّ على كراهَةٍ، قال: وأحَبُّ إليَّ التَّنزُّهُ عنه؛ لقولِه ﷺ : "احْتَجِبي منه يا سَوْدَةُ". وهو لا يَفْسَخُه إن (١) نزَلَ، وقد رُوِيَ مثلُ ذلك عن مالكٍ. وحُجَّتُهم: "الولدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجرُ". فنَفَى أن يكونَ للزاني في الولدِ شيءٌ (٢). وكذلك اختلَفوا في الرجلِ يزني بالمرأةِ فتُرْضِعُ بلَبَنِه صبيةً، هل له أن يتَزوَّجَها؟ فمذهبُ جماعةٍ ممَّن قال بتحريم لبنِ الفحلِ؛ مِن الكُوفيِّينَ وغيرِهم، أنه لا يجوزُ له نِكَاحُها (٣). وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ بنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نَصرٍ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: أعطاني جابرُ بنُ زيدٍ صحيفَةً فيها مَسائِلُ أسْألُ عنها عكرمةَ (٥)، وكانَ فيها: رجلٌ فجَر بامرأةٍ، فرآها تُرضِعُ جارِيةً، أيحِلُّ له أنْ يتَزوَّجَها؟ قال: لا. وقاله جابِرُ بنُ زَيْدٍ.

стр. 2993

قال أبو عُمر: وأجاز نكاحَها طائفتانِ مِن الحِجازِيِّين؛ إحداهما تقولُ: إنَّ لبنَ الفحل لا يُحرِّمُ شيئًا. والأُخرى تقولُ: إنَّ الزِّنَى لا يُحرِّمُ نكاحَ بنتٍ ولا أمٍّ (١)، ولا حُكْمَ له، وإنَّما الحُكْمُ للوَطْءِ الحَلالِ في الفِرَاشِ الصحيح. وسنذْكُرُ اخْتِلافَ الفقهاءِ في التحريم بلبنِ الفحلِ في هذا الكتابِ (٢) إن شاء الله. قال أبو عُمر: قد ظَنَّ ظانٌّ أنَّ عمرَ بنَ الخطاب كان يُليِطُ أولادَ الجاهليةِ بمَن ادَّعَاهم، كان هناك فِرَاشٌ أو لم يكنْ (٣)، وذلك جَهلٌ وغباوَةٌ وغفلةٌ شديدةٌ (٤)، وإنمَّا الذي كان عمرُ يَقْضِي به، أن يُليطَ أولادَ الجاهليَّةِ بمَن ادَّعَاهم إذا لم يكنْ هناك فِراشٌ. وفيما ذكرنا مِن قولِ رسولِ الله ﷺ : "الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ" ما يُغْني ويكْفِي، ونحنُ نزيدُ ذلك بيَانًا بالنصِّ (٥) عن عمرَ ﵀، وإن كان مُسْتحيلًا أنْ يَظُنَّ به أحدٌ أنَّه خالَفَ بحُكمِه حُكْمَ رسولِ الله ﷺ في: "الولَدُ للفِراشِ، وللعاهرِ الحجَرُ" إلَّا جاهِلٌ، لا سيَّما مع استِفاضَةِ هذا الحديثِ (٦) عندَ الصحابةِ ومَن بعدَهم. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسَينيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامَةَ الطَّحاويُّ، قال (٧): حدَّثنا أبو

стр. 2994

إبراهيمَ إسماعيلُ بنُ يحيى المزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، عن سفيانَ بنِ عيينةَ، عن عبيدِ الله (١) بنِ أبي يزيدَ، عن أبيه، قال: أرْسَل عمرُ بنُ الخطابِ إلى شيخٍ مِن بني زُهرةَ مِن أهل دارِنا، فذَهَبْتُ مع الشيخِ إلى عمرَ وهو في الحِجْرِ، فسأله عن ولادٍ من ولادِ الجاهليَّة - قال: وكانَتِ المرأةُ في الجاهليَّةِ إذا طلَّقها زوجُها، أو مات عنها، نكَحَتْ بغيرِ عدَّةٍ - فقال الرجلُ: أمَّا النُّطفةُ فمِن فلانٍ، وأمَّا الولَدُ فهو على فِراشِ فُلانٍ. فقال عمرُ: صَدَقْتَ، ولكنْ قَضَى رسولُ الله ﷺ بالوَلَدِ للفِرَاش. فلمَّا لم يَلْتفِتْ إلى قولِ القائِفِ مع الفِراشِ، كان أحرَى ألَّا يلتفِتَ معه إلى الدَّعوَى. وحدَّثنا (٢) أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال (٣): سمِعتُ أبا الرَّدَّادِ عبدَ الله بنَ عبد السلام يقولُ: سمِعتُ عبدَ الملكِ بنَ هشام النحويَّ يقولُ: هو زَمَعَةُ، بالفتح (٤). حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ

стр. 2995

عمرَ (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنَّه سَمِع عُبَيْدَ بنَ عُمَيرٍ يقولُ: نرَى رسولَ الله ﷺ إنَّما قَضَى بالوَلَدِ للفِرَاشِ مِن أجلِ نُوحٍ ﵇. وروَى شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، قال: أوَّلُ قَضاءٍ عَلِمْتُه مِن قَضَاء رسولِ الله ﷺ رَدُّه دعْوَةَ زيَادٍ - يَعْني واللهُ أعلمُ - قولَه ﷺ : "الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجرُ" (٣). وفي قوله ﷺ : "وللعاهرِ الحجرُ" إيجابُ الرَّجْم على الزاني؛ لأنَّ العاهِرَ: الزاني، والعَهْرَ: الزِّنَى (٤)، وهذا معروفٌ عندَ جماعَةِ أهلِ العِلْم والفِقْهِ، لا يختَلِفون في ذلك، إلَّا أنَّ العاهِرَ في هذا الحديثِ المقصودَ إليه بالحجرِ، هو المحصنُ دُونَ البِكْرِ، وهذا أيضًا إجماعٌ مِن المسلمين أنَّ البِكْرَ لا رَجْمَ عليه. وقد ذكرْنا أحكامَ الرجم والإحصانِ، وما في ذلك للعلماءِ مِن التنازُعِ في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله (٥)، والحمدُ لله.

стр. 2996

وقد قيل: إنَّ قولَه ﷺ : "الولَدُ للفراشِ، وللعاهرِ الحجرُ" أي: أنَّ الزانيَ لا شيءَ له في الولَدِ، ادَّعاه أو لم يدَّعِه، وألَه لصاحِبِ الفِراش دُونَه، لا ينتَفِي عنه أبدًا إلَّا بلعَانٍ في الموضِع الذي يجبُ فيه اللِّعانُ (١). قالوا: وقولُه: "وللعاهِرِ الحجرُ" كقَوْلهم: بِفِيكَ الحجَرُ؛ أي: لا شيءَ لك. قالوا: ولم يقصِدْ بقولِه: "وللعاهِرِ الحجرُ" الرَّجْمَ، إنَّما قصَد به إلى نَفْي الولَدِ عنه، واللفظُ مُحتمِل للتأويلَيْن جميعًا، واللهُ أعلم. ذكرَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، عن ابنِ أبي أُوَيْسٍ، عن مالكٍ، في الرجلِ يَطأُ أمَتَه، وقد زَوَّجها عبدَه، فتَحْمِلُ منه، فقال مالِكٌ: يُعاقِبُه السُّلطانُ (٢)، ولا يَلْحَقُ به الولَدُ، إنَّما الولَدُ للفِرالش. وقال مرَّةً أُخْرَى: إن كان العَبْدُ ليس بغائبٍ عنها ولا معْزُولٍ، فالولَدُ له (٣). يعني للعبدِ. قال: وقال مالِكٌ في الرَّجُل يدَّعي الولدَ مِن المرأةِ ويقولُ: قد نكَحْتُها، وهي امرأتي (٤)، وهذا ولَدي منها. ولم يُعْلَمْ ذلك، قال مالكٌ: لا يجوزُ هذا في حياته ولا عندَ مماتِه إذا لم يُعْلَمْ ذلك. وقال مالِكٌ في الرجلِ يدَّعي الولَدَ المنبُوذَ بعدَ أن يُوجَدَ، فيقولُ: هو (٥) ابني. قال مالكٌ: لا يُلحَقُ به، وهذا كلُّه مِن أجلِ أنَّ الفراشَ غيرُ معلوم (٦)، واللهُ أعلم.

стр. 2997

حديثٌ عاشرٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ حجَّةِ الودَاع، فأهلَلْنا بعُمْرةٍ، ثم قال رسولُ الله ﷺ : "مَن كان معه هَدْيٌ فليُهْلِلْ بالحجِّ معَ العُمْرةِ، ثم لا يحِلَّ حتى يحِلَّ منهما جميعًا". قالت: فقَدِمتُ مكةَ وأنا حائِضٌ، فلمْ أطُفْ بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، فشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: "انْقُضِي رأْسَكِ، وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحجِّ، ودَعِي العُمرةَ". قالت: ففعلتُ. فلمَّا قضيتُ (٢) الحجَّ أرْسَلَني رسولُ الله ﷺ مع عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ إلى التَّنعيم فاعتمرتُ، فقال: "هذه مكانَ عُمرتِكِ". قالت: فطاف الذين أهَلُّوا بالعُمرةِ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ثم حَلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخَرَ بعدَ أن رجَعوا مِن منًى لحجِّهم، وأمَّا الذين كانوا أهلُّوا بالحجِّ، أو جمَعوا الحجَّ والعُمرةَ، فإنَّما طافوا طوافًا واحِدًا. روَى هذا الحديثَ يحيى بنُ يحيى في "الموطأ" (٣)، عن مالك بن أنس، عن

стр. 2998

عبدِ الرحمن بنِ القاسِم، عن أبيه، عن عائشةَ هكذا، قالت: خَرَجنا مع رسولِ الله ﷺ . الحديثَ حَرْفًا بحَرْفٍ، ثم أرْدَفَه بحديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، ولم يذكُرْ في إسنادِ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ (١) أس مِن قوله: بمثلِ ذلك، عَطْفًا على حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسِم، عن أبيه، عن عائشةَ، كما ذكرنا لفظَه وسياقتَه هنا. وهذا شيءٌ لم يُتابِع يحيى عليه أحَدٌ مِن رُواةِ "الموطأ" فيما عَلِمْتُ، ولا غيرُهم، عن مالكٍ، أعني إسْنادَ عبدِ الرحمن بنِ القاسِم في هذا المتنِ، وإنَّما رَواه أصحابُ مالكٍ كلُّهم كما ذكَرنا، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، إلّا قولَه: "وأمَّا الذين كانوا أهَلُّوا بالحجِّ". فلم يذكُروه، وقالوا: وأمَّا الذين جمَعوا الحجَّ والعمرةَ. وروَوا كلّهم ويحيى معهم، عن مالكٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسِم، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها قالت: قَدِمْتُ مكةَ وأنا حائِضٌ، فلم أطُفْ بالبيتِ، ولا بينَ الصفا والمروةِ، فشكَوْتُ ذلك إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: "افعَلي ما يَفْعَلُ الحاجُّ، غيرَ ألَّا تَطُوفي بالبيتِ" (٢). وسنذكُرُ هذا الحديثَ في بابِ عبدِ الرحمن، ونذكُرُ الاختلافَ في ألفاظِه عن مالكٍ وغيرِه هناك إن شاء الله. فحَصَل ليحيى حديثُ هذا البابِ بإسنادَينِ، ولم يفعَلْ ذلك أحَدٌ غيرُه، وإنَّما هو عندَ جَميعِهم عن مالكٍ بإسنادٍ واحدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، وهو المحفوظُ المعروفُ عن مالكٍ، وعن سائرِ رواةِ ابنِ شهابٍ. ومن الرواةِ عن مالكٍ في غيرِ "الموطأ" طائِفَةٌ اختَصَرَت هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، فجاءَتْ ببَعْضِه وقَصَّرَت عن تمامِه،

стр. 2999

ولم تُقِمْ سياقتَه؛ منهم: عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، وأبو سعيدٍ مولى بني هاشم، وموسى بنُ داودَ، وإبراهيمُ بنُ عمرَ بنِ أبي الوزيرِ أبو المطرِّفِ، ويحيى بنُ زكريَّا بنِ أبي زائِد (١)، ذكرَ ذلك الدَّارقُطْنيُّ. وكذلك رَواه ابنُ وَهْبٍ مختصرًا (٢)، وألفَاظُهم أيضًا مع اختصارِهم للحديثِ مختلِفَة؛ فلفظُ حديثِ ابنِ مَهْدِيٍّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ (٣)، عن عائشةَ، أنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ الذين أهَلُّوا بالعمرةِ طافوا بالبيتِ، وبينَ الصفا والمرو، ثم طافوا طوافًا آخَرَ بعدَ أن رجَعوا مِن منًى لحجِّهم، والذين قرَنوا طافوا طوافًا واحِدًا (٤). ولفظُ حديثِ أبي سعيدٍ مولى بني هاشِم، عن مالكٍ بإسنادِه هذا، عن عائشة (٥)، قالت: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ الذين لَبَّوا مِن مكةَ لم يطُوفوا حتى رجَعوا مِن منًى. ولفْظُ حديثِ موسى بنِ داودَ، عن مالكٍ بإسنادِه، عن عائشةَ، قالت: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ الذين كانوا معَه لم يَطُوفوا حتى رمَوُا الجمرةَ (٦).

стр. 3000

ولفظُ ابنِ وَهْبٍ حينَ اخْتَصَره، قال (١): أخبرني مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: خرَجنا معَ رسولِ الله ﷺ ، فأهْلَلْتُ بعمرةٍ، فقدِمْتُ مكةَ وأنا حائضٌ، فشكَوْتُ ذلك إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: "أهلِّي بالحجِّ، ودَعي العمرةَ". فلمَّا قَضَيْنا الحجَّ أرْسَلَني رسولُ الله ﷺ معَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ فاعْتَمَرْتُ، فقال: "هذه مكانَ عُمرتِكِ" (٢). وقد رَوَاه ابنُ وَهْبٍ بتَمامِه (٣) كما روَاه سائِرُ رواةِ "الموطأ"، وكلُّ مَن رَواه عن مالكٍ بتَمامِه أو مُختصرًا، لم يَرْوِه عنه إلَّا بإسنادٍ واحِدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، إلَّا يحيى صاحبَنا، فإنَّه رَواه بإسنادَين؛ عن عبدِ الرحمن بنِ القاسِم، عن أبيه، عن عائشةَ، وعن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، فأعْضَل. قال أبو عُمر: ذكر أبو داود (٤) حديثَ ابنِ شهابٍ عن عروةَ عن عائشةَ هذا عن القعنبيِّ، عن مالكٍ. وذكَره البخارِيُّ (٥) في موضع مِن "كتابِه"، عن القعنبيِّ، عن مالكٍ، وفي موضِع آخَزَ (٦)، عن عبدِ الله بنِ يُوسُفَ التِّنِّيسيِّ، عن مالكٍ. وروايَةُ القعنبيِّ أتمُّ، وليس في شيءٍ منها ما ذكَره يحيى أيضًا مِن قولِ عائشةَ: وأمَّا الذين أهلُّوا بالحجِّ، أو جمَعوا الحجَّ والعُمرةَ، فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا. وإنَّما في روايَتهم كلِّهم:

стр. 3001

وأمَّا الذين جمَعوا الحجَّ والعمرةَ، فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا. لم يذْكُروا: الذين أهَلُّوا بالحجِّ. وذكره يحيى بالإسنادِ الذي ذكرنا، ثم عَطَف عليه ما وصَفْنا. وقال أبو داودَ (١) في بعضِ النُّسَخ بإثْرِ حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قال: وكذلك رَواه إبراهيمُ بنُ سعدٍ ومعمرٌ، عن ابنِ شهابٍ نحوَه، ولم يذكُرا طَوافَ الذين أهَلُّوا بالعمرةِ، وذكرا طَوافَ الذين جمَعوا الحجَّ والعمرةَ. قال أبو عُمر: أمَّا حديثُ معمرٍ، فذكره عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ عام حجَّةِ الوَداع، فأهْللتُ بعمرةِ، ولم أكُنْ سُقْتُ الهديَ، فقال النبيُّ ﷺ : "مَن كان معه هديٌ فلْيُهِلَّ بحَجٍّ مع عمرتِه، ثم لا يحِلَّ حتى يحِلَّ منهما جميعًا". فحِضْتُ، فلمَّا دخَلَت ليلةُ عرفةَ، قلتُ: يا رسولَ الله، إنِّي كنتُ قد أهلَلْتُ بعمرةٍ، فكيف أصْنَعُ بحجَّتي؟ قال: "انْقُضِي رأْسَكِ، وامْتَشِطي، وأمْسِكي عن العمرَةِ، وأهلِّي بالحجِّ". فلمَّا قَضَيْتُ الحجَّ أمَرَ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ فأعْمَرَني مِن التنعِيم مكانَ عُمرتي التي سَكتُّ عنها (٢). هكذا ذكرَه عبدُ الرزاقِ، لم يذْكُرْ فيه طَوافَ الذين أهَلُّوا بالعمرةِ، ولا طَوافَ الذين أهَلُّوا بالحجِّ، أو جمَعوا الحجَّ والعمرةَ. وأمَّا حديثُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ شاكر، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ الهاشميُّ،

стр. 3002

قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: أهْللتُ معَ رسولِ الله ﷺ زمَنَ حجَّةِ الوَداع بعمرةٍ، وكنتُ فيمن تمتَّع ولم يسقِ الهديَ. فزعَمَتْ أنَّها حاضَتْ ولم تَطْهُرْ حتى دخَلتْ ليلةُ عرفة، فقالت لرسولِ الله ﷺ : هذا يومُ عرفةَ، ولم أطْهُرْ بعدُ، وكنتُ تمتَّعْتُ بالعُمْرة، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "انْقُضِي رأْسَكِ، وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحج، وأمْسِكي عن العمرةِ". قالت: ففَعَلْتُ، حتى قَضَيْتُ حَجَّتي ونَفَر الناسُ، أمَرَ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ ليلةَ الحصبةِ فأعْمَرَني مِن التنعيم مكانَ عُمرتي التي سَكَتُّ عنها (١). ورواهُ ابنُ عُيْينَةَ فاختصره، ولكنَّهُ جَوَّدَهُ. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبرنا قاسمٌ (٢)، قال: حدَّثنا الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي عمرَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: أهَلَّ رسولُ الله- ﷺ بالحجِّ، وأهَلَّ به ناسٌ، وأهَل ناسٌ بالعمرةِ، وكنتُ فيمَن أهَلَّ بالعمرة (٣). قال أبو عُمر: هذا تَفْسيرُ روايةَ مالكٍ في هذا الحديثِ، عن عائشةَ -قالت: خَرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ عامَ حجَّةِ الودَاع، فأهْلَلْنا بعمرة- أنَّها إنَّما أرادَتْ نفسَها لا رسولَ الله ﷺ ، وكذلك روَى عنها القاسمُ وغيرُه، أنَّ رسولَ الله ﷺ أفْرَد الحج.

стр. 3003

قال أبو عُمر: مالكٌ أحْسَنُ الناسِ سياقَةً لهذا الحديثِ، عن ابنِ شهابٍ، وفي حديثه معَانٍ قَصَّرَ عنها غيرُه، وكان أثبتَ الناسِ في ابنِ شهابٍ، ﵀. وفي حديثِ مالكٍ هذا (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، مِن الفقهِ: أن التَّمَتُّعَ جائزٌ، وأنّ الإفرادَ جائِزٌ، وأنّ القِرَانَ جائِزٌ. وهذا لا خِلافَ فيه مِن (٢) أهلِ العِلم؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ رَضِي كلًّا ولم يُنْكِرْه في حجَّتِه على أحَدٍ مِن أصحابِه، بل أجازَه لهم ورَضِيَه. واختَلَف العلماءُ في ما كان رسولُ الله ﷺ به مُحرِمًا يومئِذٍ وفي الأفضلِ مِن الثلاثةِ الأوجهِ؛ فقال منهم قائلونَ، منهم مالكٌ: كان رسولُ الله ﷺ يومَئِذٍ مفرِدًا، والإفرادُ أفْضَلُ مِن القِرانِ والتَّمَتُّع. قال: والقِرانُ أفضلُ مِن التَّمَتُّع. وروَى مالكٌ (٣)، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسِم، عن أبيه، عن عائشةَ، وعن محمدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أفْرَد الحجَّ. واحْتَجَّ أيضًا مَن ذهَب مَذْهَبَ مالكٍ في ذلك بما رَواه ابنُ عيينةَ وغيرُه، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، في هذا الحديثِ، قالت: خَرَجنا مع رسولِ الله ﷺ فقال: "مَن أراد أن يُهِلَّ بحَجٍّ فلْيُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهِلَّ بحَجٍّ وعمرةٍ فلْيُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ". قالت عائشةُ: فأهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحَجِّ، وأهَلَّ به ناسٌ معه. وذكر الحديثَ (٤).

стр. 3004

وكذلك روَاه جماعَةٌ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ سواءً، وقالوا فيه: قال رسولُ الله ﷺ : "وأمَّا أنا فإني أُهِلُّ (١) بالحجِّ" (٢). وهذا نَصٌّ في مَوْضِع الخِلافِ، وهو حُجَّةُ مَن قال بالإفرَادِ وفَضَّلَه. وقد روَى الدراوردِيُّ، عن جعفرِ بنِ محمد، عن أبيه، عن جابرٍ، أن رسولَ الله ﷺ أفْرَد الحجَّ (٣). وروَى الليثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: أقْبَلْنا مُهِلِّين بحَجٍّ مُفْرَدٍ (٤). وروَى الحميديُّ (٥) أيضًا، عن الدراورديِّ، عن علقمةَ بنِ أبي علقمةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن رسولَ الله ﷺ أفْرَد الحجَّ.

стр. 3005

وقد رُوي هذا الحديثُ أيضًا عن مالكٍ، عن علقمةَ بإسنادِه مثلَه. حُدِّثنا به مِن طريقِ أبي مصعبٍ، عن مالكٍ، وليس في "الموطأ" كذلك. وروَى عبَّادُ بنُ عبَّادٍ، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: أهْلَلْنا معَ رسولِ الله ﷺ بالحجِّ مُفْرَدًا (١). وحَكَى المزنيُّ، عن ابنِ عمرَ مثلَه سَواء. وحكَى محمدُ بنُ الحسنِ، عن مالكٍ أنَّه قال: إذا جاءَ عن النبيِّ ﷺ حديثان مُختَلِفان، وبلَغَنا أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ عَمِلا بأحَدِ الحديثَيْن وتَرَكا الآخَرَ، كان في ذلك دلالةٌ على أنَّ الحقَّ فيما عَمِلا به. واستَحَبَّ أبو ثورٍ الإفرادَ أيضًا، وفضَّلَه على التمتع والقِرَان. وهو قولُ عبدِ العزيز بنِ أبي سَلَمَةَ، والأوزاعيِّ، وعبيدِ الله بنِ الحسنِ (٢). وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أنَّ الإفرادَ أفْضَلُ، وهو أشْهَرُ قولَيْه عنه. ورُوي ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعائشةَ، وجابِر.

стр. 3006

واستَحَب آخرون التَّمَتُّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ، وقالوا: ذلك أفضلُ. وهو مذهبُ عبد الله بنِ عمرَ، وعبدِ الله بنِ عباسٍ، وابنِ الزبيرِ، وعائشةَ أيضًا. وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ. وهو أحَدُ قَوْلي الشافعيِّ، كان الشافعيُّ يقولُ: الإفرادُ أحبُّ إليَّ مِن التَّمَتُّع، ثم القِرَانُ. وقال في "البُوَيطِي": التَّمَتُّع أحَبُّ إليَّ مِن الإفرادِ والقِرانِ (١). واحتجَّ القائلون بتَفضيلِ التَّمَتُّع بحديثِ معمرٍ، عن أيوبَ، قال: قال عروةُ لابنِ عباسٍ: ألا تَتقي اللهَ، تُرَخِّصُ في المتْعَةِ؟! فقال ابنُ عباسٍ: سَلْ أُمَّكَ يا عُرَيَّةُ. فقال عروةُ: أمَّا أبو بكرٍ وعمرُ فلم يَفعَلا. فقال ابنُ عباسٍ: والله ما أراكم مُنتَهِينَ حتى يُعَذِّبَكم اللهُ تعالى، نُحَدِّثُكم عن رسولِ الله ﷺ وتُحدِّثونا عن أبي بكرٍ وعمرَ (٢)! وبحديثِ الليثِ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: تمتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجةِ الوداع بالعمرةِ إلى الحجِّ، وأهدَى، وساق الهديَ معه مِن ذي الحُلَيفَةِ، وبدَأ رسولُ الله ﷺ يُهِلُّ بالعمرةِ، ثم أهَلَّ بالحجِّ، وتَمَتَّع الناسُ مع رسولِ الله ﷺ بالعمرةِ إلى الحج (٣). قال عُقَيلٌ: قال ابنُ شهابٍ: وأخبرني عروةُ عن عائشةَ بمثلِ خبَر سالم، عن أبيه، في تمتُّع رسولِ الله ﷺ بالعُمْرَة إلى الحجِّ. ذكَره البخاريُّ (٤)، عن ابنِ بُكير، عن الليثِ.

стр. 3007

واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ في المتعةِ: صنَعَها رسولُ الله ﷺ وصَنَعناها معه (١). وبحديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: تَمَتَّعنا على عَهدِ رسولِ الله ﷺ مُتعَةَ الحجِّ (٢). وبحديثِ سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن علي، أنَّ رسولَ الله ﷺ تمتَّعَ، رواه شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّة، عن سعيدٍ (٣). ورَواه حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، عن عبدِ الرحمن بنِ حرملةَ، عن سعيد (٤). وبحديثِ مالكٍ، وعبيدِ الله بنِ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن حفصةَ، أنَّها قالت لرسولِ الله ﷺ : ما شَأنُ الناس حلُّوا بعُمرةٍ (٥) ولم تَحِلَّ أنت مِن عُمرتِكَ؟

стр. 3008

فقال: "إنِّي لبَّدتُ رأْسي، وقَلَّدتُ هَدي، فلا أحِلُّ حتى أنحَرَ" (١). وسيَأتي القولُ في حديثِ حفصةَ هذا في مَوضعِه مِن كتابِنا هذا إن شاء اللهُ. واحتَجُّوا أيضًا بما حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عمرَ بنِ راشِدٍ بدِمَشْق، قال: حدَّثنا أبو زُرعَة، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم قال: إنِّي لجالسٌ مع ابن عمرَ في المسجدِ إذ جاءَه رجلٌ مِن أهلِ الشام فسأله عن التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجِّ، فقال ابنُ عمرَ: حَسَنٌ جميلٌ. قال: فإنَّ أباك كان يَنهى عنها، فقال: ويلَك! فإن كان أبي نهَى عن ذلك، فقد فَعَله رسولُ الله ﷺ وأمَرَ به، أفبِقَوْلِ أبي آخُذُ أم بأمرِ رسولِ الله ﷺ ؟! قُمْ عنِّي (٢). وقال عبدُ الله بنُ شريكٍ: تمتَّعْتُ فسألْتُ ابنَ عمرَ، وابنَ عباسٍ، وابنَ الزبيرِ، فقالوا: هُدِيتَ لسنةِ نبيِّك (٣).

стр. 3009

وقال شعبةُ، عن أبي جَمرةَ: تمتَّعتُ فنَهاني عنها أُناسٌ، فسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: سُنَّةُ أبي القاسم ﷺ (١). يعني: التَّمَتُّعَ. واحتجُّوا بآثارٍ كثيرةٍ يطولُ ذكرُها؛ منها: حديثُ الثوريِّ، عن ليثٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تمتَّعَ رسولُ الله ﷺ حتى مات، وأبو بكرٍ حتى مات، وعمرُ حتى ماتَ، وعثمانُ حتى مات، وأوَّلُ مَن نَهى عنها معاوية (٢). قال أبو عُمر: حديثُ ليثٍ هذا منكرٌ، وهو ليثُ بنُ أبي سُلَيْم، ضعيفٌ، والمشهورُ عن عمرَ وعثمانَ أنَّهما كانا يَنْهَيان عن التَّمَتُّع، وإن كان جماعَة مِن أهلِ العِلْم قد زَعَموا أنَّ المتعةَ التي نَهى عنها عمرُ وضَرَب عليها فَسْخُ الحجِّ في عمرةٍ، فأمَّا التمتُّعُ بالعُمرةِ إلى الحجِّ فلا، وزَعَم مَن صحَّح نهْيَ عمرَ عن التَّمَتُّع أنَّه إنَّما نَهى عنه ليُنْتجَعَ البيتُ مرَّتَين أو أكثرَ في العام. وقال آخرونَ: إنَّما نَهى عنها عمرُ لأنَّه رأى الناسَ مالوا إلى التَّمَتُّع ليَسارته وخِفَّتِه، فخَشيَ أن يَضِيعَ الإفرادُ والقِرانُ، وهما سُنَّتان للنبيِّ ﷺ . وذكَر معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، قال: سُئِل ابنُ عمرَ عن متعةِ الحجِّ فأمَر بها، فقيل له: إنَّك لتُخالِفُ أباك. فقال: إن عُمرَ لم يقُلِ الذي تقولون؛ إنَّما قال عُمرُ: أفْرِدوا الحجَّ مِن العُمرةِ، فإنَّه أتمُّ للعُمرةِ؛ أي أنّ العمرةَ لا تَتِمُّ في شُهورِ الحجِّ إلَّا

стр. 3010

بهَدْي، وأراد أن يُزارَ البيتُ في غير شُهورِ الحجِّ، فجَعَلْتُموها أنتم حرامًا وعاقبْتُم الناسَ عليها، وقد أحَلَّها اللهُ وعَمِل بها (١) رسولُ الله ﷺ . فإذا أكثرُوا عليه قال: كتابُ الله بيني وبينَكم، كتابُ الله أحَقُّ أن يُتَّبعَ أم عمرُ (٢)؟! واحتَجَّ أحمدُ بنُ حنبل (٣) في اختيارِ التَّمَتُّع بقولِه ﷺ : "لو استقبَلْتُ مِن أمري ما استَدبَرتُ، ما سُقتُ الهديَ، ولجعَلْتُها عمرةً" (٤). والأحاديثُ في التَّمتُّع كثيرةٌ جدًّا. وقال آخرون: القِرَانُ أفضلُ، وهو أحَبُّ إليهم؛ منهم أبو حنيفةَ، والثوريُّ، وبه قال المزنيُّ صاحِبُ الشافعي، قال: لأنَّه يكونُ مُؤدِّيًا للفَرضَيْنِ جميعًا. وهو قولُ إسحاقَ، قال إسحاقُ: كان رسولُ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَداع قارِنًا. وهو قولُ عليِّ بن أبي طالبٍ، وقال أبو حنيفةَ: القِرَانُ أفضَلُ، ثم التَّمَتُّعُ، ثم الإفرادُ. وقال أبو يوسفَ: التمتعُ والقِرانُ سواءٌ، وهما أفضلُ مِن الإفرادِ (٥). واحتَج مَن استَحَبَّ القِرَانَ وفَضَّلَه بآثارٍ؛ منها: حديثُ عمرَ بنِ الخطابِ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ وهو بوادِي العَقِيقِ (٦): "أتاني الليلةَ آتٍ مِن ربِّي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المباركِ، وقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ".

стр. 3011

رواه الأوزاعِيُّ (١) وعليُّ بنُ المباركِ (٢)، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، سَمِع عمرَ، سَمِع رسولَ الله ﷺ بذلك. وحديثُ الصُّبَيِّ بنِ مَعبَدٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال الصُّبَيُّ: أهلَلتُ بالحجِّ والعُمرَةِ جميعًا، فلمَّا قَدِمتُ على عمرَ ذكرتُ ذلك له، فقال: هُديتَ لسنةِ نَبِيِّك ﷺ . وهو حديثٌ كُوفيٌّ جيِّدُ الإسنادِ، وروَاه الثِّقاتُ الأثباتُ، عن أبي وائلٍ، عن الصُّبَيِّ بنِ مَعبَدٍ، عن عُمرَ. ومنهم مَن يجعَلُه عن أبي وائِلٍ، عن عُمرَ؛ فممن روَاه هكذا عن أبي وائِلٍ، عن عمرَ: الحكمُ بنُ عُتَيبةَ (٣)، وسَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ (٤)، وعاصِمُ بنُ أبي النَّجُودِ (٥)، وسيَّار أبو الحكَم (٦).

стр. 3012

ورَواه الأعمشُ (١)، ومنصورٌ (٢)، وعَبْدَةُ بنُ أبي لُبابةَ (٣)، عن أبي وائِلٍ، عن الصُّبَيِّ بنِ مَعبَدٍ، عن عُمرَ. وهؤلاء جوَّدُوه، وهم أحفَظُ. وقد رَوَاه عن الصُّبَيِّ: مسروقٌ (٤)، وأبو وائِل (٥) (٦). ومنها: حديثُ حَفصَةَ الذي قَدَّمنا ذكرَه، ومنها: حديثُ أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لبَّيكَ بحَجَّةٍ وعُمرَةٍ". معًا؛ رَواه حُميدٌ الطَّوِيلُ (٧)،

стр. 3013

وحَبِيبُ بنُ الشَّهيدِ (١)، عن بكير المُزنيِّ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يُلَبِّي بالحجِّ والعمرةِ جميعًا. قال بكر: فحدَّثْتُ بذلك ابنَ عمرَ، فقال: لبَّى بالحَجِّ وحدَه. فلَقِيتُ أنسًا فحدَّثتُه، فقال: ما تَعُدُّوننا إلَّا صِبْيانًا، سمِعتُ (٢) رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لبَّيكَ بحَجَّةٍ وعمرةٍ" معًا. وهذا الحديثُ يُعارِضُ ما رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ تَمَتَّعَ (٣). وفيهما نَظَرٌ، ويُخرَّجُ على مَذهَبِ ابنِ عمرَ في التَّمتُّعُ أنَّه لبَّى بالحَجِّ وحدَه مِن مكة. وقد روَى معمرٌ وغيرُه، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمرةٍ معًا (٤). ورُوِي عن أنسٍ مِن وُجُوهٍ. ومنها ما رَواه قتادةُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، أنَّه قال له: إنِّي أُحدِّثُك حديثًا لعَلَّ اللهَ أن يَنفَعَك به، اعلَمْ أنَّ رسولَ الله ﷺ قد جَمَع بينَ حَجٍّ وعُمرةٍ، ولم يَنزِلْ فيهما كِتابٌ، ولم يَنْهَ عنهما رسولُ الله ﷺ ، قال فيهما رجلٌ برَأْيِه (٥).

стр. 3014

وهذا قد تَأوَّلَه جماعةٌ على التَّمَتُّع، وقالوا: إنَّما أراد عِمرانُ بقولِه: إن رسولَ الله ﷺ قد جَمَع بينَ حَجٍّ وعُمْرِة، أي: أنَّه جمَع بينَهما في سَفْرةٍ واحدةٍ وحَجَّةٍ واحدةٍ. وقد رُوِي عن عمرانَ ما يَعْضُدُ هذا التأويلَ؛ روَى الحسنُ (١) وأبو رجاءٍ (٢)، عن عمرانَ بنِ حصينٍ قال: نَزلت آيةُ المتعةِ في كتابِ الله، وفعَلْناها مع رسولِ الله ﷺ ، ولم يَنْزِلْ قرآن يُحرِّمُه، ولم يَنْهَ عنه حتى مات، قال رجلٌ بعدُ برَأيِه ما شاء. ومنها: روايةُ شُعبةَ، عن الحكم، عن عليٍّ بنِ حسينٍ، عن مروانَ بنِ الحكم، قال: شَهِدتُ عثمانَ وعليًّا بينَ مكةَ والدينةِ، وعثمانُ يَنْهَى أن يُجمَعَ بينَ الحجِّ والعمرةِ، فلمَّا رأى ذلك عليٌّ لبَّى بهما جميعًا، فقال: لبَّيْكَ بحجٍّ وعمرِة معًا. فقال له عثمانُ: ترَاني أنهى عنها وتَفْعَلُها. فقال عليٌّ: لم أكنْ لأدَعَ سُنَّة رسولِ الله ﷺ (٣). وهذا يَحتَمِلُ أن يكونَ لأنَّ رسولَ الله ﷺ أباح ذلك، فصار سُنَّة. قال أبو عُمر: التَّمَتُّع والقِرانُ والإفرادُ، كلُّ ذلك جائزٌ بسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ، وقد مَضَى القولُ في مَعنَى نَهْي عمرَ عن التَّمَتُّع بما فيه بيانٌ لِمَن فَهِم. ولم يكنْ تَمتُّعٌ

стр. 3015

ولا قِرانٌ في شيءٍ مِن حَجِّ الجاهليةِ، وإنَّما كانوا على الإفرادِ، وكانوا يَروْن العمرةَ في أشهرِ الحجِّ مِن أفجرِ الفجورِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلم وأهلِ السِّيَرِ في ذلك، والإفرادُ أفضَلُ إن شاء اللهُ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ كان مُفرِدًا، فلذلك قلنا: إنَّه أفضلُ، لأنَّ آثارَه أصَحُّ عنه في إفرادِه ﷺ ، ولأنَّ الإفرادَ أكثرُ عمَلًا، ثم العمرةُ عَمَل آخَرُ، وذلك كلُّه طاعَةٌ، والأكْثرُ منهما أفضَلُ. وأمَّا قولُ عائشةَ في حديثها في هذا البابِ؛ حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عنها قالت: قَدِمْتُ مكةَ وأنا حائضٌ، فلم أطُفْ بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ. ففيه بَيانٌ أنَّ الحائِضَ لا تطوفُ بالبيتِ، وأنَّ الطوافَ لا يجوزُ على غيرِ طهارَةٍ، وذلك حُجَّةٌ على أبي حَنيفةَ وأصحابِه الذين يُجيزُون لغيرِ الطاهِرِ الطوافَ، ويَروْنَ على مَن طاف غيرَ طاهِرٍ مِن جُنُبٍ أو حائِضٍ دمًا، ويُجزِئُه طَوافُه (١). وعندَ مالكٍ، والشافعيِّ، لا يُجزِئُه ولا بُدَّ مِن إعادَتِه، وحُجَّتُهم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لعائشةَ حينَ حاضَتْ: "اصْنَعِي كلَّ مَا يصنَعُ (٢) الحاجُّ، غيرَ ألَّا تَطُوفي بالبيتِ" (٣). وأنَّه قال في صَفِيَّة: "أحابِسَتُنا هي؟ ". قيل: إنَّها قد طافَتْ. قال: "فلا إذَنْ" (٤).

стр. 3016

وقال ﷺ : "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إلَّا أن اللهَ أحَلَّ فيه (١) النُّطْقَ" (٢). وقال: "لا صلاةَ إلَّا بطُهورٍ" (٣). ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ أنَّ الإحرامَ وهو ركنٌ مِن أركانِ الحجِّ يجوزُ بغيرِ طهارَةٍ، ويُستَحَبُّ أن يكونَ على طهارةٍ، فكذلك الطوافُ بالبيتِ. وأمَّا قولُها: فشَكَوتُ ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: "انقُضِي رَأسَكِ وامتَشِطي، وأهِلِّي بالحجِّ، ودَعِي العُمرةَ" فإنَّ جماعَةً مِن أصحابِنا تأوَّلُوا في قولِه: "ودَعِي

стр. 3017

العمرَةَ": ودعِي عملَ العمرةِ؛ يَعني: الطوافَ بالبيتِ، والسَّعْيَ بينَ الصَّفَا والمروةِ. وكذلك تأوَّلوا في روايَةِ مَن روَى: "واسْكُتِي عن العُمرةِ"، ورِوايةِ مَن روَى: "وأمْسِكي عن العمرةِ" (١)، أي: أمْسِكي عن عملِ العمرةِ، لا أنَّه أمَرَ برَفضها وابتداءِ الحجِّ وإنشَائِه، كما زَعَم العِراقِيُّون. وقال العِراقيُّون: قولُه في هذا الحديثِ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطي" يدفَعُ تأويلَ مَن تأوَّلَ ما ذكرنا. قال أبو عُمر: أجمَع العلماءُ على أنَّ المعتمِرَ لا يَسعَى بينَ الصَّفا والمروةِ حتى يطوفَ بالبيتِ. وأمَّا المعتمِرَةُ يأتيها حَيضُها قبلَ أن تطوفَ بالبيتِ، ويُدرِكُها يومُ عرفةَ وهي حائِضٌ لم تَطُفْ، أو المعتمِرُ يقدَمُ مكةَ ليلةَ عرفةَ، فيخافُ فوتَ (٢) عرفةَ إن طاف بالبيتِ وسَعَى بينَ الصَّفا والمروة، فإنَّ العلماءَ اختَلَفوا في هؤلاء؛ فقال مالكٌ في الحائِضِ المعتمِرَةِ تخشَى فَواتَ عرفةَ: إنَّها تُهِلُّ بالحجِّ، وتكونُ كمَن قَرَن بينَ الحجّ والعمرة ابتداءً، وعليها هَديٌ. ولا يَعرِفُ مالكٌ رَفضَ الحجِّ، ولا رَفضَ العُمرةِ، لمن أحرَم بواحِدٍ منهما. وقولُه: إنَّ الإنسانَ إذا عَقَد على نفسِه الإحرامَ، فلا يحلُّ منه حتى يُؤدِّيَه ويُتِمَّه (٣). وبقولِ مالكٍ في هذه المسألةِ قال الأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وإبراهيمُ ابنُ عُليَّة، في الحائضِ، وفي المعتمِرِ يخافُ فَوتَ عرفةَ قبلَ أن يطوفَ، قالوا: ولا يكونُ إهلالُه بالحجِّ نَقضًا للعُمرَةِ، ويكونُ قارِنًا. وحُجَّتُهم قولُ الله :

стр. 3018

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ودَفَعوا حديثَ عروةَ هذا، وقالوا: هو غَلَطٌ ووَهمٌ، لم يُتَابِع عروةَ على ذلك أحَدٌ مِن أصحابِ عائشة (١). وقال بعضهم: إنَّما كانت عائشةُ يومَئِذٍ مُهِلَّةً بالحجِّ، ولم تكنْ مُهلَّةً بعمرةٍ كما قال عروةُ. قالوا: وإذا كانت مُهلَّةً بالحجِّ سقَط القولُ عنا في رَفْضِ العمرةِ؛ لأنَّها لم تكنْ مُهلَّةً بعمرةٍ. قالوا: وقد رَوَتْ عَمرَةُ، عن عائشة، والقاسِمُ بنُ محمدٍ (٢)، عن عائشة، والأسْوَدُ بنُ يزيد (٣)، عن عائشةَ، ما يَدُلُّ على أنَّها كانت مُحرِمَةً بحجَّةٍ لا بعُمرةٍ. وذكروا حديثَ يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمرَةَ، عن عائشةَ قالت: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ لخمسٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدَةِ، لا نرَى إلَّا أنَّه الحجُّ، أو لا نرَى إلَّا الحجَّ. هكذا رَواه مالكٌ (٤)، وسليمانُ بنُ بِلالٍ (٥)، وسفيانُ بنُ عيينة (٦)، وغيرُهم، عن يحيى بنِ سعيد. وكذلك روَى (٧) منصور، عن إبرهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: خَرَجنا معَ رسولِ الله ﷺ ولا نَرى إلَّا الحجَّ (٨).

стр. 3019

وروَى حمادُ بنُ سلمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: لبَّينا بالحجِّ، حتى إذا كنَّا بسَرِفٍ حِضْتُ، فدخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أبْكي، فقال: "ما يُبكِيكِ يا عائشةُ؟ "، فقلتُ: حِضتُ، ليتَني لم أكنْ حجَجْتُ يا رسولَ الله، فقال: "سبحانَ الله! إنَّما هو شيءُ كتَبه اللهُ على بَناتِ آدمَ، انْسُكي المناسِكَ كلَّها، غيرَ ألَّا تَطُوفي بالبيتِ". فلمَّا دخَلْنا مكةَ. وذكرَ باقيَ الحديث. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ. فذكَره. ففي هذا الحديثِ عن عائشةَ: لبَّينا بالحجِّ. وفيه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لها حينَ شَكَتْ إليه حَيضَتَها: "انسُكي المناسِكَ كلَّهَا غيرَ الطَّوَافِ". وهذا واضِح أنَّها كانت حَجَّةً (٢) مُهلَّةً بالحجِّ، واللهُ أعلم. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبرنا أبو ثابِتٍ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، عن أفلَحَ بنِ حميدٍ. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ بنِ فارِسٍ، قال: حدَّثنا أفلَحُ بنُ حُمَيدٍ، عن القاسِم، عن عائشةَ - وهذا لفظُ حديثِ حاتِم، وهو أتَمُّ معنًى، وبَعضُ حديثهما دخَل في بعض - أنَّها قالت: خرَجنا معَ رسولِ الله ﷺ مُهِلِّين بالحجِّ في أشهُرِ الحجِّ وأيام الحجِّ، حتى قَدِمنا سَرِفَ، فقال رسولُ الله ﷺ لأصحابِه: "مَن لم يكنْ منكم ساقَ هَديًا، فأحَبَّ أن يحِلَّ مِن حَجِّهِ بعُمرَةٍ،

стр. 3020

فليَفعَلْ". قالت عائشةُ: فالآخِذُ بذلك مِن أصحابِه والتَّارِكُ. وفي حديثِ عثمانَ بنِ عمرَ: وكان معَ رسولِ الله ﷺ ومع ناس مِن أصحابِه الهدْيُ، فلم تكنْ لهم عمرةٌ. ثم رجَع إلى حديثِ حاتِم، قال: فلم يَحلُّوا. قالت: فدخَل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبْكي، وقد أهلَلْتُ بالحجِّ، فقال: "ما يُبكِيكِ؟ "، فقلتُ: حُرِمْتُ العُمرةَ، لستُ أُصَلِّي. قال: "إنما أنتِ امرأةٌ مِن بني آدَمَ، كَتَب اللهُ عليكِ ما كتَب عَلَيْهِنَّ، فكوني على حَجِّكِ، عسى اللهُ أن يَرزُقَكِها". وذكرَ تمامَ الحديثِ (١). ألا ترَى إلى قولها في هذا الحديثِ: وقد أهلَلْتُ بالحجِّ، وقولِه: "فكوني على حَجِّكِ"، وقولها في حديثِ حمادِ بنِ سلمةَ: لبَّينَا بالحجِّ (٢)، وفي حديثِ أفلَحَ بنِ حُميدٍ: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مهلِّين بالحجِّ في أشْهُرِ الحجِّ؟ فهذه الألفاظُ مع ما تَقَدَّم مِن قولها في روايةِ الحفاظِ أيضًا: خرَجنا لا نرَى إلَّا الحجَّ. دليلٌ على أنَّها لم تكنْ مُعتَمِرَةً ولا مُهِلَّةً بعُمْرةٍ كما زَعَم عُروةُ، واللهُ أعلمُ، وإذا لم يكنْ ذلك (٣)، فكيف يأْمُرُها رسولُ الله ﷺ برَفْضِ عُمرَةٍ وهي مُحرِمَةٌ بحجَّةٍ لا بعمرةٍ؟! قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: قد اجتَمع هؤلاء - يَعني القاسِمَ، وعَمْرَةَ، والأسودَ - على الرِّوايَةِ التي ذكرنا، فعَلِمنا بذلك أنَّ الرِّوايَةَ التي رُوِيَت عن

стр. 3021

عُروةَ غَلَطٌ (١)، ويُشْبِهُ أن يكونَ الغَلَطُ إنَّما وقَع فيه أنَّها لم يُمكِنْها الطوافُ بالبيتِ، وأن تَحِلَّ بعُمْرةٍ كما فعَل مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ، فأمَرها النبيُّ ﷺ أن تَتْرُكَ الطوافَ وتمضِيَ على الحجِّ، فتَوهَّموا بهذا المعنى أنَّها كانت مُعتَمِرةً، وأنَّها تركَت عُمرَتَها وابْتَدأتِ الحجَّ. قال: وكيف يجوزُ (٢) لإنسانٍ أن يَترُكَ عمرتَه أو حجَّه واللهُ يقولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟ فأمَر بإتمام ما دُخِل فيه مِن ذلك. قال: فإذا حاضَتِ المعتمِرَةُ، وحضَرَ يومُ عرفةَ وخافَتْ فَوتَ الحجِّ، أدخَلَتِ الحجَّ على العمرةِ، وصارَتْ قارنةً، وكذلك الرجلُ إذا أهَلَّ بالعُمرَةِ ثم خاف فَوتَ عرفةَ، أهلَّ بالحجِّ وأدْخَل الحجَّ على العمرةِ، وصار قارنًا، كما يفعَلُ مَن لا يخافُ فَوتَ عرفةَ سواءً، وعليه الهديُ للقِرانِ. قال أبو عُمر: وقال أيضًا بعضُ مَن يأْبى رَفْضَ العُمرةِ للحائِضِ مُحتَجًّا لمذهَبِه: قد روَى ابنُ شهابٍ، وهشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت يومئذٍ: كنتُ مُهِلَّةً بعُمْرِةٍ (٣). وهؤلاء حُفَّاظٌ لا يُدْفَعُ حِفْظُهم وإتْقانُهم، وقد صَرَّحُوا عنها بأنَّها كانت مُهلَّةً بعُمْرَةٍ، ووافَقَهم جابِرٌ على ذلك مِن روايَةِ الثِّقاتِ عنه، وذكَر في حديثِه أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَها أنْ تَغْتَسِلَ وتُهِلَّ بالحجِّ،

стр. 3022

فتكونَ قارِنَةً مُدْخِلَةً للحجِّ على عُمْرَتِها (١)، إذْ لم يُمْكِنْها الطوافُ بالبيتِ لحيضِها، وخَشِيت فَوتَ عرفةَ. قالوا: وليس في روايةِ مَن روَى عن عائشةَ: كنَّا مُهِلِّينَ بالحجِّ، وخرَجْنا لا نرَى إلَّا الحجَّ، بيانُ أنَّها كانت هي مُهِلَّةً بالحجِّ، وإنَّما هو استِدْلالٌ؛ لأنَّه يحتَمِلُ أن تكونَ أرادَتْ بقولها: خَرَجْنا؛ تَعني: خرَجَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه مُهِلِّين بالحجِّ. تُريدُ بعضَ أصحابِه، أو أكثرَ أصْحابِه، واللهُ أعلمُ. وليس الاستِدلالُ المحتَمِلُ للتَّأويلِ كالصريحِ، وقد صرَّح جابرٌ بأنَّها كانت يومَئِذٍ مُهِلَّةً بعُمرَةٍ كما قال عروةُ عنها. وقالوا: والوَهمُ الذي دخَلَ على عروةَ، واللهُ أعلمُ، إنَّما كان في قولِه: "انقُضِي رأسَكِ وامتَشِطي، ودَعي العمرةَ وأهلِّي بالحجِّ". أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعِيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ فقال: "مَن أراد منكم أن يُهِلَّ بالحجِّ فلْيُهِلَّ، ومن أراد منكم أن يُهِلَّ بحجٍّ وعمرةٍ فلْيُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ". قالت عائشةُ: وأهلَّ رسولُ الله ﷺ بالحجِّ، وأهلَّ به ناسٌ معه، وأهلَّ ناسٌ بالحجِّ والعمرةِ، وأهَلَّ ناسٌ بالعمرةِ، وكنتُ ممَّن أهَلَّ بالعمرةِ. قال سفيانُ: ثم غَلَبني الحديثُ، فهذا الذي حَفِظْتُ منه. فهذا واضِحٌ في أنها كانت مُهِلَّةً بعُمرةٍ.

стр. 3023

أخبرنا (١) عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه (٣)، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ مُوافِينَ لهلالِ ذي الحِجَّةِ، فقال لنا: "مَن أحَبَّ (٤) منكم أن يُهِلَّ بالحجِّ فليُهِلَّ، ومن أحبَّ أن يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فلْيُهِل، فلولا أنِّي أهديْتُ لأهْلَلتُ بعُمْرة". قالت: فمنَّا مَن أهَلَّ بعمرة، ومنَّا مَن أهلَّ بحجَّة، وكنتُ ممَّن أهلَّ بعمرة، فأظلَّني يومُ عرفةَ وأنا حائضٌ، فشَكوْتُ ذلك إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: "ارْفُضِي عُمْرتَك، وانْقُضي رأْسَكِ وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحجِّ". فلمَّا كانت ليلةُ الحَصْبَةِ أرْسَل معي عبدَ الرحمن إلى التَّنعيم، فأهْلَلتُ بعمرةٍ مَكان عُمرَتي. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنُ يُوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي دُلَيْم وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص بنِ غالب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الحكَم، قال: حدَّثنا أبو ضَمْرَة أنسُ بنُ عياض، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مُوافينَ لهلالِ ذي الحجَّة، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن أحَبَّ منكم أن يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فلْيَفعَلْ، فإنِّي لولا أنِّي أهْدَيْتُ لأهْلَلْتُ بعمرة". قالت عائشة: فأهلَّ بعضُ أصحابِه بعُمرة، وبعضُهم بحجِّةٍ، وكنتُ أنا ممَّن أهلَّ بعُمرة. قالت: فأدرَكَني عرفةُ وأنا حائِضٌ. فذكَرَ الحديث.

стр. 3024

وكذلك رَواه حمادُ بنُ سلمة (١)، وحمادُ بنُ زيد (٢)، والدَّراوَرْديُّ، وجماعَةٌ، عن هشام بنِ عروة، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَه. وقال مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ فأهْلَلْنا بعمرة (٣). وقال معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ عامَ حجةِ الوداع فأهْلَلْتُ بعمرة (٤). وقال إبراهيمُ بنُ سعد، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشة، قالت: أهْلَلْتُ معَ رسولِ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَداع بعُمْرة (٥). وروَى ابنُ وَهْب، عن الليثِ بنِ سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابرٌ، أنَّ عائشةَ أقْبَلَتْ مُهلَّةً بعُمرة، حتى إذا كانت بسَرِفَ، عَرَكت، فدخَل عليها النبيُّ ﷺ فوجَدَها تَبكي، فقال: "ما يُبكِيك؟ "، قالت: حِضْتُ ولم أهلل (٦)، ولم أطُفْ بالبيت، والناسُ يذْهَبُون الآنَ إلى الحجِّ، قال: "فإنَّ هذا أمْرٌ قد (٧) كَتَبه اللهُ على بناتِ آدَمَ، فاغْتَسلي، ثم أهلِّي بالحجِّ". ففعَلْتُ، ووقَفْتُ المواقِفَ كلَّها، حتى إذا طَهُرْتُ طُفْتُ (٨) بالكعبة، والصفا والمروة، ثم قال: "قد حَلَلْتِ مِن حَجِّك

стр. 3025

وعمرتِكِ" - هكذا قال - فقلتُ: يا رسولَ الله، إنِّي أجدُ في نفسي إنِّي لم أطُفْ بالبيتِ حتى حَجَجْتُ، قال: "فاذهَبْ (١) يا عبدَ الرحمن فأعْمِرْها مِن التَّنْعِيم". وذلك ليلةَ الحصبَةِ (٢). هكذا قال ابنُ وَهْبٍ في هذا الحديثِ بإسْنادِه عن جابِر، أنَّ عائشةَ أقبَلتْ مُهلَّةً بعُمرة. ثم قال فيه: "قد حَلَلْتِ مِن حَجِّكِ وعُمْرَتِك". وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمدٍ المُؤدِّبُ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني أبو الزُّبير، عن جابرٍ، قال: أقبَلنا مُهلِّين بحجٍّ مُفرَدٍ، وأقْبَلَتْ عائشةُ مُهِلَّةً بحَجٍّ وعُمرة، حتى إذا كُنَّا بسَرِفَ عرَكَتْ. وذكرَ الحديثَ، وفيه: "فإنَّ هذا أمْرٌ قد (٣) كتَبه اللهُ على بناتِ آدَمَ، فاغْتَسلي، ثم أهلِّي بحجٍّ" (٤). وليس في شيءٍ مِن حديثِ جابر: "ودَعي العُمرةَ"، ولا: "انْقُضي رأْسَكِ، وامْتَشِطي". قالوا: والوَجْهُ عندنا في حديثها أنَّها كانت مُهِلَّةً بعُمرةٍ، فلمَّا حاضَتْ وخافت فَوْتَ عَرَفةَ، أمَرها رسولُ الله ﷺ أن تُهِلَّ بالحجِّ مُدخِلَةً له على العُمرة، وإذا كان هكذا، فليس فيه ما يُخالِفُ قولَ الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾

стр. 3026

[البقرة: ١٩٦]؛ لأنَّها تكونُ قارِنَةً، ويكونُ عليها حينَئذٍ دَمٌ لقِرانِها. وهذا ما لا خِلافَ في جَوازِه، فالوَهَمُ الداخِلُ على عُروةَ في حديثه هذا إنَّما هو في قوله فيه: "انْقُضي رأسكِ، وامْتَشِطي، وأهِلَّي بالحجِّ، ودَعي العُمرةَ". قال أبو عُمر: قد روَى حمادُ بنُ زيدٍ أنَّ هذا الكلامَ لم يَسْمَعْه عروةُ في حديثه ذلك مِن عائشةَ، فبيَّن مَوْضِعَ الوَهَن (١) فيه. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبيد، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مُوافينَ لهلالِ ذي الحِجَّة، فقال النبيُّ ﷺ : "من شاء أن يُهِلَّ بحجٍّ فلْيُهِلَّ، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ". فمنَّا مَن أهلَّ بحَجٍّ، ومنا مَن أهَلَّ بعمرةٍ، حتى إذا كنتُ بسَرِفَ حِضْتُ، فدَخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما شَأْنُكِ؟ "، فقلتُ: ودِدْتُ أنِّي لم أخْرُج العامَ. وذكَرَتْ لهُ مَحيضها، قال عروةُ: فحدَّثني غيرُ واحِدٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لها: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وانْقُضي رأْسكِ، وامْتَشِطي، وافْعَلي ما يَفْعَلُ الحاجُّ المسلمونَ في حَجِّهم". قالت: فأطَعْتُ اللهَ ورسولَه. فلمَّا كانت ليْلَةُ الصَّدَرِ أمَرَ رسولُ الله ﷺ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ، فأخْرَجَها إلى التَّنْعِيم، فأهَلَّتْ منه بعمرة (٢). وفي روايةِ حمَّادِ بنِ زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ في هذا الحديثِ عِلَّةُ اللفظِ الذي عليه مَدارُ المخالِفِ في النُّكتَةِ التي بها يَسْتَجِيزُ رفضَ العُمرةِ، لأنَّه كلامٌ

стр. 3027

لم يَسْمَعْه عروةُ مِن عائشة، وإن كان حمَّادُ بنُ زيدٍ قد انفَرَد بذلك، فإنَّه ثِقَةٌ فيما نقَل، وبالله التوفيق. قال أبو عُمر: الاضطرابُ عن عائشةَ في حديثها في الحجِّ عظيمٌ، وقد أكثرَ العلماءُ في توجِيهِ الرِّواياتِ فيه، ودفَع بعضُهم بعضًا ببعض، ولم يستَطيعوا الجمعَ بينَها (١)، ورام قومٌ الجمعَ بينَها في بعضِ مَعانِيها، وكذلك أحاديثُها في الرَّضَاع مُضطَربَةٌ أيضًا. وقال (٢) بعضُ العلماء في أحادِيثها في الحجِّ والرَّضَاع: إنَّما جاء ذلك مِن قِبَلِ الرُّواة. وقال بعضُهم: بل جاء ذلك منها. فاللهُ أعلم. وروَى محمدُ بنُ عُبيد، عن حمَّادِ بنِ زيد، عن أيوب، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ قال: ألا تَعْجَبُ مِن اختلافِ عروةَ والقاسِم؟ قال القاسِمُ: أهَلَّتْ عائشةُ بالحجِّ. وقال عروةُ: أهَلَّتْ بعُمرة (٣). وذكَر الحارِثُ بنُ مِسْكين، عن يُوسفَ بنِ عمرٍو (٤)، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، أنَّه قال في حديثِ عروةَ، عن عائشةَ في الحجِّ: ليس عليه العَمَلُ عندَنا قديمًا ولا حديثًا، ولا نَدْري أذلك كان ممَّن حدَّثَه أو مِن غيرِه؟ لم نَجِدْ (٥) أحدًا مِن الناسِ أفْتَى بهذا.
следующие страницы →