← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 328–367 · переход к 333.

стр. 328

ولم يَروِ ذلك عنه غيرُ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ (١)، وإسلامُهما مُتأخِّرٌ بعدَ الهجرةِ إلى المدينةِ بأعوام، وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ مثلُ روايةِ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ، في النَّهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من وجهٍ صالح (٢). قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: وهذا كلُّه يدُلُّ على أنّه أمرٌ كان بالمدينةِ بعدَ نُزول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ؛ لأنَّ ذلك مكيٌّ. قال أبو عُمر: قولُ اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ، قد أوضَحْنا بما أورَدْنا في هذا الباب بأنّه قولٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه ليس نصًّا مُحكَمًا (٣)؛ لأنّ النَّصَّ المحكَمَ ما لا يُختلفُ في تأويلِه، وإذا لم يكنْ نصًّا كان مُفتقرًا إلى بيانِ الرسولِ ﷺ لمرادِ اللَّه منه، كافتقارِ سائرِ مُجملاتِ الكتابِ إلى بيانِه، قال اللَّهُ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد بيَّن رسولُ اللَّه ﷺ في أكْلِ كلِّ ذي نابٍ وأكلِ الحُمُرِ الأهليّةِ مُرادَ اللَّه، فوجَب الوقوفُ عندَه، وباللَّه التوفيق. فإن قال قائل: إنَّ الحُمُرَ الأهليّة وذا الناب من السِّباع لو كان أكلُها حرامًا لكُفِّر مُستحِلُّها كما يُكفَّرُ مُسْتَحِلُّ الميتةِ والدمِ (٤) ولحم الخنزير.

стр. 329

فالجوابُ عن ذلك: أنَّ المُحرَّمَ بآيةٍ مُجتمَع على تأويلِها، أو سُنّةٍ مجتمَع على القولِ بها، يَكفُرُ مُستحلُّه؛ لأنّه جاءَ مَجيئًا يَقطعُ العُذْر، ولا يسوغُ فيه التأويل، وما جاء مَجيئًا يُوجبُ العمل، ولا يَقطعُ العُذْر، وساغَ فيه التأويلُ، لم يَكفُرْ مُستَحِلُّه وإنْ كان مُخطِئًا، ألا تَرى أنَّ المُسكِرَ من غيرِ شرابِ العنبِ لا يُكفَّرُ المتأوِّلُ فيه، وإنْ كان قد صحَّ عندَنا النّهيُ بتحريمِه، ولا يُكفَّرُ مَن يقولُ بأنَّ الصلاةَ يخرُجُ منها المرءُ ويتحلَّلُ بغيرِ سلام، وأنَّ السلامَ ليس من فرائضِها، مع قيام الدليلِ على وُجوبِ السلام عندَنا فيها، وكذلك لا يُكفَّرُ مَن قال: إنَّ قراءةَ أمِّ القرآنِ وغيرِها سواءٌ، وإنَّ تَعيينَ قراءتِها في الصلاةِ ليس بواجب، ومن قرَأ غيرَها أجزَأه، مع ثُبوتِ الآثارِ عن النبيِّ ﵇ أنَّه لا صلاةَ إلّا بها، وكذلك لا يَكْفُرُ من أوجَبَ الزكاةَ على خمسةِ رجالٍ ملَكوا خمسَ ذَوْدٍ (١) من الإبل، ولا من قال: الصائمُ في السفرِ كالمُفطِرِ في الحَضَر. و: لا حِجَّ إلا على من ملَك زادًا وراحلةً. مع إطلاقِ اللَّه الاستطاعة، ونفيِه على لسانِ رسولِه ﵇ أنْ يكونَ فيما دُونَ خمسِ ذودٍ صدقةٌ، وأنّه صامَ في السفر ﷺ . وهذا كثيرٌ لا يجهَلُه من له أقلُّ عنايةٍ بالعلم إنْ شاء اللَّه. قرأتُ على عبدِ الرَّحمن بن يحيى (٢)، أنَّ عليَّ بنَ محمدٍ أخبَرهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمان (٣)، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْب،

стр. 330

قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، وابنُ لهيعة، عن عبدِ الرَّحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "ذَرُوني ما ترَكتُكم، فإنّما أهلَك الذين من قبلِكم سُؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهم، فإذا نَهَيْتُكم عن شيءٍ فاجْتَنِبوه، وإذا أمَرتُكم بشيءٍ فخُذوا منه ما استَطَعتُم" (١). أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمّار (٢)، قال: حدَّثنا أبو داودَ سُليمانُ بنُ الأشعث، قال (٣): حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ عيسى، قال: حدَّثنا أشعثُ بنُ شُعبة، قال: حدَّثنا أرطاةُ بنُ المنذر، قال: سمِعتُ حكيمَ بنَ عُميرٍ أبا الأحوص يُحدِّثُ، عن العِرباضِ بنِ ساريةَ، قال: نزَلنا مع رسولِ اللَّه ﷺ خيبر. فذكَر الحديث، وفيه أنّه أمَر مُناديًا فنادَى: "إنَّ الجنةَ لا تَحِلُّ

стр. 331

إلّا لمؤمن، وأنِ اجتَمِعوا للصلاة". فاجتمَعوا، ثم صلَّى بهم النبيُّ ﷺ ، ثم قامَ فقال: "أيحسَبُ أحدُكم مُتَّكِئًا على أريكتِه قد يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لم يُحرِّمْ شيئًا إلّا ما في هذا القرآن، ألا وإنِّي قد أمَرْتُ ووَعَظْتُ، ونَهَيْتُ عن أشياء، إنّها لَمِثْلُ القرآنِ أو أكثرُ، وإنَّ اللَّهَ لم يُحِلَّ لكم أنْ تَدخُلُوا بُيوتَ أهلِ الكتاب إلّا بإذن، ولا ضربَ نسائِهم، ولا أكلَ ثمارِهم، إذا أعْطَوْكم الذي عليهم". وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بنُ نجدة، قال: حدَّثنا أبو عمرٍو عثمانُ بنُ كثيرِ بن دينار، عن حَريز بنِ عُثمان، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عوف، عن المِقدام بنِ مَعْدي كرِبَ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنّه قال: "إنِّي أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شَبْعانُ على أرِيكَتِه يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجَدتُم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجَدتم فيه من حَرام فحرِّمُوه، ألا لا يَحِلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كُلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطةُ مُعاهَدٍ إلّا أنْ يَستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزَل بقوم فعليهم أنْ يَقْرُوه فإنْ لم يقْرُوه فله أنْ يُعْقِبَهم بمثلِ قِراه".

стр. 332

ورواهُ بقِيّة، عن الزُّبيديِّ، عن مروانَ بنِ رُؤبة، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عوفٍ الجُرَشيِّ، عن المقدام بنِ مَعْدي كَرِبَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ألا إنِّي قد أوتيتُ الكتابَ وما يَعدِلُه، يُوشِكُ شَبعانُ على أرِيكتِه" (١)، فذكَره إلى آخرِه مثلَه. وقرأتُ على أبي عمرَ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ الباجيِّ فأقرَّ به، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحسينيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ. وقرأتُ على إبراهيمَ بنِ شاكر (٢)، أنَّ محمدَ بنَ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أسلمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُليمان، قالا جميعًا: أخبَرنا الشافعيُّ، قال: أخبَرنا سُفيانُ، عن سالم أبي النَّضر، أنّه سمِع عُبيدَ اللَّه بنَ أبي رافع يُخبِرُ، عن أبيه، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم مُتَّكِئًا على أرِيكَتِه، يأتِيه الأمرُ من أمرِي ممّا أمَرْتُ به أو نهَيْتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجَدنا في كتاب اللَّه اتَّبَعناه" (٣).

стр. 333

قال ابنُ عُيينة: وأخبَرني به محمدُ بنُ المنكدر، عن النبيِّ ﷺ مُرسلًا (١). أخبَرنا خلفُ بنُ سعيد (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ خالد (٣)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٤): أخبَرنا معمرٌ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعان، عن أبي نَضرَةَ أو غيرِه، قال: كنّا عندَ عِمرانَ بنِ حُصين، فكنّا نتَذاكرُ العِلمَ. قال: فقال رجلٌ: لا تَتحَدَّثوا إلّا بما في القرآن. فقال له عِمرانُ بنُ الحُصَين: إنَّك لأحمقُ، أوجَدْتَ في القرآنِ صلاةَ الظُّهرِ أربعَ ركَعات، والعصرَ أربعَ ركعات، لا يُجْهَرُ في شيءٍ منها؟ والمغربَ ثلاثًا، يُجْهَرُ بالقراءةِ في ركعتين، ولا يُجهرُ بالقراءةِ في ركعة؟ والعشاءَ أربعَ ركَعات، يُجهرُ بالقراءةِ في ركعتين، ولا يُجهرُ بالقراءةِ في ركعتين؟ والفجرَ ركعتَين يُجهَرُ فيهما بالقراءة؟ قال: وقال عمرانُ: لَما نحن فيه يَعدِلُ القرآن.

стр. 334

أو نحوَه من الكلام. قال عليٌّ: ولم يكنِ الرجلُ الذي قال هذا صاحبَ بدعة، ولكنّه كانت زَلَّةً منه. أخبَرنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ ناصح المعروفُ بابنِ المفسِّر (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ بن سعيدٍ القاضي، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشيد، قال: حدَّثنا بقيّةُ بنُ الوليد، عن محفوظِ بنِ مِسورٍ الفِهْرِيِّ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِر، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يُوشِكُ بأحدِكم يقول: هذا كتابُ اللَّه، ما كان فيه من حلالٍ أحلَلْناه، وما كان فيه من حرام حَرَّمناه. إلا مَنْ بلَغَه عنِّي حديثٌ فكذَّبَ به فقد كذَّب اللَّهَ ورسولَه والذي حدَّثَه" (٢). قال أبو عُمر: اختلَف الفقهاءُ في معنَى قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "أكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ"؛ فقال منهم قائلون (٣): إنّما أراد رسولُ اللَّه ﷺ بقولِه

стр. 335

هذا ما كان يَعدُو على الناس؛ مثلَ الأسد، والذِّئب، والنِّمِر، والكلبِ العادي، وما أشبَهَ ذلك ممّا الأغلبُ في طبْعِه أنْ يَعدُوَ، وما كان الأغلبُ من طَبعِه أنَّه لا يَعدُو فليس ممّا عناه رسولُ اللَّه ﷺ بقولِه هذا، وإذا لم يكنْ يَعدُو فلا بأسَ بأكلِه. واحتجُّوا بحديثِ الضَّبُع في إباحةِ أكْلِها وهي سَبُعٌ، وهو حديثٌ انفرَد به عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي عمّار، وقد وثَّقَه جماعةٌ من أئمّةِ أهلِ الحديث، وروَوْا عنه حديثَه هذا، واحتجُّوا به، قال عليُّ بنُ المدينيِّ: عبدُ الرَّحمن بنُ أبي عمّار ثقةٌ مكيٌّ. حدثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أُميّة، وابنُ جُريج، وجريرُ بنُ حازم، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ حدَّثهم، قال: أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمّار، أنّه سألَ جابرَ بنَ عبدِ اللَّه عن الضَّبُع، فقال: آكُلُها؟ فقال: نعم. قال: أصَيدٌ هي؟ قال: نعم. قال: أسمِعتَ ذلك من رسولِ اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم (١).

стр. 336

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا وكيعٌ، عن جريرِ بنِ حازم، عن عبدِ اللَّه بنِ عُبيدِ بنِ عُمير، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عمّار، عن جابرٍ، قال: جعَل رسولُ اللَّه ﷺ الضَّبُعَ من الصيْد، وجعَل فيه إذا أصابَه المحرِمُ كَبْشًا. واحتجُّوا أيضًا بما ذكَره ابنُ وَهْبٍ وعبدُ الرَّزّاق (٢) جميعًا، قالا: أخبَرنا ابنُ جُريج، أنَّ نافعًا أخبَره، أنَّ رجلًا أخبَر عبدَ اللَّه بنَ عمرَ، أنَّ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ كان يَأكُلُ الضِّباعَ، فلم يُنكِرْه عبدُ اللَّه بنُ عمر. وقال ابنُ وَهْب، عن ابنِ لهيعة (٣)، عن أبي الأسودِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمن، أنّه سمِع عروةَ بنَ الزبير يقول: ما زالَتِ العربُ تَأكُلُ الضَّبُعَ، ولا ترَى بأكلِها بأسًا.

стр. 337

قالوا: والضَّبُعُ سَبُعٌ، لا نَخْتَلِفُ (١) في ذلك، فلمّا أجاز رسولُ اللَّه ﷺ وأصحابُه أكْلَها، علِمْنا أنَّ نَهْيَه عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع ليس من جنسِ ما أباحَه، وإنَّما هو نوع آخرُ، واللَّهُ أعلمُ، وهو ما الأغلبُ فيه العَداءُ على الناس. هذا قولُ الشافعيِّ ومَن تابَعه. قال الشافعيُّ (٢): ذو النَّابِ المُحَرَّم أكلُه هو الذي يعدُو على الناس؛ كالأسَد، والنَّمِر، والذِّئب. قال: وتُؤكلُ الضَّبُعُ والثَّعلبُ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعد (٣). وقال مالكٌ وأصحابُه (٤): لا يُؤكَلُ شيءٌ من سباع الوحوشِ كلِّها، ولا الهرُّ الوَحشيُّ ولا الأهليُّ؛ لأنه سَبُعٌ. قال (٥): ولا يُؤكَلُ الضَّبُعُ، ولا الثَّعلَبُ، ولا شيءٌ من سِباع الوَحش، ولا بأسَ بأكلِ سباع الطير. زاد ابنُ عبدِ الحكم في حكايتِه قولَ مالك، قال: وكلُّ ما يَفتَرِسُ ويأكلُ اللَّحمَ، ولا يرعَى الكَلأ، فهو سَبُعٌ لا يُؤكَلُ، وهذا يُشبِهُ السِّباعَ التي نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن أكلِها. ورُوي عن أشْهبَ بن عبدِ العزيزِ، أنّه قال: لا بأسَ بأكلِ الفيلِ إذا ذُكِّيَ. وقال ابنُ وَهْب: وقال لي مالكٌ: لم أسمَعْ أحدًا من أهلِ العِلْم قديمًا ولا حديثًا بأرْضِنا يَنْهَى عن أكلِ كلِّ ذي مِخلبٍ من الطير. قال: وسمِعتُ مالِكًا يقول:

стр. 338

لا يُؤكَلُ كلُّ ذي نابٍ من السِّباع. قال ابنُ وَهْب: وكان الليثُ بنُ سعدٍ يقول: يُؤكَلُ الهرُّ والثعلبُ (١). قال أبو عُمر: أمّا اختلافُ العلماءِ في أكْلِ كلِّ ذي المِخْلَبِ من الطيرِ وما يأكُلُ منه (٢) الجِيَف، فسنذكُرُه في بابِ نافع، عن ابنِ عمرَ من كتابِنا هذا، إن شاء اللَّه، عندَ قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "خمسٌ فواسِقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم" (٣). فذكَر منها الغُرابَ والحِدَأة، وذلك أوْلَى المواضع بذكرِه، وباللَّه العونُ لا شريكَ له. وأمّا الآثارُ المرفوعةُ في النَّهْي عن أكلِ كلِّ ذي مِخْلَبٍ (٤) من الطير، فأكثرُها معلُولةٌ (٥)، وسنَذْكُرُها في بابِ نافع إن شاء اللَّه. والحُجَّةُ لمالكٍ وأصحابِه في تحريم أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، عُمومُ النَّهْي عن ذلك، ولم يَخُصَّ رسولُ اللَّه ﷺ سَبُعًا من سَبُع، فكلُّ ما وقَع عليه اسمُ سَبُع فهو داخِلٌ تحتَ النَّهْي على ما يُوجِبُه الخِطابُ وتَعْرِفُه العربُ من لسانِها في مُخاطَباتِها، وليس حديثُ الضَّبُع ممّا يُعارَضُ به حديثُ النَّهْي عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع؛ لأنّه حديثٌ انفرَد به عبدُ الرَّحمن بنُ أبي عمّار، وليس

стр. 339

بمَشْهورٍ بنقلِ العِلْم، ولا ممّن يُحتَجُّ به إذا خالَفَه مَن هو أثبَتُ منه (١). وقد رُوِي النَّهْيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من طُرُقٍ مُتواتِرةٍ عن أبي هريرة، وأبي ثعلبة، وغيرِهما، عن النبيِّ ﷺ ، روَى ذلك جماعةٌ من الأئمّةِ الثِّقاتِ الذين تَسْكُنُ النَّفْسُ إلى ما نقَلُوه، ومُحالٌ أن يُعارَضُوا بحديثِ ابنِ أبي عمّار.

стр. 340

ذكَر عبدُ الرّزّاق (١)، عن معمر، عن الزُّهريَّ، قال: الثعلبُ سبُعٌ لا يُؤكَلُ. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: ليس بسَبُع. ورخَّص في أكلِه طاووسٌ وعطاءٌ من أجلِ أنّه يُؤذي (٢). وأمّا العراقيُّون، أبو حنيفةَ وأصحابُه، فقالوا: ذو النابِ من السِّباع المنهيُّ عن أكْلِه: الأسَدُ، والذِّئبُ، والنَّمِرُ، والفهدُ، والثعلبُ، والضَّبُعُ، والكلبُ، والسِّنَّورُ البَرِّيُّ والأهليُّ، والوَبْرُ (٣). قالوا: وابنُ عِرْس (٤) سَبُعٌ من سِباع الهَوامِّ، وكذلك الفِيلُ والدُّبُّ، والضَّبُّ، واليَرْبُوعُ (٥). قال أبو يوسف: فأمّا الوَبْرُ فلا أحفَظُ فيه شيئًا عن أبي حنيفة، وهو عندي مثلُ الأرنب، لا بأسَ بأكلِه؛ لأنّه يَعتَلِفُ البُقولَ والنَّباتَ. وقال أبو يوسفَ في السِّنْجاب (٦)، والفَنَك (٧)، والسَّمُّور (٨). كلُّ ذلك سَبُعٌ مثلُ الثعلب وابن عِرْس.

стр. 341

قال أبو عُمر: أمّا الضَّبُّ فقد ثَبَت عن النبيِّ ﷺ إجازةُ أكلِه. وفي ذلك ما يَدُلُّ على أنّه ليس بسَبُع يَفتَرِسُ، واللَّهُ أعلم. ذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال (١): أخبَرني رجلٌ من ولدِ سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: كنتُ عندَ سعيدِ بن المُسيِّب، فجاءَه رجلٌ من غَطَفان، فسأله عن الوَرَل (٢)، فقال: لا بأسَ به، وإن كان معكم منه شيءٌ فاطْعِمُونا منه. قال عبدُ الرَّزّاق: والوَرَلُ شِبْهُ الضَّبِّ. وأجاز الشعبيُّ أكلَ الأسدِ والفيل، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ (٣). وقد كرِهَ أكْلَ الكلبِ والتَّداويَ به (٤)، وهذا خلافٌ منه واضطراب. وكرِه الحسنُ وغيرُه أكلَ الفيل (٥)؛ لأنه ذو ناب، وهم للأسدِ أشدُّ كراهيةً. وكرِه عطاءٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، أكلَ الكلب (٦).

стр. 342

ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ في الكلب، قال: "طُعْمَةٌ جاهليّةٌ، وقد أغنَى اللَّهُ عنها" (١). وذكَر ابنُ عيينة، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن عبدِ اللَّه بن يزيدَ (٢) السَّعدِيِّ، قال: سألتُ ابنَ المسيِّب عن أكلِ الضَّبُع، فقال: إنَّ أكلَها لا يَصلُحُ (٣).

стр. 343

ومعمرٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنّه سُئِل عن أكلِ اليَرْبُوع، فلم يَرَ به بأسًا (١). قال (٢) مَعمَرٌ: وسألتُ عطاءً الخُراسانيَّ عن اليَرْبوع، فلم يَرَ به بأسًا (٣). قال: وأخبَرنا ابنُ طاووس، عن أبيه، أنّه سُئِل عن أكلِ الوَبْر، فلم يَرَ به بأسًا (٤). وقال ابنُ وَهْب: أخبَرني عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ المدنيُّ، قال: بلَغني عن عامرٍ الشعبيِّ، قال: نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن أكلِ لحم القِرْد. قال أبو عُمر: وكَرِهه ابنُ عمرَ، وعطاءٌ، ومكحولٌ، والحسنُ، ولم يُجيزُوا بَيْعَه. وقال عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن مَعْمَر، عن أيوب: سُئِلَ مجاهدٌ عن أكلِ القِرْد، فقال: ليس من بهيمةِ الأنعام. قال أبو عُمر: لا أعلمُ بينَ علماءِ المسلمين خِلافًا أنَّ القردَ لا يؤكلُ، ولا يجوزُ بَيْعُه؛ لأنّه مما لا منفعةَ فيه، وما علِمْتُ أحدًا أرْخَصَ في أكلِه، والكلبُ والفيلُ وذُو النابِ كلُّه عندي مثلُه، والحُجَّةُ في قولِ رسولِ اللَّه ﷺ لا في قولِ غيرِه، وما يحتاجُ القِردُ ومثلُه أن يُنْهَى عنه؛ لأنه يَنْهَى عن نفسِه بزَجْرِ الطِّباع والنفوسِ لنا عنه، ولم يَبلُغْنا عن العربِ ولا عن غيرِهم أكلُه، وقد زعَم ناسٌ

стр. 344

أنّه لم يكنْ في العربِ من يَأكُلُ الكلبَ إلّا قومٌ منهم نفرٌ من فَقعَسَ، وفي أحدِهم قال الشاعرُ الأسَدِيُّ (١): يا فَقْعَسِيُّ لِمَ أكَلْتَه لِمَهْ لو خافَكَ اللَّهُ عليه حَرَّمَهْ فما أكَلْتَ لَحْمَه ولا دَمَهْ قال أبو عُمر: يعني قوله: لو خافكَ اللَّهُ عليه حَرَّمَهْ: أنَّ الكلبَ عندَه كان ممّا لا يَأكُلُه أحَد، ولا يُخافُ أحدٌ على أكلِه إلّا المضطَرَّ، واللَّهُ لا يخافُ أحدًا على شيء، ولا على غيرِ شيء، ولا يَلحَقُه الخوفُ جَلَّ وتعالى عن ذلك (٢). وأظنُّ (٣) الشعرَ لأعرابيٍّ لا يَقفُ على مثلِ هذا المعَنَى (٤)، واللَّهُ أعلم. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه (٥)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مَخْلد، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٦): حدَّثنا محمدُ بنُ أبي عدِيٍّ، عن داودَ، قال: سُئِل الشَّعبيُّ عن رجلٍ يتَداوَى بلَحْم كلْبٍ، فقال: إن تَداوَى به فلا شَفاه اللَّه.

стр. 345

قال (١): وحدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن مغيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، أنّه أصابَهُ حُمَّى رِبْع (٢)، فنُعِتَ له جَنْبُ ثعلب، فأبى أن يأكُلَه. قال (٣): وحدَّثنا يَزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا هشامٌ (٤)، عن الحسنِ، قال: الثعلبُ من السِّباع. قال أبو عُمر: من رخَّص في الثعلبِ والهرِّ ونحوِهما، فإنّما رخَّص في ذلك لأنها ليست عندَه من السِّباع المحرَّمةِ على لسانِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد ذكَرنا وَجْهَ التأويل في ذلك، وذكَرنا ما جاء عن النبيِّ ﷺ من الرُّخصةِ في أكلِ الضَّبُع، وقد جاء عن عمرَ بنِ الخطاب، وعليِّ بنِ أبي طالب، وابنِ عباس، وسعد، في الضَّبُع، أنَّها صيدٌ، يَفدِيها المُحرِمُ بكَبْش (٥). ومعلومٌ أنّها ذاتُ ناب. وقال عبد الرَّزّاق (٦): أخبرنا الثوريُّ، عن سُهَيلِ بنِ أبي صالح، قال: جاء رجلٌ من أهلِ الشام، فسأل سعيدَ بنَ المُسيِّب عن أكلِ الضَّبُع، فنهاه، فقال له:

стр. 346

إنَّ قومَكَ يأكُلُونها، فقال: إنَّ قومي لا يَعلَمون. قال سفيان: هذا القولُ أحبُّ إليَّ، فقلتُ لسفيانَ: فأين ما جاء عن عمر (١)، وعليٍّ، وغيرِهما؟ فقال: أليسَ قد نَهى رسولُ اللَّه ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع؟ فتَرْكُها أحبُّ إليَّ. وبه نأخُذُ. قال أبو عُمر: ليس أحدٌ من خلقِ اللَّه إلّا وهو يُؤخَذُ من قولِه ويُترَكُ، إلّا النبيَّ ﷺ ، فإنّه لا يُترَكُ من قولِه إلّا ما ترَكه هو ونسَخَه، قولًا أو عملًا، والحُجَّةُ فيما قال (٢) ﷺ ، وليس في قولِ غيرِه حُجَّةٌ، ومن ترَك قولَ عائشةَ في رَضاع الكبيرِ وفي لَبنِ الفحل، وترَك قولَ ابنِ عبّاسٍ في العَوْلِ والمُتْعةِ وغيرَ ذلك من أقاويلِه، وترَك قولَ عمرَ في تَضعيفِ القيمَةِ على المُزَنيِّ (٣)، وفي تَبْدِئَةِ المُدَّعَى عليهم باليمينِ في القَسَامة، وفي أنَّ الجُنُبَ لا يَتيَمَّمُ، وغيرُ ذلك من قولِه كثيرٌ، وترَك قولَ ابنِ عمرَ (٤) في أنَّ الزَّوجَ يَهدِمُ التَّطْليقةَ والتَّطليقتَيْن، وكراهيةِ الوُضُوءِ من ماءِ البحر، وسُؤْرِ الجُنُبِ والحائض، وغيرُ ذلك كثيرٌ، وترَك قولَ عليٍّ في أنَّ المُحدِثَ في الصلاةِ يَبْني على ما مضَى منها، وفي أنَّ بني تَغْلِبَ لا تُؤكَلُ ذبائحُهم، وغيرَ ذلك ممّا رُوَيَ عنه، كيف يَستَوْحِشُ من مُفارقةِ واحدٍ منهم، ومعه السُّنَّةُ الثابتةُ عن النبيِّ ﷺ ، وهي المَلْجأُ عندَ الاختلاف؟ وغيرُ نكيرٍ أنْ يَخفَى على الصَّاحبِ والصَّاحبَيْن والثلاثةِ السُّنَّةُ المأثورةُ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، ألا ترَى أنَّ عمرَ في سَعَةِ عِلْمِه، وكثرةِ لُزُومه لرسولِ اللَّه ﷺ ، قد خفِيَ

стр. 347

عليه من تَوريثِ المرأةِ من ديةِ زَوجِها، وحديثِ دِيةِ الجنين، وحديثِ الاستئذان، ما علِمَه غيرُه؟ وخَفِيَ على أبي بكرٍ حديثُ توريثِ الجَدَّة، فغيرُهما أحْرَى أنْ تَخفَى عليه السُّنَّةُ في خواصِّ الأحكام، وليس شيءٌ ملا من هذا بضائرِهم ﵃، وقد كان ابنُ شهابٍ يقول، وهو حَبرٌ عظيمٌ من أحبارِ هذا الدِّين: ما سمِعْتُ بالنَّهْي عن أكْل كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حتى دخَلْتُ الشام. والعلمُ الخاصُّ لا يُنكَرُ أنْ يَخفَى على العالم حِينًا. حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ اللَّه (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبّاح، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَة، عن الزُّهريِّ، عن أبي إدريسَ الخَولانيِّ، عن أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. قال سفيانُ: قال الزُّهريُّ: ولم أسمَعْ هذا حتى أتيتُ الشام (٢). قال أبو عُمر: رُوِيَ عن خُزَيْمةَ بنِ جَزِيٍّ (٣)، رجلٍ من الصحابة، أنّه قال:

стр. 348

قَدِمْتُ المدينةَ، فأتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقلتُ: جِئْتُ أسألُكَ عن أحْناشِ (١) الأرض، قال: "سَلْ عمّا شِئْتَ"، فسألتُه عن الضَّبَ، فقال: "لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه"، فقلتُ: إنِّي آكُلُ ما لم تُحرِّمْ، قال: "إنَّها فُقِدَتْ أُمَّةٌ، وإنِّي رأيتُ خلقًا رابَني"، قال: وسألتُه عن الأرنب، فقال: "لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه"، قال: إنِّي آكُلُ ما لم تُحَرِّمْ، قال: "إنَّها تَدْمَى"، قال: وسألتُه عن الثَّعلب، فقال: "ومن يَأكُلُ الثعلبَ؟ "، قال: وسألتُه عن الضَّبُع، فقال: "ومن يَأكُلُ الضَّبُعَ؟ "، قال: وسألتُه عن الذِّئب، فقال: "أو يَأكُلُ الذِّئبَ أحدٌ؟ " (٢). وهذا حديثٌ قد جاء، إلّا أنّه لا يُحتجُّ بمثلِه لضعفِ إسنادِه، ولا يُعَرَّجُ عليه؛ لأنّه يَدُورُ على عبدِ الكريم بنِ أبي المُخارق، وليس يَرويه غيرُه، وهو ضعيفٌ متروكُ الحديث. وقد رُوِيَ من حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن مَعقِلٍ صاحبِ الدَّثَنِيّة (٣)، وهو رجلٌ يُعَدُّ في الصحابة، نحوُ هذا الحديث، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في الضَّبُع؟ قال: "لا آكُلُه، ولا أنهَى عنه"، قال: قلت: ما لم تَنْهَ عنه فإنِّي آكُلُه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، فما تقولُ في الضَّبِّ؟ قال: "لا آكُلُه، ولا أنهي عنه"، قال: قلت: ما لم تَنْهَ عنه فإنِّي آكُلُه، قال: وقلت: ما تقولُ في الأرنب؟ قال: "لا آكُلُها، ولا أُحرِّمُها"، قال: قلت: ما لم تُحرِّمْه فإنِّي آكُلُه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه،

стр. 349

ما تقولُ في الذِّئب؟ قال: "أوَ يأكُلُ ذلك أحدٌ؟ "، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في الثعلب؟ قال: "أو يَأكُلُ ذلك أحدٌ؟ " (١). وهذا أيضًا حديثٌ ضعيفٌ، وإسنادُه ليس بالقائم عندَ أهلِ العلم، وهو يدورُ على أبي محمد؛ رجلٌ مجهولٌ، وهو حديثٌ لا يَصِحُّ عندَهم، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَعْقِلٍ لا يُعْرَفُ إلّا بهذا الحديث، ولا تَصِحُّ صُحْبَتُه، وإنّما ذكَرْتُ هذا الحديثَ والذي قبلَه ليُوقَفَ عليهما، ولروايةِ الناسِ لهما، ولتتبيَّنَ العلَّةُ فيهما. وأما جُلودُ السِّباع المُذكّاةِ لجُلودِها، فقد اختلَف أصحابُنا في ذلك؛ فروَى ابنُ القاسم عن مالكٍ أنَّ السِّباعَ إذا ذُكِّيَتْ لجُلودِها حَلَّ بَيعُها، ولباسُها، والصلاةُ عليها. قال أبو عُمر: الذَّكاةُ عندَه في السِّباع لجُلودِها أكْمَلُ طهارَةً في هذه الروايةِ من الدِّباغ في جلودِ المَيْتَة، وهو قولُ ابنِ القاسم. وقال ابنُ القاسم في "المُدَوَّنة" (٢): لا يُصَلَّى على جِلْدِ الحمارِ وإن ذُكِّي. وقوله: إنَّ الحمارَ الأهليَّ لا تَعمَلُ فيه الذَّكاةُ. وقال ابنُ حَبيبٍ في "كتابه": إنّما ذلك في السِّباع المُختلَفِ فيها، فأمّا المُتفَقُ عليها فلا يجوزُ بَيعُها، ولا لُبْسُها، ولا الصلاةُ بها، ولا بأسَ بالانتفاع بها إذا ذُكِّيَتْ، كجلدِ المَيتَةِ المُدْبُوغ.

стр. 350

قال ابنُ حَبيب: ولو أنَّ الدَّوابَّ؛ الحَميرَ والبِغالَ، ذُكِّيَتْ لجُلودِها لَما حَلَّ بَيعُها، ولا الانتفاعُ بها، ولا الصلاةُ فيها، إلّا الفَرَسَ؛ فإنّه لو ذُكِّيَ لحلَّ بَيعُ جِلْدِه، والانتفاعُ به للصلاةِ وغيرِها؛ لاختلافِ الناسِ في تَحرِيمِه. وقال أشهبُ: أكرَهُ بيعَ جلودِ السِّباع وإنْ ذُكِّيَتْ ما لم تُدْبَغْ. قال: وأرَى أنْ يُفسَخَ البيعُ فيها، ويُفسخَ ارْتهانُها، وأرَى أنْ يُؤدَّبَ فاعلُ ذلك، إلّا أنْ يُعْذَرَ بالجهالة؛ لأنَّ النبيَّ ﵇ حرَّم أكلَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، فالذَّكاةُ فيها ليست بذَكاة. وروَى أشهبُ، عن مالك، في كتابِ الضحايا من "المُستَخرَجة" (١) أنَّ ما لا يُؤكَلُ لحمُه فلا يَطهُرُ جلدُه بالدِّباغ. وهذه المسألةُ في سَماع أشهبَ وابن نافع. وسُئِلَ مالكٌ: أترى ما دُبغ من جُلُودِ الدَّوابِّ طاهرًا؟ فقال: إنّما يُقالُ هذا في جلودِ الأنعام، فأمّا جُلودُ ما لا يُؤكلُ لحمُه، فكيف يكونُ جلدُه طاهرًا إذا دُبِغ وهو ممّا لا ذَكاةَ فيه ولا يُؤكَلُ لحمُه (٢)؟ قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من الفقهاء قال بما رواه أشهبُ عن مالكٍ في جلدِ ما لا يُؤكَلُ لحمُه، أنّه لا يطهُرُ بالدِّباغ، إلّا أبا ثَوْرٍ إبراهيمَ بنَ خالدٍ الكَلْبيَّ، فإنَّه قال في "كتابِه" في جُلودِ المَيْتَةِ: كلُّ ما كان ممّا لو ذُكِّي حَلَّ أكْلُه، فمات، لم يُتَوَضَّأْ في جِلْدِه، ولم يُنْتفعْ بشيءٍ منه، حتى يُدْبَغَ، فإذا دُبغَ فقد طَهُرَ. قال: وما لا يُؤْكَلُ لو ذُكِّيَ، لم يُتوَضَّأْ في جلدِه وإنْ دُبِغ. قال: وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 351

قال في جلدِ شاةٍ ماتَتْ: "ألا دَبَغْتم جلدَها فانْتفعْتم به؟ " (١). ونهَى عن جُلُودِ السِّباع. قال: فلمّا رُوِيَ الخبَرانِ أخَذْنا بهما جميعًا؛ لأنَّ الكلامَيْنِ جميعًا لو كانا في مجَلسٍ واحدٍ كان كلامًا صحيحًا، ولم يكنْ فيه تَناقُضٌ. قال: ولا أعلمُ خلافًا أنّه لا يُتوضَّأُ في جِلْدِ خنزيرٍ وإنْ دُبِغ، فلمّا كان الخنزيرُ حرامًا لا يَحِلُّ أكلُه وإنْ ذُكِّيَ، وكانتِ السِّباعُ لا يَحِلُّ أكلُها وإنْ ذُكِّيَتْ، كان حرامًا أن يُنْتَفَعَ بجلودِها وإنْ دُبِغَتْ، وأنْ يُتوضَّأ فيها، قياسًا على ما أجمَعوا عليه من الخنزير، إذْ كانتِ العِلَّةُ واحدةً. وذُكِرَ عن هُشَيمٌ، عن منصور، عن الحَسَن، أنَّ عليًّا كَرِه الصلاةَ في جُلودِ البغال (٢). قال أبو عُمر: ما قاله أبو ثَوْرٍ صحيحٌ في الذَّكاةِ أنَّها لا تَعملُ فيما لا يَحِلُّ أكلُه، إلّا أنَّ قولَه ﷺ : "كلُّ إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ" (٣)، قد دخَل فيه كلُّ جلدٍ، إلّا أنَّ جمهورَ السَّلَفِ أجمَعوا على أنَّ جِلْدَ الخنزيرِ لا يَدْخُلُ في ذلك، فخرَج

стр. 352

بإجماعِهم هذا -إن صَحَّ- أنَّ للخنزيرِ جلدًا يُوصَلُ إليه ويُستعمَلُ، وإنْ كان أصحابُنا قد اختلَفوا في ذلك على ما سنَذكُرُه ونُوضِّحُه في بابِ حديثِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن ابنِ وَعْلَة، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "كلُّ إهابٍ دُبِغ فقد طَهُرَ"، إن شاء اللَّه. والحديثُ الذي ذكَر أبو ثورٍ في النهي عن جُلودِ السِّباع حدَّثناه جماعةٌ؛ منهم عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القَطّان، عن ابنِ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي المَليح بنِ أسامة، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن جُلودِ السِّباع (١). وقال محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم، وحكاه أيضًا عن أشهب: لا يجوزُ تَذْكِيَةُ السِّباع، وإنْ ذُكِّيَتْ لجلودِها لم يَحِلَّ الانتفاعُ بشيءٍ من جلودِها إلّا أنْ يُدْبَغ.

стр. 353

قال أبو عُمر: قولُ ابنِ عبدِ الحكم وما حَكاه أيضًا عن أشهبَ في تَذْكِيَةِ السِّباع، عليه جمهورُ الفقهاءِ من أهلِ النَّظَر والأثرِ بالحِجازِ والعراقِ والشَّام، وهو الصحيحُ، وهو الذي يُشبِهُ أصلَ مالكٍ في ذلك، ولا يَصِحُّ أنْ يُتَقلَّدَ غيرُه؛ لوُضُوح الدليلِ (١) عليه، ولو لم يُعتبَرْ (٢) ذلك إلّا بما ذَبَحَه المحرِمُ، أو ذُبِحَ في الحرم، أنَّ ذلك لا يكونُ ذَكاةً للمذبوح؛ للنهي الواردِ فيه، وبالخنزيرِ أيضًا، وقد أجمَع المسلمون أنَّ الخلافَ ليس بحُجَّة، وأنَّ عندَه يَلزَمُ طلبُ الدليلِ والحُجَّة؛ ليبينَ الحقُّ منه، وقد بانَ الدليلُ الواضحُ من السُّنَّةِ الثابتةِ في تحريم السِّباع، ومحالٌ أن تَعْملَ فيها الذَّكاةُ، وإذا لم تَعملْ فيها الذَّكاةُ فأكثرُ أحوالِها أن تكونَ مَيْتة، فتطهُرَ بالدِّباغ، هذا أولى (٣) الأقاويلِ في هذا الباب. ولِما رواه أشهبُ عن مالكٍ وجْهٌ أيضًا، وأمّا ما رواه ابنُ القاسم عن مالكٍ فلا وجهَ له يصِحُّ، إلّا ما ذكروا (٤) من تأويلِهم في النَّهْيِ أنّه على التنزُّهِ لا على التحريم، وهذا تأويلٌ ضعيفٌ، لا يَعضُدُه دليلٌ صحيحٌ (٥)، وباللَّه تعالى التوفيق (٦).

стр. 354

حديثٌ ثانٍ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، أنّه سمِعَ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقول: كان من آخرِ ما تكلَّم به رسولُ اللَّه ﷺ أن قال: "قاتَل اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى (٢)، اتَّخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، لا يَبْقينَّ دِينانِ بأرضِ العرب". هكذا جاء هذا الحديثُ عن مالكٍ في "الموطَّآت" (٣) كلِّها مَقطوعًا، وهو يتصلُ من وُجُوهٍ حِسانٍ عن النبيِّ ﷺ ، من حديثِ أبي هريرةَ، وعائشة (٤)، ومِن حديثِ عليِّ بن أبي طالب (٥)، وأسامة (٦).

стр. 355

وأمَّا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مرْوانَ بنِ الحكم بنِ أبي العاص بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصي، فأشهرُ وأجلُّ من أن يُحتاجَ إلى ذِكرِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ (٢) معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسانَ الأنمَاطي، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: أخبرني ابنُ شهاب، عن ابنِ المسيِّب، سمِع أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "قاتَل اللَّهُ اليهود، اتخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ" (٣). ورَواه مالكٌ، عن الزهريِّ بهذا الإسنادِ مثلَه؛ حدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ الباجي (٤)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا أبو داودَ سليمانُ بنُ سَيفٍ الحرَّاني، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمر، قال: أخبَرنا مالك، عن الزُّهريُّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرة، قال: لعَن رسولُ اللَّه ﷺ الذين اتَّخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد (٥).

стр. 356

وقد روَى هذا الحديثَ سعيدُ بنُ أبي عَروبة، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن عائشة؛ ذكَره البَزّارُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ علي، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبة، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن عائشة (١). وقولُ ابنِ شهابٍ فيه: "عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هُريرة" أولَى بالصَّوابِ في الإسنادِ إن شاءَ اللَّه، وهو محَفوظٌ من حديثِ عروة، عن عائشة؛ أخبَرنا عُبيدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: أخبَرنا عيسى بنُ مِسكين، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: حدَّثنا شيبان، عن هلالِ بنِ حُميد، عن عُروةَ، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ في مرضِه الذي لم يَقُمْ منه: "لعَن اللَّه اليهودَ والنَّصارى، اتَّخذوا قُبورَ أنبيائِهم مساجدَ". قالت: ولولا ذلك أُبرِزَ قبرُه، غيرَ أنَّه خُشِيَ عليه أن يُتَّخَذَ مسجدًا (٣).

стр. 357

قال أبو عُمر: لهذا الحديث، واللَّهُ أعلم، ورِوايةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ له، أمرَ في خلافتِه أن يُجعلَ بُنيانُ قبرِ رسولِ اللَّه ﷺ محُدَّدًا برُكْنٍ واحد؛ لئلَّا يُسْتَقْبَلَ القبرُ فيُصَلَّى إليه. وأخبرنا عُبيدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثني عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمير، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ نساءَ النبيِّ ﷺ تذاكَرْنَ في مرضِه كَنِيسَةً رَأَينَها بأرضِ الحَبَشَةِ، وذَكَرْنَ من حُسنِها وتصاويرِها، وكانت أُمُّ سلمةَ وأمُّ حبيبةَ قد أتَتا أرضَ الحَبَشَة، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أولئكَ قومٌ إذا مات الرَّجلُ الصالِحُ عندَهم بنَوْا على قبرِه مسجدًا ثم صوَّروا فيه تلكَ الصُّوَرَ، فأولئكَ شرارُ الخلقِ عندَ اللَّه" (١). قال أبو عُمر: هذا يُحرِّمُ على المسلمين أن يتَّخِذوا قُبورَ الأنبياءِ والعلماءِ والصالحين مساجدَ. وقد احتجَّ مَنْ لم يرَ الصلاةَ في المقبُرةِ ولم يُجِزْها بهذا الحديث، وبقولِه: "إنَّ شرارَ الناسِ الذين يتخذون القبورَ مساجدَ" (٢). وبقولِه ﷺ : "صلُّوا في بيُوتِكم، ولا تَجعَلْوها قُبورًا" (٣). وهذه الآثارُ قد عارَضها (٤) قولُه ﷺ : "جُعِلت ليَ الأرضُ مسجدًا

стр. 358

وطَهورًا" (١). وتلك فضيلةٌ خُصَّ بها رسولُ اللَّه ﷺ ، ولا يَجوزُ على فضائِلِه النَّسْخُ، ولا الخُصوصُ، ولا الاستِثناءُ، وذلك جائزٌ في غيرِ فضائِلِه إذا كانت أمْرًا أو نهيًا، أو في معنَى الأمرِ والنَّهي، وبهذا يَستَبِينُ عندَ تَعارُضِ الآثارِ في ذلك أنَّ الناسخَ منها قولُه ﷺ : "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا"، وقولُه لأبي ذرٍّ: "حيثما أدركتْكَ الصلاةُ فصلِّ، فقد جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا" (٢). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبان، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لعَن اللَّه أقوامًا اتَّخذوا قُبورَ أنبيائِهم مساجدَ" (٣). وسيأتي من هذا ذِكرٌ في بابِ مُرسَلِ زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (٤) إن شاء اللَّه.

стр. 359

وأمَّا قولُه في حديثِ مالك: "لا يَبْقَيَنَّ دِينانِ بأرضِ العربِ". فأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيَى بنِ عمرَ بنِ علي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن سُليمانَ الأحولِ خالِ (١) ابنِ أبي نَجيح، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقول: يومُ الخميسِ وما يومُ الخميسِ! ثم بكَى حتى بلَّ دمعُه الحصَى، قلت: يا أبا عبّاس، وما يومُ الخميسِ؟ قال: اشتدَّ برسولِ اللَّه ﷺ الوَجَع، فقال: "ائتُوني أكتُبْ لكم كِتابًا لا تَضِلُّوا بعدَه". فتنازَعُوا عندَه، فقال: "لا ينبغِي عندِي التَّنازُعُ، ذَرُوني". وأمرَهم بثلاثٍ، فقال: "أخرِجُوا المشركينَ مِن جزيرةِ العرب، وأجِيزُوا الوفدَ بنحوٍ ممَّا كنتُ أُجِيزُهم"، والثالثةُ إمَّا سكَتَ عنها -يعني ابنَ عباسٍ- وإمَّا قالها فنسِيتُها؛ يقولُه سعيدُ بنُ جُبير (٢). وذكر الحميدي (٣) وعبدُ الرَّزَّاق (٤)، عن سُفيانَ بنِ عُيينة، بإسنادٍ مثلَه. أخبرنا عُبيدُ بنُ محمد (٥)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ مَسرور، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجَر (٦)، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُريج, قال: أخبرني أبو الزُّبير, أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّه يقول، أنَّه

стр. 360

سمِع عمرَ بنَ الخطَّابِ يقول، أنَّه سمِع النبيَّ ﷺ يقول: "لأُخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارَى مِن جزيرةِ العرب" (١). وذكَره عبدُ الرَّزَّاق، قال (٢): أخبَرنا ابنُ جريج، قال: أخبَرني أبو الزبير، أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّه يقول: أخبَرني عمرُ بنُ الخطَّاب، أنَّه سمِع رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لأُخرِجنَّ اليهودَ والنَّصارَى من جزيرةِ العربِ حتى لا أدَعَ بها إلَّا مُسلمًا". قال عبدُ الرَّزَّاقِ (٣): وأخبَرنا معمر، عن ابنِ شهاب، عن ابنِ المسيِّب، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يجتمِعُ بأرضِ العربِ -أو قال: بأرضِ الحجازِ- دِينانِ"، قال: ففحَص عن ذلك عمرُ بنُ الخطَّابِ حتى وجَد عليه الثَّبَتَ. قال الزُّهريُّ: فلذلك أجلَاهم عمر. قال (٤): وأخبرني ابنُ جريج، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ بمعنى حديثِ ابنِ المسيب. وحديثُ موسى بنِ عقبةَ أكملُ، وفيه: حتى أجلَاهُم عمرُ إلى تَيماءَ وأريحا. أخبَرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبة، قال (٥): حدَّثنا وكيعُ بنُ الجرَّاح، عن إبراهيمَ بنِ

стр. 361

ميمونٍ مولَى آلِ سَمُرةَ، عن إسحاقَ بنِ سَمُرةَ، عن أبيه، عن أبي عُبيدةَ بنِ الجرَّاح، قال: آخرُ ما تكلَّمَ به رسولُ اللَّه ﷺ أن قال: "أخْرِجُوا اليهودَ مِن الحِجازِ، وأهلَ نَجْرانَ مِن جزيرةِ العرب". هكذا قال وكيعٌ فيمَا صحَّ عندَنا من مُسندِ ابنِ أبي شَيبةَ، وخَالَفه سفيانُ بنُ عُيينةَ، ويحيَى القطَّان، وإسماعيلُ بنُ زكريَّا، وأبو أحمدَ الزُّبيريُّ، كلُّهم قال مكانَ "إسحاقَ بنِ سمرةَ": "سعدَ بنَ سَمُرةَ": قرَأتُ على سعيدِ بنِ نصر، أنَّ قاسمًا حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التَّرْمِذِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ ميمونٍ مولَى آلِ سمرةَ، عن سعدِ بنِ سمرةَ، عن أبيه سمرةَ، عن أبي عبيدةَ بنِ الجرَّاح، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أخْرِجُوا يهودَ الحجازِ". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا

стр. 362

بكرُ بنُ حمَّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال (١): حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ -يعني القطَّانَ- عن إبراهيمَ بنِ ميمون، قال: حدَّثني سعدُ بنُ سمرةَ بنِ جُندُبٍ، عن أبيه، عن أبي عُبيدةَ، قال: إنَّ من آخرِ ما تكلَّمَ به رسولُ اللَّه ﷺ أن قال: "أخْرِجُوا يهودَ الحجازِ ونجرانَ من جزيرةِ العربِ، واعلَموا أنَّ شِرارَ عبادِ اللَّه الذينَ اتَّخذوا قُبُورَهُم مساجد". أخبَرنا قاسمُ بنُ محمد (٢)، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سعدٍ (٣)، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ سَنجَرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريَّا، عن إبراهيمَ بن ميمون، عن سعدِ بنِ سمرةَ بنِ جُندُبٍ، عن أبيه، عن أبي عُبيدةَ بنِ الجرَّاح، قال: آخرُ ما تكلَّمَ به رسولُ اللَّه ﷺ أن قال: "أخْرِجوا يهودَ الحجازِ وأهلَ نجرانَ من جزيرةِ العربِ، وإنَّ شِرارَ الناسِ ناسٌ يتَّخِذُون القُبورَ مساجد" (٤). وذكَره أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرقيُّ، عن أبي أحمدَ الزُّبيريِّ بإسنادِه مثلَه سواء (٥).

стр. 363

قال أبو عُمر: قولُ مَن قال: "قُبورَ أنبيائِهم" يَقضِي على قولِ من قال: "القبورَ" في هذا الحديثِ؛ لأنَّه بيانُ مُبهَم، وتفسيرُ مُجمَلٍ. وأمَّا قولُه: "أرضِ العربِ" و: "جزيرةِ العربِ" في هذا الحديثِ، فذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: أرضُ العربِ: مكةُ، والمدينةُ، واليَمَنُ. وذكَر أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام (١)، عن الأصمَعيِّ، قال: جزيرةُ العرب من أقصَى عَدَنِ أبْيَنَ (٢) إلى ريفِ العراقِ في الطُّولِ، وأمَّا في العَرْضِ فمن جُدَّةَ وما والاها من ساحِلِ (٣) البحرِ إلى أطرارِ (٤) الشَّام. قال أبو عبيدٍ (٥): وقال أبو عُبيدةَ: جزيرةُ العرب ما بينَ حَفْرِ أبي موسى إلى أقصَى اليمنِ في الطُّولِ، وأمَّا في العرضِ فمن بئرِ يَبْرِينَ (٦) إلى مُنقطع السَّماوةِ. قال أبو عُمر: أخبَرنا بذلك كلِّه أبو القاسم عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى. وأخبَرنا أبو القاسم أحمدُ بنُ عمرَ بنِ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، عن أبي عُبيدٍ القاسم بنِ سلَّام في كتابِه في "شرح غريبِ الحديثِ"، وبجميع الشَّرح المذكورِ. وقال يعقوبُ بنُ شيبةَ: حَفْرُ أبي موسى: على منازلَ من البصرةِ، في طريقِ مكةَ؛ خمسةُ منازلَ أو ستَّةٌ.

стр. 364

وقال أحمدُ بنُ المعَذَّلِ: حدَّثني يعقوبُ بنُ محمدِ بنِ عيسى الزُّهْريُّ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: جزيرةُ العربِ: المدينةُ، ومكةُ، واليمامةُ، واليمن (١). قال: وقال المغيرةُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: جزيرةُ العربِ: المدينةُ، ومكَّةُ، واليمنُ، وقُرَيَّاتُها (٢). وذكَر الواقديُّ، عن معاذِ بنِ محمدٍ الأنصاريِّ، أنَّه حدَّثه عن أبي وجْزةَ يزيدَ بنِ عُبيدٍ السَّعْديِّ، أنَّه سمِعه يقول: القُرى العربيَّةُ: الفُرْعُ، ويَنبُعُ، والمرْوةُ، ووادي القُرى، والجارُ، وخيبر. قال الواقديُّ: وكان أبو وجْزةَ السَّعديُّ (٣) عالمًا بذلك. قال أبو وَجْزةَ: وإنَّما سُمِّيتْ قرَى عربيَّةَ لأنَّها من بلادِ العرب. وقال أحمدُ بنُ المعذَّلِ: حدَّثني بشرُ بنُ عمرَ، قال: قلتُ لمالكٍ: إنَّا لنرجو أن تكونَ من جزيرةِ العربِ -يريدُ البصْرةَ- لأنَّه لا يحُولُ بينَنا وبينَكم نهرٌ. فقال: ذلك إن كان قومُك تبؤَّوا الدارَ والإيمانَ. قال أبو عُمر: قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّما سُمِّيَ الحجازُ حجازًا لأنَّه حجَز بينَ تِهامةَ ونجْدٍ، وإنَّما قيل لبلادِ العربِ: جزيرةٌ: لإحاطةِ البحرِ والأنهارِ بها من أقطارِها وأطرارِها، فصاروا فيها في مثل جزيرةٍ من جزائرِ البحر.

стр. 365

حديثٌ ثالثٌ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، عن (٢) عطاءَ بنَ يسارٍ أنّه أخبَره، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كبَّر في صلاةٍ من الصَّلواتِ، ثم أشارَ إليهم أنِ امكُثُوا، فذهَب ثمَّ رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الماء. عطاءُ بنُ يسارٍ هو أخُو سليمانَ بنِ يسارٍ، قال مُصعبٌ الزُّبيريُّ (٣): كانوا أربعةَ إخوةٍ: عطاءٌ، وسليمانُ، وعبدُ اللَّه، وعبدُ الملكِ، وهم موالي ميمونةَ زوج النبِيِّ ﷺ ، كاتَبَتْهُم، وكلُّهم أُخِذَ عنه (٤) العِلْم. قال أبو عُمر: سليمانُ أفقهُهم، وعطاءٌ أكثرُهم حديثًا، وعبدُ اللَّه وعبدُ الملكِ قليلا الحديثِ، وكلّهم ثِقَةٌ رضًا، وكان عطاءُ بنُ يسارٍ من الفضلاءِ العبَّادِ العلماءِ، وكان صاحبَ قَصصٍ. ذكَر عليُّ بنُ المدينيِّ، عن يحيَى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، عن هشام بنِ عُروةَ، قال: ما رأيْتُ قاصًّا أفضلَ من عطاءِ بنِ يسارٍ (٥). سمِع عطاءُ بنُ يسارٍ مِن أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ، وابنِ عمرَ، وقيلَ: سمِع ابنَ مسعودٍ. وفي ذلك عندِي نظرٌ (٦).

стр. 366

وتُوفِّي عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ سبع وتسعينَ فيما ذكَر الهيثمُ بنُ عديٍّ (١)، وأمَّا الواقدي فقال: تُوفِّيَ عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ، وهو ابنُ أربع وثمانينَ سنةً (٢). وهذا عندَنا أصحُّ من قول الهيثم. وكان يُكنى أبا يسارٍ، وقيل: أبو عبدِ اللَّه. وقيلَ: أبو محمدٍ، فاللَّهُ أعلمُ. وهذا حديثٌ مُنقطعٌ، وقد رُوِيَ مُتَّصِلًا مُسندًا من حديثِ أبي هريرةَ وحديثِ أبي بَكْرَةَ (٣). أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمَّدٍ (٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ -يعني الأثرمَ- قال: سألْتُ أبا عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀ عن حديثِ أبي بَكْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ أشارَ أن امكثُوا، فذهَب ثم رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الغُسْلِ فصلَّى بهم، ما وَجْهُه؟ قال: وجْهُه أنَّه ذهَب فاغتسَلَ. قيل له: كان جُنبًا؟ قال: نعم، ثم قال: يرويه بعضُ الناسِ أنَّه كبَّر، وبعضُهم يقول: لم يُكبِّرْ، قيلَ له: فلو فعَل هذا إنسانٌ اليومَ هكذا، أكنْتَ تذهبُ إليه؟ قال: نعم.

стр. 367

قال أبو عُمر: من طُرُقِ حديثِ أبي هريرةَ في هذا الحديثِ ما ذكَره الشافعيُّ (١)، قال: أخبرنا الثقةُ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ -يعني اللَّيثيَّ- عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ مولَى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوبان، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ مثلَ معنَاه. يعني مثلَ معنَى حديثِ مالكٍ هذا عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم. قال الشافعيُّ (٢): وأخبَرنا الثقةُ، عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. قال (٣): وأخبَرنا الثقةُ، عن ابنِ عونٍ (٤)، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، مثلَه. قال أبو عُمر: ذكَر وكيعٌ في "مُصنَّفِه" حديثَ أسامةَ بنِ زيدٍ هذا بإسنادهِ، مثلَه (٥).
следующие страницы →