← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3023–3062 · переход к 3028.

стр. 3023

أخبرنا (١) عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه (٣)، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ مُوافِينَ لهلالِ ذي الحِجَّةِ، فقال لنا: "مَن أحَبَّ (٤) منكم أن يُهِلَّ بالحجِّ فليُهِلَّ، ومن أحبَّ أن يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فلْيُهِل، فلولا أنِّي أهديْتُ لأهْلَلتُ بعُمْرة". قالت: فمنَّا مَن أهَلَّ بعمرة، ومنَّا مَن أهلَّ بحجَّة، وكنتُ ممَّن أهلَّ بعمرة، فأظلَّني يومُ عرفةَ وأنا حائضٌ، فشَكوْتُ ذلك إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: "ارْفُضِي عُمْرتَك، وانْقُضي رأْسَكِ وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحجِّ". فلمَّا كانت ليلةُ الحَصْبَةِ أرْسَل معي عبدَ الرحمن إلى التَّنعيم، فأهْلَلتُ بعمرةٍ مَكان عُمرَتي. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنُ يُوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي دُلَيْم وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص بنِ غالب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الحكَم، قال: حدَّثنا أبو ضَمْرَة أنسُ بنُ عياض، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مُوافينَ لهلالِ ذي الحجَّة، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن أحَبَّ منكم أن يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فلْيَفعَلْ، فإنِّي لولا أنِّي أهْدَيْتُ لأهْلَلْتُ بعمرة". قالت عائشة: فأهلَّ بعضُ أصحابِه بعُمرة، وبعضُهم بحجِّةٍ، وكنتُ أنا ممَّن أهلَّ بعُمرة. قالت: فأدرَكَني عرفةُ وأنا حائِضٌ. فذكَرَ الحديث.

стр. 3024

وكذلك رَواه حمادُ بنُ سلمة (١)، وحمادُ بنُ زيد (٢)، والدَّراوَرْديُّ، وجماعَةٌ، عن هشام بنِ عروة، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَه. وقال مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ فأهْلَلْنا بعمرة (٣). وقال معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ عامَ حجةِ الوداع فأهْلَلْتُ بعمرة (٤). وقال إبراهيمُ بنُ سعد، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشة، قالت: أهْلَلْتُ معَ رسولِ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَداع بعُمْرة (٥). وروَى ابنُ وَهْب، عن الليثِ بنِ سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابرٌ، أنَّ عائشةَ أقْبَلَتْ مُهلَّةً بعُمرة، حتى إذا كانت بسَرِفَ، عَرَكت، فدخَل عليها النبيُّ ﷺ فوجَدَها تَبكي، فقال: "ما يُبكِيك؟ "، قالت: حِضْتُ ولم أهلل (٦)، ولم أطُفْ بالبيت، والناسُ يذْهَبُون الآنَ إلى الحجِّ، قال: "فإنَّ هذا أمْرٌ قد (٧) كَتَبه اللهُ على بناتِ آدَمَ، فاغْتَسلي، ثم أهلِّي بالحجِّ". ففعَلْتُ، ووقَفْتُ المواقِفَ كلَّها، حتى إذا طَهُرْتُ طُفْتُ (٨) بالكعبة، والصفا والمروة، ثم قال: "قد حَلَلْتِ مِن حَجِّك

стр. 3025

وعمرتِكِ" - هكذا قال - فقلتُ: يا رسولَ الله، إنِّي أجدُ في نفسي إنِّي لم أطُفْ بالبيتِ حتى حَجَجْتُ، قال: "فاذهَبْ (١) يا عبدَ الرحمن فأعْمِرْها مِن التَّنْعِيم". وذلك ليلةَ الحصبَةِ (٢). هكذا قال ابنُ وَهْبٍ في هذا الحديثِ بإسْنادِه عن جابِر، أنَّ عائشةَ أقبَلتْ مُهلَّةً بعُمرة. ثم قال فيه: "قد حَلَلْتِ مِن حَجِّكِ وعُمْرَتِك". وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمدٍ المُؤدِّبُ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني أبو الزُّبير، عن جابرٍ، قال: أقبَلنا مُهلِّين بحجٍّ مُفرَدٍ، وأقْبَلَتْ عائشةُ مُهِلَّةً بحَجٍّ وعُمرة، حتى إذا كُنَّا بسَرِفَ عرَكَتْ. وذكرَ الحديثَ، وفيه: "فإنَّ هذا أمْرٌ قد (٣) كتَبه اللهُ على بناتِ آدَمَ، فاغْتَسلي، ثم أهلِّي بحجٍّ" (٤). وليس في شيءٍ مِن حديثِ جابر: "ودَعي العُمرةَ"، ولا: "انْقُضي رأْسَكِ، وامْتَشِطي". قالوا: والوَجْهُ عندنا في حديثها أنَّها كانت مُهِلَّةً بعُمرةٍ، فلمَّا حاضَتْ وخافت فَوْتَ عَرَفةَ، أمَرها رسولُ الله ﷺ أن تُهِلَّ بالحجِّ مُدخِلَةً له على العُمرة، وإذا كان هكذا، فليس فيه ما يُخالِفُ قولَ الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾

стр. 3026

[البقرة: ١٩٦]؛ لأنَّها تكونُ قارِنَةً، ويكونُ عليها حينَئذٍ دَمٌ لقِرانِها. وهذا ما لا خِلافَ في جَوازِه، فالوَهَمُ الداخِلُ على عُروةَ في حديثه هذا إنَّما هو في قوله فيه: "انْقُضي رأسكِ، وامْتَشِطي، وأهِلَّي بالحجِّ، ودَعي العُمرةَ". قال أبو عُمر: قد روَى حمادُ بنُ زيدٍ أنَّ هذا الكلامَ لم يَسْمَعْه عروةُ في حديثه ذلك مِن عائشةَ، فبيَّن مَوْضِعَ الوَهَن (١) فيه. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبيد، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ مُوافينَ لهلالِ ذي الحِجَّة، فقال النبيُّ ﷺ : "من شاء أن يُهِلَّ بحجٍّ فلْيُهِلَّ، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ". فمنَّا مَن أهلَّ بحَجٍّ، ومنا مَن أهَلَّ بعمرةٍ، حتى إذا كنتُ بسَرِفَ حِضْتُ، فدَخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما شَأْنُكِ؟ "، فقلتُ: ودِدْتُ أنِّي لم أخْرُج العامَ. وذكَرَتْ لهُ مَحيضها، قال عروةُ: فحدَّثني غيرُ واحِدٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لها: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وانْقُضي رأْسكِ، وامْتَشِطي، وافْعَلي ما يَفْعَلُ الحاجُّ المسلمونَ في حَجِّهم". قالت: فأطَعْتُ اللهَ ورسولَه. فلمَّا كانت ليْلَةُ الصَّدَرِ أمَرَ رسولُ الله ﷺ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ، فأخْرَجَها إلى التَّنْعِيم، فأهَلَّتْ منه بعمرة (٢). وفي روايةِ حمَّادِ بنِ زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ في هذا الحديثِ عِلَّةُ اللفظِ الذي عليه مَدارُ المخالِفِ في النُّكتَةِ التي بها يَسْتَجِيزُ رفضَ العُمرةِ، لأنَّه كلامٌ

стр. 3027

لم يَسْمَعْه عروةُ مِن عائشة، وإن كان حمَّادُ بنُ زيدٍ قد انفَرَد بذلك، فإنَّه ثِقَةٌ فيما نقَل، وبالله التوفيق. قال أبو عُمر: الاضطرابُ عن عائشةَ في حديثها في الحجِّ عظيمٌ، وقد أكثرَ العلماءُ في توجِيهِ الرِّواياتِ فيه، ودفَع بعضُهم بعضًا ببعض، ولم يستَطيعوا الجمعَ بينَها (١)، ورام قومٌ الجمعَ بينَها في بعضِ مَعانِيها، وكذلك أحاديثُها في الرَّضَاع مُضطَربَةٌ أيضًا. وقال (٢) بعضُ العلماء في أحادِيثها في الحجِّ والرَّضَاع: إنَّما جاء ذلك مِن قِبَلِ الرُّواة. وقال بعضُهم: بل جاء ذلك منها. فاللهُ أعلم. وروَى محمدُ بنُ عُبيد، عن حمَّادِ بنِ زيد، عن أيوب، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ قال: ألا تَعْجَبُ مِن اختلافِ عروةَ والقاسِم؟ قال القاسِمُ: أهَلَّتْ عائشةُ بالحجِّ. وقال عروةُ: أهَلَّتْ بعُمرة (٣). وذكَر الحارِثُ بنُ مِسْكين، عن يُوسفَ بنِ عمرٍو (٤)، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، أنَّه قال في حديثِ عروةَ، عن عائشةَ في الحجِّ: ليس عليه العَمَلُ عندَنا قديمًا ولا حديثًا، ولا نَدْري أذلك كان ممَّن حدَّثَه أو مِن غيرِه؟ لم نَجِدْ (٥) أحدًا مِن الناسِ أفْتَى بهذا.

стр. 3028

قال أبو عُمر: يريدُ مالكٌ أنه ليس عليه العمَلُ في رَفْضِ العُمرة؛ لأنَّ العَمَلَ عليه عندَه في أشياءَ كثيرة؛ منها: أنه جائز للإنسانِ أنْ يُهلَّ بعمرةٍ ويتَمتَّعَ بها. ومنها: أن القارِنَ يطوفُ طوافًا واحدًا، وغيرُ ذلك ممَّا فيه ما نذْكُرُه في هذا البابِ إن شاء الله. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: المعتمِرَةُ الحائِضُ إذا خافَتْ فَوْتَ عرفةَ رفَضَتْ عُمْرَتَها وألغَتْها، وأهَلَّتْ بالحجِّ، وعليها لرَفْضِ عُمْرَتِها دَمٌ، ثم تَقْضي عمرةً بعدُ (١). وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، وحديثُ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لها في حديثها المذكورِ في هذا الباب: "دَعي عُمْرَتَك، وانقُضِي رأُسَكِ، وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحَجِّ". قالوا: ولا يُقاسُ بالزُّهريِّ وعروةَ أحدٌ في الحفْظِ والإتقانِ. قالوا: وكذلك روَى عكرمةُ، عن عائشة (٢)، وابنُ أبي مُلَيكَةَ، عن عائشةَ (٣). وزيادَةُ مثلِ الزهريِّ وهؤلاء مَقْبُولةٌ، وقد زادوا وذكَروا ما قَصَّرَ عنه غيرُهم وحذَفَه، وليس مَن قَصَّرَ عن ذِكْرِ شيءٍ ولم يذْكُرْه بحُجَّةٍ على مَن ذكَرَه. قال عبدُ الرَّزَّاق: ذكَرْتُ للثوريِّ ما حدَّثنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نَجِيح (٤)، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ ﵁: إذا خَشِيَ المتمَتِّعُ فَوْتًا أهَلَّ بحَجٍّ في (٥) عُمْرتِه، وكذلك الحائضُ المعتمِرَةُ، تُهِلُّ بحَجٍّ في (٦) عُمْرَتِها. قال: وحدَّثنا

стр. 3029

هِشَامٌ، عن الحسنِ مثلَه. وعن طاووس مثلَه. فقال الثوريُّ: لا نقولُ بهذا، ولا نأخُذُ به، ونأخُذُ بحديثِ عائشةَ، ونقولُ: عليها لرَفْضِ عُمرتِها دَمٌ. قال أبو عُمر: ليس في حديثِ عروةَ، عن عائشةَ - وهو الذي أخَذَ به الثوريُّ - ذكْرُ دَم، لا مِن روايَةِ الزُّهريِّ، ولا مِن روايَةِ غيرِه، بل قال فيه هشامُ بنُ عروةَ: ولم يكنْ في شيءٍ مِن ذلك دَمٌ. ذكَر ذلك أنسُ بنُ عياضٍ وغيرُه، عن هشام بنِ عروةَ في حديثه هذا. ومِن حُجَّةِ الثوريِّ ومَن قال بقولِه في رَفْضِ العُمرة، قولُ عائشةَ لرسولِ الله ﷺ حينئذٍ: يا رسولَ الله، يرجِعُ صَواحبي بحجٍّ وعُمرةٍ، وأرْجعُ أنا بالحجِّ؟ ولو كانت قارنَةً قد أدْخَلَتْ على عُمْرَتِها حجًّا لم تَقُلْ ذلك، واللهُ أعلمُ. ولذلك أمَرَ أخاها أن يخرُجَ بها إلى التَّنْعِيم فتَعْتَمِرَ منه مكانَ العُمْرَةِ التي رفَضَتْها. وهذا القولُ قد دفَعْناه فيما مَضَى مِن هذا البابِ، وإنَّما يُؤخَذُ هذا اللَّفْظُ مِن حديثِ القاسِم بنِ محمد، عن عائشةَ. رَواه أيمنُ بنُ نابِلٍ عنه (١). والقاسِمُ يقولُ عنها: إنَّها أهَلَّتْ بحَجٍّ لا بعُمرة. وليس في حديثه رَفْضُ عُمْرَة، وقد يُوجَدُ معنَى حديثِ القاسِم هذا عن الأسودِ، عن عائشةَ، والقولُ في ذلك واحدٌ؛ لأنَّه يلزَمُ من صَحَّح هذا أن يُصحِّحَ أنَّها كانت مُهِلَّةً بحَجٍّ مُفْرَد، فيَبْطُلَ عليه أصْلُه في رَفْضِ العُمْرَة. وقد روَى ابنُ جُريج، عن عطاءٍ وأبي الزُّبير، عن عائشة، أنَّها قالت للنبيِّ ﷺ : إنِّي أجِدُ في نَفْسي مِن عُمْرَتي أنْ لم أكنْ طُفْت. قال: "فاذْهَبْ يا عبدَ الرحمن فأعْمِرْها مِن

стр. 3030

التَّنْعِيم" (١). وهذا يَدُلُّ على أنَّها كانت قد أدْخَلَتِ الحجَّ على عُمْرَتِها، ولم تَطُفْ لذلك إلَّا طَوافًا واحدًا، فأحَبَّتْ أن تطوفَ طَوافَيْنِ كما طاف مِن صَواحِبها مَن تَمَتَّع وسَلِم مِن الحيضِ حتى طاف بالبيت، واللهُ أعلمُ. وفي حديثنا المذكورِ في هذا البابِ أيضًا مِن الفِقْهِ على مذهبِ مالك، والشافعيِّ، ومَن دفَع رَفْضَ العُمرةِ: إدْخالُ الحجِّ على العُمرةِ، وهو شيءٌ لا خِلافَ فيه بينَ العلماءِ ما لم يَطُفِ المعتمرُ بالبيت، أو يأْخُذْ في الطواف. واختلفوا في إدْخالِ العمرةِ على الحجِّ؛ فقال مالكٌ: يُضافُ الحجُّ إلى العُمرة، ولا تُضافُ العمرةُ إلى الحجِّ. قال: فمَن فعَل ذلك فليستِ العمرةُ بشيءٍ، ولا يلزَمُه لذلك شيءٌ، وهو حاجٌّ مُفْرِدٌ، وكذلك مَن أهَلَّ بحجَّةٍ فأدْخَل عليها حجَّةً أُخرَى، أو أهَلَّ بحجَّتَيْن، لم تلزَمْه إلَّا واحدةٌ، ولا شيءَ عليه (٢). وهذا كلُّه قولُ الشافعيِّ، والمشهورُ مِن مذْهَبِه. وقال ببغداد: إذا بدأ فأهَلَّ بالحجِّ، فقد قال بعضُ أصْحابِنا: لا يُدْخِلُ العمرةَ عليه. والقياسُ أنَّ أحدَهما إذا جاز أن يدخُلَ على الآخَرِ فهما سواءٌ (٣). وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ، ومحمدٌ (٤): مَن أضاف إلى حجِّه (٥) عمرةً، لزمَتْه وصار قارِنًا، وقد أساء فيما فعَل.

стр. 3031

وقال أبو حنيفةَ: مَن أهَلَّ بحجَّتين، أو عمرتَيْن، لزِمَتاه، وصار رافِضًا لإحداهما حينَ يتوجَّهُ إلى مكةَ. وقال أبو يُوسفَ: تلزَمُه الحجَّتانِ، ويصيرُ رافِضًا لإحداهما ساعتَئذٍ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ بقولِ مالكٍ والشافعيِّ: تلزَمُه الواحدَةُ إذا أهلَّ بهما جميعًا، ولا شيءَ عليه (١). وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أحْرَم بحجَّةٍ فليس عليه أن يضُمَّ إليها عمرةً، ولا يُدْخِلَ إحرامًا على إحرام، كما لا يُدْخِلُ صلاةً على صلاة (٢). وفيه أيضًا: أنَّ القارِنَ يُجزِئُه طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ (٣). وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور. وهو مذهبُ عبدِ الله بنِ عمرَ، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وعطاء بنِ أبي رباح، وقولُ الحسنِ، ومجاهِد، وطاووس (٤). وحُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ حديثُ مالكٍ هذا، عن ابنِ شهاب، عن عروة، عن عائشة، وفيه قالت: إنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ الذين جمَعوا الحجَّ والعُمرةَ إنَّما طافوا طوافًا واحدًا. فإن قيل: إنَّ مَن روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ لم يذكُرْ هذا فيه مِن قولِ عائشة. قيل له: إنَّ تَقْصيرَ مَن قصَّرَ عنه ليس بحُجَّةٍ على مَن حَفِظه، ومالكٌ أثْبَتُ الناسِ عندَ الناسِ في ابنِ شهابٍ، وقد ذكَره مالكٌ، وحَسْبُك به.

стр. 3032

ومن حُجَّتِهم أيضًا حديثُ الدَّراورديِّ، عن عبيدِ الله بنِ عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن جمَع الحجَّ والعمرةَ كفاه لهما طوافٌ واحِدٌ وسَعْيٌ واحِدٌ" (١). فإن قيل: الدَّراورديُّ غَلِط في هذا الحديثِ فرفَعه، وإنَّما هو حديثٌ موقوفٌ، كذلك رَواه كلُّ مَن رواه عن عُبيدِ الله، وكذلك رواه مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ موقوفًا (٢).

стр. 3033

قيل لهم: قد روى أيوبُ بنُ موسى (١)، وأيوبُ السَّخْتيانيُّ (٢)، وإسماعيلُ بنُ أُميَّة (٣)، والليثُ بنُ سعد (٤)، وموسى بنُ عقبة (٥)، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّه قال لما خرَج إلى مكةَ مُعْتَمرًا مخافَةَ الحَصْر، قال: ما شأنُهما إلَّا واحِدٌ، أُشْهِدُكم أنِّي قد أوجَبْتُ إلى حَجَّتي عمرةً. ثم تقدَّم فطاف لهما طوافًا واحدًا، وقال: هكذا فعَل رسولُ الله ﷺ . وقد ذكرنا الطُّرُقَ عن هؤلاءِ في هذا الحديث، في بابِ نافِع (٦). والحمدُ لله. ومن حُجَّتِهم أيضًا: حديثُ ابنِ أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: "إذا رَجَعْتِ إلى مكةَ فإنَّ طَوافَكِ يُجزِئُكِ لحجِّكِ وعُمْرَتِكِ" (٧). ومِن حُجَّتِهم أيضًا: حديثُ أبي الزبير، عن جابِر، رواه الليثُ (٨) وابنُ جريج (٩) وغيرُهما، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعائشةَ: "طوفي بالبيتِ، وبينَ الصفا والمَرْوة، ثم قد حَلَلْتِ مِن حَجِّكِ وعُمرتِكِ".

стр. 3034

وروى ربَاحُ بنُ أبي معرُوف، عن عطاء، عن جابر، أنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ لم يزيدوا على طوافٍ واحد (١). وروى منصورُ بنُ أبي الأسود، عن عبدِ الملك، عن عطاء، عن ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ ﷺ طاف بالبيتِ طوافًا واحدًا لحجَّتِه وعمرتِه (٢). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ خطأٌ واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ فيه أنَّ رسولَ الله ﷺ كان قارنًا أو مُتمتِّعًا، وهو حديثٌ مُختلفٌ فيه عن عطاء، إلَّا أنَّه يُشْبِهُ مذْهَبَ ابنِ عمر، وهو معرُوفٌ مِن مذْهَبِ ابنِ عباسٍ في التَّمتُّع (٣). وقال الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ صالح: على القارِنِ طوافانِ وسَعْيان (٤). ورُوي هذا القولُ عن عليٍّ بنِ أبي طالب، وعبدِ الله بنِ مسعود. وهو قولُ الشعبيِّ، وجابرِ بنِ زيد، وعبدِ الرحمن بنِ الأسود (٥).

стр. 3035

وروى سعيدُ بنُ منصور، عن هُشيم، عن منصورِ بنِ زاذانَ، عن الحكَم، عن زيادِ بنِ مالك، عن عليٍّ وعبدِ الله، قالا في القارِن: يطوفُ طوافَيْن، ويَسْعَى سَعْيَين (١). وروى منصورٌ، عن إبراهيمَ ومالكِ بنِ الحارث، عن أبي نَصرٍ السُّلَمِيِّ، قال: أهْلَلْتُ بالحجِّ، فأدْرَكْتُ عليًّا، فقلتُ له: إنِّي أهْلَلْتُ بالحجِّ، أفأسْتَطيعُ أن أُضيفَ إليه عُمْرةً؟ قال: لا، لو كُنْتَ أهْلَلْتَ بعُمْرَةٍ ثم أرَدْتَ أنْ تُضيِفَ إليها حجًّا، ضَمَمْتَه. قال: قلتُ كيف أصنَعُ إذا أردْتُ ذلك؟ قال: تَصُبُّ عليك إداوةً مِن ماء، ثم تُحرِمُ بهما جميعًا، وتطوفُ لكلِّ واحدٍ منهما طوافًا؛ ورواه شعبةُ (٢)، والثوريُّ (٣)، عن منصور. وروى الأعمشُ هذا الحديثَ، عن إبراهيمَ ومالكِ بنِ الحارث، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أُذيْنَة، قال: سألتُ عليًّا. فذكَرَه (٤).

стр. 3036

وردُّوا حديثَ عطاء، عن عائشةَ؛ قولَ النبيِّ ﷺ : "طوافُكِ يُجزئُك لحجِّكِ وعمرتِكِ" (١) بأنّ عروةَ روَى عنها: "انْقُضي رأْسَكِ، وامْتَشِطي، ودَعِي العُمرةَ، وأهلِّي بالحجِّ". قالوا: فكيف يكونُ طوافُها في حجَّتِها التي أحْرَمَتْ بها بعدَ ذلك يُجزئُ عنها مِن حجَّتِها تلك ومِن عُمْرَتِها التي رفَضتْها وترَكَتْها؟ هذا مُحالٌ. وزَعَموا أنَّ حديثَ عطاء، عن عائشة، لم يُتابَعْ عليه ابنُ أبي نَجيح، وأنَّ حديثَ عطاء، عن جابر، رواه أبو الزُّبير، عن جابر، فجعَلَه في السَّعْي، قال: لم يَطُفِ النبيُّ ﷺ وأصحابُه بينَ الصفا والمروةِ إلَّا طوافًا واحدًا (٢). وسنَزِيدُ القولَ في إدْخالِ العمرةِ على الحجِّ، وفي طَوافِ القارِن بيَانًا في بابِ نافِع مِن كتابِنا هذا إن شاء الله (٣). وفي قولِ عائشةَ في حديثِ مالك: وأمَّا الذين أهَلُّوا بالحجِّ، أو جمَعوا الحجَّ والعُمْرةَ، فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا، دليلٌ على أنَّ الحاجَّ يُجزِئُه في حجِّه، إذا كان مُفْردًا أو قارنًا، طوافٌ واحِدٌ، ويقْضي بذلك فَرْضَه، فإن جعَلَه الطَّوافَ يومَ النَّحْر (٤)، ووصَله بالسَّعْي، لم يكنْ عليه شيءٌ في تَرْكِ طَوافِ القُدوم غيرُ الدَّم، وإن كان مَعْذُورًا في تَرْكِه لم يأْثَم. والطَّوَافُ الموصولُ بالسَّعْي في حينِ دُخولِ مكَّة، لمالكٍ وأصحابِه في نِيابتِه عن طواف الإفاضة مذْهَبٌ نَذْكُرُهُ في بابِ نافع إن شاء الله.

стр. 3037

حديثٌ حاديَ عشَر لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنها أخْبَرتْه، أنّ أفْلَحَ أخا أبي القُعَيسِ جاء يَستأذِنُ عليها - وهو عمُّها مِن الرَّضاعةِ - بعدَ أن نزَل الحجابُ. قالت: فأبَيتُ أن آذنَ له، فلمَّا جاء رسولُ الله ﷺ أخْبَرتُه بالذي صنَعتُ، فأمَرَني أن آذنَ له (٢). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ دليلٌ على أن احتجابَ النساء مِن الرجالِ لم يكنْ في أوَّلِ الإسلام، وأنهم كانوا يَرون النساء، ولا يَستَترُ نساؤُهم عن رجالهم إلَّا بمثلِ ما كان يَستَترُ رجالُهم عن رجالهم، حتى نزَلتْ آيةُ (٣) الحجابِ. وكان سبَبَ نزولها فيما قال أهلُ العلم بالتفسيرِ والسِّير: أن رسولَ الله ﷺ صنَع طعامًا في هداءِ زينبَ (٤) ودعا إليه أصحابَه، وذلك في بيتِ أمِّ سلَمةَ، فلمَّا أكلوا أطالوا الحديثَ، فجعَل النبيُّ ﷺ يدخُلُ ويخرُجُ، ويَسْتَحي منهم، فأنزَل اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى

стр. 3038

طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ. يقول: غير مُنْتَظِرين ومُتَحَيِّنين وقتَه؛ يَعْني: وقتَ الطعام، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (١) [الأحزاب: ٥٣]. وأنزَل اللهُ :

стр. 3039

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. وقُرِئَتْ: (حتى تَسْتأْذِنوا) (١). ثم نزلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ

стр. 3040

لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فأُمِر النساءُ بالحجابِ، ثم أُمِرْن عندَ الخروج أن يُدنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابِيبِهنَّ، وهو القِناعُ. وهو عندَ جماعةِ العلماء في الحرائرِ دونَ الإماء. وفيه أيضًا: أن ذوي المحارم مِن النسَبِ والرَّضاع لا يُحتَجَبُ منهم، ولا يُستَرُ عنهم إلَّا العَوراتُ، والمرأةُ في ما عَدَا وجْهَها وكفَّيْها عورةٌ، بدليلِ أنها لا يجوزُ لها كشفُه في الصلاة، وقُبلُ الرجلِ ودبُرُه عورةٌ مُجتَمَع عليها. وقد ذكرنا اختلافَ الناسِ في الفَخِذِ مِن الرجل، وبيَّنا معانيَ العورةِ، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ (١)، وفي بابِ صَفْوَانَ بنِ سُليم (٢)، وذكرنا هناك مَن (٣) يلزَمُ المرأةَ الاسْتِتارُ عنه، وزِدْنا ذلك بيانًا في بابِ هشام بنِ عروةَ، وجرَى مِن هذا المعنَى ذِكْرٌ في الباب الذي يلي هذا لابنِ شهابٍ، وأوضَحْنا في بابِ صَفْوانَ بنِ سُليم المعنَى في الاحتِجابِ والاستِئذانِ على ذواتِ المحارم جُمْلةً، وما يحِلُّ لذي المحرَم أن يَراه مِن ذاتِ محارمه، وما يَحِلُّ مِن ذلك للعَبِيدِ الذُّكورِ والإماء. والحمدُ لله.

стр. 3041

وذكر إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المديني، قال: حدَّثنا سفيان، قال: سَمِعناه مِن الزُّهري، عن نَبْهان، أنَّه كان يقودُ بأُمِّ سلَمةَ بعيرَها، فسَألتْه: كم بَقِيَ عليك مِن كتابَتِكَ؟ فقال: ألفُ درهم. قالت: فهي عندَك؟ قال: نعم. قالت: فأعْطِها فلانًا. قال علي: قد سمَّاه سفيانُ فذهَب مِن كتابي. وألقَتِ الحجابَ، وقالت: عليك السلامُ، إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كان لإحداكُنَّ مُكاتَبٌ عندهُ ما يُؤدِّي فلْتَحْتَجِبْ منه" (١).

стр. 3042

وفيه: أن لبنَ الفحلِ يُحرِّمُ. وهذا موضعٌ اختَلف فيه الصحابةُ والتابعونَ وفقهاءُ المسلمين، ومعنَى لبنِ الفحلِ تَحرِيمُ الرَّضاع مِن قِبَلِ الرَّجُل، مثالُ ذلك المرأةُ تُرضِعُ الطفلَ، فيكونُ ابنَها منَ الرَّضاعةِ (١) بإجماع العلماءِ، ويكونُ كلُّ ولدٍ لتلك المرأةِ إخوتَه، وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ أحدٍ مِن المسلمين، وبه نزَل القرآنُ، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. وسواءٌ كان رَضاعُهم في زمنٍ واحدٍ، أو واحدًا بعدَ واحدٍ، مِن المرأةِ الواحدةِ، هم كلُّهم إخوةُ رضاع بإجماع. واختَلفوا في زوج المرأةِ المرضِعةِ، هل يكونُ أبًا للطفلِ بأنَّه كان سببَ اللبنِ الذي به أُرضِع؟ وهل يكونُ ولدُه مِن غيرِ تلك المرأةِ إخوةَ الرضيع أم لا؟ فقال جماعةٌ مِن أهل العلم: إن زوجَ تلك المرأةِ أبٌ لذلك الطفل؛ لأن اللبنَ له وبسَبَبِه ومنه، وكلُّ ولدٍ لذلك الرجلِ مِن تلك المرأةِ ومِن غيرِها فهم إخوةُ الصبيِّ المُرضَع، وهذا موضعُ التنازُع. وفي حديثِ عائشةَ هذا بيانُ تحريم الرَّضاع مِن قِبَلِ الرجال؛ لأنَّ أفْلَحَ المستأذِنَ عليها لم يكنْ بينَه وبينَ أبي بكرٍ الصديقِ رَضاعٌ، ولو كان أبو بكرٍ قد رضَع مع أفْلَحَ هذا امرأةً واحدةً لم تَحجُبْه عائشة، وما كانت عائشةُ ولا مثلُها ممَّن يخْفَى عليه مثلُ (٢) هذا، ولكن لمَّا عَلِمتْ أنَّه ليس بأخ لأبيها مِن الرَّضاع حجَبَتْه، وكانت امرأةُ أخيه أبي القُعَيْسِ قد أرْضَعتْها، فصارتْ أُمَّها مِن الرَّضاع، وصار زوجُها أبو القُعَيْسِ أبًا لها (٣)، فلهذا ما صار أخو أبي القُعَيْسِ عمَّها، ولم تَعلَمْ أن الرجالَ يكونُ الرَّضاعُ واللبنُ مِن قِبَلِهم أيضًا، فحَجَبتْه حتى أعْلَمَها رسولُ الله ﷺ .

стр. 3043

ألا تَرَى مُراجَعَتَها رسولَ الله ﷺ في حديثِ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عنها، إذْ قالت: يا رسولَ الله، إنَّما أرْضَعتْني المرأةُ، ولم يُرْضِعْني الرجلُ؟ تقولُ: إن هذا الرجلَ ليس أخًا للمرأةِ التي أرْضَعتْني، وإنَّما هو أخُو زوجِها، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "إنَّه عمُّكِ" (١). ومن ادَّعى أن أبا القُعَيْس كان رَضِيعَ أبي بكرٍ الصِّديق، فقد كابَر ودفَع الآثارَ. واللهُ المستعان. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بنُ شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعد، قال: حدَّثني عُقَيْل، عن ابنِ شهاب، قال: أخْبَرني عروةُ بنُ الزُّبير، عن عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ ، أنها قالت: اسْتأذَن عليَّ أفْلَحُ أخُو أبي القُعَيْس بعدما نزَل الحجابُ، فقلت: والله لا آذَنُ له حتى أسْتأْذِنَ فيه رسولَ الله ﷺ ، فإن أخا أبي القُعَيْس ليس هو الذي أرْضَعَني، ولكنْ أرْضَعتْني امرأته. فقال رسولُ الله ﷺ : "ائْذَني له، فإنَّهُ عمُّك، تَرِبتْ يَمِينُكِ". قال عروةَ: فلذلكَ كانت عائشةُ تقول: حرِّموا مِن الرَّضاعةِ ما تُحرِّمون مِن النَّسَب. قال ابنُ شهاب: فنرَى ذلك يَحرُمُ منه ما يَحرُمُ مِن النَّسب (٢). أخبرنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ووَهْبُ بنُ مسرَّة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو (٣)، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عياض، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: جاء عمِّي مِن الرَّضاعةِ

стр. 3044

بعدما ضُرِب علينا الحجابُ، فقلت: والله لا آذَنُ له حتى أستأذِنَ رسولَ الله ﷺ ، فجاء رسولُ الله ﷺ فقلتُ: جاء عمِّي مِن الرَّضاعة، فأبَيْتُ أن آذَنَ له حتى أستأذِنَك. قال: "فلْيَلِجْ عليكِ"، فقلت له: إنَّما (١) أرْضَعتْني المرأةُ ولم يُرْضِعْني الرجدٍ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّه عمُّكِ، فلْيَلِجْ عليك". وكانت تقول: يَحرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ مِن الولادة (٢). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميدي، قال (٣): حدَّثنا سفيان، قال: سمِعتُ الزهريَّ يُحدِّثُ، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: جاء عمِّي مِن الرضاعةِ أفْلَحُ بنُ أبي القُعَيْسِ يَستأذِنُ عليَّ بعدما ضُرِب الحجابُ فلم آذَنْ له، فلمَّا جاء النبيُّ ﷺ أخبرتُه، فقال: "إنَّه عمُّك، فائْذَني له". قال الحُميدي (٤): قال سفيان: وحدَّثنا هشامُ بنُ عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٥)، وزاد فيه أنها قالت: قلت: يا رسولَ الله، إنَّما أرْضَعَتْني المرأةُ ولم يُرْضِعْني الرجل! فقال رسولُ الله ﷺ : "تَرِبتْ يَمِينُك، هو عمُّكِ، فائْذَني له". وقد ذكر معمرٌ هذه الزيادةَ في حديثِه هذا عن ابنِ شهاب.

стр. 3045

ذكر عبدُ الرزاق (١)، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشةَ، قالت: جاء أفْلَحُ أخو أبي القُعَيْسِ يَستأذِنُ عليها، فقال: إني عَمُّها (٢)، فأبَتْ أن تأْذَنَ له، فلمَّا دخَل عليها النبيُّ ﷺ ذكرَتْ ذلك له، فقال النبيُّ ﷺ : "أفلا أذِنْتِ لِعَمِّكِ؟ ". قالت: يا رسولَ الله، إنَّما أرْضَعَتْني المرأةُ، ولم يُرْضِعْني الرجل! قال: "فائْذَني له، فإنَّهُ عمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ". وقد رواه بعضُ أصحابِ ابن عُيينة عنه، عن ابن شهاب، مثلَ روايةِ مَعْمر (٣). قال: وكان أبو القُعَيْسِ أخا زوجِ المرأةِ التي أرْضَعتْ عائشة. قال معمر: وأخبرني هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ نحوَه (٤). وقد روَاه عِراكُ بنُ مالك، عن عروةَ، فأوْضَح المعنَى فيه، وبيَّن المرادَ منه أيضًا. حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ حَبابةَ، قالا: أخبرنا البغوي، قال (٥): حدَّثنا عليُّ بنُ الجعدِ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن الحكم، عن عِرَاكِ بنِ مالك، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: استأْذَن عليَّ أفْلَحُ بنُ أبي قُعَيْس فلم آذَنْ له، فقال: إنِّي عَمُّكِ، أرْضَعَتْكِ امرأةُ أخي بلبنِ أخي. قالت: فذكَرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "صدَق، هو عَمُّكِ، فائْذَني له".

стр. 3046

وممَّن قال: لبنُ الفحلِ يُحرِّمُ، والرَّضاعُ (١) مِن قِبَل الرجالِ كهُوَ مِن قِبَل النساء: عروةُ بنُ الزبير، وابنُ شهاب، وطاووسٌ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، وأبو الشعثاء جابرُ بنُ زيد، واخْتُلِف فيه عن القاسم بنِ محمدٍ والحسنِ البصريِّ. وهو مذهبُ ابنِ عباس (٢). وروى مالكٌ (٣)، عن ابنِ شهاب، عن عمرِو بنِ الشَّريدِ، قال: سُئل ابنُ عباس عن رجلٍ تزوَّج امرأتَيْن، فأرضَعتْ إحداهما جارية، وأرضَعتِ الأُخرى غلامًا، هل يتَزوَّجُ الغلامُ الجاريةَ؟ قال: لا، اللَّقاحُ واحِد. وقال عبدُ الرزاق (٤): أخبرنا (٥) معمرٌ وابنُ جُريج، عن ابنِ طاووس، عن أبيه: أنه كان يُحرِّمُ لبنَ الأبِ ويُسمِّيه لبنَ الفحْل. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ ماهانَ، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، أنه كان يكره لبنَ الفحل (٦).

стр. 3047

قال ابنُ وضَّاح: وحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا مصعبٌ، عن سفيانَ، عن عبَّادِ بنِ منصور، عن القاسم بنِ محمد، وعطاء بنِ أبي رباح، وطاووس، والحسنِ بنِ أبي الحسن، أنهم كَرِهوا لبنَ الفحل (١). قال ابنُ وضَّاح: وأخبرنا أحمدُ بنُ عمرو، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن عمرِو بنِ دينار، عن أبي الشعثاء جابرِ بنِ زيد، أنه كان يكْرَهُ لبنَ الفحل (٢). قال ابنُ وضَّاح: وحدثنا يحيى بنُ جابر من أهلِ القيروان، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ فرُّوخ، عن هشام بنِ حسان، عن محمدِ بنِ سيرين، أنه سُئل عن لبنِ الفحل، فقال: يكرَهُه ناسٌ من الفقهاء ولا يكرهُه آخرون، ومن كَرِهه أحبُّ إلينا ممن لم يكرَهْه (٣). وبتحريم لبنِ الفحلِ قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعد، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُويةَ،

стр. 3048

وأبو ثور (١). وحُجَّتُهم ما قَدَّمْنا مِن حديثِ عائشةَ في قصةِ أبي القُعَيْس. وهو مذْهَبُ ابنِ عباسٍ وأصحابِه، وعائشةَ على اختلافٍ عنها. وذكر إسماعيلُ القاضي، عن ابنِ أبي أُوَيْسٍ، قال: قال مالكٌ: وقد اختُلِف في أمرِ الرَّضاعةِ مِن قِبَلِ الأبِ، ونزَل برجالٍ مِن أهلِ المدينةِ في أزواجِهم؛ منهم: محمدُ بنُ المنكدرِ وابنُ أبي حَبِيبةَ، فاسْتَفْتَوا في ذلك، فاخْتَلَف الناسُ عليهم؛ فأمَّا ابنُ المنكدرِ وابنُ أبي حَبِيبةَ ففارَقوا نساءَهم. وروى سُحْنُونٌ، عن ابنِ القاسم، عن مالكٍ مثلَه، وزاد: وقد اختُلِف فيه اختلافًا شديدًا. قال أبو عُمر: وممَّن قال: إن لبنَ الفحلِ ليس بشيءٍ ولا يُحرِّمُ شيئًا: سعيدُ بنُ المسيِّبِ، وسالمُ بنُ عبدِ الله، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، وسليمانُ بنُ يسار، وأخوه عطاءُ بنُ يسار، ومكحولٌ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، والشعبيُّ، والحسنُ البصريُّ على اختلافٍ عنه، والقاسمُ بنُ محمدٍ على اختلافٍ عنه، وأبو قِلابةَ، وإياسُ بنُ معاويةَ. وهو قولُ داودَ، وابنِ عُلية (٢). وقضَى به عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ، وكان يقولُ: إن الرجال ليس مِن الرضاعةِ في شيء (٣). ورُوي ذلك عن ابنِ عمرَ وجابرِ بنِ عبدِ الله (٤). كلُّ هؤلاء يقولون: لا بأسَ بلبنِ الفحلِ، ولا يُحرِّمُ شيئًا،

стр. 3049

ولا تكونُ الرَّضاعةُ من قِبَلِ الرجالِ بحالٍ. وحُجَّتُهم أن عائشةَ كانت تُفْتي بخلافِ حديثِ أبي القُعَيْسِ، روى ذلك عنها القاسِمُ بنُ محمد، مِن روايةِ مالكٍ وغيرِه، وذلك أن القاسمَ قال: كانت عائشةُ تأذنُ لمن أرضَعه أخواتُها وبناتُ أخِيها، ولا تأذنُ لمن أرْضَعه نساءُ إخوتِها ونساءُ بني أخيها. وروى مالكٌ (١)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أنها كانت تُدْخِلُ عليها مَن أرْضَعه أخواتُها وبناتُ أخِيها، ولا يَدخُلُ عليها مَن أرْضَعه نساءُ إخْوَتِها. وروى محمدُ بنُ عمرِو بنِ علقمةَ الليثيُّ، قال: قَدِم الزُّهريُّ المدينةَ في أوَّلِ خلافةِ هشام، فذكَر أن عروةَ كان يُحدِّثُ عن عائشة، أن أبا القُعَيْسِ جاء يَستأذِنُ على عائشة، وقد أرْضَعتْها امرأةُ أخيه، فأبَت أن تَأذنَ له، فزعَم عروةُ أن عائشةَ ذكرت ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "فهلَّا أذِنْتِ له، فإن الرَّضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادةُ؟ ". ففزع أهلُ المدينةِ لذلك، فذكر محمدُ بنُ عمرٍو أنَّه جاء عبدَ الرحمنِ بنَ القاسِم فسَأله، فقال: أشْهَدُ على القاسم بنِ محمدٍ لكان يُحدِّثُنا أن عائشةَ كانت تَأْذَنُ لِمَن أرضَع أخوَاتُها وبناتُ أخيها عليها، ولا تَأْذَنُ لمن أرضَع نساءُ أخيها وبني أخيها (٢) (٣).

стр. 3050

ووجدْتُ في كتاب أبي بخطِّه، ﵀، حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عَلقمة، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ قُسَيْطٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ، وسليمانَ بنَ يسار، وعطاءَ بنَ يسار، وأبا سلَمةَ بنَ عبدِ الرحمن، عن لبنِ الفحل، فقالوا: ما كان مِن الرَّضاع مِن قِبَلِ الرجالِ، فإنَّه لا يُحرِّمُ شيئًا (١). قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أيوبُ السَّختيانيُّ قال: أوَّلَ ما سَمِعْتُ بلبنِ الفحلِ وأنا بمكةَ، فجعَل إياسُ بنُ معاويةَ يقولُ: وما بأسُ هذا؟ ومَن يكرَهُ هذا؟ قال: فلمَّا قَدِمْتُ البصرةَ ذكَرْتُ ذلك لمحمدِ بنِ سيرين، فقال: نُبئتُ أن ناسًا مِن أهلِ المدينةِ اختلفوا فيه؛ فمنهم مَن كَرِهه، ومنهم مَن لم يكرَهْه، ومَن كَرِهَه في أنفُسِنا أفْضَلُ ممَّن لم يكرَهْه؛ وممَّنْ كَرِهَه: القاسِمُ بنُ محمد (٢). قال: وحدَّثنا يحيى بنُ جابر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ فَرُّوخ، عن هشام بنِ حسان، عن ابن سيرينَ في لبنِ الفحل، فقال: مَن كرِهَه أحَبُّ إلينا ممَّن لم يكْرَهْه (٣). قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعَةَ (٤)، عن يحيى بنِ سعيد،

стр. 3051

أن واقِدَ بنَ عبدِ الله كان له أخٌ مِن مُزَينةَ مِن الرَّضاعة، فأرْضَعتِ امرأةُ المُزَنيِّ ابنةً لعبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، فتزَوَّجَها واقِدُ بنُ عبدِ الله، وسالمُ بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ والقاسمُ بنُ محمدٍ إذْ ذاكَ حيَّان لا يُنكِران. قال: وحدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، أنه كان لا يرَى بلبنِ الفحلِ بأسًا (١). قال: وحدَّثنا موسى (٢) بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن شعبة، عن الحَكَم بنِ عُتيبةَ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، قال: لا بأسَ بلبنِ الفحل (٣). فإن قال قائلٌ: حديثُ أبي القُعَيْسِ مُضْطَربٌ، يقولُ فيه الزُّهريُّ: أفْلَحُ أخُو أبي القُعَيْسِ هو المستأذِنُ. وقال محمدُ بنُ عمرٍو: إن أبا القُعَيْسِ كان ذلك. وقال الحكمُ بنُ عتيبة، عن عِرَاكِ بنِ مالك، عن عروةَ: أفْلَحُ بنُ أبي القُعَيْسِ. وهذا اضطرابٌ. قيل له: ليس هذا اضطرابًا يَمنعُ (٤) مِن القولِ بالحديث؛ لأن المعنى المقصودَ بالحديثِ والمرادَ منه مُتَّفَقٌ عليه في الأثر، وهو أن المستأذِنَ مَن كان منهما، فزوجةُ أخيه هي المرضعةُ لعائشةَ، وصيَّره رسولُ الله ﷺ بذلك عمًّا لها، وسواءٌ سُمِّي أو لم يُسَمَّ. وجائِزٌ أن يكونَ أفْلَحُ أخا أبي القُعَيْسِ وابنَ أبي القُعَيْسِ؛ لأنه جائزٌ أن يكونَ أبو القُعَيْسِ ابنَ أبي القُعَيْس، وليس في روايةِ ابنِ شهابٍ وعِرَاكٍ ما يَتَدافَعُ.

стр. 3052

وأمَّا قولُ محمدِ بنِ عمرٍو: إنَّ أبا القُعَيْسِ. فأظُنّه وهمًا، وابنُ شهابٍ فيما نقَل مِن ذلك لا يُقاسُ به غيرُه في حفظه وإتقانِه، فلا حُجَّةَ فيما نزَع به هذا القائِلُ، وكذلك لا حجَّةَ في حديثِ القاسم، عن عائشةَ؛ لأن لها أن تأْذَنَ لمَن شاءَتْ مِن ذوي محارمِها، وتَحجُبَ مَن شاءَتْ، ولو صَحَّ عنها هذا وذاك، لكان المصيرُ إلى السُّنةِ (١) أولى؛ لأن السنةَ لا يَضُرُّها مَن خالفها، والمصيرُ إليها أوْلى، كما صار مَن خالفها في هذه المسألةِ إلى ما رَوَتْه في فَرْضِ الصلاةِ وقَصْرِها، ولم يَصِرْ إلى إتمامِها هي في السفَر. ونحن لا نعلَمُ أن عائشةَ حَجَبتْ مَن حَجَبَتْ ممَّن جرَى ذكرُه في حديثِ القاسِم إلَّا بخبرِ واحِدٍ عن واحد، وبمثلِ ذلك عَلِمْنا حديثَ النبيِّ ﷺ في قصةِ أبي القُعَيْس، فوَجَب علينا العملُ بالسُّنةِ إذا نقَلها العُدولُ، ولم يَجزْ لنا تَرْكُها بغيرِ سُنَّة، فافْهَم. وقد رُوِي عن النبيِّ ﷺ ما يُوافِقُ حديثَ أبي القُعَيْس، وهو قولُه ﷺ : "يحرُمُ مِن الرضاعةِ مما يحرُمُ من الولاهة". و: "يحرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يحرُمُ مِن النَّسَب". رواه سعيدُ بنُ المسيِّب، عن عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ (٢). ورواه مالكٌ (٣)، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عروةَ، عن عائشة.

стр. 3053

ورواه أيضًا مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر، عن عَمْرَة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . قال أحمدُ بنُ المُعَذَّل: كلُّ مَن لحِقه الولدُ بشُبْهَةٍ في وطء مِلْكٍ أو نكاح صحيح، فاللبنُ له، يحرُمُ مِن قِبَلِه، وكلُّ مَن لم يَلْحَقْه الولد، ولم يَقَعْ له دَرْؤُه بشُبْهَة، فليس بأبٍ ولا فَحْلٍ يُراعَى لبنُه، لأنه لا يُراعَى له نسبٌ، فكيفَ رَضاعٌ؟ قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ يقولُ ذلك؛ يعني: ابنَ الماجِشُون. قال: ولو كانت جاريةً ما حَرُمَتْ عليه؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الولدُ للفراش، وللعاهرِ الحجرُ" (٢) فقطَع النسب. وسيأتي ذكْرُ لبنِ الذي يَطَأُ امرأتَه وهي تُرْضِعُ، في بابِ أبي الأسودِ (٣) إن شاء الله.

стр. 3054

حديثٌ ثانيَ عشَرَ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، أنَّه سُئِل عن رَضاعةٍ الكبير، فقال: أخبَرني عروةُ بنُ الزُّبير، أن أبا حذيفةَ بنَ عُتبةَ بنِ ربيعةَ - وكان مِن أصحاب النبيِّ ﷺ ، وكان قد شَهِد بَدرًا - كان تبنَّى سالمًا الذي يُقالُ له: سالم مولى أبي حُذيفة. كما تَبنَّى رسولُ الله ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ، وأنكَحَ أبو حذيفةَ سالمًا - وهو يرَى أنَّه ابنُه - بنتَ (٢) أخيه فاطمةَ بنتَ الوليدِ بنِ عتبةَ بنِ ربيعة، وهي يومئذٍ مِن المهاجراتِ الأُوَل، وهي يومئذٍ مِن أفضلِ أيامَى قريش، فلمّا أنزَل اللهُ تعالى في كتابه في زيدِ بنِ حارثةَ ما أنزَل فقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]- رُدَّ كلُّ واحدٍ مِن أولئك إلى أبيه، فإن لم يُعلَمْ أبوه رُدَّ إلى مَواليه، فجاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهَيلٍ - وهي امرأةُ حذيفةَ، وهي مِن بني عامِرِ بنِ لؤيٍّ - إلى رسولِ الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، كنَّا نرَى سالمًا ولدًا، وكان يدخُلُ عليَّ وأنا فُضُلٌ (٣)، وليس لنا إلّا بيتٌ واحدٌ، فماذا ترى في شَأنِه؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ فيما بلَغنا: "أرضِعيه خمسَ رَضَعاتٍ، فيَحْرُمَ بلبنِها". وكانت تَراه ابنًا مِنَ الرَّضاعةِ،

стр. 3055

فأخَذتْ بذلك عائشةُ أمّ المؤمنين فيمَن كانت تُحِبُّ أن يَدْخُلَ عليها مِن الرجال، تأمُرُ أُختَها أُمَّ كُلثُوم بنتَ أبي بكرٍ الصديقِ وبناتِ أخيها أن يُرضِعْنَ مَن أحبَّتْ أن يَدْخُلَ عليها مِن الرجال، وأبَى سائرُ أزواج النبيِّ ﷺ أنْ يَدْخُلَ علَيْهِنَّ بتلك الرَّضاعةِ أحدٌ مِن الناس، وقُلْنَ: لا والله ما نَرى الذي أمَر به رسولُ الله ﷺ سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ إلَّا رخصةً مِن رسولِ الله ﷺ في رَضاعةِ سالم وحدَه، لا والله لا يَدْخُلُ علينا بهذه الرَّضاعةِ أحدٌ. فعلى هذا كان أزواجُ النبيِّ ﷺ في رَضاعةِ الكبير. هذا حديثٌ يَدْخُلُ في المسندِ؛ للقاءِ عروةَ عائشةَ وسائرَ أزواج النبيِّ ﷺ ، وللقائِه سَهلةَ بنتَ سُهيل، وقد روَاه عثمانُ بنُ عمرَ، عن مالكٍ، مُختصرَ اللفظِ، مُتَّصلَ الإسْناد. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحَسَن (١) العسكريُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجَّاج، قال: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ سنان، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ الله ﷺ أمَر امرأةَ أبي حذيفةَ أن تُرضِعَ سالمًا خمسَ رضعات، فكان يَدخُلُ عليها بتلك الرَّضاعة، وسائرُ أزواج النبيِّ ﷺ يأْبيْن ذلك ويَقُلنَ: إنَّما كانتِ الرخصةُ في سالم وحدَه (٢). وذكر الدارقطنيُّ (٣) حديثَ عثمانَ بنِ عمر، ثم قال: وقد روَاه عبدُ الرزاق، وعبدُ الكريم بنُ رَوْح، وإسحاقُ بنُ عيسى. وقيل: عن ابنِ وَهْب، عن مالك.

стр. 3056

وذكروا في إسنادِه عائشةَ أيضًا. ثم قال: حدَّثناه أبو طالبٍ أحمدُ بنُ نَصْرِ بنِ طالبٍ الحافظ مِن كتابِه، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبَّادٍ بصَنْعاء، عن عبدِ الرزاق، عن مالكِ بنِ أنس، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن أبا حُذيفةَ بنَ عُتْبةَ بنِ ربيعةَ وكان بدريًّا. وساق الحديث (١). قال أبو عُمر: وقد رواه يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ وابنِ عبدِ الله بنِ ربيعة، عن عائشةَ وأُمِّ سلَمة، بلفظِ حديثِ مالكٍ هذا ومعناه سواءً إلى آخره. ورواه يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ وأُمِّ سلَمةَ زوجَي النبيِّ ﷺ مثلَه بمعناه سواء. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا عَنْبسَةُ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شهاب، قال: حدَّثنا عروةُ بنُ الزبير، عن عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ وأُمِّ سلَمةَ، أن أبا حذيفةَ بنَ عُتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ كان قد تبنَّى سالمًا. وساق الحديثَ بمعنى (٣) حديثِ مالك. وحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سليمانَ بنِ بلال، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي أُوَيْس، عن سليمانَ بنِ بلال، قال: قال يحيى (٤): أخبرني ابنُ شهاب، قال: أخبرني عروةُ بنُ الزّبير وابنُ عبدِ الله بنِ ربيعة، عن عائشةَ وأُمِّ سلَمةَ زوجَي النبيِّ

стр. 3057

- ﷺ ، أن أبا حذيفةَ بنَ عُتبةَ بنِ عبدِ شمسٍ - وإن ممَّن شَهِد بدرًا مع رسولِ الله ﷺ - تَبنَّى سالمًا وهو مولًى لامرأةٍ مِن الأنصار، كما تبنَّى رسولُ الله ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ، وأنكَح أبو حذيفةَ بنُ عُتبةَ سالمًا بنتَ أخيه هندَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةَ بنِ ربيعةَ، وكانت هندُ بنتُ الوليدِ بنِ عُتبةَ بنِ ربيعةَ مِن المُهاجراتِ الأُوَلِ، وهي يومَئذٍ مِن أفضلِ أيامَى قريش، فلمَّا أنزَل اللهُ تعالى في زيدِ بنِ حارثةَ ما أنزلَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، رُدَّ كُلُّ أحدٍ يَنْتمي (١) مِن أولئك إلى أبيه، فإن لم يُعلَمْ أبوه رُدَّ إلى مواليه، فجاءَتْ سهلَةُ بنتُ سُهيلٍ امرأةُ أبي حُذيفةَ إلى رسولِ الله ﷺ ، وهي مِن بني عامرِ بنِ لؤي، فقالت له فيما بلَغنا: يا رسولَ الله، كنَّا نَرى سالمًا ولدًا، وكان يدخُلُ عليَّ وأنا فُضل ليس لنا إلَّا بيتٌ واحد، فماذا تَرى يا رسولَ الله؟ فقال لها فيما بلَغنا: "أرضِعيه عشْرَ رضعاتٍ فيَحْرُمَ بلبنِها". فكانت تَراه ابنًا مِن الرَّضاعة، فأخَذت بتلك الرضاعةِ عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ فيمَن كانت تُحِبُّ أن يَدخُلَ عليها مِن الرجال، وكانت تأمُرُ أُختَها أُمَّ كُلثوم بنتَ أبي بكرٍ وبناتِ أخيها أن يُرضِعنَ لها مَن أحَبَّت أن يَدخُلَ عليها مِن الرجال، وأبى سائرُ أزواج النبيِّ ﷺ أنْ يُدْخَلَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعةِ (٢)، وقُلْنَ لعائشةَ: والله ما نرَى الذي أمَر به رسولُ الله ﷺ بنتَ سُهيلٍ إلّا رخصةً (٣) في رضاعةِ سالم وحدَه مِن رسولِ الله ﷺ دُونَ الناس، فوالله لا يَدْخُلُ علينا أحدٌ بتلك الرَّضاعةِ. فعلى هذا الأمرِ كان أزواجُ النبيِّ ﷺ في رضاعةِ الكبير (٤).

стр. 3058

وهكذا قال ابنُ المبارِك: عن يونس، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ وابنِ عبدِ الله بنِ ربيعة. وقال شعيبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرني عروةُ، وأبو (١) عائِذِ الله (٢) بنُ ربيعة، عن عائشةَ وأُمِّ سلَمةَ، أن أبا حذيفة (٣). وقال الليثُ: عن ابنِ مسافر، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ وعمرة، عن عائشة، أن أبا حذيفة (٤). قال محمدُ بنُ يحيى: وهذه الوجوهُ كلُّها عندَنا محفوظةٌ، غيرَ أنِّي لا أعْرِفُ مَن ابنُ عبدِ الله بنِ ربيعة، وأبو (٥) عائذِ الله بنُ ربيعةَ؟ وأظنُّه إبراهيمَ بنَ

стр. 3059

عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي ربيعة، وهو ابنُ أُمِّ كُلثوم بنتِ أبي بكر، فقد روَى عنه الزهريُّ حدِيثَين (١). قال أبو عُمر: حديثُ يحيى بنِ سعيد، عن ابنِ شهاب، على ما ذكرناه في هذا الباب، بمعنَى حديثِ مالكٍ مِن غيرِ خلاف، إلَّا أن في هذه الروايةِ هندَ بنتَ الوليدِ بنِ عتبة، وكذلك (٢) قال يونسُ بنُ يزيدَ في هذا الحديثِ: هندُ بنتُ الوليدِ بنِ عتبة (٣). وفي رواية مالك: فاطِمةُ ابنةُ الوليدِ بنِ عُتبة، وهو الصوابُ (٤)،

стр. 3060

وقد ذكرناها في كتابِنا في "الصحابةِ" (١)، وذكرنا فيه أيضًا سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ وأباها، وذكرنا أيضًا هناك في أبي حذيفةَ وسالم ما فيه كفاية (٢). وفي روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ لهذا الحديث: "عَشْرَ رَضَعاتٍ". وفي روايةِ مالك: "خمسَ رَضَعاتٍ". وسنُبيِّنُ ذلك كلَّه إن شاء الله. وقد روى هذا الحديثَ عبدُ الرزاق، عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أبا حذيفةَ بنَ عتبة. وساق مثلَه سواءً إلى قولِ سَهْلة: فما ترَى في شَأْنِه (٣)؟ ووَصَله أيضًا جماعةٌ مِن أصحابِ الزُّهريِّ؛ منهم: معمرٌ (٤)،

стр. 3061

وعُقيلٌ (١)، ويونُس، وابنُ جُريج (٢)، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ بمعناه. وكذلك روَاه عثمانُ بنُ عمر، عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ بمعناه أيضًا مُختصَرًا. وقد روى معناه في رَضاعةِ الكبير؛ القاسمُ وعَمْرةُ، عن سهلةَ بنتِ سُهيلِ مختصرًا (٣). وأبو حذيفةَ اسمُه قيسُ بنُ عُتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مناف، وأُمُّه فاطِمةُ بنتُ صَفْوانَ بنِ أُميَّةَ بنِ مُحرَّث (٤)، مِن بني ثَعْلبةَ بنِ الحارثِ بنِ مالك. هكذا قال ابنُ البَرْقيِّ: اسمُ أبي حذيفةَ بنِ عُتبةَ: قيسُ بنُ عُتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمس. وأمَّا قولُه في الحديث: يَدخُلُ عليَّ وأنا فُضُلٌ. فإن الخليلَ ذكَر قال (٥): رجلٌ مُتَفَضِّلٌ وفُضُلٌ: إذا توَشَّح بثوبٍ مُخالِفٍ بينَ طَرَفَيْه على عاتقِه. قال: ويُقالُ: امرأةٌ فُضُلٌ، وثوبٌ فُضُلٌ. فمعنَى الحديثِ عندي أنَّه كان يَدخُلُ عليها وهي مُنكَشِفٌ بعضُها، مثلُ الشَّعرِ، واليد، والوجه، يدخُلُ عليها وهي كيفَ أمْكَنها. وقال ابنُ وَهْب (٦): فُضُل: مكْشُوفَةُ الرأسِ والصدر. وقيل: الفُضُلُ: الذي عليه ثوبٌ واحدٌ ولا إزارَ تحتَه. وهذا أصَحُّ؛ لأن انكشافَ الصدرِ مِن الحُرَّةِ

стр. 3062

لا يجوزُ أن يُضافَ إلى أهلِ الدينِ عندَ ذي محْرَم، فَضْلًا عن غيرِ ذي محْرَم؛ لأنَّ الحُرّةَ عورةٌ مُجتمَعٌ على ذلك منها، إلّا وجْهَها وكفَّيْها. وقد أوضَحْنا ما لذي المحْرَم أن يَراه مِن نسائِه ذَوَاتِ محارمه، في باب صَفوانَ بنِ سُلَيْم (١)، والحمدُ لله. وقال امرؤُ القيس (٢): تقولُ وقد نَضَتْ لنوم ثِيابَها ... لدَى السِّتْرِ إلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ هكذا أنْشَده أبو حاتم، عن الأصْمعيِّ، نَضَتْ بتَخْفِيفِ الضاد، وقال: يقال: نَضوْتُ الثوبَ أنْضوه: إذا نَزعْتُه، ولا يقال: أنْضَيْتُه. والذي عليه جاء هذا الحديثُ، رَضاعةُ الكبيرِ والتحريمُ بها، وهو مذهبُ عائشةَ مِن بينِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ، حملَتْ عائشةُ حديثَها هذا في سالم مولى أبي حذيفةَ على العموم، فكانت تأْمُرُ أُختَها أُمَّ كُلثوم وبناتِ أخيها أن يُرْضِعْنَ مَن أحَبَّت أن يَدخُلَ عليها، وصنعَتْ عائشةُ ذلك بسالم بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، أمرَتْ أُمَّ كُلثوم فأرْضَعَتْه، فلم تُتِمَّ رَضاعَه، فلم يدخُلْ عليها (٣). ورأى غيرُها هذا الحديثَ خصوصًا في سالم وسَهلةَ بنتِ سُهيل. واختلَف العلماءُ في ذلك كاختلافِ أُمَّهاتِ المؤمنين. فذَهَب الليثُ بنُ سعدٍ إلى أن رَضاعةَ الكبيرِ تُحرِّمُ كما تُحرِّمُ رَضاعةُ
следующие страницы →