← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3058–3097 · переход к 3063.

стр. 3058

وهكذا قال ابنُ المبارِك: عن يونس، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ وابنِ عبدِ الله بنِ ربيعة. وقال شعيبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرني عروةُ، وأبو (١) عائِذِ الله (٢) بنُ ربيعة، عن عائشةَ وأُمِّ سلَمةَ، أن أبا حذيفة (٣). وقال الليثُ: عن ابنِ مسافر، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ وعمرة، عن عائشة، أن أبا حذيفة (٤). قال محمدُ بنُ يحيى: وهذه الوجوهُ كلُّها عندَنا محفوظةٌ، غيرَ أنِّي لا أعْرِفُ مَن ابنُ عبدِ الله بنِ ربيعة، وأبو (٥) عائذِ الله بنُ ربيعةَ؟ وأظنُّه إبراهيمَ بنَ

стр. 3059

عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي ربيعة، وهو ابنُ أُمِّ كُلثوم بنتِ أبي بكر، فقد روَى عنه الزهريُّ حدِيثَين (١). قال أبو عُمر: حديثُ يحيى بنِ سعيد، عن ابنِ شهاب، على ما ذكرناه في هذا الباب، بمعنَى حديثِ مالكٍ مِن غيرِ خلاف، إلَّا أن في هذه الروايةِ هندَ بنتَ الوليدِ بنِ عتبة، وكذلك (٢) قال يونسُ بنُ يزيدَ في هذا الحديثِ: هندُ بنتُ الوليدِ بنِ عتبة (٣). وفي رواية مالك: فاطِمةُ ابنةُ الوليدِ بنِ عُتبة، وهو الصوابُ (٤)،

стр. 3060

وقد ذكرناها في كتابِنا في "الصحابةِ" (١)، وذكرنا فيه أيضًا سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ وأباها، وذكرنا أيضًا هناك في أبي حذيفةَ وسالم ما فيه كفاية (٢). وفي روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ لهذا الحديث: "عَشْرَ رَضَعاتٍ". وفي روايةِ مالك: "خمسَ رَضَعاتٍ". وسنُبيِّنُ ذلك كلَّه إن شاء الله. وقد روى هذا الحديثَ عبدُ الرزاق، عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أبا حذيفةَ بنَ عتبة. وساق مثلَه سواءً إلى قولِ سَهْلة: فما ترَى في شَأْنِه (٣)؟ ووَصَله أيضًا جماعةٌ مِن أصحابِ الزُّهريِّ؛ منهم: معمرٌ (٤)،

стр. 3061

وعُقيلٌ (١)، ويونُس، وابنُ جُريج (٢)، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ بمعناه. وكذلك روَاه عثمانُ بنُ عمر، عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ بمعناه أيضًا مُختصَرًا. وقد روى معناه في رَضاعةِ الكبير؛ القاسمُ وعَمْرةُ، عن سهلةَ بنتِ سُهيلِ مختصرًا (٣). وأبو حذيفةَ اسمُه قيسُ بنُ عُتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مناف، وأُمُّه فاطِمةُ بنتُ صَفْوانَ بنِ أُميَّةَ بنِ مُحرَّث (٤)، مِن بني ثَعْلبةَ بنِ الحارثِ بنِ مالك. هكذا قال ابنُ البَرْقيِّ: اسمُ أبي حذيفةَ بنِ عُتبةَ: قيسُ بنُ عُتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمس. وأمَّا قولُه في الحديث: يَدخُلُ عليَّ وأنا فُضُلٌ. فإن الخليلَ ذكَر قال (٥): رجلٌ مُتَفَضِّلٌ وفُضُلٌ: إذا توَشَّح بثوبٍ مُخالِفٍ بينَ طَرَفَيْه على عاتقِه. قال: ويُقالُ: امرأةٌ فُضُلٌ، وثوبٌ فُضُلٌ. فمعنَى الحديثِ عندي أنَّه كان يَدخُلُ عليها وهي مُنكَشِفٌ بعضُها، مثلُ الشَّعرِ، واليد، والوجه، يدخُلُ عليها وهي كيفَ أمْكَنها. وقال ابنُ وَهْب (٦): فُضُل: مكْشُوفَةُ الرأسِ والصدر. وقيل: الفُضُلُ: الذي عليه ثوبٌ واحدٌ ولا إزارَ تحتَه. وهذا أصَحُّ؛ لأن انكشافَ الصدرِ مِن الحُرَّةِ

стр. 3062

لا يجوزُ أن يُضافَ إلى أهلِ الدينِ عندَ ذي محْرَم، فَضْلًا عن غيرِ ذي محْرَم؛ لأنَّ الحُرّةَ عورةٌ مُجتمَعٌ على ذلك منها، إلّا وجْهَها وكفَّيْها. وقد أوضَحْنا ما لذي المحْرَم أن يَراه مِن نسائِه ذَوَاتِ محارمه، في باب صَفوانَ بنِ سُلَيْم (١)، والحمدُ لله. وقال امرؤُ القيس (٢): تقولُ وقد نَضَتْ لنوم ثِيابَها ... لدَى السِّتْرِ إلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ هكذا أنْشَده أبو حاتم، عن الأصْمعيِّ، نَضَتْ بتَخْفِيفِ الضاد، وقال: يقال: نَضوْتُ الثوبَ أنْضوه: إذا نَزعْتُه، ولا يقال: أنْضَيْتُه. والذي عليه جاء هذا الحديثُ، رَضاعةُ الكبيرِ والتحريمُ بها، وهو مذهبُ عائشةَ مِن بينِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ، حملَتْ عائشةُ حديثَها هذا في سالم مولى أبي حذيفةَ على العموم، فكانت تأْمُرُ أُختَها أُمَّ كُلثوم وبناتِ أخيها أن يُرْضِعْنَ مَن أحَبَّت أن يَدخُلَ عليها، وصنعَتْ عائشةُ ذلك بسالم بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، أمرَتْ أُمَّ كُلثوم فأرْضَعَتْه، فلم تُتِمَّ رَضاعَه، فلم يدخُلْ عليها (٣). ورأى غيرُها هذا الحديثَ خصوصًا في سالم وسَهلةَ بنتِ سُهيل. واختلَف العلماءُ في ذلك كاختلافِ أُمَّهاتِ المؤمنين. فذَهَب الليثُ بنُ سعدٍ إلى أن رَضاعةَ الكبيرِ تُحرِّمُ كما تُحرِّمُ رَضاعةُ

стр. 3063

الصغير (١). وهو قولُ عطاءِ بنِ أبي رباح، ورُوي عن عليٍّ، ولا يَصِحُّ عنه (٢)، والصحيحُ عنه أنْ لا رَضاعَ بعدَ فطام (٣). وكان أبو موسى يُفْتي به، ثم انصَرَف عنه إلى قولِ ابن (٤) مسعود (٥). وأمَّا قولُ عطاء، فذكر عبدُ الرزاق (٦)، عن ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ عطاءً يُسألُ، قال له رجلٌ: سقَتْني امرأةٌ مِن لبنِها بعدما كنتُ رجلًا كبيرًا، أفأنكِحُها؟ قال: لا. قلت: وذلك رأيُكَ؟ قال: نعم. قال عطاء: كانت عائشةُ تأْمُرُ به بناتِ أخيها. قال أبو عُمر: هكذا رَضاعُ الكبيرِ كما ذكر عطاءٌ، يُحلَبُ له اللبنُ ويُسْقاه، وأمَّا أن تُلْقِمَه المرأةُ ثَدْيَها كما يُصنَعُ بالطفلِ فلا؛ لأنَّ ذلك لا يَحلُّ عندَ جماعةِ العلماء.

стр. 3064

وقد أجمَع فقهاءُ الأمصارِ على أنَّ (١) التحريم بما يَشْرَبُه الغلامُ الرضيعُ مِن لبنِ المرأةِ وإن لم يَمُصَّه مِن ثَدْيِها، وإنَّما اختَلَفوا في السُّعُوطِ (٢) به، وفي الحقْنَةِ، والوَجُور (٣)، وفي جُبنٍ يُصْنَعُ له منه، بما لا حاجةَ لنا (٤) إلى ذكرِه هاهنا. وروى ابنُ وَهْب، عن الليثِ، أنه قال: أنا أكْرَهُ رَضاعَ الكبيرِ أن أُحِلَّ منه شيئًا. وروى عنه كاتِبُه أبو صالح عبدُ الله بنُ صالح، أن امرأةً جاءته، فقالت: إنِّي أُريدُ الحجَّ، وليس لي محرَمٌ. فقال: اذْهَبي إلى امرأةِ رجلٍ تُرْضِعُك، فيكونُ زوجُها أبًا لكِ فتَحُجِّينَ معه (٥). وقال بقولِ الليثِ قومٌ؛ منهم ابنُ عُليَّة. وحُجَّةُ مَن قال بذلك حديثُ عائشةَ في قصةِ سالم وسَهلةَ، وفَتْواها بذلك، وعَمَلُها به. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال (٦): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: جاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: إنِّي لأرَى في وجهِ أبي حذيفةَ مِن دخولِ سالم عليَّ كراهيةً. قال: "فأرضعِيه". قالت: وهو شيخٌ كبيرٌ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "أوَ لستُ أعلَمُ أنه

стр. 3065

شيخٌ كبيرٌ؟ " فأرْضعِيه. ثم أتَتْه بعدُ، فقالت: يا رسولَ الله، ما رأيتُ في وجهِ أبي حذيفةَ شيئًا أكْرَهُه. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١): حدَّثنا سُرَيْجُ بنُ النعمان، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن القاسم بنِ محمد، عن سَهْلَةَ امرأةِ أبي حذيفةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ الله، إنَّ سالمًا مَوْلى أبي حذيفةَ يدْخُلُ عليَّ وهو ذُو لحية، فقال لها: "أرْضِعِيه". وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٣)، قال: حدثنا مُطَّلبُ بنُ شعيب، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني ابنُ الهادِ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عمرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، عن امرأةِ أبي حذيفةَ، أنَّها ذكرتْ لرسولِ الله ﷺ سالمًا مولى أبي حذيفةَ ودخولَه عليها، فزَعَمتْ عمرةُ أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرها أن تُرْضِعَه، فأرْضَعَتْه وهو رجلٌ بعدما شَهِد بدرًا (٤).

стр. 3066

قال أبو عُمر: الصحيحُ في حديثِ القاسم أنه عن عائشةَ، لا عن سَهلةَ، كما قال ابنُ عيينةَ، لا كما قال حمَّادُ بنُ سلمة. وذكر عبدُ الرزاق (١)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ عبيدِ الله بنِ أبي مُلَيكةَ، أن القاسمَ بنَ محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ أخبره، أنَّ عائشةَ أخبرته، أنَّ سَهلةَ بنتَ سُهَيلِ بنِ عمرٍ و جاءت رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ سالمًا - لسالم مولى أبي حذيفةَ - معنا في البيت، وقد بلَغ ما يَبلُغُ الرجالُ، وعَلِم ما يَعلَمُ الرجالُ. فقال النبيُّ ﷺ : "أرْضِعِيه تَحرُمي عليه". قال ابنُ أبي مُلَيكَةَ: فمَكَثْتُ سنةً أو قريبًا منها لا أُحَدِّثُ به رَهْبةً له، ثم لَقِيتُ القاسِمَ، فقلتُ له: لقد حدَّثْتَني حديثًا ما حدَّثتُه بعدُ. قال: وما هو؟ فأخبَرتُه. قال: فحدِّثْ به عنِّي أنَّ عائشةَ أخْبَرتْنِيه. قال أبو عُمر: هذا يدُلُّكَ على أنَّه حديثٌ تُرِك قديمًا ولم يُعْمَلْ به، ولا تلقَّاه الجمهورُ بالقَبولِ على عُمومِه، بل تَلَقَّوه على أنَّه خصوصٌ، واللهُ أعلمُ. وممَّن قال: إن رَضاعَ الكبيرِ ليس بشيءٍ، ممَّن رَوَينا ذلك عنه وصحَّ لدَيْنا: عمرُ بنُ الخطاب، وعليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الله بنُ مسعود، وابنُ عمر، وأبو هريرة، وابنُ عباس، وسائرُ أُمَّهاتِ المؤمنينَ غيرَ عائشةَ (٢)، وجمهورُ التابعينَ،

стр. 3067

وجماعةُ فقهاءِ الأمصار؛ منهم: الثوريُّ، ومالكٌ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافعيُّ وأصحابُه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبَيْد، والطبريُّ. ومِن حُجَّتِهم قولُه ﷺ : "إنَّما الرَّضاعةُ مِن المجاعة، ولا رَضاعَ إلّا ما أنْبَت اللحمَ والدمَ" (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، قال: حدَّثنا أشعثُ، عن أبيه، عن مَسْرُوقٍ، عن عائشةَ، قالت: دخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ وعندي رجلٌ قاعدٌ، فاشتَدَّ ذلك عليه، ورأيْتُ الغضبَ في وجهِه، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّه أخي مِن الرَّضاعة، فقال: "انْظُرْنَ إخوانَكُنَّ مِن الرَّضاعة، إنَّما الرَّضاعةُ مِن المجاعةِ" (٢). ورواه عن أشعثَ هذا - وهو ابنُ أبي الشَّعْثاء - شعبةُ (٣) والثوريُّ (٤) بمثلِ روايةِ أبي الأحْوصِ سواءً. ولا أعلَمُ في هذا البابِ مسندًا غيرَ هذا الحديث،

стр. 3068

وليس له غيرُ هذا الإسنادِ، وهو خلافُ روايةِ أهلِ المدينةِ عن عائشة، ولكنَّ العملَ بالأمصارِ على هذا، وبالله التوفيق. وروى وكيعٌ، عن سليمانَ بنِ المغيرةِ، عن أبي موسى الهلاليِّ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا رضاعةَ إلَّا ما شدَّ العظمَ، وأنْبَت اللحمَ"، أو قال: "أنْشَز العظمَ". وحديثُ وكيع هذا حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سليمانَ بنِ المغيرة. فذكره. ومِن أصحابِ سليمانَ بنِ المغيرةِ مَن يُوقِفُه على ابنِ مسعود (٢). ووكيعٌ حافظٌ حُجَّة. واخْتَلَف الفقهاءُ في مدَّةِ الفطام؛ فقال ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: قليلُ الرَّضاع وكثيرُه يُحرِّمُ في الحَوْلَيْن، وما كان بعدَ الحوْلَيْن فإنَّه لا يُحرِّمُ قليلُه ولا كثيرُه.

стр. 3069

وهذا لفظُه في "موطَّئِه" (١). وهو قولُ الشافعيِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ، والثوريِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ، لا يُعْتبَرُ عندَهم الفطامُ، وإنَّما يُعْتبَرُ الوقتُ (٢). وروَى ابنُ القاسم (٣)، عن مالكٍ: الرَّضاعُ حَوْلانِ وشهرٌ أو شهرانِ، لا يُنْظَرُ إلى رَضاع أُمِّه إيِّاه بعدَ الحَوْلَيْنِ، إنَّما يُنْظَرُ إلى الحَوْلَيْنِ والشهرِ أو الشهرينِ. قال ابنُ القاسم: فإن لم تَفْصِلْه (٤) أُمُّه وأرْضَعتْه ثلاثَ سنينَ، فأرْضَعتْه امرأةٌ بعدَ ثلاثِ سنينَ، والأُمُ تُرْضِعُه: لم تَفْطِمْه، قال مالكٌ: لا يكونُ هذا رَضاعًا، ولا يُلْتَفَتُ فيه إلى رَضاع أُمِّه، إنَّما يُنْظَرُ في هذا إلى الحَوْلَيْنِ والشهرِ والشهرين. قال ابنُ القاسم: ولو فَصلتْه أُمُّه قبلَ الحَوْلَيْن، مثلَ أنْ تُرْضِعَه سنةً أو نحوَها وتَفطِمَه قبلَ الحوْلَيْن، فيَنْقَطِعَ رَضاعُه، ويَسْتَغْنيَ عن الرَّضاع، فتُرْضِعَه امرأةٌ أجنبيَّةٌ قبلَ تمام الحَوْلَين (٥). فلا يُعَدُّ ذلك رَضاعًا إذا فُطِم قبلَ الحَوْلَيْن واسْتَغْنى عن الرَّضاع. والحُجَّةُ لقولِ ابنِ القاسم هذا قولُه في الحَوْلَيْن: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مع ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ : "لا رَضاعَ بعدَ فِطام" (٦).

стр. 3070

وقال أبو حنيفةَ: حَوْلَيْن وسِتّةَ أشْهُرٍ بعدَهما، سواءٌ فُطِم أو لم يُفْطَمْ. وقال زُفَرُ: ما دام يَجْتَزئُ باللبنِ ولم يَطْعَمْ، فهو رَضاعٌ وإن أتى عليه ثلاثُ سنينَ. وقال الأوزاعيُّ: إذا فُطِم لسنةٍ، أو لستةِ أشهرٍ، فما رَضَع بعدَه لا يكونُ رضاعًا، ولو أُرضِع ثلاثَ سنين لم يُفطَمْ كان رضاعًا. وقد قيل عنه: لا يكونُ بعدَ الحولينِ رَضاعٌ. وقال الشافعيُّ، والثوريُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو عبيد، وداودُ: لا رَضاعَ إلَّا في الحَوْلَين، وما كان بعدَ الحَوْلَيْن، ولو بيومٍ أو يومين، كان في حكم رَضاعِ الكبير، لا يُحرِّمُ شيئًا؛ لأنَّ اللهَ جعَل تمامَ الرَّضاعةِ حَوْلَيْن، فلا سبيلَ إلى أن يُزَادَ عليهما إلَّا بنصٍّ وتَوْقِيفٍ ممَّن يجِبُ التسليمُ له، وذلك غيرُ موجود (١).

стр. 3071

وأمَّا قولُه لسَهلةَ في سالم مولى أبي حذيفةَ: "أرْضِعِيه خمسَ رَضَعاتٍ" لتَحْرُمَ عليه بلبنِها. هذا لفظُ حديثِ مالك، وتابَعه على ذلك (١) يونسُ، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ، في قولِه في هذا الحديثِ: "خمسَ رَضعاتٍ" (٢). فإنَّه اسْتدَلَّ بذلك الشافعيُّ في أنَّه لا يُحرِّمُ مِن الرَّضاع أقلُّ مِن خمسِ رَضَعاتٍ مُفْتَرِقات (٣). وأمَّا معمرٌ، فقال في حديثه هذا عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشة: "أرْضِعِي سالمًا تَحْرُمي عليه" (٤). ولم يذكُرْ خمسَ رَضعاتٍ ولا غيرَ ذلك. وكذلك روايةُ عمرةَ، عن عائشةَ: "فأرضِعِيه" (٥)، ولم تقُلْ: خمسًا ولا عَشْرًا. وكذلك روايةُ القاسم، عن عائشة: "أرضِعِيه" (٦)، لم يقلْ: خَمْسًا ولا عَشْرًا. وليس مَن أجْمَلَ كمَن أوضَحَ وفصَّلَ، معَ حفظِ مالِكٍ ويونسَ. وقد روَى معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّها أفْتَتْ بذلك (٧). وقال يحيى بنُ سعيدٍ فيه عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه: "عَشْرَ رَضعات" (٨). والصوابُ فيه ما قاله مالكٌ ويونسُ بنُ يزيدَ: "خمسَ رَضعاتٍ". وقد رُوِي عنها: لا يُحرِّمُ مِن الرَّضاع أقلُّ مِن سَبعْ رَضَعاتٍ (٩). والصحيحُ عنها خمسُ رَضَعاتٍ، إلَّا أن أصحابَنا يُصَحِّحون عن عائشةَ في مذهبِها العَشْرَ

стр. 3072

رَضَعاتٍ؛ لأنَّه تَرْكٌ لحديثها المرفوع في الخمسِ رَضَعاتٍ، وقد روَى مالكٌ (١)، عن نافع، أن سالم بنَ عبدِ الله أخبَره، أن عائشةَ أرْسَلتْ به وهو يَرْضَعُ إلى أختِها أُمِّ كُلثوم بنتِ أبي بكر، فقالت: أرْضِعيه عَشْرَ رَضَعاتٍ حتى يَدخُلَ عليَّ. قال سالم فأرْضَعتْني أُمُّ كُلثوم ثلاثَ رَضَعاتٍ، ثم مَرِضتْ، فلم تُرْضِعْني غيرَ ثلاثِ مراتٍ، فلم أكنْ أدْخُلُ على عائشةَ مِن أجلِ أنَّ أُمَّ كُلثوم لم تُتِمَّ لي عَشْرَ رَضَعاتٍ. فلهذا الحديثِ قال أصحابُنا: إنَّها ترَكتْ حديثَها حينَ قالت: نزَل في القرآنِ عَشْرُ رَضعاتٍ، ثم نُسِخْنَ بخمسٍ (٢). وفعلُها هذا يَدُلُّ على وَهْي ذلك القولِ؛ لأنه يَسْتَحِيلُ أن تدَعَ الناسخَ وتأخُذَ المنسوخَ. وأمَّا الشافعيُّ، فذَهَب إلى ألَّا يُحرِّمَ مِن الرَّضاع إلّا خمسُ رَضَعاتٍ، ولا يُحرِّمُ ما دُونَها. والرَّضْعَةُ عندَه: ما وصَل إلى الجوفِ، قَلَّ أو كثُر، فهي رَضْعَةٌ إذا قطَعَ (٣)، فإنْ لم يقطَعْ ولم يُخْرِج الثَّدْيَ مِن فَمِه، فهي واحدةٌ. قال: وإن التَقَم الثَّدْيَ قليلًا قليلًا، ثم أرسَله، ثم عاد إليه، كان رَضْعَةً واحدةً، كما لو حَلَف الرجلُ ألَّا يأكلَ إلَّا مرةً (٤)، فأكل وتنفَّس بعدَ الازْدِرَادِ (٥)، ويعودُ فيأكُلُ، فذلك أكْلُ مرةٍ، وإن طال ذلك وانقَطَع قَطْعًا بيِّنًا، بعدَ قليلٍ أو كثيرٍ، ثم أكَلَ، [كان حانثًا، و] (٦) كانت أكْلَتيْنِ.

стр. 3073

قال: ولو أنْفَد ما في أحدِ الثدْيَيْنِ، ثم تحوَّل إلى الآخرِ فأنْفَد ما فيه، كانت رَضْعَةً واحدةً (١). وحُجَّتُه في الخمسِ رَضعاتٍ حديثُ مالكٍ ويونسَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، المذكورُ في هذا البابِ (٢). وحديثُ مالكٍ (٣)، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عمرةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان فيما أُنْزِل مِن القرآنِ: (عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمْنَ)، ثم نُسِخْن بخَمْسٍ مَعلوماتٍ، فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ وهو (٤) ممَّا يُقرأُ في القرآنِ. وروى ابنُ عيينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عمرةَ، عن عائشةَ مثلَه (٥). وروى معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: لا يُحرِّمُ مِن الرَّضاع دونَ خمسِ رَضَعاتٍ معلومات (٦). قال الشافعيُّ (٧): وهو مذهَبُها، وبه كانت تُفْتي وتَعملُ فيمَن أرادَتْ أن يدخُلَ عليها. وقال: وقد رُوِي عنها عَشْرٌ وسَبعٌ، ولا يَصِحُّ رَدُّ حديثِ نافع بأن أصحابَ عائشةَ: وهم عروةُ، والقاسمُ، وعمرةُ، يَرْوُونَ عنها خمسَ رَضعاتٍ، لا يقولونَ: عَشْرَ رَضَعاتٍ. واحْتَجَّ الشافعيُّ أيضًا بحديثِ ابنِ الزبيرِ، عن النبيِّ ﷺ

стр. 3074

أنَّه قال: "لا تُحرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ، ولا الرَّضْعةُ ولا الرَّضْعتان" (١). وجعَله كلامًا خرَج على جوابِ سائلٍ عن الرَّضْعةِ والرَّضعَتينِ، فأجابه أنهما لا تُحرِّمان. كما لو سأل سائلٌ: هل يُقْطَعُ في درهم أو درهمينِ؟ كان الجوابُ: لا قطعَ في دِرهمٍ ولا دِرهمينِ. ولم يكنْ في ذلك أنَّ أقلَّ زيادةٍ على الدِّرهمينِ يُقْطَعُ فيها؛ لما جاء مِن تحديدِ القطع في رُبُع دينارٍ (٢)، فكذلك تَحدِيدُ الخمسِ رَضعاتٍ مع ذِكْرِ الرَّضْعَةِ والرَّضعتينِ. واحتَجَّ أيضًا بأن قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن الحجَّاج بن الحجاج (٣)، عن أبي هريرة، قال: لا يُحرِّمُ مِن الرَّضاع إلا ما فَتق الأمعاءَ (٤). قال أبو عُمر: رَفَع هذا الحديثَ حمادُ بنُ سلَمةَ، عن هشامٍ، ولا يَصِحُّ مرفوعًا (٥). واحتَجَّ الشافعيُّ بهذا كلِّه، وجعَل حديثَ عائشةَ في الخمسِ رَضعاتٍ

стр. 3075

مُفَسِّرًا له، ولجملةِ (١) ظاهرِ القرآنِ في قولِه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. واعْتِبارًا بقطع السُّرّاقِ (٢) في رُبُعِ دينارٍ فصاعدًا. قال: فبَان بأن المرادَ تحريمُ رَضاعِ بعضِ (٣) المُرْضَعين دونَ بعض، لا مَن لَزِمه اسمُ رَضاع، كما كان المرادُ بعضَ السارقين دونَ بعضٍ، وبعضَ الزناةِ دونَ بعضٍ. واحْتَجَّ بعضُ مَن ذهَب مذهبَه بحديثِ الزهريِّ، عن سالم بنِ عبدِ الله، قال: كانت عائشةُ تقولُ: نزَل القرآنُ بعَشْرِ رَضَعاتٍ، ثم صار إلى خمسٍ، فليس يُحرِّمُ مِن الرَّضَاع دونَ خمسِ رَضعاتٍ (٤). فهذا يَرَدُّ (٥) ما روَى مالكٌ (٦)، عن نافع، في العشرِ رَضعاتٍ في قصةِ سالم؛ لأنَّ الزهريَّ أعلمُ مِن نافع، وأحْفَظُ لما سَمِع ووَعَى مِن ذلك. واللهُ أعلم. وقال أبو ثورٍ وأبو عبيدٍ وداودُ: لا يُحرِّمُ إلّا ثلاثُ رَضعاتٍ (٧). واحْتَجُّوا بحديثِ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا تُحرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ" (٨)، وبحديثه ﵇: "لا تُحرِّمُ الإملاجَةُ ولا الإملاجَتَانِ" (٩). قيل في الإمْلاجَةِ: المَصَّةُ.

стр. 3076

وقيل: الرَّضْعةُ. وقد رُوِي: "لا تُحرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضعتان" (١). قالوا: فأقلُّ زيادةٍ على الرَّضعتينِ تُحرِّمُ، وهي الثلاثُ. وقالت حفصةُ: لا يُحرِّمُ دونَ عشرِ رَضَعاتٍ: وروَى مالكٌ (٢)، عن نافع، أنَّ صفيَّةَ ابنةَ أبي عُبيدٍ أخبَرته، أن حفصةَ أُمَّ المؤمنين أرسَلتْ بعاصم بنِ عبدِ الله بنِ سعدٍ إلى أُختِها فاطمةَ بنتِ عمرَ بنِ الخطابِ تُرْضِعُه عَشْرَ رَضعاتٍ ليدخُلَ عليها، وهو صغيرٌ يَرْضَعُ، ففعَلتْ، فكان يدْخُلُ عليها. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والطبريُّ، وسائرُ العلماءِ فيما عَلِمْتُ: قليلُ الرَّضاع وكثيرُه يُحرِّمُ في وقتِ الرَّضاع. وقال الليثُ: أجْمَع المسلمون أنَّ قليلَ الرَّضاع وكثيرَه يُحرِّمُ في المهدِ ما يُفَطِّرُ الصائم (٣). قال أبو عُمر: أمَّا حديثُ عائشةَ في الخمسِ رَضَعاتٍ، فرَدَّه أصحابُنا وغيرُهم ممَّن ذهَب في هذه المسألةِ مذهبَنا، ودَفَعُوه بأنه لم يَثْبُتْ قرآنًا، وهي قد أضَافته إلى القرآنِ، وقد اختُلِف عنها في العملِ به، فليس بسنَّةٍ ولا قُرآنٍ، ورَدُّوا حديثَ: "المَصَّةُ والمَصَّتانِ" بأنَّه مرةً يَرْويه ابنُ الزبيرِ، عن النبيِّ ﷺ (٤)،

стр. 3077

ومرةً عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ (١)، ومرةً عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ (٢). ومثلُ هذا الاضطرابِ يُسقِطُه عندَهم. وحديثُ أُمِّ الفَضْلِ (٣) وأُمِّ سلمةَ (٤) في ذلك أضْعَفُ.

стр. 3078

ورَدُّوا حديثَ عروةَ، عن عائشةَ، في الخمسِ رَضَعاتٍ أيضًا، بأن عروةَ كان يُفْتي بخلافِه، ولو صَحَّ عندَه ما خالَفه. روى مالكٌ (١)، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، أنَّه سأل سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن الرَّضاعةِ، فقال: ما كان في الحَوْلَيْن وإن كان قطرةً واحدةً فهي تُحرِّمُ. قال: ثم سألتُ عروةَ بنَ الزبيرِ، فقال مثلَ ذلك. وروى معمرٌ، عن إبراهيمَ بنِ عقبةَ، قال: أتَيْتُ عروةَ بنَ الزبيرِ فسألته عن صبيٍّ شَرِب قليلًا مِن لبنِ امرأةٍ، فقال لي عروةُ: كانت عائشةُ لا تُحرِّمُ بدُونِ سبعِ رَضَعاتٍ أو خمس. قال: فأتَيْتُ ابنَ المسيِّبِ، فقال: لا أقولُ قولَ عائشةَ، ولكنْ لو دخَلَتْ بطنَه قطرةٌ بعدَ أن يعْلَمَ أنَّها دخَلتْ بطنَه، حَرُمَ (٢). وروى حمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ سُئِلَ عن المَصَّةِ والمَصَّتين، فقال: لا تَصْلُحُ. فقيل له: إن ابنَ الزبيرِ لا يرَى بهما بأسًا. فقال ابنُ عمرَ: قضاءُ الله أحقُّ مِن قضاءِ ابنِ الزُّبيرِ، يقولُ اللهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣) [النساء: ٢٣]. وروى حمَّاد أيضًا عن أبي الزُّبَير، قال: أمَرني عطاءُ بنُ أبي رباح أن أسألَ ابنَ عمرَ عن الرَّضعةِ والرَّضعتينِ، فسألتُه، فقال: لا يَصلُحُ. فقيل له: إن ابنَ الزُّبيرِ. فذكَر نحوَه (٤).

стр. 3079

وفي هذا الحديثِ ما كانوا عليه مِن التبَنِّي، وأن مَن تَبنَّى صبيًّا كان يُنْسَبُ إليه، حتى نزَلتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فنُسِخ ذلك، فلا يجوزُ اليومَ أن يُقالَ ذلك في غيرِ الابنِ الصَّحِيح، وكذلك لا يجوزُ عندي أن يقولَ المولى: أنا ابنُ فُلان، أو يكْتُبَ به شهادتَه، ولكنْ (١) يقولُ: مولى فلانٍ. واللهُ أعلمُ. حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مُعلَّى (٢) بنُ أسدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختارِ، قال: حدَّثنا موسى بنُ عقبةَ، قال: حدَّثني سالم، عن عبدِ الله بنِ عمر، أنَّه كان يقولُ: ما كنّا نَدْعُوه إلَّا زيدَ بنَ محمدٍ، حتى نزَل القرآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣).

стр. 3080

حديثٌ ثالثَ عشرَ لابنِ شهابِ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدٍ القارِيِّ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطّابِ يقولُ: سمِعتُ هشامَ بن حَكِيم بنِ حزام يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على غيرِ ما أقرؤُها، وكان رسولُ الله ﷺ أقرأنِيها، فكِدْتُ أن أعجَلَ عليه، ثم أمهلتُه حتى انصرَف، ثم لبَّبتُه بردائِه (٢)، فجئتُ به رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله، إني سمِعتُ هذا يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على غيرِ ما أقرأتَنِيها (٣)، فقال له رسولُ الله ﷺ : "اقرأْ" (٤). فقرَأ القراءةَ التي سمِعتُه يقرأُ، فقال لهُ رسولُ الله ﷺ : "هكذا أُنزلَتْ". ثم قال لي: "اقرأْ"، فقرأتُ، فقال: "هكذا أُنزلَتْ، إنَّ هذا القرآنَ أُنزِل على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤُوا ما تَيسَّر منه". قال أبو عُمر: لا خلافَ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ومتنِه، وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدٍ القاريُّ قيلَ: إنَّه مسَح النبيُّ ﷺ على رأسِه وهو صغيرٌ.

стр. 3081

وتوفِّي سنةَ ثمانين وهو ابنُ ثمانٍ وسبعين (١)، يُكْنَى أبا محمدٍ، والقارةُ: فخِذٌ من كِنانةَ، وقد ذكَرناه في القبائل من كتابِ "الصحابةِ" (٢)، والحمدُ لله. ورواه معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن المِسْورِ بنِ مَخْرَمةَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ القاريِّ، جميعًا سمِعا عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: مرَرتُ بهشامِ بنِ حَكِيم بنِ حزام وهو يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" في حياةِ رسولِ الله ﷺ ، فاستمعْتُ قراءتَه، فإذا هو يقرأُ على حروفٍ كثيرةٍ لم يُقرئْنِيها رسولُ الله ﷺ ، فكدْتُ أُساورُه (٣)، فنظَرْتُ (٤) حتى سلَّم، فلما سلَّم لبَّبْتُه بردائِه فقلتُ: مَن أقرأك هذه السورةَ التي أسمعُك تقرؤُها؟ قال: أقرأنِيها رسولُ الله ﷺ . قال: قلتُ له: كذَبْتَ، فوالله إنَّ رسولَ الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورةَ. قال: فانطلقْتُ أقودُه إلى النبيِّ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إني سمِعتُ هذا يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على حروفٍ لم تُقرئْنِيها، وأنتَ أقرأتَني في سورةَ "الفرقانِ"، فقال النبيُّ ﷺ : "أرسلْه يا عمرُ، اقرأْ يا هشامُ"، فقرَأ عليه القراءةَ التي سمِعتُه يقرؤُها، فقال النبيُّ ﵇: "هكذا أُنزلَتْ". ثم قال: "اقرأْ يا عمرُ"، فقرأْتُ القراءةَ التي أقرأَنِيها النبيُّ ﷺ ، ثم قال: "هكذا أُنزِلت، إن هذا القرآنَ أُنزِل على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ما تيسَّر منه" (٥).

стр. 3082

وهكذا رواه يونسُ (١)، وعُقَيلٌ (٢)، وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٣)، وابنُ أخي ابنِ شهابٍ (٤)، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن المِسْورِ وعبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ القاريِّ، جميعًا سمِعا عمرَ بنَ الخطابِ. الحديثَ. ففي روايةِ معمرٍ تفسيرٌ لروايةِ مالكٍ في قولِه: يقرأُ سورةَ "الفرقانِ"؛ لأن ظاهرَه السورةُ كلُّها أو جملتُها، فبان في روايةِ معمرٍ أن ذلك في حروفٍ منها بقولِه: يقرأُ على حروفٍ كثيرةٍ. وقولُه: يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على حروفٍ لم يُقرِئْنِيها. وهذا مجتمَعٌ عليه، أن القرآنَ لا يجوزُ في حروفِه وكلماتِه وآياتِه كلِّها أن يُقرأ على سبعةِ أحرفٍ، ولا شيءٍ منها، ولا يمكنُ ذلك فيها، بل لا يوجدُ في القرآنِ كلمة تحتملُ أن تُقرأ على سبعةِ أوجُهٍ إلا قليلًا؛ مثلَ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. و: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]. و: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. ونحو ذلك (٥)، وذلك يسير جدًّا، وهذا بيِّنٌ واضحٌ يُغني عن الإكثار فيه. وقد اختلَف الناسُ في معنى هذا الحديثِ اختلافًا كثيرًا؛ فقال الخليلُ بنُ أحمدَ: معنى قولِه: "سبعةِ أحرفٍ": سبعُ قراءاتٍ، والحرفُ هاهنا: القراءةُ. وقال

стр. 3083

غيرُه: هي سبعةُ أنحاءٍ، كلُّ نحوٍ منها جزءٌ من أجزاءِ القرآنِ خلافُ الأنحاءِ غيرِها. وذهَبوا إلى أن كلَّ حرفٍ منها هو صِنفٌ من الأصنافِ، نحوَ قولِ الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية [الحج: ١١]. وكان معنى الحرفِ الذي يُعبدُ اللهُ عليه صِنفٌ من الأصنافِ، ونوعٌ من الأنواع التي يُعبدُ اللهُ عليها، فمنها ما هو محمودٌ عندَه ﵎، ومنها ما هو بخلافِ ذلك. فذهَب هؤلاء في قولِ رسولِ الله ﷺ : "أُنزِل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ" إلى أنها سبعةُ أنحاءٍ وأصنافٍ؛ فمنها زاجرٌ، ومنها آمِرٌ، ومنها حلالٌ، ومنها حرامٌ، ومنها محكمٌ، ومنها متشابِهٌ، ومنها أمثالٌ (١). واحتجُّوا بحديثٍ يروِيه سلمةُ بنُ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ؛ حدَّثناه محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال (٢): حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي داودَ،

стр. 3084

قال (١): حدَّثنا أبو الطَّاهرِ أحمدُ بنُ عمرٍو المصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني حَيْوةُ بنُ شُريح، عن عُقَيلِ بنِ خالدٍ، عن سلمةَ بنِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كان الكتابُ الأوَّلُ نَزل مِن بابٍ واحدٍ، على وجْهٍ واحدٍ، ونَزل القرآنُ مِن سَبْعَةِ أبوابٍ، على سَبْعَةِ أوجُهٍ؛ زاجرٍ، وآمِرٍ، وحَلالٍ، وحَرَام، ومُحْكَم، ومُتَشابِهٍ، وأمْثال، فأحِلِّوا حَلالَه، وحرِّموا حرامَه، واعتَبِرُوا بأمْثالِه، وآمِنُوا بتشابهِهِ، وقولوا: آمَنَّا به كُلٌّ من عندِ رَبِّنا". وهذا حديثٌ عندَ أهلِ العلمِ لا يثبُتُ؛ لأنَّه يروِيه حَيْوَةُ، عن عُقَيلٍ، عن سلمةَ هكذا. ويرويه الليثُ، عن عُقيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سلمةَ بنِ أبي سلمةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مُرسلًا (٢). وأبو سلمةَ لم يلقَ ابنَ مسعودٍ، وابنُه سلمةُ ليس ممَّن يُحتجُّ به. وهذا الحديثُ مُجتمَعٌ على ضعفِه من جهةِ الإسناد، وقد ردَّه قومٌ من أهلِ النَّظرِ؛ منهم: أحمدُ بنُ أبي عمرانَ، قال: مَن قال في تأويلِ السبعةِ الأحرفِ هذا القولَ، فتأويلُه فاسدٌ؛ لأنَّه مُحالٌ أنْ يكونَ الحرفُ منها حرامًا لا ما سواه، أو يكونَ حلالًا لا ما سواه؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يكونَ القرآنُ يُقرأُ على أنَّه حلالٌ كلُّه، أو

стр. 3085

حرامٌ كلُّه، أو أمْثالٌ كلُّه، ذكره الطحاويُّ (١)، عن أحمدَ بنِ أبي عمرانَ، سمعَه منه، وقال: هو كما قال ابنُ أبي عمرانَ. قال: واحتجَّ ابنُ أبي عمرانَ بحديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ، أنَّ جبريلَ أتَى النبيَّ ﷺ فقال: "اقرَأْ على حرفٍ" (٢)، فاستزادَه حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ. الحديثَ. وقال قومٌ: هي سبعُ لُغاتٍ في القرآنِ مُفْتَرقاتٍ، على لغاتِ العربِ كلِّها؛ يَمنِها ونزارِها؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ يعلمها كُلّها (٣)، وكان قد أُوتيَ جوامعَ الكلم. وإلى هذا ذهَب أبو عُبيدٍ (٤) في تأويلِ هذا الحديثِ، قال: ليس معنَاه أنْ يُقرأ الحرفُ (٥) على سبعةِ أوجُهٍ، هذا شيءٌ غيرُ موجودٍ، ولكنَّه عندَنا أنَّه نزَل على سبع لغاتٍ مُفترقةٍ في جميع القرآنِ من لغاتِ العربِ، فيكونُ الحرفُ منها بلغةِ قبيلةٍ، والثاني بلغةِ قبيلةٍ أُخرَى سوَى الأولى، والثالثُ بلغةِ أُخرَى سواهما، كذلك إلى السبعةِ. قال: وبعضُ الأحياءِ أسعدُ بها وأكثرُ حظًّا فيها من بعض. وذكر حديثَ

стр. 3086

ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ، أنَّ عثمانَ قال لهم حينَ أمَرهم أن يكتبوا المصاحفَ: ما اختلفتُم أنتم وزيدٌ (١) فاكتُبوهُ بلسانِ قُريشٍ، فإنَّه نزَل بلسانِهم (٢). وذكر حديثَ ابنِ عباسٍ أنَّه قال: نزَل القرآنُ بلغةِ الكعبَيْن: كعبِ قُريشٍ، وكعبِ خُزاعةَ. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ الدارَ واحدةٌ (٣). قال أبو عُبيدٍ: يعني أنَّ خُزاعةَ جيرانُ قُريشٍ، فأخَذوا بلغتِهم، وذَكَروا (٤) أخبارًا قد ذكرْنَا أكثرَها في هذا الكتاب، والحمدُ للّه. وقال آخرونَ: هذه اللُّغاتُ كلُّها السبعةُ إنَّما تكونُ في مُضَرَ، واحتجُّوا بقولِ عثمانَ: نزَل القرآنُ بلسانِ مُضَرَ. وقالوا: جائزٌ أنْ يكونَ منها لقريشٍ، ومنها لكِنانةَ، ومنها لأسَدٍ، ومنها لهُذيلٍ، ومنها لتميم، ومنها لضبَّةَ، ومنها لقيسٍ، فهذه قبائلُ مُضَرَ، تستوعبُ سبعَ لُغاتٍ على هذه المراتبِ. وقد رُويَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يحبُّ أن يكونَ الذين يكتُبونَ المصاحفَ من مُضَرَ (٥). وأنكرَ آخرونَ أن تكونَ كلُّها في مُضَرَ، وقالوا: في مُضَرَ شواذُّ لا يجوزُ أن يُقرأَ القرآنُ عليها، مثلُ: كشكشةِ قيسٍ، وعنعنةِ تميم.

стр. 3087

فأمَّا كشكشةُ قيسٍ، فإنَّهم يجعلونَ كافَ المؤنَّثِ شِينًا فيقولونَ في: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]: (جعلَ رَبُّشِ تحتشِ سريًّا). وأمَّا عنعنةُ تميم، فيقولونَ في "أنْ": "عنْ"، فيقُولُون: (عسى اللهُ عنْ يأتيَ بالفتح). وبعضُهم يُبدِلُ السِّينَ تاءً، فيقولُ في "الناس": النَّات، وفي "أكياس": أكيَات. وهذه لُغاتٌ يُرغَبُ بالقرآنِ عنها، ولا يُحفظُ عن السَّلف فيه شيءٌ منها. وقال آخرون: أمَّا بَدَلُ الهمزَةِ عيْنًا، وبَدَلُ حُروفِ الحلْقِ بعضِها من بعضٍ، فمشهورٌ عن الفُصحاءِ، وقد قرأ به الجِلَّةُ، واحتجُّوا بقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (ليسجُنُنَّه عتَّى حينٍ) (١). وبقولِ ذي الرُّمَّةِ (٢): فعيناكِ عينَاهَا وجيدُكِ جيدُها ... ولونُكِ إلَّا عَنَّها غيرُ عاطِلِ يريدُ: إلَّا أنَّها. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحسَنُ بنُ عليٍّ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا هُشيم، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمن بنِ كعبٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّه كان عندَ عُمرَ بنِ الخطابِ، فقرأ رجل: (مِن بعدِ ما رأوُا الآياتِ ليسجُنُنَّه عتَّى حينٍ)، فقال عُمرُ: مَن أقرأكها؟ قال: أَقْرأَنِيها ابنُ مسعودٍ، فقال له عمرُ: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥].

стр. 3088

وكتَب إلى ابن مسعودٍ: أمَّا بعدُ، فإنَّ اللهَ أنزلَ القرآنَ بلسانِ قريشٍ، فإذا أتاكَ كتابي هذا، فأقرئ الناسَ بلغةِ قُريشٍ، ولا تُقرِئْهم بلغةِ هُذَيلٍ، والسلام (١). ويَحتملُ أنْ يكونَ هذا من عمرَ على سبيلِ الاختيارِ، لا أنَّ ما قرأبه ابنُ مسعودٍ لا يجوزُ، وإذا أُبيحَ لنا قراءتُه على كلِّ ما أُنزلَ، فجائزٌ الاختيارُ فيما أُنزلَ عندي، واللّهُ أعلم. وقد رُويَ عن عثمانَ بنِ عفانَ مثلُ قولِ عمرَ هذا؛ أنَّ القرآنَ نزَل بلغةِ قُريشٍ، بخلافِ الروايةِ الأولى، وهذا أثبَتُ عنه؛ لأنَّه من روايةِ ثقاتِ أهلِ المدينة. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٢): أخبرَنا هيثمُ (٣) بنُ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال ابنُ شهابٍ: وأخبرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ حذيفةَ قدِمَ على عثمانَ، وكان يُغازي أهلَ الشام مع أهلِ العراقِ في فتح إرْمِينيةَ، وأذربيجانَ، فأفزعَ حذيفةَ اختلافُهم في القرآنِ، فقال لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمَّةَ قبلَ أنْ يختلفوا في الكتابِ كما اختلَف اليهودُ والنصارى. فأرسلَ عثمانُ إلى حَفْصَةَ: أنْ أرسلي إليَّ بالصُّحفِ ننسَخْها في المصاحِفِ، ثم نردَّها إليكِ. فأرسلَتْ بها إليه، فأمَر زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبدَ الله بنَ الزبيرِ، وسعيدَ بنَ العاص،

стр. 3089

وعبدَ الرحمنِ بنَ الحارثِ بنِ هشام، أن اكتُبوا الصُّحُفَ في المصاحفِ، وإن اختلَفتُم وزيدَ بنَ ثابت في شيءٍ من القرآنِ فاكتبُوه بلغةِ قُريش، فإنَّ القرآنَ أُنزلَ بلسانِهم. ففعَلوا، حتى إذا نسَخوا الصُّحف ردَّ عثمانُ الصُّحُفَ إلى حفصةَ، وأرسلَ إلى كلِّ أُفُقٍ مُصحفًا. قال أبو عُمر: قولُ من قال: إنَّ القرآنَ نزَل بلغةِ قُريشٍ. معناه عندي: في الأغلب، واللّهُ أعلمُ؛ لأنَّ غيرَ لغةِ قريشٍ موجودةٌ في صحيح القراءات، من تحقيقِ الهمزَاتِ ونحوِها، وقريشٌ لا تهمزُ. وقد روى الأعمشُ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُنزِل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، صار في عَجُزِ هوازنَ منها خمسةٌ (١). قال أبو حاتم: عَجُزُ هَوازِنَ: ثقيفٌ، وبنُو سعدِ بنِ بكرٍ، وبنُو جُشَمَ، وبنُو نَصْرِ بنِ مُعاوية. قال أبو حاتم: خُصَّ هؤلاء دونَ ربيعةَ وسائرِ العربِ؛ لقربِ جوارِهم من مولدِ النبيِّ ﷺ ومنزلِ الوحي، وإنَّما مُضَرُ ورَبيعةُ أخَوانِ. قال: وأحبُّ الألفاظِ واللُّغَاتِ إلينا أن يُقرَأ بها، لُغاتُ قُريشٍ، ثم أدناهم من بُطونِ مُضر (٢). وقد رُويَ عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ أنَّه قال: أُنزل القرآنُ على لُغةِ هذا الحيِّ من ولدِ هَوازنَ وثقيفٍ (٣).

стр. 3090

وقال الكلبيُّ في قوله: "أُنْزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ"، قال: خمسة منها لهوازِن، وحرفانِ لسائرِ الناس. وأنكَرَ أكثرُ أهلِ العلم أن يكونَ معنَى حديثِ النبيِّ ﷺ : "أُنزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ": سبعَ لُغَات. وقالوا: هذا لا معنَى له؛ لأنَّه لو كان ذلك لم يُنكِرِ القومُ في أوَّلِ الأمرِ بعضُهم على بعض، لأنَّه مَن كانت لُغتُه شيئًا قد جُبِلَ وطُبعَ عليه، وفُطِرَ به، لم يُنكَرْ عليه. وفي حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ المذكورِ في هذا البابِ، ردُّ قولِ مَن قال: سبعُ لُغَاتٍ؛ لأنَّ عُمرَ بنَ الخطابِ قُرشيٌّ عدَويٌّ، وهشامَ بنَ حكيم بنِ حزام قُرشيٌّ أسَديٌّ، ومحالٌ أنْ يُنكرَ عليه عُمرُ لُغتَه، كما مُحالٌ أنْ يُقرئَ رسولُ الله ﷺ واحدًا منهما بغيرِ ما يعرِفُ من لُغَتِه، والأحاديثُ الصِّحاحُ المرفوعةُ كلُّها تدلُّ على نحوِ ما يدلُّ عليه حديثُ عُمرَ هذا. وقالوا: إنَّما معنَى السبعةِ الأحرفِ: سبعةُ أوجُهٍ من المعاني المتَّفِقَةِ المتَقاربةِ، بألفاظٍ مخُتلفةٍ، نحوَ: أقبِلْ، وهلُمَّ، وتعالَ. وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلم. فأمَّا الآثارُ المرفوعةُ، فمنها ما حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا أبو العباسِ تميمٌ (١)، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا سُحنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني سليمانُ بنُ بِلالٍ، عن يزيدَ بنِ خُصيفةَ، عن بُسْر بنِ سعيدٍ، أنَّ أبا جُهيم الأنصاريَّ أخبرَه، أنَّ رَجُلَيْن اختلَفا في آيةٍ من القرآنِ، فقال هذا: تلقَّيْتُها من رسولِ الله ﷺ ، وقال الآخرُ: تلقَّيْتُها من رسولِ الله ﷺ .

стр. 3091

فسئلَ رسولُ الله ﷺ عنها، فقال: "إنَّ القرآنَ أُنْزِل على سبعةِ أحرفٍ، فلا تمُاروا في القرآنِ؛ فإنَّ المراءَ فيه كُفر" (١). وروى جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن مُغيرةَ، عن واصلِ بنِ حَيَّانَ، عن عبدِ الله بن أبي الهُذَيل، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أُنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، لكلِّ آيةٍ منها ظَهرٌ وبَطنٌ، ولكلٍّ حدٌّ مطَّلَعٌ" (٢) (٣). وروى حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبرني حُميدٌ، عن أنسٍ، عن عُبادةَ بنِ الصامِتِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أُنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ" (٤).

стр. 3092

وروى همَّامُ بنُ يحيى، عن قَتادةَ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن سُليمانَ بنِ صرَدٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبِ، قال: قرأ أُبيّ آيةً، وقرَأ ابنُ مسعودٍ آيةً خلافَها، وقرَأ رجلٌ آخَرُ خلافَهما، فأتَيْنا النبيِّ ﷺ ، فقلتُ: ألم تقرأْ آيةَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ وقال ابنُ مسعودٍ: ألم تقرأْ آيةَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ فقال النبيُّ ﷺ : "كُلُّكم مُحسنٌ مُجمِلٌ". قال: فقلتُ: ما كُلُّنا أحسنَ ولا أجملَ. قال: فضرَب صدري وقال: "يا أُبيُّ، إنِّي أُقرِئْتُ القرآنَ، فقلتُ: على حرفٍ أو حرفينِ؟ فقال ليَ الملَكُ الذي عندي: على حرفين. فقُلتُ: على حَرْفَيْنِ أو ثلاثةٍ؟ فقال الملَكُ الذي معي: على ثَلاثةٍ. فقُلتُ: على ثلاثةٍ، هكذا حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ، ليس منها إلَّا شافٍ كافٍ، قُلتَ: غفورًا رحِيمًا. أو قُلتَ: سميعًا حكيمًا. أو قُلتَ: عليمًا حكيمًا، أوْ عزيزًا حكيمًا. أيَّ ذلك فإنه كذلك". وزاد بعضُهم في هذا الحديثِ: "ما لم تختِمْ عذابًا برحمةٍ، أو رحْمةً بعَذابٍ" (١). قال أبو عُمر: أمَّا قولُه في هذا الحديث: "قُلْتَ: سميعًا عليمًا، أو غَفُورًا رحيمًا، أو عَلِيمًا حكيمًا". فإنَّما أراد به ضربَ المثلِ للحروفِ التي نزَل القرآنُ عليها، أنَّها معانٍ مُتَّفِقٌ مفهومُها، مُختلِفٌ مسموعُها، لا يكونُ في شيءٍ منها معنًى وضدُّه، ولا وجْهٌ يُخالفُ معنى وجهٍ خلافًا ينفِيه ويضادُّه، كالرَّحمةِ التي هي خلافُ العذابِ وضدُّه، وما أشبَهَ ذلك. وهذا كلُّه يَعضُدُ قولَ مَن قال: إن معنَى السبعةِ الأحرفِ المذْكُورة في الحديث:

стр. 3093

سبعةُ أوجُهٍ مِن الكلام المتَّفِقِ معناه، المخْتَلِفِ لفظُه، نحوَ: هلمَّ، وتعالَ، وعَجِّلْ، وأسرعْ، وأنْظِرْ، وأخِّرْ، ونحوَ ذلك. وسنُوردُ مِن الآثارِ وأقْوالِ علماءِ الأمصارِ في هذا البابِ ما يَبِينُ لك به أنَّ ما اختَرناه هو الصوابُ فيه، إن شاء اللهُ، وأنَّه أصحُّ مِن قولِ مَن قال: سبعُ لُغَاتٍ مُفترقَاتٍ، لما قدَّمنا ذكرَه، ولما هو موجودٌ في القرآنِ بإجماع، من كثرةِ اللُّغَاتِ المفْتَرِقاتِ فيه، حتى لو تُقصِّيَتْ لكثُرَ عددُها، وللعلماءِ في لُغاتِ القرآنِ مُؤلَّفاتٌ تشهَدُ لما قُلْنا. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشر، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أُنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ؛ غفورًا رحيمًا، عزيزًا حكيمًا، عليمًا حكيمًا"، وربَّما قال: "سميعًا بصيرًا" (١). وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن سُقَيْرٍ العبديِّ، عن سُليمانَ بنِ صُردٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: سمِعتُ رجلًا يقرأُ، فقلتُ: مَن أقرأكَ؟ فقال: رسولُ الله ﷺ ،

стр. 3094

فقلتُ: انطلِقْ إليه. فانطلَقْنا إليه، فقلتُ: استَقْرِئْه يا رسولَ الله، قال: "اقرأ"، فقرأ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أحسَنْتَ"، فقلتُ: أو لم تُقْرئْني كذا وكذا؟ قال: "بلى، وأنت قد أحسَنْتَ"، فقلتُ بيَدِي: قد أحسنْتَ! قد أحسنْتَ! قال: فضرَبَ رسولُ الله ﷺ بيدِه في صَدْرِي ثمَّ قال: "اللهمَّ أذهِبْ عن أُبَيٍّ الشَّكَّ". قال: ففِضْتُ عرقًا، وامتلأ جوفي فَرَقًا. قال: فقال النبيُّ ﷺ : "يا أُبيُّ، إنَّ ملكينِ أتياني، فقال أحدُهما: اقرأْ على حَرْفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلْتُ: زدني. قال: اقرأ على حَرْفَيْن. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرَأ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرَأ على أربعةِ أحرفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرأ على خمسةِ أحرفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرأ على ستَّةِ أحرفٍ. قال الآخَرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرأ على سبعةِ أحرفٍ. فالقرآنُ أُنزلَ على سبعةِ أحرف" (١). وقرأتُ على أبي القاسم خلفِ بنِ القاسم، أنَّ أبا الطَّاهرِ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ عبدِ الله بنِ بُجَيْرٍ (٢) القاضِيَ بمصرَ أملى عليهم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ جعفرُ بنُ

стр. 3095

محمدِ بنِ الحسنِ الفِرْيابيُّ القاضِي، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ النُّفيْليُّ، قال: قرأتُ على معقلِ بنِ عبيدِ الله، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أقرأني رسولُ الله ﷺ سُورةً، فبَيْنا أنا في المَسجِدِ إذْ سمِعتُ رجلًا يقرؤُها بخلافِ قراءتي، فقلتُ: مَن أقرأكَ هذه السورةَ؟ فقال: رسولُ الله ﷺ . فقلتُ: لا تُفارقْني حتى نأتيَ رسولَ الله ﷺ ، فأتينَاه، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا قد خالفَ قراءتي في هذه السُّورةِ التي علَّمْتَني، فقال: "اقرأ يا أُبيُّ"، فقرأتُ، فقال: "أحسنْتَ". فقال للآخر: "اقرأ"، فقَرَأ بخلافِ قراءتي، فقال له: "أحسنْتَ". ثم قال: "يا أُبيُّ، إنَّهُ أُنزلَ على سبعةِ أحرف، كُلُّها شافٍ كافٍ". قال: فما اختلجَ في صدري شيءٌ مِن القرآنِ بعدُ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمر (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جُحادةَ، عن الحكم بنِ عُتيبةَ، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ وهو بأضاةِ بني غِفارٍ (٣)، فقال: إنَّ اللهَ يأمُرُكَ أنْ تُقرئ أُمَّتَك على حرفٍ واحد. قال: فقال: "أسألُ اللهَ

стр. 3096

مغفرتَه ومعافاتَه - أو قال: مُعافاتَه ومغفرتَه - سلْ لهم التَّخفيفَ، فإنَّهم لا يُطيقونَ ذلكَ". فانطلقَ، ثم رجعَ فقال: إنَّ اللهَ يأمرُكَ أنْ تُقرئَ أُمَّتَكَ القرآنَ على حرفينِ. فقال: "أسألُ اللهَ مغفرتَه ومُعافاتَه - أو: مُعافاتَه ومَغْفِرَتَه - إنَّهم لا يُطيقونَ ذلِكَ" (١)، ثم رجَع فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أنْ تُقرئَ أُمَّتَكَ القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال: "أسألُ اللهَ مغفرتَه ومعافاتَه - أو مُعافاتَه ومغفرتَه - إنَّهم لا يُطيقونَ ذلكَ، فسلْ لهمُ التَّخفيفَ". فانطلَق، ثم رجَع فقال: إنَّ اللهَ يأمرُكَ أنْ تُقرئَ أُمَّتَكَ القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فمنْ قرأ منها حرفًا فهو كما قرأ (٢). ورُويَ حديثُ أُبيِّ بنِ كعبٍ هذا من وُجُوه. والسُّورةُ التي أنكرَ فيها أُبيٌّ القراءةَ سُورةُ "النَّحلِ". ذكر ذلك اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن هشام بنِ سعدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعب. وساقَ الحديثَ (٣). ورُويَ ذلك من وُجُوه.

стр. 3097

وأمَّا حديثُ عاصم، عن زِرٍّ، عن أُبيٍّ. فاختُلِفَ على عاصم فيه (١) (٢). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن المقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "هذا القرآنُ أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ولا حرجَ، ولكنْ لا تختِموا ذكرَ آية رحمةٍ بعذابٍ، ولا ذكرَ عذابٍ برحمةٍ" (٣).
следующие страницы →