← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3128–3167 · переход к 3133.

стр. 3128

ونافع، والزُّهريُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأهلُ مكَّةَ: مُجاهدٌ، وابنُ كثيرٍ، وأهلُ البصرة: الحسنُ على اختلافٍ عنه، وأبو رجاءٍ، وقتادةُ، وأبو عمرٍو، وعيسى، وسلامٌ، ويعقوبُ، وأهلُ الشَّام: ابنُ عامرٍ، وعمرُو بنُ ميمونٍ، وعبدُ الله بنُ يزيدَ. وقرَأها أيضًا من أهلِ البيْت: عليُّ بنُ حسينٍ، وزيدُ بنُ عليٍّ، ومحمدُ بنُ عليٍّ أبو جعفرٍ. وقرأ: (سُرُجًا) بضمَّتينِ: ابنُ مسعودٍ وأصحابُه، وإبراهيمُ، ويحيى، والأعمشُ، وطلحةُ، وعيسى، وأبانُ بنُ تَغْلِبَ، ومنصورُ بنُ المعْتَمِرِ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ إدريسَ، وطلحةُ بنُ سُليمانَ، وخلفٌ، ونُعيمُ بنُ ميسرةَ، هؤلاء كلُّهم كُوفيُّون (١). وعن بعضِهم رُويَ: (سُرْجًا) مُخفَّفٌ، وهو أبانُ بنُ تَغلِبَ (٢)، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ. وفي قوله : ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] قِراءَتانِ: التثقيلُ والتخفيفُ. فقرأ: ﴿يَذَّكَّرَ﴾ مُثقَّلةً مُشدَّدةً مفتوحةَ الكافِ: عمرُ بنُ الخطابِ، وابنُ عباسٍ، وأهلُ المدينة: أبو جعفرٍ، وشيبةُ، ونافع، والزُّهريُّ، وأهلُ مكَّةَ: ابنُ كثيرٍ وأصحابُه، وأهلُ البصرةِ: الحسَنُ، وأبو رجاءٍ، وأبو عمرٍو، وعيسى، وسلَّامٌ، ويعقوبُ، وأهلُ الشَّام: ابنُ عامرٍ، وعمرُو بنُ ميمونٍ. وعبدُ الله بنُ يزيدَ، وعاصمٌ، والكسائيُّ، من الكوفيِّينَ، وقرأها عليُّ بنُ أبي طالبٍ على اختلافٍ عنه.

стр. 3129

وقرأ: (يَذْكُرَ) مُخفَّفة: عليُّ بنُ أبي طالب، في روايةِ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ عنه، والرّوايةُ الأُولى روَاها الأصبغُ بنُ نُباتةَ وناجيةُ بنُ كعبٍ عنه، وابنُ مسعودٍ، وإبراهيمُ، ويحيى، والأعمشُ، وطلحةُ، وعيسى، وحمزةُ، وأبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ، وعليُّ بنُ حُسينٍ، وابنُ إدريسَ، ونُعيمُ بنُ مَيْسَرةَ (١). وفي قوله: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ثلاثُ قراءاتٍ، منها في الثُّلاثيِّ قراءتانِ؛ من: قتَر يَقْتِرُ ويَقْتُر. فقرأ: (يَقْتِرُوا) بفتح الياءِ وكسرِ التَّاءِ، من: قتَر يقتِرُ: مُجاهدٌ، وابنُ كثيرٍ، والزُّهريُّ، وأبو عمرٍو، وعيسى، وسلَّامٌ، ويعقوبُ، وعمرُو بنُ عُبيدٍ، وعبدُ الله بنُ يزيدَ، وعمرُو بنُ ميمونٍ. وقرأ: ﴿يَقْتُرُوا﴾ بضمِّ التَّاء، من: قَترَ، أيضًا: عليُّ بنُ أبي طالبٍ في روايةِ الأصبغ بنِ نُباتةَ وناجيةَ، وعاصمٌ، والأعمشُ، وطلحةُ، وعيسى، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ إدريسَ، وطلحةُ بنُ سُليمانَ، وخلفٌ، وأبو رجاءٍ، وأبو عمرٍو على اختلافٍ عنه. وقرَأ مِن الرُّباعِيِّ: (يُقْتِروا) بضَمِّ الياءِ وكسرِ التَّاء، من: أقتَر يُقتِرُ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ في روايةِ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ، والأعرجُ، وأبو جعفرٍ، وشيبةُ، ونافعٌ، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلميُّ، واختُلِفَ فيه عن الحسنِ وأبي رجاءٍ، وابنُ عامرٍ، ونعيمُ بنُ ميسرةَ (٢).

стр. 3130

وفي قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ قراءتانِ: كسرُ القافِ وفتحُها. قرأ بكسرها: حسَّانُ بنُ عبدِ الرحمنِ صاحبُ عائشةَ (١)، وهو الذي يروي عنه قتادةُ، كان يقرأُ: (قِوامًا) وينكرُ: ﴿قَوَامًا﴾، ويقولُ: القَوامُ: قَوامُ الدابةِ، والقِوامُ: على المرأةِ، وعلى أهلِ البيْتِ، وعلى الفرسِ، والجاريةِ. وقرَأ سائرُ الناسِ في جميع الأمصارِ: ﴿قَوَامًا﴾ بفتح القافِ. وفي قوله: ﴿يُضَاعَفْ﴾، و: ﴿وَيَخْلُدْ﴾ [الفرقان: ٦٩] قراءاتٌ في إعرابِهما، وفي تشديدِ العينِ: فأمَّا الإعرابُ فالجزمُ في الفاءِ والدَّالِ من ﴿يُضَاعَفْ﴾، و: ﴿وَيَخْلُدْ﴾، والرَفعُ فيهما: فقرأ: (يُضَاعَفُ)، و: (ويَخلُدُ فيه) مرفوعينِ: عاصمٌ على اختلافٍ كثيرٍ عنه في ذلك (٢). وقرأ: ﴿يُضَاعَفْ﴾، و: ﴿وَيَخْلُدْ﴾ بالجزم فيهما: ابنُ هُرمُزَ الأعرجُ، ونافعٌ، والزُّهريُّ؛ مدنيُّونَ، والأعمشُ، وطلحةُ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ إدريسَ، وخلفٌ؛ كُوفيُّونَ، والحسنُ، وقتادةُ، وعاصمٌ الجَحْدَريُّ، وأبو عَمرٍو، وسلَّامٌ؛ بصريُّونَ، ونُعيمُ بنُ ميسرةَ، وعمرُو بنُ ميمونٍ.

стр. 3131

وقرأ: (يُضعَّفُ)، و: (وَيخْلُدُ) بتشديدِ العينِ من (يُضعَّفُ)، والرَّفع فيهما؛ ابنُ عامرٍ، والأعمشُ. وقرأ: (يُضعَّفْ)، و: (ويَخْلُدْ) بالجزم فيهما وتشديدِ (يُضعَّفْ): أبو جعفرٍ، وشيبةُ، ويعقوبُ، وعيسى الثَّقَفيُّ، وابنُ كثيرٍ، وأهلُ مكَّة. وقرأ: (نُضعِّفْ) بالنُّونِ، (له العذابَ) نصبًا، و: (ويَخْلُدْ فيه) جزمًا: طلحةُ بنُ سُليمانَ (١). وفي قوله: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان: ٧٤] قراءتانِ: الجمعُ والتَّوحيدُ، فقرأ: (ذُرِّيَّتِنا) واحدةً؛ مُجاهدٌ، وأبو عمرٍو، وعاصم على اختلافٍ عنه (٢)، ويحيى بنُ وثَّابٍ، والأعمشُ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ إدريسَ، وخلفٌ، وطلحةُ بنُ سُليمانَ، وعبيدُ الله بنُ مُوسَى. وقرأ: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ جماعةً: أبو جعفرٍ، وشيبةُ، ونافعٌ، والزُّهريُّ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ على اختلافٍ عنه، والحسنُ، وسلَّامٌ، ويعقوبُ، وابنُ عامرٍ، وسلمةُ بنُ كُهَيْلٍ، ونُعيمُ بنُ ميسرةَ، وعبدُ الله بنُ يزيدَ. وفي قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ [الفرقان: ٧٥] قراءتانِ، إحداهما: ضمُّ الياءِ وفتحُ اللَّام وتشديدُ القافِ. والثانيةُ: فتحُ الياء وتسكينُ اللام وتخفيفُ القاف. فقرأ بالتَّرجمةِ الأُولى: ابنُ هُرمُزَ، وأبو جعفرٍ، وشيبةُ، ونافعٌ، والزهريُّ، ومجاهدٌ، وابنُ كثيرٍ، والحسنُ، وأبو عمرٍو، وعيسى، وسلَّامٌ، ويعقوبُ، وابنُ عامرٍ، وعمرُو بنُ ميمونٍ، واختُلِفَ عن عاصم (٣) والأعمش.

стр. 3132

وقرَأ بالتَّرجمةِ الثانية: عليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلميُّ، والأعمشُ، وطلحةُ، وعيسى الكوفيُّ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ إدريسَ، وخلفٌ، وطلحةُ بنُ سُليمانَ، ومحمدُ بنُ السَّمَيْفَع اليمانيُّ، وعاصمٌ على اختلافٍ عنه. وقرأ ابنُ عباسٍ وابنُ الزبير: (فقد كذَّبَ الكافرونَ فسوف يكونُ لزامًا). وكذلك في حرفِ ابنِ مسعودٍ (١). وقرَأ سائرُ الناسِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧].

стр. 3133

فهذا ما في سُورةِ "الفُرْقَانِ" مِن الحروفِ التي بأيدِي (١) أهلِ العلم بذلك، واللهُ أعلمُ؛ ما أنكرَ منها عُمَرُ على هشام بنِ حكيم، وما قرَأ به عُمرُ، وقد يُمكنُ أن يكونَ هناكَ حُروفٌ لم تصلْ إلينا، وليسَ كُلُّ مَن قرَأ بحرفٍ نُقِلَ ذلك عنه وذُكِرَ، ولكنْ إنْ فاتَ من ذلك شيءٌ فهو اليسيرُ النَّزْرُ، وأمَّا عُظْمُ الشيء ومتْنُه وجملتُه، فمنقولٌ محكيٌّ عنهم، فجزاهُم اللهُ عن حفظِهم علينا الحروفَ والسُّنَنَ بأفضلِ الجزاءِ وأكْرَمِه عندَه برحمتِه (٢). وفي هذا الحديث: ما يدلُّ على أنَّ في جِبلَّةِ الإنسانِ وطبعِه أنْ يُنكِرَ ما عرَفَ ضدَّه وخلافَه، وجهِلَه، ولكنْ يجِبُ عليه التَّسليمُ لِمَنْ عَلِمَ. وفيه: ما كان عليه عُمرُ منَ الغضبِ في ذاتِ الله جلّ وعزّ، وأنَّه كان لا يُبالي قريبًا ولا بعيدًا فيه، وقد كان كثيرَ التَّفضيلِ لهشام بنِ حكيم بنِ حزام، ولكنْ إذْ سمِعَ منه ما أنكرَه، لم يُسَامحه حتى عرَفَ مَوْضعَ (٣) الصَّوابِ فيه، وهذا يجبُ على العالم والمتعلِّم في رفقٍ وسكون. وممَّا يدلُّكَ على موضعِ هشام عندَ عُمرَ: ما ذكَره ابنُ وَهْبٍ وغيرُه، عن مالكٍ، قال: كانَ عُمرُ بنُ الخطابِ إذا خشِيَ وُقوعَ أمرٍ قال: أمَّا ما بَقِيتُ أنا وهشامُ بنُ حكيم بنِ حزام فلا (٤).

стр. 3134

حديثٌ رابعَ عشَرَ لابن شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عَمرةَ بنْتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا اعتكَف يُدني إليَّ رأسَه فأُرَجِّلُه، وكان لا يدخُلُ البيتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ. هكذا قال مالِكٌ في الحديثِ: عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عمرةَ، عن عائشةَ. كذلك رواه عنه جُمهورُ رُواةِ "الموطَّأ". وممَّن رواه كذلك فيما ذكر الدَّارقطْنيُّ (٢): معنُ بنُ عيسى (٣)، والقَعْنبيُّ (٤)، وابنُ القاسم (٥)، وأبو المصعَبِ (٦)، وابنُ بُكَيرٍ (٧)، ويحيى بنُ يحيى يعني النَّيسابوريَّ (٨)، وإسحاقُ ابنُ الطَّبَّاع (٩)، وأبو سلمةَ منصورُ بنُ سلمةَ الخزاعيُّ (١٠)، ورَوْحُ بنُ عُبادةَ (١١)، وأحمدُ بنُ إسماعيلَ (١٢)،

стр. 3135

وخالدُ بنُ مَخْلَدٍ (١)، وبشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ (٢). حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْرانَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا عمِّي وأبي، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ يحيى النَّيسابوريُّ، قال: قرأتُ على مالك، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا اعتكفَ يُدني إليَّ رأسَه فأرجِّلُه، وكان لا يدخُلُ البيْتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ (٣). وحدَّثنا خلفٌ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلمةَ (٥)، عن مالكٍ بإسنادِه مثلَه. وذكره ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئِه" (٦)، فقال: أخبرني مالكٌ ويونسُ واللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ وعمرةَ بنْتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، أنَّها كانت إذا اعتكفَتْ في المسجدِ، فدخَلْت بيتَها، لم تسألْ عن المريضِ (٧) إلَّا وهي مارَّةٌ. وقالت عائشةُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ يدخُلُ البيْتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ. فأدخَلَ حديثَ بعضِهم في بعضٍ، وإنَّما يُعرفُ جمعُ عروةَ وعمرةَ (٨) في هذا

стр. 3136

الحديثِ (١) ليونسَ واللَّيثِ (٢)، لا لمالكٍ، والمحفوظُ عن مالكٍ عندَ أكثرِ رُواتِه في هذا الحديثِ: عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عمرةَ. وأمَّا سائرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ غيرَ مالكٍ، فقال أكثرُهم فيه: عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ. منهم: معمرٌ (٣)، وسفيانُ بن حسينٍ (٤)، وزيادُ بنُ سعدٍ (٥)، والأوزاعيُّ (٦).

стр. 3137

وكذلك رواه بُندارٌ ويعقوبُ الدَّورقيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا اعتكفَ يُدني إليَّ رأسَهُ فأرجِّلُه، وكان لا يدخُلُ البيتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ (١)؛ لم يذْكُرْ عمرةَ في هذا الحديثِ. وتابعَ ابنَ مهديٍّ على ذلك إسحاقُ بنُ سُليمانَ الرَّازيُّ، وأبو سعيدٍ مولى بني هاشم، ومحمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ على اختلافٍ عنه، وبشرُ بنُ عمرَ وخالدُ بنُ مخلدٍ على اختلافٍ عنهما أيضًا (٢)، والمعافَى بنُ عمرانَ الحمصيُّ. وقال محمدُ بنُ المثنَّى: عن عبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عمرةَ، عن عائشةَ، أنَّها كانت تعتكفُ وتمُرُّ بالمريضِ، وتسألُ به، وهي تمشي. قال عبدُ الرحمن: فقلتُ لمالكٍ: عن عروةَ، عن عمرةَ؟ وأعدْتُ عليه، فقال: الزُّهريُّ، عن عروةَ، عن عمرةَ. أو: الزُّهريُّ، عن عمرةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عمرةَ، عن عائشةَ، أنَّها كانت تعتكفُ، وذكره إلى آخرِه. وهذانِ حديثانِ؛ أحدُهما، في ترجُّلِ النبيِّ ﷺ ، والآخرُ في مُرورِ عائشةَ بالمريضِ وقولِها: كان رسولُ الله ﷺ لا يدخُلُ البيْتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ. اختلَف فيهما أصحابُ الزُّهريِّ عليه.

стр. 3138

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسَّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني الزُّهريُّ، قال: حدَّثني عروةُ، أنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ﷺ يأتيني وهو يعتكفُ في المسجدِ حتى يتَّكئُ على عتبةِ بابِ حُجرتي، فأغسلُ رأسَه وأنا في حُجرتي، وسائرُه في المسجدِ (٢). قال الأوزاعيُّ: وحدَّثني الزُّهريُّ، قال: حدَّثني عروةُ وعمرةُ، أنَّ عائشةَ كانت إذا اعتكفَتْ في المسجدِ، تعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ، ولا تدخُلُ بيتَها إلَّا لحاجةِ الإنسانِ التي لا بدَّ منها، وكانت تمُرُّ بالمريضِ من أهلِها تسألُ عنه وهي تمشي لا تقف. فجعل الأوزاعيُّ المعنيين بإسنادين، أحدُهما عروةُ، عن عائشةَ. والآخرُ عروةُ وعمرةُ، عن عائشةَ. وروَى مالكٌ حديثَ عائشةَ هذا عن الزُّهريِّ، عن عمرةَ، عنها. كذلك هو في "الموطَّأ" (٣) عندَ جُمهورِ الرُّواةِ، وقال فيه الشافعيُّ: عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشة. أخبرناه محمدٌ (٤)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بنُ يحيى،

стр. 3139

قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، أنَّ عائشةَ كانت إذا اعتكفَتْ لا تسألُ عن المريضِ إلا وهي تمشي، لا تقف (١). وحدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ. فذكره. وقال ابنُ وَهْبٍ وخالدُ بنُ سُليمانَ في هذا الحديثِ: عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ وعمرةَ، عن عائشةَ. وقال القطَّانُ وابنُ مهديٍّ فيه: عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عمرةَ، عن عائشةَ (٢). فخالَف ابنُ مهديٍّ، والشافعيُّ، ومَن ذكَرنا من رُواةِ "المُوطَّأ" في إسنادِ الحديثين جميعًا؛ المرفوع والموقوف. وذكر محمدُ بنُ يحيى الذُّهليُّ في كتابِه في "عللِ حديثِ الزُّهريِّ" هذين الحديثين: مُرورِ عائشةَ، وترجُّلِ النبيِّ ﷺ ، وهما يعتكفان، عن جماعةٍ من أصحابِ الزُّهريِّ، منهم يُونسُ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ، ومعمرٌ، وسفيانُ بنُ حسينٍ، والزُّبيديُّ (٣)، ثم قال: اجتمعَ هؤلاء كلهم على خلافِ مالكٍ في ترجُّلِ النبيِّ ﷺ ، فلم يُجامعْه عليه منهم أحدٌ، فأمَّا يُونسُ واللَّيث فجمَعا عروةَ وعمرةَ، عن عائشةَ. وأمَّا معمرٌ، والأوزاعيُّ، وسفيان بنُ حسينٍ، فاجتمعوا على عروةَ عن عائشةَ. قال: والمحفوظُ عندَنا حديثُ هؤلاء. قال: وأمَّا القصَّةُ الأخرَى في

стр. 3140

مُرورِ عائشةَ على المريضِ؛ فاجتمعَ معمرٌ، ومالكٌ (١)، وهشيمٌ (٢)، على عمرةَ، عن عائشةَ. وقال يُونسُ من روايةِ اللِّيثِ، مرَّةً: عن عمرةَ، عن عائشةَ. ومرَّةً من روايةِ عثمانَ بنِ عمرَ: عن عروةَ وعمرةَ، عن عائشةَ (٣). قال: وعثمانُ بنُ عمرَ أولى بالحديثِ؛ لأنَّ اللَّيثَ قد اضطربَ فيه؛ فقال مرَّةً: عن عروةَ، عن عائشةَ. ومرَّةً: عن عروةَ عن عمرةَ، عن عائشةَ. وثبَّته عثمانُ بنُ عمرَ عنهما جميعًا، وقد واطأه ابنُ وَهْبٍ (٤) عن يُونسَ في الحديثين جميعًا، فصارَتْ روايتُه عن يُونسَ أولى وأثبَتَ. وأمَّا شبيبُ بنُ سعيدٍ، فإنَّه تابعَ اللَّيثَ على روايتِه عن يُونسَ في القصَّةِ الآخرةِ، فقال: عروةُ، عن عمرةَ، عن عائشةَ. قال: فقد صحَّ الخبرُ الآخرُ عندَنا؛ عن عروةَ وعمرةَ، عن عائشةَ، باجتماع يُونسَ من روايةِ ابنِ وَهْبٍ وعثمانَ بنِ عمرَ، والأوزاعيِّ من روايةِ أبي المغيرةِ (٥)، واللَّيثِ بنِ سعدٍ من روايةِ ابنِ أبي مريمَ، عن عروةَ وعمرةَ، عن عائشةَ. وباجتماع معمرٍ، ومالكٍ، وهُشيم على عمرةَ. وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ وأبو نُعيم، عن سفيانَ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عمرةَ، أنَّ عائشةَ كانت

стр. 3141

تُجاورُ فتمُرُّ بالمريضِ من أهلِها فلا تعرِضُ له (١). فالحديثان عندَنا محفوظان بالخبرين جميعًا، إلَّا ما كان من روايةِ مالكٍ في ترجُّلِ النبيِّ ﷺ فقط، إن شاء الله. قال: وقد روَى ابنُ أبي حبيبٍ ما حدَّثنا به أبو صالح الحرَّانيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن ابنِ أبي حبيبٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يعتكفُ فيمُرُّ بالمريضِ في البيْتِ فيسلِّمُ عليه ولا يقفُ. قال: وهذا مُعضلٌ لا وجهَ له، إنَّما هو فعلُ عائشةَ، ليس ذكرُ النبيِّ ﷺ من هذا الحديثِ في شيءٍ. وهذا الوَهمُ من ابنِ لهيعةَ فيما نرَى. واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: الذي أنكروا على مالكٍ ذكرَ عمرةَ في حديثِ عائشةَ، أنَّها كانت تُرجِّلُ رسولَ الله ﷺ وهو مُعتكفٌ. هذا ما أنكروا عليه لا غيرُ في هذا الحديث؛ لأنَّ ترجيلَ عائشةَ رسولَ الله ﷺ وهو مُعتكفٌ لا يُوجدُ إلَّا في حديثِ عروةَ وحدَه، عن عائشةَ (٢). وغيرُ هذا قد جُومعَ مالكٌ عليه، من حديثِ مُرورِ عائشةَ، وغيرِه من ألفاظِ حديثِ مالكٍ وإسنادِه، وقد روَى حديث التَّرجيلِ هذا عن عروةَ تميمُ بنُ سلمةَ وهشامُ بنُ عروةَ. ذكَر أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (٣)، عن ابنِ

стр. 3142

نُميرٍ ويعلَى، عن الأعمشِ، عن تميم بنِ سلمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كنتُ أُرجِّلُ رأسَ رسولِ الله ﷺ وأنا حائضٌ وهو عاكفٌ. وقال يعلَى (١) في حديثه هذا: كنتُ أغسِلُ (٢). قال أبو بكرٍ (٣): وحدَّثنا وكيعٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُدني إليَّ رأسَه وهو مُجاورٌ وأنا في حُجرتي، فأغسِلُه وأرجِّلُه بالماءِ وأنا حائضٌ. وقد رواه الأسودُ بنُ يزيدَ عن عائشةَ مثلَ روايةِ عروةَ سواءً، إلَّا أنَّ في حديثِ الأسودِ: يُخرجُ إليَّ رأسَه. وفي حديثِ عروةَ: يُدني إليَّ رأسَه. وبعضهم يقولُ فيه: يُدخلُ إليَّ رأسَه. وفي ذلك ما يدُلُّ على جوازِ إدخالِ المعتكفِ رأسَه البيْتَ ليُغسلَ ويُرجَّلَ، وقد يحتمِلُ قولُ الأسودِ: يُخرجُ إليَّ رأسَه؛ أي: يُخرجُه من المسجدِ إليَّ في البيْتِ، فأرجِّلُه. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال:

стр. 3143

حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، جميعًا عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشة (١). وهذا لفظُ حديثِ سفيانَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُخرجُ إليَّ رأسَهُ وهو مُعتكفٌ، فأغسِلُه وأنا حائضٌ. وليس في حديث زائدةَ (٢) ذكرُ: وهو مُعتكفٌ. وفي هذه الأحاديثِ الثَّلاثةِ، حديثِ تميم بنِ سلمةَ وهشام بنِ عروةَ، عن عروةَ عن عائشةَ، وحديثِ الأسودِ، عن عائشةَ: وأنا حائضٌ. وليس ذلك في حديثِ الزُّهريِّ من وجْهٍ يثبُتُ (٣). وأمَّا معنَى قولِه عن عائشةَ: يُدني إليَّ رأسَه، فأرجِّلُه. فالتَّرجيلُ أنْ يُبلَّ الشَّعَرُ، ثم يُمشَطَ. وقد ذكَرْنا هذا المعنَى وما فيه من اختلافِ الآثارِ في غيرِ موضع من كتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 3144

وفي ترجيلِ عائشةَ شعرَ رسولِ الله ﷺ وهو مُعتكفٌ دليلٌ على أنَّ اليدين من المرأةِ ليستَا بعورةٍ، ولو كانتَا عورةً ما باشرتْه بهما في اعتكافِه، ويدُلُّكَ على ذلك أيضًا أنَّها تُنهَى في الإحرام عن لباسِ القُفَّازينِ، وتؤمرُ بسترِ ما عدَا وجهَها وكفَّيْها، وتؤمرُ بكشفِ الوجْهِ والكفَّين في الصَّلاةِ، فدلَّ على أنَّهما غيرُ عورةٍ منها، وهو عندَنا أصحُّ ما قيلَ في ذلك، وقد مضَى القولُ في معنَى العورةِ من الرِّجالِ والنِّساءِ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، والحمدُ لله (١). وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الحائضَ طاهرةٌ غيرُ نجسةٍ، إلَّا في موضع النَّجاسةِ منها، ويوضِّحُ لكَ ذلك قولُ رسولِ الله ﷺ لعائشةَ: "ناوليني الخُمرةَ". فقالت: إنِّي حائضٌ. فقال: "إنَّ حيضتَكِ ليسَتْ في يدِكِ" (٢). فدلَّ قولُه هذا على أنَّ كُلَّ موضع منها ليس فيه الحيضةُ فهو كما كان قبلَ الحيضةِ، وأنَّها مُتعبِّدةٌ في اجتنابِ ما أُمرَتْ باجتنابِه، وفي ترجيلها رسولَ الله ﷺ وخدمتِها له وهي حائضٌ يدُلُّ على ذلك. وفي هذا كُلِّه إبطالُ قولِ مَن كرِهَ سُؤرَ الحائضِ والجُنُبِ. وفي حديثِ شريح بنِ هانئ، عن عائشةَ: كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ وأناولُه رسولَ الله ﷺ ، فيضعُ فَاهُ على موضع فمِي، وآخذُ العَرْقَ (٣) فأعَضُّه، فيضعُ فمَه على موضع فمِي (٤).

стр. 3145

قال أبو عُمر: معنَى الاعتكافِ في كلام العربِ الإقامةُ على الشيء، والمواظبةُ عليه، والملازمةُ له، وهذا معنَى العكوفِ والاعتكافِ في اللِّسان. وأمَّا في الشَّريعةِ فمعنَاه الإقامةُ على الطَّاعةِ وعملِ البرِّ، على حسَبِ ما ورَد من سُننِ الاعتكافِ؛ فممَّا أجمَع عليه العلماءُ من ذلك أنَّ الاعتكافَ لا يكونُ إلَّا في مسجدٍ؛ لقولِ الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. إلَّا أنَّهم اختلفوا في المرادِ بذكرِ المساجدِ في الآيةِ المذكورةِ؛ فذهبَ قومٌ إلى أنَّ الآيةَ خرَجتْ على نوع من المساجدِ، وإنْ كان لفظُها العمومَ، فقالوا: لا اعتكافَ إلَّا في مسجدِ نبيٍّ؛ كالمسجدِ الحرام، أو مسجدِ الرَّسولِ، أو مسجدِ بيْتِ المقدسِ لا غيرُ. ورُوِي هذا القولُ عن حُذيفةَ بنِ اليمانِ، وسعيدِ بنِ المسيِّبِ (١)، ومِن حُجَّتِهم أنَّ الآيةَ نزَلتْ على النبيِّ ﷺ وهو مُعتكفٌ في مسجدِه، فكان المقصدُ والإشارةُ إلى نوع ذلك المسجدِ؛ في ما بنَاهُ نبيٌّ. وقال آخرون: لا اعتكافَ إلَّا في مسجدٍ تُجمَّعُ فيه الجمعةُ. لأنَّ الإشارةَ في الآيةِ عندَهم إلى ذلك الجنسِ من المساجدِ، رُويَ هذا القولُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِ مسعودٍ، وهو قولُ عروةَ، والحكم، وحمَّادٍ، والزُّهريِّ، وأبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليٍّ، وهو أحدُ قوليْ مالكٍ (٢). وقال آخرون: الاعتكافُ في كلِّ مسجدٍ جائزٌ. رُويَ هذا القولُ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، وأبي قلابةَ، هابرهيمَ النَّخعيِّ، وهمَّام بنِ الحارثِ، وأبي سلمَةَ بنِ

стр. 3146

عبدِ الرحمنِ، وأبي الأحوصِ، والشَّعبيِّ (١)، وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهما، والثَّوريِّ (٢) (٣). وحجَّتُهم حملُ الآيةِ على عُمومِها في كلِّ مسجدٍ، وهو أحدُ قوليْ مالكٍ (٤)، وبه يقولُ ابنُ عُليَّةَ، وداودُ، والطَّبريُّ (٥). وقال الشافعيُّ (٦): لا يُعتكفُ في غيرِ المسجدِ الجامع إلَّا من الجمعةِ إلى الجمعةِ. قال: واعتكافُه في المسجدِ الجامع أحبُّ إليَّ، ويعتكفُ المسافرُ والعبدُ والمرأةُ حيثُ شاءوا، ولا اعتكافَ إلَّا في مسجدٍ؛ لقولِ الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال أبو عُمر: في حديثنا هذا من قولِ عائشةَ: وكان لا يدخُلُ البيتَ إلَّا لحاجةٍ الإنسانِ. تعني به رسولَ الله ﷺ - دليلٌ على أنَّه لم يكنِ اعتكافُه في بيته، وأنَّه كان في مسجدِه ﷺ . وفيه دليلٌ على أنَّ المعتكفَ لا يشتغلُ بغيرِ لُزومِه المسجدَ، ومعلومٌ أنَّ لُزومَ المسجدِ إنَّما هو للصَّلواتِ وتلاوةِ القرآنِ، وأنَّ المعتكفَ إذا لم يدخُلْ بيْتَ

стр. 3147

نفسِه فأحرَى ألَّا يدخلَ بيتَ غيرِه، وفي اجتنابِ رسولِ الله ﷺ ذلك دليلٌ على أنَّه لا يجوزُ، وإذا لم يجزْ له دُخولُ البيْتِ وإنْ لم يكنْ في ذلك معصيةٌ، فكلُّ شغلٍ يشغَلُه عن اعتكافِه لا يجوزُ له؛ لأنَّه في ذلك المعنَى، وإنْ لم يكنْ فيه معصيةٌ. وفي معنَى دُخولِ البيْتِ لحاجةِ الإنسانِ كلُّ ما لا غنَى بالإنسانِ عنه؛ من منافعِه، ومصالحِه، وما لا يقضِيه عنه غيرُه. وفي معنَى ترجيلِ رسولِ الله ﷺ رأسَه كُلُّ ما كان فيه صلاحُ بدنِه من الغذاءِ وغيرِه ممَّا يحتاجُ إليه. ومن جهةِ النَّظرِ، المعتكفُ ناذرٌ، جاعلٌ على نفسِه المقامَ في المسجدِ لطاعةِ الله، فواجبٌ عليه الوفاءُ بذلك، فإنْ خرَج لضرورةٍ، ورجَع في فورِ زوالِ الضَّرورةِ، بنَى على ما مضَى من اعتكافِه ولا شيءَ عليه، ومنَ الضَّرور المرضُ البيِّنُ والحيضُ، وهذا عندِي في معنَى خُروجِه ﷺ لحاجةِ الإنسانِ؛ لأنَّها ضرورةٌ. واختلَف قولُ مالكٍ في المعتكفِ يخرُجُ لعذرٍ غيرِ ضرورةٍ، مثلَ أنْ يموتَ أبُوه او ابنُه، ولا يكون له مَن يقومُ به، او شراءِ طعام يُفطرُ عليه، أو غسلِ نجاسةٍ من ثوبِه لا يجدُ مَن يكفِيه شيئًا من ذلك، فرُويَ عنه أنه منْ فعَل هذا كلَّه، وما كان مثلَه، يبتدئُ. ورُويَ عنه أنَّه يبني، وهو الأصحُّ عندَ ابنِ خُوَيْز مَنْداد وغيرِه، قياسًا على حاجةِ الإنسانِ، والحيضِ والمرضِ اللَّذين لم يختلفْ قولُ مَالكٍ فيهما أنَّه يبني. واختلَف العلماءُ في اشتغالِ العاكفِ (١) بالأمورِ المباحةِ؛ فقال مالكٌ: لا يعرِضُ المعتكفُ لتجارةٍ ولا غيرِها، ولا بأسَ أنْ يأمُرَ بضيعته (٢) (٣) ومصلحةِ أهلِه، وبيعِ مالِه، ويصنَعَ كُلَّ ما لا يشغَلُه إذا كان خفيفًا. قال مالكٌ: ولا يكونُ

стр. 3148

مُعتكفًا حتى يجتنبَ ما يجتنبُ المعتكفُ. قال: ولا بأسَ بنكاح المعتكفِ ما لم يكنِ الوقاعُ، والمرأةُ المعتكفةُ تُنكحُ نكاحَ الخطبةِ. هذا كلُّه قولُه في "الموطَّآتِ" (١). وقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ: لا يقومُ المعتكفُ إلى رجلٍ يُعزِّيه بمصيبةٍ، ولا يشهدُ نكاحًا يُعقدُ في المسجدِ يقومُ إليه، ولكنْ لو غشِيَه ذلك في مجلسِه، لم أرَ بذلكَ بأسًا، ولا يقومُ إلى الناكح يهنِّيه (٢)، ولا يكتبُ العلمَ، ولا يشتغلُ في مجلسِ العلم. قال: ويشترِي ويبيعُ إذا كان خفيفًا، ولا يشهَدُ الجنائزَ، ولا يعودُ المرضَى (٣). وجملةُ مذهبِه أنَّ المعتكفَ لا يشتغلُ بشيءٍ من أُمورِ الدُّنيَا إلَّا اليسيرَ الذي لا يستغني عنه في مصالحِه، مثلَ الكتابِ الخفيفِ يكتُبه مما يحتاجُ إليه أو يأمُرُ مَن يخدُمُه، ومثلَ هذا من مُراعاةِ أحوالِه إذا كان يسيرًا خفيفًا. ومن مذهبِه عندَ أصحابِه أنَّ المعتكفَ إذا أتَى كبيرةً من الكبائرِ فسَد اعتكافُه (٤)؛ لأنَّ الكبيرةَ ضدُّ العبادةِ كما الحدثُ ضدُّ الطَّهارةِ والصلاةِ، وتركُ ما حرُمَ عليه أعلى منازلِ الاعتكافِ في العبادةِ. هذا كلُّه قولُ ابنِ خُوَيْز مَنْداد، عن مالكٍ. وقال الثَّوريُّ: المعتكفُ يعودُ المريضَ، ويشهدُ الجمعةَ، وما لا يحسُنُ به أنْ يُضيِّعَه، لا يدخُلُ سقفًا إلَّا أنْ يكونَ ممرُّه فيه، ولا يجلسُ عندَ أهلِه، ولا يُوصِيهم بحاجتِه إلَّا وهو قائمٌ، أو ماشٍ، ولا يبيعُ، ولا يشتري، وإنْ دخَل سقفًا بطَلَ اعتكافُه.

стр. 3149

وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: إنْ دخَل المعتكفُ بيتًا ليس في طريقِه أو في غيرِ جامع، بطَلَ اعتكافُه، ويحضُرُ الجِنازةَ، ويعودُ المرضَى (١)، ويأتي الجُمُعَةَ، ويخرُجُ للوضوءِ، ويدخُلُ بيتَ المريضِ للعيادةِ، ويُكرَهُ أنْ يبيعَ أو يشتري (٢). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٣): لا يخرُجُ المعتكفُ لجِنازةٍ، ولا لعيادةِ مريضٍ، وله أنْ يتحدَّثَ، ويبيعَ ويشتريَ في المسجدِ، ويتشاغلَ بما لا يأثمُ فيه، ويزوِّجَ، ويتزوَّجَ، ويشهدَ في النِّكاح، ويتطيَّبَ. وقال الشافعيُّ (٤): لا يعودُ المعتكفُ مريضًا، ولا يشهَدُ جِنازةً، ولا يُفارقُ موضعَ اعتكافِه بعيدًا إلَّا لحاجةِ الإنسانِ، وكلُّ ما يفعَلُه غيرُ المعتكفِ في المسجدِ فعَله المعتكفُ، ولا يقعُدُ بعدَ الفراغ من أكلِه في بيتِه. قال أبو عُمر: معاني الشافعيِّ وأبي حنيفةَ في هذا البابِ واحدةٌ، ومعاني مالكٍ مُتقاربةٌ، والحجَّةُ لمنْ ذهَب مذهبَهم أنَّ عائشةَ كانت لا تعودُ المريضَ من أهلِها وهي مُعتكفةٌ إلا مارَّةً. وقد روَى عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: السُّنّة على المعتكفِ ألا يعودَ مريضًا، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمَسَّ امرأةً، ولا يُباشرَها، ولا يخرُجَ لحاجَةٍ إلَّا لما لا بُدَّ منه، ولا اعتكافَ إلَّا بصوم، ولا اعتكافَ إلَّا في مسجدٍ جامع (٥).

стр. 3150

لم يقلْ أحدٌ في حديثِ عائشةَ هذا: السُّنَّة. إلَّا عبدَ الرحمنِ بنَ إسحاقَ، ولا يصِحُّ هذا الكلامُ كلُّه عندَهم إلَّا من قولِ الزُّهريِّ في صوم المعتكفِ، ومباشرتِه وسائرِ الحديثِ (١). والحُجَّةُ لمذهبِ الثَّوريِّ ومَن تابَعه أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: إذا اعتكفَ الرَّجلُ، فليشهدِ الجمعةَ، وليَعُدِ المريضَ، وليحضُرِ الجِنازةَ، وليأْتِ أهلَه، وليأمُرْهم بالحاجةِ وهو قائمٌ (٢). وأجازَ عليٌّ البيعَ والشَّراءَ للمعتكفِ. وذكَر الحسنُ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ (٣)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: اعتكفْتُ في مسجدِ الحيِّ، فأرسلَ إليَّ عمرُو بنُ حُريثٍ يدعوني، وهو أميرٌ على الكوفةِ،

стр. 3151

فلم آتِه، فعادَ، ثم عادَ، فأتيتُه، فقال: ما منعكَ أنْ تأتيَنا؟ قلتُ: إنِّي كنتُ مُعتكفًا. قال: وما عليك! إنَّ المعتكفَ يشهَدُ الجمعةَ، ويعودُ المرضَى، ويمشِي مع الجنازةِ، ويُجيبُ الإمامَ (١). قال أبو عُمر: أجمَع العلماءُ أنَّ المعتكفَ لا يُباشرُ ولا يُقبِّلُ، واختلفوا فيما عليه إن فعَل ذلك؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ: إنْ فعَل شيئًا من ذلك فسَد اعتكافُه. قال المزنيُّ (٢): وقال في موضع آخرَ من مسائلِ الاعتكافِ: لا يُفسدُ الاعتكافَ من الوطءِ إلَّا ما يُوجبُ الحدَّ. واختارَه المزنيُّ قياسًا على أصلِه في الصَّوم والحجِّ. وقال أبو حنيفةَ: إنْ فعَلَ فأنزَلَ بطَل اعتكافُه (٣). وأجمعوا أنَّ المعتكفَ لا يدخُلُ بيتًا، ولا يستظلُّ بسقفٍ، إلَّا في المسجدِ الذي يعتكفُ فيه، أو يدخُلُ لحاجةِ الإنسانِ، أو ما كان مثلَ ترجيلِه ﷺ (٤). ومسائلُ الاعتكافِ ونَوازلها (٥) يطولُ ذكرُها، ويقصُرُ الكتابُ عن تقصِّي أقاويلِ العلماءِ فيها، والاعتلالِ لها. وقد ذكَرْنا من ذلك ما في معنَى حديثِنا، وذكَرْنا الأصولَ التي عليها مدارُ الاعتكافِ، وسنذكرُ حُكمَ الاعتكافِ بصوم وبغيرِ صوم، واختلافَ العلماءِ في ذلك، عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ شهابٍ عن عمرةَ من هذا الكتابِ، على ما رواه يحيى عن مالك في ذلك (٦)، إن شاء اللهُ، وبالله التوفيق.

стр. 3152

حديثٌ خامسَ عشَرَ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، أنَّ أُمَّ سُلَيْم قالت لرسولِ الله ﷺ : المرأةُ ترَى في المَنام مثلَ ما يرَى الرجلُ، أتَغتَسِلُ؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ (٢): "نعم، فلْتَغْتَسِلْ". فقالت لها عائشةُ: أُفٍّ لكِ، وهل ترَى ذلك المرأةُ؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ : "تَرِبَتْ يَمِينُكِ، ومِن أين يكُونُ الشَّبَهُ؟ ". هكذا هذا الحديثُ في "الموطَّأ": عن عُروةَ، أنَّ أُمَّ سليم (٣). وقال فيه ابنُ أبي أُوْيْسٍ: عن مالكٍ، عن أبي شِهابٍ، عن عُروةَ، عن أُمِّ سُلَيْم. وكلُّ مَن روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ لم يَذْكُرْ فيه عن عائِشَةَ فيما عَلِمْتُه، إلَّا ابنَ أبي الوزيرِ وعبدَ الله بنَ نافع أيضًا، فإنَّهما رَوَياه عن مالكٍ، عن عُروةَ، عن عائِشَةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيْدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا المُقَدَّميُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الوزيرِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أُمَّ سُليم قالت: يا رسولَ الله، المرأةُ ترَى في المنام مثلَ (٤) ما يرَى الرجلُ. وذكَر الحديثَ (٥).

стр. 3153

وأخبرنا خَلَفُ بنُ القاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: قرَأْتُ على عبدِ الله بنِ نافع، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ، أنَّ أُمَّ سُلَيْم قالت لرسولِ الله ﷺ : المرأةُ ترَى في المَنام ما يرَى الرجلُ، أَتَغْتَسِلُ؟ فقال لها: "نعم، فلْتَغتسِلْ". وذكَر الحديثَ (١). وقال الدَّارَقُطنيُّ (٢): تابَع ابنَ أبي الوَزير على إسنادِ هذا الحديثِ عن مالكٍ، حُبابُ بنُ جَبلَةَ، وعبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزِيزِ الماجِشُونُ، ومَعْنُ بنُ عيسى (٣)، فيما ذكَره ابنُ رشْدِينَ في "غَرائِبِ حديثِ مالكٍ"، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يعقوبَ بنِ أبي عبَّادٍ، عن مَعْنٍ. ولم يَذْكُرِ الدَّارَقُطنيُّ ابنَ نافع (٤). وروايةُ عبدِ الأعْلى السَّاميِّ هذا الحديثِ عن مَعمَرٍ كروايَةِ يحيى، وجُمْهُورُ رُواةِ "الموطَّأ" عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، لم يَذكُروا عائشةَ. ورواه عبدُ الرزاقِ (٥)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عائشةَ. ولم يذْكُر عروةَ.

стр. 3154

ورواه يونسُ (١)، وعُقَيْل (٢)، وصالحُ بنُ أبي الأخضر (٣)، والزُّبَيْدِيُّ (٤)، وابنُ أخي الزهريِّ (٥)، كلُّهم عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، عن عائِشَةَ. والحديثُ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ صحيحٌ لابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. قال أبو داودَ (٦): وقد تابَع ابنَ شِهابٍ على قوله: عن عُروةَ، عن عائشةَ - مُسافِعٌ الحجَبِيُّ، فرَواه أيضًا عن عُروةَ، عن عائشةَ (٧). قال أبو عُمر: كذلك رواه مُسافِعٌ الحجَبِيُّ: عن عُروةَ، عن عائشةَ. إلَّا أنَّه خالَف في لَفْظِه، وقال فيه: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ أشْبَه الولدُ أخْوالَه، وإذا علا ماءُ الرجلِ أشْبَهَه ولَدُه". وهذا اللَّفظُ في حديثِ ثَوْبانَ، عن النبيِّ ﷺ في: "علا ماءُ الرَّجُلِ". و"علا ماءُ المرأةِ". إلَّا أنَّ المعنَى المذكورَ فيما يُوجِبُ الشَّبَهَ مُخالِفٌ لما في هذه الأحادِيثِ.

стр. 3155

وحديثُ ثَوْبانَ رَواه مُعاويةُ بنُ سَلَّام، عن أخيه زيدِ بنِ سَلَّام، أنَّه سمِع أبا سَلَّام الحَبَشِيَّ يقولُ: حدَّثني أبو أسماءَ الرَّحَبِيُّ، أنَّ ثَوبانَ مولى النبيِّ ﷺ حدَّثَه، أنَّ حَبْرًا من أحْبارِ اليهُود قال لرسولِ الله ﷺ : أسألُكَ عن الوَلَدِ. فقال رسولُ الله ﷺ : "ماءُ الرجلِ أبْيَضُ، وماءُ المرأةِ أصفَرُ، فإذا اجتَمعا فعلا مَنِيُّ الرجلِ مَنِيَّ المرأةِ أذْكَرا بإذْنِ الله، وإذا علا مَنِيُّ المرأةِ مَنِيَّ الرجلِ آنثا بإذنِ الله". فقال اليَهُودِيُّ: صدَقْتَ. ثم انْصَرَفَ فذهَب. وذكَر تَمامَ الحديث (١). وقد رُوِيَ في حديثِ أُمِّ سلَمةَ مُراعاةُ سَبْقِ المَنِيِّ لا مُراعاةُ عُلُوِّه، في معنَى الشَّبَهِ لا الإذكارِ ولا الإيناثِ. ذكر ابنُ وَهْبٍ، قال: أخْبَرَني ابنُ أبي ذِئْب، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المُقْبُريِّ، عن عبدِ الله بنِ رافِع مولى أمِّ سلَمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ أُمَّ سُلَيْم امرأةَ أبي طلحةَ قالت: يا رسولَ الله، هل على المرأةِ ترى زَوْجَها في المَنام يقَعُ عليها غُسْلٌ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "نعم إذا رأت بَلَلًا". فقالت أُمُّ سلَمةَ: يا رسولَ الله، وتَفْعَلُ ذلك المرأةُ؟ فقال: "تَرِبَ جَبِينُكِ، وأنَّى يكونُ شَبَهُ الخُئُولةِ إلَّا من ذلك؟ أيُّ النُّطفتَين سبَق إلى الرَّحِمِ غلَب على الشَّبَهِ" (٢). وكذلك رَواه أبو معاويةَ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبِيه، عن زينبَ بنتِ أُمِّ سلَمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ. فذكَر فيه سَبْقَ النُّطفةِ، إلَّا أنَّه قال فيه: قالت أُمِّ سَلَمَةَ،

стр. 3156

وغَطَّتْ وجْهَها: أوَ تَحتَلِمُ المرأةُ؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ : "تَرِبَتْ يَداكِ، فبِمَ يُشْبِهُها ولَدُها؟ " (١). قال أبو عُمر: الإسنادُ في ذِكْرِ سَبْقِ النُّطْفَةِ أثْبَتُ، واللهُ أعلمُ بما قال رسولُ الله ﷺ . قال أبو عُمر: وأمَّا هشامُ بنُ عُروةَ، فرَواه عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سلَمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ أُمَّ سُلَيْم سألَتْ رسولَ الله ﷺ . بمَعْناه من حديثِ مالكٍ وغيرِه، عن هشام (٢). قالَ محمدُ بنُ يحيى: وهما حدِيثان عندَنا. قال أبو عُمر: أكْثَرُ رُواةِ هذا الحديثِ عن ابنِ شِهابٍ يقولون فيه: "نعم، إذا وجَدتِ الماءَ". وكذلك في حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ وأنسٍ في قصَّةِ أُمِّ سُلَيْم هذه. وكذلك رَوَته خَوْلَةُ بنتُ حَكيم عن النبيِّ ﷺ (٣).

стр. 3157

وفي إجماع العلماءِ على أنَّ المُحْتَلِمَ، رجُلًا كان أو امرأةً، إذا لم يُنْزِلْ ولم يَجِدْ بَلَلًا ولا أثرًا للإنزالِ، أنَّه لا غُسْلَ عليه (١) وإن رأى الوَطْء والجِماعَ الصحيحَ في نَوْمِه، وأنَّه إذا أنْزَلَ فعليه الغُسْلُ، امرأةً كان أو رجُلًا، وأنَّ الغُسْلَ لا يجبُ في الاحتلام إلَّا بالإنْزالِ ما يُغْني عن كلِّ تَأْوِيلٍ وتَفْسِيرٍ. وبالله التوفيق. وقد رُوِيَ من أخبارِ الآحادِ ما يُوافِقُ الإجماعَ ويَرْفَعُ الإشْكالَ. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا قُتيْبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ خالدٍ الخيَّاطُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله العُمَرِيُّ، عن عُبَيْدِ الله، عن القاسم، عن عائشةَ، قالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الرجل يجِدُ البَلَلَ ولا يَذْكُرُ احْتِلامًا، قال: "يَغْتَسِلُ". وعن الرجلِ يرَى أنه قد احْتَلَمَ ولا يَجِدُ البَلَلَ، قال: "لا غُسْلَ عليه". فقالت أُمُّ سُلَيْم: المرأةُ ترَى ذلك، أعلَيها الغُسْلُ؟ قال: "نعم، إنَّما النساءُ شَقائِقُ الرِّجالِ".

стр. 3158

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٢): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ أُمَّ سُلَيْم سألت رسولَ الله ﷺ عن المرأةِ ترَى في مَنامِها ما يرى الرجلُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إذا رأت ذلك فأنْزَلت فعليها الغُسْلُ". فقالت أُمُّ سَلَمَةَ: كيفَ هذا يا رسولَ الله؟ قال: "نعم، ماءُ الرجلِ غَلِيظٌ أبيضُ، وماءُ المرأةِ رَقيقٌ أصْفَرُ، فأيُّهُما سبَق وعلا أشْبَهَ الوَلَدَ". وفي هذا الحديثِ بَيانُ ما كان عليه نِساءُ ذلك الزَّمانِ من الاهتبالِ (٣) بأمْرِ دينِهنَّ، والسُّؤالِ عنه، وهذا يَلْزَمُ كلَّ مؤمنٍ ومومنةٍ إذا جهِل شيئًا من دينِه أن يَسألَ عنه. قال رسولُ الله ﷺ : "شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ" (٤).

стр. 3159

وقالت عائشةُ رَحِمَ اللهُ نِساءَ الأنْصارِ، لم يَمنَعْهنَّ الحياءُ أن يَسألْن عن أمْرِ دينِهنَّ (١). وأمُّ سُلَيْم من فاضِلاتِ نِساءِ الأنْصارِ، وقد ذكَرْناها في كتابِنا في "الصحابةِ" (٢)، فأغْنَى عن ذِكْرِها هاهنا. وكلُّ امرأةٍ فعليها فرْضًا أن تَسْألَ عن حكم حَيضَتِها وغُسْلِها ووُضُوئِها وما لا غِناءَ بها عنه من أمْرِ دينِها، وهي والرجلُ فيما يَلْزَمُها من فرائِضهما سَواءٌ. وفيه أيضًا دليلٌ على أن ليس كلُّ النساءِ يَحْتلِمْنَ؛ ولهذا ما أنكَرت عائشةُ وأمُّ سَلَمَةَ سُؤال أُمِّ سُلَيْم، وقد يوجَدُ عدَمُ الاحتلام في بعضِ الرِّجالِ، إلَّا أنَّ ذلك في النساءِ أوجَدُ وأكثرُ منه في الرِّجال. وقد قيل: إنَّ إنكارَ عائشةَ لذلك إنَّما كان لصِغَرِ سنِّها وكونِها مع النَّبيّ ﷺ (٣)، فلذلك لم تَعْرِفْ الاحتلامَ؛ لأنَّ الاحتلامَ لا تَعْرِفُه النِّساءُ ولا أكثرُ الرِّجالِ إلَّا عندَ عَدَم الجِماع بعدَ المَعْرِفَةِ به، فإذا فقَد النساءُ أزْواجَهنَّ رُبَّما احْتَلَمْنَ. والوَجْهُ الأوَّلُ عندي أصحُّ؛ لأنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قد فقَدَتْ زَوْجَها وكانت كبيرةً عالمةً بذلك، فأنْكَرت منه ما أنكَرت عائشةُ، على ما مَضَى في حديثِ قتادةَ، عن أنسٍ، في هذا البابِ (٤)، وإذا كان في الرِّجالِ من لا يَحْتَلِمُ فالنِّساءُ أحْرَى بذلك. واللهُ أعلم. وفيه جوازُ الإنكارِ والدُّعاءِ بالسُّوءِ على المُعْتَرِضِ فيما لا عِلْمَ له به.

стр. 3160

وفيه: أنَّ الشَّبَهَ في بَني آدَمَ إنَّما يكونُ من غَلَبةِ الماءِ وسَبْقِه ونُزولِه، واللهُ أعلمُ. ومِن هاهنا قالوا: إذا غلَب ماءُ المرأةِ أشْبَهَ الغلامُ أخْوالَه وأُمَّه، وإنْ غلَب ماءُ الرَّجُلِ أشْبَهَ الوَلَدُ أباه وأعمامَه وأجدادَه. وأمَّا قولُه في الحديثِ: "أُفٍّ لَكِ". فقال أبو عُبَيْدَةَ (١): تُجرُّ وتُرفعُ وتُنصبُ بغيرِ تَنْوِينٍ، وهو ما غَلُظَ من الكلام وقَبُحَ. وقال غيرُه: يجوزُ صَرفُها وتَركُ صَرْفِها، ومَعْناها أن تقالَ جَوابًا لما يُستَثقَلُ من الكلام ويُضْجَرُ منه. قال: والأُفُّ والتُّفُّ بمعنًى واحد (٢). وقال غيرُه: الأُفُّ وسَخُ الأُذُنين، والتُّفُّ وسَخُ الأظفارِ (٣). وأمَّا قولُه: "تَرِبَتْ يَمِينُكِ". ففيه قَوْلانِ؛ أحدُهما، أن يكونَ أراد: اسْتَغْنَتْ يَمِينُكِ. كأنَّه يُعرِّضُ لها بالجَهْلِ بِمَ أنْكَرَتْ، وأنَّها كانت تَحتاجُ أن تَسألَ عن ذلك، وكأنَّه خاطَبَها بالضِّدِّ تَنْبِيهًا، كما تقولُ لمن كفَّ عن السُّؤالِ عمَّا لا يَعْلَمُ: أمَّا أنتَ فاسْتَغنَيتَ عن أن تَسألَ؛ أي: لو أنصَفتَ نفسَكَ ونصَحتَها لسألتَ. وقال غيرُه: هو كما يقالُ للشاعِرِ إذا أجادَ: قاتَلَه اللهُ وأخْزاه، لقد أجادَ. ومنه قولُه: "وْيلُ أمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ" (٤). فقال: "ويلُ أمِّه". وهو يريدُ مَدْحَه، وهذا

стр. 3161

كلُّه عندَ من قال هذا القولَ فِرارًا من الدعاءِ على عائشةَ، وأنَّ ذلك عندَه غيرُ مُمكنٍ من النبيِّ ﷺ لها. وأنكر أكثرُ أهلِ العلم باللغةِ والمعاني أن تكونَ هذه اللَّفظةُ بمعنَى الاستغناءِ، وقالوا: لو كان بمَعْنَى الاستغناءِ لكان: أُتْرِبَت يَمِينُكِ؛ لأنَّ الفعلَ منه رُباعِيٌّ، تقولُ: أتْرَبَ الرَّجُلُ: إذا استَغنَى، وتَربَ: إذا افْتَقَرَ. وقالوا: معنَى هذا: افْتَقَرَتْ يَمِينُكِ من العِلم بما سألتْ عنه أُمُّ سُلَيْم. ونحوُ هذا. قال أبو عُمر: أمَّا: "تَرِبَتْ يَمِينُكِ". فمن دُعاءِ العرَبِ بعضِهم على بعض مَعْلُومٌ؛ مثلَ: قاتَلَه اللهُ، وهَوَتْ أُمُّه، وثكِلَتْكَ أُمُّكَ، وعَقْرَى حَلْقَى (١)، ونحوَ ذلك. وأمَّا الشَّبَهُ ففيه لُغتانِ؛ إحداهُما، كسْرُ الشِّينِ وتَسكينُ الباءِ، والثانيةُ فتحُ الشِّينِ والباءِ جميعًا، مثلَ المِثْلِ والمَثَلِ، والقِتْبِ والقَتَبِ. [آخر المجلد الخامس من هذه الطبعة المحققة، نسأل الله في علاه تيسير إتمامه].

стр. 3162

ابنُ شهابٍ (١) عن محمَّدِ بنِ عبدِ الله الهاشميِّ (٢) حديثٌ واحدٌ وهو محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلِ بنِ الحارثِ بنِ عبد المطَّلبِ بنِ هاشم، معروفُ النَّسبِ. وأمَّا الروايةُ فلا أعرفُه إلا برواية ابنِ شهابٍ عنه، وأبوه عبدُ الله يلقَّب "بَبَّه" مشهورٌ. نزل البصْرةَ وتراضى به أهلُها في الفتنة عند موتِ يزيدَ بنِ معاويةَ فوليَ أمرَهم، وكانت فيه غَفْلةٌ، وأخوه عبدُ الله بنُ عبد الله بنِ الحارث معروفُ النَّسَبِ (٣) عند أهلِ العلم، وأهلِ النَّسبِ، روى عنه ابن شهاب أيضًا، وروى ابنُ شهابٍ، عن عبد الحميدِ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطّابِ عنه حديثَ الطاعُونِ، من رواية مالكٍ وغيره (٤)، عن ابن شهاب. وقال الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ: سمعتُ أحمدَ بنَ صالح قال: روى الزُّهريُّ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارث، وعن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارث، وعن محمَدِ بنِ عبد الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، وهؤلاءِ كلُّهم إخوةٌ (٥). ولم يسمع من أبيهم عبدِ الله بنِ الحارث شيئًا.

стр. 3163

وقال محمد بن يحيى الذُّهليُّ: لعبد الله بنِ الحارث بنِ نوفلٍ ثلاثةُ بنينَ: عبدُ الله، وعبيدُ الله، ومحمّدٌ، بنو عبدِ الله بنِ الحارث بن نوفلٍ، وأمّا سعدُ بنُ أبي وقاص والضَّحاكُ بنُ قيسٍ فموضعُ ذِكْرِهما كتابُ الصحابة (١). مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نوفلِ بنِ الحارِثِ بنِ عبدِ المطَّلبِ أنَّه حدَّثه، أنَّه سَمِع سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ والضَّحَّاكَ بنَ قيسٍ عامَ حَجَّ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ وهما يَذْكُرانِ التَّمَتُّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فقال الضَّحَّاكُ: لا يَصْنَعُ ذلك إلَّا مَن جَهِل أمْرَ الله. فقال سعدٌ: بِئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أخي. فقال الضَّحَّاكُ: فإنَّ عمرَ قد نَهَى عن ذلك. فقال سعدٌ: قد صَنَعها رسولُ الله ﷺ وصَنَعْناها معه. لم تَختَلِف الرواةُ عن مالِكٍ في إسْنادِ هذا الحديثِ ومَتْنِه بمعنًى واحِدٍ، فيما عَلِمْتُ (٣)، وكذلك رَواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، بإسْنادِ مالكٍ ومَعْناه، ولم يُقِمْه ابنُ عيينةَ (٤).

стр. 3164

وروَى هذا الحديثَ الليثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، بهذا الإسْنادِ، مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه لم يذْكُر فيه نَهيَ عمرَ عن التَّمَتُّع. وقد ذكرنا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، اختِلافَ الآثارِ فيما كان رسولُ الله ﷺ به في خاصَّتِه مُحْرِمًا في حَجَّتِه، وذكَرْنا مذاهِبَ العلماءِ في الأفضلِ مِن ذلك، ولا خِلافَ عَلِمْتُه بينَ علماءِ المسلمين في جوازِ التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجِّ. وفي هذا الحديثِ ذِكْرُ التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجِّ، وذلك عندَ العلماءِ على أربعةِ أوجهٍ؛ منها ما اجْتُمِع على أنَّه تَمَتُّعٌ، ومنها ما اخْتُلِف فيه. فأمَّا الوجهُ المجْتَمَعُ على أنَّه التَّمَتُّعُ المرادُ بقولِ الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فهو الرجلُ يُحْرِمُ بعُمْرَةٍ في أشْهُرِ الحَجِّ؛ وهي شَوَالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذي الحِجَّةِ. وقد قيل: ذو الحِجَّةِ كلُّه. فإذا أحْرَمَ أحدٌ (١) بعمرؤ في أشهرِ الحَجِّ، وكان مَسْكَنُه مِن وراءِ الميقاتِ مِن أهلِ الآفاقِ، ولم يكنْ مِن حاضِري المسجدِ الحرام. وحاضرُو المسجدِ الحرام عندَ مالِكٍ وأصْحابِه هم أهلُ مكَّة وما اتَّصَل بها خاصَّةً (٢). وعندَ الشافعيِّ وأصحابِه هم مَن لا يَلْزَمُه تَقْصِيرُ الصلاةِ مِن مَوْضِعِه إلى مكةَ، وذلك أقْرَبُ المواقِيتِ (٣).

стр. 3165

وعندَ أبي حنيفةَ وأصْحابِه هم أهلُ المواقيتِ ومَن وراءَها مِن كلِّ ناحيَةٍ، فمَن كان مِن أهل تلك المواقيتِ، أو مِن أهلِ ما وراءها، فهم مِن حاضري المسجدِ الحرام (١). وعندَ غيرِ هؤلاء هم أهلُ الحرم. وعلى هذه الأقاوِيلِ الأربعةِ مذاهِبُ السلفِ في تَأويلِ قولِ الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فمن كان أهلُه من (٢) حاضري المسجدِ الحرامِ فليس له التَّمَتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ، ولا يكونُ مُتَمَتِّعًا أبدًا. أعْني التَّمَتُّعَ الموجِبَ للهَدْي، ما كان هو وأهلُه كذلك، ومَن لم يكنْ أهْلُه حاضرِي المسجدِ الحرام، فخرَج مِن مَوْضعِه مُحْرمًا بعمرةٍ في أشهرِ الحجِّ، أو أحْرَم بها مِن مِيقاتِه، وقَدِم مكةَ مُحْرِمًا بالعُمْرَة، فطاف لها، وسَعَى، وحَلَّ بها في أشهرِ الحجِّ، ثم أقام حَالًّا (٣) بمكةَ إلى أن أنْشَأ الحجَّ منها في عامِه ذلك قبلَ رُجوعِه إلى بَلَدِه، وقبلَ خُروجِه إلى مِيقاتِ أهلِ ناحِيَتِه، فهو مُتَمَتِّعٌ بالعمرةِ إلى الحجِّ، وعليه ما أوْجبه اللهُ على مَن تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحجِّ؛ وذلك ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْي، يَذْبَحُه لله، ويُعْطِيه المساكينَ بمنًى أو بمكةَ، فإن لم يَجِدِ الهَدْيَ صام ثلاثةَ أيام في الحجِّ وسبعةً إذا رَجَع إلى بلَدِه، والثلاثةُ الأيام في الحجِّ آخِرُها يومُ عرفةَ، فإن صامَها مِن حِينِ يُحرِمُ بحَجِّه إلى يومِ النَّحْرِ فقد أدَّى ما عليه مِن صيام أيَّام الحَجِّ، وإن فاتَه ذلك فليس له صِيامُ يوم النحرِ بإجْماع مِن علماءِ المسلمين، نَقْلًا عن النبيِّ ﷺ .

стр. 3166

واخْتُلِف في صِيامِه أيامَ التَّشْرِيقِ؛ إذ هي مِن أيام الحجِّ، فرَخَّص له خاصةً في ذلك قومٌ، وأبَى مِن ذلك آخرون، وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ. فهذا إجْماعٌ مِن أهلِ العِلْم قديمًا وحديثًا في المتعةِ والتَّمَتُّع المرادِ بقولِ الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. والمعنى - واللهُ أعلمُ - أنَّه تَمَتَّعَ بحِلِّه كلِّه، فحلَّ له النِّساءُ وغيرُ ذلك مما يَحرُمُ على المحرم، وسقَط عنه السَّفَرُ لحجِّه مِن بلدِه، وسقَط عنه الإحرامُ مِن مِيقاتِه في الحجِّ، وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما ذلك لسُقُوطِ السَّفَرِ خاصَّةً لا لتَمَتُّعِه بالحِلِّ، لأنَّ القارِنَ لم يَتَمَتَّعْ بحِلٍّ، وعليه دَمٌ. والوَجْهُ العامُّ ما ذكَرْتُ لك مِن تَمَتُّعِه بحِلِّه، وسُقُوطِ سَفَرِه، وسُقُوطِ الإحْرامِ مِن مِيقَاتِه، فلذلك كلِّه وجَبَ الدَّمُ عليه، إذْ حصلَ حاجًّا ولم يُحْرِمْ بحَجِّه ذلك مِن مِيقاتِ أهْلِ ناحيتِه، ولا شَخَص لذلك الحجِّ (١) مِن مَوْضِعهِ بعدَ أنْ حَصَل مُحْرِمًا في أشْهُرِ الحَجِّ وزمانِه وحَجَّ مِن عامِه. فهذه العِلَّةُ الموجِبةُ عليه الدَّمَ. واللهُ علم. فإن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحجِّ، ثم رجَع إلى بَلَدِه ومَنْزِلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، فليس بمُتَمَتِّع، ولا هَدْيَ عليه ولا صِيامَ عندَ جماعةِ العلماءِ أيضًا، إلَّا الحسنَ البصريِّ، فإنَّه قال: عليه هَدْيٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ. قال: لأنَّه كان يقالُ: عمرةٌ في أشهرِ الحجِّ مُتْعَةٌ. وروَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ (٢)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، قال: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَعْتَمِرونَ في أشهرِ الحَجِّ ثم يَرْجِعون ولا يُهْدُون.

стр. 3167

فقيل لسعيدِ بنِ المسَيِّبِ: فإن حَجَّ مِن عامِه؟ قال: عليه الهَدْيُ. قال قتادةُ: وقال الحسنُ: عليه الهَدْيُ حَجَّ أو لم يَحُجَّ. وهُشَيْم، عن يُونُسَ، عن الحسنِ أنَّه قال: عليه الهَدْيُ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ (١). وقد رُويَ عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: ليس عليه هَدْي. والصحيحُ عن الحسنِ ما ذكَرْنا. أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن أشْعَثَ النَّجَّارِ، عن الحسنِ، قال: إن اعْتَمَر في أشهرِ الحجِّ، ثم رجَعَ إلى أهْلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، فعليه هَدْيٌ؛ لأنَّه كان يقالُ: عُمْرَةٌ في أشهرِ الحجِّ مُتْعَةٌ (٢). وقد رُوِيَ عن الحسنِ أيضًا في هذا البابِ قولٌ لم يُتَابَعْ عليه أيضًا، ولا ذهَب إليه أحَدٌ مِن أهلِ العلم، وذلك أنَّه قال: مَن اعْتَمَر بعدَ يوم النَّحْرِ فهي مُتْعَةٌ. والذي عليه جماعَةُ الفقهاءِ وعامَّةُ العلماء ما ذكَرْتُ لك قبلَ هذا. روَى هُشَيْمٌ وغيرُه، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، قال: مَن اعْتَمَر في أشهرِ الحجِّ، ثم أقام حتى يَحُجَّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، وعليه الهَدْيُ، فإن رجَع إلى مِصْرِه، ثم حَجَّ مِن عامِه، فلا شيءَ عليه (٣). وعلى هذا الناس.
следующие страницы →