← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3163–3202 · переход к 3168.

стр. 3163

وقال محمد بن يحيى الذُّهليُّ: لعبد الله بنِ الحارث بنِ نوفلٍ ثلاثةُ بنينَ: عبدُ الله، وعبيدُ الله، ومحمّدٌ، بنو عبدِ الله بنِ الحارث بن نوفلٍ، وأمّا سعدُ بنُ أبي وقاص والضَّحاكُ بنُ قيسٍ فموضعُ ذِكْرِهما كتابُ الصحابة (١). مالكٌ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نوفلِ بنِ الحارِثِ بنِ عبدِ المطَّلبِ أنَّه حدَّثه، أنَّه سَمِع سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ والضَّحَّاكَ بنَ قيسٍ عامَ حَجَّ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ وهما يَذْكُرانِ التَّمَتُّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فقال الضَّحَّاكُ: لا يَصْنَعُ ذلك إلَّا مَن جَهِل أمْرَ الله. فقال سعدٌ: بِئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أخي. فقال الضَّحَّاكُ: فإنَّ عمرَ قد نَهَى عن ذلك. فقال سعدٌ: قد صَنَعها رسولُ الله ﷺ وصَنَعْناها معه. لم تَختَلِف الرواةُ عن مالِكٍ في إسْنادِ هذا الحديثِ ومَتْنِه بمعنًى واحِدٍ، فيما عَلِمْتُ (٣)، وكذلك رَواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، بإسْنادِ مالكٍ ومَعْناه، ولم يُقِمْه ابنُ عيينةَ (٤).

стр. 3164

وروَى هذا الحديثَ الليثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، بهذا الإسْنادِ، مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه لم يذْكُر فيه نَهيَ عمرَ عن التَّمَتُّع. وقد ذكرنا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، اختِلافَ الآثارِ فيما كان رسولُ الله ﷺ به في خاصَّتِه مُحْرِمًا في حَجَّتِه، وذكَرْنا مذاهِبَ العلماءِ في الأفضلِ مِن ذلك، ولا خِلافَ عَلِمْتُه بينَ علماءِ المسلمين في جوازِ التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجِّ. وفي هذا الحديثِ ذِكْرُ التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجِّ، وذلك عندَ العلماءِ على أربعةِ أوجهٍ؛ منها ما اجْتُمِع على أنَّه تَمَتُّعٌ، ومنها ما اخْتُلِف فيه. فأمَّا الوجهُ المجْتَمَعُ على أنَّه التَّمَتُّعُ المرادُ بقولِ الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فهو الرجلُ يُحْرِمُ بعُمْرَةٍ في أشْهُرِ الحَجِّ؛ وهي شَوَالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذي الحِجَّةِ. وقد قيل: ذو الحِجَّةِ كلُّه. فإذا أحْرَمَ أحدٌ (١) بعمرؤ في أشهرِ الحَجِّ، وكان مَسْكَنُه مِن وراءِ الميقاتِ مِن أهلِ الآفاقِ، ولم يكنْ مِن حاضِري المسجدِ الحرام. وحاضرُو المسجدِ الحرام عندَ مالِكٍ وأصْحابِه هم أهلُ مكَّة وما اتَّصَل بها خاصَّةً (٢). وعندَ الشافعيِّ وأصحابِه هم مَن لا يَلْزَمُه تَقْصِيرُ الصلاةِ مِن مَوْضِعِه إلى مكةَ، وذلك أقْرَبُ المواقِيتِ (٣).

стр. 3165

وعندَ أبي حنيفةَ وأصْحابِه هم أهلُ المواقيتِ ومَن وراءَها مِن كلِّ ناحيَةٍ، فمَن كان مِن أهل تلك المواقيتِ، أو مِن أهلِ ما وراءها، فهم مِن حاضري المسجدِ الحرام (١). وعندَ غيرِ هؤلاء هم أهلُ الحرم. وعلى هذه الأقاوِيلِ الأربعةِ مذاهِبُ السلفِ في تَأويلِ قولِ الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فمن كان أهلُه من (٢) حاضري المسجدِ الحرامِ فليس له التَّمَتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ، ولا يكونُ مُتَمَتِّعًا أبدًا. أعْني التَّمَتُّعَ الموجِبَ للهَدْي، ما كان هو وأهلُه كذلك، ومَن لم يكنْ أهْلُه حاضرِي المسجدِ الحرام، فخرَج مِن مَوْضعِه مُحْرمًا بعمرةٍ في أشهرِ الحجِّ، أو أحْرَم بها مِن مِيقاتِه، وقَدِم مكةَ مُحْرِمًا بالعُمْرَة، فطاف لها، وسَعَى، وحَلَّ بها في أشهرِ الحجِّ، ثم أقام حَالًّا (٣) بمكةَ إلى أن أنْشَأ الحجَّ منها في عامِه ذلك قبلَ رُجوعِه إلى بَلَدِه، وقبلَ خُروجِه إلى مِيقاتِ أهلِ ناحِيَتِه، فهو مُتَمَتِّعٌ بالعمرةِ إلى الحجِّ، وعليه ما أوْجبه اللهُ على مَن تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحجِّ؛ وذلك ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْي، يَذْبَحُه لله، ويُعْطِيه المساكينَ بمنًى أو بمكةَ، فإن لم يَجِدِ الهَدْيَ صام ثلاثةَ أيام في الحجِّ وسبعةً إذا رَجَع إلى بلَدِه، والثلاثةُ الأيام في الحجِّ آخِرُها يومُ عرفةَ، فإن صامَها مِن حِينِ يُحرِمُ بحَجِّه إلى يومِ النَّحْرِ فقد أدَّى ما عليه مِن صيام أيَّام الحَجِّ، وإن فاتَه ذلك فليس له صِيامُ يوم النحرِ بإجْماع مِن علماءِ المسلمين، نَقْلًا عن النبيِّ ﷺ .

стр. 3166

واخْتُلِف في صِيامِه أيامَ التَّشْرِيقِ؛ إذ هي مِن أيام الحجِّ، فرَخَّص له خاصةً في ذلك قومٌ، وأبَى مِن ذلك آخرون، وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ. فهذا إجْماعٌ مِن أهلِ العِلْم قديمًا وحديثًا في المتعةِ والتَّمَتُّع المرادِ بقولِ الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. والمعنى - واللهُ أعلمُ - أنَّه تَمَتَّعَ بحِلِّه كلِّه، فحلَّ له النِّساءُ وغيرُ ذلك مما يَحرُمُ على المحرم، وسقَط عنه السَّفَرُ لحجِّه مِن بلدِه، وسقَط عنه الإحرامُ مِن مِيقاتِه في الحجِّ، وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما ذلك لسُقُوطِ السَّفَرِ خاصَّةً لا لتَمَتُّعِه بالحِلِّ، لأنَّ القارِنَ لم يَتَمَتَّعْ بحِلٍّ، وعليه دَمٌ. والوَجْهُ العامُّ ما ذكَرْتُ لك مِن تَمَتُّعِه بحِلِّه، وسُقُوطِ سَفَرِه، وسُقُوطِ الإحْرامِ مِن مِيقَاتِه، فلذلك كلِّه وجَبَ الدَّمُ عليه، إذْ حصلَ حاجًّا ولم يُحْرِمْ بحَجِّه ذلك مِن مِيقاتِ أهْلِ ناحيتِه، ولا شَخَص لذلك الحجِّ (١) مِن مَوْضِعهِ بعدَ أنْ حَصَل مُحْرِمًا في أشْهُرِ الحَجِّ وزمانِه وحَجَّ مِن عامِه. فهذه العِلَّةُ الموجِبةُ عليه الدَّمَ. واللهُ علم. فإن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحجِّ، ثم رجَع إلى بَلَدِه ومَنْزِلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، فليس بمُتَمَتِّع، ولا هَدْيَ عليه ولا صِيامَ عندَ جماعةِ العلماءِ أيضًا، إلَّا الحسنَ البصريِّ، فإنَّه قال: عليه هَدْيٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ. قال: لأنَّه كان يقالُ: عمرةٌ في أشهرِ الحجِّ مُتْعَةٌ. وروَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ (٢)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، قال: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَعْتَمِرونَ في أشهرِ الحَجِّ ثم يَرْجِعون ولا يُهْدُون.

стр. 3167

فقيل لسعيدِ بنِ المسَيِّبِ: فإن حَجَّ مِن عامِه؟ قال: عليه الهَدْيُ. قال قتادةُ: وقال الحسنُ: عليه الهَدْيُ حَجَّ أو لم يَحُجَّ. وهُشَيْم، عن يُونُسَ، عن الحسنِ أنَّه قال: عليه الهَدْيُ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ (١). وقد رُويَ عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: ليس عليه هَدْي. والصحيحُ عن الحسنِ ما ذكَرْنا. أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن أشْعَثَ النَّجَّارِ، عن الحسنِ، قال: إن اعْتَمَر في أشهرِ الحجِّ، ثم رجَعَ إلى أهْلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، فعليه هَدْيٌ؛ لأنَّه كان يقالُ: عُمْرَةٌ في أشهرِ الحجِّ مُتْعَةٌ (٢). وقد رُوِيَ عن الحسنِ أيضًا في هذا البابِ قولٌ لم يُتَابَعْ عليه أيضًا، ولا ذهَب إليه أحَدٌ مِن أهلِ العلم، وذلك أنَّه قال: مَن اعْتَمَر بعدَ يوم النَّحْرِ فهي مُتْعَةٌ. والذي عليه جماعَةُ الفقهاءِ وعامَّةُ العلماء ما ذكَرْتُ لك قبلَ هذا. روَى هُشَيْمٌ وغيرُه، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، قال: مَن اعْتَمَر في أشهرِ الحجِّ، ثم أقام حتى يَحُجَّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، وعليه الهَدْيُ، فإن رجَع إلى مِصْرِه، ثم حَجَّ مِن عامِه، فلا شيءَ عليه (٣). وعلى هذا الناس.

стр. 3168

فإن ظَنَّ ظانٌّ أنَّ مَعْنَى حديثِ مالِكٍ، عن عبدِ الله بنِ دينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ قال: مَن اعْتَمَر في أشهرِ الحَجِّ؛ شَوَّالٍ، أو ذي القَعْدَةِ، أو ذي الحِجَّةِ، قبلَ الحَجِّ، فقد اسْتَمْتَع، ووَجَب عليه الهَدْيُ، أو الصيامُ إن لم يَجِدْ هَدْيًا (١). كمَعْنَى ما روُي عن الحسنِ في إيجابِ الهَدْي على مَن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحَجِّ وإن لم يَحُجَّ، فليس كما ظَنَّ، ولا يُعْرَفُ ذلك مِن مَذْهَبِ ابنِ عُمَرَ. وفي قوله في هذا الحديثِ: "قبلَ الحَجِّ" دليلٌ على أنَّه حَجَّ، ولذلك قال فيه: فقد استمْتَعَ، ووجَب عليه الهديُ. وهذا هو المعروفُ من مذهب ابنِ عمرَ، وكذلك فَسَّرَه مالكٌ في "الموطأ"، فقال بأثْرِ حديثه ذلك: قال مالكٌ: وذلك إذا أقام حتى الحجِّ ثم حَجَّ. وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ الزُّبَيْري، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن عبيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يقولُ: مَن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحجِّ؛ شَوَّالٍ، أو ذي القَعْدَةِ، أو ذي الحِجَّةِ، ثم أقامَ حتى يَحُجَّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، عليه الهَدْيُ، أو الصيامُ إن لم يَجِدْ هَدْيًا (٢). قال إسماعيلُ: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، أنَّه قال: إذا اعْتَمَر الرجلُ في أشْهُرِ الحَجِّ، ثم رجَعَ إلى أهْلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه، فليس عليه هَدْيٌ (٣). وعلى هذا جماعَةُ العُلَماء على ما قَدَّمْنا.

стр. 3169

وقد رُوِيَ عن طاوُوسٍ في التَّمَتُّع قولان هما أشَدُّ شُذُوذًا ممَّا ذكَرْنا عن الحسنِ: أحَدُهما: أنَّ مَن اعْتَمَر في غيرِ أشهرِ الحَجِّ، ثم أقام حتى الحَجِّ، ثم حَجَّ مِن عامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ. وهذا لم يَقُلْ به أحَدٌ مِن العلماءِ فيما عَلِمْتُ غيرُه، ولا ذهَب إليه أحدٌ مِن فقهاءِ الأمصارِ، وذلك، واللهُ أعلمُ، أنَّ شُهورَ الحَجِّ أحَقُّ بالحَجِّ مِن العمرةِ؛ لأنَّ العمرةَ جائزةٌ في السَّنَةِ كلِّها، والحَجَّ إنَّما مَوْضِعُه شُهورٌ مَعْلُومةٌ، فإذا جعَل أحَدٌ العمرةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، ولم يَأْتِ في ذلك العام بحَجٍّ (١)، فقد جعَلَها في مَوْضِعٍ كان الحَجُّ أوْلى به، إلا أنَّ اللهَ قد رخَّص في ذلك رحمةً منه، وجعَل فيه ما استيسَر من الهدْي. والآخَرُ: قاله في المكيِّ إذا تَمَتَّعَ مِن مِصْرٍ مِن الأمْصارِ فعليه الهَدْيُ. وهذا لم يُعَرَّجْ عليه؛ لظاهِرِ قولِ الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والتَّمَتُّعُ على ما قد أوْضَحْنا عن جماعةِ العلماءِ بالشَّرائطِ التي وصَفْنا، وبالله توفيقُنا. واخْتَلَفوا فيمن أنْشَأ عُمرةً في غيرِ أشهرِ الحجِّ، ثم عَمِلَها في أشهرِ الحجِّ، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك؛ فقال مالكٌ: عُمرتُه في الشهرِ الذي حَلَّ فيه (٢). يريدُ إن كان حَلَّ منها في غيرِ أشهرِ الحجِّ، فليس بمُتَمَتِّع، وإن كان حلَّ منها في أشهرِ الحجِّ فهو مُتَمَتِّعٌ إن حجَّ مِن عامِه. وقال الثوريُّ (٣): إذا قَدِم الرجلُ مُعْتَمِرًا في شهرِ رمَضانَ وقد بَقِي عليه

стр. 3170

منه يومٌ أو يَوْمان، فلم يَطُفْ لعُمْرَتِه حتى رِيءَ هِلالُ شَوَّال، فكان إبراهيمُ يقولُ: هو مُتَمَتِّعٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يُهرِيقَ دمًا. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن طاف للعمرةِ ثلاثةَ أشْواطٍ في رمضانَ، وأربعةَ أشْواطٍ في شوالٍ، كان مُتَمَتِّعًا، وإن طاف لها أربعةً في رمضان، وثلاثةً في شوال، لم يكنْ مُتَمَتِّعًا (١). وقال الشافعيُّ: إذا طاف بالبيتِ في أشهرِ الحجِّ للعمرةِ فهو مُتَمَتِّعٌ إن حجَّ مِن عامِه ذلك، وذلك أنَّ العمرةَ إنَّما تكْمُلُ بالطَّوافِ بالبيتِ، وإنَّما يُنْظَرُ إلى إكْمالها (٢). وقال أبو ثورٍ: إذا دخَل في العمرةِ في غير (٣) أشهرِ الحجِّ، فسواءٌ طاف لها في رمضانَ أو في شوال، لا يكونُ بهذه العمرةِ مُتَمَتِّعًا. واختَلَفوا في وَقْتِ وُجوبِ الهَدْي على المتمتع؛ فذكر ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، أنَّه سُئِل عن المتَمَتِّع بالعمرةِ إلى الحجِّ يموتُ بعدما يُحرِمُ بالحجِّ بعرفةَ أو غيرها، أترَى عليه هَدْيًا؟ قال: مَن مات مِن أولئك قبلَ أن يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةِ، فلا أرى عليه هَدْيًا، ومَن رمَى الجَمْرَةَ ثم مات، فعليه الهَدْيُ. قيل له: فالهَدْيُ مِن رأسِ المالِ أو مِن الثُّلثِ؟ قال: بل مِن رأسِ المالِ. وقال الشافعيُّ: إذا أحْرَمَ بالحجِّ فقد وجَب عليه دَمُ المتْعَةِ إذا كان واجِدًا لذلك؛ ذكره الزَّعْفَرانيُّ (٤) عنه. وقال عنه الربيعُ (٥): إذا أهَلَّ المتَمَتِّعُ بالحجِّ ثم مات مِن ساعتِه أو بعدُ قبلَ أن يصومَ، ففيها قَوْلانِ:

стр. 3171

أحدُهما: أنَّ عليه دَمَ المتعةِ؛ لأَنَّه دَيْنٌ عليه، ولا يجوزُ أن يُصامَ عنه. والآخر: أنَّه لا دمَ عليه؛ لأنَّ الوَقْتَ الذي وجَبَ عليه فيه الصومُ قد زال وغُلِب عليه. واتَّفَق مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، أنَّ المتَمَتَعِّ إذا لم يَجدْ هَدْيًا، صام الثلاثةَ أيام إذا أحْرَمَ وأهَلَّ بالحجِّ، إلى آخِرِ يوم عَرَفَةَ. وهو قولُ أبي ثور (١). وقال عَطاءٌ: لا بَأْسَ أن يصومَ المتَمَتِّعُ في العشرِ وهو حَلالٌ قبلَ أن يُحرِم (٢). وقال مجاهدٌ وطاووسٌ: إذا صامَهُنَّ في أشهرِ الحجِّ أجْزأهُ (٣). وأجمَع العلماءُ على أنَّ الصومَ لا سبيلَ للمُتَمَتِّع إليه إذا كان يَجِدُ الهَدْيَ. واخْتَلَفوا فيه إذا كان غيرَ واجِدٍ للهَدْي فصام ثم وجَد الهَدْيَ قبلَ إكْمالِ صَوْمِه؛ فذَكَر ابنُ وَهْبِ، عن مالكٍ، قال: إذا دخَل في الصوم ثم وجَد هَدْيًا، فأحَبُّ إليَّ أن يُهْدِيَ، فإنْ لَم يَفْعَلْ أجزَأه الصِّيام (٤). وقال الشافعيُّ (٥): يَمْضي في صَوْمِه، وهو فرضُه. وكذلك قال أبو ثور. وقال أبو حنيفةَ: إذا أيْسَر المتَمَتِّعُ في اليوم الثالثِ مِن صَوْمِه بَطَل الصومُ ووَجَب عليه الهَدْيُ، وإن صام ثلاثة أيَّام في الحجِّ ثم أيْسَر كان له أن يصومَ السبعةَ الأيام ولا يَرْجِعَ إلى الهَدْي (٦).

стр. 3172

وقال إبراهيمُ النخعيُّ: إذا وجَد ما يَذْبَحُ قبلَ أن يَحلَّ فلْيَذْبَحْ وإن كان قد صام، وإن لم يَجدْ ما يَذْبَحُ حتى يَحلَّ فقد أجزَأه الصومُ. وقال عطاءٌ: إن صام ثم وجَد ما يَذْبَحُ فلْيَذْبَح، حَلَّ أم لم يَحلَّ، ما كان في أيَّام التَّشْرِيق (١). واختَلَفوا فيما على مَن فاتَه صومُ الثلاثةِ أيام قبلَ يوم النَّحْر؛ فذكَر ابنُ وَهْب، عن مالكٍ قال: مَن نَسِي صومَ الثلاثةِ الأيام في الحجِّ، أو مَرِضَ فيها، فإن كان بمَكَّةَ، فلْيَصُم الأيامَ الثلاثةَ بمكةَ. وقال: إن لم يَصمْ قبلَ يوم عَرَفَةَ فلْيَصُمْ أيامَ منًى الثلاثةَ، وليَصُمْ إذا رجَع إلى أهْلِه سبعةً، وإن كان رجَع إلى أهْلِه فلْيُهدِ إن قَدَر، فإن لم يَقُدِرْ فلْيَصُمْ ثلاثةَ أيام في بَلَدِه وسبعةً بعدَ ذلك (٢). وهو قولُ أبي ثور. وتَحصيلُ مذهب مالكٍ أنَّه إذا قَدِم بلَدَه ولم يَصُمْ، ثم وجَدَ الهَدْيَ، لم يُجزئْه الصومُ، ولا يصومُ إلَّا إذا لم يَجدْ هَدْيَا. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن انْقَضَى يومُ عرفَةَ ولم يَصُم الثلاثةَ أيام، فعليه دَمٌ، لا يُجزئُه غيرُه (٣). وقال الشافعيُّ بالعراقِ: يصومُ أيامَ منًى وإن لم يكنْ صام قبلَ يوم النَّحْرِ. وقال بمصرَ: لا يصومُها (٤). وعليه أكثرُ أصحابِه، ويصومُها كلَّها إذا رجَع إلى بَلَدِه، فإن مات قبلَ ذلك أُطْعِمَ عنه.

стр. 3173

وأجمَعوا على أنَّ رجلًا مِن غير أهلِ مكةَ لو قَدِم مكةَ مُعْتَمِرًا في أشْهُرِ الحجِّ عازِمًا على الإقامَةِ بها، ثم أنشَأ الحجَّ مِن عامِه ذلك، فحَجَّ، أنَّه مُتَمَتِّعٌ، عليه ما على المتَمَتِّع. وأجمَعوا على أنَّ مكِّيًّا لو أهلَّ بعمرةٍ مِن خارجِ الحرمِ في أشهرِ الحَجِّ، فقَضَاها، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، أنَّه مِن حاضرِي المسجدِ الحرام الذين لا مُتْعَةَ لهم، وأنْ لا شيءَ عليه (١). وأجمَعوا في المكِّيِّ يجيءُ مِن وراءِ الميقاتِ مُحرِمًا بعُمْرَةٍ، ثم يُنْشِئُ الحجَّ مِن مكةَ وأهْلُه بمكةَ، ولم يَسْكُنْ سِوَاها، أنَّه لا دَمَ عليه، وكذلك إذا سَكَنَ غيرَها وسَكَنَها، وكان له أهْلٌ فيها وفي غيرها. وأجمَعوا على أنَّه لو انتقَلَ من مكةَ بأهلِه وسكَنَ غيرَها، ثم قَدِمَها في أشهرِ الحجِّ مُعْتَمرًا، فأقامَ بها حتى حجَّ مِن عامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ كسائر أهْلِ الآفاقِ. وقد ذكرنا مسألةَ طاووسٍ فيما مضَى مِن هذا الباب. واتَّفَق مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُهم، والثوريُّ، وأبو ثورٍ، على أنَّ المتَمَتِّعَ يطوفُ لعمرتِه بالبيتِ، ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ، وعليه بعدُ أيضًا طوافٌ آخَرُ لحَجِّه، وسَعْيٌ بينَ الصَّفا والمروةِ. ورُوي عن عطاءٍ، وطاووسٍ، ومجاهِدٍ، أنَّه يكْفِيه سَعْيٌ واحدٌ بينَ الصَّفا والمروة (٢). وأمَّا طَوافُ القارِنِ، فقد ذكرناه في بابِ ابنِ شهاب، عن عروة. واختلفوا في حُكْم المتَمَتِّع الذي يسوقُ الهَدْيَ (٣)؛ فقال مالكٌ: إن

стр. 3174

كان مُتَمَتِّعًا حَلَّ إذا طاف وسَعَى، ولا يَنْحَرُ هَدْيَه إلَّا أنْ يكونَ مُفْرِدًا للعمرة، فإذا كان مُفْرِدًا للعمرةِ نَحَره بمكةَ، وإن كان قارنًا نَحَره بمِنًى. ذكرَه ابنُ وَهْب، عن مالِك. وقال مالكٌ: مَن أهْدَى هَدْيًا للعمرةِ وهو مُتَمَتِّع لم يُجزئْه ذلك، وعليه هَدْيٌ آخَرُ لتمتُّعِه؛ لأنَّه إنَّما يصيرُ مُتَمَتِّعًا إذا أنشَأ الحجَّ بعدَ أن حَلَّ مِن عمرتِه، وحينئِذٍ يجبُ عليه الهَدْيُ. وقال أبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأبو ثور، وإسحاقُ: لا يَنْحَرُ المتَمَتِّعُ هَدْيَه إلى يوم النَّحْرِ. وقال أحمدُ: إن قَدِم المتَمَتِّعُ قبلَ العَشْرِ طاف وسَعَى ونَحَر هَدْيَه، وإن قَدِم في العَشْرِ لم يَنْحَرْ إلَّا يومَ النَّحْر. وقاله عطاءٌ. وأجمعوا (١) أنّ هَدْيَ المتعة والقِران لا يُنْحَرُ إلّا يومَ النَّحر لمَن طاف بعُمرتِه في العشر. وقال مالك: لا يَنحرُ أحدٌ قبل يومَ النحر، ولا ليلة النَّحْر. وقال الشافعيُّ: يَحِلُّ مِن عُمْرَتِه إذا طاف وسَعَى، ساق هَدْيًا أو لم يَسُقْ. وقال أبو ثور: يَحلُّ، ولكنْ لا يَنْحَرُ هَدْيَه حتى يُحرِمَ بالحَجِّ، ويَنْحَرُه يومَ النَّحْرِ. وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ في التَّمَتُّع ومَسائلِه المذكور هاهنا كلِّها كقولِ الشافعيِّ سواء، وله قولان أيضًا في صيام المتَمَتِّع أيامَ التَّشْرِيق إن لم يَصُمْ قبلَ يوم النَّحْر. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا لم يَسُقِ المُتَمَتِّعُ هَدْيًا، فإذا فَرَغ مِن عمرتِه صار حلالًا، فلا يَزالُ كذلك حتى يُحرِمَ بالحَجِّ فيصيرَ حَرَامًا. ولو كان ساق

стр. 3175

هَدْيًا لمتْعَتِه لم يَحلَّ مِن عُمْرَتِه حتى يَحلَّ مِن حَجَّتِه (١)؛ لأنَّه ساق الهَدْيَ، على حديثِ حَفصَةَ (٢). وحُجَّةُ الشافعيِّ في جوازِ إحْلالِه، أنَّ المتَمَتِّعَ إنَّما يكونُ مُتَمَتِّعًا إذا اسْتَمْتَع بإحْلالِه إلى أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ، وأمَّا مَن لم يَحلَّ مِن المعْتَمِرِين فإنَّما هو قارِنٌ لا مُتَمَتِّعٌ، والقِرانُ قد أباح التَّمَتُّع. فهذه جُمْلَةُ أُصولِ أحْكام التَّمَتعُّ بالعمرةِ إلى الحجُّ، وهذا هو الوَجْهُ المشهورُ في التَّمَتعُّ. وقد قيل: إنَّ هذا الوجهَ هو الذي رُويَ عن عمرَ بنِ الخطابِ وعبدِ الله بنِ مسعودٍ كراهِيَتُه، وقالا، أو أحَدُهما: يأْتي أحَدُهم مِنًى وذكَرُه يَقْطُرُ مَنِيًّا (٣). وقد أجْمَع علماءُ المسلمين على جَوازِ هذا، وعلى أنَّ رسولَ الله ﷺ أباحَه وأذِن فيه. وقد قال جماعةٌ مِن العلماء: إنَّما كَرِهه عمرُ ﵁ لأنَّ أهلَ الحرم كانوا قد أصابَتْهم يومَئِذٍ مجاعةٌ، فأراد عمرُ أن يَنْتَدِبَ الناسَ إليهم ليَنْعَشُوا بما يُجلَبُ مِن المِيَر. وقال آخرون: أحبَّ أن يُزارَ البيتُ في العام مرَّتَيْن؛ مرَّةً للحجِّ، ومرَّةً للعمرةِ، ورأى أنَّ الإفرادَ أفْضَلُ، فكان يَمِيلُ إليه، ويأْمُرُ به، ويَنْهَى عن غيرِه اسْتِحبَابًا،

стр. 3176

ولذلك قال: افْصِلُوا بينَ حجِّكم وعُمْرتِكم، فإنَّه أتمُّ لحجِّ أحَدِكم ولعُمْرتِه أن يَعْتَمِرَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ (١). أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا صدَقَةُ بنُ موسى، عن مالكِ بن دينار، قال: سألتُ بالحجازِ عطاءَ بنَ أبي ربَاح وطاووسًا والقاسِمَ بنَ محمد وسالم بنَ عبدِ الله، وسألتُ بالبصرةِ الحسنَ وجابِرَ بنَ زيد ومعْبدًا الجُهَنيَّ وأبا المُتوَكِّل الناجِيَّ، كلُّهم أمرَني بمُتْعَةِ الحجِّ (٢). والوجْهُ الثاني مِن وجُوهِ التَّمَتُّع بالعُمْرَةِ إلى الحجِّ: هو أن يجمَعَ الرجلُ بينَ الحجِّ والعُمْرَة، فيُهِلَّ بهما جميعًا في أشهرِ الحجِّ وغيرها، فيقولُ: لبَّيْك بعُمرةٍ وحَجَّةٍ معًا. فإذا قَدِم مكةَ طاف لحجَّتِه وعُمرتِه طوافًا واحِدًا، وسَعَى سَعْيًا واحِدًا، أو طاف طَوَافَين، وسَعَى سَعْيَين، على مَذْهَب مَن رأى ذلك. وقد ذكرْنا القائِلِين بالقَوْلَين جميعًا، وحُجَّةَ كلِّ فريقٍ منهم، في بابِ ابنِ شهاب، عن عروةَ (٣). وإنَّما جُعِل القِرَانُ مِن التَّمَتُّع؛ لأنَّ القارِنَ يَتَمَتَّعُ بتَرْكِ النَّصَبِ في السَّفَرِ إلى العُمْرَةِ مَرَّةً وإلى الحجِّ أُخرى، ويَتَمَتَّع بجَمْعِهما، ولم يُحرِمْ لكلِّ واحِدَةٍ مِن مِيقاتِه، وضمَّ العُمرة (٤) إلى الحجِّ، فدخَل تحت قولِ الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 3177

وهذا وجْهٌ مِن التَّمَتُّع لا لِخلافَ بينَ العلماءِ في جَوازِه، وأهلُ المدينةِ لا يُجيزُونَ الجمعَ بينَ الحجِّ والعُمْرَة إلَّا بسِيَاقِ الهدْي، وهو عندَهم بَدَنَةٌ لا يجوزُ دُونَها، وأهلُ العراقِ يختارُونَ البدنةَ ويَسْتَحبُّونَها، وتُجزئُ عندَهم عن القارِنِ شاةٌ. وهو قولُ الشافعيِّ، وقد قال في بعضِ كُتُبِه (١): القارِنُ أخَفُّ حالًا مِن المُتَمَتِّع. فإنْ لم يَجدِ القارِنُ الهَدْيَ، صام ثلاثةَ أيَّام في الحجِّ وسبعةً إذا رجَع إلى بَلَدِه، حُكْمُه في ذلك حُكْمُ المتَمَتِّع بالعمرةِ إلى الحجِّ. وممَّا يَدُلُّ على أنَّ القِرانَ تَمَتُّعٌ، قولُ ابنِ عمرَ: إنَّما جُعِل القِرانُ لأهلِ الآفاقِ، وتَلا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) [البقرة: ١٩٦].

стр. 3178

فمَن كان من حاضِرِي المسجدِ الحرام، تَمَتَّعَ أو قَرَن، لم يكنْ عليه دَمُ قِرانٍ ولا تَمَتُّع، ومَن لم يكنْ أهْلُه حاضِرِي المسجِدِ الحرام، وقَرَن أو تَمَتَّع، فعليه دَمٌ. وكان عبدُ الملكِ بنُ الماجِشُونِ يقولُ: إذا قرَن المكِّيُّ الحجَّ مع العُمرةِ، كان عليه دَمُ القِرانِ؛ مِن أجْلِ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أسْقَط عن أهلِ مكَّةَ الدَّمَ والصِّيامَ، في التَّمَتُّع لا في القِرانِ (١). وقال مالكٌ: لا أُحِبُّ لمكيٍّ أن يَقْرُنَ بينَ الحجِّ والعُمْرَةِ، وما سمِعتُ أنَّ مكّيًّا قرَن، فإن فعَل لم يكنْ عليه دمٌ ولا صيام (٢). وعلى قولِ مالكٍ جمهورُ الفقهاء في ذلك. والوَجْهُ الثالثُ مِن التَّمَتُّع: هو الذي تَواعَدَ عليه عمرُ بنُ الخطابِ الناسَ، وقال: مُتْعَتان كانتا على عهدِ رسول الله ﷺ أنا أنْهَى عنهما وأُعاقِبُ عليهما (٣)؛ مُتْعَةُ النِّساء ومُتْعَةُ الحجِّ (٤).

стр. 3179

وقد تنازَعَ العلماءُ (١) بعدَه في جَوازِ هذا الوَجْهِ هَلُمَّ جرًّا؛ وذلك أنْ يُهِلَّ الرجلُ بالحجِّ، حتى إذا دخَل مكةَ فسَخَ حجَّه في عُمْرَةٍ، ثم حَلَّ وأقامَ حلالًا حتى يُهِلَّ بالحجِّ يومَ التَّرْوِيَةِ. فهذا هو الوجهُ الذي تَواتَرتِ الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ فيه، أنَّه أمَر أصْحابَه في حَجَّتِه؛ مَن لم يكنْ معه منهم هَدْيٌ، ولم يَسُقْه، وقد كان أحْرَم بالحَجِّ، أن يَجعَلَها عُمْرَةً. وقد أجمَع العلماءُ على تَصْحيح الآثارِ بذلك عنه ﷺ ولم يدْفَعوا شيئًا منها، إلَّا أنَّهم اخْتَلَفوا في القولِ بها والعَمَلِ؛ لعِلَلٍ نَذْكُرُها إن شاء الله. فجمهورُ أهلِ العِلْم على تَرْكِ العَمَل بها؛ لأنَّها عندَهم خُصوصٌ خَصَّ بها رسولُ الله ﷺ أصْحابَه في حَجَّتِه تلك؛ لعِلَّةٍ قالها ابنُ عباسٍ ﵀، قال: كانوا يَروْنَ العمرةَ في أشهرِ الحجِّ مِن أفجرِ الفُجور، ويجعَلون المحرمَ صفرًا (٢)، ويقولونَ: إذا برَأ

стр. 3180

الدَّبَرْ (١)، وعَفا الأثَرْ، وانْسَلَخ صفَرْ - أو قالوا: دخَلَ صفَرْ - حلَّت العُمرَةُ لمن اعتَمَرْ؛ ذكره ابنُ أبي شيبة، عن أبي أُسامة، عن وُهيْب، عن ابنِ طاوُوس، عن أبيه، عن ابنِ عباس (٢). قال أبو بكر بنُ أبي شيبةَ: وحدَّثنا يحيى بنُ آدَم، قال: حدَّثنا وهَيْب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ طاووس، عن أبيه، عن ابنِ عباس، قال: كان أهلُ الجاهليَّة يرَوْن أنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ مِن أفجرِ الفُجورِ، وكانوا يُسَمُّونَ المحرَّمَ صَفَرًا، وكانوا يقولون: إذا برَأ الدَّبَرْ، وعَفا الأثَرْ، وانسَلَخ صَفَر، حلَّتِ العمرةُ لمن اعتَمَر. فقَدِم رسولُ الله ﷺ وأصحابُه صَبِيحَةَ رابعَة، فأمَرَهم أن يجعَلوها عمرة، فقالوا: يا رسولَ الله، أيُّ الحلِّ؟ قال: "الحلُّ كلُّه". ففي هذا دليلٌ على أنَّ رسولَ الله ﷺ إنَّما فسَخ الحجَّ في العمرةِ ليُريَهم أنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ لا بأْسَ بها، وكان ذلك له ولمن معه خاصَّةً؛ لأنَّ اللهَ قد أمرَ بإتمام الحجِّ والعُمرةِ كلَّ مَن دخَل فيهما أمْرًا مُطلَقًا، ولا يجبُ أن يُخالَفَ ظاهِرُ كتابِ الله إلَّا إلى ما لا إشْكالَ فيه، مِن كتابٍ ناسِخ، أو سُنَّةٍ مُبيِّنة.

стр. 3181

واحتَجُّوا مِن الحديثِ بما حدَّثنا به محمدُ بنُ إبرهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١): أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، عن عبدِ العزيز بنِ محمد، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن، عن الحارِثِ بنِ بلال، عن أبيه، قال: قُلْنا: يا رسولَ الله، فَسْخُ الحجِّ لنا خاصَّةً أم للناسِ عامةً؟ فقال: "بل لنا خاصَّةً". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ الدَّراورديُّ، قال: سمِعتُ ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمن يذكُرُ عن الحارِثِ بنِ بلالِ بنِ الحارِثِ المزنيِّ، عن أبيه، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أفَسْخُ الحجِّ لنا خاصَّةً أم لمن بعدَنا؟ قال: "بل لنا خاصَّةً" (٢). وحدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارِثِ (٣)، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ

стр. 3182

إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بنُ منهال، قال: حدَّثنا أبو عوانَة، عن معاويةَ بنِ إسحاقَ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيه، قال: سُئِلَ عثمانُ بنُ عفانَ عن مُتْعَةِ الحجِّ، فقال: كانت لنا، ليست لكم (١). وذكر أبو بكرٍ بنُ أبي شيبة (٢)، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ ويعلى بنُ عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ، قال: إنَّما كانتِ المتعةُ بالحجِّ لأصحابِ محمّدٍ ﷺ خاصَّة. قال أبو معاوية: يعني أن يُجعَلَ الحجُّ عُمْرَةً. وقال إسماعيلُ: حدَّثنا حجاج، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ الثقفي، عن يحيى بنِ سعيد، قال: أخبرني المُرَقِّع، عن أبي ذرٍّ، قال: ما كانت لأحَدٍ بعدنا أن يُحرِمَ بالحجِّ ثم يَفْسَخَها بعُمرة (٣).

стр. 3183

وعلى هذا جماعَةُ فقهاء الحجازِ، والعراق، والشام، كمالك، والثوريّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابِهم، وأكثرُ علماء التابعين، وجمهورُ فقهاء المسلمين، إلَّا شيءٌ يُروى عن ابنِ عباسٍ وعن الحسنِ البصريِّ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبل. قال أحمدُ بنُ حنبل: لا أرُدُّ تلك الآثارَ المتَواتِرةَ الصِّحاحَ عن النبيِّ ﷺ في فَسْخ الحجِّ في العُمرَةِ بحديثِ الحارثِ بنِ بلال، عن أبيه، وبقولِ أبي ذر. قال: ولم يُجمِعوا على ما قال أبو ذَرٍّ، ولو أجمَعوا كان حُجَّة. قال: وقد خالَفَ ابنُ عباسِ أبا ذَرٍّ ولم يجعَلْه خُصُوصًا (١). وذكر عن يحيى القطَّان، عن الأجْلَح (٢)، عن عبدِ الله بنِ أبي الهُذيْل، قال: كنتُ جالسًا عندَ ابنِ عباس، فأتاه رجلٌ يَزْعُمُ أنَّه مُهِلٌّ بالحجِّ، وأنَّه طاف بالبيتِ وبالصَّفا والمروة، فقال له ابنُ عباس: أنت مُعْتَمِر، فقال له الرجلُ: لم أُرِدْ عمرة، فقال: أنتَ مُعتَمِر. وروى ابنُ أبي مُلَيكَة، عن عروةَ بنِ الزبير، أنَّه قال لابنِ عباس: أضْلَلَتَ الناسَ. قال: وما ذاك؟ قال: تُفْتي الناسَ إذا طافوا بالبيتِ فقد حلُّوا، وقال أبو بكر وعُمَر: مَن أحْرَم بالحجِّ لم يزَلْ مُحرِمًا إلى يوم النَّحْر، فقال ابنُ عباس:

стр. 3184

أُحدِّثُكم عن رسولِ الله ﷺ وتُحدِّثُوني عن أبي بكرٍ وعمر! فقال عُرْوَة: كانا أعلمَ برسولِ الله ﷺ منك (١). وذكر رَوْحُ بنُ عُبَادَة، عن أشْعَث (٢)، عن الحسن، جوازَ فَسْخ الحجِّ في العُمْرَة. واحْتَجَّ أحمدُ ومَن قال بهذا القولِ بقولِ سُرَاقَة بنِ مالكِ بنِ جُعْشُم في حديثِ جابِر: يا رسولَ الله، مُتْعَتُنا هذه لعامِنا أم للأبدِ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "بل للأبدِ" (٣). وهذا يحتَمِلُ أن يكونَ أراد وُجوبَ ذلك مرَّة في الدَّهْرِ، واللهُ أعلم. والوجهُ الرابعُ مِن المتعةِ: مُتْعَةُ المحْصَرِ ومَن صُدَّ عن البيت. ذكرَ يعقوبُ بنُ شيبة، قال: أخبرنا أبو سَلَمَةَ التَّبُوذَكيُّ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْد، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ الزبيرِ وهو يَخطُبُ وهو يقول: أيُّها الناسُ، إنَّه والله ليس التَّمَتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ كما تَصنَعون (٤)، ولكنَّ التَّمَتُّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ أن يخرُجَ الرجلُ حاجًّا فيَحْبِسَه عدوٌّ أو أمْرٌ يُعْذَرُ به، حتى تَذْهَبَ أيَّامُ الحجِّ، فيأتيَ البيتَ فيطوفَ، ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروة، ثم

стр. 3185

يتَمَتَّعَ بحِلِّه إلى العام المسْتَقْبَل (١)، ثم يَحُجَّ ويُهْدِي (٢). وسنذْكُرُ وُجوهَ ذلك في بابِ نافِع، عن ابنِ عُمَر، إنْ شاءَ الله. وأمَّا قولُ سعدٍ: صَنَعها رسولُ الله ﷺ وصَنَعْناها معه. فليس فيه دليلٌ على أنَّ رسولَ الله ﷺ تَمَتَّع؛ لأنَّ عائشةَ وجابرًا يقولان: إنَّ رسولَ الله ﷺ أفْرَدَ الحجَّ (٣).

стр. 3186

ويقولُ أنسٌ، وابنُ عباس، وجماعةٌ: قَرَن رسولُ الله ﷺ . وقال أنسٌ: سَمِعتُه يُلبِّي بعُمْرَةٍ وحجَّة معًا (١). وقال ﷺ : "دخَلَتِ العُمرَةُ في الحجِّ إلى يوم القِيامَةِ" (٢) (٣). وَيحْتَملُ قوله: صَنَعها رسولُ الله ﷺ ، بمعنَى: أذِنَ فيها وأباحها. وإذا أمَرَ الرئيسُ بالشيء جازَ أن يُضافَ فِعْلُه إليه، كما يقال: رَجَم رسولُ الله ﷺ في الزِّنَى، وقَطَع في السَّرِقَة، ونحوُ هذا. ومن هذا المعنى قولُ الله : ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١] أي: أمرَ فنُودِي (٤)، واللهُ أعلم.

стр. 3187

ابنُ شهابٍ، عن عبدِ الحميد بن عبد الرَّحمنِ القُرشيِّ العَدَويِّ الأعرج (١) حديثٌ واحدٌ وهو عبد الحميدِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطّابِ بنِ نُفَيلٍ، مدنيٌّ، ثقةٌ، مشهورٌ، وليَ الكوفةَ لعمرَ بنِ عبد العزيز، ولما ولّاه عمرُ بنُ عبدِ العزيز الكوفةَ، ضمَّ إليه أبا الزِّنادِ يَستكتبُه (٢)، واستَقْضى عبدُ الحميدِ على الكوفة الشَّعبيَّ أيامَ إمارته، وكان فاضلًا، ناسكًا. روى عنه ابنُ شهابٍ، والحكمُ بنُ عُتيبةَ، وابنُه زيدُ (٣) بنُ عبدِ الحميدِ، وعبدُ الرَّحمنِ (٤) بنُ يزيدَ بنِ جابر. وكان رحمةُ الله عليه أعرَجَ، وصاحبُ شُرطَتِه أعرجَ، فقال فيه الحكمُ بن عبْدلٍ الشاعرُ أبياتًا، منها قوله: وأميرُنا وأميرُ شُرطتِنَا معًا ... لكِلَيْهِما يا قومَنا رِجْلانِ (٥)

стр. 3188

مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطابِ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَل، عن عبدِ الله بنِ عباس، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خرَج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغَ لَقِيَه أمراءُ الأجنادِ: أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح وأصحابُه، فأخْبَرُوه أنَّ الوبَاءَ قد وقَع بالشام. قال ابنُ عباس: فقال عمرُ: ادْعُ لي المهاجرِينَ. فدَعاهم، فاستشارَهم، وأخبَرهم أنَّ الوَباءَ قد وقَع بالشام، فاختَلَفوا عليه؛ فقال بعضُهم: قد خرَجتَ لأمرٍ، ولا نرَى أن تَرْجعَ عنه. وقال بعضُهم: معك بَقِيَّةُ الناسِ وأصحابُ رسولِ الله ﷺ ، ولا نرَى أن تُقْدِمَهم على هذا الوَبَاء. فقال: ارْتَفِعوا عنِّي، ثم قال: ادْعُوا لي الأنصارَ، فدَعَوْهم، فاستشارَهم، فسلكوا سَبِيلَ المهاجِرِينَ، واختلَفوا كاختِلافِهم، فقال: ارتَفِعوا عنِّي. ثم قال: ادْعُ لي مَن كان هاهنا مِن مَشْيَخَةِ قريشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الفتح، فدَعَوْهم له، فلم يَختَلِفْ عليه منهم رجلانِ (٢)، فقالوا: نرَى أن تَرْجعَ بالناس، ولا تُقْدِمَهم على هذا الوبَاء. فنادَى عمرُ في الناس: إنِّي مُصْبِح على ظَهْرٍ، فأصْبحُوا عليه. فقال أبو عبيدةَ: أفِرارًا مِن قَدَرِ الله؟ فقال عمرُ: لو غيرُكَ قالها يا أَبا عبيدَةَ؟ نعم، نَفِرُّ مِن قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ لو كانت لك إبلٌ فهبَطتَ بها وادِيًا له عُدْوَتانِ؛ إحْداهما خَصْبَةٌ (٣)، والأُخْرَى جَدْبَةٌ، أليس إن رَعَيتَ الخَصْبةَ رَعَيْتَها بقَدَرِ الله، وإن رَعَيتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَها بقَدَرِ الله؟ قال: فجاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وكان مُتغيِّبًا (٤) في بعضِ حاجتِه، فقال: إنَّ عِنْدِي مِن هذا عِلْمًا، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا سَمِعتم به بأرضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنتم بها، فلا تَخرُجوا فِرارًا منه"، قال: فحَمِد اللهَ عمرُ ثم انصَرَف.

стр. 3189

هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" (١) عندَ أكثرِ الرواةِ (٢). ورواه إبراهيمُ بنُ عمرَ بنِ أبي الوزِيرِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (٣). وليس في "الموطأ": عن أبيه. ورواه ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن (٤) عبد الله بنِ الحارثِ بنِ نَوْفَل، عن ابنِ عباس (٥)، ولم يقلْ: عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله، والذي في "الموطأ": عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِث.

стр. 3190

وروايةُ يُونُسَ، عن ابنِ شهابٍ كما قال ابنُ وَهْبٍ (١)، وأظُنُّه دخَلَ عليه لفظُ حديثِ أحَدِهما في الآخَر. وروايةُ صالح بنِ نصرٍ لهذا الحديثِ عن مالك كما روى ابنُ وَهْب (٢). وأمَّا عبدُ الحميد (٣)، فقد تقَدَّمَ القولُ فيه. وأمَّا عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَل، فمَشْهُورٌ، روَى عنه ابنُ شهابٍ أحاديثَ؛ منها حديثُ الصدَقَة، الحديثُ الطويلُ الذي فيه: "إنَّما الصدقةُ

стр. 3191

أوساخُ الناسِ"؛ يَرْويه مالِكٌ (١)، وصالِحُ بنُ كَيْسان (٢)، وغيرُهما، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفلٍ هذا، عن عبدِ المطَّلِبِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ الحارِثِ بنِ عبدِ المطَّلِب. ويروي عبدُ الله بنُ عبدِ الله هذا أيضًا عن أبيه المعروفِ بِبَبَّةَ، قال: سألتُ في إمارةِ عثمانَ وأصحابُ النَّبيِّ ﷺ مُتَوافِرُون، عن صلاةِ الضُّحَى. روى هذا الخبرَ أيضًا الزهريُّ، عنه، عن أبيه. وقد اختُلِف عليه فيه، فقيل: عن عبدِ الله، عن أبيه، وقيل: عن عبيدِ الله، عن أبيه. والصوابُ فيه إن شاء اللهُ: عبدُ الله. وكذلك قال عبدُ الكرِيم أبو أُمَيَّةَ، وَيزِيدُ بنُ أبي زِيادٍ، عنه في حديثِ صلاةِ الضُّحَى، فابنُ شهابٍ يَروي عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ نَفْسِه، ويروي عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنه (٣)، فاللهُ أعلم. وأمَّا محمدُ بنُ عبدِ الله أخو عبدِ الله بنِ عبدِ الله هذا، فقد تقَدَّمَ ذكرُه في البابِ الذي قبلَ هذا (٤). وأمَّا أخُوهما عُبيدُ الله، فمعروفٌ أيضًا عندَ أهلِ الأثَرِ وأهلِ النَّسَبِ، وله ابنٌ يُسمَّى العباسَ، ولهم عندَ أهلِ النَّسَبِ أخَوَانِ؛ أحَدُهما: الصَّلتُ بنُ عبدِ الله بنِ

стр. 3192

الحارِثِ بن نَوْفَل، كان مِن رجالِ قريش، وكان عندَه بِنتانِ لعَليِّ بنِ أبي طالب، قال العَدَويُّ: وكان فَقِيهًا. قال أبو عُمر: أظُنُّه كان له حظٌّ مِن العِلْم، ولا أحفَظُ له رِوايَةً (١). وعونُ بنُ عبدِ الله بنِ الحارِثِ، وابنُه الحارِثُ بنُ عَوْنٍ كان جوَادًا، وفيه يقولُ الشاعِرُ: لولا نَدَى الحارِثِ مات النَّدَى ... وانقَطَع المسؤولُ والسائِلُ وأمَّا قولُ الذُّهليِّ بأنَّ بَبَّةَ كان له ثلاثةُ بَنِينَ، فإنَّهُ أخَذه مِن الأحاديث، ولم يُطالِعْ ما قالَه أهلُ النَّسَب (٢)، واللهُ أعلم. وفي هذا الحديثِ مِن المعاني: خُروجُ الخليفةِ إلى أعمالِه يُطالِعُها، وينظُرُ إليها، ويعرِفُ أحوالَ أهلِها. وكان عمرُ ﵁ قد خرَج إلى الشام مرَّتَين في قولِ بعضِهم، ومنهم مَن يقول: لم يخرُجْ إلَّا مرَّةً واحدةً، وهي هذه. والمعروفُ عندَ أهلِ السِّيَرِ أنَّه خَرَج إليها مرَّتَيْن. ذكرَ خَلِيفَةُ (٣)، عن ابنِ الكلبيِّ، قال: لما صالَح أبو عبيدةَ أهلَ حَلَب، شَخَصَ وعلى مُقدَّمَتِه خالدُ بنُ الوليد، محاصرًا أهلَ إيليَّا، فسَألوه الصُّلحَ على أن يكونَ عمرُ هو يُعْطِيهم ذلك، ويكتُبُ لهم أمانًا. فكتَبَ أبو عُبيد إلى عمرَ، فقَدِمَ عمرُ فصالحَهم، وأقَام أيَّامًا، ثم شَخَصَ إلى المدينَةِ، وذلك في سنَة سِتَّ عشْرة.

стр. 3193

قال أبو عُمر: وكان خُروجُه المذكورُ في هذا الحديثِ سنةَ سبعَ عشْرَة. قال خليفَةُ بنُ خياط (١): فيها خرَجَ عمرُ بنُ الخطابِ إلى الشام، واستَخْلَفَ على المدينَةِ زيدَ بنَ ثابت، وانصَرَفَ مِن سَرْغَ وبها الطَّاعُونُ. وقد تقدَّمَ في بابِ ابنِ شهاب، عن عبدِ الله بنِ عامرِ بنِ رَبِيعَةَ: في ذِكْرِ سَرْغَ، ومَعْنَى الطَّاعُون، وأخبارِ الفِرارِ (٢) منه، ما يُغْني عن تكرِيرِه هاهنا. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا بَقيٌّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني عروةُ بنُ رُويم، عن القاسم، عن عبدِ الله بنِ عمرَ (٤)، قال: جِئْتُ عمرَ حينَ قَدِم الشامَ، فوجَدتُه قائِلًا في خِبَائِه، فانتظَرتُه في فَيْءِ الخِبَاء، فسَمِعتُه حينَ تَضَوَّرَ مِن نَومِه وهو يقول: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي رُجُوعي مِن غزوةِ سَرْغَ. يَعْني حينَ رجَعَ مِن أجْلِ الوَبَاء. وفيه: استعمالُ الخليفةِ أُمراءَ عدَدًا في موضِع واحِدٍ لوُجوهٍ يَصْرِفُهم فيها، وكان عمرُ قد قَسَمَ الشامَ على أربعةِ أُمراء، تحتَ كلِّ واحِدٍ منهم جُنْدٌ وناحِيةٌ مِن الشام؛ منهم أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح، وشُرَحْبِيلُ بنُ حسَنةَ، وَيزيدُ بنُ أبي سفيان، وأحْسَبُ الرابعَ معاذَ بنَ جبل، كلُّ واحِدٍ منهم على ناحِيةٍ مِن الشامات، ثم لم يَمُتْ عمرُ حتى جمَع الشامَ لمعاويةَ، وقد استَخْلَف زيدَ بنَ ثابتٍ مرّاتٍ على المدينة في خُروجِه إلى الحجِّ، وما أظُنُّه استَخلَفَ غيرَ زيدِ بنِ ثابتٍ قطُّ في خروجِه

стр. 3194

مِنَ المدينةِ، إلَّا ما حُكِي عن أبي المَليح (١)، أنَّ عمرَ اسْتَخْلَفَ خالًا له مرَّةً واحدةً على المدينة يقالُ له: عبدُ الله. وأمَّا عُمَّالُه في أقطارِ الأرضِ فكثير، وكان يَعْزِلُ ويُولِّي كثيرًا، لا حاجَةَ بنا إلى ذكْرِهم هاهنا، وإنَّما ذكرنا هذا لما في الحديثِ مِن ذكْرِ أُمراءِ الأجْنَادِ؛ أبي عُبيدَةَ وأصحابِه. وفيه: دليلٌ على إباحةِ العملِ والولاية، وأنْ لا بأسَ بها للصَّالحينَ والعلماء، إذا كان الخليفَةُ فاضِلًا عالمًا، يأْمُرُ بالحقِّ ويعدِل. وفيه (٢): دليل على استعمالِ مَشُورَةِ مَن يُوثَقُ بفَهْمِه وعَقْلِه عندَ نُزُولِ الأمرِ المعضِل. وفيه: دليلٌ على أنَّ المسألةَ إذا كان سبيلُها الاجتهادَ، ووقَع فيها الاختِلافُ، لم يجُزْ لأحَدِ القائِلينَ فيها عَيْبُ مخُالِفِه، ولا الطَّعْنُ عليه، ألا تَرَى أنهم اختَلَفوا، وهم القُدوَةُ، فلم يعِبْ أحَدٌ منهم على صاحبِه اجتِهادَه، ولا وجَدَ عليه في نَفْسِه؟ إلى الله الشَّكْوَى وهو المستعانُ، على أُمَّةٍ نحن بينَ أظْهُرِها، تَسْتَحِلُّ الأعرَاضَ والدماء، إذا خُولِفَتْ فيما تجيءُ به مِن الخطأ. وفيه: دليلٌ على أنَّ المجتهِدَ إذا قادَه اجتِهادُه إلى شيءٍ خالفَه فيه صاحِبُه، لم يَجُزْ له الميلُ إلى قولِ صاحِبه إذا لم يَبِنْ له موضِعُ (٣) الصَّوابِ فيه، ولا قام له الدليلُ عليه. وفيه: دليلٌ على أنَّ الإمامَ والحاكِمَ إذا نزَلت به نازلَةٌ لا أصلَ لها في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ، كان عليه أن يجمَعَ العلماءَ وذَوي الرَّأي ويُشاوِرَهم، فإن لم يأْتِ واحِدٌ منهم بدليلِ كتابٍ ولا سُنَّةٍ غيرَ اجتِهادِه، كان عليه الميلُ إلى الأصلَح، والأخْذُ بما يَرَاه.

стр. 3195

وفيه: دليلٌ على أنَّ الاختِلافَ لا يُوجِبُ حُكمًا، وإنَّما يوجِبُ النَّظَر، وأنَّ الإجماعَ يُوجِبُ الحُكمَ والعمَلَ. وفيه: دليلٌ على إثباتِ المناظَرَةِ والمجادلةِ عندَ الخِلافِ في النَّوَازِلِ والأحْكام، ألا تَرَى إلى قولِ أبي عُبيدةَ لعمرَ رحِمَهما اللهُ تعالى: "تَفِرُّ مِن قَدَرِ الله؟ فقال: نعم، نفِرُّ مِن قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله. ثم قال له: أرَأيتَ؟ " فقايَسَه وناظَرَه بما يُشْبِهُ في مسألتِه. وفيه: دليلٌ على أنَّ الاخْتِلافَ إذا نزَلَ، وقامَ الحجَاجُ، فالحُجَّةُ والفَلْجُ (١) بيَدِ مَن أدْلى بالسُّنةِ، إذا لم يكنْ مِن الكتابِ نَصٌّ لا يُختَلَفُ في تَأويله. وبهذا أمَرَ اللهُ عبادَه عندَ التنازُع، أن يَرُدُّوا ما تَنازَعُوا فيه إلى كتابِ الله وسنةِ نَبِيِّه ﷺ ، فمن كان عندَه فيه عِلْمٌ (٢)، وجَبَ الانقيادُ إليه. وفيه: دليلٌ على أنَّ الحديثَ يُسَمَّى عِلْمًا، ويُطْلَقُ ذلك عليه، ألا ترَى إلى قولِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف: عندي مِن هذا عِلْمٌ؟ وفيه: دليلٌ على أنَّ الخلْقَ يَجرُونَ في قَدَرِ الله وعِلْمِه، وأنَّ أحدًا منهم أو شيئًا لا يخرُجُ عن حُكمِه وإرادَتِه ومَشِيئَتِه، لا شريكَ له. وفيه: أنَّ العالم قد يُوجَدُ عندَ مَن هو في العِلْم دُونَه ما لا يُوجَدُ منه عندَه؛ لأنَّه معْلُومٌ أنَّ مَوْضِعَ عمرَ مِن العِلْم، ومكانَه مِن الفهم، ودُنُوَّه مِن رسولِ الله ﷺ في المدْخَلِ والمخْرَج، فوقَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، وقد كان في هذا البابِ عندَ عبدِ الرحمنِ عنه ﵇ ما لم يكنْ عند عمرَ (٣). وهذا واضِحٌ يُغني عن القولِ فيه. وقد جَهِل محمدُ بنُ سيرينَ حديثَ رُجوع عمرَ مِن أجْلِ الطَّاعُون.

стр. 3196

ذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: ذُكِر له أنَّ عمرَ رجَع مِن الشام حينَ سَمِع أن بها وبَاءً، فلم يعرِفْه، وقال: إنَّما أُخبِر أنَّ (٢) الصائفَةَ لا تخرُجُ العامَ فرَجَع. وفيه: أنَّ القاضِيَ والإمامَ والحاكِمَ لا يُنْفِذُ قَضاء ولا يفْصِلُه إلَّا عن مشُورَةِ مَن بحَضرتِه وَيصِلُ إليه وَيقْدِرُ عليه مِن علماءِ موضعِه. وهذا مشهورٌ مِن مذهَبِ عمرَ ﵁. ذكر سيفُ بنُ عمر (٣)، عن عبدِ الله بنِ المستَوْرِد، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: عهِدَ عمرُ إلى القُضاةِ ألَّا يَصْرِمُوا القَضاء (٤) إلَّا عن مَشُورَةٍ، وعن ملأٍ وتَشَاوُر، فإنَّه لم يَبلُغْ مِن علْم عالِم أن يجتزئَ به حتى يجمَعَ بينَ علْمِه وعلم غيرِه. وتمَثَّل: خَليليَّ ليس الرَّأيُ في صَدْرِ واحدٍ ... أشِيرا عليَّ اليومَ ما تَرَيانِ (٥)

стр. 3197

قال سيفٌ: حدَّثنا سهلُ بنُ يوسُفَ بنِ سَهْلِ بنِ مالكٍ الأنصاريُّ، عن أبيه، عن عُبيدِ بنِ صَخْرِ بنِ لُوذَانَ الأنصاريِّ، قال: بعَث رسولُ الله ﷺ معاذَ بنَ جبلٍ معلِّما لأهلِ اليمنِ وحضرَمَوْتَ، فقال: "يا معاذُ، إنَّك تَقدَمُ على أهلِ كتاب، وإنَّهم سائلُوكَ". وذكَرَ الحديثَ، وفيه: "ولا تَقْضِينَّ إلَّا بعِلْم، وإن أشكَلَ عليكَ أمرٌ، فسَلْ، واستَشِرْ، فإنَّ المستَشِيرَ مُعان، والمستشَارَ مُؤتَمَن، وإن الْتُبِس عليكَ فقِفْ حتى تَتبيَّن، أو تكتُبَ إليَّ، ولا تَصْرِمَنَّ قضاءً فيما لم تَجدْه في كتاب الله أو سُنَّتي إلَّا عن ملأ". وذكَر تمامَ الخبَر (١). وفيه: دليلٌ على عَظِيم ما كان عليه القومُ مِن الإنصافِ للعِلْم، والانقيادِ إليه، وكيف لا يكونون كذلك وهم خيرُ الأمم ﵃؟ وفيه: دليلٌ على استِعمالِ خبَرِ الواحِدِ وقَبولِه، وإيجابِ العمَلِ به، وهذا أوضَحُ وأقوَى ما يُرْوَى (٢) مِن جِهَةِ الأثَرِ (٣) في قبولِ خبَرِ الواحِدِ؛ لأنَّ ذلك كان في جماعةِ الصحابةِ وبمَحضَرِهم، في أمرٍ قد أشكَلَ عليهم، فلم يقولوا لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ: أنت واحِدٌ، والواحِدُ لا يجبُ قبولُ خبَره، إنَّما يجبُ قبولُ خبَرِ الكافَّةِ. ما أعظَمَ ضلالَ مَن قال بهذا! واللهُ يقولُ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

стр. 3198

[الحجرات: ٦]، وقُرِئَتْ: (فتَثبَّتوا) (١). فلو كان العَدْلُ إذا جاءَ بنَبأ يُتَثبَّتُ في خبرِه ولم يُنَفَّذ، لاسْتَوى الفاسِقُ والعَدْلُ، وهذا خِلافُ القرآنِ؛ قال اللهُ : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. والقولُ في خَبَرِ العدْلِ مِن جِهَةِ النظرِ له موضعٌ غيرُ هذا، وما التوفيقُ إلَّا بالله (٢). وقد مَضَى في معنَى الطَّاعُونِ أخبارٌ وتفسِيرٌ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ عامِر (٣)، لا معنَى لتكْرَارِها هاهنا، والعربُ تزعُمُ أنَّ الطاعونَ طَعْنٌ مِن الشيطان، وتُسَمِّيه رِمَاحَ الجِنِّ. ولهم في ذلك أشعارٌ لم أرَ ذكرها (٤)؛ لأنِّي على غيرِ يَقِينٍ منها. وقد رُويَ أنَّ عمرَو بنَ العاص قام في الناسِ في طاعُونِ عَمَوَاسٍ في الشَّام، فقال: هذا الطَّاعُون قد ظهَرَ، وإنَّما هو رِجْزٌ مِن الشيطانِ، ففِرُّوا منه في هذه الشِّعاب. فأنكَرَ ذلك عليه معاذُ بنُ جبلٍ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٥)، قال: حدَّثنا دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسْلِم، عن الوليدِ بنِ محمدٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أصاب الناسَ طاعُونٌ بالجابِية (٦)، فقام عمرُو بنُ العاص فقال: تفَرَّقوا عنه، فإنَّما هو بمنزِلةِ نارٍ. فقام معاذُ بنُ جبل، فقال: لقد كنتَ فينا

стр. 3199

ولأنت أضَلُّ مِن حمارِ أهلِكَ، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "هو رحمةٌ لهذه الأُمَّةِ". اللهمَّ فاذكُرْ معاذًا وآلَ معاذٍ فيمَن تذكُرُ بهذه الرحمة (١). قال دُحَيْم: وحدَّثنا عفانُ، عن شعبةَ، عن يزيدَ بنِ خُمَيْرٍ، قال: سمِعتُ شُرَحْبِيلَ بنَ شُفْعَةَ (٢) يُحدِّثُ، عن عمرِو بنِ العاص، قال: وقَع الطاعونُ بالشام، فقال عمرٌو: إنَّه رِجْسٌ، فتَفَرَّقُوا عنه. فقال شُرَحْبِيل (٣): سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّهُ رحمةُ ربِّكم، ودعوةُ نَبِيِّكم، وموتُ الصالحين قبلَكم، فاجتَمِعوا ولا تفرَّقوا عنه" (٤). قال أبو عُمر: أظُنُّه أرادَ بقوله: "ودعوةُ نبيِّكم" قولَه ﷺ : "اللهمَّ اجعَلْ فناءَ أُمَّتي بالطَّعْنِ والطاعونِ". وقد ذكَرْنَا هذا الخبرَ في مواضِعَ مِن هذا الكتابِ (٥)، ورَوَينا عن ابن مسعود أنَّه قال: الطَّاعونُ فِتنةٌ على المُقِيم وعلى الفَارِّ؛ أمَّا الفارُّ فيقول: فرَرْتُ فنجَوْتُ. وأمَّا المقيمُ فيقول: أقَمتُ فمِتُّ. وكَذَبَا؛ فَرَّ مَن لم يجِئْ أجَلُه، وأقام مَن جاء أجَله (٦).

стр. 3200

ابنُ شهابٍ عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ حديثٌ واحدٌ وهو عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاص (١)، واسمُ أبي وقّاص: مالكُ بنُ أُهَيب بن عبدِ منافِ بنِ زُهْرةَ القرشيُّ الزُّهريُّ. قد ذكرنا أباه في كتابنا في "الصحابة" (٢) بما فيه كفاية. وعامرٌ هذا أحدُ ثقاتِ التابعينَ، وهم خمسةُ إخوةٍ، كلُّهم قد روى الحديثَ: عامرُ بنُ سعدٍ هذا سكن المدينةَ، ومات بها سنة أربع ومئة (٣)، وقيل: إنَّه توفِّي في خلافة الوليدِ بنِ عبدِ الملك. ومصعبُ بنُ سعدٍ سكَن الكوفةَ ومات بها، وروى عنه أهلها، وكانت وفاتُه سنة ثلاثٍ ومئة (٤). ومحمدُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، خرج مع ابنِ الأشعثِ (٥)، وقتلَه الحجّاجُ، وابنُه إسماعيلُ بنُ محمّد، رُوِيَ عنه العلمُ، روى عنه مالكٌ وغيرُه (٦). وموسى بنُ سعد، روَى عنه الحديثَ وعن ابنه مجاهدُ بنُ موسى.

стр. 3201

وعمرُ بن سعد (١)، كان أميرَ الجيش في قتل الحُسين، ثم قتله المختار بنُ أبي عُبيدٍ، وقَتل معه ابنَه حفصَ بنَ عمر، وأبو بكر بنُ حفصِ (٢) بنِ عُمرَ أحدُ رُواةِ الحديثِ وثقاتهم وفقهائهم وأهلِ العلم بالسِّير والخبر منهم، وكلُّ بني سعدٍ من حملَة العلم مِن التابعين. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ أيَّ واحدٍ منهم لم يُدركِ النبيَّ ﷺ ؛ لقوله فيه: "ولا يَرثُني إلا ابنةٌ لي. أو: إلّا ابنتي" على ما رُوي من اختلاف ألفاظ نقَلَة حديثه هذا، وذلك يومئذٍ؛ لأنَّه تُوفِّي وله بناتٌ، وكان مرضُهُ ذلك في حجّة الوداع، فيما ذَكَر أكثرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ عنه في هذا الحديث، وقال فيه ابنُ عُيينةَ عنه: عامَ الفتح. ولا أعلمُ أحدًا من أصحاب الزُّهريِّ قال ذلك فيه عنه غيرَ ابنِ عُيينةَ، وسنذكُر روايتَه في ذلك، وقولَ مَنْ وافقَه عليه من غير روايةِ ابنِ شهابٍ بعدُ في هذا الباب إن شاء الله.

стр. 3202

مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أبيه، قال: جاءني رسولُ الله ﷺ يَعُودُني عامَ حَجَّةِ الوداع وبي وجَعٌ (٢) وقد اشْتَدَّ بي، فقلت: يا رسولَ الله، قد بلَغ منِّي الوَجَعُ ما ترَى، وأنا ذُو مالٍ، ولا يرثُني إلا ابنةٌ لي، أفأتَصَدَّقُ بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا". قُلْتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: "لا". قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ - أو: كبيرٌ (٣) -، أنْ تَذَرَ ورَثتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عَالةً يتكفَّفون الناسَ، وإن لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ فيها، حتى ما تجعَلُ في فيّ امرأتِكَ". قال: قُلْتُ: يا رسولَ الله، أأُخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟ قال: "إنَّك لن تُخلَّفَ فتَعْمَلَ عملًا صالحًا إلَّا ازْدَدْتَ به رفْعَةً ودَرَجة، ولعَلَّكَ أن تُخلَّفَ حتى يَنْتفِعَ بك أقْوَامٌ ويُضَرَّ بك آخَرُون، اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكنِ البائِسُ سعدُ بنُ خَوْلَةَ"، يَرْثي له رسولُ الله ﷺ أن مات بمكة. هذا حديثٌ قد اتَّفَق أهلُ العلم على صحَّةِ إسنادِه، وجعَله (٤) جمهورُ الفقهاء أصلًا في مقدارِ الوصيةِ، وأنَّه لا يُتَجَاوَزُ بها الثُّلثُ، إلَّا أنَّ في بعضِ ألفاظِه اخْتِلافًا
следующие страницы →