← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3198–3237 · переход к 3203.

стр. 3198

[الحجرات: ٦]، وقُرِئَتْ: (فتَثبَّتوا) (١). فلو كان العَدْلُ إذا جاءَ بنَبأ يُتَثبَّتُ في خبرِه ولم يُنَفَّذ، لاسْتَوى الفاسِقُ والعَدْلُ، وهذا خِلافُ القرآنِ؛ قال اللهُ : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. والقولُ في خَبَرِ العدْلِ مِن جِهَةِ النظرِ له موضعٌ غيرُ هذا، وما التوفيقُ إلَّا بالله (٢). وقد مَضَى في معنَى الطَّاعُونِ أخبارٌ وتفسِيرٌ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ عامِر (٣)، لا معنَى لتكْرَارِها هاهنا، والعربُ تزعُمُ أنَّ الطاعونَ طَعْنٌ مِن الشيطان، وتُسَمِّيه رِمَاحَ الجِنِّ. ولهم في ذلك أشعارٌ لم أرَ ذكرها (٤)؛ لأنِّي على غيرِ يَقِينٍ منها. وقد رُويَ أنَّ عمرَو بنَ العاص قام في الناسِ في طاعُونِ عَمَوَاسٍ في الشَّام، فقال: هذا الطَّاعُون قد ظهَرَ، وإنَّما هو رِجْزٌ مِن الشيطانِ، ففِرُّوا منه في هذه الشِّعاب. فأنكَرَ ذلك عليه معاذُ بنُ جبلٍ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٥)، قال: حدَّثنا دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسْلِم، عن الوليدِ بنِ محمدٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أصاب الناسَ طاعُونٌ بالجابِية (٦)، فقام عمرُو بنُ العاص فقال: تفَرَّقوا عنه، فإنَّما هو بمنزِلةِ نارٍ. فقام معاذُ بنُ جبل، فقال: لقد كنتَ فينا

стр. 3199

ولأنت أضَلُّ مِن حمارِ أهلِكَ، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "هو رحمةٌ لهذه الأُمَّةِ". اللهمَّ فاذكُرْ معاذًا وآلَ معاذٍ فيمَن تذكُرُ بهذه الرحمة (١). قال دُحَيْم: وحدَّثنا عفانُ، عن شعبةَ، عن يزيدَ بنِ خُمَيْرٍ، قال: سمِعتُ شُرَحْبِيلَ بنَ شُفْعَةَ (٢) يُحدِّثُ، عن عمرِو بنِ العاص، قال: وقَع الطاعونُ بالشام، فقال عمرٌو: إنَّه رِجْسٌ، فتَفَرَّقُوا عنه. فقال شُرَحْبِيل (٣): سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّهُ رحمةُ ربِّكم، ودعوةُ نَبِيِّكم، وموتُ الصالحين قبلَكم، فاجتَمِعوا ولا تفرَّقوا عنه" (٤). قال أبو عُمر: أظُنُّه أرادَ بقوله: "ودعوةُ نبيِّكم" قولَه ﷺ : "اللهمَّ اجعَلْ فناءَ أُمَّتي بالطَّعْنِ والطاعونِ". وقد ذكَرْنَا هذا الخبرَ في مواضِعَ مِن هذا الكتابِ (٥)، ورَوَينا عن ابن مسعود أنَّه قال: الطَّاعونُ فِتنةٌ على المُقِيم وعلى الفَارِّ؛ أمَّا الفارُّ فيقول: فرَرْتُ فنجَوْتُ. وأمَّا المقيمُ فيقول: أقَمتُ فمِتُّ. وكَذَبَا؛ فَرَّ مَن لم يجِئْ أجَلُه، وأقام مَن جاء أجَله (٦).

стр. 3200

ابنُ شهابٍ عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ حديثٌ واحدٌ وهو عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاص (١)، واسمُ أبي وقّاص: مالكُ بنُ أُهَيب بن عبدِ منافِ بنِ زُهْرةَ القرشيُّ الزُّهريُّ. قد ذكرنا أباه في كتابنا في "الصحابة" (٢) بما فيه كفاية. وعامرٌ هذا أحدُ ثقاتِ التابعينَ، وهم خمسةُ إخوةٍ، كلُّهم قد روى الحديثَ: عامرُ بنُ سعدٍ هذا سكن المدينةَ، ومات بها سنة أربع ومئة (٣)، وقيل: إنَّه توفِّي في خلافة الوليدِ بنِ عبدِ الملك. ومصعبُ بنُ سعدٍ سكَن الكوفةَ ومات بها، وروى عنه أهلها، وكانت وفاتُه سنة ثلاثٍ ومئة (٤). ومحمدُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، خرج مع ابنِ الأشعثِ (٥)، وقتلَه الحجّاجُ، وابنُه إسماعيلُ بنُ محمّد، رُوِيَ عنه العلمُ، روى عنه مالكٌ وغيرُه (٦). وموسى بنُ سعد، روَى عنه الحديثَ وعن ابنه مجاهدُ بنُ موسى.

стр. 3201

وعمرُ بن سعد (١)، كان أميرَ الجيش في قتل الحُسين، ثم قتله المختار بنُ أبي عُبيدٍ، وقَتل معه ابنَه حفصَ بنَ عمر، وأبو بكر بنُ حفصِ (٢) بنِ عُمرَ أحدُ رُواةِ الحديثِ وثقاتهم وفقهائهم وأهلِ العلم بالسِّير والخبر منهم، وكلُّ بني سعدٍ من حملَة العلم مِن التابعين. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ أيَّ واحدٍ منهم لم يُدركِ النبيَّ ﷺ ؛ لقوله فيه: "ولا يَرثُني إلا ابنةٌ لي. أو: إلّا ابنتي" على ما رُوي من اختلاف ألفاظ نقَلَة حديثه هذا، وذلك يومئذٍ؛ لأنَّه تُوفِّي وله بناتٌ، وكان مرضُهُ ذلك في حجّة الوداع، فيما ذَكَر أكثرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ عنه في هذا الحديث، وقال فيه ابنُ عُيينةَ عنه: عامَ الفتح. ولا أعلمُ أحدًا من أصحاب الزُّهريِّ قال ذلك فيه عنه غيرَ ابنِ عُيينةَ، وسنذكُر روايتَه في ذلك، وقولَ مَنْ وافقَه عليه من غير روايةِ ابنِ شهابٍ بعدُ في هذا الباب إن شاء الله.

стр. 3202

مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أبيه، قال: جاءني رسولُ الله ﷺ يَعُودُني عامَ حَجَّةِ الوداع وبي وجَعٌ (٢) وقد اشْتَدَّ بي، فقلت: يا رسولَ الله، قد بلَغ منِّي الوَجَعُ ما ترَى، وأنا ذُو مالٍ، ولا يرثُني إلا ابنةٌ لي، أفأتَصَدَّقُ بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا". قُلْتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: "لا". قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ - أو: كبيرٌ (٣) -، أنْ تَذَرَ ورَثتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عَالةً يتكفَّفون الناسَ، وإن لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ فيها، حتى ما تجعَلُ في فيّ امرأتِكَ". قال: قُلْتُ: يا رسولَ الله، أأُخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟ قال: "إنَّك لن تُخلَّفَ فتَعْمَلَ عملًا صالحًا إلَّا ازْدَدْتَ به رفْعَةً ودَرَجة، ولعَلَّكَ أن تُخلَّفَ حتى يَنْتفِعَ بك أقْوَامٌ ويُضَرَّ بك آخَرُون، اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكنِ البائِسُ سعدُ بنُ خَوْلَةَ"، يَرْثي له رسولُ الله ﷺ أن مات بمكة. هذا حديثٌ قد اتَّفَق أهلُ العلم على صحَّةِ إسنادِه، وجعَله (٤) جمهورُ الفقهاء أصلًا في مقدارِ الوصيةِ، وأنَّه لا يُتَجَاوَزُ بها الثُّلثُ، إلَّا أنَّ في بعضِ ألفاظِه اخْتِلافًا

стр. 3203

عندَ نقَلَتِه، فمِن ذلك أنَّ (١) ابنَ عُيينةَ قال فيه: عن ابنِ شهاب، عن عامرِ بنِ سعد، عن أبيه: مَرِضْتُ عامَ الفتح. انْفَرَد بذلك عن ابنِ شهابٍ فيما عَلِمْتُ، وقد روينا هذا الحديثَ مِن طريقِ مَعْمَر (٢)، ويونُسَ بنِ يزيد (٣)، وعبدِ العزيزِ بنِ أبي سَلَمَةَ (٤)، ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، وابنِ أبي عَتِيقٍ (٥)، وإبراهيمَ بنِ سعدٍ (٦)، فكلُّهم قال فيه، عن ابنِ شهابٍ: عامَ حجَّةِ الوَداع. كما قال مالِكٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ وأحمدُ بنُ زُهَيْرٍ (٧)، قالا:

стр. 3204

حدَّثنا الحُمَيْديُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، قال: أخبرني عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقَّاص، عن أبيه، قال: مَرِضْتُ بمكةَ عامَ الفتح مَرَضًا أشْفَيْتُ منه، فأتاني رسولُ الله ﷺ يَعُودُني، فقُلْتُ: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالًا كثيرًا، وليس يَرثُني إلَّا ابنتي، أفأتصَدَّقُ بمالي كُلِّه؟ قال: "لا". قال: قُلْتُ: أفأتصَدَّقُ بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا". قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: "لا". قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ". وذكَرَ الحديثَ. قال يَعْقُوبُ بنُ شيبةَ: سمِعتُ عليَّ بنَ المدينيِّ، وذكر هذا الحديثَ فقال: قال مَعْمَرٌ، ويُونُسُ، ومالكٌ: حجَّةِ الوَداع. وقال ابنُ عيينةَ: عامَ الفَتْح. قال: والذين قالوا: حَجَّةِ الوَداع. أصْوَبُ. قال أبو عُمر: لم أجِدْ ذكْرَ عام الفتح إلَّا في روايَةِ ابنِ عيينةَ لهذا الحديث، وفي حديثِ عمرٍو القارِيِّ؛ رجلٌ مِن الصحابةِ، في هذا الحديثِ. روَاه عفَّانُ بنُ مسلم، عن وُهَيْب بنِ خالدٍ، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْم، عن عمرٍو القاريِّ، عن أبيه، عن جَدِّه عمرٍو القَاريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَدِم مكةَ عامَ الفتح، فخَلَّف سعدًا مريضًا حينَ خرَجَ إلى حُنَين، فلمَّا قَدِم مِن الجِعِرَّانةِ مُعْتَمرًا، دخَل عليه وهو وجِعٌ مَغْلُوبٌ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالًا، وإنِّي أُورَثُ كلالةً، أفأُوصي بمالي كلِّه، أو أتصَدَّقُ بمالي كلِّه؟ قال: "لا". وذكَرَ الحديثَ (١).

стр. 3205

هكذا في حديثِ عمرٍو القاريِّ: أفأُوصي؟ على الشَّكِّ أيضًا. وأمَّا حديثُ ابنِ شهابٍ، فلم يَختَلِفْ عنه أصْحابُه، لا ابنُ عيينةَ ولا غيرُه، أنَّه قال فيه: أفأتصَدَّقُ بمالي، أو بثُلُثَيْ مالي؟ ولم يَقُلْ: أفأُوصي (١)؟ فإن صَحَّتْ هذه اللفظةُ؛ قولُه: أفأتصدَّقُ؟ كان في ذلك حُجَّةٌ قاطِعَةٌ لما ذهَب إليه جمهورُ أهلِ العلم في هِباتِ المريضِ وصَدَقاتِه وعِتْقِه؛ أنَّ ذلك مِن ثُلُثِه لا مِن جميع مالِه (٢). وهو قولُ مالكٍ، والليثِ، والأوزاعيِّ، والثوريِّ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، وأحمدَ، وعامةِ أهلِ الحديثِ والرأي (٣). وحُجَّتُهم حديثُ عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ في الذي أعْتَقَ سِتّةَ أعْبُدٍ في مَرَضِه لا مالَ له غيرُهم، ثم تُوُفِّي، فأعْتَق رسولُ الله ﷺ منهم اثْنين، وأرَقَّ أرْبَعةً (٤).

стр. 3206

وقالت فِرْقَةٌ مِن أهلِ النَّظَرِ وأهلِ الظاهِر (١)؛ منهم داودُ، في هِبَةِ المريض: أنَّها مِن جميع مالِه. والحُجَّةُ عليهم شُذوذُهم عن السَّلَفِ، ومُخالفةُ الجمهورِ، وما ذكَرْنا في هذا البابِ مِن حديثِ سعدٍ وعمرانَ بنِ حُصيْن (٢). وقد قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ عامِرَ بنَ سعدٍ هو الذي قال في حديث سعدٍ: أفأتصَدَّقُ بثُلُثَيْ مالي، أو بمالي؟ وأمَّا مصعَبُ بنُ سعدٍ فإنَّما قال: أفأُوصِي؟ ولم يَقُلْ: أفأتصدَّقُ؟ والذي أقولُه: إنَّ ابنَ شهابٍ هو الذي قال عن عامِرِ بنِ سعدٍ في هذا الحديثِ: أفأتَصدَّقُ؟ لأنَّ غيرَ ابنِ شهابٍ روَاه عن عامرٍ، فقال فيه: أفأُوصِي (٣)؟ كما قال مصعبُ بنُ سعدٍ، وهو الصحيحُ إن شاء الله. روى شعبةُ والثوريُّ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: جاء النبيُّ ﷺ يَعُودُني وأنا بمكَّةَ، وهو يكرَهُ أنْ يَمُوتَ بالأرضِ التي هاجَر منها، قال: "يَرْحَمُ اللهُ سعدَ ابنَ عَفْرَاء". قلتُ: يا رسولَ الله، أفأُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: "لا". قلتُ: فالشَطرُ؟ قال: "لا". قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ". وذكر تمامَ الحديث (٤).

стр. 3207

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ عليٍّ، عن زائِدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن مُصْعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: عادني رسولُ الله ﷺ ، فقُلْتُ له: أُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: "لا". قلتُ: فالنِّصفُ؟ قال: "لا". قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "نعم، والثُّلثُ كثيرٌ" (١). فهذه الآثارُ في الوصيَّةِ في الثُّلُث. وأجمَع علماءُ المسلمين على أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يُوصِيَ بأكثرَ مِن ثُلُثِه إذا تَرَك وَرَثَةً مِن بَنينَ، أو عَصَبةً (٢). واخْتَلفُوا إذا لم يَتْرُكْ بَنِينَ ولا عَصَبةً، ولا وارِثًا بنسبٍ أو نكاح؛ فقال ابنُ مَسعودٍ: إذا كان كذلك، جاز له أن يُوصِيَ بمالِه كُلِّه. وعن أبي موسى الأشعريِّ مثلَه. وقال بقولهما قومٌ؛ منهم مسروق، وعَبيدَةُ السَّلْمَانيُّ (٣). وبه قال إسحاقُ بنُ راهُويَة (٤). واخْتَلَف في ذلك قولُ أحمدَ (٥). وذهَب إليه جماعَةٌ مِن المتأخِّرينَ ممَّن

стр. 3208

يقولُ بقولِ زيدِ بنِ ثابِتٍ في هذه المسألة. ومن حُجَّتِهم أنَّ الاقْتِصارَ على الثُّلثِ في الوصيَّةِ إنَّما كان مِن أجلِ أن يَدَعَ ورَثَتَه أغْنِياءَ، وهذا لا وارثَ (١) له، فليس ممَّن عُنيَ بالحديثِ، واللهُ أعلم. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢)، عن مَعْمَر، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرينَ: أنَّ أبا موسى أجاز وصِيَّةَ امرأةٍ بمالها كلِّه لم يكنْ لها وارِثٌ. وعن الثَّوريِّ (٣)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرَةَ، قال: قال لي ابنُ مسعودٍ: إنكم مِن أحْرَى (٤) حيٍّ بالكوفةِ أن يموتَ ولا يَدَعَ عَصَبةً ولا رَحمًا، فما يَمْنَعُه إذا كان ذلك أن يَضَعَ مالَه في الفقراءِ والمساكِين؟ وعن مَعْمَرٍ (٥)، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبِيد، قال: إذا مات الرجلُ وليس عليه عَقْدٌ لأحدٍ، ولا عَصَبةَ يَرثُونَه، فإنَّه يُوصي بمالِه كلِّه حيثُ شاء. وعن ابنِ عيينةَ (٦)، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ مثلَه.

стр. 3209

وقال زيدُ بنُ ثابِتٍ: لا يجوزُ لأحدٍ أن يُوصِيَ بأكثَرَ من ثُلُثِه؛ كان له بَنُونَ، أو وُرِثَ كَلالَةً، أو وَرِثَه جماعَةُ المسلمينَ؛ لأنَّ بقية (١) مالهم عَصبةُ مَن لا عَصَبةَ له (٢). وبهذا القولِ قال جمهورُ أهلِ العلم، وإليه ذهَب جماعةُ فقهاء الأمصارِ، إلَّا ما ذُكِرَ (٣) عن طوائفَ مِن المتأخرين مِن أصحابِهم. وفي هذا الحديثِ تَخصِيصٌ للقرآنِ؛ لأنَّه أطْلَقَ الوصيةَ ولم يُقَيِّدْها بمقدار لا يُتَعَدَّى، وكان مرادُه مِن كلامِه ما بيَّنه عنه رسولُه ﷺ ، قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، يعني: لتُبيِّنَ لهم مُرادَ ربِّهم فيما احْتَمَله التأويلُ مِن كتابِهم الذي نُزِّلَ عليهم. وسيأتي القولُ في حكم الوصيةِ لغيرِ الوالدين والأقربينَ، في بابِ نافِع (٤)، وبابِ يحيى بنِ سعيدٍ (٥)، إنْ شاءَ الله. وأجمَع فقهاءُ الأمصارِ أنَّ الوصيَّة بأكثرَ مِن الثُّلثِ إذا أجازها الورثةُ جازَتْ، وإنْ لم يُجزْها الوَرَثةُ لم يجزْ منها إلَّا الثُّلثُ.

стр. 3210

وقال أهلُ الظاهر: إنَّ الوصيةَ بأكثرَ مِن الثُّلثِ لا تجوزُ، أجازها الورثةُ أو لم يُجيزُوها. وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ كيْسَانَ (١). وإلى هذا ذهَب المزنيُّ (٢)؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ لسعدٍ حينَ قال له: أُوصِي بشَطْرِ مالي؟ قال: "لا". ولم يَقُلْ له: إن أجازه ورثتُك جاز. وبذلك قالوا: إنَّ الوصيةَ للوارثِ لا تجوزُ، أجازها الورثةُ أو لم يُجيزُوها؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "لا وصِيَّةَ لوَارِث" (٣). وسائرُ الفقهاءِ يُجيزُون ذلك إذا أجازها الورثةُ، ويجعَلُونها هِبةً مُسْتأْنفَةً مِن قِبَلِ الوَرثَةِ (٤)

стр. 3211

في الوَجْهَين جميعًا؛ منهم: مالِكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، والثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم (١). وفي قولِ رسولِ الله ﷺ : "الثُّلثُ كثيرٌ" دليلٌ على أنَّه الغايةُ التي إليها تَنْتهي الوصيةُ، وأنَّ ذلك كثيرٌ في الوصيةِ، وأنَّ التَّقْصيرَ عنه أفضلُ، ألا تَرَى إلى قولِ رسولِ الله ﷺ بعَقِبِ قوله: "الثُّلثُ كثيرٌ": "ولأن تَدَعَ ورَثَتك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تَدَعَهم عالةً يتكفَّفُون الناسَ"؟ فاسْتَحَبَّ له الإبقاءَ لورَثَتِه، وكَرِه جماعَةٌ مِن أهلِ العِلْم الوَصِيَّة بجميع الثُّلثِ. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢)، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، قال: إذا كان ورَثَتُه قليلًا ومالُه كثيرًا، فلا بأْسَ أن يَبْلُغَ الثُّلثَ في وصِيَّتِه. واسْتَحَبَّ طائفةٌ منهم الوصِيَّة بالرُّبُع. رُويَ ذلك عن ابنِ عباسٍ وغيرِه (٣). وقال إسحاقُ بنُ راهُويَةَ: السُّنَّةُ في الوصيَّةِ الرُّبُعُ؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "الثُّلثُ كثيرٌ"، إلَّا أن يكونَ رجلٌ يَعْرِفُ في مالِه شُبُهاتٍ، فيجوزُ له الثُّلثُ، لا يجوزُ له غيرُه (٤). قال أبو عُمر: لا أعلَمُ لإسحاقَ حُجَّةً في قولِه: السُّنةُ في الوصيةِ الرُّبُعُ (٥).

стр. 3212

وهذا الذي نزَع به ليسَ بحُجَّةٍ في تَسْمِيتِه ذلك سُنَّة. وقد رُويَ عن أبي بكر الصِّدِّيقِ أنَّه كان يُفَضِّلُ الوصِيَّة بالخُمُسِ، وبذلك أوْصَى، وقال: رَضِيتُ لنفسي بما رضِيَ اللهُ لنفسِه (١)، كأنَّه يَعْني خُمسَ المغانم (٢). واسْتَحَبَّ جماعةٌ الوصيّةَ بالثُّلثِ، واحتَجُّوا بحديثٍ ضعيفٍ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "جعَل اللهُ لكم في الوصيةِ ثُلُثَ أموالِكم، زيادةً في أعمالِكم". وهو حديثٌ انفَرَد به طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، وطلحةُ ضعيفٌ، روَى عنه هذا الخبَرَ وكِيعٌ، وابنُ وَهْبٍ، وغيرُهما (٣)، ولا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين أنَّ الوصيةَ بأكثرَ مِن الثُّلثِ لا تجوزُ، على حسَب ما قدَّمْنا ذكرَه. وقد روى مَعمَرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: الثُّلثُ وسَط، لا بَخْسٌ (٤) ولا شطَط (٥).

стр. 3213

وهذا لا نَدْري ما هو؛ لأنَّ الغايةَ ليست بوسَطٍ، إلا أنْ يكونَ أراد: حكمُ رسولِ الله ﷺ بذلك وسَطٌ عَدْلٌ، والوَسَطُ: العَدْلُ. وروَى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباس، قال: لو أنَّ الناسَ غَضُّوا مِن الثُّلثِ؛ فإنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ". فلَيْتَهم نَقَصُوا إلى الرُبُع (١). قال قتادَةُ: الثلثُ كثيرٌ، والقضاةُ يُجيزُونَه، والرُّبُعُ قَصْدٌ، وأوصَى أبو بكرٍ بالخُمُس (٢). وذكر عبدُ الرزاقِ (٣)، عن معمر، عن أيُّوبَ، عن ابنِ سيرينَ، [عن شُريح] (٤)، قال: الثُّلثُ جَهْدٌ، وهو جائز. وعن مَعْمَر (٥)، عن قتادةَ، قال: أوصَى عمرُ ﵁ بالرُّبُع، وأوْصَى أبو بكرٍ بالخُمُس، وهو أحَبُّ إليَّ.

стр. 3214

وعن الثوريِّ (١)، عن الأعمشِ، عن إبرهيمَ، قال: كان الخُمُسُ أحَبَّ إليهم مِن الرُّبُع، والرُّبُعُ أحَبَّ إليهم مِن الثُّلث. قال الثوريُّ (٢): وأخبَرني مَن سَمِع الحسنَ وأبا قِلابةَ يقولان: أوْصَى أبو بكرٍ بالخُمُس. أخبرنا محمدُ بنُ خَليفَة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسَيْن، قال: حدَّثنا ابنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّة (٣)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن العلاءِ بنِ زيادٍ، قال: أوصَى أبي أن أسْألَ العلماءَ: أيُّ الوَصِيَّةِ أعْدَلُ؟ فما تَتابَعُوا عليه فهي وصِيتُه، فسألْتُ، فتَتابَعُوا على الخُمُس (٤). قال: وأخبَرني ابنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سِنانٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: صاحِبُ الرُّبُع أفْضَلُ مِن صاحبِ الثُّلثِ، وصاحبُ الخُصسِ أفْضَلُ مِن صاحبِ الرُّبُع. يَعْني في الوَصِيَّة (٥).

стр. 3215

وأجمعَوا أنَّ الوَصِيَّة ليست بواجبةٍ إلَّا على مَن كانت عليه حُقُوقٌ بغيرِ بيِّنةٍ، أو كانت عندَه أمانَةٌ بغيرِ إشهاد، فإن كان ذلك فواجِبٌ عليه الوصِيَّةُ فَرْضًا، لا يَحِلُّ له أنْ يَبيتَ ليْلتَين إلَّا وقد أشْهَدَ بذلك، وأمَّا التَّطوُّعُ فليس على أحَدٍ أنْ يُوصِيَ به، إلَّا فِرْقَةً شذَّتْ فأوْجَبَتْ ذلك، والآيَةُ بإيجابِ الوصيةِ للوالدَينِ والأقْرَبينَ مَنْسُوخةٌ (١)، وسنُبيِّنُ ذلك في بابِ نافِع، عن ابنِ عمرَ، مِن كتابِنا هذا إن شاء الله (٢). ولم يُوصِ رسولُ الله ﷺ ، ولو كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً، كان أبْدَرَ الناسِ إليها رسُولُ الله ﷺ ، بل قال ﵇: "أفْضَلُ الصدقةِ أن تُعْطِيَ وأنت صَحِيحٌ شَحِيحٌ تأْمُلُ الغِنَى وتَخشَى الفقرَ، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلَغَتِ النَّفْسُ الحُلقُومَ، قُلْتَ: هذا لفلانٍ، وهذا لفلانٍ" (٣). وذكر عبدُ الرَّزَّاقِ (٤)، عن الثوريِّ، عن الحسنِ بنِ عُبَيْدِ الله (٥)، عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ: أنَّه ذُكِر له أنَّ الزُّبَيرَ وطلحةَ كانا يُشَدِّدان على الرجلِ في الوصيةِ، فقال: ما كان عليهما أنْ يَفْعَلا؛ تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ فما أوْصَى، وأوْصَى أبو بكرٍ، فإن أوْصَى فحَسَنٌ، وإن لم يُوصِ فلا بَأْسَ.

стр. 3216

قال أبو عُمر: ليس قولُ النَّخَعيِّ هذا بشيءٍ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُخلِّفْ ما يُوصِي فيه؛ لأنَّه مَخصُوصٌ بأن يكونَ كلُّ ما يترُكُه صدقةً. قال (١): وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عونٍ يقولُ: إنَّما الوَصِيةُ بمنزِلَةِ الصدقةِ، فأحَبُّ إليَّ إذا كان المُوصَى له غَنيًّا عنها أن يَدَعَها. وأمَّا قولُ سعدٍ في الحديثِ: "وأنا ذو مالٍ" ففيه دليلٌ على أنَّه لو لم يكنْ ذا مالٍ ما أذِن له رسولُ الله ﷺ في الوَصيَّةِ، واللهُ أعلمُ، ألا تَرى إلى قولِه ﷺ : "لأنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون الناسَ"؟ وقد منَع عليُّ بنُ أبي طالبِ أو ابنُ عمرَ مَوْلًى لهم مِن أنْ يُوصيَ، وكان له سبعُ مئةِ دِرْهَم، وقال: إنَّما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وليس لك كبيرُ مالٍ (٢). وروَى ابنُ جُرَيْج، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، قال: لا يجوزُ لمن كان ورَثَتُه كثيرًا ومالُه قليلًا أن يُوصِيَ بثُلثِ مالِه. قال: وسُئِل ابنُ عباسٍ عن ثمانِ مئةِ دِرْهَم، فقال: قليلٌ (٣). وسُئِلَتْ عائشةُ عن رجلٍ له أربعُ مئةِ دينارٍ، وله عِدَّةٌ مِن الولدِ، فقالت: ما في هذا فَضْلٌ عن ولدِه (٤).

стр. 3217

وفي هذا الحديثِ أيضًا: عيادةُ العالم والخليفةِ وسائرِ الجِلَّةِ للمريضِ. وفيه: الدليلُ على أنَّ الأعمالَ لا تَزْكُو عندَ الله إلَّا بالنِّياتِ، لقولِه: "وإنَّك لن تُنْفِقَ نفقةً تَبْتَغي بها وجهَ الله إلَّا أُجِرْتَ فيها" فدَلَّ على أنَّه لا يأْجُرُ اللهُ على شيءٍ مِن الأعمالِ إلَّا ما ابْتُغيَ به وجْهُه ﵎. وفيه: دليلٌ على أنَّ الإنفاقَ على البَنِينَ والزوجاتِ مِن الأعمالِ الصالحاتِ، وإنَّ تَرْكَ المالِ للورثةِ أفْضَلُ مِن الصدقةِ به، إلَّا لِمَن كان واسِعَ المالِ. والأُصُولُ تَعْضُدُ هذا التأويلَ؛ لأنَّ الإنفاقَ على مَن تَلْزَمُه نفَقَتُه فَرْضٌ، وأداءُ الفرائضِ أفْضَلُ مِن التَّطَوُّع. ولو اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ على أنّ وُجوبَ نَفَقاتِ الزوجاتِ بهذا الحديثِ لكان مَذْهَبًا، لقولِه: "حتى ما تَجعَلُ في فيّ امرأتِك". وأمَّا قولُ سَعْدٍ: "أُخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟ " فمَعْناه عندي - واللهُ أعلمُ -: أُخَلَّفُ بمكةَ بعدَ أصحابي المهاجِرِينَ المُنْصَرِفِين معك إلى المدينةِ. ويَحتَمِلُ أن يكونَ لمّا سَمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّك لن تُنْفِقَ نفقةً تَبْتَغي بها وجهَ الله" - و"تُنْفِقُ" فعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ - أيْقَن أنَّه لا يموتُ مِن مَرَضِه ذلك، أو ظَنَّ ذلك، فاسْتَفْهَمَه: هل يَبْقَى بعدَ أصْحابِه؟ فأجابه رسولُ الله ﷺ بضرْبٍ مِن قولِه: "لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بها وجهَ الله". وهو قولُه: "لن تُخلَّفَ فتَعْمَلَ عَمَلًا صالحًا إلَّا ازْدَدْتَ به رفْعَةً ودَرَجَةً، ولعلَّكَ أن تُخلَّفَ حتى يَنْتفِعَ بك أقْوَامٌ ويُضَرَّ بك آخَرُون". وهذا كلُّه ليس بتَصْرِيح، ولكنَّه قد كان كلُّ ما قاله ﷺ ، وصدَقَ في ذلك ظَنُّه، وعاش سَعْدٌ حتى انْتَفَع به قومٌ واستَضَرَّ به آخرون. وروَى ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكَيْر بنِ الأشَجِّ، قال: سألتُ عامرَ بنَ سَعْدِ بنِ أبي وقَّاصٍ عن قولِ رسولِ الله ﷺ لأبيه عامَ حَجَّةِ الوَدَاع: "ولعَلَّكَ أن تُخلَّفَ حتى يَنْتفِعَ بك قومٌ ويُضَرَّ بك آخَرُونَ". فقال: أُمِّر

стр. 3218

سعدٌ على العراقِ، فقَتَل قومًا على ردَّةٍ فأضَرَّ بهم، واسْتَتابَ قومًا سَجَعوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ فتابُوا فانتَفَعُوا (١). قال أبو عُمر: ممَّا يُشْبِهُ قولَ رسولِ الله ﷺ لسعدٍ (٢) هذا الكلامَ، قولُه للرجلِ الشَّعِثِ الرَّأْسِ: "ما لَه، ضَرَب اللهُ عُنُقَه؟ ". فقال: الرجلُ في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "في سبيلِ الله". فقُتِل الرجلُ في تلك الغَزَاةِ (٣). ومثلُه قولُه ﷺ في غزو مُؤْتةَ: "أميرُكم زيدُ بنُ حارثةَ، فإن قُتِل فجعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فإن قُتِل فعبدُ الله بنُ رواحةَ". فقال بعضُ أصحابِه: نَعَى إليهم أنفُسَهم. فقُتِلوا ثَلاثَتهم في تلك الغَزَاةِ (٤). ومثلُ ذلك قصةُ عامِرِ بنِ سنانٍ حينَ ارْتَجز برسولِ الله ﷺ سيرِه إلى خيبرَ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "غفَر لك ربُّك يا عامرُ". فقال له عمرُ: يا رسولَ الله، لو أمْتَعْتَنا به؟ قال: وذلك أنَّه ما استَغْفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخصُّه بذلك إلَّا اسْتُشْهِد، فاسْتُشْهِد عامِرٌ يومَ خيبرَ (٥). وهذا كلُّه ليس بتصريح مِن رسولِ الله ﷺ في القولِ، ولا يَبِين في المرادِ والمعنى، ولكنَّه كان يخرُجُ كلُّه كما ترَى، وقد خُلِّفَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ بعدَ

стр. 3219

حجَّةِ الوَداع نحوَ خمسٍ وأربعين سنةً، وتُوفِّي سنةَ خمسٍ وخمسين، وقد ذكرنا أخبارَه وسيرتَه وطرَفًا مِن فضائلِه في كتابنا في "الصحابةِ" (١)، فأغْنَى عن ذكرِه هاهنا. وفيه: دليلٌ على أنَّ المهاجِرَ لا يجوزُ له المُقامُ بالأرضِ التي هاجَر منها أكثرَ مما وُقِّتَ له، وذلك ثلاثةُ أيام، وذلك محفوظٌ في حديثِ العلاءِ بنِ الحضْرمِيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ جعَل للمهاجِرِ ثلاثةَ أيام بعدَ الصَّدَرِ (٢). وهذه الهجرةُ هي التي كان يَحرُمُ بها على المهاجرِ الرُّجُوعُ إلى الدارِ التي هاجَر منها. وقالت عائشةُ: إنَّما كانت الهجرةُ قبلَ فتح مكةَ والنبيُّ ﷺ بالمدينةِ، ليَفِرَّ الرجلُ بدينِه إلى رسولِ الله ﷺ (٣). وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ الفتح: "لا هجرةَ، ولكن جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُم فانْفِرُوا"؛ رواه مجاهدٌ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباس (٤).

стр. 3220

وقد جاءَتْ أحاديثُ ظاهِرُها في الهجرةِ على خلافِ هذا؛ منها حديثُ عبدِ الله بنِ وقْدَانَ القُرَشيِّ، وكان مُسْتَرْضَعًا في بني سعدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ ما قُوتِل الكفارُ". وروى ابنُ مُحيْريزٍ، عن عبدِ الله بنِ السَّعْدِيِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). ومنها حديثُ معاويةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ حتى تَنْقَطِعَ التوبةُ، ولا تَنْقَطِعُ التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغْربِها" (٢). قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ (٣): هذه الهجرةُ هِجرةُ المعاصي غيرَ الهجرَتَينِ الأُوليَينِ، كما روى الزهريُّ، عن صالح بنِ بَشِيرِ بنِ فُدَيْكٍ، قال: خرَج فُدَيْكٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: يا رَسُولَ الله، إنَّهم يَزْعُمُون أنَّه مَن لم يُهَاجِرْ هَلُك،

стр. 3221

فقال رسولُ الله ﷺ : "يا فُدَيْكُ، أقِم الصلاةَ، وآتِ الزكاةَ، واهْجُرِ السُّوءَ، واسْكُنْ مِن أرضِ قومِكَ حيثُ شِئْتَ، تكنْ مُهَاجِرًا". وقال الحكمُ بنُ عُتَيبةَ: أفْضَلُ الجهادِ والهجرةِ كلمةُ عدلٍ عندَ إمام جائرٍ. وقد قيل: إنَّه لم تكنْ هجرةٌ مُفْتَرضةٌ بالجملةِ على أحدٍ إلَّا على أهلِ مكةَ، فإنَّ اللهَ افْترَض عليهم الهِجْرَةَ إلى نبيِّهم ﷺ حتى فَتح عليه مكةَ، فقال حينَئِذٍ: "لا هجرةَ بعدَ الفتح، ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ". فمَضَتِ الهِجرةُ على أهلِ مكةَ، لكن (١) مَن كان مهاجِرًا لم يَجزْ له الرُّجوعُ إلى مكةَ واسْتِيطانُها وتركُ رسولِ الله ﷺ ، بل افْتُرِض عليهم المُقَامُ معه، فلما مات ﷺ افْتَرقوا في البُلْدانِ، وقد كانوا يَعُدُّون مِن الكبائِر أن يَرْجِعَ أعرابيًّا بعدَ هِجْرِتِه (٢). وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنّ قولَه: "لا هجرةَ بعدَ الفتح"؛ أيْ: لا هجرةَ مُبتَدَأةً يَهجُرُ بها المرءُ وطنَه هِجْرَانًا لا يَنْصَرفُ إليه، مِن أهل مكةَ؛ قريشٍ خاصَّةً، بعدَ الفتح، وأمَّا مَن كان مُهاجِرًا منهم، فلا يجوزُ له الرُّجُوعُ إليها على حالٍ مِن الأحوالِ ويَدَعُ رسولَ الله ﷺ . وهذا بَيِّن فيما ذكرنا إن شاء الله.

стр. 3222

وقد بَقِي مِن الهجرةِ بابٌ باقٍ إلى يوم القيامةِ، وهو المسلمُ في دارِ الحربِ إذا أُطْلِقَت أَسْرَتُه، أو كان كافرًا فأسْلَم، لم يَحلَّ له المُقامُ في دارِ الحربِ، وكان عليه الخرُوجُ فرضًا واجِبًا. قال رسولُ الله ﷺ : "أنا بَرِيءٌ مِن كلِّ مسلم مع مشرِكٍ" (١). وكيف يجوزُ لمسلم المُقَامُ في دارٍ تَجرِي عليه فيها أحكامُ الكفر، وتكونُ كلمتُه فيها سُفْلى ويَدُه وهو مسلمٌ؟ هذا لا يجوزُ لأحَدٍ. وفيه: دليلٌ على قطعِ الذرائع في المحرَّماتِ؛ لأنَّ سعدًا وإن كان مريضًا، فرُبَّما حمَل غيرَه حُبُّ الوَطنِ على دَعْوَى المرضِ، فلذلك قال رسولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هِجرتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكنّ البائِسَ سعدُ بنُ خَوْلَة".

стр. 3223

وزعَم (١) أهلُ الحديثِ أن آخرَ حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، قولَه: "لكن البائسُ سعدُ بنُ خولةَ"، وقولَه: يَرْثي له رسولُ الله ﷺ أنْ ماتَ بمكةَ، قولُ ابنِ شهابٍ (٢).

стр. 3224

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي العَوَّام، قال: حدَّثنا يزيدُ (١) بنُ هارونَ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن الزُّهريِّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ عاده في مرضِه بمكة، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أدَعُ مالًا كثيرًا، وليس يَرِثُني إلا ابنةٌ لي، أفأُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: "لا". قال: فبنصفِه؟ قال: "لا". قال: فبثُلُثِه؟ قال: "الثُّلثُ، والثلثُ كثيرٌ، سعدُ، إنَّك أنْ تَذَرَ (٢) ورَثَتَك أغْنياءَ خيرٌ مِن أن تَذَرَهُم (٣) عالةً يَتكَفَّفونَ الناسَ، وإنَّكَ تُؤجَرُ في نَفَقَتِك كلِّها، حتى ما (٤) تجعَلُ في فيّ (٥) امْرَأتِك". قال: يا رسولَ الله، إنِّي أرْهَبُ أن أموتَ في الأرضِ التي هاجَرتُ منها، فادْعُ اللهَ لي. قال: "اللَّهُمَّ اشْفِ سعدًا، اللهم اشْفِ سعدًا". قال: يا رسولَ الله، أأُخلَّفُ عن هجرتي؟ قال: "إنَّك عسى أنْ تُخلَّفَ، ولعلك أن تَعِيشَ بعدي حتى يُضَرَّ بك قومٌ ويَنْتفِعَ بك آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هِجرتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكن البائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلةَ" (٦). وفي قولِ سعدٍ في هذا الحديثِ: إنِّي (٧) أرْهَبُ أن أموتَ في الأرضِ التي

стр. 3225

هاجَرْتُ منها، وقولِ النبيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هجرتَهم"، دليلٌ على أنَّه إنَّما تحزَّن على سعدِ بنِ خَوْلةَ لأنَّه مات في الأرضِ التي هاجَر منها، لا أنَّه لم يُهاجِرْ كما ظَنَّ بعضُ مَن لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأنَّ سعدَ بنَ خَوْلةَ ممَّن شَهِد بَدْرًا عندَ جماعَةِ أهْلِ السيرِ والعلم بالخبرِ، على أنَّه قد رُويَ ذلك أيضًا نصًّا. روَى جَريرُ بنُ حازم، قال: حدَّثني عمي جريرُ بنُ زيد (١)، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: مَرِضْتُ بمكةَ، فأتاني رسولُ الله ﷺ يعودُني، فقُلتُ: يا رسولَ الله، أموتُ بالأرضِ التي هاجَرْتُ منها؟ ثم ذكرَ معْنَى حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، وفي آخِرِه: "لكنْ سعدُ بنُ خَوْلةَ البائسُ قد مات في الأرضِ التي هاجَر منها" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْنَاقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، قال: خَلَّف النبيُّ ﷺ على سعدٍ رجلًا، فقال: "إن مات بمكةَ فلا تَدْفِنْه بها". قال سفيانُ: لأنَّه كان مهاجرًا (٣).

стр. 3226

وروى سفيانُ بنُ عيينة (١)، عن محمدِ بنِ قيسٍ، عن أبي بُرْدَةَ، عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: سألْتُ النبيَّ ﷺ : أتكْرَهُ للرجلِ أنْ يموتَ بالأرضِ التي هاجَر منها؟ قال: "نعم". وقال فُضيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ: سألتُ إبرهيمَ عن الجوارِ بمكةَ، فرَخَّص فيه، وقال: إنَّما كُرِه لئلَّا يَغْلُوَ السِّعْرُ، وكُرِه لمن هاجر أن يُقِيمَ بها (٢). حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفَسِّرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، قال (٣): حدَّثنا وكيعٌ، عن عبدِ الله بنِ سعيد،

стр. 3227

عن أبيه، عن ابنِ عمر، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا قَدِم مكةَ قال: "اللَّهُمَّ لا تجعَلْ منَايانَا بها حتى تُخرِجَنا منها". وأمَّا سعدُ بنُ خَوْلَةَ، فرجلٌ مِن بني عامرِ بنِ لؤيٍّ، وقد قيل: إنَّه حَلِيفٌ لهم، وقد ذكرناه في كتابِنا في "الصحابةِ" (١) بما فيه كِفايةٌ. حدَّثني خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ غُلَيْب (٢) وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ بكَيْرٍ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، عن يَزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، قال: تُوُفِّي سعدُ بنُ خَوْلَةَ في حجَّةِ الوَدَاع (٣).

стр. 3228

ابنُ شِهاب عن أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن، حديثان؛ أحدُهما مرسَلٌ عندَ أكثرِ الرُّواةِ عن مالكٍ وهو أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (١) بنِ الحارثِ بنِ هشامِ بنِ المغير، قرشيٌّ، مخزوميٌّ، قد ذكرْنا نسَبَه عند ذِكْرِ الحارثِ بنِ هشامٍ، في كتابنا في "الصَّحابةِ" (٢)، فأغنى عن ذِكْرِه هاهنا. وأبو بكرٍ هذا أحدُ فقهاء التابعينَ بالمدينةِ العشَرةِ الذين كان عليهم مدارُ الفتوى في زمانِهم، وقد ذكَرْناهم. وُلد في خلافة عمرَ بنِ الخطّابِ، وأمُّه فاختهُ بنتُ عَنَبةَ (٣) بنِ سُهَيل بن عَمْرٍو، قرشيّةٌ، عامريّةٌ. واسمُه كنيتُه، وقد قيل: إنّ اسمَه: المغيرةُ، ولا يصحُّ، والصَّحيحُ أنّ اسمَه كنيتُه. واستُصغِرَ يومَ الجمَل، فرُدَّ من الطّريقِ هو وعروةُ بنُ الزُّبير. وكان يُقال له: راهبُ قريشٍ، لكثرة صلاتِه وعبادتِه (٤). وقال مالكٌ ﵀: ما بلغني أنّ أحدًا من التابعينَ اعتكَف إلّا أبا بكر بنَ عبدِ الرَّحمنِ (٥)، وذلك لشدَّة الاعتكافِ فيما أرى واللهُ أعلم. وكان عبدُ الملكِ بن مروان مُكرِمًا لأبي بكرٍ هذا مُجلًّا له، وأوصى الوليدَ

стр. 3229

وسليمانَ بإكرامِه، وقال عبدُ الملك: إنِّي لأهُمُّ بالشيء أفعلُه بأهل المدينة لسُوءِ أثَرِهم عندنا، فأذكُر أبا بكرٍ، فأستحي منه، فأدَعُ ذلك الأمرَ (١). وكان موتُه فُجاءةً، ويقولون: إنَّه صلّى العصرَ ثم دخل مُغتَسَلَه، فسقطَ، وكان قد كُفَّ بصَرُه، فجعل يقول: والله ما أحدثتُ في صدْر نهاري شيئًا. فما غربتِ الشمسُ حتّى مات، وذلك سنةَ أربع وتسعينَ بالمدينة (٢). وفي هذه السَّنة توفِّي جماعةٌ منَ الفقهاء: منهم عليُّ بنُ حُسينٍ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، وعروةُ بنُ الزُّبير، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، ذكر هذه الجملةَ من خبرِه الواقديُّ (٣)، والطبريُّ، ومصعبٌ الزُّبيريُّ. وذكَر الحسنُ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيد، أنّ عروةَ بنَ الزُّبير كان يستودِعُ أبا بكرٍ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، وأنّه استَودعَه عشرينَ ألفَ دينارٍ، فسُرقتْ، فاتَّهم بها أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمنِ امرأةً منَ العربِ كانت عندَهم، فحذَّرها، واشتدَّ عليها، وخوَّفها، فاعترفَتْ بأنّها أخذَتْها، وأنّها عندَها، وأنّها تؤدِّيها، فأرسل أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمن إلى مشايخَ من قريشٍ، فأشهَدَهُم على اعترافها، وفيهم القاسمُ بنُ محمّدٍ، وهو يومئذٍ من أحدَثِهم سِنًّا، فخلّى سبيلَها، فلمّا خرجَتْ من داره، وأمِنَتْ، قالت: ما أخذتُ من ذلك قليلًا ولا كثيرًا. فخاصَمَها إلى أبانَ بنِ عثمانَ، وهو أميرُ المدينة، فسأل الشُّهودَ عن شهادَتِهم، فشهِدُوا أنّها اعترفتْ بعشرينَ ألفَ دينار، وأنّها مؤدِّيتُها، فسألهم رجلًا رجلًا حتّى بلغَ القاسمَ بنَ محمّدٍ، فقال: ماذا تشهدُ به يا قاسمُ؟

стр. 3230

فقال: أشهدُ أنّ أبا بكرٍ دعانا لِنَشْهدَ على هذه المرأةِ، وهي في الحديد، ظاهرٌ عليها الضَّربُ، فاعترفَتْ بأنّها أخذتْ العشرينَ ألفًا. فأقبَلَ أبانُ على المشايخ، فقال: أكانَ أمرُها على ما ذكَر القاسمُ؟ قالوا: نعم. قال: فما منعَكُم أنْ تقولوا كما قال؟ فلولا مكانُه لقضَيتُ عليها بعشرينَ ألفَ دينارٍ. يا قاسمُ: جئتَ والله بالشهادةِ على وَجْهِها كما قال الله . قال: فارتفَع أمرُ القاسم من يومئذٍ عند الناس، وفطِنُوا لفضْلِه، وكان المالُ لوَلدِ مُصعبِ بنِ الزُّبير، فباع أبو بكرٍ مالَه بعشرينَ ألفًا، حتى أدّاها إلى عروةَ، فقال له عروةُ: والله ما عليكَ منها شيءٌ، إنما أنتَ مُستَودعٌ، فأبى أبو بكرٍ إلّا أن يَغرَمَها. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهيبُ بنُ خالد، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، عن عمرَ بنِ عبدِ الرحمن: أنّ أخاه أبا بكرٍ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ كان يصومُ الدَّهرَ لا يُفطرُ. قال (٢): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ أسامةَ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيهِ، قال: رُدِدتُ أنا وأبو بكرٍ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام منَ الطّريقِ يومَ الجَمَلِ؛ استُصْغِرْنا. وإيّاه عنى عبيدُ الله بنُ عبدِ الله بقوله: شهيدي أبو بكرٍ فنِعْمَ شهيدُ في أبيات أذكُرها في باب عُبيدِ الله (٣) إن شاء الله تعالى.

стр. 3231

حديثٌ أوّلُ لابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن ثَمَنِ الكَلب، ومَهْرِ البغِيِّ، وحُلْوانِ الكَاهِنِ. وقَع في نُسخةِ "موطأ يحيى": وعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ. وهذا مِن الوَهَم البيِّنِ والغَلَطِ الواضِح الذي لا يُعَرَّجُ على مثلِه، والحديثُ محفوظٌ في جميع "الموطَّآتِ" (٢) وعندَ رُوَاةِ ابنِ شهابٍ كلِّهم لأبي بكرٍ، عن أبي مسعودٍ، وأمَّا لابنِ شهابٍ، عن أبي مسعودٍ فلا، ولا يُلتَفَتُ إلى مثلِ هذا؛ لأنّه مِن خطأ اليَدِ وسُوءِ النَّقْلِ (٣). وأبو مسعودٍ هذا اسمُه عُقبَةُ بنُ عمرٍو، ويُكْنَى أبا مسعودٍ الأنصاريَّ، يُعرَفُ بالبدرِيِّ؛ لأنّه كان يسكُنُ بدرًا، واختُلِف في شُهودِه بدرًا، وقد ذكرناه في كتابِنا في "الصحابةِ" (٤) بما فيه كفايةٌ. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل، وعمرُ بنُ

стр. 3232

محمدِ بنِ القاسم، ومحمدُ بنُ أحمدَ بن المِسوَرِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بنُ سَهلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ هشام، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن ثَمَنِ الكلب، ومَهْرِ البَغيِّ، وحُلْوانِ الكَاهِنِ (١). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ ما اتُّفِقَ عليه، وفيه ما اختُلِف فيه. فأمَّا مَهرُ البَغِيِّ - والبَغِيُّ: الزَّانيةُ، ومَهرُها ما تأخُذُه على زِنَاها - فمُجتَمَعٌ على تحريمِه، تقولُ العربُ: بَغَتِ المرأةُ: إذا زَنَت، تَبغي بِغَاءً، فهي بَغيٌّ، وهُنَّ البَغَايَا. قال الله : ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، يعني زانِيَةً. وقال: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]، يعني الزِّنى، وهو مصدَرٌ (٢). وأمَّا حُلْوَانُ الكاهِن فمُجتمَعٌ أيضًا على تحريمِه. قال مالكٌ (٣): وهو ما يُعطَى الكاهِنُ على كهانَتِه. والحُلْوَانُ في كلام العربِ: الرِّشوةُ والعَطِيَّةُ، تقولُ منه: حَلَوْتُ الرجلَ حُلْوانًا: إذا رَشَوتَه بشيءٍ. قال أوسُ بنُ حُجْر (٤): كأنِّي حَلَوْتُ الشِّعْرَ يومَ مدَحتُه ... صَفَا صَخرةٍ صَمَّاءَ يَبْسٍ بِلالُها

стр. 3233

وقال علقمةُ (١): فمَن رجلٌ أحْلُوه رَحلي وناقَتي ... يُبلِّغُ عنِّي الشِّعرَ إذْ مات قائِلُهْ وأمَّا ثَمَنُ الكلبِ فمُخْتَلَفٌ فيه، فظاهِرُ الحديثِ يشهَدُ لصِحَّةِ قول مَن نَهى عنه وحَرَّمَه. وأمَّا اختلافُ العلماءِ في ذلك، فقال مالك في "موطئِه" (٢): أكرَهُ ثَمَنَ الكلبِ الضَّاري وغيرِ الضَّاري لنَهْي رسولِ الله ﷺ عن ثَمَنِ الكلب. قال أبو عُمر: رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنَّه نَهى عن ثَمَنِ الكلبِ مِن خمسةِ أوجُهٍ، مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالب (٣)، وابنِ عباس، وأبي مسعود، وأبي هريرة،

стр. 3234

وأبي جُحَيْفَةَ (١). قال مالكٌ (٢): لا يجوزُ بيعُ شيءٍ مِن الكلاب، ويجوزُ أن يُقتَنَى كلبُ الصَّيْدِ والماشيةِ والزرع (٣). وقد رُويَ عن مالِكٍ إجازةُ بَيع كلبِ الصَّيدِ والزَّرع والماشيةِ (٤). فوجهُ إجازَةِ بَيع كلبِ الصيدِ وما أُبِيح اتِّخاذُه مِن الكلابِ، أنَّه لما قُرِن ثمَنُها في الحديثِ مع مَهْرِ البغيِّ وحُلْوانِ الكاهنِ، وهذا لا إباحَةَ في شيءٍ منه، فدَلَّ على أنَّ الكلبَ الذي نُهِي عن ثمَنِه: ما لم يُبَح اتِّخاذُه، ولم يدخُلْ في ذلك ما أُبِيحَ اتِّخاذُه، واللهُ أعلم. ووَجْهُ النهي عن ثَمَنِ الضَّارِي وغيرِ الضَّارِي مِن الكلابِ، عُمُومُ وُرُودِ النهي عن ثَمَنِها، وأنَّ ما أُمِر بقَتْلِه مَعْدُومٌ وُجُودُه منها، ولا خلافَ عن مالكٍ أنَّ مَن قتَل كلبَ صيدٍ، أو ماشيةٍ، أو زرعٍ، فعليه القِيمَةُ، وأنَّ مَن قتَل كلبًا ليسَ بكلبِ صيدٍ، ولا زَرْع، ولا ماشيةٍ، فلا شيءَ عليه.

стр. 3235

قال مالكٌ: وإذا لم يُسرَّحْ كلبُ الدَّارِ مع الماشيةِ، فلا شيءَ على قاتلِه (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: بيعُ الكلابِ جائِزٌ إذا كانت لصيدٍ أو ماشيةٍ، كما يجوزُ بَيْعُ الهِرِّ. وذكَر محمدُ بنُ الحسنِ، عن أسَدِ بنِ عمرٍو، عن أبي حنيفةَ، فيمَن قتَل كلبًا ليس بكلبِ صيدٍ ولا ماشية، قال: عليه قيمتُه، وكذلك السِّباعُ كلُّها إذا استَأْنْسَت وانتُفِع بها، وكذلك كلُّ ذي مِخلَبٍ مِن الطيرِ (٢). وقال الشافعيُّ (٣): لا يجوزُ بيعُ الكلابِ كلِّها ولا شيءٍ منها على حالٍ؛ كان لصيدٍ أو لغيرِ صيدٍ، ولا شيءَ على مَن قتَل كلبًا مِن قيمةٍ ولا ثَمَنٍ، سواءٌ كان كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ أو زرعٍ، أو لم يكنْ. وحُجَّتُه نَهيُ رسولِ الله ﷺ عن ثمنِ الكلبِ. قال: وما لا ثمَنَ له فلا قيمةَ فيه إذا قُتِل. واحتجَّ بأمرِ رسولِ الله ﷺ بقتلِ الكلاب (٤)، وقال: ولو كانتِ الكِلابُ مالًا يَجُوزُ تَمَوُّلُه ومِلْكُه والانتفاعُ به، لم يأمُرْ رسولُ الله ﷺ بقتلِها؛ لأنَّ في ذلك إضاعةَ الأموالِ وتلَفَها، وهذا لا يجُوزُ أن يُضافَ إليه ﷺ . روَى مالكٌ (٥)، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَر بقتلِ الكِلابِ. وروَى عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: أمَر رسولُ الله ﷺ

стр. 3236

بقتلِ الكلابِ، وأرسَل في أقطارِ المدينةِ لتُقتَلَ (١)؛ ذكره ابنُ أبي شيبةَ (٢)، عن أبي أسامةَ، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ بقتلِ الكلابِ، حتى إنَّ المرأةَ لتَدخُلُ بالكلبِ، فما تخرُجُ حتى يُقتَلَ (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا الربيعُ بنُ نافع أبو تَوبةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، يعني ابنَ عمرٍو، عن عبدِ الكريم (٦)، عن قيسِ بنِ حَبْتَرٍ (٧)، عن عبدِ الله بنِ عباس، قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عن ثَمَنِ الكلبِ، قال: "إنْ جاء يطلُبُ ثَمَنَ الكلبِ، فامْلأ كَفَّه تُرابًا".

стр. 3237

وأخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (١)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا معروفٌ الجُذامِيُّ، أنَّ عُليَّ بنَ ربَاحٍ اللَّخمِيَّ حدَّثه، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يحِلُّ ثمَنُ الكلبِ، ولا مهرُ البغيِّ". وقد روَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن ثمَنِ الكلبِ والسِّنَّوْرِ (٣).
следующие страницы →