← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3233–3272 · переход к 3238.

стр. 3233

وقال علقمةُ (١): فمَن رجلٌ أحْلُوه رَحلي وناقَتي ... يُبلِّغُ عنِّي الشِّعرَ إذْ مات قائِلُهْ وأمَّا ثَمَنُ الكلبِ فمُخْتَلَفٌ فيه، فظاهِرُ الحديثِ يشهَدُ لصِحَّةِ قول مَن نَهى عنه وحَرَّمَه. وأمَّا اختلافُ العلماءِ في ذلك، فقال مالك في "موطئِه" (٢): أكرَهُ ثَمَنَ الكلبِ الضَّاري وغيرِ الضَّاري لنَهْي رسولِ الله ﷺ عن ثَمَنِ الكلب. قال أبو عُمر: رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنَّه نَهى عن ثَمَنِ الكلبِ مِن خمسةِ أوجُهٍ، مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالب (٣)، وابنِ عباس، وأبي مسعود، وأبي هريرة،

стр. 3234

وأبي جُحَيْفَةَ (١). قال مالكٌ (٢): لا يجوزُ بيعُ شيءٍ مِن الكلاب، ويجوزُ أن يُقتَنَى كلبُ الصَّيْدِ والماشيةِ والزرع (٣). وقد رُويَ عن مالِكٍ إجازةُ بَيع كلبِ الصَّيدِ والزَّرع والماشيةِ (٤). فوجهُ إجازَةِ بَيع كلبِ الصيدِ وما أُبِيح اتِّخاذُه مِن الكلابِ، أنَّه لما قُرِن ثمَنُها في الحديثِ مع مَهْرِ البغيِّ وحُلْوانِ الكاهنِ، وهذا لا إباحَةَ في شيءٍ منه، فدَلَّ على أنَّ الكلبَ الذي نُهِي عن ثمَنِه: ما لم يُبَح اتِّخاذُه، ولم يدخُلْ في ذلك ما أُبِيحَ اتِّخاذُه، واللهُ أعلم. ووَجْهُ النهي عن ثَمَنِ الضَّارِي وغيرِ الضَّارِي مِن الكلابِ، عُمُومُ وُرُودِ النهي عن ثَمَنِها، وأنَّ ما أُمِر بقَتْلِه مَعْدُومٌ وُجُودُه منها، ولا خلافَ عن مالكٍ أنَّ مَن قتَل كلبَ صيدٍ، أو ماشيةٍ، أو زرعٍ، فعليه القِيمَةُ، وأنَّ مَن قتَل كلبًا ليسَ بكلبِ صيدٍ، ولا زَرْع، ولا ماشيةٍ، فلا شيءَ عليه.

стр. 3235

قال مالكٌ: وإذا لم يُسرَّحْ كلبُ الدَّارِ مع الماشيةِ، فلا شيءَ على قاتلِه (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: بيعُ الكلابِ جائِزٌ إذا كانت لصيدٍ أو ماشيةٍ، كما يجوزُ بَيْعُ الهِرِّ. وذكَر محمدُ بنُ الحسنِ، عن أسَدِ بنِ عمرٍو، عن أبي حنيفةَ، فيمَن قتَل كلبًا ليس بكلبِ صيدٍ ولا ماشية، قال: عليه قيمتُه، وكذلك السِّباعُ كلُّها إذا استَأْنْسَت وانتُفِع بها، وكذلك كلُّ ذي مِخلَبٍ مِن الطيرِ (٢). وقال الشافعيُّ (٣): لا يجوزُ بيعُ الكلابِ كلِّها ولا شيءٍ منها على حالٍ؛ كان لصيدٍ أو لغيرِ صيدٍ، ولا شيءَ على مَن قتَل كلبًا مِن قيمةٍ ولا ثَمَنٍ، سواءٌ كان كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ أو زرعٍ، أو لم يكنْ. وحُجَّتُه نَهيُ رسولِ الله ﷺ عن ثمنِ الكلبِ. قال: وما لا ثمَنَ له فلا قيمةَ فيه إذا قُتِل. واحتجَّ بأمرِ رسولِ الله ﷺ بقتلِ الكلاب (٤)، وقال: ولو كانتِ الكِلابُ مالًا يَجُوزُ تَمَوُّلُه ومِلْكُه والانتفاعُ به، لم يأمُرْ رسولُ الله ﷺ بقتلِها؛ لأنَّ في ذلك إضاعةَ الأموالِ وتلَفَها، وهذا لا يجُوزُ أن يُضافَ إليه ﷺ . روَى مالكٌ (٥)، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَر بقتلِ الكِلابِ. وروَى عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: أمَر رسولُ الله ﷺ

стр. 3236

بقتلِ الكلابِ، وأرسَل في أقطارِ المدينةِ لتُقتَلَ (١)؛ ذكره ابنُ أبي شيبةَ (٢)، عن أبي أسامةَ، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ بقتلِ الكلابِ، حتى إنَّ المرأةَ لتَدخُلُ بالكلبِ، فما تخرُجُ حتى يُقتَلَ (٣). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا الربيعُ بنُ نافع أبو تَوبةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، يعني ابنَ عمرٍو، عن عبدِ الكريم (٦)، عن قيسِ بنِ حَبْتَرٍ (٧)، عن عبدِ الله بنِ عباس، قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عن ثَمَنِ الكلبِ، قال: "إنْ جاء يطلُبُ ثَمَنَ الكلبِ، فامْلأ كَفَّه تُرابًا".

стр. 3237

وأخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (١)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا معروفٌ الجُذامِيُّ، أنَّ عُليَّ بنَ ربَاحٍ اللَّخمِيَّ حدَّثه، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يحِلُّ ثمَنُ الكلبِ، ولا مهرُ البغيِّ". وقد روَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن ثمَنِ الكلبِ والسِّنَّوْرِ (٣).

стр. 3238

وهذا لم يَرْوِه عن أبي الزُّبَيْرِ غيرُ حمَّادِ بنِ سَلَمَة (١). وروَى الأعمشُ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن ثمَنِ الكلبِ والسِّنَّوْرِ (٢). وحديثُ أبي سفيانَ عن جابرٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها صَحِيفَةٌ، وروايةُ الأعمشِ في ذلك عندَهم ضعيفةٌ.

стр. 3239

وكلُّ ما أُبِيح اتِّخاذُه، والانتِفاعُ به، وفيه مَنفَعَةٌ، فثمَنُه جائزٌ في النَّظَرِ، إلَّا أن يَمنَعَ مِن ذلك شيءٌ يجبُ التسليمُ له ممَّا لا مُعارِضَ له فيه، وليس في السِّنَّوْرِ شيءٌ صحيحٌ، وهو على أصلِ الإباحةِ، وبالله التوفيق. وأجاز الشافعيُّ بيعَ كلِّ ما فيه مَنفَعَةٌ في حياتِه، مثلَ الفَهْدِ والجوارِحِ المعَلَّمَةِ، حاشَا الكلبَ (١). وقال ابنُ القاسم: يجوزُ بيعُ الفُهودِ، والنُّمورِ، والذِّئابِ، إذا كانت تُذكَّى لجُلُودِها؛ لأنَّ مالكًا يُجِيزُ الصلاةَ عليها إذا ذُكِّيت (٢). وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: مَن قتَل كلبًا أو بازِيًّا فعليه القيمة (٣). رُوِي عن جابرِ بنِ عبدِ الله أنَّه جعَل في كلبِ الصيدِ القِيمَةَ. وعن عطاءٍ مثلَه (٤)،

стр. 3240

وعن ابنِ عمرٍو (١) أنَّه أوجَبَ فيه أربعين درهمًا، وأوجَب في كلبِ ماشيةٍ فَرَقًا (٢) مِن طَعام (٣). وعن عثمانَ أنَّه أجاز الكلبَ الضَّاريَ في المهْرِ، وجعَل على قاتِلِه عَشْرًا مِن الإبلِ. قال أبو عُمر: احتَجَّ مَن أجاز بيعَ الكلابِ بحديثِ عبدِ الله بنِ المغَفَّلِ قال: أمَر رسولُ الله ﷺ بقتلِ الكلابِ، ثم قال: "ما لي وللكِلابِ؟ " (٤). ثم رخَّص في كلب الصيدِ وكلبٍ آخَرَ، فجعلوا نَهيَه في ذلكَ منسوخًا بإباحتِه، وقالوا في هذا الحديثِ: إنَّ كلبَ الصيدِ وغيرَه كان ممَّا أُمِر بقتلِه، فكان بيعُه (٥) والانتفاعُ به حرامًا، وكان قاتِلُه مُؤدِّيًا لفرضٍ عليه، فلمَّا نُسِخ ذلك وأُبِيح الاصطِيادُ به، كان كسائرِ الجوارحِ في جوازِ بيعِه. وزعَموا أنَّ مِن هذا البابِ نهيَه ﷺ عن كَسبِ الحجَّام، وقولَه: "إنَّه خَبيثٌ".

стр. 3241

ثم لما أعطَى الحجَّامَ أجرَه، كان ناسخًا لمنعِه. وقد ذكرنا القولَ في كَسبِ الحجَّام في بابِ حُميدٍ الطَّويلِ مِن كتابِنا هذا، وبالله التوفيق (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي التَّياح، عن مطرِّفِ بنِ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ، عن عبدِ الله بنِ مغفَّل، أن رسولَ الله ﷺ أمَر بقتلِ الكلابِ، ورخَّصَ في كلبِ الزَّرع وكلبِ العِينِ. وقال: "إذا ولَغ الكلبُ في الإناءِ فاغْسِلوه سبعَ مَرَّاتٍ، واعْفِرُوه الثامنةَ (٢) بالترابِ" (٣). وذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ رافِعًا صوتَه يأمُرُ بقتلِ الكلابِ، فكانتِ الكلابُ تُقتَلُ إلَّا كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ (٤). ففي هذه الأحاديثِ ما يَدُلُّ على أن الكلابَ التي أُذِن في اتِّخاذِها لم يُؤذَنْ في قَتْلِها. وقد قيل: إنَّ قتلَ الكلابِ كُلِّها منسوخٌ. وسيأتي القولُ في ذلك في بابِ نافع مِن هذا الكتابِ إن شاء الله تعالى (٥).

стр. 3242

حديثٌ ثانٍ لابن شهابٍ عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ مرسَلٌ يتَّصلُ من وُجُوهٍ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال " "أيُّما رجُلٍ باع متاعًا، فأفلَس الذي ابْتَاعه، ولم يَقبِضِ الذي باعه مِن ثمنِه شيئًا، فوجَده بعَينِه؛ فهو أحَقُّ به، وإن ماتَ الذي ابْتَاعه فصاحبُ المتاع فيه أُسْوةُ الغُرماءِ". هكذا هو في جميع "الموطَّآتِ" التي رأينا، وكذلك روَاه جميعُ الرواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ مُرسَلًا (٢)، إلَّا عبدَ الرزاقِ؛ فإنَّه روَاه عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . فأسنَده، وقد اختُلِف في ذلك عن عبدِ الرزاق: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ برَكَةَ الصَّنعانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أيُّما رجلٍ باع مَتاعًا، فأفلَس المُبتاعُ، ولم يَقبِضْ مِن الثمنِ شيئًا، فإن وجدَ البائعُ سلعتَه بعينِها فهو أحَقُّ بها، وإن مات المشتري، فهو أُسوةُ الغُرماءِ" (٤).

стр. 3243

وكذلك روَاه محمدُ بنُ عليٍّ وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جُوتَى الصنعانيّان (١)، عن عبدِ الرزاقِ، عن مالكٍ بهذا الإسنادِ مسندًا، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . وروَاه محمدُ بنُ يوسفَ الحُذَاقيُّ (٢) وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ الدَّبَريُّ، عن عبدِ الرزاق، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبيِّ ﷺ (٣) مرسلًا كما في "الموطَّأ"، ليحيى وغيرِه. وذكر الدارقطنيُّ أنَّه قد تابَع عبدَ الرزاقِ على إسنادِه عن مالكٍ: أحمدُ بنُ موسى وأحمدُ بنُ أبي طَيْبةَ، وإنَّما هو في "الموطَّأ" مرسَلٌ (٤). قال أبو عُمر: واختلَف أصحابُ ابنِ شهابٍ عليه في هذا الحديثِ أيضًا نحوَ الاختلافِ على مالك: فروَاه صالحُ بنُ كَيْسانَ، ويونسُ بنُ يزيدَ (٥)، ومعمرُ بنُ راشدٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبيِّ ﷺ (٦) مُرْسَلًا كما في "الموطَّأ".

стр. 3244

وروَاه موسى بنُ عقبةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مسندًا؛ حدَّث به هشامُ بنُ عمَّارٍ، عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أيُّما رجلٍ باع سلعةً، فوَجَدها بعينِها عندَ رجلٍ قد أفْلَسَ، ولم يكنْ قبَض مِن ثمنِها شيئًا، فهي له، وإن كان قبَض مِن ثمنِها شيئًا، فهو أُسوةُ الغُرماءِ". ذكَره بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، ومحمدُ بنُ يحيى النيسابوريُّ (١)، وغيرُهما، عن هشام هكذا. وإسماعيلُ بنُ عياشٍ فيما روَى عن أهلِ المدينةِ ليس بالقويِّ. وروَاه الزُّبَيْدِيُّ - واسمُه محمدُ بنُ الوليدِ، حِمْصِيٌّ يُكْنَى أبا الهُذَيْلِ - عن الزهريِّ، عن أبي بكرٍ، عن أبي هريرة، مسندًا، كما روَاه موسى بنُ عقبةَ؛ حدَّث به عبدُ الله بنُ عبدِ الجبارِ الخَبَائِرِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن الزُّبَيْديِّ؛ وذَكَرهُ أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الجبَّارِ الخبائرِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن الزُّبَيْديِّ، فذكَره. وذكر ابنُ الجارودِ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الجبارِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "أيُّما رجلٍ باع سلعةً، فأدركَ سلعتَه بعينِها عندَ رجل أفلَس، ولم يَقبِضْ مِن ثمنِها شيئًا، فهي له، وإن كان قضاه مِن ثمنِها شيئًا (٤)، فهو أُسوةُ الغُرماء". فجمَع إسماعيلُ بنُ عياشٍ حديثَ موسى بنِ عقبةَ وحديثَ الزُّبَيْديِّ جميعًا،

стр. 3245

وإنَّما ذكَر أبو داودَ روايتَه عن الزُّبَيْديِّ لأنه مِن أهلِ بلدِه (١)، وحديثُه عنهم مَقْبُولٌ عندَ أكثرِ أهلِ العلم بالحديثِ، وحديثُه عن غيرِ أهلِ بلدِه فيه تَخلِيطٌ كثيرٌ، فهم لا يَقْبَلُونه. وفي روايةِ الزُّبَيْدِيِّ بعدَ قولِه: "فإن كان قضاه مِن ثمنِها شيئًا، فما بَقِي فهو أُسوةُ الغُرماءِ" قال: "وأيُّما امْرئ هلَك وعندَه متاعُ امرئ بعينِه، اقتضَى منه شيئًا أو لم يَقْتَضِ، فهو أُسوةُ الغرماءِ". وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن الزُّبَيْديِّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ. وهو خطأٌ، واللهُ أعلمُ، وإنَّما يُحفَظُ للزهريِّ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، لا عن أبي سلَمةَ: أخبرنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبَةَ الحسينُ بنُ محمدٍ الحرَّانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عثمانَ، قال (٢): حدَّثنا اليمانُ بنُ عديٍّ، قال: أخبرنا الزُّبَيْديُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "أيُّما رجلٍ أفلَس وعندَه مالُ امرئ بعينِه (٣) لم يَقْتَضِ منه شيئًا، فهو أحقُّ به -

стр. 3246

يعني بمالِه - فإن كان قبَض منه شيئًا، فهو أسوةُ الغرماء، وأيُّما رجلٍ مات وعندَه مالُ امرئ بعينِه، اقْتَضَى منه شيئًا أو لم يَقتَضِ منه شيئًا، فهو أُسْوةُ الغُرَماء" (١). قال أبو عُمر: ليس هذا الحديثُ محفوظًا مِن روايةِ أبي سلمةَ، وإنَّما هو محفُوظٌ (٢) معروفٌ لأبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، وقد تكونُ روايةُ مَن أسنَده عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ، عن أبي هريرةَ صحيحةً؛ لأن يحيى بنَ سعيدٍ يروي عن أبي بكَرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزم، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، في التفليسِ مثلَه سَواءً، إلَّا أنَّه لم يذكُرِ الموتَ ولا حُكْمَه، وفي حديثِ ابنِ شهابٍ أن الغريمَ في الموتِ أُسوةُ الغُرماءِ، وإن وجَد مالَه بعينِه. وروَى بَشِيرُ بنُ نَهيكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه في التَّفْلِيسِ، ولم يذكُرْ حُكْمَ الموتِ، والحديثُ محفوظٌ لأبي هريرةَ، لا يَرويه غيرُه فيما عَلِمتُ. حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا المغيرةُ بنُ عمرَ العدَنيُّ بمكّةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زيدِ بنِ هارونَ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلَى بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلَمةَ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن النضرِ بنِ أنسٍ، عن بَشِيرِ بنِ نَهيكٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا أفلَس الرَّجلُ، فوجَد غريمُه متاعَه بعينِه؛ فهو أحَقُّ بهِ" (٣).

стр. 3247

وروَى أيوبُ (١)، وابنُ عُيينة (٢)، وابنُ جُريج، عن عمرِو بنِ دينار، عن هشام بنِ يحيى، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا أفلَس الرجلُ، فوجَد البائعُ سلعتَه بعينِها؛ فهو أحَقُّ بها دونَ الغُرماء". وحديثُ التفليسِ هذا مِن رواية الحجازيِّينَ والبصريِّينَ حديثٌ صحيحٌ عندَ أهلِ النَّقْلِ ثابِتٌ، وأجمَع فقهاءُ الحجازيِّينَ (٣) وأهلُ الأثرِ على القولِ بجُمْلَتِه، وإن اختَلفوا في أشياءَ مِن فُروعِه. ودفَعَه مِن أهْلِ العراقِ أبو حنيفةَ، وأصحابُه، وسائِرُ الكوفيِّينَ، وردُّوه، وهو ممَّا يُعَدُّ عليهم مِن السُّننِ التي ردُّوها بغيرِ سنَّةٍ صاروا إليها، وأدخَلوا النظرَ حيثُ لا مَدخلَ له فيه، ولا مَدخلَ للنظرِ مع صحيح الأثرِ. وحُجَّتُهم أنَّ السِّلعةَ مالُ المُشتَري، وثمنُها في ذمَّتِه، فغُرماؤُه أحَقُّ بها، كسائِرِ مالِه (٤). وهذا ما لا يَخْفَى على أحَدٍ، لولا أن صاحبَ الشريعةِ ﷺ جعَل لصاحِبِ السِّلْعَةِ إذا وجَدَها بعينِها أخْذَها، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى

стр. 3248

يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ولو جاز أن تردَّ مثلُ هذه السُّنةِ المشهورةِ عندَ علماءِ المدينةِ وغيرِهم، بأنَّ الوهَمَ والغَلطَ مُمْكِنٌ فيها، لجاز ذلك في سائرِ السُّننِ، حتى لا يَبقَى بأيدي المسلمينَ سنةٌ إلَّا قليلٌ ممَّا اجتُمِع عليه، وبالله التوفيق. ذكر الحسنُ الحُلْوَانيُّ (١)، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ عمرَ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ كثيرًا إذا حدَّث عن النبيِّ ﷺ بحديثٍ، فيُقالُ له: وما تقولُ أنت، أو ما رأيُكَ؟ فيقولُ مالكٌ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. قال أبو عُمر: مِن أقبَح ما جاء به أهلُ الكوفةِ في هذه المسألةِ دَعْواهم أنَّ ذلك في الودائع والأماناتِ، وهذا تَجلِيحٌ (٢) وتَصْرِيحٌ برَدِّ السنةِ بالرَّأي؛ لأنَّ في حديثِ هذا البابِ قولَه: "مَن باع مَتاعًا، فأفلَس المبتاعُ" فذكَرَ البيعَ مِن وُجُوهٍ كثيرةٍ بألفاظِ البيع والابتياع، لا بوَدِيعَةٍ ولا بشيءٍ مِن الأماناتِ، وهذا ما لا خفاءَ به على مَن استَحْيَا ونصح نفسَه، وبالله التوفيقُ لا بأحدٍ سِوَاه. وهذه السُّنةُ أصلٌ في نفسِها، فلا سبيلَ أن تُردَّ إلى غيرِها؛ لأنَّ الأصولَ لا تَنْقاسُ، وإنّما تنقاسُ الفروعُ ردًّا على أصولها. وممَّن قال بهذا الحديثِ واستَعْمَله وأفتَى به؛ فُقهاءُ المدينةِ، وفقهاءُ الشام، وفقهاءُ البصرةِ، وجماعةُ أهْلِ الحديثِ، ولا أعلمُ لأهلِ الكوفةِ سلفًا في هذه المسألةِ

стр. 3249

إلَّا ما روَاه قتادةُ، عن خِلاسِ بنِ عمرٍو، عن عليٍّ، قال: هو فيها أُسوةُ الغُرماءِ إذا وجَدَها بعينِها (١). وروَى الثوريُّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: هو والغُرماءُ فيه شَرْعٌ سَواءٌ (٢). وأحادِيثُ خِلاسٍ عن عليٍّ يُضعِّفُونها، والواجبُ كان على إبراهيمَ النخَعِيِّ الرُّجُوعُ إلى ما عليه الجماعَةُ، فكيفَ أن يُتَّبعَ ويُقلَّدَ؟ واللهُ المستعانُ. واختلَف مالكٌ والشافعيُّ في المفلسِ يأبَى غُرماؤُه دَفْعَ السِّلعةِ إلى صاحبِها وقد وجَدها بعينِها، ويُريدونَ دَفْعَ الثمنِ إليه مِن قِبَلِ أنْفُسِهم، لما لهم في قبضِ السِّلعةِ مِن الفضلِ؛ فقال مالكٌ: ذلك لهم، وليس لصاحبِ السلعةِ أخْذُها إذا دفَع إليه الغُرماءُ الثمنَ. وقال الشافعيُّ: ليس للغُرَماءِ في هذا مقالٌ. قال: وإذا لم يكنْ للمُفلسِ ولا لورثتِه أخْذُ السَّلعةِ؛ لأن رسولَ الله ﷺ جعَل صاحبَها أحَقَّ بها منهم، فالغُرَماءُ أبعَدُ مِن ذلك، وإنَّما الخيارُ لصاحبِ السِّلعةِ؛ إن شاء أخذَها، وإن شاء ترَكها وضرَب معَ الغُرَماءِ بثمنِها. وبهذا قال أبو ثورٍ وأحمدُ بنُ حنبلٍ وجماعَةٌ (٣). واختلَف مالكٌ والشافعيُّ أيضًا إذا اقتضَى صاحبُ السِّلعةِ مِن ثمنِها شيئًا؛

стр. 3250

فقال ابنُ وَهْبٍ وغيرُه عن مالكٍ: إن أحبَّ صاحبُ السِّلعةِ أن يرُدَّ ما قَبَض مِن الثمنِ وَيقْبِضَ سِلْعَتَه كان ذلك له، وإن أحَبَّ أنْ يُحاصَّ الغُرماءَ (١) كان ذلك له. وقال أشْهَبُ: سُئل مالِكٌ عن رجلٍ باع مِن رجلٍ عبدَينِ بمئةِ دينارٍ، وانتقَد مِن ذلك خمسين، وبَقِيتْ على الغريم خمسون، ثم أفلَس غريمُه، فوجَد عندَه بائعُ العبدينِ منه أحَدَ عَبْدَيْه بعينِه، وفات الآخرُ، فأراد أخْذَه بالخمسين التي بَقِيتْ له على غريمِه، وقال: الخمسون التي أخَذْتُ ثمنُ العبدِ الذاهبِ. وقال الغُرماءُ: بل الخمسونَ التي أخَذْتَ ثمنُ هذا. فقال مالكٌ: إن كان قيمةُ العبدَينِ سواءً، ردَّ نصفَ ما اقْتَضَى وهو خمسةٌ وعشرونَ دينارًا، وأخَذَ العبدَ، وذلك أنه إنَّما اقْتَضَى مِن ثَمَنِ كلِّ عَبْدٍ خمسةً وعشرين دينارًا، فليس عليه أنْ يرُدَّ إلَّا ما اقْتَضَى. قال: ولو كان باعَه عبدًا واحدًا بمئة دينار، فاقْتَضَى مِن ثمنِه خمسين دينارًا، رَدَّ الخمسين إن أحبَّ وأخَذ العبدَ، وكذلك العملُ في روَايَا (٢) الزيتِ وغيرِها على هذا القياس (٣). وقال الشافعيُّ: لو كانتِ السِّلعةُ عبدًا، فأخَذ نصفَ ثمنِه، ثم أفلسَ الغَريمُ، كان له نِصفُ العبدِ؛ لأنه بعينِه، وبيعَ النصفُ الثاني الذي بَقيَ للغريم لغُرمائِه، ولا يَرُدُّ شيئًا ممَّا أخَذَ؛ لأنه مُسْتَوْفٍ لما أخَذ، ولو زعَمْتَ أنَّه يَرُدُّ شيئًا ممَّا أخَذ، جعَلْتُ له أنْ يَرُدَّ الثمنَ كلَّه لو أخَذَه، ويأْخُذَ سِلْعَتَه، ومَن قال هذا فقد خالَف السنةَ والقياسَ (٤). وقال في المسألةِ التي ذكَرناها عن أشْهَبَ، عن مالكٍ: إنَّ صاحبَ العبدِ أحَقُّ به

стр. 3251

مِن الغُرماءِ إذا كانَ قيمةُ العبدَينِ سواءً؛ مِن قِبَلِ أنه وجَد عينَ مالِه بعينِه عندَ مُعْدَم، والذي قبَض مِن الثمنِ إنَّما هو بَدَلٌ لما فات، إذا كانتِ القيمةُ سواءً، ثم يأْخُذُ عينَ مالِه؛ لأنه لم يَقبِضْ منه شيئًا (١). وقال جماعةٌ مِن العلماءِ: إذا اقْتَضَى مِن ثمنِها شيئًا، فهو أُسوةُ الغُرماءِ، وسواءٌ كانتِ السِّلعةُ شيئًا واحدًا أو أشياءَ كثيرةً. وبهذا قال أحمدُ بنُ حنبل؛ وحُجَّتُه ما ذُكِر في الحديثِ المذكورِ في هذا الباب قولُه: "ولم يَقْبِضِ البائعُ مِن ثمنِها شيئًا، فهو أُسوةُ الغُرماءِ"، فجعَل شرطَ كونِه أحَقَّ بها إذا لم يَقْبِضْ مِن ثمنِها شيئًا، فوجَب أن يكونَ حُكْمُه إذا قبَض مِن ثمنِها شيئًا بخلافِ ذلك (٢). ومسائلُ التَّفْليسِ كثيرةٌ، وفروعُها جَمَّةٌ؛ نحوَ تَغَيُّرِ السِّلعةِ عندَه بزِيادةٍ أو نُقصانٍ، أو ولادةِ الحيوانِ، أو خَلْطِها بغيرِها، أو اخْتِلافِ سُوقِها، وليس يَصلُحُ بنا في هذا الموضع ذكرُها. واخْتلَف مالكٌ والشافعيُّ أيضًا في المفلسِ يموتُ قبلَ الحُكْم عليه وقبلَ تَوقِيفِه فقال مالكٌ: ليس حُكْمُ الفَلَسِ (٣) كحُكْم الموتِ، وبائعُ السِّلعةِ إذا وجَدها بعينِها أُسوةُ الغُرماء في الموتِ، بخِلافِ الفَلَس (٤)، وبهذا قال أحمدُ بنُ حنبلٍ (٥). وحُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ حديثُ ابنِ شهابٍ عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ المذكورُ في هذا البابِ، وفيه النصُّ على الفرقِ بينَ الموتِ والفَلَسِ، وهو قاطِعٌ لموضع الخلافِ. ومن جهةِ القياسِ، بينَهما فَرْقٌ آخرُ؛ وذلك أن المُفْلِسَ يُمكِنُ أن تَطْرَأ له ذِمَّةٌ، وليس الميِّتُ كذلك.

стр. 3252

وقال الشافعيُّ: الموتُ والفَلَسُ سواءٌ، وصاحِبُ السِّلعةِ أحَقُّ بها إذا وجَدها بعينِها في الوجهينِ جميعًا (١). وحُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ ما روَاه ابنُ أبي ذئبٍ، عن أبي المُعْتَمِرِ بنِ عمرِو بنِ رافع (٢)، عن عمرَ بنِ خَلْدَةَ الزُّرَقيِّ، قال: أتَيْنا أبا هريرةَ في صاحِبٍ لنا أفْلَس، فقال أبو هريرةَ: قضَى رسولُ الله ﷺ : "أيُّما رجلٍ مات أو أفْلَس، فصاحِبُ المتاع أحَقُّ بمتاعِه إذا وجَده بعينِه". فجعَل الشافعيُّ ذكْرَ الموتِ زيادةً مَقْبُولةً في حديثِ أبي هريرةَ، وغيرُه لا يَقْبَلُها؛ لأنَّ حديثَ ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ ذكَر حُكْمَ الموتِ في ذلك بخلافِ الفَلَسِ، وزعَم الشافعيُّ أنَّ حديثَ ابنِ أبي ذئبٍ هذا مُتَّصِلٌ، وذلك مُرسلٌ، والمتَّصِلُ أولى (٣)، وزعَم غيرُه أنَّ أبا المُعْتَمِرِ المذكورَ في هذا الحديثِ ليس بمعروفٍ بحَمْلِ العلم، واللهُ أعلم. وروَى حديثَ ابنِ أبي ذئبٍ عنه جماعةٌ؛ منهم ابنُ أبي فُدَيْكٍ (٤) وغيرُه (٥).

стр. 3253

ابنُ شهاب، عن عُبيد الله (١) بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذلي، من هُذيل بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضر أحدَ عشَر حديثًا، منها واحدٌ مرسلٌ وعَشَرةٌ مُتَّصلةٌ مُسندة قد ذكرنا نسب عُبيد الله هذا عند ذكر نسب جدّه عُتبة بن مسعود، في كتابنا في "الصّحابة" (٢). فأغنَى عن ذِكْره هاهنا. وعُبيد الله هذا يُكْنَى أبا عبد الله. كان أحدَ الفقهاء العَشرة، ثمَّ السّبعة (٣) الذين عليهم كانت الفَتْوى تَدُورُ بالمدينة، وكان عالمًا فاضلًا، مُقَدّمًا في الفقه، شاعرًا مُحْسِنًا، لم يكن بعد الصحابة (٤) إلى يومنا هذا فيما علمتُ فقيهٌ أشعرَ منه، ولا شاعرٌ أفقهَ منه، ولا في الذين لا عِلْمَ لهم غيرَ الشّعر وصناعته من يُقدّم عليه فيه، وللزّبير بن بكّار (٥) القاضي في أشعاره كتابٌ مفردٌ (٦).

стр. 3254

حدَّثنا عبد الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمد بن (١) زهير، قال (٢): حدَّثنا الزُّبير بن بكّار، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيينة، عن ابنِ شهاب، قال: سمعتُ من العِلْم شيئًا كثيرًا، حتى ظننتُ أنّي قد اكتفيتُ، فلمّا لقيت عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود فإذا ليس في يدي من العلم شيءٌ (٣). أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا إسماعيل بن محمد الصّفار وأحمد بن جعفر بن حَمْدان بن مالك، قالا: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حَنْبل (٤)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يونس بن محمد، قال: حدَّثنا حمّاد بن زيد، عن مَعْمر (٥)، عن الزُّهريّ، قال: كان عُبيد الله بن عبد الله يَلطُفُ بابن عبّاس، فكان يعزّه عزًّا (٦). حدَّثنا أحمد بن محمد، قال: حدَّثنا أحمد بن الفضل، قال: حدَّثنا محمد بن جرير، قال: حدَّثنا محمد بن حُميد، قال: حدَّثنا جرير، عن مُغيرة، قال: كان عُبيد الله بن عبد الله من أعلم الناس. قال مُغيرة: وقال عُمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة: لو كانَ عُبيد الله حيًّا، لهان عليّ ما أنا فيه (٧). وحدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمد بن أبي خَيْثمة، قال (٨):

стр. 3255

حدَّثنا أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا عبد الرزّاق، عن معمر (١)، قال: سمعت الزُّهري يقول: أدركتُ أربعةَ بُحور؛ عُبيد الله بن عبد الله أحدُهم (٢). وذكر الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوانيّ، في كتاب "المعرفة" له، قال: حدَّثنا عبد الرزّاق، عن مَعْمر، عن الزُّهري، قال: كان عُبيد الله بن عبد الله قد تفرَّس في عُمر بن عبد العزيز، فكان يحدّثه الحديثَ ويقول له: أنا أحدّثك لعلّ اللهَ ينفعُك به يومًا. فلمّا ولي عمرُ الخلافة، كان يقول: ودِدتُ أنّ لي مجلسًا من عُبيد الله بدية (٣). قال: وحدَّثنا عليّ بن المدينيّ، قال: حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا علي بن زيد بن جُدْعان، أنَّه سَمِعَ عمرَ بنَ عبد العزيز يقول: ما أصبتُ من عُبيد الله مثل ما أصبتُ من جميع النّاس، فليت ليَ اليومَ مجلسًا منه بدية (٤). قال: وحدَّثنا أحمد بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عُبيد الله بن عبد الله، قال: ما سمعتُ حديثًا قط فأشاء أنْ أعيَه إلا وعيتُه (٥). قال: وحدَّثنا عبد الله بن صالح، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عُبيد الله مثله. وزاد: قال يعقوب: وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عُبيد الله حيًّا،

стр. 3256

ما صدرتُ إلا عن رأيه، ولوددتُ أنَّ عليّ بيوم من عُبيد الله غرمًا. قال ذلك في خلافته (١). قال: وحدَّثنا أحمد بن صالح، قال: حدَّثنا ابن وَهْب، عن يونس، عن ابن شِهاب، قال: صحبت عُبيد الله بن عبد الله، فما رأيتُ أعربَ حديثًا منه. حدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٢): حدَّثنا الزبير بن بكّار وإبراهيم بن حمزة الزُّبيري، عن سُفيانَ (٣) بن عُيينة، قال: قيل لعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: تقول الشّعر وأنت فقيهٌ؟ قال: هل يستطيع الذي به الصدر إلا أن ينفُثَ (٤)! حدَّثني أحمد بن محمد وعبد الرحمن بن يحيى، قالا: حدَّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابيّ، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن القاسم بن حُبيش بن سُليمان بن بُرد، قال: حدَّثنا أحمد بن سعيد الفِهْريّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَاميّ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن يعقوب التَّيْميّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: قَدِمَت امرأةٌ من هُذَيْل من ناحية مكة المدينة، وكانت جميلةً، فخطبها جماعةٌ من أشراف أهل المدينة، فأبت أن تتزوج، وكان معها بُنَيٌّ لها، فبلغ عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة امتناعها، فعرّض للقوم، فقال:

стр. 3257

أحبُّكِ حُبًّا لا يُحبُّكِ مثلَهُ ... قريبٌ ولا في العاشقين (١) بعيدُ أُحبُّكِ حبًّا لو شعرتِ ببعضِه ... لجُدْتِ ولم يصعُبْ عليكِ شديدُ وحُبُّكِ يا أمَّ الصّبيِّ مُدَلِّهي (٢) ... شهيدي أبو بكر فنِعْمَ شهيدُ ويَعْلم وَجْدي القاسمُ بنُ محمد ... وعُرْوةُ ما ألقَى وسَعِيدُ (٣) ويعلم ما أُخفي سليمانُ عِلمُه ... وخارجة يُبدي بهِ (٤) ويعيدُ متى تسألي عما أقولُ فتُخبَري ... فللهِ (٥) عندي طارفٌ وتليدُ (٦) وحدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٧): حدَّثنا الزُّبير بن بكار، قال: حدَّثنا سليمان بن داودَ المخزوميّ، عن أبيه، عن إسماعيل بن يعقوب التّيميّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: قدمت امرأةٌ المدينة من ناحية مكّة، وكانت من هُذيل، وكانت جميلةً، فرغِب الناس فيها فخطبوها، وكادت تذهب بعقول أكثرهم، فقال عُبيد الله بن عبد الله فيها: أحبّك حبًّا - فذكر الأبيات سواءً إلى آخرها. وزاد: فقال سعيد بن المسيِّب: أما - والله - لقد أمنت أن تسألنا، وما رجوت إنْ سألتنا أن نشهد لك بزُور (٨).

стр. 3258

قال أبو عُمر: يريد أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيِّب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وهؤلاء الستة هم فقهاء وقتهم بالمدينة، وهو سابعهم (١). وذكر محمد بن خلف المعروف بوكيع (٢)، صاحب التاريخ والأخبار (٣)، قال: حدَّثنا عليّ بن حَرْب المَوْصليّ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن ريّان الطّائيّ، قال: سمعتُ ابنَ إدريس يقول: كان عِراك بن مالك وأبو بكر بن حَزم وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة يتجالسون بالمدينة زمانًا، ثم إنّ ابنَ حَزْم صار إلى الإمارة فمرّا بعُبيد الله ولم يسلّما، ولم يقفا به، وكان ضريرًا، فأُخْبِرَ بذلك، فأنشأ يقول: ألا ابلغا عنّي عِراكَ بن مالكٍ ... ولا تدعا أنْ تُثْنيا بأبي بكرِ لقد جعلت تبدو شواكلُ مِنكما ... كأنّكما بي موقران من الصّخرِ فكيف تريدان ابنَ ستّينَ حِجّةً ... على ما أتى وهو ابنُ عشرين أو عشرِ فمُسّا تُرابَ الأرضِ منها خُلقتما ... وفيها المَعَادُ والمصيرُ إلى الحَشْرِ ولا تَعْجبا أنْ تُؤتَيا وتُكلَّما ... فما حُشِيَ (٤) الأقوامُ شرًّا من الكِبرِ لقد علِقتْ دلْواكُما دلوَ حُوّلٍ ... من القوم لا وَغْل المِراس ولا مُزْرِ فطاوعتما بي عاذلًا ذا مَعاكةٍ ... لعَمْري لقد أورى وما مثلُه يُوري فلولا اتّقاءُ الله من قبْل فيكما ... لَلُمتُكُما لومًا أحرّ من الجَمْرِ (٥)

стр. 3259

يقال: أورى عليه صدره بالحقد (١). وهي أبياتٌ أكثر من هذه، منهم من يجعلها كلّها له في أبي بكر بن حَزْم وعِراك بن مالك، ومنهم من يجعل منها أربعة أبيات أو خمسة في عُمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمرو بن عثمان، كذلك ذكرها أبو زيد عُمر بن شَبّة، عن إبراهيم بن المنذر، وقال: إنما أُدخِلتْ معها لاتّفاق القافية، وإنّها لرجل واحد. وقال عُمر بن شَبّة: حدَّثنا إبراهيم بن المُنْذر، قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن ابن شِهاب، قال: أتيت عُبيد الله بن عبد الله يومًا، فوجدتُه ينفخ وهو مغتاظٌ، فقلت: ما لك؟ فقال: جئتُ أميرَكُم آنفًا - يعني عُمر بنَ عبد العزيز - فسلَّمتُ عليه، وعلى عبد الله بن عَمْرو بن عُثمان، فلم يردّا عليّ، فقلت: فمسّا تراب الأرض منها خُلِقْتُما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحَشْرِ ولا تأنفا أن تؤتَيا فتُكلَّما ... فما حُشِيَ الأقوام شرًّا من الكبرِ فلو شئت أن ألقى عدوًّا وطاعنًا ... للاقيته أو قال عندي في السرِّ فإن أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ عنكما ... ضحِكتُ له حتى يلجَّ ويستشري (٢) قال: فقلتُ له: تقول الشعر في فَضْلك ونُسكك؟ فقال: إنّ المصدور إذا نَفَث برأ. قال أبو عُمر: هكذا في خبر وكيع: أبو بكر بن حَزْم. وهو غلطٌ، والله أعلم. وهذه القصّة لم تكن إلا في إمارة عمر، لا في خلافته، وأبو بكر المذكور في هذه الأبيات في قوله: ولا تدعا أن تُثْنيا بأبي بكر، هو: أبو بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمة.

стр. 3260

وما ذكره أيضًا عُمر بن شَبّة في خبره، أنّ عُبيد الله مرّ بعمر وعبد الله بن عَمْرو بن عثمان، فسلّم عليهما، فلم يردّا عليه، محال ألا يردا عليه! والصّحيح في ذلك ما حدَّثناه عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمد بن زُهير، قال (١): حدَّثنا الزُّبير بن بكّار، قال: حدَّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدَّثني بكار بن محمد بن جارست، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن هشام بن عُروة، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، أنه جاء إلى عُمر بن عبد العزيز يستأذنُ عليه في إمْرته، قال: وكان عُمر يجلّه إجلالًا شديدًا، فردّه الحاجب، (٢) وكان عنده عبد الله بن عَمْرو بن عثمان مختليًا به، قال: فانصرف عُبيد الله غَضْبان، وكان في صلاحه ربما قال الأبيات، فأُخبِر عمر بأبياته، فبعثَ أبا بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمة وعِراك بن مالك يُعذرانِه عنه، ويقولان: إنَّ عُمرَ يقسمُ بالله ما عَلِمَ بإتيانك، ولا بردّ الحاجب إياكَ، فقال لعَمْرو وصاحبه: إلا أبلغا عنّي عراكَ بنَ مالكٍ ... ولا تَدَعا أن تُثْنيا بأبي بكرِ (٣) قال أحمد بن زهير (٤): فأخبرنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: أنشدني القاسم بن مَعْن وابن أبي الزِّناد لعُبيد الله بن عبد الله يعاتب رَجُلين مرّا به: ألا أبلغا عَنّي عِراك بنَ مالكٍ ... ولا تدعا أن تُثْنيا بأبي بكرِ

стр. 3261

فذكر الأبيات - كما تقدم نسقًا - حرفًا بحرفٍ، وزاد (١): ولو شئتُ أدلَى فيكما غيرُ واحدٍ ... علانيَةً أو قال عندي في السّرِّ فإنْ أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ عنكما ... ضحِكتُ له حتى يلجَّ ويَسْتَشري قال أبو عُمر: أشعارُه كثيرةٌ جدًّا في غير ما معنى، منها في الغزل بزوجته عَثْمة، أظن أكثرَه بعد طلاقه إياها. ذكر إبراهيم بن المنذر، عن عبد الملك بن الماجِشون، قال أبياتُ عبيد الله بن عبد الله التي أوّلها: لعمري لئن شطّت بعثمةَ دارُها ... لقد كِدتُ من وَشْك الفراقِ أليحُ أروحُ بهمّ ثم أغدو بمثلِهِ ... ويحسَبُ أنّي في الثّيابِ صحيحُ (٢) قالها في زوجة كانت له تسمى عَثْمة، عَتِب عليها في بعض الأيام فطلّقها، وله فيها أشعارٌ كثيرةٌ، منها قوله: كتمتَ الهوى حتى أضَرَّ بك الكتمُ

стр. 3262

ذكر الزُّبير بن بكّار، قال: حدَّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشُون، قال: أنشدني خالي يوسف بن الماجشون لعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: كتمتَ الهوى حتَّى أضرَّ بك الكتْمُ ... ولامكَ أقوامٌ ولومُهمُ ظُلمُ ونَمَّ عليك الكاشِحُون وقَبْلَهم ... عليك الهوى قد نَمَّ لو ينفعُ النَّمُّ وزادَكَ إغراءً بها طولُ هجرِها ... قديمًا وأبْلَى لحمَ أعظُمك الهَمُّ فأصبحتَ كالنَّهْدِيِّ (١) إذْ ماتَ حَسْرةً ... على إثْرِ هندٍ أو كمن سُقيَ السُّمُّ ألا من لنفسٍ لا تموتُ فينقَضي ... عناها ولا تحيا حياةً لها طعمُ تَجنَّبتَ إتيانَ الحبيب تَأثُّمًا ... ألا إنّ هِجْران الحبيب هو الإثمُ فذُقْ هَجْرها قد كنتَ تَزعُم أنّه ... رشادٌ ألا يا رُبّما كَذَب الزَّعْمُ (٢) ومن أشعاره في عَثْمة: عَفَت أطلالُ عَثْمةَ بالغَمِيمِ ... فأضْحَت وهي مُوحِشةُ الرُّسومِ (٣) وهي أبياتٌ ذوات عدد. وفيها يقول أيضًا (٤):

стр. 3263

تَغَلْغلَ حبُّ عَثْمةَ في فُؤادي ... فبَادِيه مع الخافِي يَسيرُ تَغَلْغَلَ حيثُ لم يَبْلُغ شرابٌ ... ولا حُزنٌ ولم يبلُغ سُرورُ أكادُ إذا ذكرتُ العَهْدَ مِنها ... أطيرُ لوَ انَّ إنْسانًا يَطِيرُ وهي أبياتٌ أيضًا ذوات عدد، أنشدها ابن أبي الزّناد وغيرُه، وقيل له: تقول مثل هذا؟ فقال: في اللّدود راحة المَفؤود. وهو القائل أيضًا في قصّة جَرَت بين عُمر بن عبد العزيز وعُروة بن الزُّبير، وهي أبياتٌ، منها (١): وما الحقُّ أن تهوى فتُسعَفَ في الذي ... هَوِيتَ إذا ما كان ليس بأعدلِ أبى الله والأحسابُ أن يحمِلَ القَذَى ... جفونُ عيونٍ بالقذى لم توكَّلِ ومن شعره أيضًا يخاطب عمر بن عبد العزيز (٢): أبن لي فكن مثلي أو ابتغِ صاحبًا ... كمثلِكَ (٣) إنِّي مبتغ صاحبًا مثلي عزيزٌ إخائي ما يَنالُ مودّتي ... من الناس إلا مسلمٌ كاملُ العقلِ وما يلبَثُ الإخوانُ أن يتفرّقوا ... إذا لم يؤلَّفْ رُوحُ شكل إلى شكلِ

стр. 3264

وهي أبياتٌ كثيرةٌ، ومن قوله أيضًا يخاطب ابن شهاب (١): إذا شئت أن تلقى خليلًا مصافيًا ... لقيت وإخوانُ الثّقات قليلُ ومن جيِّد شِعْرِه أيضًا قوله: أعاذلُ عاجلُ ما أشْتهي ... أحبُّ إليَّ من الرائثِ سأُنفقُ ماليَ في حَقِّهِ ... وأُوثرُ نفسي على الوارثِ (٢) وقال عُبيد الله أيضًا: إذا كان لي سِرٌّ فحدثتُه العِدَا ... وضاقَ به صَدْري فللنَّاس أعذَرُ هو السِّرُّ ما استودعتُه وكتمتُهُ ... وليس بسِرٍّ حين يَفْشُو وَيظْهرُ (٣) حدَّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٤): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٥): حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن حمزة أبي عمارة، قال: قال عمر بن عبد العزيز لعُبيد الله بن عبد الله: ما لكَ وللشعر؟ فقال: وهل يستطيع المصدُور إلا إن ينفثَ؟ حدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٦): سمعت يحيى بن معين، يقول: مات عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود سنة اثنتين ومئة، ويُقال: سنة تسع وتسعين. قال أبو عُمر: وقد قيل: سنة ثمان وتسعين، قاله الواقدي (٧).

стр. 3265

حديثٌ أولُ لابن شهاب، عن عُبيد الله مُسندٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ بنِ مَسْعُود، عن عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: أقْبَلْتُ راكبًا على أتان، وأنا يومئذٍ قد ناهزْتُ الاحْتِلام، ورسولُ الله ﷺ يُصَلِّي (٢) بِمِنًى، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنزَلْتُ وأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، ودَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ ذلك عليَّ أحَد (٣). هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ رُواةِ "الموطَّأ" فيما عَلِمْتُ. وقال فيه الواقديُّ، عن مالك: وذلك في حَجَّةِ الوَداع، وأنا قد راهَقْتُ الاحْتِلام (٤). وقال فيه ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ: فلم يقُلْ لنا النبيُّ ﷺ شيئًا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا أبو سعيد بنُ الأعْرابيِّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ محمد الزَّعْفَرانيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، سَمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: جِئْتُ والفضلُ بنُ عباسٍ يومَ عرفةَ ورسولُ الله ﷺ يُصَلِّي بالناسِ، ونحن على أتانٍ لنا، فمَرَرْنا ببعضِ الصفِّ فنَزلْنا عنها وتَرَكْناها تَرْتَعُ، فلم يقل لنا النبيُّ ﷺ شيئًا (٥).

стр. 3266

وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ: أنَّ المُرُورَ بين يَدَي المُصَلِّي إذا كان وراءَ الإمام لا يَضُرُّ المُصَلِّي، ولا حرَجَ فيه على المارِّ أيضًا، وقد تقَدَّمَ في بابِ زيدِ بنِ أسْلَم (١)، مِن حُكْمِ السُّتْرَة، وحُكْم المارِّ بين يَدَي المُصَلِّي، وأنّ الصلاةَ لا يقطَعُها شيءٌ. ومضَى هناك من الآثارِ في ذلك ما فيه غنًى وكفايةٌ، فلا وجهَ لإعادَة ذلك هاهنا. وفي الحديثِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ الإمامَ سُتْرَةٌ لمن خلفَه، فلا حرجَ على من مرَّ وراءه بين أيدي الصُّفُوف، وقد استدلَّ قومٌ بأن هذا الحديثَ دليلٌ على أنَّ الحمارَ لا يقطعُ الصَّلاة مرورُه بين يدي المُصَلِّي، وردُّوا به قولَ مَن زَعم أنَّ الحمارَ يقْطَعُ الصَّلاة. وانفصَلَ منهم مخالِفُهم بأنّ مرُورَ الأتانِ كان خلفَ الإمام بين يدي الصفِّ، فلا دليلَ فيه من روايَة مالك هذه وما كان مثلَها. وقد رُويَ حديثُ ابنِ عباسٍ هذا بلفْظٍ هو حجَّةٌ لمن قال: الحمارُ لا يقطَعُ الصلاة (٢). أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ بنِ حَبِيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّار، قال (٣): حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا أبو عاصم (٤)، عن ابنِ جريج، قال: أخبرنا عبدُ الكريم (٥)،

стр. 3267

أنَّ مجاهدًا أخبره، عن ابن عباسٍ، قال: أتيْتُ أنا والفَضْلُ على أتان، فمرَرْنا بين يدي رسولِ الله ﷺ بعَرَفة (١). وفيه: إجازةُ شهادَةِ (٢) مَن علِم الشيءَ صغيرًا وأداهُ كبيرًا، وهو (٣) أمرٌ لا خلافَ فيه (٤)، وقياسُه: العبدُ يشهدُ في عبوديَّته على ما يؤدِّي الشَّهادةَ فيه بعد عِتقِه. وكذلك الكافرُ والفاسقُ إذا أداها كل واحدٍ منهم في حالٍ تجوزُ الشَّهادةُ فيه، وهذا كلُّه مجتمعٌ عليه عند العُلماء، إلا أنهم اختلفُوا في هؤلاء لو شهدُوا بها، فرُدَّتْ لأحوالهم الناقصة، ثم شهدُوا بها في حالِ تمام شروطِ الشهادَة، على ما قد أوضحناهُ في موضعِه من هذا الكتاب.

стр. 3268

حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن عُبيد الله مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس، أنَّه قال: إنّ أُمَّ الفضلِ بنتَ الحارثِ سمِعتْه وهو يقرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. فقالت: يا بُنيَّ، لقد أذكرتَني بقراءتِك هذه السورةَ؛ إنها لَآخرُ ما سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (٢). أمُّ الفَضْل هذه هي أمُّ ابن عباس، واسمها لُبابة، تُكْنَى أم الفَضْل بابنها الفَضْل بن عباس، وهي أخت مَيْمونة زوج النبي ﷺ ، قد أتينا من نَسَبها وأحوالها في كتاب النِّساء من (٣) كتاب الصحابة (٤) بما فيه كفاية. وليس في هذا الحديث أكثرُ من أنّ القراءةَ في الصلاةِ ليس فيها توقيتٌ، وأنَّ قراءةَ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ومثلها جائزٌ في صلاةِ المغرب. وسيأتي القول فيما يُستحَبُّ من القراءة، وما يجبُ منها في المغربِ وغيرها، في أوْلى المواضع بذلك من كتابِنا هذا إن شاء الله.

стр. 3269

حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسٍ، عن أُمِّ الفضلِ بنتِ الحارث، قالت: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ ، في بيته في مرضِه (١) مُتَوشِّحًا في ثوبٍ، المغرب، فقرأ بـ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، فلم يُصلِّ صلاةً بعدها حتى قُبِضَ ﷺ (٢).

стр. 3270

حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنَّ سعدَ بنَ عُبادَةَ استفتَى رسولَ الله ﷺ فقال: إنّ أُمي ماتت وعليها نَذْرٌ لم تَقْضهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اقْضِه عنها" (٢). ليس عن مالكٍ، ولا عن ابنِ شهابٍ، اختلافٌ في إسناد هذا الحديثِ فيما علِمْتُ. وقد أخبرني محمدٌ (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ الحافظ (٤)، قال: حدَّثني أبو محمدٍ عبدُ العزيز بنُ محمدِ بنِ الواثقِ بالله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا شُجَاعُ بنُ مخلَدٍ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابنِ عباس، أنَّ سعدًا قال: يا رسولَ الله، أينفَعُ أمي أن أتصدَّقَ عنها وقد ماتت؟ قال: "نعم". قال: فما تأمرُني؟ قال: "اسقِ الماء" (٥).

стр. 3271

قال ابنُ منيع: الصحيحُ في هذا الإسنادِ حديثُ النذرِ (١)، وحمادُ بنُ خالدٍ ثقةٌ، ولكنَّه كان أميًّا (٢). قال عليُّ بنُ عمرَ: لا أعلمُ روى هذا غيرَ شجاعِ بنِ مخلَدٍ، عن حمادِ بنِ خالد. قال أبو عُمر: قد روى هذا الحديثَ هشامُ بنُ عروةَ، عن ابنِ شهابٍ؛ حدَّث به الدَّراورديُّ، عن هشام بنِ عروةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابن عباس، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ سألَ رسولَ الله ﷺ فقال: إنّ أمّي هلَكَت وعليها نذْرٌ لم تقْضِه، أفأقضِيه عنها؟ قال: "نعم" (٣). وروى عَبْدةُ بنُ سليمانَ هذا الحديثَ عن هشام بنِ عروةَ، عن بكرِ بنِ وائلِ بنِ داودَ، عن الزهريِّ، بإسنادِه مثلَه (٤). واختلفَ أهلُ العلم في النَّذْرِ، وفي حُكمِه؛ فقال أهلُ الظَّاهِر (٥): كُلُّ من كان عليه نَذْرٌ، وتوفِّي ولم يقضِه، كان على أقْعَدِ (٦) أوليائِه قضَاؤُه عنه واجِبًا، بظاهرِ هذا الحديث، وسواءٌ كان في بَدَنٍ أو مال. وقال فقهاءُ الأمصار: ليس ذلك على وليِّه إلا أن يُوصيَ به. ومحَمَلُ هذا الحديث عندَهم على النَّدْبِ لا على الإيجاب. واختلفُوا في النَّذْر الذي كان على أمِّ سَعْدِ بنِ عبادةَ المذكورِ في هذا الحديث؛ فقالت فِرْقَةٌ: كان ذلك صِيَامًا نذَرَتْه، فأمرَه رسولُ الله ﷺ أن يَقْضِيَه عنها.

стр. 3272

واستدَلَّ من قال ذلك بحديثِ الأعمش، عن مُسْلم البَطِين، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنّ أمّي ماتت وعليها صومٌ، أفأصومُ عنها؟ فقال: "أرأيتَ لو كان عليها دَيْنٌ، أكُنْتَ تَقْضيه؟ "، قال: نعم، قال: "فدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقْضَى" (١). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ قد اختُلِفَ فيه عن الأعمشِ في إسنَادِه ومتْنِه؛ فقال فيه جماعةٌ من رُواتِه عنه بإسنادِه: عن ابنِ عباس، قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: إنّ أختي ماتت وعليها صيام (٢). وبعضُهم يقول في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا: إنّ امرأةً جاءت إلى رسولِ الله ﷺ فقالت: إن أُمِّي ماتَت وعليها صومٌ (٣). وفي هذا ما يدُلُّكَ على أنّ هذا الحديثَ ليس ذلك الحديثَ، وأنَّ الرجلَ المذكورَ فيه ليس سعدَ بنَ عبادةَ، واللهُ أعلم. على أنَّ هذا الحديثَ مُضْطَرِبٌ، وقد كان ابنُ عباسٍ يُفْتي بخلافِه، فدَلَّ على أنه غيرُ صحيح عنه.
следующие страницы →