← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3268–3307 · переход к 3273.

стр. 3268

حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن عُبيد الله مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس، أنَّه قال: إنّ أُمَّ الفضلِ بنتَ الحارثِ سمِعتْه وهو يقرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. فقالت: يا بُنيَّ، لقد أذكرتَني بقراءتِك هذه السورةَ؛ إنها لَآخرُ ما سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (٢). أمُّ الفَضْل هذه هي أمُّ ابن عباس، واسمها لُبابة، تُكْنَى أم الفَضْل بابنها الفَضْل بن عباس، وهي أخت مَيْمونة زوج النبي ﷺ ، قد أتينا من نَسَبها وأحوالها في كتاب النِّساء من (٣) كتاب الصحابة (٤) بما فيه كفاية. وليس في هذا الحديث أكثرُ من أنّ القراءةَ في الصلاةِ ليس فيها توقيتٌ، وأنَّ قراءةَ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ومثلها جائزٌ في صلاةِ المغرب. وسيأتي القول فيما يُستحَبُّ من القراءة، وما يجبُ منها في المغربِ وغيرها، في أوْلى المواضع بذلك من كتابِنا هذا إن شاء الله.

стр. 3269

حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسٍ، عن أُمِّ الفضلِ بنتِ الحارث، قالت: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ ، في بيته في مرضِه (١) مُتَوشِّحًا في ثوبٍ، المغرب، فقرأ بـ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، فلم يُصلِّ صلاةً بعدها حتى قُبِضَ ﷺ (٢).

стр. 3270

حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنَّ سعدَ بنَ عُبادَةَ استفتَى رسولَ الله ﷺ فقال: إنّ أُمي ماتت وعليها نَذْرٌ لم تَقْضهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اقْضِه عنها" (٢). ليس عن مالكٍ، ولا عن ابنِ شهابٍ، اختلافٌ في إسناد هذا الحديثِ فيما علِمْتُ. وقد أخبرني محمدٌ (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ الحافظ (٤)، قال: حدَّثني أبو محمدٍ عبدُ العزيز بنُ محمدِ بنِ الواثقِ بالله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا شُجَاعُ بنُ مخلَدٍ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابنِ عباس، أنَّ سعدًا قال: يا رسولَ الله، أينفَعُ أمي أن أتصدَّقَ عنها وقد ماتت؟ قال: "نعم". قال: فما تأمرُني؟ قال: "اسقِ الماء" (٥).

стр. 3271

قال ابنُ منيع: الصحيحُ في هذا الإسنادِ حديثُ النذرِ (١)، وحمادُ بنُ خالدٍ ثقةٌ، ولكنَّه كان أميًّا (٢). قال عليُّ بنُ عمرَ: لا أعلمُ روى هذا غيرَ شجاعِ بنِ مخلَدٍ، عن حمادِ بنِ خالد. قال أبو عُمر: قد روى هذا الحديثَ هشامُ بنُ عروةَ، عن ابنِ شهابٍ؛ حدَّث به الدَّراورديُّ، عن هشام بنِ عروةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابن عباس، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ سألَ رسولَ الله ﷺ فقال: إنّ أمّي هلَكَت وعليها نذْرٌ لم تقْضِه، أفأقضِيه عنها؟ قال: "نعم" (٣). وروى عَبْدةُ بنُ سليمانَ هذا الحديثَ عن هشام بنِ عروةَ، عن بكرِ بنِ وائلِ بنِ داودَ، عن الزهريِّ، بإسنادِه مثلَه (٤). واختلفَ أهلُ العلم في النَّذْرِ، وفي حُكمِه؛ فقال أهلُ الظَّاهِر (٥): كُلُّ من كان عليه نَذْرٌ، وتوفِّي ولم يقضِه، كان على أقْعَدِ (٦) أوليائِه قضَاؤُه عنه واجِبًا، بظاهرِ هذا الحديث، وسواءٌ كان في بَدَنٍ أو مال. وقال فقهاءُ الأمصار: ليس ذلك على وليِّه إلا أن يُوصيَ به. ومحَمَلُ هذا الحديث عندَهم على النَّدْبِ لا على الإيجاب. واختلفُوا في النَّذْر الذي كان على أمِّ سَعْدِ بنِ عبادةَ المذكورِ في هذا الحديث؛ فقالت فِرْقَةٌ: كان ذلك صِيَامًا نذَرَتْه، فأمرَه رسولُ الله ﷺ أن يَقْضِيَه عنها.

стр. 3272

واستدَلَّ من قال ذلك بحديثِ الأعمش، عن مُسْلم البَطِين، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنّ أمّي ماتت وعليها صومٌ، أفأصومُ عنها؟ فقال: "أرأيتَ لو كان عليها دَيْنٌ، أكُنْتَ تَقْضيه؟ "، قال: نعم، قال: "فدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقْضَى" (١). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ قد اختُلِفَ فيه عن الأعمشِ في إسنَادِه ومتْنِه؛ فقال فيه جماعةٌ من رُواتِه عنه بإسنادِه: عن ابنِ عباس، قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: إنّ أختي ماتت وعليها صيام (٢). وبعضُهم يقول في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا: إنّ امرأةً جاءت إلى رسولِ الله ﷺ فقالت: إن أُمِّي ماتَت وعليها صومٌ (٣). وفي هذا ما يدُلُّكَ على أنّ هذا الحديثَ ليس ذلك الحديثَ، وأنَّ الرجلَ المذكورَ فيه ليس سعدَ بنَ عبادةَ، واللهُ أعلم. على أنَّ هذا الحديثَ مُضْطَرِبٌ، وقد كان ابنُ عباسٍ يُفْتي بخلافِه، فدَلَّ على أنه غيرُ صحيح عنه.

стр. 3273

حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ الأحْوَلُ (٢)، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ موسى، عن عطاء بنِ أبي ربَاح، عن ابنِ عباس، قال: لا يُصلِّي أحَدٌ عن أحَد، ولا يصومُ أحَدٌ عن أحَد، ولكن يُطْعِمُ عنه مكانَ كلِّ يوم مُدًّا من حِنْطَةٍ (٣). واختلف الفقهاءُ فيمَن ماتَ وعليه صيامٌ من قضاء رمضان، أو من نذرٍ نذَره، وقد كان قادرًا على صيامِه (٤)؛ فقال مالكٌ (٥): لا يصومُ عنه وليُّه في الوجهين جميعًا، ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ. قال مالكٌ: وهذا أمرٌ مجُتمَعٌ عليه عندَنا (٦). وتحصِيلُ مذهبِه أنَّ الإطعامَ في ذلك واجِبٌ على الميِّتِ، وغيرُ واجِبٍ على الورثة، وإن أوصَى بذلك الميِّتُ كان في ثُلُثِه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنْ أمكَنَه القضاءُ فلم يفعَل، أطْعَمَ عنه ورثَتُه، في النَّذْرِ وفي قضاء رمضانَ جميعًا (٧). وهو قول الثوريِّ، والأوزاعيِّ (٨)، والشافعيِّ.

стр. 3274

وقد رُويَ عن هؤلاء أنه إن لم يجد ما يُطْعِمُ عنه صام عنه وليُّه. والمشهورُ عنهم الإطعامُ دونَ الصيام، وهو المعروفُ من مذْهَبِ الشافعيِّ (١)، وبه قال الحَسَنُ بنُ حيٍّ، وابنُ عُلَيَّة (٢)؛ ألا يصومَ أحَدٌ عن أحَد. والإطعامُ عندَ أبي حنيفةَ، والثوريِّ، والشافعيِّ، والأوزاعيِّ، والحَسَنِ بنِ حيٍّ، وابنِ عُليَّة، واجِبٌ في رأس ماله، أوصَى به أو لم يُوصِ. وقال اللَّيثُ بنُ سَعْد، وأحمدُ بنُ حَنْبَل، وأبو عُبَيْدٍ: يصُومُ عنه وليُّه في النَّذْرِ، ويُطْعِمُ عنه في قضَاء رمضانَ مُدًّا من حِنْطَةٍ عن كل يوم. والإطعامُ عندَهم واجبٌ في مالِ الميِّتِ. وقال أبو ثَوْر: يصومُ عنه وليُّه في قَضاء رمضانَ، وفي النَّذْرِ جميعًا (٣). وحُجَّةُ أبي ثَوْرٍ حديثُ عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "من ماتَ وعليه صيامٌ، صَامَ عنه وليُّه". رواه عَمْرُو بنُ الحارِثِ، عن عُبَيْدِ الله بنِ أبي جَعْفَرٍ، عن محمدِ بن جَعْفَرِ بنِ الزُّبير، عن عُرْوةَ، عن عائشة (٤). ورُويَ عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلُه، لم يخُصَّ نَذْرًا من غيرِ نَذْر (٥). واحْتَجَّ من فَرَّقَ بينَ النَّذْرِ وقضَاء رمضانَ، بأنّ سعيدَ بنَ جبيرٍ روى عن

стр. 3275

ابنِ عباسٍ، في قضَاء رمضانَ: يُطْعَمُ عنه. وفي النَّذْرِ: يُصَامُ عنه (١). وهو راوي (٢) الحديث، وهو أعْلَمُ (٣) بتأويلِه. واحتجَّ من قال: لا يُصَامُ عنه في وجْهٍ من الوُجُوهِ، بما قدَّمْنا من قول ابن عباسٍ: لا يصُومُ أحَدٌ عن أحَدٍ مُطْلَقًا، وبما رَوى محمدُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ ثَوْبَانَ، عن ابنِ عباسٍ؛ فيهما جميعًا الإطعامُ (٤). وفي فَتْوَى ابنِ عباسٍ - بخلافِه - ما يُوهِنُه عندَ الكوفيِّ والمدنيِّ (٥). قالوا: لأنه لو صحَّ عنه أو عندَه لم يُخالِفْه. وكذلك حديثُ عائشةَ سواءً؛ لأنها أفْتَتْ بخِلافِه. روى عبدُ العزيزِ بنُ رُفَيْع، عن امرَأةٍ منهم يقال لها: عَمْرَةُ، عن عائشةَ من قولها: يُطْعَمُ عنه في قَضَاء رمضانَ، ولا يُصَامُ. وقد أجمَعُوا ألا يُصَلِّيَ أحَدٌ عن أحَدٍ، والصومُ في القياسِ مِثْلُه (٦)، فإن ادَّعَوا فيه أثرًا عُورِضُوا بما ذكرنَا من عِلَلِ الأثَرِ في ذلك. ولا أعْلَمُه يُروى عن النبيِّ ﷺ من غيرِ هذَيْنِ الوجهين. واللهُ أعلمُ.

стр. 3276

وأمّا مذهَبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأحمدَ في مثلِ هذا الأصْلِ، فالمصِيرُ إلى المُسْنَدِ عندَهم أوْلى من قولِ الصَّاحِبِ، وفَتْوَاه عندَهم - بخلافِ ما رواه - لا حُجَّةَ فيه، وهذا الأصْلُ قد أوضَحْنَاه في غيرِ هذا الموْضِع (١). وقال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ النَّذْرَ الذي كان على أمِّ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ كان عِتْقًا، وكلُّ ما كان في مالِ الإنسانِ واجِبًا فجائِزٌ أن يؤدِّيَه عنه غيرُه. واستدَلَّ قائلُ هذا القول بحديثِ القاسم بنِ محمدٍ، أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ قال لرسولِ الله ﷺ : إنَّ أمِّي هَلَكَتْ، فهل يَنْفَعُها أن أُعْتِقَ عنها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "نعم" (٢). قال: فهذا تَفْسِيرُ النَّذْرِ المُجْمَلِ الذي ذكرَه ابنُ عباسٍ في حديثِه. وقال منهم قائلون: إنّ النَّذْرَ الذي كان على أمِّ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ كان صَدَقَةً. ورَوَوْا في ذلك آثارًا قد ذكرْنَا بعْضَها أو أكثرَها في بابِ سعيدِ بنِ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ بنِ سعيدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ (٣)، وفي بابِ عبدِ الرحمن بنِ أبي عَمْرَةَ (٤) من كِتابِنا هذا. وقال آخرون: بل كان نَذْرًا مُطْلَقًا، على ظاهِرِ حديثِ ابنِ عباسٍ. ومن جعلَ

стр. 3277

على نَفْسِه نَذْرًا هكذا مُجمَلًا (١) مُبْهَمًا فكفّارَتُه كفّارَةُ يمينٍ عند أكثرِ العُلَماء. ورُوِي ذلك أيضًا عن عائشة (٢)، وابنِ عباسٍ (٣)، وجابرِ بنِ عبدِ الله (٤). وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ: ليس للنَّذْرِ إلا الوفَاءُ به (٥). وعن سعيدِ بنِ المسيِّب مثلُ ذلك (٦). وهذا عندَ أهلِ العلم على ما قد سُمِّي من النَّذْر. ورَوَى الثَّوْريُّ، عن أبي سلَمَةَ، عن أبي مَعْشَر، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عمرَ، أنه سُئِلَ عن النَّذْرِ، فقال: أفْضَلُ الأيْمان، فإن لم يَجِدْ فالتي تَليها، فإن لم يَجِدْ فالتي تَلِيها. يقول: الرَّقَبةُ، أو الكُسوةُ، أو الإطعامُ (٧). ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن عطَاء بنِ السَّائِب، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ،

стр. 3278

قال: النَّذْرُ إذا لم يُسَمِّه صاحِبُه فهو أغْلَظُ الإيْمان (١)، وله (٢) أغْلَظُ الكفَّارةِ، يُعتقُ رقبةً (٣). وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في النَّذْرِ: كفَّارَةُ يَمِين، ولم يقُلْ: مُغَلَّظة (٤). وعن جابرِ بنِ عبدٍ الله وعائِشَةَ مثْلُه. وقال معمرٌ، عن قتادةَ: اليمينُ المُغَلَّظَةُ عِتْقُ رقبةٍ، أو صيامُ شهرَيْنِ متتابعَيْن، أو إطعامُ ستِّينَ مسكينًا (٥). ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ: إني لأعجَبُ ممن يقول: إنَّ النَّذْرَ يمينٌ مُغَلَّظَةٌ (٦). قال الشعبيُّ: يُجزئُه إطعامُ عشَرَةِ مساكينَ (٧). وقاله الحسنُ (٨). وذكرَ عبدُ الرَّزاقِ (٩)، عن الثوريِّ، عن هُشَيْم (١٠)، عن مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ، قال: في النَّذْرِ: كفَّارَةُ يَمِين.

стр. 3279

قال: وقال إبراهيمُ: يُجْزِئُه من النَّذْرِ صيَامُ ثلاثَةِ أيَّام إذا لم يجد (١). وقال الثَّوْريُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: سواءٌ قال: عليَّ نَذْرٌ، أو: لله عليَّ نَذْرٌ، هي يَمِينٌ (٢). وعن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، قال: النَّذْرُ يَمِينٌ (٣). وعن ابنِ جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُ الناسِ: علَيَّ نَذْرٌ لله؟ قال: يَمِينٌ، فإن سمَّى نَذْرًا فهو ما سَمَّى (٤). قال ابنُ جُرَيج: أخبرني عَطَاءٌ، أنه سَمِعَ أبا الشَّعْثَاء يقولُ: إنْ نَذَرَ الرَّجُلُ لَيَفْعَلَنَّ شيئًا فهو يَمِينٌ، ما لم يُسَمِّ النَّذْرَ (٥). وهو قولُ مالكٍ والفقهاء.

стр. 3280

حديثٌ رابعٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ زوج النبيِّ ﷺ ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عن الفأرَةِ تقَعُ في السَّمْنِ، فقال: "انْزِعُوها وما حولَها فاطَّرِحوه". هكذا روى يحيى هذا الحديثَ فجوَّدَ إسنادَه وأتْقَنَه، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن مَيْمونةَ، وتابعَه جماعةٌ من الحُفَّاظِ؛ منهم: عبدُ الرحمن بنُ مهدي (٢)، وعبدُ الله بنُ نافع، والشافعيُّ (٣)، وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس (٤)، وسعيدُ بنُ أبي مريم (٥)، وزيدُ بنُ يحيى بنِ عُبَيْدٍ (٦) الدِّمشقيُّ (٧)، وأشْهَبُ بنُ عبدٍ العزيز، وإبراهيمُ بنُ طَهْمان (٨)، وزيادُ بنُ يونسَ، ومُطرِّفُ بنُ عبدٍ الله، وسعيدُ بنُ داودَ الزَّنبريُّ (٩)، وإسحاقُ بنُ عيسى الطبَّاعُ، وعُبيدُ بنُ حِبَّان (١٠)،

стр. 3281

كلُّ هؤلاءِ يرويهِ عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن مَيْمُونَة (١)، عن النبيِّ ﷺ . ورواه ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ميمونةَ. لم يذكُر ابنَ عباس (٢). هكذا رواه عن ابنِ وَهْبٍ؛ يونسُ بنُ عبدٍ الأعلى، وأبو الطَّاهِر، والحارِثُ بنُ مِسْكِين. ورواه القَعْنَبيُّ (٣)، والتِّنِّيسيُّ، وعثمانُ بنُ عمرَ، ومَعْنُ بنُ عيسى (٤)، وإسحاقُ بنُ سُليمانَ الرَّازيُّ، وخالدُ بنُ مخلَد (٥)، ومحمدُ بنُ الحسن (٦)، وأبو قُرةَ

стр. 3282

موسى بنُ طارِق، وإسحاقُ بنُ محمد الفَرْويُّ، كلُّ هؤلاء روَوْه عن مالك، عن ابنِ شهابٍ (١)، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ . لم يذْكُروا ميمونةَ. ورواه يحيى القطَّانُ (٢)، وجُويرِيَةُ (٣)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابن عباس، أنَّ ميمونةَ اسْتَفْتَت النبيَّ ﷺ . ورواه ابنُ بُكيرٍ وأبو مُصعبٍ (٤)، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن النبيِّ ﷺ مقطُوعًا (٥). وهذا اضطرابٌ شديدٌ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ. والصَّوابُ فيه ما قاله يحيى ومَن تابَعَه (٦). واللهُ أعلمُ.

стр. 3283

واختلَفَ في هذا الحديثِ أيضًا أصحابُ ابنِ شهابٍ؛ فرواه ابنُ عُيينةَ، ومَعْمَرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما روى يحيى. وعندَ معمرٍ خاصَّةً من بينِ أصحابِ ابنِ شهابِ في هذا الحديثِ إسنَادٌ آخر، عن سعيد بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه سُئِل عن فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فقال: "إنْ كان جامِدًا فخذُوها وما حولَها فألقُوه (١) ". قال عبدُ الرَّزاقِ في هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ: "وإن كان مائِعًا فلا تقرَبُوه". وقال عنه عبدُ الواحِدِ بنُ يزيدَ: "وإن كان ذائِبًا أو مائِعًا فاسْتَصْبِحوا به"، أو قال: "انتَفِعُوا به". وروى الأوزاعِيُّ هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، لم يذكر ميمونةَ، بنحوِ حديثِ مالكٍ (٢). وتابعه على هذا الإسنادِ عبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ (٣)، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، لم يذكر ميمونةَ. ورواه عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ اسْتُفْتي في فَأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ. مَقْطُوعًا (٤)، لم يَذكُر ابنَ عباسٍ ولا ميمونةَ. والصحيحُ في إسنادِ (٥) هذا الحديثِ ما قاله مالكٌ في روايةِ يحيى ومن تابعَه، كما ذكرنا.

стр. 3284

قال محمدُ بنُ يحيى النَّيسابوريُّ (١): وحديثُ مَعْمرٍ أيضًا، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : محفوظٌ. قال: والطَّرِيقان عندَنا محفُوظانِ (٢) إن شاء اللهُ. قال: لكنَّ المشهُورَ حديثُ ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله. قال: وصوابُه: عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما قال مالكٌ وابنُ عُيينةَ. وقال البخاريُّ: حديثُ عبدٍ الرَّزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، في هذا، غيرُ محفُوظٍ (٣). قال محمدُ بنُ يحيى (٤): ورواه عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدٍ الله، عن عبدٍ الله بنِ عُمَرَ، أنه كان عندَ رسولِ الله ﷺ حينَ جاءه رجلٌ، فسأله عن فأرَةٍ وقَعَتْ في ودَكٍ لهم (٥). قال: وهذا الإسنادُ عندنا غيرُ محفُوظٍ، وهو خطأ، ولا يُعرَفُ هذا الحديثُ من حديثِ سالم، وعبدُ الجبارِ ضعيفٌ جدًّا.

стр. 3285

قال أبو عُمر: حديثُ ابنِ عمرَ هذا ذكرَه ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئِه"، عن عبدِ الجبارِ بنِ عمرَ بإسنادِه هذا (١). فأمَّا روايةُ ابنِ عيينةَ لهذا الحديثِ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، قال: أخبرنا عبيدُ الله بنُ عبدٍ الله بنِ عُتبةَ، أنه سَمِع ابنَ عباس يُحدِّثُ، عن ميمونةَ، أنَّ فأرَةً وقَعَتْ في سَمْنٍ فماتَتْ، فسُئِل رسولُ الله ﷺ ، فقال: "ألقُوها وما حولَها، وكُلُوا" (٣). هذا مثلُ إسنادِ يحيى عن مالكِ في هذا الحديثِ سواءً. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ العَسْكَريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ البُرُلُّسيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، عن مالك بنِ أنسٍ وسفيانَ بنِ عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، أنَّ فأرَةً وقَعَت في سمنٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "ألقُوهَا وما حَوْلَها، وكُلُوا" (٤). وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا أشهبُ بنُ عبدٍ العزيز (٥)، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: حدَّثني

стр. 3286

ابنُ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسِ، عن ميمونةَ، قالت: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن فأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فقال: "خُذُوها وما حولَها فألقُوه". وأمَّا روايةُ مَعْمرٍ، فأخبرنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ (١)، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الرَّزاقِ، قال (٣): أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِل عن فأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فقال: "إن كان جامدًا فخُذُوها وما حولَها فألقُوه، وإن كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه" (٤). وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدٍ المؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح والحسنُ بنُ عليٍّ - وهذا لفظُ الحسنِ - قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاقِ، قال (٦): أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا وقَعَتِ الفأرَةُ في السَّمْنِ، فإن كان جامِدًا فألقُوه (٧) وما حولَها، وإن كان مائعًا فلا تقرَبُوه". قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ (٨): ورُبَّما حدَّث به معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 3287

قال أبو داود (١): وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ بُوذُوية، عن معمرٍ، عن الزّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميْمونةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِ حديث الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب. هكذا قال عبدُ الرزَّاقِ، عن معمرٍ، [عن الزهري] (٢) عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، بهذا الإسنادِ: "وإن كان مائعًا فلا تقرَبوه". وقال فيه عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن معمرٍ أيضًا، بهذا الإسنادِ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "وإن كان ذائِبًا - أو قال: مائِعًا - لم يُؤكَلْ". هذه روايَةُ مُسَدَّدٍ، عن عبدٍ الواحدِ. حدَّثنا بذلك عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن فأرَةٍ وقَعَتْ في السمنِ، فقال: "إن كان جامدًا أُلقِيَتْ وما حولَها، وإن كان ذائِبًا أو مائِعًا لم يُؤكَلْ" (٤).

стр. 3288

وغيرُ مُسدَّدٍ يقولُ فيه: عن عبدٍ الواحدِ، عن مَعْمَرٍ، بهذا الإسنَادِ: "وإن كان مائِعًا فانتفِعُوا به واستَصْبِحوا" (١). وقد يحتَمِلُ أن يكونَ المعْنَى في روايَةِ مُسدَّدٍ وغيرِه عن عبدٍ الواحِدِ في ذلك سواءً، ويُحمَلُ قولُه: "لم يُؤْكَلْ" في روايَةِ مُسَدَّدٍ على تخصِيصِ الأكلِ، كأنه قال: لم يُؤكَلْ، ولكنَّه يُسْتَصْبَحُ به ويُنْتفَعُ (٢). فلا تتعارَضُ الرِّوايَةُ عنه في ذلك. وأمَّا عبدُ الأعلى، فروَاه عن مَعمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عن فأرةٍ وقَعَتْ في سمنٍ، فأمرَ بها أن تُؤْخَذَ وما حولَها فتُطْرَحَ (٣). هكذا قال، لم يذكُر حُكْمَ المائِع بشيءٍ، وكلُّ هؤلاء ليس عندَه عن مَعْمَرٍ في هذا الحديثِ إلا هذا الإسنَادُ: عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ. وقال محمدُ بنُ يحيى النَّيسابُوريُّ بعدَ ذِكْرِه هذا الحديثَ، قال: وحدَّثنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ بُوذُوية - وكان من متثبِّتيهم (٤) - أنَّ معمرًا

стр. 3289

كان يرويه أيضًا عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن مَيْمُونةَ (١). قال محمدُ بنُ يحيى: ومما يُصَحِّحُ حديثَ معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ صالح حدَّثني، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال ابنُ المسيِّب: بلغَنا أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِل عن فأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ (٢). قال محمدُ بنُ يحيى: فقد وجَدْنا ذكرَ سعيدِ بنِ المسيِّب في هذا الحديثِ من غيرِ روايةِ معمرٍ، فالحديثان محفوظان (٣). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ مَعَانٍ من الفِقْهِ، منها ما اجتُمِعَ عليه، ومنها ما اختُلِفَ فيه؛ فأمَّا ما اجتَمَع عليه العلماءُ من ذلك، أنَّ الفأرَةَ ومثلَها من الحيوانِ كلِّه يموتُ في سَمْنٍ جامدٍ، أو ما كان مثلَه من الجامداتِ، أنها تُطْرَحُ وما حولَها مِن ذلك الجامِدِ، ويُؤْكَلُ سائِرُه، إذا اسْتُيقِنَ أنه لم تَصِلِ الميْتَةُ إليه (٤). وكذلك أجْمَعوا أنَّ السَّمْنَ وما كان مثلَه إذا كان مائِعًا ذائِبًا، فماتَتْ فيه فأرَةٌ، أو وقَعَتْ وهي ميتةٌ، أنَّه قد نَجُسَ كلُّه (٥)، وسواءٌ وقَعَتْ فيه ميتةً، أو حيَّةً فماتَتْ، يتَنَجَّسُ بذلك، قليلًا كان أو كثيرًا. هذا قولُ جمهُورِ الفقَهاء وجماعةِ العلماء.

стр. 3290

وقد شَذَّ قومٌ، فجعلوا المائِعَ كلَّه كالماء (١)، ولا وجْهَ للاشتِغالِ بشُذُوذِهم في ذلك، ولا هم عند أهلِ العِلْم ممن يُعَدُّ خلافًا، وسلَكَ داودُ بنُ عليٍّ سبيلَهم في ذلك، إلا في السَّمْنِ الجامدِ والذَّائِبِ (٢)، فإنه قال فيه بظاهِرِ حديثِ هذا البابِ، وخالفَ معنَاه في العَسَل، والخَلِّ، والمُرِّيّ، والزَّيت، وسائرِ المائِعَاتِ، فجعلَها كالماء في لحُوقِ النجاسَةِ إيَّاها بما ظَهَر منها فيها، فشَذَّ أيضًا، ويلزَمُه ألا يتَعَدَّى الفأرَةَ، كما لم يتعَدَّ السَّمْنَ وأظنه قولَه وقولَ بعضِ أصحابِه، ويلزَمُهم أيضًا ألا يَعْتَبروا إلقاءها في السَّمْنِ حتى تكونَ هي تقَعُ بنفسِها، وكفَى بقولٍ يئُولُ إلى هذا قَوْدُ أصلِه، قُبْحًا وفسَادًا. وأمَّا سائِرُ العلماء، وجماعَةُ أئمةِ الأمصارِ في الفَتْوَى، فالفَأرَةُ، والوَزَغةُ، والدجاجةُ، وما يُؤكَلُ وما لا يُؤكَلُ عندَهم سواءٌ، إذا مات في السمنِ أو الزيتِ، أو وقَعَ فيه وهو ميتٌ، إذا كان له دَمٌ، ولم يكن كالبعُوضِ الذي لا دَمَ له، والدُّودِ، وشِبْهِ ذلك. وأجمعَوا أن المائعاتِ كلَّها من الأطعِمَةِ والأشربَةِ، ما خَلا الماء، سواءٌ إذا وقَعَت فيها الميتةُ، نجَّسَتِ المائِعَ كلَّه، ولم يجُزْ أكْلُه (٣) ولا شربُه عندَ الجميع (٤)، إلا فِرْقَةً شذَّتْ، على ما ذكرنا، منهم داود (٥).

стр. 3291

واختلفوا في الزيتِ تقَعُ فيه الميتةُ، بعدَ إجماعِهم على نجاسَتِه، هل يُسْتَصْبَحُ به، وهل يُباعُ ويُنتَفَعُ به في غيرِ الأكْلِ؟ فقالت طائِفَةٌ من العلماء: لا يُسْتَصْبَحُ به، ولا يُبَاعُ، ولا يُنتَفَعُ بشيءٍ منه. وممن قال ذلك منهم؛ الحسنُ بنُ صالح، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (١). ومن حُجَّةِ من ذهب هذا المذهبَ قولُه ﷺ في السمنِ تقَعُ فيه الفأرَةُ: "خُذُوها وما حولَها فألقُوه، وإن كان مائعًا فلا تقرَبُوه". قالوا: فلما أمَرَ بإلقاء الجامِدِ، وحَكَم له بحكم الفأر الميِّتة، وجب أن يُلْقَى أبدًا، ولا يُنتَفَعَ به في شيءٍ، كما لا يُنتَفَعُ بالفأرَةِ، ولو كان بينَهما فَرْقٌ لَبيَّنه رسولُ الله ﷺ ، ولما أمَرَ بإلقاء شيءٍ يُمكنُ الانتفاعُ به. قالوا: وكذلك المائِعُ يُلْقَى أيضًا كلُّه، ولا يُقْرَبُ، ولا يُنتَفَعُ بشيءٍ منه، هذا لو لم يكن في المائِع نَصٌّ، فكيف وقد قال عبدُ الرزاقِ في هذا الحديثِ: "وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبُوه" (٢)؟ واحتَجُّوا أيضًا بعُمُوم تحريم الميْتَة في الكتابِ والسنةِ، فمِن ذلك ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباح: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدٍ الله يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ عامَ الفتح بمكةَ: "إنَّ اللهَ ورسولَه حرَّمَ بيعَ الخمرِ، والميْتَةِ، والخنزيرِ والأصنام"، قيل له: يا رسولَ الله، أرأيْتَ شحومَ الميْتَةِ، فإنه يُدْهَنُ بها السُّفُنُ والجلُودُ، ويَسْتَصْبحُ بها

стр. 3292

الناسُ؟ فقال: "لا، هي حَرَامٌ". ثم قال رسولُ الله: "قَاتَلَ اللهُ اليهودَ، لما حرَّمَ عليهم الشَّحْمَ، جمَلُوه فبَاعُوه، وأكلوا ثمَنَه". فحَذَّرَ أُمَّتَه أن يفعَلوا مثلَ ذلك. وذكره البخاريُّ (١)، قال: حدَّثنا قُتَيبَةُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن عطاء بنِ أبي رباح، عن جابرِ بنِ عبدٍ الله، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وذكره ابنُ أبي شيبةَ (٢)، عن أبي أُسامةَ، عن عبدٍ الحميد بنِ جَعْفَرٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ مرفوعًا مثلَه. وقال آخرون: يجوزُ الاستصباحُ بالزيتِ تقَعُ فيه الميتَةُ، ويُنتَفَعُ به في الصابُونِ وشِبْهِه، وفي كلِّ شيءٍ، ما لم يُبَعْ ولم يُؤكلْ، فإنه لا يجوزُ بَيْعُه ولا أكلُه بحال. وممن قال بذلك: مالكٌ (٣)، والشافعيُّ (٤)، وأصحابُهما، والثوريُّ (٥). قال أبو عُمر: أمَّا أكلُه فمُجتَمَعٌ على تحريمِه، إلا الشُّذُوذَ الذي ذكرْنا. وأما الاسْتِصْباحُ به، فقد رُوِي عن عليِّ بنِ أبي طالبِ وعبدِ الله بنِ عمرَ إجازَةُ ذلك. روى الحارِثُ (٦)، عن عليٍّ، قال: استنْفِعْ به للسِّراج، ولا تأكُلْه (٧).

стр. 3293

وروى سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أيوبَ بنِ موسى، عن نافِع، عن صَفِيّةَ بنتِ أبي عُبَيدٍ، أنَّ فأرَةً وقَعَتْ في أفْراقِ زَيْتٍ لآلِ عبدٍ الله بنِ عمرَ، فأمرَهم ابنُ عمرَ أن يَسْتَصْبِحُوا به ويَدْهُنُوا به الأُدُمَ (١). وروى ابنُ عُيينةَ، والثوريُّ، ومعمرٌ، عن أيوبَ السَّخْتيانيِّ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ مثلَه (٢). وروى ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن نافِع، أنَّ امرأةَ عبدٍ الله بنِ عمرَ أخبرَتْه، أنه كان لعبدِ الله بنِ عمرَ جَرَّةٌ ضَخْمَةٌ ملأى سمْنًا، فوجَد فيها فأرَةً ميتةً، فأبى أن يأكُلَ منها، ومنَعَ أهلَه، وأمرَهم أن يَسْتَصْبِحوا به، وأن يَدْهُنُوا به أُدُمًا كان لهم (٣). قال ابنُ وَهْبٍ: وأخبرني أنسُ بنُ عياضٍ، عن عبيدِ الله بنِ محمدِ بنِ أبي مريمَ الثَّقفيِّ، أنه قال: سألت سعيدَ بنَ المسيِّب عن جرَّتَيْنِ وقَعَتْ فيهما فأرَتان؛ فأمَّا الواحِدَةُ فأخرجنا منها الفأرَةَ حيَّةً. فقال سعيدٌ: لا بأسَ بزيتها فكُلُوه. وأمَّا الأُخرى فعالَجْنا الفأرةَ التي فيها حتى ماتت، فقال: لا تأكلُوا ما خرَجَ رُوحُها فيها. ومن حُجَّةِ هؤلاء في تحريم بيعِه ما حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدٍ العزيز، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن خالدٍ - يعني الحذَّاء - عن برَكَةَ أبي

стр. 3294

الوليد، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لعَن اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فباعوها وأكلوا أثمانَها، وإنّ اللهَ إذا حرَّم أكلَ شيءٍ حرَّم ثمَنَه" (١). واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن ابنِ وعْلَةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قولِه في الخمرِ: "إنَّ الذي حرَّم شُرْبَها حرَّم بَيْعَها". وقد مضَى هذا الحديثُ بطُرُقِه، في بابِ زيدٍ من كتابِنا (٢) هذا، والحمدُ لله. قالوا: فهذه نُصوصٌ صِحاحٌ في أنه لا يجوزُ بيعُ شيءٍ لا يحِلُّ أكلُه من الطعام والشراب (٣). وقال آخرون: يُنتَفَعُ بالزيتِ الذي تقَعُ فيه الميتَةُ بالبيع وبكلِّ شيءٍ ما عَدَا الأكلَ، فإنه لا يُؤكَلُ. قالوا: وجائِزٌ أن يَبِيعَه ويُبيِّنَ له. وممن قال ذلك؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه (٤)، والليثُ بنُ سعد (٥). وقد رُويَ عن أبي موسى الأشْعَريِّ، قال: لا تأكُلُوه، وبيعُوه، وبيِّنوا لن تَبِيعُونَه منه، ولا تَبِيعُوه من المسلمين (٦). وعن القاسِم وسالم: يَبِيعُونَه ويُبيِّنُونَ له، ولا يُؤكَلُ.

стр. 3295

ذكر ابنُ وَهْبٍ، عن ابن لهيعَةَ وحيوةَ بنِ شُرَيْح، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، أنَّه قال: سألتُ القاسِمَ وسالمًا عن الزيتِ تموتُ فيه الفأرَةُ: هل يصلُحُ أن يؤكَلَ منه؟ فقالا: لا، قلتُ: أفيَبِيعُه؟ قالا: نعم، ثم كلُوا ثمَنَه، وبيِّنُوا لمن يشْتَرِيه ما وقَعَ فيه (١). ومن حُجَّةِ من ذهَب إلى هذا المذهَبِ ما ذكره عبدُ الواحِدِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، في الفأرَةِ تقَعُ في السَّمْنِ، قال: "إن كان جامدًا فألقُوها وما حولَها، وإن كان مائعًا فاستصبِحُوا به وانتفِعُوا". قالوا: والبيعُ من بابِ الانتفاع. قالوا: وأما قولُه في حديثِ عبدٍ الرزاقِ: "إن كان مائِعًا فلا تقرَبُوه". فإنه يحتَمِلُ أن يريدَ: لا تقرَبُوه للأكل. قالوا: وقد أجرى رسولُ الله ﷺ التحريمَ في شُحُوم الميتَةِ في كلِّ وجْهٍ، ومَنَعَ من الانتِفاعَ بشيءٍ منها. وذكروا حديثَ يزيدَ (٢) بنِ أبي حبيبٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، المذكورَ. قالوا: وأباح رسولُ الله ﷺ في السَّمْن تقَعُ فيه الميتَةُ، الانتِفَاعَ به، فدلَّ على جوازِ وجوهِ سائرِ الانتفاع غيرَ الأكل (٣). قالوا: والبيعُ من الانتِفاع. قالوا: والنَّظَرُ يدُلُّ على ذلك؛ لأن شُحُومَ الميتَةِ محرَّمَةُ العينِ والذاتِ، وأما الزيتُ تقَعُ فيه الميَتَةُ، فإنما تَنَجَّسَ بالمجاوَرَةِ، وما تَنَجَّسَ مِنَ المجاوَرر فبَيْعُه جائزٌ؛ كالثَّوْبِ تُصِيبُه النجاسَةُ من الدَّم وغيرهِ. وفرَّقوا بينَه وبينَ أُمَّهاتِ الأولادِ، بأن الزيتَ النَّجِسَ تجوزُ هِبَتُه والصدقةُ به، وليس يجوزُ ذلك في أُمَّهاتِ الأولادِ.

стр. 3296

قالوا: وما جاز تملُّكُه جاز البيعُ فيه. قالوا: وأمَّا قولُه عليه الصلاةُ و السَّلامُ: "إن اللهَ إذا حرَّم أكْلَ شيءٍ حرَّمَ ثمَنَه". فإنَّما هو كلامٌ خرَجَ على شُحُوم الميتَةِ التي حَرُمَ أكْلُها، ولم يُبَح الانتِفاعُ بشيءٍ منها، وكذلك الخمرُ، والمعنَى في ذلك: أنَّ اللهَ تعالى إذا حرَّمَ أكلَ شيءٍ ولم يُبح الانْتِفاعَ به، حرَّمَ ثَمنَه، وأمَّا ما أباح الانتِفاعَ به، فليس مما عنَى بقوله: "إنَّ اللهَ إذا حرَّمَ أكلَ شيءٍ حَرَّمَ ثمنَه"، بدَليلِ إجماعِهم على بيع الهرِّ والفُهُودِ والسِّباع (١) المتَّخَذَةِ للصيدِ والحُمُرِ الأهلِيَّة. قالوا: وكلُّ ما يجوزُ الانتفاعُ به يجوزُ بيعُه. قال أبو عُمر: أجاز بعضُ أصحابِنا - وهو عبدُ الله بنُ نافِع فيما ذُكِرَ عنه - غسْلَ البانِ تقَعُ فيه الميتَةُ (٢)، ومثلُه الزيتُ تقَعُ فيه الميتَةُ. وقد رُوِيَ عن مالكٍ أيضًا مثلُ ذلك، وذلك أن يَعْمِدَ إلى قِصَار (٣) ثلاثٍ أو أكثر، فيجعَلَ الزيتَ النجِسَ في واحِدةٍ منها حتى يكونَ نِصْفَها أو نحوَ ذلك، ثم يَصُبَّ عليها الماءَ حتى تَمْتَلئ، ثم يُؤْخَذَ الزيتُ من على الماء، ثم يُجعَلَ في أُخرى، ويُعمَلَ به كذلك، ثم في الثالثة، ويُعمَلَ به كذلك. حُكِيتْ لنا هذه الصِّفةُ في غَسْلِ الزَّيتِ عن محمدِ بنِ أحمدَ العُتْبيِّ، وهو قولٌ ليس لقائِلِه سَلَفٌ، ولا تَسْكُنُ إليه النَّفْسُ؛ لأنه لو كان جائزًا ما خَفِي على المتَقَدِّمِين، ولَعَمِلوا به، مع أنه لا يَصِحُّ غَسلُ ما لا يُرى عندَ أُولي النُّهَى (٤). وقد

стр. 3297

رُوِي عن عطَاء بنِ أبي ربَاح في شُحوم الميتةِ قولٌ لم يَقُلْه أحَدٌ من علماء المسلمينَ غيرُه فيما عَلِمتُ (١). ذكرَ عبدُ الرزاق (٢)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عطاءٌ، قال: ذكروا أنه يُسْتثْقَبُ (٣) بشُحوم الميتةِ، وتُدْهَنُ به السُّفُنُ ولا يُمَسُّ، ولكن يؤخَذُ بعُودٍ. فقلت: فيُدْهَنُ به غيرُ السُّفُنِ؟ قال: لم أعلَمْ. قلت: وأينَ يُدهَنُ به من السُّفُنِ؟ قال: ظُهُورُها، ولا تُدْهَنُ بطُونُها. قلت: فلا بُدَّ أن يمَسَّ وَدَكَها بالمصباح، فتَنالَه اليَدُ، قال: فليَغْسِلْ يَدَه إذا مَسَّه (٤). قال أبو عُمر: قولُ عطاءٍ هذا شُذُوذٌ وخُروجٌ عن تأويلِ العلماء، لا يَصِحُّ به أثرٌ، ولا مدخَلَ له في النظرِ؛ لأن اللهَ حرَّمَ الميتَةَ تحريمًا مُطلقًا، فصارَتْ نَجِسَةَ الذَّات، مُحرَّمَةَ العينِ، لا يجوزُ الانتِفاعُ بشيءٍ منها، إلا ما خَصَّتِ السنةُ من الإهابِ بعدَ الدِّباغ، ولا فرقَ بينَ الشَّحْم واللحم في قياسٍ ولا أثر. وقد رُوِي

стр. 3298

عن النبيِّ ﷺ خِلافُ قولِ عطاء نصًّا من حديثه عن جابر، وقد تقدَّمَ ذكرُه في هذا البابِ (١)، وما أدْرِي كيف جاز له الفَتْوَى بخلافِ ما روى؟ إلا أنَّهم يقولون: إنّ يزيدَ بنَ أبي حَبِيبٍ لم يسْمَعْ حدِيثَه ذلك من عطاء. وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التَّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم، قال: حدَّثنا زَمْعَةُ بنُ صالح (٢)، قال: حدَّثنا أبو الزبير، قال: سمِعتُ جابِرَ بنَ عبدٍ الله يقولُ: كنتُ عندَ رسول الله ﷺ جالسًا، فجاءه أناسٌ من أهل البحرَيْن فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّا نعملُ في البحر، ولنا سفينةٌ قد احتاجت إلى الدُّهْن، وقد وجدنا ناقةً ميتةً كثيرةَ الشَّحم، وقد أرَدْنا أن نَدهُنَ به سفينتَنا، فإنَّما هو عُودٌ، وإنما تجري في البحر، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تنتفِعوا بشَحْم الميتة"، أو قال: "بشيءٍ من الميتة" (٣).

стр. 3299

حديثٌ خامسٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله مُسنَدٌ (١) مالك (٢)، عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن عبدٍ الله (٣) بن عباس، قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ بشاةٍ مَيْتةٍ كان أعطاها مولًى لمَيمونةَ زَوْج النبيِّ ﷺ ، فقال: "ألا (٤) انْتَفَعتُم بجِلْدِها؟ "، فقالوا: يا رسولَ الله، إنها ميتَةٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما حُرِّمَ أكلُها". هكذا روى يحيى هذا الحديثَ، فجوَّدَ إسنادَه أيضًا وأتْقَنه، وتابعَه على ذلك ابنُ وَهْبٍ (٥)، وابنُ القاسم (٦)، والشافعيُّ (٧). ورواه القَعْنَبيُّ (٨)، وابنُ بُكيْر،

стр. 3300

وجُوَيريةُ، ومحمدُ بنُ الحسن (١)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيدِ الله، عن النبيِّ ﷺ ، مُرْسلًا. والصحيحُ فيه اتِّصالُه وإسنادُه. وكذلك رواه معمرٌ (٢)، ويونُسُ (٣)، والزُّبيديُّ (٤)، وعُقَيلٌ (٥)، كلُّهم عن ابن شهابٍ، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَ روايةِ يحيى ومَن تابعَه عن مالكٍ سواءً (٦). وكان ابنُ عيينةَ يقولُ مرَارًا كذلك (٧)، ومرَارًا يقولُ فيه: عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ (٨). وكذلك رواه سليمانُ بنُ كثير، عن الزهريِّ،

стр. 3301

عن عُبَيدِ الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، قالت: أُعْطِيَتْ مولاةٌ لي من الصدقةِ. فذكر الحديثَ، وزاد: "ودِباغُ إهابِها طَهُورُها" (١). واتَّفَقَ معمرٌ، ومالكٌ، ويونُسُ على قوله: "إنما حُرِّمَ أكْلُها"، إلا أن معمرًا قال: "لحمُها". وذلك سواءٌ، ولم يذكُرْ واحِدٌ منهم الدِّباغَ، وكان ابنُ عيينةَ يقولُ: لم أسْمَعْ أحدًا يقولُ: "إنَّما حُرِّمَ أكْلُها"، إلا الزهريَّ. واتَّفَق الزُّبَيْدِيُّ، وعُقَيْلٌ (٢)، وسليمانُ بنُ كثيرٍ، على ذكْرِ الدِّباغ في هذا الحديثِ عن الزهريِّ، وكان ابنُ عيينةَ مرَّةً يذكُرُه فيه، ومرَّةً لا يذكُرُه، ومرَّةً يجعَلُ الحديثَ عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، ومرَّةً عن ابنِ عباسٍ فقط (٣). قال محمدُ بنُ يحيى النَّيسابُوريُّ: لستُ أعتَمِدُ في هذا الحديثِ على ابنِ عيينةَ؛ لاضطرابِه فيه. قال: وأما ذِكْرُ الدِّباغ فيه، فلا يُوجَدُ إلا من روايةِ يحيى بن أيُّوبَ، عن عُقَيل، ومن رواية بقيَّة، عن الزُّبَيدِيِّ. ويحيى وبقيَّةُ ليسا بالقويَّين. ولم يذكُرْ مالِكٌ، ولا معمرٌ، ولا يونُسُ، الدِّباغَ، وهو الصحيحُ في حديثِ الزهريِّ، وبه كان يُفْتي. قال: وأمَّا من غيرِ روايةِ الزهريِّ، فذلك محفوظٌ صحيحٌ عن ابنِ عباسٍ.

стр. 3302

قال أبو عُمر: قد ذكرنا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ (١) روايةَ ابنِ وعْلَةَ، وعطَاء، وابنِ أبي الجَعْدِ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ : "دباغُ الإهابِ طَهُورُه". وذكَرْنا هناك ما رُوِي في هذا البابِ من الآثارِ عن النبيِّ ﷺ ، وما قاله العلماءُ في ذلك، ووُجُوهَ اختِلافِهم فيما اختلفوا فيه من هذا البابِ، بأبسطِ ما يكونُ من القولِ وأعْظَمِه فائدةً، والحمدُ لله. وكلُّ ما يجبُ من القولِ في هذا البابِ، فقد مضَى مُمَهَّدًا بما للعلماء (٢) في ذلك من المذاهِبِ في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن ابنِ وعلَةَ، فلا معنَى لإعادَةِ ذلك هاهنا. والقولُ الذي قاله النَّيسابُورِيُّ (٣)، عن ابنِ عُيينةَ، من اضطرابِه عن الزُّهريِّ في هذا الحديث، قد قاله غيرُه عن ابنِ شِهابٍ، واضطِرابُ ابنِ شِهابٍ في هذا الحديثِ وفي حديثِ ذي اليَدَيْنِ كثيرٌ جِدًّا، وهذا الحديثُ من غيرِ روايَةِ ابنِ شهابٍ أصَحُّ، وثُبوتُ الدِّباغ في جُلُودِ الميتةِ عن النبيِّ ﷺ من وجُوهٍ كثيرةٍ صحَاح ثابِتة، قد ذكرناها في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا، وبيَّنا الحجَّةَ على من أنكَرَ الدِّبَاغَ بما فيه كِفايَةٌ من جهةِ النَّظَر والأثر، وبالله التوفيقُ. وفي البابِ قبلَ هذا في قِصَّةِ الفأرَةِ تقَعُ في السَّمْنِ ما يَدْخُلُ في معنَى هذا البابِ، ويُفسِّرُ المنعَ من بيع ما لا يَحِلُّ أكْلُه، ويقْضِي على أنّ المأكُولَ كلَّه من الميتَةِ حَرامٌ، وفي ذلك كشْفُ معنَى قولِه في هذا الحديثِ: "إنما حُرِّمَ أكْلُهَا". ومعْلُومٌ أنَّ العَظْمَ حُكْمُه حُكْمُ اللَّحْم؛ لأنَّه لا يُقْطَعُ ولا يُنْزَعُ من البهيمَةِ وهي حيَّةٌ كما

стр. 3303

يُصْنَعُ بالصُّوفِ، وإنَّما يَحْرُمُ بالموتِ ما حَرُمَ قَطْعُه من الحيِّ، إلا ترَى إلى قولِ رسولِ الله ﷺ : "ما قُطِع من حَيٍّ فهو ميتَةٌ (١)؟ وأجمَع العلماءُ على أن جَزَّ الصُّوفِ عن الشاةِ وهي حيَّةٌ حلالٌ، وفي هذا بيَانُ ما ذكَرْنا. وأمَّا قولُه ﵊: "لا تَنْتفِعُوا من الميْتَةِ بإهابٍ" (٢)، فإن معناه: حتى يُدْبَغَ، بدَليلِ أحادِيثِ الذَباغ، وقد أوضَحنا هذا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ. والحمدُ لله. ومَن أجاز عَظْمَ الميتَةِ، كالعَاج وشِبْهِه في الأمْشاطِ وغيرِها، زَعَم أن الميتَةَ: ما جرَى فيه الدَّمُ، وليس كذلك العَظْمُ. واحتَجُّوا بقوله في هذا الحديثِ: "إنَّما حُرِّمَ أكْلُها"، وليس العَظْمُ مما يؤكَلُ. قالوا: فكلُّ ما لا يُؤْكَلُ من الميتةِ جائِزٌ الانْتِفاعُ به؛ لقوله: "إنَّما حُرِّم أكْلُها".

стр. 3304

وممن رخَّص في أمشاطِ العاج وما يُصْنَعُ من أنيابِ الفِيَلَةِ وعِظام الميتةِ: ابنُ سِيرين (١)، وعروةُ بنُ الزُّبيرِ (٢)، وأبو حنيفةَ (٣) وأصحابُه، قالوا: تُغْسَلُ ويُنتَفَعُ بها، وتُباعُ وتُشْتَرى. وبه قال الليثُ بنُ سعدٍ (٤)، إلا أنه قال: تُغْلَى بالماء والنَّارِ حتى يَذْهَبَ ما فيها من الدَّسَم. وممَّن كَرِه العاجَ وسائِرَ عِظَام الميْتَةِ، ولم يُرخِّصْ في بَيْعِها ولا الانتفاع بها: عطاءٌ، وطاوسٌ، وعمرُ بنُ عبدٍ العزيز (٥)، ومالكُ بنُ أنس (٦)، والشافعيُّ (٧)، واخْتُلِف فيها عن الحسنِ البصريِّ (٨). ومن حُجَّتِهم أنّ الميتةَ مُحرَّمةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ المجتمَع عليهما، والعظمُ ميتةٌ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وأنَّه لا يؤخَذُ من الحيِّ، ولهم في ذلك ما يطولُ ذكرُه.

стр. 3305

حديثٌ سادسٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عُتبَةَ بنِ مسعودٍ، عن عبدٍ الله بنِ عباس، عن الصَّعْبِ بنِ جثَّامَةَ، أنَّهُ أهْدَى لرسولِ الله ﷺ حِمارَ وَحْشٍ، وهو بالأبواء، أو بوَدَّانَ، فرَدَّه عليه رسولُ الله ﷺ . قال: فلما رأى رسولُ الله ﷺ ما في وجْهِي قال: "إنَّا لم نَرُدَّه عليك، إلا أَنَّا حُرُمٌ" (٢). هذا حديثٌ لم يُختلَفْ في إسنادِه على مالكٍ، ولا على ابنِ شهاب، وكلُّ من في إسنادِه فقد سَمِعه بعضُهم من بعضٍ سَماعًا (٣)، كذلك في الآثارِ (٤) عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عبيدُ الله، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، قال: أخبرني الصَّعْبُ بنُ جَثَّامةَ. وقد قُلْنا في السَّنَدِ المعَنْعَنِ في أوَّلِ كتابِنا ما فيه كِفايةٌ (٥). وممن روَاه عن ابنِ شهابٍ كما رواه مالكٌ: معمرٌ (٦)، وابنُ

стр. 3306

جُرَيج (١)، وعبدُ الرحمن بنُ الحارثِ، وصالحُ بنُ كَيْسانَ (٢)، وابنُ أخي ابنِ شهابٍ (٣)، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ (٤)، ويونُسُ بنُ يزيدَ (٥)، ومحمدُ بنُ عمرو بنِ علقمةَ (٦)، كلُّهم قالوا فيه: أهْدَيْتُ لرسولِ الله ﷺ حِمارَ وَحْشٍ. كما قال مالكٌ. وخالفَهَم ابنُ عيينة (٧)، ومحمدُ بنُ إسحاقَ (٨)، فقالا فيه: أُهْدِيَ لرسولِ الله ﷺ لحمُ حِمَارِ وَحْشٍ.

стр. 3307

وقال ابنُ جُرَيج في حديثه (١): قلتُ لابنِ شهابٍ: الحمارُ عَقِيرٌ؟ قال: لا أدري. فقد بيَّن ابنُ جُرَيج أنَّ ابنَ شهابٍ شَكَّ، فلم يَدْرِ هل كان عَقِيرًا أم لا (٢)؟ إلا أنَّ في مسَاقِ حديثه: أهْدَيْتُ لرسولِ الله ﷺ حمارَ وَحْشٍ فرَدَّه عليَّ. وروى حمادُ بنُ زيدٍ هذا الحديثَ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أقْبَل حتى إذا كان بقُدَيْدٍ أهْدَى إليه بعضَ حمارٍ، فرَدَّه عليه وقال: "إنَّا حُرُمٌ لا نأكُلُ الصَّيْدَ". هكذا قال حمادُ بنُ زيدٍ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن عُبَيدِ الله. لم يذْكُرِ ابنَ شهاب، وقال: بعضَ حِمَارٍ، ذكره إسماعيلُ القاضي (٣)، عن سليمانَ بنِ حربٍ، عن حمَّادِ بنِ زَيْدٍ.
следующие страницы →