← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3303–3342 · переход к 3308.

стр. 3303

يُصْنَعُ بالصُّوفِ، وإنَّما يَحْرُمُ بالموتِ ما حَرُمَ قَطْعُه من الحيِّ، إلا ترَى إلى قولِ رسولِ الله ﷺ : "ما قُطِع من حَيٍّ فهو ميتَةٌ (١)؟ وأجمَع العلماءُ على أن جَزَّ الصُّوفِ عن الشاةِ وهي حيَّةٌ حلالٌ، وفي هذا بيَانُ ما ذكَرْنا. وأمَّا قولُه ﵊: "لا تَنْتفِعُوا من الميْتَةِ بإهابٍ" (٢)، فإن معناه: حتى يُدْبَغَ، بدَليلِ أحادِيثِ الذَباغ، وقد أوضَحنا هذا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ. والحمدُ لله. ومَن أجاز عَظْمَ الميتَةِ، كالعَاج وشِبْهِه في الأمْشاطِ وغيرِها، زَعَم أن الميتَةَ: ما جرَى فيه الدَّمُ، وليس كذلك العَظْمُ. واحتَجُّوا بقوله في هذا الحديثِ: "إنَّما حُرِّمَ أكْلُها"، وليس العَظْمُ مما يؤكَلُ. قالوا: فكلُّ ما لا يُؤْكَلُ من الميتةِ جائِزٌ الانْتِفاعُ به؛ لقوله: "إنَّما حُرِّم أكْلُها".

стр. 3304

وممن رخَّص في أمشاطِ العاج وما يُصْنَعُ من أنيابِ الفِيَلَةِ وعِظام الميتةِ: ابنُ سِيرين (١)، وعروةُ بنُ الزُّبيرِ (٢)، وأبو حنيفةَ (٣) وأصحابُه، قالوا: تُغْسَلُ ويُنتَفَعُ بها، وتُباعُ وتُشْتَرى. وبه قال الليثُ بنُ سعدٍ (٤)، إلا أنه قال: تُغْلَى بالماء والنَّارِ حتى يَذْهَبَ ما فيها من الدَّسَم. وممَّن كَرِه العاجَ وسائِرَ عِظَام الميْتَةِ، ولم يُرخِّصْ في بَيْعِها ولا الانتفاع بها: عطاءٌ، وطاوسٌ، وعمرُ بنُ عبدٍ العزيز (٥)، ومالكُ بنُ أنس (٦)، والشافعيُّ (٧)، واخْتُلِف فيها عن الحسنِ البصريِّ (٨). ومن حُجَّتِهم أنّ الميتةَ مُحرَّمةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ المجتمَع عليهما، والعظمُ ميتةٌ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وأنَّه لا يؤخَذُ من الحيِّ، ولهم في ذلك ما يطولُ ذكرُه.

стр. 3305

حديثٌ سادسٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عُتبَةَ بنِ مسعودٍ، عن عبدٍ الله بنِ عباس، عن الصَّعْبِ بنِ جثَّامَةَ، أنَّهُ أهْدَى لرسولِ الله ﷺ حِمارَ وَحْشٍ، وهو بالأبواء، أو بوَدَّانَ، فرَدَّه عليه رسولُ الله ﷺ . قال: فلما رأى رسولُ الله ﷺ ما في وجْهِي قال: "إنَّا لم نَرُدَّه عليك، إلا أَنَّا حُرُمٌ" (٢). هذا حديثٌ لم يُختلَفْ في إسنادِه على مالكٍ، ولا على ابنِ شهاب، وكلُّ من في إسنادِه فقد سَمِعه بعضُهم من بعضٍ سَماعًا (٣)، كذلك في الآثارِ (٤) عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عبيدُ الله، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، قال: أخبرني الصَّعْبُ بنُ جَثَّامةَ. وقد قُلْنا في السَّنَدِ المعَنْعَنِ في أوَّلِ كتابِنا ما فيه كِفايةٌ (٥). وممن روَاه عن ابنِ شهابٍ كما رواه مالكٌ: معمرٌ (٦)، وابنُ

стр. 3306

جُرَيج (١)، وعبدُ الرحمن بنُ الحارثِ، وصالحُ بنُ كَيْسانَ (٢)، وابنُ أخي ابنِ شهابٍ (٣)، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ (٤)، ويونُسُ بنُ يزيدَ (٥)، ومحمدُ بنُ عمرو بنِ علقمةَ (٦)، كلُّهم قالوا فيه: أهْدَيْتُ لرسولِ الله ﷺ حِمارَ وَحْشٍ. كما قال مالكٌ. وخالفَهَم ابنُ عيينة (٧)، ومحمدُ بنُ إسحاقَ (٨)، فقالا فيه: أُهْدِيَ لرسولِ الله ﷺ لحمُ حِمَارِ وَحْشٍ.

стр. 3307

وقال ابنُ جُرَيج في حديثه (١): قلتُ لابنِ شهابٍ: الحمارُ عَقِيرٌ؟ قال: لا أدري. فقد بيَّن ابنُ جُرَيج أنَّ ابنَ شهابٍ شَكَّ، فلم يَدْرِ هل كان عَقِيرًا أم لا (٢)؟ إلا أنَّ في مسَاقِ حديثه: أهْدَيْتُ لرسولِ الله ﷺ حمارَ وَحْشٍ فرَدَّه عليَّ. وروى حمادُ بنُ زيدٍ هذا الحديثَ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أقْبَل حتى إذا كان بقُدَيْدٍ أهْدَى إليه بعضَ حمارٍ، فرَدَّه عليه وقال: "إنَّا حُرُمٌ لا نأكُلُ الصَّيْدَ". هكذا قال حمادُ بنُ زيدٍ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن عُبَيدِ الله. لم يذْكُرِ ابنَ شهاب، وقال: بعضَ حِمَارٍ، ذكره إسماعيلُ القاضي (٣)، عن سليمانَ بنِ حربٍ، عن حمَّادِ بنِ زَيْدٍ.

стр. 3308

وعندَ حمَّادِ بنِ زيدٍ في هذا أيضًا إسنادٌ آخرُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جثَّامَةَ، أنَّه أتَى النبيَّ ﷺ بحِمارِ وحْشٍ، فرَدَّه عليه وقال: "إنَّا حُرُمٌ لا نأكُلُ الصَّيْدَ" (١). هكذا قال في هذا الإسنادِ: بحِمارِ وحْشٍ. ورواه إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ (٢) كما قدَّمْنا ذكرَه، وهو أوْلى بالصوابِ عندَ أهلِ العِلْمِ. فهذا ما في حديثِ ابنِ شهابٍ. وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ، من حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ، ومِقْسَم، وعطاءٍ، وطاوسٍ، أنَّ الصَّعْبَ بنَ جثّامَةَ أهْدَى لرسولِ الله ﷺ لحمَ حِمَارِ وَحْشٍ. قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في حديثه: عَجُزَ حمارِ وَحْشٍ، فرَدَّه يَقْطُرُ دَمًا؛ رواه شعبةُ، عن الحكَم، عن سعيدِ بنِ جُبير (٣). وقال مِقْسَمٌ في حديثه: رجْلَ حِمارِ وحْشٍ؛ رواه هشيمٌ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مِقْسَم (٤)؛ ذكَرَه إسماعيلُ القاضي، عن إبراهيمَ الهرَويِّ، عن هُشيم.

стр. 3309

وقال عطاءٌ في حديثه: أهْدَى له عَضُدَ صَيْدٍ فلم يَقْبَلْه، وقال: "إنَّا حُرُمٌ"؛ رواه حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن قيسٍ، عن عطاءٍ (١). وقال طاوسٌ في حديثه: عُضْوًا مِن لحم صَيْدٍ؛ حدَّثَ به إسماعيلُ، عن عليِّ بنِ المدينيِّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيج، عن الحَسَن بنِ مسلم، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ. إلا أنّ منهم من يجعَلُه: عن ابنِ عباسٍ، عن زيدِ بن أرْقَمَ؛ أخبرناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدٍ الباهِلي، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: حدَّثنا هِشَامُ بنُ يوسُفَ القاضي، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني حسنُ بنُ مسلم، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قدِم زيدُ بنُ أرْقَمَ، فقال له ابنُ عباسٍ يستذكِرُه: كيف أخبرتني عن لحم أُهْدِيَ للنبيِّ ﷺ حَرَامًا؟ قال: نعم، أهْدَى له رجلٌ عُضْوًا من لحم، فرَدَّه عليه، وقال: "إنَّا لا نأكُلُه، إنَّا حُرُمٌ" (٢). وكذلك رواه أبو عاصِم، عن ابنِ جُرَيج بإسنَادِه مثلَه (٣). ورواه حمادُ بنُ سلَمَةَ، عن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ، عن عطاءٍ (٤)، عن ابنِ عباسٍ،

стр. 3310

أنَّه قال لزيدِ بنِ أرْقَمَ: أما عَلِمْتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُهْدِيَ له عُضْوٌ من صَيْدٍ وهو مُحْرِمٌ فلم يَقْبَلْه؟ قال: بلى (١). قال إسماعيلُ: سمِعتُ سليمانَ بنَ حربٍ يتأوَّلُ هذا الحديثَ على أنه صِيدَ من أجلِ النبيِّ ﷺ ، ولولا ذلك كان أكْلُه جائزًا. قال سليمانُ: ومما يَدُلُّ على أنه صِيدَ من أجْلِه، قولُهم في الحديثِ: فرَدَّه يَقْطُرُ دمًا. كأنه صِيدَ في ذلك الوقْتِ. قال إسماعيلُ: وأمّا تأوَّلُ سليمانَ بنِ حربٍ الحديثَ الذي فيه، أنه أُهْدِيَ إلى رسولِ الله ﷺ لحمُ حِمَار، وهو مَوْضِعٌ يحتاجُ إلى تأويل. وأمَّا روايةُ مالكٍ أنَّ الذي أُهْدِيَ إليه حمارُ وَحْشٍ، فلا يحتاجُ إلى تَأوِيلٍ؛ لأنَّ المحرِمَ لا يجوزُ له أن يُمْسِكَ صَيْدًا حيًّا ولا يُذَكِّيَه، وإنما يحتاجُ إلى التَّأويلِ قولُ من قال: إنَّ الذي أُهدِيَ هو بعضُ الحمارِ. قال إسماعيلُ: وعلى تأوِيلِ سليمانَ بنِ حربٍ تكونُ الأحاديثُ كلُّها المرفوعةُ غيرَ مختلِفة (٢). قال أبو عُمر: الأحاديثُ المرفوعةُ في هذا البابِ؛ منها: حديثُ عُمَيْرِ بنِ سَلَمَةَ في قصةِ البهْزِيِّ وحمارِه العَقير، رواه مالكٌ (٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن عُمَيْر.

стр. 3311

ومنها: حديثُ أبي قَتادة (١)، رُوي من وجُوهٍ، وممن روى قصَّةَ أبي قتادة: جابرٌ (٢)، وأبو سعيدٍ (٣)، وسنذكُرُ حديثَ أبي قتادةَ، في بابِ أبي النَّضْرِ سالم (٤) من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ. ومنها: حديثُ الصعْبِ بنِ جثّامةَ المذكُورُ في هذا البابِ من حديثِ ابنِ عباسٍ، على تواتُر (٥) طُرُقِه واختلافِ ألفاظِه. ومنها: حديثُ عليِّ بنِ أبي طالب (٦)، أنَّ رسولَ الله ﷺ أُهْدِي إليه رِجلُ

стр. 3312

حمارِ وَحْش، فأبَى أن يأكُلَه. وحديثُ المطلب، عن جابرٍ يفسِّرُها (١)، قولُه: "صيدُ البرِّ لكم حلالٌ، ما لم تَصِيدُوه أو يُصَادَ لكم" (٢). وأجمَع العلماءُ (٣) على أنه لا يجوزُ للمُحْرِم قَبُولُ صَيْدٍ وُهِب له، ولا يجوزُ له شِراؤُه ولا اصْطِيادُه، ولا اسْتِحداثُ مِلْكِه، بوجْهٍ من الوُجوهِ، لا خِلافَ بينَ علماء المسلمين في ذلك؛ لعُمُوم قولِ الله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ولحديثِ الصَّعْبِ بنِ جثَّامَةَ في قِصةِ الحَمارِ. ولأهْلِ العِلْم قولان في المُحرِم يشْتَري الصيْدَ، أحدُهما: أنَّ الشِّراء فاسِدٌ، والثاني: صحيحٌ، وعليه أن يُرْسلَه. واختَلَف العلماءُ فيمن أحْرَم وفي يَدِه صيدٌ، أو في بَيْتِه عندَ أهْلِه؛ فقال مالكٌ (٤): إن كان في يَدِه، فعليه إرسالُه، وإن كان في أهلِه، فليس عليه أن يُرْسلَه. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ (٥)، وأحمدَ بنِ حنبلٍ (٦).

стр. 3313

وقال ابنُ أبي ليلى، والثوريُّ، والحسنُ بنُ صالح (١): سواءٌ كان في بيته أو في يَدِه، عليه أن يُرْسِلَه (٢)، فإن لم يُرْسِلْه، ضَمِن. وهو أحدُ قولي الشافعيِّ. وقال أبو ثورٍ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: سواءٌ كان في يَدِه أو في أهْلِه، ليس عليه أن يُرْسِلَه. وعن مجاهدِ، وعبدِ الله بنِ الحارِثِ، مثلُ ذلك. واختَلَفوا أيضًا فيما صِيد للمُحرِمينَ، أو من أجْلِهم؛ فقال مالكٌ (٣): لا بَأسَ أن يأكُلَ المحرمُ الصَّيْدَ إذا لم يُصَدْ له، ولا من أجْلِه، فإن صِيد له، أو من أجلِه، لم يأكُلْه، فإن أكل مُحْرِمٌ من صَيْدٍ صِيد من أجْلِه، فَداه. وهو قولُ الأوزاعيِّ (٤)، والحسنِ بنِ حيِّ. قال مالكٌ (٥): فأمَّا ما ذَبَحه المحرمُ فهو ميتَةٌ، لا يحلُّ لمحرم ولا لحلالٍ. وقد اخْتَلَف قولُه فيما صِيدَ لمحرم بعَيْنِه؛ كالأمِيرِ وشِبْهِه، هل لغيرِ ذلك الذي صِيدَ من أجلِه أن يأكُلَه من سائرِ من معَه (٦) من المُحرِمين؟ والمشهورُ من مَذْهَبِه عندَ أصحابِه أنَّ المحرمَ لا يأكُلُ ما صِيدَ لمحرم مُعَيَّنٍ أو غيرِ مُعَيَّنٍ، ولم يأخُذْ بقول عثمانَ لأصحابِه حين أُتي بلَحْم صيدٍ وهو محرمٌ (٧): كُلُوا، فلَسْتُم مثلي؛ لأنه صِيدَ من أجلي.

стр. 3314

وقال أبو حنيفة (١): إذا ذَبَحه الحلالُ فلا بأسَ بأكْلِه للمحرمِ وغيره، وإنْ ذَبَحه مُحرِمٌ لم يجُزْ لأحدٍ أكْلُه. ورُوي عن الثوريِّ كراهةُ أكْلِه إذا ذُبِح من أجلِ المحرمِين، ورُوي عنه إباحتُه، ورُوي عنه أيضًا إباحةُ ما ذبَحه المحرمُ للحلالِ. وللشافعيِّ (٢) فيه قَوْلان؛ أحدُهما: أنه لا يجوزُ للمحرم أكْلُ ما صِيدَ من أجْلِه، وعليه الجزاءُ إن أكَلَه، مثلُ قولِ مالكٍ. وقولٌ آخَرُ: لا جَزاء عليه، وما ذَبَحه المحرمُ لم يجُزْ أكْلُه لأحَدٍ، إلا لمن تحِلُّ له الميتَةُ. ورُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، أنه لا يجوزُ للمحرم أكْلُ لحم صَيْدٍ على حالٍ من الأحوالِ، سواءٌ صِيد من أجْلِه أو لم يُصدْ (٣)؛ لعُمُوم قولِ الله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. قال ابنُ عباسٍ: هي مُبْهَمَةٌ (٤). وبهذا القولِ يقول طاوسٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ أبو الشَّعْثَاء، ورُويَ ذلك عن الثوريِّ، وبه قال إسحاقُ بنُ راهُويَة (٥). وكان عمرُ بنُ الخطابِ، وأبو هريرةَ، والزُّبيرُ بنُ العوام، ومجاهدٌ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، يرَوْن للمحرم أكْلَ الصيْدِ على كلِّ حالٍ إذا اصطاده الحلالُ، سواءٌ صِيد من أجْلِه أو لم يُصدْ (٦). وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، لظاهِرِ قولِ الله : ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فحَرَّم صَيْدَه وقَتْلَه على المُحرِمينَ دونَ ما صاد غيرُهم.

стр. 3315

وذهبَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبو ثورٍ، إلى أنَّ ما صِيد من أجلِ المحرم لم يجُزْ أكْلُه، وما لم يُصَدْ من أجْلِه جاز له أكْلُه. ورُوي هذا القولُ عن عثمانَ بنِ عفانَ، وبه قال عطاءٌ في رواية، وإسحاقُ في روايةٍ. وقد رُويَ عن عطاءٍ، وعن ابن عباسٍ أيضًا، أنهما قالا: ما ذُبح وأنت مُحرِمٌ لم يجُزْ (١) لك أكْلُه، وهو عليك حرامٌ، وما ذُبح من الصَّيْدِ قبلَ أن تُحرِمَ، فلا شيءَ عليك في أكْلِه. قال أبو عُمر: مَن أجاز أكلَ لحم الصيدِ للمُحرِم إذا اصطاده الحلالُ، فحُجَّتُهم حديثُ البَهْزيِّ، عن النبيِّ ﷺ في حمارِ الوَحْشِ العَقِيرِ، أنه أمَر به أبا بكرٍ فقسَمه بينَ الرِّفاقِ، من حديثِ مالكٍ وغيرِه، وسيأتي ذِكْرُه في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ إن شاء اللهُ. وحديثُ أبي قتَادةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنما هي طُعْمَة أطعَمَكموها اللهُ"، من حديثِ مالكٍ وغيرِه. وحُجَّةُ من لم يُجزْه حديثُ الصَّعْبِ بنِ جثّامَةَ المذكورُ في هذا البابِ من حديثِ ابنِ عبَّاس، وحُجَّةُ مالكٍ، والشافعيِّ: حديثُ المطَّلِبِ، عن جابِر. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٢): أخبرنا قُتيبَةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ، عن عَمْرو، عن المطَّلِبِ، عن جابِر، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "صيدُ البرِّ لكم حلالٌ، ما لم تَصيدُوه أو يُصادَ لكم" (٣).

стр. 3316

وقد رَوى عبدُ الله بنُ إدريسَ الأَوْدِيُّ الكوفيُّ، وهو إمامٌ في الحديثِ، ثِقَةٌ جليلٌ، عن مالكٍ، بهذا الإسنادِ، أحاديثَ في نَسَقٍ واحِدٍ. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخضرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ العلاء، قال: أخبرنا ابنُ إدريسَ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّعبِ بنِ جَثّامَةَ، أنه سمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا حِمَى إلا لله ولرسولِه". وسُئِل عن القوم يُبيَّتونَ فيُصِيبُونَ الولدانَ، قال: "هم منهم". وأُهْدِي إلى رسولِ الله ﷺ بالأبواءِ حِمَارٌ فردَّه (٢). أمَّا قِصَّةُ الحمارِ بالأبواءِ، ففي "الموطأ". وأمَّا حديثُ التَّبييتِ وقولُه: "لا حِمًى"، فصَحِيحٌ عن ابنِ شهابٍ، غريبٌ عن مالكٍ.

стр. 3317

حديثٌ سابعٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله مالكٌ (١)، عن ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج إلى مكةَ عامَ الفَتْح في رمضانَ، فصامَ حتى بلَغ الكَدِيدَ، ثم أفطَر، فأفطَرَ الناسُ. وكانوا يأخُذُون بالأحدثِ فالأحدثِ من أمْرِ رسولِ الله ﷺ . قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديثِ: وكانوا يأخُذُون بالأحدَثِ فالأحْدَثِ من أمرِ رسولِ الله ﷺ ، يقولون: إنه من كلام ابنِ شِهابٍ (٢). وفيه دليلٌ على أنّ في حديثِ رسولِ الله ﷺ ناسِخًا ومنسوخًا، وهذا أمْرٌ مجتمَعٌ عليه، واحتجَّ من ذهَب إلى الفِطْرِ في السَّفَرِ بأنّ آخِرَ فِعْلِ رسولِ الله ﷺ الفطرُ في السفرِ (٣)، وبقوله: "ليس مِنَ البرِّ الصيامُ في السفرِ" (٤). وقد أوضحنا هذا المعنى في بابِ حُميْدٍ الطويل (٥)، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا. وروايةُ ابنِ جُرَيْج لهذا الحديثِ عن ابنِ شِهابٍ كروايةِ مالِكٍ سواءً (٦). وقال فيه معمرٌ: قال الزُّهريُّ: فكان الفطرُ آخِرَ الأمرَيْن (٧).

стр. 3318

وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ: إباحَةُ السفرِ في رمضانَ، وفي ذلك رَدُّ قولِ من قال: ليس لمن ابتَدَأ صِيامَ رمضانَ في الحضَرِ أن يُسافِرَ فيُفْطِرَ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ورَدُّ قولِ مَن قال: إنَّ المسَافِرَ في رمضانَ إنْ صامَ بعضَه في الحضَرِ لم يجُزْ له الفِطْرُ في سفرِه (١). روى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبِيد (٢)، عن عليٍّ ﵁، قال: من أدْرَكَه رمضانُ وهو مُقِيمٌ، ثم سافَرَ بعدُ، لزِمَه الصومُ؛ لأن اللهَ تعالى يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣)، وهو قولُ عَبيد وطائفَةٍ معه (٤). ورواه حمَّادُ بنُ زْيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ قوله (٥). وتأوَّلَ من ذهَبَ مذْهَبَ هؤلاء في قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: من أدرَكَه رمضانُ وهو مُسافِرٌ. ففي الحديث ما يُبْطِلُ هذا القولَ كلَّه؛ لأن رسولَ الله ﷺ سافَرَ في رمضانَ بعدَ أن صامَ بعْضَه في الحضرِ مُقِيمًا، وكان خُروجُه بعدَ مُدَّةٍ منه، قد ذكرناها وذكَرْنَا اختِلافَ الآثارِ فيها في بابِ حُميْدٍ الطويلِ (٦)، والحمدُ لله.

стр. 3319

وفيه: جوازُ الصوم في السفرِ، وجوازُ الفطرِ في السفرِ. وفي ذلك رَدٌّ على من ذهَب إلى أن الصومَ في السفرِ لا يجوزُ، وأنَّ من فعَل ذلك لم يُجزئه (١)، وزعَم أنَّ الفطرَ عَزْمَةٌ مِنَ الله في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وهو قولٌ يُروى عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ، وقد ذكرنا في بابِ حُميْدٍ الطويلِ من كتابِنا هذا، عن ابنِ عباسٍ، خِلافَه من وجُوهٍ صِحَاح (٢). ورُوي عن ابنِ عمرَ، أنه قال: إن صامَ في السفرِ قَضَى في الحضرِ (٣). وعن عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ، أنه قال: الصائمُ في السفرِ كالمُفطرِ في الحضرِ (٤).

стр. 3320

وجمهورُ العلماء من الصحابةِ والتابعين ومن بعدَهم من الخالِفين على خِلافِ هذا القولِ؛ لهذا (١) الحديثِ وشِبْهِه عن النبيِّ ﷺ ، مما قدَّمنا ذكْرَه في بابِ حُميْدٍ؛ منها حديثُ أنَسٍ: سافَرْنا معَ رسولِ الله ﷺ ، فمنَّا الصائمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلم يَعِبْ هذا على هذا، ولا هذا على هذا (٢). وحديثُ حمزةَ بنِ عمرٍو الأسْلَمِيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال له في الصوم في السفرِ: "إن شِئْتَ فصُمْ، وإن شِئْتَ فأفْطِرْ" (٣). وهو مذكورٌ في بابِ هِشَام بنِ عروةَ (٤). وذكَرْنَا في بابِ سُمَيٍّ حديثَ ابنِ عباسٍ (٥)، وأبي سعيدٍ الخدريِّ: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ والناسُ مختلِفُون؛ فصَائِمٌ، ومُفْطِرٌ. والآثارُ بهذا كثيرةٌ جدًّا.

стр. 3321

وأجمَعَ الفقهاءُ أنَّ المسافِرَ بالخيارِ؛ إنْ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أفطَر (١)، إلا أنهم اختَلَفوا في الأفْضَلِ من ذلك، وقد مَضَى القولُ فيه في بابِ حُميْدٍ (٢)، والحمدُ لله. واختلَفَ الفقهاءُ في الفطرِ المذكورِ في هذا الحديثِ؛ فقال قومٌ: معناه: إنْ (٣) أصبَحَ مُفْطِرًا: نَوَى الفِطْرَ، فتَمادَى عليه في أيام سفرِه. واحتَجُّوا بحديثِ العَلاءِ بنِ المسيِّب (٤)، عن الحكَم بنِ عُتَيبةَ (٥)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: صامَ رسولُ الله ﷺ مِنَ المدينةِ حتى أتَى قُدَيْدًا، ثم أفطَر حتى أتى (٦) مكة (٧). وهذا لا بيانَ فيه لما تأوَّلوه.

стр. 3322

وقال آخرون: معناه أنه أفطر في نهارِه بعدَ ما مَضَى منه صَدْرٌ، وأنَّ الصائمَ جائزٌ له أن يفْعَلَ ذلك في سفرِه. واحتجَّ من قال بهذا القولِ بحديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج إلى مكةَ عامَ الفتح في رمضانَ، وصامَ حتى بلَغ كُرَاعَ الغَمِيم (١)، فصامَ الناسُ وهم مُشَاةٌ ورُكبَانٌ، فقِيل له: إنَّ الناسَ قد شَقَّ عليهم الصومُ، وإنَّما يَنظُرُون إلى ما فَعَلْتَ. فدَعَا بقَدَحٍ مِن مَاءٍ، فرفَعه حتى نظَر الناسُ إليه، ثم شَرِبَ، فأفْطَرَ بعضُ الناسِ، وصامَ بعضٌ، فقيل للنبيِّ ﷺ : إنَّ بعضَهم قد صامَ، قال: "أولئكَ العُصاةُ". حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ غياثٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختار (٢)، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ. فذكر الحديث (٣).

стр. 3323

أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١): أخبرنا محمدُ بنُ رافع، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا مُفَضَّلٌ (٢)، عن منصورٍ (٣)، عن مجاهدٍ، عن طاوُسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سافَرَ رسولُ الله ﷺ فصامَ حتى بلَغ عُسْفَانَ (٤)، ثم دعَا بإنَاءٍ؛ فشَرِبَ نهارًا ليَراه الناسُ، ثم أفطَر حتى دخَل مكةَ، فافتَتحَ مكةَ في رمضانَ. قال ابنُ عباسٍ: فصام رسولُ الله ﷺ في السفرِ وأفطَر؛ فمَنْ شاءَ صام، ومَن شاءَ أفطَر (٥). واختلَفَ الفقهاءُ في المسَافرِ يُفْطِرُ بعدَ دُخُولِه في الصَّوْم؛ فقال مالِكٌ: عليه القضاءُ والكفارَةُ (٦)؛ لأنَّه كانَ مخيَّرًا في الصَّوْم والفِطْرِ، فلما اختارَ الصَّومَ، صارَ من أهْلِه، ولم يكُنْ له أن يُفْطِرَ. وهو قولُ اللَّيْثِ: عليه الكفارةُ. ثم قال مالِكٌ مرَّةً: لا كفارةَ عليه، وهو قولُ المخْزُوميِّ، وأشْهَبَ، وابنِ كِنانةَ، ومُطَرِّفٍ (٧). وقال ابنُ الماجِشُونِ: إن أفطَر بجِماع كفَّرَ؛ لأنَّه لا يَقْوَى بذلك على سفرِه، ولا عُذْرَ له (٨).

стр. 3324

وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ (١)، والأوزَاعيُّ، والثوريُّ: لا كفَّارةَ عليه. وكلُّهم يقولُ: ليس له أن يُفْطِرَ، إلا البُوَيطيَّ؛ حَكَى عنِ الشافعيِّ: من أصبَح صائِمًا في الحضَرِ، ثم سافَرَ، لم يكُنْ له أن يُفْطِرَ، وكذلك من صامَ في سَفَرِه، ليس له أن يُفْطِرَ، إلا أن يَثْبُتَ حديثُ رسولِ الله ﷺ ؛ أنه أفطَر يومَ الكَدِيدِ، فإن ثَبَتَ، كان لهما جميعًا أنْ يُفْطِرَا. واختلفوا أيضًا في الذي يخرُجُ في سفرِه وقد بيَّت الصومَ؛ فقال مالِكٌ: من أصبَح في رمضانَ مُقيمًا صائمًا، ثم سافَرَ فأفطَر، فعليه القَضَاءُ، ولا كفَّارةَ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وداودُ، والطبريُّ، والأوزاعيُّ. وللشافعيِّ قولٌ آخرُ؛ أنه يُكفِّرُ إنْ جامَعَ. وكَرِهَ مالِكٌ للذي يُصْبحُ صائمًا في الحضَرِ، ثم يُسَافِرُ، أن يُفْطِرَ، ولم يرَه آثمًا إن أفطَر، وكذلك قال داودُ والمُزنيُّ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في روايةِ المُزنيُّ: لا يجوزُ له أن يُفْطِرَ، فإن فعَل فقد أساءَ، ولا كفَّارةَ عليه. وقال المخزُوميُّ وابنُ كِنانةَ: عليه القضاءُ والكفَّارةُ، وقولُهما شُذُوذٌ في ذلك عن جماعةِ أهلِ العِلْم. وقال أحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ: يُفْطِرُ إذا برَزَ مسافِرًا، وهو قولُ ابنِ عمرَ، والشَّعْبِيِّ، وجماعة. وستأتي مسائِلُ هذا البابِ بأسَدِّ استيعابٍ في بابِ سُمَيٍّ (٢) من هذا الكتابِ إنْ شاءَ اللهُ.

стр. 3325

حديثٌ ثامنٌ لابن شِهاب، عن عُبيد الله مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عُتبةَ، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهما أخبَراه، أنَّ رجليْنِ اختَصما إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال أحدُهما: يا رسولَ الله، اقْضِ بينَنا بكتابِ الله. وقال الآخرُ، وهو أفْقَهُهما: أجَلْ يا رسولَ الله، فاقضِ بينَنا بكتابِ الله، وائْذَنْ لي أن أتكلَّمَ، قال: "تكلَّمْ"، قال: إنَّ ابنِي كان عَسِيفًا على هذا، فزَنى بامرأتِه، فأخبرني أنّ على ابنِ الرَّجمَ، فافْتَدَيْتُ منه بمئةِ شاةٍ وبجاريةٍ لي، ثم إني سألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أنَّما على ابنِي جَلْدُ مئةٍ وتَغْريبُ عام، وأخبروني أنَّما الرَّجمُ على امرأتِه. فقال رسولُ الله ﷺ : "أمَا والذي نفسي بيدِه، لأقْضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله، أمَّا غنمُكَ وجاريتُكَ، فرَدٌّ عليك"، وجلَد ابنَه مئةً، وغرَّبه عامًا، وأمَر أُنَيْسًا الأسْلَمِيَّ أن يأتيَ امرأةَ الآخَرِ، فإن اعَترفتْ رجَمها، فاعَترفتْ، فرجَمها. قال مالكٌ: والعَسِيفُ: الأجيرُ. هكذا قال يحيى: فأخبرني أنَّ على ابنِي الرَّجمَ، فافتَدَيتُ منه. وكذلك قال ابنُ القاسم (٢)، وهو الصوابُ، واللهُ أعلمُ. وقال القَعْنبيُّ: فاخبروني أنَّ على ابنِ الرَّجمَ (٣).

стр. 3326

ولا خِلافَ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، إلا أنَّ أبا عاصم النبيلَ رواه عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيد الله، عن زيدِ بنِ خالدٍ، لم يذكُرْ أبا هريرةَ. والصحيحُ فيه عن مالكٍ: ذكْرُ أبي هريرةَ مع زيدِ بنِ خالدٍ، كذلك هو عندَ جماعَةِ رُوَاةِ "المُوطَّأ"؛ منهم القَعْنبيُّ (١)، وابنُ وَهْبٍ (٢)، وابنُ القاسم (٣)، وعبدُ الله بنُ يوسف (٤)، وابنُ بُكيرٍ (٥)، وأبو مُصعبٍ (٦)، وابنُ عُفيرٍ. وأمَّا حديثُ أبي عاصم، فحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محبُوبِ بنِ سليمانَ الرَّمليُّ وأبو الطَّاهرِ محمدُ بنُ عبدٍ الله القاضي، قالا: حدَّثنا أبو مسلم إبراهيمُ بنُ عبدٍ الله الكشِّيُّ البصريُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصم النَّبِيلُ الضحَّاكُ بنُ مخلَدٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن زَيدِ بنِ خالدٍ، أنَّ رجُلَينِ أتَيا رسولَ الله ﷺ ، فقال أحدُهما. وذكر الحديثَ.

стр. 3327

وقد تابَع أبا عاصم على إفرادِ زيدٍ بهذا الحديثِ طائفةٌ عن مالكٍ، ذكرهم الدارقطنيُّ (١). واختَلَف أصحابُ ابنِ شهابٍ في ذلك؛ فرواه معمرٌ (٢)، والليثُ بنُ سعدٍ (٣)، وابنُ جُرَيج (٤)، ويحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ شهابٍ، بإسنادِ مالكٍ سواءً، عن أبي هريرةَ وزَيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ. وساقوا الحديثَ بمعنَى حديثِ مالكٍ سواءً، إلا أنَّ في حديثِ ابنِ جُريج والليثِ بالإسناد المذكورِ، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ، قالا: إنَّ رجلًا من الأعرابِ جاء إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، أنْشُدُكَ اللهَ إلا قَضَيْتَ بينَنا بكتابِ الله. وساقَا الحديثَ إلى آخرِه. ورواه شُعيبُ بنُ أبي حمزةَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبيد الله بنُ عبدٍ الله، أنَّ أبا هريرةَ قالْ بَيْنا نحن عندَ رسولِ الله ﷺ ، قام رجلٌ مِن الأعرابِ، فقال: يا رسولَ الله، اقْضِ بينَنا بكتابِ الله. فقام خَصْمُه، فقال: صدَق يا رسولَ الله، اقْضِ له بكتابِ الله، وائْذَنْ لي. فقال له النبيُّ ﷺ : "قُلْ". فقال: إنَّ ابني كان عَسِيفًا على هذا - والعَسِيفُ: الأجِيرُ - فزَنى بامرأته. وساق الحديثَ بمثلِ حديثِ مالكٍ سواءً (٥).

стр. 3328

ورواه عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ (١)، وصالحُ بنُ كَيسانَ (٢)، والليثُ، عن عُقيلٍ (٣)، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يأمُرُ فيمَن زنَى ولم يُحصِنْ بجَلْدِ مئةٍ وتَغْرِيبِ عام. هكذا مُختصرًا، لم يَزيدُوا حَرْفًا، ولم يذكُروا أبا هُريرةَ. ورواه يحيى بنُ سعيدٍ، ومَعْمر، ومالكٌ، وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ، والليثُ بنُ سعدٍ، وابنُ جُريج، عن ابنِ شهابٍ بكماله، إلا أنَّ شُعيبًا لم يذكُر زيدَ بنَ خالدٍ وجعَله عن أبي هُريرةَ وحدَه (٤). فمَن انفَرَد منهم بحديثِ زيدِ بنِ خالدٍ اختَصَره، ومَن ضَمَّ إليه أبا هُريرةَ استَقصىَ الحديثَ، وساقَه كما ساقَه مالكٌ سواءً. ورواه ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله، عن أبي هرُيرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ وشِبْل، قالوا: كنا عندَ النبيِّ ﷺ . وساقَ الحديثَ بتمامِه (٥).

стр. 3329

وذِكْرُه في هذا الحديثِ شِبْلًا خَطأٌ عندَ جميعِ أهلِ العلمِ بالحديثِ، ولا مَدْخلَ لشبلٍ في هذا الحديثِ بوجهٍ من الوُجوه (١). وقال يحيى بنُ معينٍ: ذكرُ ابنِ عُيينةَ في هذا الحديثِ شِبْلًا خطأٌ (٢)؛ لم يَسمَعْ شِبْلٌ مِن النبيِّ ﷺ شيئًا (٣). وقال محمدُ بنُ يحيى النَّيسَابُوريُّ: وهِمَ ابنُ عُيينةَ في ذكْرِ شِبْلٍ في هذا الحديثِ، وإنَّما ذُكِر شِبْل في حديثِ جَلْدِ الأمةِ إذا زَنَتْ. قال: ولم يُقِم ابنُ عُيينةَ إسنادَ ذلك الحديثِ أيضًا، وقد أخطَأ فيهما جميعًا (٤). قال أبو عُمر: سنَذْكُرُ ما صنَع ابنُ عُيينةَ وغيرُه من أصحابِ ابنِ شهابٍ في حديثِ الأمَةِ إذا زَنَتْ، بعدَ إكمالِنا القولَ في حديثنا هذا بعونِ الله.

стр. 3330

وأمَّا قولُ مالكٍ: العَسِيفُ: الأجِيرُ. فإنه هاهنا كما قال (١)، وقد يكونُ العَسِيفُ العبدَ، ويكونُ السائلَ (٢). قال المُرَّارُ الجُلِّيُّ (٣) يصِفُ كَلْبًا: ألِفَ الناسَ فما ينبَحُهُمْ ... من عَسِيفٍ يَبتَغي الخيرَ وحُرّ (٤) وقال أبو عمرو الشيبانيُّ في نهي النبيِّ ﷺ عن قتلِ العُسفاء والوُصَفاء إذ بعَث السريةَ (٥). قال: العُسفاءُ: الأُجراءُ.

стр. 3331

قال أبو عُبيدٍ (١): وقد يكونُ الأسيفُ: الحزينَ، ويكونُ: العبدَ. وأمَّا في هذا الحديث، فالعَسِيفُ المذكورُ فيه: الأجِيرُ، كما قال مالكٌ، ليس فيه اختِلاف. وفي هذا الحديثِ ضُروبٌ من العِلم؛ منها: أنَّ أولى الناسِ بالقضاءِ بينَ الناسِ (٢) الخليفةُ، إذا كان عالمًا بوجوهِ القضاء (٣). ومنها، أنَّ المُدَّعيَ أولى بالقولِ، والطالبَ أحَقُّ أن يتَقدَّمَ بالكلام وإن بَدَأ المطلوب (٤). ومنها: أنَّ الباطِلَ من القضايا (٥) مَردودٌ، وما خالَفَ السنةَ الواضِحةَ من ذلك فباطلٌ. ومنها: أنَّ قَبْضَ من قُضِيَ له بما قُضِيَ له به، إذا كان خطَأ وجَوْرًا وخِلافًا للسنَّةِ الثابِتَة، لا يُدْخِلُه قَبْضُه في مِلْكِه، ولا يصحُّ (٦) ذلك له، وعليه رَدُّه (٧). ومنها: أنَّ للعالم أن يُفْتِيَ في مِصْرٍ فيه من هو أعْلَمُ منه إذا أفْتَى بعِلْم، ألا ترَى أن الصحابةَ كانوا يُفتُونَ في عَهْدِ رسولِ الله ﷺ (٨)؟

стр. 3332

روى عكرمةُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه سُئِل عمَّن كان يُفْتي في زمنِ (١) رسولِ الله ﷺ ، فقال: أبو بكر، وعمرُ، ولا أعْلَمُ غيرَهما (٢). وقال القاسمُ بنُ محمدٍ: كان أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، يُفتُون على عهدِ رسولِ الله ﷺ (٣). وروى موسى بنُ مَيْسَرَةَ، عن محمدِ بنِ سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، عن أبيه (٤)، قال: كان الذين يُفْتُون على عهدِ رسولِ الله ﷺ ثلاثةٌ من المهاجرينَ: عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وثلاثةٌ من الأنصار: أُبيُّ بنُ كعبٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وزيدُ بنُ ثابت (٥). وفيه: أنَّ يَمِينَ رسولِ الله ﷺ كانت: "والذي نَفْسي بيَدِه". وفي ذلك ردٌّ على الخوارج والمعتزلة (٦). وأما قولُه في الحديث: "لأقضِينَّ بينكما بكتابِ الله"، فلأهلِ العلم في ذلك قَولان؛ أحدُهما: أنَّ الرجمَ في كتابِ الله، على مذهبِ من قال: إنَّ من القرآنِ (٧)

стр. 3333

ما نُسِخ خَطُّه وثَبَت حُكْمُه، وقد أجمعوا أنَّ من القرآنِ ما نُسِخ حُكْمُه وثبَت خَطُّه (١)، وهذا في القياس مثلُه. وقد ذكرنا وجوهَ نسخ القرآن، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من كتابِنا هذا (٢)، فأغْنَى ذلك عن ذِكْرِه هاهنا. ومن ذهَب هذا المذهبَ احْتَجَّ بقولِ عمرَ بنِ الخطابِ: الرجمُ في كتابِ الله حَقٌّ على من زنَى من الرجالِ والنساء إذا أحْصن (٣). وقوله: لولا أن يُقالَ: إنَّ عمرَ زادَ في كتابِ الله لكتَبتُها: (الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارجمُوهما البتَّة)، فإنَّا قد قَرَأناها (٤). وسنُبيِّنُ ما لأهلِ العِلْم من التَّأويلِ في قولِ عمرَ هذا بما يجِبُ، في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ، من كتابِنا هذا إن شاء الله (٥). ومن حُجَّتِه أيضًا: ظاهرُ هذا الحديثِ قولُه ﷺ : "والذي نفسي بيدِه، لأقْضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله". ثم قال لأُنيسٍ الأسْلَميِّ: "إن اعْتَرفتِ امرأةُ هذا فارجُمها"، فاعْتَرفتْ، فرجَمها. وأهلُ السنةِ والجماعةِ مجمِعُون على أنَّ الرجمَ من حُكْم الله على من أحْصَن (٦). والقولُ الآخَرُ، أنَّ معنَى قولِه ﵇: "لأقضِيَنَّ (٧) بينكما بكتابِ الله "، أي: لأحكُمَنَّ بينكما بحُكم الله، ولأقضِيَنَّ بينكما بقضاءِ الله. وهذا

стр. 3334

جائِزٌ في اللغةِ، قال اللهُ : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. أي: حُكمُه فيكم، وقضاؤُه عليكم (١). على أنَّ كلَّ ما قَضى به رسولُ الله ﷺ فهو حُكْمُ الله، قال اللهُ : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٥]، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. وقد ذكرنا قبلُ أنَّ من الوَحْي قرآنًا وغيرَ قرآن. ومن حُجَّةِ من قال بهذا القول: قولُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ في شُرَاحَةَ الهمْدَانيَّة: جَلَدتُها بكتابِ الله، ورجمتُها بسنَّةِ رسولِ الله ﷺ . وهذا لَفْظُ حديثِ قتَادةَ، عن عليٍّ، وهو مُنقطِع (٢). وفيه: أنَّ الزانيَ إذا لم يُحصِنْ: حدُّه الجلدُ دونَ الرجم، وهذا لا خِلافَ بينَ أحَدٍ من أُمَّةِ محمدٍ ﷺ فيه، قال اللهُ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فأجمَعُوا أنَّ الأبكارَ داخِلُوَن في هذا الخطاب. وأجمَع فقهاءُ المسلِمينً وعلماؤُهم من أهل الفقهِ والأثرِ من لَدُنِ الصحابةِ إلى يومِنا هذا، أنَّ المحْصنَ حَدُّه الرجمُ (٣).

стр. 3335

واختَلَفوا هل عليه مع ذلك جَلْدٌ أم لا؟ فقال جمهورُهم: لا جَلْدَ على المحْصَنِ، وإنَّما عليه الرجمُ فقط. وممن قال ذلك: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والحسنُ بنُ صالح، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبْرُمةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، والطبريُّ، كلُّ هؤلاء يقولونَ: لا يجتَمِعُ جَلْدٌ ورَجْمٌ (١). وقال الحسنُ البصريُّ، وإسحاقُ بنُ راهُويَةَ، وداودُ بنُ عليٍّ: الزاني المُحْصَنُ يُجلَدُ، ثم يُرْجَمُ (٢)، وحُجَّتُهم عمومُ الآيةِ في الزُّناةَ بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فعَمَّ الزُّناةَ ولم يخُصَّ مُحصنًا من غيرِ مُحصَنٍ، وحديثُ عبادةَ بنِ الصامتِ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "خُذُوا عنِّي، قد جعَل اللهُ لهُنَّ سبيلًا" البِكْرُ بالبِكْر، جَلْدُ مئةٍ وتَغْريبُ عام، والثيِّبُ بالثيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرجمُ بالحجارةِ" (٣). وروى أبو حَصِينٍ (٤)، وإسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ (٥)، وعَلْقَمَةُ بنُ مَرْثدٍ (٦)، وغيرُهم، عن الشعبيِّ، قال: أُتي عليٌّ بزانيةٍ، فجَلَدها يومَ الخميسِ، ورجَمها يومَ الجمُعةِ، ثم قال: الرَّجمُ رَجمانِ: رجمُ سِرٍّ، ورجمُ عَلانيَةٍ، فأمَّا رجمُ العَلانيَةِ فالشُّهُودُ، ثم الإمامُ، ثم الناسُ، وأمَّا رجمُ السِّرِّ فالاعترافُ، فالإمامُ، ثم الناسُ (٧).

стр. 3336

وحُجَّةُ الجمهورِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ رجَم (١) ماعِزًا الأسْلَمِيَّ (٢)، ورَجَم يهوديًّا (٣)، ورجَم امرأةً (٤)، ولم يجلِدْ واحِدًا منهم. وقِيل: امرأتين. روى عبدُ الرزاقِ (٥)، عن ابنِ جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، سَمِعه يقولُ: رجَم رسولُ الله ﷺ رجلًا من أسْلَمَ، ورجلًا من اليهودِ، وامرأةً؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ الآيةَ قُصد بها من لم يُحصِنْ من الزُّناةِ، ورجَم أبو بكرٍ وعمرُ. ولم يجلِدا. وروَى الحجَّاج بنُ مِنْهالٍ، عن حمَّادِ بنِ سلَمةَ، قال: أخبَرنا الحجَّاجُ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ (٦)، عن عبدِ الله بنِ شدَّادٍ، أنَّ عمرَ رجَم في الزِّنى رجلًا ولم يَجلِدْه (٧). وحديثُ مالكٍ (٨)، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، إذْ بعَثه عمرُ إلى امرأةِ الرجلِ التي زعَم أنَّه وجَد معها رجلًا، فاعتَرفت، وأبَتْ أن تَنْزعَ، وتمادَتْ على الاعْتِرافِ، فأمَر بها عمرُ فرُجِمت. ولم يذْكُرْ جَلْدًا.

стр. 3337

ورواه الزهريُّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، أنَّ ذلك كان من عمرَ مقدِمَه الشامَ بالجابية (١) (٢). وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ العُمَرِيِّ، عن نافع، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رجَم امرأةً ولم يجلِدْها بالشام (٣). وروَى مخرَمَةُ بنُ بُكير، عن أبيه، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ المسيِّب وسليمانَ بنَ يَسارٍ، يقولانِ: إنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ: إنَّ آيةَ الرَّجم نزَلتْ، وإنَّ رسولَ الله ﷺ رجَم، ورجَمْنا بعدَه، فقال عمرُ عندَ ذلك: ارجُموا الثيِّبَ، واجْلِدُوا البِكرَ (٤).

стр. 3338

وسيأتي من معاني الرجم ذكْرٌ صالحٌ، في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ (١)، إن شاء اللهُ. وأمَّا حديثُ عليٍّ في قصَّةِ شُرَاحَةَ، فليس بالقَويِّ، لأنَّهم يقولون: إنَّ الشعبيَّ لم يَسْمَعْ منه (٢)، وهو مشهورٌ، قد رَواه ابنُ أبي ليلى (٣)، وغيرُه، عنه (٤).

стр. 3339

ومن أوْضَح شيءٍ فيما ذهَب إليه جمهورُ العلماء: حديثُ ابنِ شهابٍ المذكورُ في هذا البابِ؛ قولُه لأُنُيْسٍ أن يأتيَ امرأةَ الآخَرِ، فإنِ اعتَرَفت رَجَمها. فاعتَرَفت، فرجَمها، ولم يَذْكُروا جَلْدًا. وأمَّا حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن النبيِّ ﷺ ، قولُه: "الثيِّبُ بالثيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرجمُ" (١). فإنَّما كان هذا في أوَّلِ نُزولِ آيةِ الجلدِ، وذلك أنَّ الزُّناةَ كانت عقُوبَتُهم إذا شَهِد عليهم أربعةٌ من العُدُولِ في أوَّلِ الإسلام، أن يُمْسَكوا في البيوتِ إلى الموتِ، أو يجعَلَ اللهُ لهم سبيلًا، فلمَّا نزَلَت آيةُ الجلْدِ التي في سورةِ "النورِ"؛ قولُه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الآيةَ [النور: ٢]، قام ﷺ فقال: "خُذُوا عنِّي، قد جعَل اللهُ لهنَّ سبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ، جَلدُ مئةٍ وتَغْرِيبُ عام، والثيِّبُ بالثيِّبِ، جلدُ مئةٍ والرَّجْمُ بالحجارةِ". فكان هذا في أولِ الأمرِ (٢)، ثم رجَم رسولُ الله ﷺ جماعةً ولم يجلِدْهم، فعَلِمْنا أنَّ هذا حُكْمٌ أحدَثه اللهُ نسَخ به ما قبلَه (٣)، ومثلُ هذا كثيرٌ في أحكامِه وأحكام رسولِه ليَبْتَليَ عبادَه، وإنَّما يُؤخَذُ بالأحْدَثِ فالأحْدَثِ من أمرِ رسولِ الله ﷺ . ذكر عبدُ الرزاقِ (٤)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أنه كان يُنكِرُ الجلدَ مع الرجْم، ويقولُ: رجَم رسولُ الله ﷺ ولم يجلِدْ.

стр. 3340

وعن الثوريِّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ليس على المرجوم جلدٌ، بلَغَنا أنَّ عمرَ رجَم ولم يجلِدْ (١). وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ (٢)، وهو أنَّ الثيِّبَ من الزُّناةِ إن كان شابًّا رُجِم، وإن كان شيخًا جُلِد ورُجِم. رُوي ذلك عن مسروقٍ (٣)، وقالت به فرْقةٌ من أهلِ الحديثِ. أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المروزيُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بنُ هشام البزَّارُ، قال: حدَّثنا أبو شهابٍ (٤)، عن الأعمشِ، عن مسلم، عن مسروقٍ، قال: البِكرَانِ يُجلَدانِ ويُنْفَيان سَنةً، والثيِّبان يُرجمان، والشيخانِ يُجلَدان ويُرْجَمان (٥). فهذا ما لأهلِ السنة من الأقاويلِ في هذا البابِ، وأمَّا أهلُ البدع (٦)،

стр. 3341

فأكثرُهم (١) يُنكِرُ الرجمَ ويدْفَعُه، ولا يقولُ به في شيءٍ من الزُّناةِ، ثيِّبًا ولا غيرَ ثيِّبٍ، عصَمَنا اللهُ مِن الخِذْلانِ برحمتِه. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال (٢): حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سَمِعْتُ عمرَ بنَ الخطابِ يَخطُبُ، فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الرجمَ حقٌّ، فلا تُخدَعُنَّ عنه، فإن آيةَ ذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ قد رجَم، وأنَّ أبا بكرٍ قد رجَم، وأنَّا قد رجَمْنا بعدَهما، وسيكونُ قومٌ من هذه الأُمَّةِ يُكذِّبون بالرجم، ويُكذِّبون بالدجَّالِ (٣)، ويُكذِّبونَ بطُلوع الشمسِ من مَغْربِها، ويُكذِّبونَ بعذابِ القبرِ، ويُكذِّبونَ بالشفاعةِ، ويكذِّبونَ بقوم يخرُجونَ من النارِ بعْدَما امْتَحَشُوا (٤). قال أبو عُمر: الخوارجُ والمعتزلةُ يُكذِّبون بهذا كلِّه، وليس كتابُنا هذا مَوْضِعًا للردِّ عليهم، والحمدُ لله الذي عافانا مما ابْتَلاهم به.

стр. 3342

ورَوَى عن عليِّ بنِ زيدٍ: حمَّادُ (١) بنُ سلَمةَ (٢)، وحمَّادُ بنُ زيدٍ (٣)، والمباركُ بنُ فَضَالة (٤)، وأشعثُ (٥)، وهُشيمٌ (٦)، كُلُّهم بإسنادِه ومعناه. وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: سَمِعْتُ عليَّ بنَ زيدٍ يقولُ: كنا نُشَبِّهُ حفظَ يوسفَ بنِ مِهْرانَ بحفظِ عمرِو بنِ دينارٍ (٧).
следующие страницы →