стр. 3338
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 236
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر
Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3338–3377 · переход к 3343.
стр. 3339
ومن أوْضَح شيءٍ فيما ذهَب إليه جمهورُ العلماء: حديثُ ابنِ شهابٍ المذكورُ في هذا البابِ؛ قولُه لأُنُيْسٍ أن يأتيَ امرأةَ الآخَرِ، فإنِ اعتَرَفت رَجَمها. فاعتَرَفت، فرجَمها، ولم يَذْكُروا جَلْدًا.
وأمَّا حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن النبيِّ ﷺ ، قولُه: "الثيِّبُ بالثيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرجمُ" (١). فإنَّما كان هذا في أوَّلِ نُزولِ آيةِ الجلدِ، وذلك أنَّ الزُّناةَ كانت عقُوبَتُهم إذا شَهِد عليهم أربعةٌ من العُدُولِ في أوَّلِ الإسلام، أن يُمْسَكوا في البيوتِ إلى الموتِ، أو يجعَلَ اللهُ لهم سبيلًا، فلمَّا نزَلَت آيةُ الجلْدِ التي في سورةِ "النورِ"؛ قولُه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الآيةَ [النور: ٢]، قام ﷺ فقال: "خُذُوا عنِّي، قد جعَل اللهُ لهنَّ سبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ، جَلدُ مئةٍ وتَغْرِيبُ عام، والثيِّبُ بالثيِّبِ، جلدُ مئةٍ والرَّجْمُ بالحجارةِ". فكان هذا في أولِ الأمرِ (٢)، ثم رجَم رسولُ الله ﷺ جماعةً ولم يجلِدْهم، فعَلِمْنا أنَّ هذا حُكْمٌ أحدَثه اللهُ نسَخ به ما قبلَه (٣)، ومثلُ هذا كثيرٌ في أحكامِه وأحكام رسولِه ليَبْتَليَ عبادَه، وإنَّما يُؤخَذُ بالأحْدَثِ فالأحْدَثِ من أمرِ رسولِ الله ﷺ .
ذكر عبدُ الرزاقِ (٤)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أنه كان يُنكِرُ الجلدَ مع الرجْم، ويقولُ: رجَم رسولُ الله ﷺ ولم يجلِدْ.
стр. 3340
وعن الثوريِّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ليس على المرجوم جلدٌ، بلَغَنا أنَّ عمرَ رجَم ولم يجلِدْ (١).
وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ (٢)، وهو أنَّ الثيِّبَ من الزُّناةِ إن كان شابًّا رُجِم، وإن كان شيخًا جُلِد ورُجِم. رُوي ذلك عن مسروقٍ (٣)، وقالت به فرْقةٌ من أهلِ الحديثِ.
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المروزيُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بنُ هشام البزَّارُ، قال: حدَّثنا أبو شهابٍ (٤)، عن الأعمشِ، عن مسلم، عن مسروقٍ، قال: البِكرَانِ يُجلَدانِ ويُنْفَيان سَنةً، والثيِّبان يُرجمان، والشيخانِ يُجلَدان ويُرْجَمان (٥).
فهذا ما لأهلِ السنة من الأقاويلِ في هذا البابِ، وأمَّا أهلُ البدع (٦)،
стр. 3341
فأكثرُهم (١) يُنكِرُ الرجمَ ويدْفَعُه، ولا يقولُ به في شيءٍ من الزُّناةِ، ثيِّبًا ولا غيرَ ثيِّبٍ، عصَمَنا اللهُ مِن الخِذْلانِ برحمتِه.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال (٢): حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سَمِعْتُ عمرَ بنَ الخطابِ يَخطُبُ، فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الرجمَ حقٌّ، فلا تُخدَعُنَّ عنه، فإن آيةَ ذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ قد رجَم، وأنَّ أبا بكرٍ قد رجَم، وأنَّا قد رجَمْنا بعدَهما، وسيكونُ قومٌ من هذه الأُمَّةِ يُكذِّبون بالرجم، ويُكذِّبون بالدجَّالِ (٣)، ويُكذِّبونَ بطُلوع الشمسِ من مَغْربِها، ويُكذِّبونَ بعذابِ القبرِ، ويُكذِّبونَ بالشفاعةِ، ويكذِّبونَ بقوم يخرُجونَ من النارِ بعْدَما امْتَحَشُوا (٤).
قال أبو عُمر: الخوارجُ والمعتزلةُ يُكذِّبون بهذا كلِّه، وليس كتابُنا هذا مَوْضِعًا للردِّ عليهم، والحمدُ لله الذي عافانا مما ابْتَلاهم به.
стр. 3342
ورَوَى عن عليِّ بنِ زيدٍ: حمَّادُ (١) بنُ سلَمةَ (٢)، وحمَّادُ بنُ زيدٍ (٣)، والمباركُ بنُ فَضَالة (٤)، وأشعثُ (٥)، وهُشيمٌ (٦)، كُلُّهم بإسنادِه ومعناه.
وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: سَمِعْتُ عليَّ بنَ زيدٍ يقولُ: كنا نُشَبِّهُ حفظَ يوسفَ بنِ مِهْرانَ بحفظِ عمرِو بنِ دينارٍ (٧).
стр. 3343
واختلَف الفقهاءُ في الإحصانِ الموجِبِ للرجم؛ فجُمْلَةُ قولِ مالكٍ ومَذْهَبِه، أن يكونَ الزاني حُرًّا، مسلمًا، بالغًا (١)، عاقلًا، قد وطِئ وطْئًا مباحًا في عقدِ نكاح، ثم زنَى بعدَ هذا. والكافِرُ عندَه والعبدُ لا يَثبُتُ لواحدٍ منهما إحصانٌ في نفسِه، وكذلك العَقْدُ الفاسِدُ لا يَثبُتُ به إحصان، وكذلك الوطءُ المحظورُ؛ كالوطء في الإحرام، أو في الصيام، أو في الاعتكافِ، أو في الحيضِ، لا يَثبُتُ بشيءٍ (٢) مِن ذلك إحْصَانٌ، إلا أنَّ الأمَةَ الكافرةَ، والصغيرةَ، يُحصنَّ الحرَّ المسلمَ عندَه ولا يُحصِنُهُنَّ. هذا كلُّه تَحصِيلُ مَذهبِ مالكٍ وأصحابِه.
وحَدُّ الحصانةِ في مذْهَبِ أبي حنيفةَ وأصحابِه على ضَرْبَين (٣):
أحدُهما: إحصانٌ يُوجِبُ الرجمَ، يتعلَّقُ بسبع شَرائِطَ: الحريةُ، والبُلوغُ، والعقلُ، والإسلامُ، والنكاحُ الصحيحُ، والدخولُ.
والآخَرُ: إحصانٌ يتعلَّقُ به حَدُّ القذفِ، له خَمسُ شَرائِطَ في المقذوفِ: الحريةُ، والبُلوغُ، والعقلُ، والإسلامُ، والعِفَّةُ.
стр. 3344
وقد رُوي عن أبي يوسفَ، في "الإملاء"، أنَّ المسلمَ يُحصنُ النصرانيةَ ولا تُحصِنُه. ورُوي عنه أيضًا، أنَّ النصرانيَّ إذا دخَل بامرأتِه النصرانيةِ، ثم أسْلَما، أنَّهما مُحصَنانِ بذلك الدخولِ. وروَى بِشْرُ بنُ الوليدِ، عن أبي يوسفَ، قال: قال ابنُ أبي ليلى: إذا زنَى اليهوديُّ والنصرانيُّ بعدما أحْصَنا، فعليهما الرجمُ. قال أبو يوسفَ: وبه نأخُذُ.
وقال الشافعيُّ: إذا دخَل بامرأتِه وهما حُرَّان، فوطِئَها، فهذا إحصانٌ؛ كافِرَيْنِ كانا أو مسلِمَيْن.
واختَلَف أصحابُ الشافعيِّ على أربعةِ أوجُهٍ (١):
فقال بعضُهم: إذا تزوَّج العبدُ أو الصبيُّ، ووطِئا، فذلك إحصانٌ.
وقال بعضُهم: لا يكونُ واحِدٌ منهما مُحصنًا، كما قال مالِكٌ.
وقال بعضُهم: إذا تزوَّج الصَّبِيُّ، أحْصَن إذا وطئ، فإذا بَلَغ وزَنَى، كان عليه الرجمُ، والعبدُ لا يُحصِنُ.
وقال بعضُهم: إذا تزوَّج الصبيُّ لا يُحصنُ، وإذا تزوَّج العبدُ أحصَن.
وقالوا جميعًا: الوطءُ الفاسِدُ لا يقَعُ به إحصانٌ.
وقال مالكٌ: تُحصنُ الأمَةُ الحرَّ، ويُحصِنُ العبدُ الحرَّةَ، ولا تُحصنُ الحرَّةُ العبدَ، ولا الحرُّ الأمَةَ، وتُحصنُ اليهوديةُ والنصرانيةُ المسلمَ، وتُحصِنُ الصبِيَّةُ الرجلَ، وتُحصِنُ المجنونةُ العاقلَ، ولا يُحصِنُ الصبيُّ المرأةَ، ولا يُحصِنُ العبدُ الأمَةَ، ولا تُحصِنُه إذا جامَعَها في حال الرِّقِّ. قال: وإذا تزوَّجَتِ المرأةُ
стр. 3345
خَصِيًّا وهي لا تَعْلَمُ أنَّه خَصِيٌّ، فوطِئَها، ثم عَلِمَت أنَّه خَصيٌّ، فلها أن تختارَ فِراقَه، ولا يكونُ ذلك الوطءُ إحصانًا (١).
وقال الثوريُّ: لا يُحصَنُ بالنصرانيةِ، ولا بالمملوكة، وهو قولُ الحسنِ بنِ حيٍّ. زاد الحسنُ بنُ حيٍّ: وتُحصَنُ المشركةُ بالمسلم، ويُحصَنُ المشْرِكانِ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِه.
وقال الليثُ بنُ سعدٍ في الزوجين المملُوكَين: لا يكونان مُحصنَينِ حتى يَدْخُلَ بها بعدَ عِتْقِهما، وكذلك النَّصْرانيَّان لا يكونان مُحصَنَين حتى يدْخُلَ بها بعدَ إسلامِهما. قال: وإن تزَوَّج امرأةً في عِدَّتِها، فوَطِئَها، ثم فُرِّق بينَهما، فهو إحصانٌ.
وقال الأوزاعيُّ في العبدِ تحتَه الحرَّةُ: إذا زنَى فعليه الرجمُ، وإن كانت تحتَه أمَةٌ وأُعتِق ثم زنَى، فليس عليه الرجمُ حتى يَنكِحَ غيرَها. وقال في الصغير التي لم تحضْ: إنّها (٢) تُحصِنُ الرجلَ، والغُلام الذي لم يَحتَلِمْ: لا يُحصِنُ المرأةَ. قال: ولو تَزَوَّج امرأةً فإذا هي أُختُه مِنَ الرَّضاعةِ، فهذا إحصانٌ (٣).
قال أبو عُمر: إيجابُ الأوزاعيِّ الرجمَ على المملوكةِ تحتَ الحُرِّ، وعلى العبدِ تحتَ الحرَّةِ، لا وجهَ له (٤)؛ لأن الله تعالى يقولُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. والرجمُ لا يتنَصَّفُ،
стр. 3346
وقد قال ﷺ في الأمةِ: "إن زَنَتْ فاجْلِدُوها" (١). وقال مالكٌ في حديثه ذلك: ولم تُحصِنْ. وسنُبيِّنُ ذلك بعدَ تمَام القولِ في هذا الحديثِ إن شاء اللهُ.
وأمَّا قولُه في الحديثِ: جلَد ابنَه مئةَ جَلْدَة (٢)، وغَرَّبه عامًا، فلا خِلافَ بينَ علماء المسلمينَ أنَّ ابنَه ذلك كان بِكْرًا، وأنَّ الجلدَ حَدُّ البِكْرِ مئةُ جَلْدَةٍ. واختَلَفوا في التَّغْرِيبِ، فقال مالكٌ (٣): يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ ولا العبدُ، ومَن نُفِي حُبِس في الموضع الذي يُنْفَى إليه. وقال الأوزاعيُّ: يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ.
وقال أبو حنيفةَ (٤) وأصحابُه: لا نَفْيَ على زانٍ، وإنَّما عليه الحدُّ؛ رجلًا كان أو امرأةً، حُرًّا كان أو عبدًا.
وقال الثوريُّ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ: يُنْفَى الزاني إذا جُلِد؛ امرأةً كان أو رجلًا. واختَلَف قولُ الشافعي (٥) في نفي العبدِ، فقال مرَّةً: أستَخِيرُ اللهَ في تغريب العبيدِ، وقال مَرَّةً: يُنْفَى العبدُ نصفَ سنةٍ، وقال مرَّةً أُخرى: سنةً إلى غيرِ بلدِه. وبه قال الطبريُّ.
قال أبو عُمر: مِن حُجَّةِ مَن غَرَّبَ الزُّناةَ مع حديثنا هذا، حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ: "البكرُ بالبكرِ، جَلْدُ مئةٍ وتغريبُ عام"، لم يخُصَّ عبدًا من حُرِّ، ولا أنْثَى من ذكرٍ.
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ
стр. 3347
أبي أسامةَ (١) ومحمدُ بنُ الجهم، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاءٍ، قال: أخبرنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ الله الرَّقَاشيِّ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ وبكرُ بنُ حمَّادٍ - قال أحمدُ: حدَّثنا أبي، وقال بكرٌ: حدَّثنا مُسَدَّدٌ (٢) - قالا: حدَّثنا يحيى القَطَّانُ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ الله، عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عني، قد جعَل اللهُ لهُنَّ سبيلًا، الثيِّبُ جلدُ مئةٍ ورجمٌ بالحجارةِ، والبكرُ جلدُ مئةٍ ثم نَفْيُ سَنةٍ" (٣).
ومن حُجَّتِهم أيضًا: ما حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ مَرْوانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ داودَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ الحسنِ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريس، عن عبيدِ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ضرَب وغرَّب، وأنَّ أبا بكرٍ ضرَب وغَرَّب، وأنَّ عمرَ ضرَب وغرَّب (٤).
стр. 3348
وحُجَّةُ من لم يرَ النفيَ على العبيدِ: حديثُ أبي هريرةَ في الأمَةِ، عن النبيِّ ﷺ ؛ ذكر فيه الحدَّ دُونَ النفي. ومن رأى نَفْيَ العبيدِ زعَم أنَّ حديثَ الأمَةِ معنَاه التأديبُ لا الحدُّ. وسنُوضِّحُ القولَ في ذلك في البابِ بعدَ هذا إن شاء الله.
وحُجَّةُ مَن لم يرَ نَفْيَ النساء ما يُخشَى عليهنَّ من الفتنةِ، وقد رُوي عن أبي بكرٍ وعمرَ تَغْريبُ المرأةِ البِكْرِ (١)، ورُوي عن عليٍّ أنَّه لم يرَ نفيَ النساء (٢).
وروى عبدُ الرزاقِ (٣)، عن أبي حنيفةَ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ الله في البكرِ يَزْني بالبكرِ: يُجلَدانِ مئةً، ويُنْفَيانِ سنةً. قال: وقال عليٌّ: حَسْبُهما من الفتنةِ أن يُنْفَيا.
стр. 3349
عبدُ الرزاقِ (١)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، قال: غَرَّبَ عمرُ ربيعةَ بنَ أُميَّةَ بنِ خَلَفٍ في الخمْرِ إلى خَيبرَ، فلَحِقَ بهِرَقْلَ، فتنَصَّر، فقال عمرُ: لا أُغرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أبدًا (٢).
قالوا: ولو كان النفيُ حدًّا لله ما ترَكه عمرُ بعدُ، ولا كان عليٌّ ليكرَهَه.
وهو قولُ الكوفيِّين. وأمَّا أهلُ المدينةِ فعلى ما ذكرنا عنهم.
قال معمرٌ: وسَمِعْتُ الزُّهريَّ وسُئِل: إلى كم يُنْفَى الزاني؟ قال: نفاه عمرُ من المدينةِ إلى البصرةِ، ومن المدينةِ إلى خيبرَ (٣).
عبدُ الرزاقِ (٤)، عن ابنِ جريج، قال: سمِعتُ ابنَ شهاب وسُئِل، بمِثلِه سواءً.
أيوبُ وعُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ نفَى إلى فَدَكٍ (٥)، وأنَّ ابنَ عمرَ نفَى إلى فَدَك (٦).
الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، أنَّ عليًّا نفَى من الكوفةِ إلى البصرةِ (٧).
стр. 3350
وقال ابنُ جُريج: قلتُ لعطاء: نفَى من مكةَ إلى الطائفِ؟ قال: حَسْبُه ذلك (١).
وأما قولُ الرجلِ: إنّ ابني كان عسيفًا على هذا، فزنَى بامرأتِه، مع قولِ أبي هريرةَ: فجلَد ابنَه مئةَ جَلْدَةٍ، وغرَّبه عامًا. فيَدُلُّ على أنَّ ابنَ الرجلِ المتكَلِّم أقرَّ على نفسِه بما قال أبوه أو صَدَّقَه في قولِه ذلك عليه، ولولا إقرارُهُ (٢) لما أقام رسولُ الله ﷺ الحدَّ عليه؛ لأنَّ من شَريعَتِه وسنتِه ﷺ ألا يُؤخَذَ (٣) أحَدٌ بإقرار غيره عليه، قال اللهُ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]: لا على غيرها (٤). وقال رسولُ الله ﷺ لأبي رَمْثَةَ (٥): "إنَّكَ لا تَجني عليه، ولا يَجني عليكَ" (٦). وهذا كلُّه يُوضِّحُ لك أنَّه إنَّما جَلَده بإقرارِه
стр. 3351
وكَسْبِه على نفسِه لا بإقرارِ أبيه عليه، ولولا إقرارُه بذلك على نفسِه، لكان أبوه قاذفًا له، وهذا ما لا خلافَ في شيءٍ منه عندَ العلماء، والحمدُ لله.
واختلفوا فيمَن أقرَّ بالزِّنَى بامرأةٍ بعينِها، وجحَدت هي؛ فقال مالكٌ (١): يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنَى، وإن طَلَبَت حَدَّ القَذْفِ أُقيم عليه أيضًا. قال: وكذلك لو قالت: زنَى بي فلانٌ، وأنكَر: حُدَّتْ للقذفِ، ثم للزِّنَى. وبهذا قال الطبريُّ.
وقال أبو حنيفة (٢): لا حَدَّ عليه للزنَى، وعليه حَدُّ القَذْفِ، وعليها مثلُ ذلك إن قالت له ذلك.
وقال أبو يوسفَ (٣)، ومحمدٌ، والشافعيُّ: يُحدُّ مَنْ أقرَّ منهما للزِّنَى فقط؛ لأنَّا قد أحَطْنَا عِلْمًا أنه لا يجبُ عليه الحدَّانِ جميعًا؛ لأنَّه إن كان زانيًا، فلا حَدَّ على قاذفِه، فإذا أُقيم عليه حدُّ الزِّنى، لم يُقَمْ عليه حَدُّ القَذْفِ.
وقال الأوزاعيُّ (٤): يُحدُّ للقذفِ، ولا يُحدُّ للزِّنى.
وقال ابنُ أبي ليلى (٥): إذا أقَرَّ هو بالزِّنى، وجَحَدَتْ هي، جُلِدَ وإن كان مُحصَنًا، ولم يُرجَمْ.
وفي هذا الحديثِ أيضًا: رَدُّ ما قُضِي به من الجهالاتِ، قال ﷺ : "كُلُّ عَمَلٍ ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ" (٦). وقال عمرُ: رُدُّوا الجهالاتِ إلى السنَّةِ (٧).
стр. 3352
وأجمَع العلماءُ (١) أن الجوْرَ البيِّنَ، والخطَأ الواضِحَ الخالِفَ للإجماع والسُّنةِ الثابتةِ المشهورةِ التي لا مُعارِضَ لها، مَرْدُودٌ على كُلِّ من قَضى به.
ذكر مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ وربيعةَ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيز كان يقولُ: ما مِن طينةٍ أهْوَنُ عليَّ فتًّا، ولا كتابٍ أهْوَنُ عليَّ ردًّا، من كتاب قَضَيْتُ به، ثم أبصَرْتُ أنَّ الحقَّ في خِلافِه. أو قال: في غيرِه (٢).
وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ اعتِرافَ الزاني مرَّةً واحدةً بالزِّنى، يُوجِبُ عليه الحدَّ ما لم يَرْجعْ، ألا ترَى إلى قوله ﷺ : "فإن اعْتَرفتْ فارجُمْها"، ولم يَقُلْ: إن اعْتَرفت أربعَ مرَّاتٍ. وسَنُبيِّنُ هذا في بابِ مُرْسَلِ ابنِ شهابٍ من هذا الكتابِ (٣) إن شاء اللهُ.
وفي هذا الحديث أيضًا: إثباتُ خَبَرِ الواحِدِ (٤)، وإيجابُ العَمَلِ به في الحُدُودِ، وإذا وجَب ذلك في الحدودِ، فسائِرُ الأحكام أحْرَى بذلك.
وفيه: أنَّ للإمام أن يسألَ المقذوفَ، فإن اعْتَرف حكم عليه بالواجبِ، وإن لم يَعْتَرفْ، وطالبَ القاذِفَ، أخَذ له بحَدِّه. وهذا مَوْضِعٌ اختَلَف فيه الفقهاءُ،
стр. 3353
فقال مالكٌ: لا يحُدُّ الإمامُ القاذِفَ حتى يُطالبَه المقذوفُ، إلا أن يكونَ الإمامُ سَمِعه، فيحُدَّه إن كان معه شهودٌ غيره عُدُولٌ. قال: ولو أنَّ الإمامَ شَهِد عندَه شهودٌ عُدولٌ على قاذِفٍ، لم يُقِم الحدَّ حتى يُرْسِلَ إلى المقذوفِ وَينْظُرَ ما يقولُ، لعَلَّه يُريدُ سَتْرًا على نفسِه (١).
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ: لا يُحدُّ القاذِفُ إلا بمُطالبَةِ المقذوفِ.
وقال ابنُ أبي ليْلَى: يحُدُّه الإمامُ وإن لم يَطلُبْه المقذوفُ (٢).
وفيه: أن يكونَ الرسولُ في حُكْم الدِّينِ واحدًا، كما أن الحكَمَ واحدٌ، وذلك كلُّه قُوَّةٌ في العملِ بخَبرِ الواحدِ.
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الحاكمَ يَقْضي بما يُقِرُّ به عندَه المُقِرُّ (٣)، وإن لم يَحْضُرْهُ أحَدٌ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يقلْ له: احمِلْ معك من يسمعُ اعترافَها.
وفي ذلك: إيجاب القضاء بما علم القاضي وهو حاكمٌ، وسيأتي القول في قضاء القاضي بعلمه، واختلاف العلماء في ذلك، ووجوه أقوالهم وما نزَعوا به في باب هشام بن عُروة عن أبيه عن زينب بنت أبى سلَمة عن أمِّ سَلَمة من كتابنا هذا (٤) إنْ شاء الله، والله المستعان لا ربَّ سواه.
стр. 3354
حديثٌ تاسعٌ لابن شِهاب، عن عُبيد الله
مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئلَ عن الأمَةِ إذا زنَت ولم تُحصِنْ، فقال: "إن زَنَتْ فاجلِدُوها، ثمَّ إنْ زَنَت فاجلِدوها، ثمَّ إنْ زنَت فاجلِدُوها، ثم بيعُوها ولو بضَفيرٍ". قال ابنُ شهابٍ: لا أدري أبعدَ الثالثةِ أم الرابعةِ؟
هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ بهذا الإسنادِ، وتابَعَه على إسنادِه عن ابن شهابٍ: يونسُ بنُ يزيدَ (٢)، ويحيى بنُ سعيدٍ (٣).
ورواه عُقَيلٌ (٤)، والزُّبيدِيُّ (٥)، وابنُ أخي الزُّهريِّ (٦)، عن الزُّهريِّ، عن
стр. 3355
عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، أنَّ شبلًا أو شُبَيْلَ (١) بنَ خالدٍ (٢) المزنيَّ أخبره، أنَّ عبدَ الله بنَ مالكٍ الأوسيَّ أخبره، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئلَ عن الأمَةِ. وذكروا الحديثَ، إلا أن عُقَيلًا وحدَه قال: مالكُ بنُ عبدِ الله الأوسيّ (٣).
وقال الزُّبيدِيُّ، وابنُ أخي الزهريِّ: عبدُ الله بنُ مالكٍ. وكذلك قال يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن شِبْلِ بنِ حامدٍ المُزَنيِّ (٤)، عن عبدِ الله بنِ مالكٍ الأوسيِّ.
стр. 3356
فجمَع يونسُ بنُ يزيدَ الإسنادَيْنِ جميعًا في هذا الحديثِ، وانفَرَد مالكٌ فيه بإسنادٍ واحدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن أبي هريرةَ وزيدٍ.
وعندَ عُقَيْلٍ، والزُّبيدِيِّ، وابن أخِي الزُّهريِّ، فيه أيضًا إسنادٌ واحدٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن شِبْل، عن عبدِ الله بنِ مالكٍ. وجمَع يونسُ الحديثَيْنِ جميعًا.
ورَواه ابنُ عيينةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ وشِبْلٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الأمَةِ إذا زَنَتْ ولم تُحصنْ، فقال: "إذا زَنتْ فاجلِدُوها"، وذكر الحديثَ (١). هكذا قال ابنُ عيينةَ في هذا الحديثِ، فجعَل شِبْلًا مع أبي هريرةَ وزيدِ بن خالدٍ، فأخْطَأ وأدخَل إسنادَ حديثٍ في آخَرَ، ولم يُقِمْ حديثَ شِبْل (٢).
стр. 3357
قال أحمدُ بنُ زهير (١): سمِعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: شِبْلٌ هذا لم يسمَعْ من النبيِّ ﷺ شيئًا. وقال عباسٌ (٢): سمِعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: ليس لشِبْلٍ صحبةٌ، يقالُ: إنه شِبلُ بنُ مَعبدٍ، ويقالُ: شِبلُ بنُ حامدٍ. قال: وأهلُ مصرَ يقولون: شِبْلُ بنُ حامدٍ، عن عبدِ الله بنِ مالكٍ الأوسيِّ، عن النبيِّ ﷺ . قال يحيى بنُ معينٍ: وهذا عندي أشْبَهُ؛ لأنَّ شِبلًا ليس له صحبةٌ (٣).
وقال محمدُ بنُ يحيى النَّيسابوريُّ (٤): جمَع ابنُ عُيينةَ في حديثه هذا أبا هريرةَ وزيدَ بنَ خالدٍ وشِبلًا، وأخطَأ في ضَمِّه شِبلًا إلى أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ في هذا الحديثِ. قال: وإن كان عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله قد جمعهم في حديث الأمَةِ، فإنه رواه في هذا الحديثِ (٥) عن أبي هريرةَ وزيدٍ، عن النبيِّ ﷺ . وعن شِبْلٍ، عن عبدِ الله بنِ مالكٍ الأوسيِّ، عن النبيِّ ﷺ . فترَك ابنُ عُيينةَ عبدَ الله بنَ مالكٍ، وضَمَّ شِبلًا إلى أبي هريرةَ وزيدٍ، فجعَله حديثًا واحدًا، وإنَّما هذا حديثٌ، وذاك حديثٌ، قد ميَّزهما يونسُ بنُ يزيدَ. قال: وتفَرَّد معمرٌ ومالكٌ بحديثِ أبي هريرةَ وزيدِ بن خالدٍ.
стр. 3358
قال: وروَى الزُّبيدِيُّ، وعُقَيْل، وابنُ أخي الزهريِّ، حديثَ شِبْلٍ، فاجتمَعوا على خلافِ ابنِ عُيينةَ.
قال أبو عُمر: هكذا قال محمدُ بنُ يحيى، أنَّ معمرًا ومالكًا انفَرَدا بحديثِ أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ. وأقولُ: أنْ قد تابَعَهما يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، من روايةِ الأوسيَ.
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ سليمانَ بنِ بلالٍ، قال: حدَّثني أبو بكر بنُ أبي أُويسٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، قال: قال يحيى: وأخبرني ابنُ شهابٍ، أنَّ عُبيدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ عُتبةَ حدَّثَه، أنَّ أبا هريرةَ وزيدَ بنَ خالدٍ حدَّثاه، أنَّهما سمِعا رسولَ الله ﷺ وهو يُسألُ عن الأمَةِ إذا زَنَتْ ولم تُحصِنْ. فذكر الحديثَ (١).
قال أبو عُمر: وزعَم الطَّحَاويُّ أنَّه لم يقلْ أحدٌ في هذا الحديثِ: ولم تُحصِنْ إلا مالكٌ (٢)، وليس كما ذكر (٣)؛ لأنّا قد وجَدْنا أنَّ ابنَ عُيينةَ قد تابَعه على ذلك، وكذلك في روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ، عن ابنِ شهابٍ لهذا الحديثِ: إذا
стр. 3359
زَنَتْ ولم تُحصِنْ على ما قدَّمنا بالإسناد المذكورِ، وسائرُ من روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ بالإسنادَيْن جميعًا، لم يقلْ أحدٌ منهم فيه: ولم تُحصِنْ غيرَ مالكٍ وابنِ عُيينَة ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (١).
وقد روَى هذا الحديثَ سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المقْبُريُّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، لم يذْكُرْ فيه: ولم تُحصِنْ؛ رواه جماعةٌ عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ لم يذْكُروا ذلك فيه. وممن رواه عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ: الليثُ بنُ سعدٍ (٢)، وأُسامَةُ بنُ زيدٍ (٣)، وعبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ (٤)، وأيوبُ بنُ موسى (٥)، وعبيدُ الله بنُ عمرَ، وإسماعيلُ بنُ أُميَّةَ (٦).
стр. 3360
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ (١)، قال: حدَّثنا يحيى القَطَّان، عن عبيدِ الله (٢) - يعني ابنَ عمرَ - قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا زَنَتْ أمَةُ أحدِكم فلْيَجلِدْها، ولا يُعَيِّرها - ثلاثَ مرَّاتٍ - فإن عادَتْ في الرابعةِ فليجلِدْها وليبِعْها بضفِيرٍ، أو بحبلٍ من شَعَرٍ".
وفي رواية إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ: "إذا زَنَت وليِدَةُ أحَدِكم فتبيَّن زناها". وفي روايةِ أيوبَ بنِ موسى: "فليجلِدْها الحدَّ"، ولا نَعْلَمُ أحدًا ذكر فيه الحدَّ غيرَه، وكلُّهم قال فيه: "ولا يُعيِّرها، ولا يُثرِّبْ عليها".
وروَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، عُمارَةُ (٣) بنُ أبي فَرْوةَ: وإسحاقُ بنُ راشدٍ (٤)، فأخطآ فيه، قال فيه عُمارَةُ بنُ أبي فَرْوةَ: عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ
стр. 3361
وعَمْرةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا زَنَتِ الأمَةُ فاجلِدُوها" (١). وقال فيه إسحاقُ بنُ راشدٍ: عن الزُّهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هُريرةَ (٢).
والطريقان جميعًا خطأٌ، والصوابُ فيه قولُ مالكٍ ومن تابَعه، وقولُ عُقَيْلٍ ومن تابَعه إسنادٌ آخَرُ (٣). وروَى حديثَ عُمارَةَ: الليثُ، عن يزيدَ (٤) بنِ أبي حَبِيبٍ، عن عُمارَةَ.
ومِن أصحابِ الليثِ بنِ سعدٍ مَن يقولُ فيه: عن عُروةَ، عن عَمْرةَ، عن عائشَة (٥).
стр. 3362
وأجمَع العلماءُ على أنَّ الأمَةَ إذا تزوَّجَتْ فزَنَت، أنَّ عليها نصفَ ما على الحرةِ البِكْرِ مِن الجلْدِ (١)؟ لقولِ الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. والإحصانُ في كلام العربِ على وجوه؛ منها: الإسلامُ، ومنها العِفَّةُ، ومنها التزويجُ، ومنها الحريةُ. إلا أنَّه في الإمَاء هاهنا على وجهيْنِ؛ منهم مَن يقولُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: زوجن أو تَزَوَّجْنَ. ومنهم مَن يقولُ: إحصانُها: إسلامُها. فمَن قَرَأ: (أَحْصَنَّ) بفتح الألِفِ، فمعناه: تزوَّجْنَ أو أسلَمْنَ، على مذْهبِ من قال ذلك. وأمَّا من قرأ بضمِّ الألِفِ، فمعناه: زُوِّجْنَ، أي: أُحْصِنَّ بالأزواج، يريدُ: أحصَنَهُنَّ غيرُهُنَّ، يعني الأزواجَ بالنكاح (٢). وقد قيل: أُحْصِنَّ بالإسلام، فالزوجُ يُحْصِنُها، والإسلامُ يُحصِنُها، والمعنيانِ مُتَداخِلان في القوليْن.
فممَّن قرَأ بضَمِّ الألفِ وكسرِ الصادِ في ﴿أُحصِنَّ﴾: ابنُ عباسٍ، وأبو الدّرداء، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، ومجاهدٌ، وطاوُسٌ، وعكرمةُ، وابنُ كثيرٍ، والأعرجُ، وأبو جعفرٍ، ونافعٌ، وسالم، والقاسمُ، وأبو عبدِ الرحمن السُّلميُّ، وأبو رجاءٍ، ومحمدُ بنُ سيرينَ - على اختلافٍ عنه - وأبو عمرٍو، وقتادةُ، وعيسى، وسلَّامٌ،
стр. 3363
ويعقوبُ، وأيوبُ بنُ المتوكِّلِ، وابنُ عامرٍ، وأبو عبدِ الرحمن المُقْرِئ. واختُلِفَ في ذلك عن الحسنِ وعاصم، فرُوي عنهما الوجهان جميعًا.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إذا أُحْصِنَّ بالأزواج (١). وكان يقولُ: ليس على الأمَةِ حدٌّ حتى تُحصَنَ بزوج (٢). وروَى عَطِيَّةُ بنُ قيسٍ، عن أُمِّ الدرداء، عن أبي الدرداء مثلَه. وهو مذْهَبُ كلِّ مَن قَرَأ بهذه القراءةِ. وروَى أهل مكةَ عن عمرَ بنِ الخطابِ ما يُضَارعُ هذا المذهبَ.
روَى عمرُو بنُ دينارٍ وعطاءُ بنُ أبي رباح، عن الحارثِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي ربيعةَ، عن أبيه، أنَّه سألَ عمرَ بنَ الخطابِ عن الأمَةِ: كم حَدُّها؟ فقال: ألقَتْ فَرْوَتَها وراء الدار (٣).
قال أبو عبيدٍ (٤): لم يُرِدْ عمرُ ﵁ بقوله هذا الفَرْوَةَ بعينِها؛ لأنَّ الفَرْوةَ: جِلدَةُ الرَّأس، كذا قال الأصمعيُّ، وكيفَ تُلْقِي جِلْد رأسِها من وراء الدار؟ ولكنْ إنَّما أراد بالفرْوَةِ: القِناعَ، يقولُ: ليس عليها قناعٌ ولا حجابٌ؛ لأنَّها تخرُجُ إلى كلِّ موضِع يُرْسِلُها أهلُها إليه، لا تكادُ تَقْدِرُ على الامتناع مِن
стр. 3364
ذلك، ولذلك لا تكاد (١) تَقْدِرُ على الامتناع مِن الفُجُورِ (٢)، فكأنَّه رأى أنْ لا حدَّ عليها إذا فجَرَتْ؛ بهذا المعنى.
قال: وقد رُوي تصديقُ هذا في حديثٍ مُفَسِّرٍ، حدَّثناه يزيدُ، عن جَريرِ بنِ حازم، عن عيسى بن عاصم، قال: تذاكرنا يومًا قولَ عمرَ بنَ الخطابِ هذا، فقال سعدُ بنُ حرملَةَ (٣): إنَّما ذلك مِن قولِ عمرَ في الرَّعَايَا، فأمَّا اللَّواتي قد أحْصَنَهنَّ مَواليهنَّ، فإنَّهُنَّ إذا أحْدَثْنَ حُدِدْنَ. قال أبو عبيدٍ: أمَّا الحديثُ: فرَعَايا (٤). وأمَّا العربيةُ: فرَوَاعي.
قال أبو عُمر: ظاهرُ حديثِ عمرَ أنْ لا حدَّ على الأمَةِ، إلا أن تُحصَنَ بالتَّزْويج. وقد قيل: إنَّ معناه أن لا حَدَّ على الأمَةِ، كانت ذاتَ زوج أو لم تكنْ؛ لأنَّها لا حجابَ عليها ولا قِناعَ وإنْ كانت ذاتَ زوج. وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ أنْ لا حدَّ على عبدٍ ولا ذمِّيٍّ (٥). وهو مُجمَلٌ (٦) يحتمِلُ التأويلَ. ورُوي عنه أيضًا أن ليس على الأمَةِ حدٌّ حتى تُحصَنَ بحُرٍّ. رواه ابنُ عيينةَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، عنه (٧).
стр. 3365
وهو قولُ طاوسٍ، وعطاءٍ. روى ابنُ جُريج، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، أنَّه كان لا يرَى على العبدِ حَدًّا إلا أنْ ينكِحَ الأمَةَ حُرٌّ فيُحْصِنَها، فيجِبَ عليها شطرُ الجلدِ (١). قال ابنُ جُريج: قلتُ لعطاءٍ: فزنَى عبدٌ ولم يُحصِنْ؟ قال: جَلْدٌ غيرُ حَدٍّ (٢).
قال أبو عُمر: هذا مَذْهَبُ كلِّ من لا يرَى على الأمَةِ حَدًّا حتى تنكِحَ، أنَّها تُؤدَّبُ وتُجلَدُ دونَ الحدِّ إذا زَنَتْ، وتأوَّلوا حديثَ أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ على هذا المعنى.
وممن قرَأ بفتح الألِفِ والصادِ (٣) (أَحْصَنَّ): عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ الله بنُ مسعودٍ، وعبدُ الله بنُ عمرَ، وشَيبةُ بنُ نِصَاح، ومسلمُ بنُ جُنْدُبٍ، والزهريُّ، وعطاءٌ، والشعبيُّ، وزِرُّ بنُ حُبَيْش، والأسودُ بنُ يزيدَ، وإبراهيمُ النخعيُّ، ويحيى بنُ وثَّابٍ، والأعمشُ، وطَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ، وعيسى الكوفيُّ، وطلحةُ بنُ سليمانَ، وخلفُ بنُ هشام، وابنُ أبي ليلى، وأبانُ بنُ تَغْلِبَ، وعاصمٌ الجحْدَريُّ، وعمرُو بنُ ميمونٍ، والحكمُ بنُ عُتيبةَ، ويونسُ بن عبيدٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ إدريس. واختُلِف في ذلك عن عاصم، والحسنِ، وابنِ سيرينَ، وكلُّ هؤلاء يرَونَ الحدَّ على الأمةِ إذا زَنَتْ وهي مسلمةٌ؛ ذاتَ زوجٍ كانت أو غيرَ ذاتِ زوج، خمسينَ جَلْدَةً.
стр. 3366
وتَأويلُ ﴿أُحْصِنَّ﴾ عندَ هؤلاء مِن أهلِ العلم على وجهَيْنِ؛ أحدُهما: أسلَمْنَ، والثاني: عَفَفْنَ. وليس "عَفَفْنَ" بشيءٍ (١)؛ لأنَّه يستحِيلُ أن يكونَ: عَفَفْنَ، ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾، يعني الزِّنى، واللهُ أعلم.
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال هارونُ: أخبرني معمر، عن الزهريِّ، قال: سألتُه عنها فقال: تُقْرأ: (أَحْصَنَّ) مفتوحَةَ (٢) الألفِ، وتفْسِيرُه على وجهَيْن: على أسلَمْنَ، وعَفَفْنَ (٣).
وروَاه وهيبٌ، عن هارونَ، فجعَل التَّفْسِيرَ مِن قولِ هارونَ.
قال وهيبٌ: أخبرنا هارونُ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: (فإذا أَحصنَّ): منصوبَةً. قال هارونُ: وتَفْسِيرُ هذا على وجهَيْن: بعضُهم يقولُ: إذا أسلَمْنَ، وبعضُهم يقولُ: إذا عَفَفْنَ.
وروى الثوريُّ، عن حمادٍ (٤)، عن إبراهيمٍ (٥)، أنَّ مَعْقِلَ بنَ مُقَرِّنٍ (٦) المُزَنيَّ جاء إلى عبدِ الله بنِ مسعودٍ، فقال: إنَّ جارِية لي زَنَتْ، قال: اجلِدْها خمسِين، قال: ليس لها زوجٌ، قال: إسلامُها إحصانُها (٧).
стр. 3367
وروَى أبو إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ بن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، عن أبيه، أنَّه كان يقْرأُ: (فإذا أَحْصَنَّ)، يقولُ: فإذا أسلَمْنَ (١).
وروَى أهلُ المدينةِ عن عمرَ بنِ الخطابِ ما وافَق هذا المعنى، وهو أصحُّ إن شاء الله.
رواه يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن سليمان بن يسارٍ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، قال: أحدَثَ ولائِدُ مِن رَقِيقِ الإمارَةِ، فأمَرَ بهنَّ عمرُ بنُ الخطابِ، وأمَرَ شبابًا مِن شبابِ قُريشٍ فجَلدوهُنَّ الحدَّ. قال: فكنتُ فيمَن جلَدَهنَّ (٢)؛ رَواه عن يحيى بنِ سعيدٍ: مالكٌ (٣)، وابنُ جُريج (٤)، وابنُ عُيينةَ (٥)، وغيرُهم.
وروَى مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ جلَد ولائِدَ من الخُمُسِ أبكارًا في الزِّنى (٦).
стр. 3368
قال أبو عُمر: فهذا خلافُ حديث: ألقَتْ فَرْوَتَها مِن وراء الدَّارِ عن عمر، وهو أثْبَتُ.
واختُلف عن أنسٍ في هذه المسألةِ، فروَى سَلَّامُ بنُ مِسكِينٍ، عن حبِيبِ بنِ أبي فَضَالَةَ، عن صالح بنِ كُريزٍ، عن أنس، أنَّه قال له في أمَةٍ له: لا تَجلِدْها، وما كان عليك مِن ذَنْبٍ فعَليَّ (١).
وروَى هشيمٌ، عن داودَ (٢)، عن ثُمامَةَ بنِ عبدِ الله بنِ أنسٍ، قال: شَهِدْتُ أنسَ بنَ مالكٍ يضرِبُ إماءَه الحدَّ إذا زَنَيْنَ، تَزَوَّجْنَ أو لم يتَزَوَّجْن (٣).
وروَى معمرٌ، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ في الأمَةِ إذا زَنَت، قال: إذا كانت ليست ذاتَ زوج، جلَدَها سيِّدها نصفَ ما على المحصَناتِ مِن العذابِ، وإن كانت ذاتَ زوج، رفَع أمرَها إلى السلطان (٤).
قال أبو عُمر: ظاهرُ قولِ الله يَقْضِي أن لا حدَّ على الأمَةِ وإن كانت مسلمةً إلا بعدَ التزويج، ثم جاءتِ السُّنَّة بجَلْدِها وإن لم تُحصنْ، فكان ذلك زيادَةَ بيان. قال اللهُ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. فوصَفَهُنَّ بالإيمان، ثم قال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥].
стр. 3369
والإحصانُ التزويجُ هاهنا؛ لأنَّ ذِكْرَ الإيمانِ قد تقَدَّم (١)، ثم جاءتِ السُّنةُ في الأمَةِ إذا زَنَتْ ولم تُحصِنْ، فقيل: جَلْا دونَ الحدِّ، وقيل: بل الحدُّ. ويكونُ زيادَةَ بيان؛ كنكاح المرأةِ على عمَّتِها وخالتِها، ونحوِ ذلك مما يطولُ ذكرُه. وقد مضى مكرَّرًا هذا المعنى في غيرِ موضِعٍ مِن كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
قال الزُّهْريُّ: مضَتِ السُّنةُ أن يَحُدَّ العبدَ والأمَةَ أهلُوهم في الزِّنى، إلا أن يُرْفَعَ أمرُهم إلى السلطانِ، فليس لأحَدٍ أن يَفْتاتَ عليه (٢).
قال أبو عُمر: روى الثوريُّ، عن عبدِ الأعلى (٣)، عن مَيْسرةَ، عن عليٍّ، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: "أقيمُوا الحدودَ على ما ملكتْ أيمانُكم" (٤).
واختلَف الفقهاءُ في القولِ بهذا الحديثِ؛ فقال مالكٌ (٥): يحُدُّ المولى عبدَه وأمتَه في الزِّنى، وشربِ الخمرِ، والقذفِ، إذا شهِد عندَه الشهودُ، ولا يقطَعُه في السرقةِ، وإنَّما يقطَعُه الإمامُ. وهو قولُ الليثِ.
стр. 3370
وقال أبو حنيفة (١): يُقِيمُ الحدودَ على العبيدِ والإماء السلطانُ دونَ المولى، في الزِّنى وفي سائرِ الحدودِ. وهو قولُ الحسنِ بنِ حيٍّ.
وقال الثوريُّ، في روايةِ الأشجعيِّ عنه: يحُدُّه المولى في الزِّنى. وهو قولُ الأوزاعيِّ.
وقال الشافعيُّ: يحُدُّه المولى في كلِّ حدٍّ، ويقطَعُه؛ وحُجَّتُه: قولُ رسولِ الله ﷺ : "إذا زَنَتْ أمَةُ أحدِكم فليَجْلِدْها"، وقولُه ﷺ : "أقيمُوا الحدودَ على ما ملكتْ أيمانُكم".
ورُوي عن جماعةٍ مِن الصحابةِ أنَّهم أقاموا الحدودَ على عبيدِهم؛ منهم: ابنُ عمرَ، وابنُ مسعود، وأنسٌ، ولا مُخالفَ لهم من الصحابَة.
ورُوي عن ابنِ أبي ليلى، قال: أدرَكْتُ بقَايا الأنصارِ يضرِبون الوليدةَ مِن ولائدِهم - إذا زنَتْ - في مجالِسِهم (٢).
وحُجَّةُ أبي حنيفةَ ومن قال بقولِه، ما رُوي عن الحسنِ (٣)، وعبدِ الله بنِ مُحيْريزٍ (٤)، ومسلم بنِ يسارٍ (٥)، أنَّهم قالوا: الجمعةُ، والزكاةُ، والحدودُ، والفيءُ،
стр. 3371
والحكمُ، إلى السلطانِ. ورُوي عن الأعمشِ أنَّه ذُكِر له إقامةُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ حدًّا بالشام، فقال الأعمشُ: هم أُمراءُ حيثُما كانوا.
وأمَّا قولُه ﷺ في حديثنا المذكورِ في هذا البابِ: "ثم ليَبِعْها ولو بضَفِيرٍ"، فهذا على وجهِ الاختيارِ والحضِّ على مباعدةِ الزانيةِ، لما في ذلك مِن الاطِّلاع رُبَّما على المنكرِ والمكروه، ومن العونِ على الخبَثِ، قالت أُمُّ سلمةَ: يا رسولَ الله، أنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كَثُرَ الخبثُ" (١). وتفسيرُه عندَ أهلِ العلم: أولادُ الزَّنى (٢).
وقد احتجَّ بهذا الحديثِ من لم يرَ نفيَ الإماء بعدَ إقامةِ الحدِّ عليهِنَّ؛ لقوله ﷺ : "ثم إن زَنَت فاجلِدُوها، ثم بِيعُوها"، ولم يقلْ: فانفُوها. وقد تقدَّم اختلافُ العلماء في نفي الزُّناةِ في البابِ قبلَ هذا، والحمدُ لله.
стр. 3372
وأجمع الفقهاءُ أنَّ الأمَةَ الزانيةَ ليس بيعُها بواجبٍ لازم على ربِّها (١)، وإن اختارُوا له ذلك. وقال أهلُ الظَّاهرِ بوجوبِ بيعها إذا زنَتْ في الرابعةِ؛ منهم: داودُ وغيرُه (٢).
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن التغابُنَ في البيع، وأنَّ المالِكَ الصحيحَ الملكِ جائزٌ له أن يبيعَ ما له القدرُ الكبِيرُ بالتافهِ اليَسِير، وهذا لا خلافَ فيه بينَ العلماء (٣) إذا عرَف قدرَ ذلك. واختلَفوا فيه إذا لم يعرِفْ قدرَ ذلك؛ فقال قومٌ: إذا عرَف قدرَ ذلك جاز، كما تجوزُ الهبةُ لو وهَب (٤). وقال آخرونَ: عرَف قدرَ ذلك أو لم يعرِفْ، فهو جائز إذا كان رشيدًا حُرًّا بالغًا.
والحُجّةُ لمن ذهب هذا المذهبَ قولُه ﷺ : "دَعُوا النّاسَ يرزُق اللهُ بعضَهم من بعض، ولا يبعْ حاضرٌ لِبادٍ" (٥)، وسنوضِّحُ هذا المعنى في أولى المواضع به من كتابِنا هذا (٦) إن شاء الله.
والضَّفير: الحَبْل، قيل: من سَعَف النَّخيل، وقيل: من حبل الشَّعَر، واللهُ أعلمُ بالصَّواب.
стр. 3373
حديثٌ عاشرٌ لابن شِهاب، عن عُبيد الله
مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أمِّ قيسٍ بنتِ محصَنٍ، أنها أتَت بابنٍ لها صغيرٍ، لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ الله ﷺ ، فأجلَسه في حَجْرِه، فبال على ثوبِه، فدعَا بماءٍ فنضَحه، ولم يغسِلْه (٢).
أمُّ قيسٍ هذه اسمُها: جُذَامةُ بنتُ وَهْبِ بنِ محصَنٍ، أختُ عكَّاشةَ بن وَهْبِ بنِ محصَنٍ، وقد ذكرناها في الصحابياتِ من كتابِنا في "الصحابةِ" (٣).
قال أبو عُمر: النَّضْحُ في هذا الموضع: صبُّ الماء من غير عَرْكٍ (٤)، وفي قوله: ولم يغسِلْه دليلٌ على (٥) ذلك إنْ شاء الله.
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن الماء إذا غلَب على النَّجاساتِ وغمَرها طهَّرها، وكان الحكمُ له لا لها، ولو كان إذا اختلَط بالنجاساتِ لحِقته النجاسةُ ما (٦) كان طَهورًا، ولا وصَل به أحدٌ إلى الطهارر، وهذا مردودٌ بأن اللهَ سمَّاه طَهورًا.
стр. 3374
وأجمَع المسلمون على ذلك في كثيرِه (١)، وإن اختلَفوا في معانٍ مِن قليلِه، وقد مضى القولُ واضحًا في الماء في بابِ إسحاقَ بنِ أبي طَلْحةَ عندَ ذكرِ حديثِ وُلوغ الهِرّةِ في الإناء (٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا.
قال أبو عُمر: أجمَع المسلمون على أنَّ بَولَ كلِّ آدميٍّ يأكلُ الطعامَ نَجِسٌ (٣).
واختلَف العلماءُ في بَولِ الصبيِّ والصبيةِ إذا كانا مُرضَعين لا يأكلان الطعامَ:
فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما (٤): بَولُ الصبيِّ والصبيةِ كبَولِ الرجلِ، وهو قولُ الثوريِّ والحسنِ بنِ حيٍّ.
وقال الأوزاعيُّ: لا بأسَ ببَولِ الصبيِّ ما دام يشرَبُ اللبنَ، ولا يأكلُ الطعامَ. وهو قولُ عبدِ الله بنِ وَهْبٍ صاحبِ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ (٥): بَولُ الصبيِّ ليس بنَجِسٍ حتى يأكلَ الطعامَ، ولا يَبينُ لي فرقُ ما بينَه وبينَ الصبيةِ، ولو غُسِل كان أحبَّ إلي.
وقال الطبريُّ: بولُ الصبيِّ يُتبعُ ماءً، وبولُ الصبيةِ يُغسلُ غَسلًا. وهو قولُ الحسنِ البصريِّ.
стр. 3375
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: الرشُّ بالرشِّ، والصبُّ بالصبِّ من الأبوالِ كلِّها (١).
قال أبو عُمر: احتجَّ مَن ذهَب مذهبَ الأوزاعيِّ والشافعيِّ بهذا الحديثِ، ولا حجةَ فيه؛ لأنَّ النضحَ يحتملُ أن يكونَ أراد به صبَّ الماءِ، ولم يُردْ به الرشَّ، وهو الظاهرُ من معنَى الحديثِ؛ لأنَّ الرشَّ لا يَزيدُ النجاسةَ إلا شَرًّا (٢).
ومن الدليلِ على أنَّ النَّضْحَ قد يكونُ صبَّ الماء والغَسلَ من غيرِ عَرْكٍ، قولُ العربِ: غسَلتْني السماءُ، وما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إني لأعلمُ أرضًا يُقالُ لها: عُمانُ، يَنضحُ بناحيتِها البحرُ، بها حيٌّ من العربِ، لو أتاهم رسُولي ما رمَوه بسهم ولا حجرٍ" (٣).
стр. 3376
وقد جاءتْ عن النبيِّ ﷺ أحاديثُ فيها التفرقةُ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ؛ منها: ما روَاه قتادةُ، عن أبي حربِ بنِ أبي الأسودِ، عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "يُغسلُ بولُ الجاريةِ، ويُنضحُ على بولِ الغلام" (١). قال قتادةُ: ما لم يَطعَما الطعامَ، فإذا أُطعِما الطعامَ غُسِلا جميعًا.
стр. 3377
ومنها: ما روَاه سِماكُ بنُ حربٍ، عن قابوس بنِ أبي المُخارقِ، عن لُبابةَ بنتِ الحارثِ، أنَّ الحسنَ بنَ عليِّ بال على النبيِّ ﷺ ، فقلتُ: أعطني ثوبَك أغسلْه. فقال: "إنما يُغسلُ من الأنثى، ويُنضحُ من بولِ الذَّكرِ" (١).
وهذا عندَ جميعِهم ما لم يأكُلا (٢) الطعامَ، فقال جماعةٌ من أهلِ الحديثِ: فالتفرقةُ بينَ بولِ الغلامِ والجاريةِ، ما لم يأكلا الطعامَ، على هذه الآثارِ وما كان مثلَها. والنضحُ على بولِ الغلام عندَهم: الرشُّ.
ومن حجتِهم ما روَاه عبدُ الرحمن بنُ مهدي، قال: حدَّثنا يحيى بنُ الوليد، قال: حدَّثنا مُحلُّ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثني أبو السَّمْح خادمُ النبيِّ ﷺ ، أنَّ النبيَّ ﷺ أُتي بحَسَنٍ أو حُسينٍ فبالَ عليه، قال: فجئتُ لأغسلَه، فقال: "يُغسلُ من بولِ الجاريةِ، ويُرشّ من بولِ الغلام" (٣).