← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 363–402 · переход к 368.

стр. 363

قال أبو عُمر: قولُ مَن قال: "قُبورَ أنبيائِهم" يَقضِي على قولِ من قال: "القبورَ" في هذا الحديثِ؛ لأنَّه بيانُ مُبهَم، وتفسيرُ مُجمَلٍ. وأمَّا قولُه: "أرضِ العربِ" و: "جزيرةِ العربِ" في هذا الحديثِ، فذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: أرضُ العربِ: مكةُ، والمدينةُ، واليَمَنُ. وذكَر أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام (١)، عن الأصمَعيِّ، قال: جزيرةُ العرب من أقصَى عَدَنِ أبْيَنَ (٢) إلى ريفِ العراقِ في الطُّولِ، وأمَّا في العَرْضِ فمن جُدَّةَ وما والاها من ساحِلِ (٣) البحرِ إلى أطرارِ (٤) الشَّام. قال أبو عبيدٍ (٥): وقال أبو عُبيدةَ: جزيرةُ العرب ما بينَ حَفْرِ أبي موسى إلى أقصَى اليمنِ في الطُّولِ، وأمَّا في العرضِ فمن بئرِ يَبْرِينَ (٦) إلى مُنقطع السَّماوةِ. قال أبو عُمر: أخبَرنا بذلك كلِّه أبو القاسم عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى. وأخبَرنا أبو القاسم أحمدُ بنُ عمرَ بنِ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، عن أبي عُبيدٍ القاسم بنِ سلَّام في كتابِه في "شرح غريبِ الحديثِ"، وبجميع الشَّرح المذكورِ. وقال يعقوبُ بنُ شيبةَ: حَفْرُ أبي موسى: على منازلَ من البصرةِ، في طريقِ مكةَ؛ خمسةُ منازلَ أو ستَّةٌ.

стр. 364

وقال أحمدُ بنُ المعَذَّلِ: حدَّثني يعقوبُ بنُ محمدِ بنِ عيسى الزُّهْريُّ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: جزيرةُ العربِ: المدينةُ، ومكةُ، واليمامةُ، واليمن (١). قال: وقال المغيرةُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: جزيرةُ العربِ: المدينةُ، ومكَّةُ، واليمنُ، وقُرَيَّاتُها (٢). وذكَر الواقديُّ، عن معاذِ بنِ محمدٍ الأنصاريِّ، أنَّه حدَّثه عن أبي وجْزةَ يزيدَ بنِ عُبيدٍ السَّعْديِّ، أنَّه سمِعه يقول: القُرى العربيَّةُ: الفُرْعُ، ويَنبُعُ، والمرْوةُ، ووادي القُرى، والجارُ، وخيبر. قال الواقديُّ: وكان أبو وجْزةَ السَّعديُّ (٣) عالمًا بذلك. قال أبو وَجْزةَ: وإنَّما سُمِّيتْ قرَى عربيَّةَ لأنَّها من بلادِ العرب. وقال أحمدُ بنُ المعذَّلِ: حدَّثني بشرُ بنُ عمرَ، قال: قلتُ لمالكٍ: إنَّا لنرجو أن تكونَ من جزيرةِ العربِ -يريدُ البصْرةَ- لأنَّه لا يحُولُ بينَنا وبينَكم نهرٌ. فقال: ذلك إن كان قومُك تبؤَّوا الدارَ والإيمانَ. قال أبو عُمر: قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّما سُمِّيَ الحجازُ حجازًا لأنَّه حجَز بينَ تِهامةَ ونجْدٍ، وإنَّما قيل لبلادِ العربِ: جزيرةٌ: لإحاطةِ البحرِ والأنهارِ بها من أقطارِها وأطرارِها، فصاروا فيها في مثل جزيرةٍ من جزائرِ البحر.

стр. 365

حديثٌ ثالثٌ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، عن (٢) عطاءَ بنَ يسارٍ أنّه أخبَره، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كبَّر في صلاةٍ من الصَّلواتِ، ثم أشارَ إليهم أنِ امكُثُوا، فذهَب ثمَّ رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الماء. عطاءُ بنُ يسارٍ هو أخُو سليمانَ بنِ يسارٍ، قال مُصعبٌ الزُّبيريُّ (٣): كانوا أربعةَ إخوةٍ: عطاءٌ، وسليمانُ، وعبدُ اللَّه، وعبدُ الملكِ، وهم موالي ميمونةَ زوج النبِيِّ ﷺ ، كاتَبَتْهُم، وكلُّهم أُخِذَ عنه (٤) العِلْم. قال أبو عُمر: سليمانُ أفقهُهم، وعطاءٌ أكثرُهم حديثًا، وعبدُ اللَّه وعبدُ الملكِ قليلا الحديثِ، وكلّهم ثِقَةٌ رضًا، وكان عطاءُ بنُ يسارٍ من الفضلاءِ العبَّادِ العلماءِ، وكان صاحبَ قَصصٍ. ذكَر عليُّ بنُ المدينيِّ، عن يحيَى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، عن هشام بنِ عُروةَ، قال: ما رأيْتُ قاصًّا أفضلَ من عطاءِ بنِ يسارٍ (٥). سمِع عطاءُ بنُ يسارٍ مِن أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ، وابنِ عمرَ، وقيلَ: سمِع ابنَ مسعودٍ. وفي ذلك عندِي نظرٌ (٦).

стр. 366

وتُوفِّي عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ سبع وتسعينَ فيما ذكَر الهيثمُ بنُ عديٍّ (١)، وأمَّا الواقدي فقال: تُوفِّيَ عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ، وهو ابنُ أربع وثمانينَ سنةً (٢). وهذا عندَنا أصحُّ من قول الهيثم. وكان يُكنى أبا يسارٍ، وقيل: أبو عبدِ اللَّه. وقيلَ: أبو محمدٍ، فاللَّهُ أعلمُ. وهذا حديثٌ مُنقطعٌ، وقد رُوِيَ مُتَّصِلًا مُسندًا من حديثِ أبي هريرةَ وحديثِ أبي بَكْرَةَ (٣). أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمَّدٍ (٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ -يعني الأثرمَ- قال: سألْتُ أبا عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀ عن حديثِ أبي بَكْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ أشارَ أن امكثُوا، فذهَب ثم رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الغُسْلِ فصلَّى بهم، ما وَجْهُه؟ قال: وجْهُه أنَّه ذهَب فاغتسَلَ. قيل له: كان جُنبًا؟ قال: نعم، ثم قال: يرويه بعضُ الناسِ أنَّه كبَّر، وبعضُهم يقول: لم يُكبِّرْ، قيلَ له: فلو فعَل هذا إنسانٌ اليومَ هكذا، أكنْتَ تذهبُ إليه؟ قال: نعم.

стр. 367

قال أبو عُمر: من طُرُقِ حديثِ أبي هريرةَ في هذا الحديثِ ما ذكَره الشافعيُّ (١)، قال: أخبرنا الثقةُ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ -يعني اللَّيثيَّ- عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ مولَى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوبان، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ مثلَ معنَاه. يعني مثلَ معنَى حديثِ مالكٍ هذا عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم. قال الشافعيُّ (٢): وأخبَرنا الثقةُ، عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. قال (٣): وأخبَرنا الثقةُ، عن ابنِ عونٍ (٤)، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، مثلَه. قال أبو عُمر: ذكَر وكيعٌ في "مُصنَّفِه" حديثَ أسامةَ بنِ زيدٍ هذا بإسنادهِ، مثلَه (٥).

стр. 368

وروَاه أيوبُ وهشامٌ وابنُ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، مثلَه (١). وهذا الحديثُ محفوظٌ مِن حديثِ الزُّهريِّ مُسندًا، من روايةِ الثقاتِ عنه. حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ معاويةَ (٢)، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ أبي حسَّان الأنماطِيُّ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الحميد بنُ حبيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ أخبَره، قال: أُقيمَتِ الصلاةُ، فصفَّ الناسُ صُفوفَهم، ثم خرَج علينا رسولُ اللَّه ﷺ ، فأقبَل يَمشِي، حتى إذا قامَ في مُصلَّاه ذكَر أنَّهُ لم يَغتسِل، فقال للناسِ: "مكانَكم". ثم رجَع إلى بيته فاغتسلَ، ثم خرَج حتى قام في مُصلَّاه، فكبَّر ورأسُه يَنْطِفُ (٣). وذكَره أبو داودَ (٤) من روايةِ معمرٍ، ويونسَ بنِ يزيد، والزُّبيديِّ، والأوزاعيِّ، كلُّهم عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ مثلَه سواءً بمعنَاه. وذكَره البخاريُّ (٥)، مِن روايةِ يونسَ، عن الزُّهريُّ، مثلَه، ولم يَذكُرْ في

стр. 369

هذا الحديثِ أنَّه كبَّر قبلَ أنْ يَذْكُرَ، وإنما فيه أنَّه لمّا قامَ في مُصلَّاه ذكَر أنَّه لم يَغتسِلْ (١). فاحتمَل أنْ يكونَ ذَكَرَ ذلك قبلَ أنْ يُكبِّرَ، فأمَرهم أنْ يَنتظِرُوه. فلو صحَّ هذا لم يكنْ في هذا الحديثِ معنى يُشكِلُ حينئذٍ؛ لأنَّ انتظارَهم لو كان وَهُمْ في غيرِ صلاةٍ لم يكنْ في ذلك شيءٌ يُحتاجُ إليه في هذا البابِ. واحتمَل أنْ يكونَ قولُه: "فلمَّا قام في مُصلَّاه". أيْ: قام في صلاتِه. فلمَّا احتمَل الوجهينِ كانتْ روايةُ مَن روَى أنَّه كان كبَّر، يُفسِّرُ ما أبْهَمَ مَن لم يَذكُرْ ذلك؛ لأنَّ الثِّقاتِ من رُواةِ مالكٍ والشافعيِّ قالوا فيه: إنَّه كبَّر ثم أشار إليهم أن امكُثُوا (٢). وقد ظنَّ بعضُ شُيوخِنا أنَّ في إشارتِه إليهم أنِ امكُثُوا، دليلًا على أنَّه بنَى بهم، إذِ انصرَف إليهم؛ لأنَّه لم يتكلَّمْ. وهذا جهلٌ وغلطٌ فاحشٌ، ولا يَجوزُ عندَ أحدٍ من العلماءِ أنْ يبنيَ على ما صنَع وهو غيرُ طاهرٍ. وسنُبَيِّنُ هذا المعنَى بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللَّهُ. وقد جاء في روايةِ الزُّهريِّ: "فقال لهم"، وجاء في حديث أبي بَكْرَةَ: "فأومَأَ إليهم". وكلامُه وإشارتُه في ذلك سواءٌ؛ لأنَّه كان في غيرِ صلاةٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ (٣)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا

стр. 370

جعفرُ بن محمدِ بنِ شاكرٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا زيادٌ الأعلمُ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي بأصحابِه، فأومَأ إليهم أن مكانَكم، ثم دخَل، ثم خرَج ورأسُه يَنطِفُ فصلَّى (١). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣)، قال: حدَّثنا مُوسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن أبي بكرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ دخَل في صلاةِ الفجرِ، فأومَأ بيدِه أنْ مكانَكم، ثم جاء ورأسُه يَقطُرُ فصلَّى بهم. قال (٤): وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا حمَّادُ بنُ سلمةَ بإسنادِه ومعنَاه، قال: فكبَّر. وقال في آخرِه: فلمَّا قضَى الصلاةَ قال: "إنَّما انا بشرٌ، وإنِّي كُنْتُ جُنبًا". ففي هذا الحديثِ وحديثِ مالكٍ أنَّه ذكَر بعدَ دُخولِه في الصلاة، وفي حديثِ ابنِ شهابٍ أنَّه ذكَر قبلَ أنْ يَدخُلَ في الصلاةِ.

стр. 371

قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديثِ: "يُصلِّي بأصحابِه" يُصحِّحُ روايةَ من روَى أنَّه كان كبَّر ثم أشار إليهم أنِ امكُثُوا. وفي روايةِ الزُّهريِّ في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كبَّر حينَ انصرَف بعدَ غُسلِه. فواجبٌ أنْ تُقبَلَ هذه الزِّيادةُ أيضًا؛ لأنَّها شهادةٌ مُنفرِدَةٌ أدَّاها ثقةٌ، فوجَب العملُ بها، هذا ما يُوجِبُه الحكمُ في ترتيبِ الآثارِ وتهذيبِها. إلَّا أنَّ هاهُنا اعتراضاتٍ تُعترضُ على مذهبِنا في هذا البابِ، قد نزَع غيرُنا بها، ونحنُ ذاكرُوا ما يَجبُ به العملُ في هذا الحديثِ على مذهبِ مالكٍ وغيرِه من العلماءِ بعونِ اللَّه إن شاء اللَّه. أمَّا مالكٌ ﵀ فإنَّه أدخَل هذا الحديثَ في "مُوطَّئِه" في بابِ إعادةِ الجُنُبِ، وغُسلِه إذا صلَّى ولم يَذْكُرْ -يعني حالَه- أنَّه كان جُنبًا حينَ صلَّى. والذي يَجيءُ عندِي على مذهبِ مالكٍ من القولِ في هذا الحديثِ أنَّه لم يُرِدْ به ﵀ إلَّا الإعلامَ أنَّ الجُنُبَ إذا صلَّى ناسيًا قبلَ أنْ يَغتسِلَ ثم ذكَر، كان عليه أنْ يَغتسلَ ويُعيدَ ما صلَّى وهو جُنبٌ، وأنَّ نسيانَه لجنابتِه لا يُسقِطُ عنه الإعادةَ وإنْ خرَج الوقْتُ؛ لأنَّه غيرُ مُتطهِّرٍ، واللَّهُ لا يَقبلُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ، لا مِن ناسٍ ولا مِن مُتعمِّدٍ. وهذا أصلٌ مُجتمع عليه في الصلاةِ أنَّ النِّسيانَ لا يُسقِطُ فرضَها الواجبَ فيها. ثم أردَف مالكٌ حديثَه المذكورَ في هذا البابِ، بفعلِ عمرَ بنِ الخطّابِ أنَّه صلَّى بالناسِ وهو جُنبٌ ناسيًا، ثم ذكَر بعدَ أنْ صلَّى، فاغتسلَ وأعادَ صلاتَه، ولم يُعِدْ أحدٌ ممَّن خلفَه (١). فمِنْ فعلِ عمرَ ﵁ أخَذ مالكٌ

стр. 372

مذهبَه في القوم يُصلُّونَ خلفَ الإمام الجُنُبِ، لا منَ الحديثِ المذكورِ، واللَّهُ أعلمُ. وسنَذكُرُ وجْهَ ذلك فيما بعدُ من هذا البابِ إن شاء اللَّه. وأمَّا الشافعيُّ (١) فإنَّه احتجَّ بهذا الحديثِ في جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ، وجعَله دليلًا على صحَّةِ ذلك، وأردفَه بفعلِ عمرَ في جماعةِ الصحابةِ مِن غيرِ نكيرٍ، وبما جاءَ عن عليٍّ ﵁ في الإمام يُصلِّي بالقوم وهو على غيرِ وُضوءٍ، أنَّه يُعيدُ ولا يُعيدونَ (٢). ثم قال الشافعيُّ (٣): وهذا هو المفهومُ مِن مذاهبِ الإسلام والسُّننِ؛ لأنَّ الناسَ إنَّما كُلِّفوا في غيرِهم الأغلبَ ممَّا يظهرُ لهم؛ أنَّ مُسلمًا لا يُصلِّي على غيرِ طهارةٍ (٤)، ولم يُكلَّفوا علمَ ما يَغِيبُ عنهم. قال أبو عُمر: أمَّا قولُ الشافعيِّ: إنَّ الناسَ إنَّما كُلِّفوا في غيرِهم الأغلبَ ممَّا يَظهرُ لهم، ولم يُكلَّفوا علمَ ما غابَ عنهم من حالِ إمامِهم، فقولٌ صحيحٌ، إلَّا أنَّ استدلالَه بحديثِ هذا البابِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجنُبِ هو خارجٌ على مذهبِه في أحدِ قوليْه الذي يُجيزُ فيه إحرامَ المأموم قبلَ إمامِه، وليس ذلك على مذهبِ مالكٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ إذْ كبَّر وهو جُنبٌ، ثم ذكَرَ حالَه فأشارَ إلى أصحابِه أنِ امكُثُوا، وانصرفَ فاغتسَل، لا يخلُو أمرُه إذْ رجَع مِن أحدِ ثلاثةِ وُجُوهٍ: إمَّا أنْ يكونَ بنَى على التَّكبيرةِ التي كبَّرها وهو جُنبٌ، وبنَى القومُ معه على تكبيرِهم. فإنْ كان هذا فهو منسوخٌ بالسُّنَّةِ والإجماع؛ فأمَّا السُّنَّةُ فقولُه ﷺ : "لا يقبلُ اللَّهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ" (٥). فكيفَ يبني على ما صلَّى وهو غيرُ طاهر؟

стр. 373

هذا لا يَظنُّه ذو لُبٍّ ولا يقولُه أحدٌ؛ لأن عُلماءَ المسلمين مجُمِعونَ على أنَّ الإمامَ لا يبني على شيءٍ عَمِلَهُ في صلاتِه وهو على غيرِ طهارةٍ، وإنَّما اختَلَفوا في بناءِ المُحْدِثِ على ما صلَّى وهو طاهرٌ قبلَ حدثِه. وسنذكُرُ أقوالَهم في ذلك وفي بناءِ الرَّاعِفِ في آخرِ البابِ إن شاء اللَّه. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن همَّام بنِ مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يَقبلُ اللَّه صلاةَ أحدِكم إذا أحدَث حتى يتوضَّأَ" (٣). وقد ذكَرنا أسانيدَ قولِه ﷺ : "لا يَقبلُ اللَّه صلاةً بغيرِ طُهورٍ" في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسم (٤)، والحمدُ للَّه. والوجْهُ الثاني: أن يكونَ رسولُ اللَّه ﷺ حينَ انصرَف بعدَ غُسلِه استأْنفَ صلاتَه واستأْنفَها أصحابُه معه بإحرام جديدٍ، وأبطَلُوا إحرامَهم معه، وقد كان لهم أنْ يَعتَدُّوا به لو استخلَف لهم من يُتِمُّ بهم. فهذا الوجْهُ وإن صحَّ في مذهبِ مالكٍ مِن وجْهٍ، فإنَّه يَبطلُ الاستدلالُ به مِن هذا الحديثِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنُبِ؛ لأنَّهم إذا استأنفُوا إحرامَهم فلم يُصَلُّوا وراءَ جُنُبٍ، بل قد يَستَدِلُّ بمثلِ هذا، لو صحَّ من أبطَل صلاتَهم خلفَه، وهو خلافُ قولِ مالك.

стр. 374

والوجهُ الثالث: أن يكونَ النبيُّ ﷺ كبَّر مُحرِمًا مُستأنِفًا لصلاتِه، وبنَى القومُ خلفَه على ما مضَى مِن إحرامِهم، فهذا أيضًا وإن كانَ فيه النُّكتةُ المجيزةُ لصلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ لاستجزائِهم واعتدادِهم بإحرامِهم خلفَه، لو صحَّ، فإنَّ ذلك أيضًا لا يُخَرَّجُ على مذهبِ مالكٍ من هذا الحديثِ؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ إحرامُ القوم في تلك الصلاةِ قبلَ إحرام إمامِهم فيها، وهذا غيرُ جائزٍ عندَ مالكٍ وأصحابِه. لا يَحتمِلُ الحديثُ غيرَ هذه الأوجُهِ ولا يخلُو مِن أحدِها؛ فلذلك قُلنا: إنَّ الاستدلالَ بحديثِ هذا البابِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ ليسَ بصحيح على مذهبِ مالكٍ، فتدبَّرْ ذلك تَجِدْهُ كذلك إن شاء اللَّه. وأمَّا الشافعيُّ فيَصحُّ الاستدلالُ بهذا الحديثِ على أصلِه؛ لأنَّ صلاةَ القوم عندَه غيرُ مُرتبطةٍ بصلاةِ إمامِهم؛ لأنَّ الإمامَ قد تَبطُلُ صلاتُه إذا كان على غيرِ طهارةٍ وتَصِحُ صلاةُ مَن خلفَه، وقد تَبْطُلُ صلاةُ المأموم أيضًا وتَصِحُّ صلاةُ الإمام، بوجُوهِ أيضًا كثيرةٍ؛ فلهذا لم تَكنْ عندَه صلاتُهما مُرتبطةً، ولا يَضُرُّ عندَه اختلافُ نيَّاتِهما؛ لأنَّ كُلًّا يُحْرِمُ لنفسِه، ويُصلِّي لنفسِه، ولا يَحمِلُ فرضًا عن صاحبِه، فجائزٌ عندَه أنْ يُحْرِمَ المأمومُ قبلَ إمامِه، وإنْ كان لا يَسْتَحِبُّ له ذلك. وله على هذا دلائلُ قد ذكَرها هو وأصحابُه في كُتبِهم (١). وأمَّا اختلافُ الفقهاءِ في القوم يُصلُّونَ خلفَ إمام ناس لجنابتِه؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، والثوريُّ، والأوزاعيُّ (٢): لا إعادةَ عليهم، وإنَّما الإعادةُ عليه وحدَه، إذا علِم اغتسلَ وصلَّى كُلَّ صلاةٍ صلَّاها وهو على غيرِ طهارةٍ.

стр. 375

ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ (١)، وعليٍّ (٢) على اختلاف عنه، وعليه أكثرُ العلماءِ، وحسبُك بحديثِ عمرَ في ذلك؛ فإنَّه صلَّى بجماعةٍ من الصحابةِ صلاةَ الصبحِ، ثم غدَا إلى أرضِهِ بالجُرْفِ، فوجَد في ثوبِهِ احتلامًا، فغسلَهُ، واغتسَل، وأعادَ صلاتَه وحْدَه، ولم يأمرْهم بإعادةٍ (٣). وهذا في جماعتِهم مِن غيرِ نكير. وقد رُوِيَ عن عمرَ أنَّه أفتَى بذلك. روَاه شعبةُ، عن الحكم، عن إبراهيمَ، عن عمرَ في جُنُبٍ صلَّى بقوم، قال: يُعيدُ ولا يُعيدونَ (٤). قال شُعبةُ: وقال حمَّادٌ: أعجبُ إليَّ أن يُعيدُوا (٥). وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٦): حدَّثنا أبو خالد الأحمرُ، عن حجَّاج، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، في الجُنُبِ يُصلِّي بالقوم، قال: يُعيدُ ولا يُعيدون. قال: وسمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبل- يقولُ: حدَّثنا هُشيمٌ، عن خالدِ بن سَلمةَ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرِو بنِ المُصطَلِقِ، أنَّ عُثمانَ بنَ

стр. 376

عفّانَ صلَّى بالناسِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا أصبَح وارتفعَ النهارُ، فإذا هو بأثرِ الجنابةِ، فقال: كَبِرْتُ واللَّه، كَبِرْتُ واللَّه. فأعاد الصلاةَ، ولم يَأمُرْهم أن يُعيدُوا (١). وسمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه (٢) يقول: يُعِيدُ ولا يُعيدون. وسألتُ سليمانَ بنَ حربٍ فقال: إذا صحَّ لنا عن عمرَ شيءٌ اتَّبعنَاه، يُعيدُ ولا يُعيدون. وذُكِرَ عنِ الحسنِ، وإبراهيمَ، وسعيدِ بنِ جُبير، مثلُه (٣). وهو قولُ إسحاقَ، وداودَ، وأبي ثور (٤).

стр. 377

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: عليهم الإعادة؛ لأنَّ صلاتَهم مُرتبِطةٌ بصلاةِ إمامِهم، فإذا لم تكنْ له صلاةٌ لم تكنْ لهم (١). ورُوِيَ إيجابُ الإعادةِ على مَن صلَّى خلفَ جُنبٍ، أو غيرِ مُتوضِّئ، عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، مِن حديثِ عبدِ الرَّزاقِ (٢)، عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ، عن عمرِو بنِ دينار، عن أبي جعفرٍ، عن عليٍّ. وهو مُنقطعٌ (٣)، وفيه عن عمرَ خبرٌ ضعيفٌ لا يَصِحُّ (٤). وهو قولُ الشعبيِّ، وحمَّادِ بنِ أبي سليمانَ (٥). وذكَر الأثرمُ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا صلَّى إمامٌ بقوم وهو على غيرِ وُضوء، ثم ذكَر قبلَ أن يُتِمَّ، فإنَّه يُعيدُ ويعيدونَ، ويَبْتَدِئونَ الصلاةَ، فإنْ لم يَذكُرْ حتى يَفرُغَ مِن صلاتِه، أعادَ وحدَه ولم يُعيدوا. واختلَفَ مالكٌ، والشافعيُّ -والمسألةُ بحالِها- في الإمام يتمادَى في صلاتِه ذاكرًا لجَنابتِه، أو ذاكرًا أنَّه على غيرِ وُضوءٍ، أو مُبتدِئًا صلاتَه كذلك، وهو مع ذلك

стр. 378

معروفٌ بالإسلام؛ فقال مالكٌ وأصحابُه (١): إذا عِلم الإمامُ بأنَّه على غيرِ طهارةٍ، وتمادَى في صلاتِه عامدًا، بَطَلَتْ صلاةُ مَن خلفَه؛ لأنَّه أفسَدَ عليهم. وقال الشافعيُّ (٢): صلاةُ القوم جائزةٌ تامَّةٌ، ولا إعادةَ عليهم؛ لأنَّهم لم يُكلَّفوا علمَ ما غابَ عنهم، وقد صلَّوا خلفَ رجلٍ مُسلم في علمِهم. وبهذا قال جُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ، وأهلُ الحديثِ، وإليه ذهَبَ ابنُ نافع صاحبُ مالك. ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القولِ أنَّه لا فرقَ بينَ عمدِ الإمام ونسيانِه في ذلك؛ لأنَّهم لم يُكلَّفوا علمَ الغيبِ في حالِه، فحالُهم في ذلك واحدةٌ، وإنّما تَفسُدُ صلاتُهم إذا علِموا بأنَّ إمامَهم على غيرِ طهارةٍ فتمادَوا خلفَه، فيكونونَ حينئذٍ المُفسدينَ على أنفسِهم، وأمَّا هو فغيرُ مُفسدٍ عليهم بما لا يَظهَرُ مِن حالِه إليهم، لكنَّ حالَه في نفسِه تَختلِفُ؛ فيَأثَمُ في عمدِه إنْ تَمادَى بهم، ولا إثمَ عليه إنْ لم يَعلمْ ذلك وسَها عنه. قال أبو عُمر: قد أوضَحْنا والحمدُ للَّه القولَ بأنَّ حديثَ هذا البابِ لا يَصِحُّ الاحتجاجُ به في جوازِ صلاةِ مَن صلَّى خلفَ إمام على غيرِ طهارةٍ، على مذهبِ مالكٍ، وأنَّ أصلَ مذهبِه في هذه المسألةِ فعلُ عمرَ ﵁ في جماعةِ الصحابةِ، لم يُنكِرْه عليه ولا خالفَه فيه واحدٌ منهم، وقد كانوا يُخالِفونَه في أقلَّ مِن هذا ممَّا يَحتمِلُ التَّأويلَ، فكيفَ بمثلِ هذا الأصلِ الجسيم، والحكم العظيم؟ وفي تسليمِهم ذلك لعمرَ وإجماعِهم عليه ما تَسكُنُ القلوبُ في ذلك إليه؛ لأنَّهم خيرُ أُمَّةٍ أُخرجَتْ للناسِ، يأمرونَ بالمعروفِ وينهَونَ عن المنكرِ، فيَستحيلُ عليهم إضافةُ إقرارِ ما لا يَرضَونَه إليهم. وأمَّا الشافعيُّ فإنَّه جعَل حديثَ هذا البابِ أصلًا في جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجنبِ، وأردَفه بفعلِ عمرَ، وفتوَى عليٍّ. وقد تقدَّم ذِكرُنا لذلك في هذا البابِ.

стр. 379

والذي تحصَّل عليه مذهبُ مالكٍ عندَ أصحابِه في هذا البابِ في إمام أحرَم بقوم فذكَر أنَّه جُنُبٌ، أو على غيرِ وُضوءٍ، أنَّه يخرُجُ ويقدِّمُ رجُلًا، فإنْ خرَج ولم يُقدِّمْ أحدًا، قدَّموا لأنفسِهم مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ، فإن لم يَفعلُوا وصلَّوا أفذاذًا، أجزأتْهم صلاتُهم، فإن انتظَرُوه ولم يُقدِّموا أحدًا، لم تَفسُدْ صلاتُهم. وقال يحيَى بنُ يحيى، عن ابنِ نافع: إذا انصرَف ولم يُقدِّمْ، وأشارَ إليهم أن يمكثوا، كان حقًّا عليهم ألا يُقدِّموا أحدًا حتى يَرجِعَ فيُتِمَّ بهم (١). قال أبو عُمر: أمَّا قولُ مَن قال مِن أصحابِ مالكٍ: إنَّ القومَ في هذه المسألةِ ينتظرونَ إمامَهم حتى يَرجِعَ فيُتِمَّ بهم. فليس بشيءٍ، وإنَّما وجهُه: حتى يَرجِعَ فيبتدِئ بهم، لا يُتِمُّ بهم على أصلِ مالكٍ؛ لأنَّ إحرامَ الإمام لا يُجتَزأُ به بإجماع مِن العلماءِ؛ لأنَّه فعَله على غيرِ طُهورٍ، وذلك باطلٌ، وإذا لم يَجتزِئْ به استأنفَ إحرامَه إذا انصرفَ، وإذا استأنفَه لزِمَهم مثلُ ذلك عندَ مالكٍ؛ ليكونَ إحرامُهم بعدَ إحرام إمامِهم، وإلَّا فصلاتُهم فاسدةٌ؛ لقولِه ﷺ في الإمامِ: "إذا كبَّر فكبِّرُوا" (٢). هذا هو عندي تحصيلُ مذهبِه، وباللَّه التوفيق. وأمَّا الشافعيُّ فإنَّه جعَل هذا الحديثَ أصلًا في تركِ الاستخلافِ، فقال (٣): الاختيارُ عندي إذا أحدَث الإمامُ حدثًا لا تَجوزُ له معه الصلاةُ؛ مِن رُعافٍ، أو

стр. 380

انتقاضِ وُضوءٍ، أو غيرِه (١)، أنْ يُصلِّيَ القومُ فُرادَى، وألَّا يُقدِّموا أحدًا، فإنْ قدَّموا أو قدَّمَ الإمامُ رجلًا منهم، فأتمَّ بهم ما بَقِيَ مِن صلاتِهم أجزأتْهم صلاتُهم، وكذلك لو أحدَث الإمامُ الثاني والثالثُ والرابع. قال الشافعيُّ (٢): ولو أنَّ إمامًا كبَّر وقرأ، وركَع أو لم يَركعْ (٣)، حتى ذكَر أنَّه على غيرِ طهارةٍ، فكانَ مخرجُه ووضوؤه أو غُسلُه قريبًا، فلا بأسَ أنْ يَقِفَ الناسُ في صلاتِهم حتى يتوضَّأَ ويرجِعَ فيستأنفَ، ويُتِمُّون هم لأنفسِهم، كما فعَل رسولُ اللَّه ﷺ حينَ ذكَر أنَّه جُنبٌ فانتظرَه القومُ، فاستأنفَ لنفسِه؛ لأنَّه لا يُعتَدُّ بتكبيرةٍ كبَّرها وهو جُنبٌ، فيتمُّ القومُ؛ لأنَّهم لو أتمُّوا لأنفسِهم حينَ خرَج عنهم إمامُهم أجْزَأَتْهم صلاتُهم. وجائزٌ عندَه أنْ يَقطعُوا صلاتَهم إذا رابَهم شيءٌ مِن إمامِهم، فيُتمُّونَ لأنفسِهم، على حديثِ جابرٍ بن عبد اللَّه في قصةِ مُعاذٍ (٤). قال (٥): وإنْ كان خُروجُ الإمام يتَباعَدُ، أو طهارتُه تَثْقُلُ، صلَّوا لأنفسِهم. قال (٦): ولو أشارَ إليهم أنْ يَنتظِرُوا، أو كلَّمهم بذلك كلامًا، جازَ ذلك؛ لأنَّه في غيرِ صلاةٍ، فإنِ انتظرُوه وكان قريبًا فحسنٌ، وإنْ خالفُوه فصَلَّوْا لأنفسِهم فُرادَى، أو قدَّموا غيرَه، أجزأتْهم صلاتُهم.

стр. 381

قال (١): والاختيارُ عندي للمأمومينَ إذا فسَدتْ على الإمام صلاتُه أنْ يَبنُوا فُرادَى. قال: وأحَبُّ إليَّ ألَّا يَنتظرُوه، وليس أحدٌ في هذا كرسولِ اللَّه ﷺ ، فإنْ فعَلوا فصلاتُهم جائزةٌ على ما وَصَفْنا. قال (٢): فلو أنَّ إمامًا صلَّى ركعةً، ثم ذكَر أنَّه جُنُبٌ فخرَج فاغتسلَ، وانتظرَه القومُ، فرجَع فبنَى على الرَّكعةِ، فسدَتْ عليه وعليهم صلاتُهم؛ لأنَّهم يَأتَمُّونَ به عالمينَ أنَّ صلاتَه فاسدةٌ، فليس له أنْ يَبنيَ على رَكْعةٍ صلَّاها جُنبًا. قال: ولو علِم بعضُهم ولم يَعلَمْ بعضٌ، فسَدتْ صلاةُ مَن علِم ذلك منهم. قال أبو عُمر: من أجازَ انتظارَ القوم للإمام إذا أحدَث، احتجَّ بحديثِ هذا البابِ، وفيه ما قد ذكَرنا، واحتجَّ أيضًا بما: حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفَضْلُ بنُ الحُبابِ الجُمَحِيُّ (٣)، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيَالسِيُّ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ، عن ابنِ أبي مُليكةَ، أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ صلَّى بالناسِ فأهوَى بيدِهِ فأصابَ فَرْجَهُ، فأشارَ إليهم أنْ كما أنتم، فخرجَ فتوضَّأَ، ثم رجَع إليهم فأعادَ (٤).

стр. 382

فاحتجَّ بهذينِ الخبرينِ وما كان مثلَهما، مَن كرِهَ الاستخلافَ مِن العلماءِ. وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعْتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن رجلٍ أحدَث وهو يُصلِّي: أيَستَخلِفُ أم يقولُ لهم يَبْتَدِئونَ؛ وهو كيفَ يصنعُ؟ فقال: أمَّا أنا فيُعجبُني أنْ يتوضَّأَ ويَستقبِلَ. قيل له: فهم كيفَ يَصنعونَ؟ فقال: أمَّا هم ففِيه اختلافٌ. قال أبو بكرٍ: ومذهبُ أبي عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀ ألا يَبنِيَ في الحدَثِ، سمِعتُه يقولُ: الحَدَثُ أشدُّ، والرُّعافُ أسهلُ (١). وقد تابَعَ الشافعيَّ على ترْكِ الاستخلافِ داودُ بنُ عليٍّ وأصحابُه، فقالوا: إذا أحدَث الإمامُ في صلاتِه صلَّى القومُ أفذاذًا (٢). وأمَّا أهلُ الكوفةِ وأكثرُ أهلِ المدينةِ فكلُّهم يقولُ بالاستخلافِ لِمَن نابَه شيءٌ في صلاتِه، فإن جهِل الإمامُ ولم يَستخلِفْ، تقدَّمهم واحدٌ منهم بإذْنِهم، أو بغيرٍ إذْنِهم، وأتمَّ بهم، وذلك عندَهم عملٌ مُستَفِيضٌ (٣)، واللَّهُ أعلمُ. إلّا أنَّ أبا حنيفةَ إنَّما يرى الاستخلافَ لمن أحرَم وهو طاهرٌ ثم أحدَث، ولا يرَى لإمام جُنبٍ أو على غيرِ وُضوءٍ إذا ذكَر ذلك في صلاتِه أنْ يَستخلِفَ، وليس عندَه في هذه المسألةِ موضعٌ للاستخلافِ؛ لأنَّ القومَ عندَه في غيرِ صلاةٍ، كإمامِهم سواءً، على ما ذكَرنا مِن أصلِه في ذلك (٤). قال أبو عُمر: لا تَبِينُ عندي حُجَّةُ مَن كرِهَ الاستخلافَ استدلالًا بحديثِ هذا البابِ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ليس في الاستخلافِ كغيرِه، ولا يَجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ

стр. 383

أحدٌ بينَ يديه إلَّا بإذنِه، وقد قال لهم رسولُ اللَّه ﷺ : "مكانَكم". فلزِمَهم أنْ يَنتظرُوه، هذا لو صحَّ أنَّه ترَكَهُم في صلاةٍ، فكيفَ وقد قيلَ: إنَّهم استأنَفُوا معه؟ فلو صحَّ هذا لبَطَلَتِ النُّكتةُ التي منها نزَعَ مَن كرِهَ الاستخلافَ، وقد أجمَع المسلمونَ على الاستخلافِ فيمن يُقيمُ لهم أمرَ دينِهم، والصلاةُ أعظمُ الدِّينِ، وفي حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ دَلالةٌ على جوازِ الاستخلافِ؛ لتأخُّرِ أبي بكرٍ وتقدُّم النبيِّ ﷺ في تلك الصلاةِ، واللَّهُ أعلمُ، وحسبُكَ ما مضَى عليه مِن ذلك عملُ الناسِ، وسنذكُرُ حديثَ سهلِ بنِ سعدٍ في بابِ أبي حازم (١) إن شاء اللَّه. قال أبو عُمر: قد نزَع قومٌ في جوازِ بناءِ المُحْدِثِ على ما صلَّى قبلَ أنْ يُحدِثَ إذا توضَّأ بهذا الحديثِ، ولا وجْهَ لما نزَعوا به في ذلك؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يَبْنِ على تكبيرِه لِمَا بينَّا قبلُ في هذا البابِ، ولو بنَى ما كان فيه حُجَّةٌ أيضًا؛ لإجماعِهم على أنَّ ذلك غيرُ جائزٍ اليومَ لأحدٍ، وأنَّه مَنسوخٌ بأنَّ ما عمِلَه المرءُ مِن صلاتِه وهو على غيرِ طهارةٍ لا يُعتدُّ به، إذْ لا صلاةَ إلَّا بطُهورٍ. واتَّفق مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ مَن أحدَث في صلاتِه لم يَبْنِ على ما مضَى له منها، ويَستأنِفُها إذا توضَّأَ. وكذلك اتَّفقَا على أنَّه لا يبني أحدٌ في القَيْءِ، كما لا يبني في شيءٍ من الأحداثِ. واختلفَا في بناءِ الرَّاعِفِ؛ فقال الشافعيُّ في القديم: يَبني الرَّاعِفُ. وانصرَف عن ذلك في الجديد (٢).

стр. 384

وقال مالكٌ (١): إذا رَعَفَ في أوَّلِ صلاتِه ولم يُدركْ ركعةً بسجْدتَيْها فلا يبني، ولكنَّه ينصرفُ فيَغسِلُ عنه الدَّمَ، ويَرجِعُ فيُعيدُ الإقامةَ والتَّكبيرَ والقراءةَ. ولا يبني عندَه إلَّا من أدرَك ركعةً كاملةً مِن صلاتِه، فإذا كان ذلك ثم رعَف، خرَج فغسَل الدَّمَ عنه، وبنَى على ما مضَى (٢) حيثُ شاء، إلَّا في الجمعةِ فإنَّه لا يبني فيها إذا أدرَك ركعةً منها ثم رعَف إلَّا في المسجدِ الجامع، وإذا كان الرَّاعِفُ إمامًا، فلا يَعودُ إمامًا في تلك الصلاةِ أبدًا، ولا يُتِمُّ صلاتَه إلَّا مأمومًا أو فَذًّا. هذا تَحصيلُ مذهبِه عندَ جميع أصحابِه، وقد رُوِي عنه أنَّه قال (٣): لولا أنِّي أكرَهُ خِلافَ مَن مضَى، ما رأيتُ أنْ يبني الرَّاعفُ، ورأيْتُ أنْ يتَكلَّمَ ويستأنِفَ. قال: وهو أحبُّ إليَّ. وقد رُويَ عنه أنَّ الفَذَّ لا يبني في الرُّعافِ. وأمَّا الشافعيُّ فقال: لا يبني الرَّاعفُ إذا استَدْبَرَ القبلةَ لغَسلِ الدَّم عنه. وكلُّ مَنِ استَدْبَرَ القبلةَ عندَه وهو عالمٌ بأنَّه في صلاةٍ، لم يَجُزْ له البناءُ، وكان عليه الاستئنافُ أبدًا. وأمّا (٤) الذي يَسهُو فيُسلِّمُ مِن ركعتينِ، ويَخرُجُ وهو يَظُنُّ أنَّه قد أكمَل صلاتَه، وأنَّه ليس في صلاةٍ، فإنَّ هذا يبني عندَه ما لم يتَكلَّمْ أو يُحدِثْ، أو يَطولُ أمرُه، على حديثِ ذي اليدينِ (٥). وسنذكرُ أقاويلَ العلماءِ في معنَى حديثِ ذي اليدينِ، في بابِ أيوبَ (٦)، إن شاء اللَّه.

стр. 385

وقولُ ابنِ شُبْرُمَةَ (١) في هذا كقولِ مالكٍ والشافعيِّ: لا يبني أحدٌ في الحَدَثِ، ولكنَّه يَنصرِفُ فيَتوضَّأُ ويَستقبِلُ، وإنْ كان إمامًا استخلَف. وقال الأوزاعيُّ: إن كان حَدَثُه مِن قَيْءٍ أو ريح توضَّأَ واستقبَل، وإنْ كان مِن (٢) رُعافٍ توضَّأَ وبنَى. وكذلك الدَّمُ غيرُ الرُّعافِ (٣)، والرُّعافُ عندَه حَدَثٌ يَنقُضُ الوُضوءَ. وقال الثوريُّ (٤): إذا كان حَدَثُه مِن رُعافٍ أو قَيْءٍ تَوَضَّأ وبنَى، وإن كان حَدَثُه مِن بولٍ أو ريح أو ضَحِكٍ أعادَ الوُضوءَ والصَّلاةَ. وقال ابنُ شهابٍ: القَيْءُ والرُّعافُ سواءٌ، يَتوضَّأُ ثم يُتِمُّ على ما بَقِيَ مِن صلاتِه ما لم يَتكلَّمْ (٥). وقد رُويَ عن ابنِ شهابٍ في الإمام يرَى بثوبِه دمًا، أو يَرْعُفُ أو يَجِدُ مَذْيًا، أنَّه يَنصرفُ ويقولُ للقوم: أتِمُّوا صلاتَكم. ويُصلِّي كُلُّ إنسانٍ لنفسِه؛ روَاه الزُّبَيْديُّ عنه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وابنُ أبي ليلَى: يبني في الأحداثِ كلِّها إذا سبَقتْه في الصلاةِ. والقَيْءُ والرُّعافُ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه حدثٌ كسائرِ الأحداثِ، وهو قولُ جُمهورِ سلفِ أهلِ العراقِ (٦)، يَنقُضُ الرُّعافُ والقَيْءُ، وكلُّ ما خرَج من الجسدِ -مِن دم أو نجاسةٍ عندَهم- الطَّهارةَ كسائرِ الأحداثِ،

стр. 386

قياسًا عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه على المستحاضةِ؛ لأنَّهم أثبَتُوا أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمرَها بالوُضوءِ لكلِّ صلاةٍ، فالرَّاعفُ عندَهم يَنصرفُ فيتوضَّأُ ويبني على ما صلَّى، على حسَبِ ما ذكَرنا من أصْلِهم (١) في بناءِ المُحْدِثِ، وهم يقولون: إن الرَّاعفَ لو أحدَث بعدَ انصرافِه توضَّأَ واستأنَف ولم يَبْنِ. وإنَّما يبني عندَهم من أحدَث في الصلاة. وحسبُكَ بمثلِ هذا ضَعْفًا في النَّظَرِ، ولا يَصِحُّ به خبرٌ. والحُجَجُ للفِرَقِ في هذا البابِ تَطُولُ جدًّا وتَكْثُرُ، وفي بعضِها تشعيبٌ، وإنَّما ذكَرنا هاهُنا ما للعلماءِ في تأويلِ حديثِ هذا البابِ مِن المذاهبِ وأصولِ الأحكام، والحمدُ للَّه. والحجَّةُ عندَنا في أنْ لا وُضوءَ في الرُّعافِ والقَيْءِ، أنَّ المتوضئ بإجماع لا يَنتقِضُ وُضوؤُه باختلاف، إلَّا أنْ تكونَ هناك سُنَّةٌ يجبُ المصيرُ إليها، وهي معدومةٌ هاهُنا، وباللَّه توفيقُنا. وسنذكُرُ أحكامَ المستحاضةِ في بابِ نافع (٢) من هذا الكتابِ إن شاء اللَّه.

стр. 387

حديث رابعٌ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مرسلٌ مالكٌ (١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، أنَّه بلَغَه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سمِعَ امْرَأةً مِن اللَّيلِ تُصلِّي (٢)، فقال: "مَنْ هذه؟ ". فقيلَ: هذه (٣) الحَوْلاءُ بنتُ تُوَيْتٍ، لا تنامُ الليلَ. فكَرهَ ذلك رسولُ اللَّه ﷺ حتى عُرِفَت الكراهَةُ في وجْهِه، ثم قال: "إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، اكْلَفُوا مِن العملِ ما لكم به طاقةٌ". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ مُنقَطِعٌ مِن روايةِ إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، وقد يَتَّصِلُ معنًى ولفظًا عن النبيِّ ﷺ ، مِن حديثِ مالكِ وغيرِه، مِن طُرقٍ صِحاح ثابتة. والحَوْلاءُ هذه امرأَةٌ مِن قريشٍ (٤)، من بني أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى، وهي الحَوْلاءُ بنتُ تُوَيْتِ بنِ حَبيبٍ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصيٍّ. حدَّثني أبو القاسم خَلَفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: أخبرَني ابنُ أبي العَقَبِ (٥) وأبو الميمُونِ البَجَلِي جميعًا بدمشقَ، قالا: حدَّثنا أبو زُرْعَةَ، قال: حدَّثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، قال: أخبرنا شُعيبُ بن أبي حمزة، عن الزُّهريِّ، قال: قال عُروةُ، أخبرَتْني عائشة، أنّ الحولاءَ بنتَ تُوَيْت بن أسَد بن عبد العُزَّى مرَّتْ بها وعندَها رسولُ اللَّه ﷺ ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، هذه الحولاءُ بنتُ تُوَيْت، قالوا: إنّها لا تنامُ الليل، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تنامُ الليلَ؟ خُذوا من العملِ

стр. 388

ما تطيقونَ، فواللَّه لا يَسْأمُ اللَّه حتى تَسْأموا" (١)، وذكَرهُ البَزّارُ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ أخْزَمَ الطائيُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ (٢)، عن عائشةَ، مثْلَهُ (٣)، بمَعْناهُ (٤). وأمّا حديثُ مالكٍ في ذلك فرواه القَعْنَبيُّ، عن مالكٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها قالت: كانت عندي امرأةٌ من بني أسَدٍ بن عبدِ العُزَّى (٥)، فدَخَل النبيُّ ﷺ ، فقال: "مَنْ هذِهِ؟ " فقلت له: هذهِ فُلانةُ لا تنامُ الليلَ، تذْكُرُ من صلاتِها، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "مَهْ، عليكُم بما تُطِيقُونَ من الأعمالِ، فوَاللَّه لا يَمَلُّ اللَّه حتى تَمَلُّوا" (٦).

стр. 389

حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيَى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا القعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، فذَكرَه. وبه عن مالكٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: كانَ أحبَّ الأعمالِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ الذي يَدُومُ عليه صاحِبُهُ (٢). ورَوَى الأوْزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "خُذُوا مِن العملِ ما تُطِيقُونَ، فإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا". هكذا حدَّثَ به عبدُ الحميدِ بنُ حَبيبٍ، عن الأوزاعِيِّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، وهو عندِي حديثٌ آخرُ، ليسَ حديثَ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، إلَّا أنَّه اخْتُلِفَ فيه على الأوزَاعِيِّ؛ حدَّثَنِيه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسَّانَ، قال: حدَّثنا هِشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ حَبيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزَاعَيُّ، قال: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، قال: أخبرَني أبو سَلَمةَ بن عبد الرحمن (٤)، عن عائشةَ، فذَكَرَ الحديثَ عن النبيِّ ﷺ ، وفيه قالتْ عائشةُ: كان أحَبَّ الصلاةِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ما دِيمَ عليها

стр. 390

وإنْ قَلَّتْ. قالت: وكان إذا صَلَّى صلاةً دَاوَمَ عليها. قال أبو سلمةَ: إن اللَّهَ يقولُ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] (١). أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدٍ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضلِ، قال: حدَّثنا أبو الدَّحْدَاح أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ التَّمِيمِيُّ، قال: أخبرَنا أبو عليٍّ محمودُ بنُ خالدٍ الدِّمَشْقِيُّ السُّلَمِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ الفِرْيَابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيَى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "خذوا مِن العملِ قدْرَ ما تُطِيقُونَ، فإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا"؛ قالت: وكان أحبَّ الصلاةِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، ما داومَ عليها العبدُ وإنْ قلَّتْ. قالت: وكان رسولُ اللَّه ﷺ إذا صَلَّى صلاةً داومَ عليها. ثم قرَأَ أبو سلمةَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٣).

стр. 391

وقد رُوِيَ حديثُ الحَوْلاءِ هذا مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِن حديثِ إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، ذَكَره العُقَيْليُّ أبو جعفَرٍ ﵀، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ البَغْدَادِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، قال: أخبرَنا حُميدُ بنُ الأسودِ، عن الضَّحَّاكِ بنِ عثمانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما تَضَوَّرْتُ في هذه الليلةِ إلَّا سَمِعتُ صوتًا". قلتُ: يا رسولَ اللَّه، تلك الحوْلاءُ بنتُ تُوَيْتٍ، لا تنام إذا نامَ الناسُ. قال: "عليكم مِن العملِ ما تُطِيقُونَ، فإنّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا"؛ أخبرَناه عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ إجازَةً، قال: أخبرَنا يوسفُ بنُ أحمدَ (١) إجازةً عن العُقَيْليِّ أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عمرِو بنِ موسَى المَكِّيِّ (٢). قال أبو عمر (٣): قولُه: "إنَّ اللَّهَ لا يمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا". معناه عندَ أهلِ العلم: إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ مِن الثوابِ والعطاءِ على العملِ حتَّى تَمَلُّوا أنتم، ولا يَسْأَمُ مِن إفْضَالِه عليكم إلا بسَآمَتِكُم عن العملِ له، وأنتم متى تكَلَّفْتُم مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُونَ لَحِقَكُمُ الملَلُ، وأدْرَكَكُم الضَّعفُ والسَّآمَةُ، وانقطعَ عمَلُكُم، فانْقَطعَ عنكم الثَّوابُ لانقطاع العملِ. يَحُضُّهم ﷺ على القليل الدائم، ويُخْبِرُهم أنَّ النُّفوسَ لا تحْتَمِلُ الإسرافَ عليها، وأنَّ المَلَلَ سببٌ إلى قطع العملِ. ومِن هذا حديثُ ابنِ مسعودٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يتَخَوَّلُنَا بالموعظةِ مخافةَ السَّآمَةِ

стр. 392

علينا (١). ومنه قولُه ﵇: "لا تشَادُّوا الدِّينَ، فإنَّه مَنْ يُغالِبِ الدِّينَ يَغْلِبْه الدِّينُ" (٢). ومنه الحديثُ: "إنَّ هذا الدينَ مَتينٌ، فأَوْغِلْ فيه برِفْقٍ، فإنَّ المُنْبَتَّ لا يَقطَعُ أرْضًا، ولا يُبْقِي ظَهْرًا" (٣). وقال ﷺ لعَبْدِ اللَّه بنِ عمرٍو، وكان يصومُ النَّهارَ، ويقومُ الليلَ: "لا تفعلْ، فإنَّك إذا فعلتَ ذلك نَفِهَتْ نَفْسُكَ" (٤). يعْنِي: أعْيَتْ وكَلَّتْ، يقالُ للمُعيِي: مُنَفَّهٌ، و: نافِهٌ، وجَمعُ نَافِهٍ: نُفَّهٌ؛ كذلك فسَّرَه

стр. 393

أبو عُبَيدٍ (١)، عن أبي عُبيدَةَ، وأبي عمرٍو، قال: وقال الأصمَعِيُّ: الإيغَالُ: السَّيْرُ الشديدُ، وأمَّا الوُغُولُ فهو الدُّخولُ (٢). وقد جعلَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الشِّخِّيرِ ﵀ الغُلُوَّ في أعمالِ البِرِّ سَيِّئَةً، والتَّقْصِيرَ سَيِّئَةً، فقال: الحسنةُ بينَ سَيِّئَتَيْنِ. وأمَّا لَفْظُه في قولِه: "إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا" فلفْظٌ يَخْرجُ (٣) على مِثالِ (٤) لَفْظٍ، ومعلومٌ أنَّ اللَّهَ لا يمَلُّ سَواءٌ مَلَّ الناسُ أو لم يَمَلُّوا، ولا يدخُلُه مَلالٌ في شيءٍ مِن الأشْياءِ، جلَّ وتعالى عُلُوًّا كبيرًا، وإنَّما جاءَ لفظُ هذا الحديثِ على المعروفِ مِن لُغَةِ العربِ، بأنّهم كانوا إذا وضَعُوا لَفْظًا بإزاءِ لَفْظٍ وقُبَالَتَه، جَوابًا له وجَزاءً (٥)، ذكَرُوه بمِثْلِ لفظِه، وإنْ كان مُخالِفًا له في معناه، ألَا تَرَى إلى قولِه : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. والجزاءُ لا يكونُ سيئة، والقِصاصُ لا يكونُ اعتِداءً؛ لأنه حقٌّ وجَبَ، ومثلُ ذلك قولُ اللَّه ﵎: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]. وليس من اللَّه هُزُؤٌ ولا مكرٌ ولا كيدٌ، إنّما هو جزاءٌ لمَكْرِهم واسْتِهزائِهم، وجزاءُ كَيْدِهم، فذكَرَ الجزاءَ بمِثْلِ لَفْظِ الابتداءِ لمّا وُضِعَ بحِذائِه. وكذلك قولُه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا"، أي: إنَّ مَن مَلَّ من عمَلٍ يعمَلُه

стр. 394

قُطِعَ عنه جَزاؤُه. فأخرَجَ لَفْظَ قَطْع الجزاءِ بلَفْظِ المَلال؛ إذْ كان بحِذائِه وجوابًا له. رُوِيَ عن ابن عباس أنّه قال: إيّاكُمْ والغُلُوَّ في الدِّين، فإنما هلَك مَن كانَ قَبْلكم بالغُلُوِّ في الدِّين (١). حدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لكلِّ عاملٍ فَترةٌ، ولكُلِّ فَتْرةٍ شَرَهٌ (٢)، فمنْ كانت فترتُه إلى سُنَّتي فقد أفلَحَ" (٣).

стр. 395

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبَة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيْل، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ لكُلِّ عَمَلٍ شَرَهًا، ولكلِّ شَرَهٍ فَتْرَةٌ، فمَنْ كانت فَتْرتُهُ إلى سُنَّتي فقد اهْتَدَى، ومَن كانت فَتْرَتُهُ إلى غير ذلك فقد هَلَكَ" (١). هكذا قال، جعل في موضِع الفَتْرة الشَّرَهَ، فقَلَبَ، والأوَّلُ أوْلى، على ما في حديثِ شُعبَة، واللَّهُ أعلم، وكلا الوَجْهَين خارجٌ معناه، والشَّرَهُ: الحِرْصُ، والشَّرِهُ والشَّرْهانُ الحريصُ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ عمر (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ السِّجْسِيُّ (٤)، قال: حدَّثنا

стр. 396

عبدُ الرزاق (١)، عن مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه، أنه قال: أفضلُ العبادةِ أخَفُّها. قال أبو عُمر: يريد: أخَفَّها على القلوب، وأحَبَّها إلى النُّفوس؛ فإنَّ ذلك أحْرَى أنْ يَدُومَ عليه صاحِبُه، حتى يَصيرَ له عادةً وخُلُقًا. وقد كان بعضُ العلماءِ يَرْوي هذا الحديث: "أفضلُ العِيادةِ أخَفُّها" (٢). يريدُ عيادةَ المَرْضى، فمنْ رواه على هذا الوَجْه، فلا مَدخَلَ له في هذا الباب، ولا خلافَ بينَ العلماءِ والحكماءِ أنَّ السُّنَّةَ في العيادَةِ التَّخْفيف، إلّا أنْ يكونَ المريضُ يدعُو الصديقَ إلى الأُنْسِ به. وسيأتي ذِكْرُ العِيادةِ والقولُ فيها في بابِ بلاغاتِ مالكٍ إنْ شاء اللَّه (٣) (٤).

стр. 397

إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ الأنصاريُّ (١) يُكْنَى أبا نَجيح، وقيل: يُكنى أبا محمد، وقيل: أبا يحيى. من تابعي أهلِ المدينة، من صغارِهم، لقيَ أنسَ بنَ مالك، وهو ثقةٌ حجّةٌ فيما نَقَل، وأبوه عبد اللَّه بن أبي طلحة وُلِدَ بالمدينة في حياة النبيِّ ﷺ . قال أنسٌ: فغَدوْتُ به إلى النبيِّ ﷺ ليُحَنِّكَه، فوافيْتُه وبيَدِه المِيْسَمُ يَسِمُ إبلَ الصَّدقة (٢). قال أبو عُمر: اسمُ جدِّه أبي طلحةَ زيدُ بنُ سهل، من كبار الصَّحابة، قد ذكَرناهُ وذكَرْنا طرفًا من أخباره في كتابنا كتاب "الصحابة" (٣) ورَفعْنا هناك في نَسَبِه. وأمُّ إسحاقَ نُبَيتَةُ ابنةُ رفاعةَ بنِ رافع بنِ مالكِ بنِ العَجْلانِ الزُّرَقيُّ الأنصاريُّ. روى عن عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ ابنُه إسحاقُ. وروى عنه ابنُ شهاب أيضًا، وروى عن إسحاقَ جماعةٌ من الأئمّة؛ منهم: يحيى بنُ أبي كثير، ومالكُ بنُ أنس، والأوزاعيُّ، وحمّادُ بنُ سلمة، وهمّامُ بنُ يحيى. ولإسحاقَ إخوةٌ جماعة، وهم: عمرٌو، وعمرُ، وعبدُ اللَّه، ويعقوبُ، وإسماعيلُ، بنو عبد اللَّه بن أبي طلحة، كلُّهم قد رُوِيَ عنهم العلمُ، وإسحاقُ هذا أرفعُهم وأعلمُهم وأثبتُهم رواية.

стр. 398

قال الواقديُّ (١): كان مالكُ بنُ أنس لا يُقدِّمُ على إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ في الحديث أحدًا. وتوفى إسحاقُ بالمدينةِ في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل: كانت وفاتهُ سنة أربع وثلاثين ومئة. لمالكٍ عنه في "الموطأ" من حديث النبيِّ ﷺ خمسةَ عشَرَ حديثًا؛ منها: عن أنسٍ عشَرةٌ، وعن رافع بنِ إسحاقَ حديثان، وعن زُفَرَ بنِ صَعْصعةَ حديثٌ واحدٌ، وعن أبي مُرّةَ حديثٌ واحدٌ, وعن حُميدةَ امرأتِه حديثٌ واحدٌ.

стр. 399

حديثٌ أولُ لإسحاقَ عن أنس، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي طلحة، أنَّه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان أبو طلحةَ أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينةِ مالًا من نَخْل، وكان أحبَّ أموالِه إليه بَيْرُحاءَ (٢)، وكانت مستَقْبِلةَ المسجد، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يَدخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب. قال أنسٌ: فلمّا أُنزِلَت (٣) هذه الآية (٤): ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحةَ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءُ، وإنَّها صدقةٌ للَّه أرجُو برَّها وذُخرَها عند اللَّه، فضَعْها يا رسولَ اللَّه حيثُ شئْتَ. قال: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "بَخٍ! ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمِعتُ ما قلتَ فيه، وإنِّي أرَى أن تجعَلَه في الأقْرَبين". فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسولَ اللَّه. فقَسَمَها أبو طلحةَ في (٥) أقاربه وبني عمِّه.

стр. 400

قال أبو عمر (١): هكذا قال يحيى وأكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ في هذا الحديث: فقَسَمها أبو طلحة. وممَّن قال ذلك منهم؛ ابنُ القاسم (٢)، وابنُ وَهْب (٣)، ويحيى بنُ بُكير (٤)، ويحيى بنُ يحيى النيسابوريُّ (٥)، والقعنبيُّ في روايةِ عليِّ بن عبدِ العزيز (٦)، وإسماعيلُ القاضي (٧). كذا ذكَره الدارقطنيُّ، عن عثمانَ بنِ أحمدَ الدَّقّاق وأبي سهل أحمدَ بنِ محمدِ بنِ زياد، عن إسماعيل. وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ هذا الحديثَ في كتابه "المبسوط"، عن القعنبيِّ، بإسنادِه سواء، وقال في آخره: فقسَمَها رسولُ اللَّه ﷺ في أقاربِه وبني عمَّه. قال أبو عُمر: فأضاف القِسمةَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ . وأمّا قوله: "في أقاربِه وبني عمِّه" فمعلومٌ أنّه أراد أقاربَ أبي طلحةَ وبني عمِّه، وذلك محفوظٌ عندَ (٨) العلماءِ لا يختلِفون في ذلك. وأمّا إضافةُ القِسمَةِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فهذا وإن كان جائزًا في لسانِ العرب، أن يُضافَ الفعلُ إلى الآمرِ به، فإنَّ ذلك ليس في روايةِ أكثرِ الرُّواة لـ "الموطّأ"، ولا يُجيزُ مثلَ هذه العبارة أهلُ الحديث، ولكنَّها روايةُ مَن روَى ذلك، واللَّهُ أعلم، والمعنَى فيه بيِّنٌ، والحمدُ للَّه.

стр. 401

وروَى هذا الحديثَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ الماجِشُون، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: لما نزَلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، جاء أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه ﷺ على المنبر. قال: وكانت (١) دارُ ابنِ جعفرٍ والدارُ التي تَلِيها إلى قصرِ ابنِ حُدَيلةَ (٢) حوائطَ لأبي طلحة. قال: وكان قصرُ ابنِ حُدَيلةَ حائطًا لأبي طلحةَ يُقال لها: بَيْرُحاء. وكان النبيُّ ﷺ يَدخُلُها وَيشرَبُ من مائها، ويأكُلُ من ثمرِها، فجاءَ أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه ﷺ على المنبر، فقال: إنَّ اللَّهَ يقولُ في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءَ، فهي للَّه ولرسولِه، أرجُو برَّه وذُخرَه، اجعَلْه يا رسولَ اللَّه حيثُ أراكَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "بخ (٣)، ذلكَ يا أبا طلحةَ مالٌ رابحٌ، قد قبِلناهُ منك، وردَدْناه عليك، فاجعَلْه في الأقربين". قال: فتصدَّقَ به أبو طلحةَ على ذوي رَحِمِه؛ فكان منهم أُبيُّ بنُ كعب، وحسّانُ بنُ ثابت. قال: فباع حسّانُ نصيبَه من مُعاوية، فقيل له: يا حسّان، تبيعُ صدقةَ أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيعُ صاعًا من تمرٍ بصاع من دراهم (٤)؟

стр. 402

وذكَر الطَّحاويُّ (١)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ وأبي (٢)، عن ثُمامة، عن أنس -وهذا لفظُ حديثهِ- قال: قال أنسٌ: كانت لأبي طلحةَ أرضٌ، فجعَلها للَّه ، فأتى النبيَّ ﷺ فقال له: "اجعَلْها في فُقراءِ أقاربِك". فجعَلها لحسّانَ وأُبيٍّ. قال أنسٌ: وكانا أقربَ إليه منِّي. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ والعلم وُجوه، فمنها: أنَّ الرجلَ الفاضلَ العالمَ قد يُضافُ إليه حُبُّ المال، وقد يُضيفُه هو إلى نفسِه، وليس في ذلك نقيصةٌ عليه، ولا على مَن أضاف ذلك إليه، إذا كان ذلك من وجهِ حِلِّه وما أباح اللَّهُ منه،
следующие страницы →