← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3373–3412 · переход к 3378.

стр. 3373

حديثٌ عاشرٌ لابن شِهاب، عن عُبيد الله مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أمِّ قيسٍ بنتِ محصَنٍ، أنها أتَت بابنٍ لها صغيرٍ، لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ الله ﷺ ، فأجلَسه في حَجْرِه، فبال على ثوبِه، فدعَا بماءٍ فنضَحه، ولم يغسِلْه (٢). أمُّ قيسٍ هذه اسمُها: جُذَامةُ بنتُ وَهْبِ بنِ محصَنٍ، أختُ عكَّاشةَ بن وَهْبِ بنِ محصَنٍ، وقد ذكرناها في الصحابياتِ من كتابِنا في "الصحابةِ" (٣). قال أبو عُمر: النَّضْحُ في هذا الموضع: صبُّ الماء من غير عَرْكٍ (٤)، وفي قوله: ولم يغسِلْه دليلٌ على (٥) ذلك إنْ شاء الله. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن الماء إذا غلَب على النَّجاساتِ وغمَرها طهَّرها، وكان الحكمُ له لا لها، ولو كان إذا اختلَط بالنجاساتِ لحِقته النجاسةُ ما (٦) كان طَهورًا، ولا وصَل به أحدٌ إلى الطهارر، وهذا مردودٌ بأن اللهَ سمَّاه طَهورًا.

стр. 3374

وأجمَع المسلمون على ذلك في كثيرِه (١)، وإن اختلَفوا في معانٍ مِن قليلِه، وقد مضى القولُ واضحًا في الماء في بابِ إسحاقَ بنِ أبي طَلْحةَ عندَ ذكرِ حديثِ وُلوغ الهِرّةِ في الإناء (٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا. قال أبو عُمر: أجمَع المسلمون على أنَّ بَولَ كلِّ آدميٍّ يأكلُ الطعامَ نَجِسٌ (٣). واختلَف العلماءُ في بَولِ الصبيِّ والصبيةِ إذا كانا مُرضَعين لا يأكلان الطعامَ: فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما (٤): بَولُ الصبيِّ والصبيةِ كبَولِ الرجلِ، وهو قولُ الثوريِّ والحسنِ بنِ حيٍّ. وقال الأوزاعيُّ: لا بأسَ ببَولِ الصبيِّ ما دام يشرَبُ اللبنَ، ولا يأكلُ الطعامَ. وهو قولُ عبدِ الله بنِ وَهْبٍ صاحبِ مالكٍ. وقال الشافعيُّ (٥): بَولُ الصبيِّ ليس بنَجِسٍ حتى يأكلَ الطعامَ، ولا يَبينُ لي فرقُ ما بينَه وبينَ الصبيةِ، ولو غُسِل كان أحبَّ إلي. وقال الطبريُّ: بولُ الصبيِّ يُتبعُ ماءً، وبولُ الصبيةِ يُغسلُ غَسلًا. وهو قولُ الحسنِ البصريِّ.

стр. 3375

وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: الرشُّ بالرشِّ، والصبُّ بالصبِّ من الأبوالِ كلِّها (١). قال أبو عُمر: احتجَّ مَن ذهَب مذهبَ الأوزاعيِّ والشافعيِّ بهذا الحديثِ، ولا حجةَ فيه؛ لأنَّ النضحَ يحتملُ أن يكونَ أراد به صبَّ الماءِ، ولم يُردْ به الرشَّ، وهو الظاهرُ من معنَى الحديثِ؛ لأنَّ الرشَّ لا يَزيدُ النجاسةَ إلا شَرًّا (٢). ومن الدليلِ على أنَّ النَّضْحَ قد يكونُ صبَّ الماء والغَسلَ من غيرِ عَرْكٍ، قولُ العربِ: غسَلتْني السماءُ، وما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إني لأعلمُ أرضًا يُقالُ لها: عُمانُ، يَنضحُ بناحيتِها البحرُ، بها حيٌّ من العربِ، لو أتاهم رسُولي ما رمَوه بسهم ولا حجرٍ" (٣).

стр. 3376

وقد جاءتْ عن النبيِّ ﷺ أحاديثُ فيها التفرقةُ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ؛ منها: ما روَاه قتادةُ، عن أبي حربِ بنِ أبي الأسودِ، عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "يُغسلُ بولُ الجاريةِ، ويُنضحُ على بولِ الغلام" (١). قال قتادةُ: ما لم يَطعَما الطعامَ، فإذا أُطعِما الطعامَ غُسِلا جميعًا.

стр. 3377

ومنها: ما روَاه سِماكُ بنُ حربٍ، عن قابوس بنِ أبي المُخارقِ، عن لُبابةَ بنتِ الحارثِ، أنَّ الحسنَ بنَ عليِّ بال على النبيِّ ﷺ ، فقلتُ: أعطني ثوبَك أغسلْه. فقال: "إنما يُغسلُ من الأنثى، ويُنضحُ من بولِ الذَّكرِ" (١). وهذا عندَ جميعِهم ما لم يأكُلا (٢) الطعامَ، فقال جماعةٌ من أهلِ الحديثِ: فالتفرقةُ بينَ بولِ الغلامِ والجاريةِ، ما لم يأكلا الطعامَ، على هذه الآثارِ وما كان مثلَها. والنضحُ على بولِ الغلام عندَهم: الرشُّ. ومن حجتِهم ما روَاه عبدُ الرحمن بنُ مهدي، قال: حدَّثنا يحيى بنُ الوليد، قال: حدَّثنا مُحلُّ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثني أبو السَّمْح خادمُ النبيِّ ﷺ ، أنَّ النبيَّ ﷺ أُتي بحَسَنٍ أو حُسينٍ فبالَ عليه، قال: فجئتُ لأغسلَه، فقال: "يُغسلُ من بولِ الجاريةِ، ويُرشّ من بولِ الغلام" (٣).

стр. 3378

قال أبو عُمر: القياسُ أنْ لا فرقَ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ، كما أنه لا فرقَ بينَ بولِ الرجلِ والمرأةِ (١)، إلَّا أنَّ هذه الآثارَ إن صحَّت، ولم يعارضْها عنه ﷺ مثلُها، وجَب القولُ بها، إلَّا أنَّ روايةَ مَن روَى الصبَّ على بولِ الصَّبيِّ وإتباعَه الماءَ أصحُّ وأولى، وأحسنُ شيءٍ عندي في هذا البابِ (٢) ما قالت أمُّ سَلَمة. حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى، قال: حدَّثني عُبيدُ الله (٣) بنُ حَبابةَ، قال: حَدَّثَنَا البغويُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجعدِ، قال (٤): أخبَرني المباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، قالت: بولُ الغلام يُصبُّ عليه الماءُ صبًّا، وبولُ الجاريةِ يُغسلُ؛ طعِمتْ أو لَمْ تطعَمْ (٥). وهذا حديثٌ مُفسِّرٌ للأحاديثِ كلِّها، مُستعملٌ لها، حاشا حديثَ المُحِلِّ

стр. 3379

ابنِ خليفةَ الذي ذكر فيه الرشَّ، وهو حديثٌ لا تقومُ به حجةٌ، والمُحِلُّ ضعيفٌ (١). وإذا صُبَّ على بولِ الغلام، وغُسِل بولُ الجاريةِ، وقد علِمنا أنَّ الصبَّ قد يُسمَّى نَضْحًا، كان الفرقُ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ الرَّضِيعين ما بينَ الصبِّ والعَرْكِ تعبُّدًا، وكان وجهًا حَسَنًا، وهو أولى ما قِيل به في هذا البابِ، على ما رُوي عن أمِّ سلمةَ، وباللّه التوفيق. وقد كان الحَسنُ البَصْريُّ، لصحَّة هذا الحديثِ عندَه - وهو روايتَه (٢) - يعتمدُ عليه ويفتي به. روى حُميدٌ الطويلُ، عن الحَسن، أنَّه قال في بول الصَّبية: يُغسَلُ غسلًا، وبولُ الصَّبي يُتبَعُ بالماء (٣)، وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب، واللّهُ الموفِّقُ للصَّواب.

стр. 3380

حديثٌ حاديَ عشَرَ لابن شِهاب، عن عُبيدِ الله مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعود، أنَّ رجلًا من الأنصارِ جاء إلى رسولِ الله ﷺ بجاريَةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمِنةً، فإن كُنْتَ تَراها مُؤْمنةً أعتَقْتُها، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "أَتَشْهَدِين أنْ لا إلهَ إلَّا الله؟ "، قالت: نعم، قال: "فتَشْهَدِين أنَّ محمدًا رسولُ الله؟ "، قالت: نعم، قال: "أتُوقِنِينَ (٢) بالبَعْثِ بعدَ الموت؟ "، قالت: نعم، قال رسولُ الله ﷺ : "أعْتِقْهَا" (٣). هكذا روَى يحيى (٤) هذا الحديثَ، فجَوَّد لفظَه. ورواه ابنُ بُكيْرٍ وابنُ القاسم (٥) بإسنادهِ مثلَه، إلَّا أنَّهما لَمْ يَذْكُرا: فإن كُنْتَ تَراها مؤمنةً. قالا: يا رسولَ الله، عليَّ رقبةُ مؤمنةُ، أفأُعْتِقُ هذه؟ ورواه القَعْنَبيُّ (٦) بإسنادِه مثلَه، وحذَف منه: إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً. وقال: إنَّ رجلًا من الأنصارِ إلى رسولَ الله ﷺ بجاريةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، أأعْتِقُها؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ : "أتشْهَدِين؟ ". وذكر الحديثَ. وفائدةُ الحديثِ قولُه: إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً. ولم يذكُرْه القَعْنَبيُّ.

стр. 3381

ورَواه ابنُ وَهْبٍ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ ومالكِ بنِ أَنَسٍ، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، أنَّ رجلًا من الأنصارِ أتَى إلى رسولِ الله ﷺ بجاريَةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، أفأُعْتِقُ هذه؟ وساق الحديثَ إلى آخِرِه مثلَ روايَة ابنِ القاسِم وابنِ بُكَيْرٍ سواءً، لَمْ يقلْ: فإنْ كنتَ تَراها مُؤْمِنةً أعْتَقتُها (١). ولم يختَلِفْ رواةُ "المُوطَّأ" في إرسالِ هذا الحديث، ورَواه الحُسَيْنُ (٢) بنُ الوليد، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ بلفظِ حديثِ "الموطأ" سواءً. وجعَلَه مُتَّصِلًا عن أبي هريرةَ مُسندًا (٣). ورَواه الحُسَينُ هذا أيضًا، عن المسعوديِّ (٤)، عن عونِ بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. إلَّا أنَّه زاد في حديث المسعوديِّ: فقال رسولُ الله ﷺ : "أعْتِقْهَا، فإنَّها مؤمنةٌ" (٥)، وليس في "الموطأ": "فإنَّها مؤمنةٌ".

стр. 3382

وهذا الحديثُ وإن كان ظاهِرُه الانقِطاعَ في روايةِ مالكٍ، فإنَّه محمُولٌ على الاتِّصالِ؛ للقاء عُبيْدِ الله جماعَةً من الصحابَةِ (١). وقد رَواه معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن رجلٍ من الأنصارِ، أنَّه جاء بأمَةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، فإن كُنْتَ تَرى هذه مؤمنةً أعْتَقْتُها (٢). وساقَ الحديثَ بمثلِ روايَةِ يَحيى إلى آخرِها، وروايَةُ معمَرٍ ظاهِرُها الاتِّصالُ. ورَوى هذا الحديثَ عن عُبيدِ الله: عَوْنُ بنُ عبدِ الله أخُوه، فجَعَله عن أبي هريرةَ، وخالَفَ في لفظِه وفي مَعْناه. حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال (٣): حَدَّثَنَا عاصمُ بنُ عليٍّ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أبي (٤) العوَّام،

стр. 3383

قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالا (١): أخبرنا المسعوديُّ، عن عونِ بنِ عبدِ الله، عن عبُيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عتبةَ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ بجاريَةٍ أعْجَميَّةٍ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، أفأُعْتِقُ هذه؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ : "أين اللهُ؟ "، فأشارَتْ إلى السَّماء، فقال لها: "فمَن أنا؟ "، فأشارَت إليه وإلى السَّماء، أي: أنت رسولُ الله، قال: "أعْتِقْها، فإنَّها مؤمنةٌ". وهذا المعنى رَواه مالكٌ (٢)، عن هلالِ بنِ أسامةَ، وسيأتي القولُ فيه في بابِ هِلالٍ (٣) إن شاء الله. وفي حديثِ مالكٍ هذا من الفقهِ: أنَّ من شرطِ الشهادةِ التي بها يُخرَجُ من الكفرِ إلى الإيمانِ، مع الإقرارِ بأنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله، الإقرارَ بالبعثِ بعدَ الموتِ، وقد أجْمَع المسلمون على أنَّ من أنْكَر البعثَ فلا إيمانَ له ولا شَهادَةَ (٤)، وفي ذلك ما يُغْني ويكْفي، مع ما في القرآنِ من تأكيدِ الإقرارِ بالبعثِ بعدَ الموتِ، فلا وجْهَ للإكثارِ في ذلك. وفيه: أنَّ من جعَلَ على نفسِه رقبةً مؤمنةً نَذَرَ أن يُعْتِقَها، أو وجَبَتْ عليه من كفارَةِ قتل، لَمْ يُجزِئْه غيرُ مؤمنةٍ، وإنَّما قُلْنا: من نذرٍ أو كفارَةِ قتل؛ لأنَّ كفَّارَةَ الظِّهارِ والأيْمانِ قد اختُلِف في ذلك، فقيل: إنَّه يُجزئ فيها غيرُ مؤمنةٍ. وللكلام في ذلك موضعٌ غيرُ هذا. وروَى يزيدُ بنُ هارونَ، عن هشام، عن الحسنِ، قال: كلُّ شيءٍ في كتابِ الله:

стр. 3384

﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فمَن قد صام وصلَّى وعقَل، وإذا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فما شاء (١). وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ من شَهِد أن لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فهو مؤمنٌ إذا كان قلبُه مُصَدِّقًا لما يَنْطِقُ به لسانُه. وفيه: دليلٌ على أنَّ من شَهِد بهذه الشهادةِ، جاز عتقُه عمَّن عليه رقبةٌ مؤمِنةٌ، وإن لَمْ يكنْ صام وصلَّى، وكذلك الطفلُ بينَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْن؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يسألِ الجاريَة عن غيرِ الشهادةِ، كما في الحديث (٢). وقد احتَجَّ بهذا الحديثِ من قال: إنَّ الإيمانَ قولٌ وإقرارٌ دُونَ عَمَل (٣). وظاهِرُه فيه دَليلٌ على ذلك، لكن هاهنا دلائِلُ غيرُ هذا الحديثِ تَدُلُّ على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ، يأتي ذكرُها في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سالم (٤) إن شاء الله. وأمَّا قولُ من قال من أهلِ العلم: إنَّ من كانت عليه رقبةٌ مؤمنةٌ من كفارَةِ قتلٍ أو غيرِ ذلك، فإنَّه لا يُجزِئ فيه إلَّا من صامَ وصَلَّى وعقَل الإيمانَ. فمَحْمَلُ ذلك عندَ أهلِ العلم مُدافَعَةُ جَوازِ عتقِ الطفلِ في كفارَةِ القتل (٥). وممن رُوي عنه أنَّه لا يُجزئ في كفارةِ القتلِ إلَّا من صام وصلَّى وعَقَل الإيمانَ، وأنَّه لا يُجزئ الطفلُ وإن كان أبوَاه مؤمِنَين: ابنُ عباسٍ (٦)، والشعبيُّ (٧)،

стр. 3385

والحسنُ (١)، والنَّخعيُّ (٢)، وقتادة (٣). ورُوي عن عطاءٍ قال: كلُّ رقبةٍ وُلِدَت في الإسلام فهي تُجزئ (٤). وهو قولُ الزهريِّ فيمَن أحَدُ أبوَيْهِ مسلمٌ. قال الأوزاعيُّ: سألتُ الزهريَّ: أيجزئُ عتقُ الصَّبيِّ المرضَع في كفارةِ الدم؟ قال: نعم؛ لأنَّه وُلِد على الفِطْرَةِ (٥). وهو قولُ الأوزاعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كان أحَدُ أبوَيْهِ مؤمنًا، جاز عِتْقُه في كفارَةِ القتل (٦). وهو قولُ الشافعيِّ (٧)، إلَّا أنَّ الشافعيَّ يَسْتَحِبُّ ألا يُعتِقَ إلَّا من يتكلَّمُ بالإيمانِ. واخْتَلَف قولُ مالِكٍ وأصحابِه على هذين القولَيْن (٨)، إلَّا أنَّ مالِكًا يُراعى إسْلامَ الأبِ، ولا يَلْتَفِتُ إلى الأُمِّ. وأمَّا الصبيُّ من السَّبْي، فسنذْكُرُ حُكْمَه في الصلاةِ عليه إذا مات، في بابِ أبي الزِّنَادِ (٩) إن شاء الله. وقال سفيانُ الثوريُّ فيما روى عنه الأشْجَعيُّ، قال: لا يُجزئ في كفارةِ القتلِ الصبيُّ، ولا يُجزئ إلَّا رقبةٌ مسلمةٌ؛ من صام وصلَّى.

стр. 3386

قال أبو عُمر (١): وأجمَع علماءُ المسلمين أنَّ من وُلد بينَ أبوَيْنِ مُسْلِمَيْن وإن لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الاخْتيارِ والتَّمْييزِ، فحُكْمُه حُكْمُ الإيمانِ في الموارَثَةِ والصلاةِ عليه إن مات، وما يَجِبُ له وعليه في الجناياتِ والمناكَحاتِ (٢). حدَّثني خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ وعُمرُ بنُ محمدِ بنِ القاسِم، قالا: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ سَهْلٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ صالح، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال: من قد عَقَل الإيمانَ وصامَ وصلَّى (٣). حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سليمانَ وموسى بنُ معاويةَ، قالا: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان في القرآنِ من رقبةٍ مؤمنةٍ، فلا يُجزئ إلَّا من صام وصلَّى، وما كان في القرآنِ رقبةً ليست بمُؤمِنةٍ، فالصبيُّ يُجزئ (٤). وعبد الرَّزاق (٥) عن الثَّوري، عن الأعمش، عن إبراهيم مثلَه، إلَّا أنه قال: قد صلّى، وما لَمْ تكن مؤمنةً فيُجزئُ من لَمْ يُصلِّ، لَمْ يذكر الصِّيام. والذي عليه الفقهاء: أنَّ عِتقَ الصَّبيِّ الذي أبواه مؤمنانِ يُجزئُ وإنِ استَحَبُّوا البالغَ.

стр. 3387

ابنُ شِهاب، عن سُليمان بن يَسار حديثان، أحدُهما مرسَلٌ وسليمانُ بن يَسار (١) يُكنَى أبا عبد الرَّحمن، مَوْلى مَيْمونةَ الهِلاليّة زَوْج النبيِّ ﷺ أعتقَتْه، وأعتقَت إخوتَه: عطاءً، وعبدَ الملك، وعبدَ الله، بني يَسارٍ مَواليَها، فولاؤهم لها. وكان سُليمانُ أحدَ الفقهاءِ الذين عليهم مدارُ الفتوى بالمدينة (٢)، وقد قيل: إنه يُكنَى أبا أيّوب، والأكثرُ على أنَّ كُنيتَه أبو عبدِ الرَّحمن. وقال مُصعَبُ بن عبد الله الزُّبَيري (٣): كان سُليمانُ بن يَسار مُقدَّمًا في الفقه والعلم، فكان نظيرًا لسعيد بن المسيِّب، وكان مُكاتَبًا لميمونةَ بنت الحارث بن حَزْن زَوْج النبيِّ ﷺ ، فأدَّى فعَتَق، ووَهَبت مَيْمونةُ ولاءه لعبد الله بن عبّاس، وكانت خالتَه. قال أبو عُمر: قد ذَكَر ابنُ عُيَينة أيضًا عن عَمْرو بن دينار، أنَّ مَيْمونةَ وَهَبت ولاءَ سليمانَ بن يَسار لابن عبّاس، وهذا مشهورٌ عندَ العلماء مِن فعلِها، لكنه مردودٌ عندَهم بنَهْي رسول الله ﷺ عن بَيعْ الولاءِ وعن هبتِه (٤)، وبقولِه عليه

стр. 3388

السلام: "الولاءُ كالنَّسَب؛ لا يُباعُ، ولا يوهَب" (١). قال مُصعَبٌ الزُّبَيْريّ: ووَلِيَ سليمانُ بن يَسار سُوقَ المدينة لعُمرَ بن عبد العزيز سنةً واحدة (٢)، في زمان الوليد بن عبد الملك. ورُوي عن الحَسن بن محمد بن عليِّ بن أبي طالب، أنه قال (٣): سُليمانُ بن يَسار أفهَمُ عندَنا من سعيد بن المسيِّب. قال أبو عُمر: هذا إسرافٌ وإفراطٌ، وليس سُليمانُ كسعيد بن المسيِّب في الفقه (٤) عندَ أهل العلم بالفقه والسِّيَر، ولم يقُلْ هذا القولَ غيرُ الحَسن بن محمد، وأصحُّ مِن هذا قولُ مَيْمون بن مِهْران (٥): قدِمتُ المدينةَ، فسألتُ عن أفقه أهلِها،

стр. 3389

فقيل: سعيدُ بن المسيِّب. وقيل للزُّهْريِّ ومكحُول (١): مَن أفقهُ من أدركتُما؟ فقالا: سعيدُ بن المسيِّب. وقد كان سُليمانُ بن يَسار يسألُ سعيدَ بن المسيِّب. ورَوى الحارثُ بن مِسكين، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، أنَّه سمِعَه يقول: كان سُليمانُ بن يَسار من أعلم الناس عندَنا بعد سعيد بن المسيِّب. ورَوى أشهبُ، عن مالك، قال: كان سُليمانُ بن يَسار أفقهَ رجُل، كان مُلزمًا بعدَ سعيد بن المسيِّب، وكثيرًا ما كان يتّفقانِ في القول، وكان إذا ارتفعَ الصوتُ في مجلسِه، أو سَمِعَ فيه سُوءًا قامَ عنه. ذَكَر الحُلْوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عارِمٌ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيد، عن يزيدَ بن حازم، قال: اختَلف سُليمانُ بن يَسار وعليُّ بن حُسين في بيع الثمرة (٢)، فقال لي: قُمْ فسَلْ سعيدَ بن المسيِّب عنها، فأتيتُه، فقلت: يا أبا محمد، أرسَلَني إليك سُليمانُ بن يَسار يسألُك: متى تُباعُ الثمرةُ؟ قال: إذا تَبَيَّن صَلاحُها، فأتيتُ سليمان، فأخبرتُه، فقال: ائْتِهِ فاسألْه: متى يتبيّنُ صلاحُها؟ فأتيتُه، فقلت: قال سُليمانُ: متى يتبيَّنُ صلاحُها؟ قال: إذا سَنْبلَ الزَّرع، واحمَرَّ الزهر. قال أبو عُمر: وسُليمانُ فقيهٌ عالمٌ وَرعٌ نبيلٌ، كانت له جلالةٌ وقدْرٌ بالمدينة. ذَكَر ابنُ أبي خَيْثمة (٣)، عن ابن الأصبهاني، عن ابن عُيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سُليمانَ بن يَسار، قال: أدركتُ بضعةَ عشَرَ من أصحاب النبيِّ ﷺ يقولون: إنه لَمْ يروِه عن يحيى بن سعيد غيرُ ابنِ عُيينة.

стр. 3390

قال ابنُ أبي خيثمة (١): وسمعتُ يحيى بنَ مَعِين يقول: مات سُليمان بن يَسار سنةَ سبع ومئةٍ، وقال غيرُه: سنةَ أربع وتسعين. قال: وأخبر في مصعبٌ الزُّبيريّ (٢)، قال: مات سليمانُ بنُ يَسار سنةَ سبع ومئة وهُو ابنُ ثلاث وسبعين سنة. وسُئل يحيى بنُ مَعين، عن حديث الزُّهري، عن أبي عبد الرَّحمن، عن زَيْد بن ثابت، في الذي يطلِّقُ امرأتَه ثلاثًا، ثم يشتريها. قال: لا تحِلُّ له حتى تَنكِحَ زوجًا غيرَه، فقال: يقال: أبو عبد الرَّحمن هذا سُليمانُ بن يسار (٣). قال أبو عُمر: قد قال غيرُه: إنه طاوسٌ، والأوّلُ أصحّ.

стр. 3391

حديثٌ أوّلُ لابن شِهاب، عن سُليمانَ بن يَسار مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن سُليمانَ بن يسارٍ، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان الفضلُ رَدِيفَ رسولِ الله ﷺ ، فجاءتْه امرَأةٌ من خَثْعَمَ تَسْتَفْتيه، فجعَلَ الفضلُ يَنْظُر إليها، وتَنْظُر إليه، فجعَلَ رسولُ الله ﷺ يصرِفُ وجْهَ الفضلِ إلى الشِّقِّ الآخَرَ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فَريضَةَ الله على عِبَادِه في الحجِّ أدْرَكَتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يستَطيعُ أن يَثْبُتَ على الراحلةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حَجَّةِ الودَاع (٢). هذا حديثٌ صحيحٌ ثابِتٌ، لَمْ يُختَلَف في إسْنادِه، وقد سَمِعَه سُليمانُ بن يسَارٍ من ابنِ عباسٍ، كذلك قال الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن سليمانَ بنِ يسَارٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ عباسٍ، أخبرَه أنَّ امرأةً من خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رسولَ الله ﷺ في حَجَّةِ الودَاع، والفضلُ بنُ عبّاسٍ رَديفُ رسولِ الله ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فريضَةَ الله. فذكَرَ الحديثَ (٣). وكذلك رواه ابنُ عُيَينةَ، عن الزُّهريِّ. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا الحميدي (٤). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 3392

قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (١)، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حَدَّثَنَا الزُّهْريُّ، قال: سمِعتُ سليمانَ بنَ يسَارٍ يقولُ: سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: إنَّ امرأةً من خَثْعَمَ سألتْ رسولَ الله ﷺ غَدَاةَ النَّحْرِ والفضلُ ردْفُه، فقالت: إنَّ فَريضةَ الله في الحجِّ على عبادِه أدْرَكَتْ أبي وهو شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ أن يَستمسِكَ على الراحلةِ، فهل ترَى أن أحُجَّ عنه؟ قال: "نعم" (٢). قال الحميديُّ: وحَدَّثَنَا سفيانُ، قال: كان عمرُو بنُ دينَارٍ حَدَّثَنَاه أوَّلًا عن الزُّهْريِّ، عن سليمانَ بنِ يسَارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وزادَ فيه: فقالت: يا رسولَ الله، أو ينفَعُه ذلك؟ قال: "نَعَمْ، كما لو كان على أحَدِكم دَيْنٌ فقَضَاه". فلما جاءنَا الزهريُّ، تفقَّدْتُ هذا، فلم يَقُلْه (٣). واختَلَفَ العلماءُ في تأويلِ هذا الحديثِ ومعنَاه، ونحنُ نذكُرُ ذلك إنْ شاء اللهُ ونُبيِّنُه، ولا قُوَّةَ إلَّا باللّه.

стр. 3393

وفيه من الفِقْهِ: إباحَةُ ركوبِ نَفْسَيْن على دابّةٍ، وهذا ما لا خلافَ في جَوازِه، إذا أطاقَت الدّابّةُ ذلك (١). وفيه: إباحَةُ الارْتِدَافِ، وذلك من التواضُع، والجليلُ من الرِّجَال جمِيلٌ به الارتدَافُ، والأنَفَةُ منه تجبرٌ وتكبرٌ، حَبَّبَ اللهُ إلينا الطَّاعَةَ برحمَتِه. وفيه: بيانُ ما رُكِّبَ في الآدَمِيِّين من شَهَواتِ النِّساء، وما يُخافُ من النَّظَرِ إليهنَّ (٢)، وكان الفضلُ بنُ عبَّاسٍ من شُبَّانِ بني هاشم، بل كان أجمَلَ أهْلِ (٣) زمَانِه فيما ذكروا (٤). وفيه: دليلٌ على أنَّ الإمَامَ يجبُ عليه أن يَحُولَ بينَ الرِّجال والنِّساء في التأمُّلِ والنَّظَرِ (٥)، وفي معنى هذا مَنع النِّساء اللَّواتي لا يُؤمَنُ عليهنَّ ومنهنَّ الفِتْنةُ من الخُروج والمشي في الحواضِر والأسْوَاقِ، وحيثُ ينظُرْنَ إلى الرِّجال، قال ﷺ : "ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجالِ من النِّساء" (٦). وفي قولِ الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ الآيةَ [النور: ٣٠]، ما يكفي لمن تَدَبَّر كتابَ الله ووفِّقَ للعَمَلِ به. حَدَّثَنَا أحمدُ، قال: حَدَّثَنَا مَسْلمَةُ، قال: حَدَّثَنَا جعفرٌ، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ

стр. 3394

حبيبٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال (١): حَدَّثَنَا سُكيْنُ بنُ عبدِ العزيز (٢)، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ الفضلَ كان رديفَ النبيِّ ﷺ يومَ عَرَفَةَ، فجعَلَ يلحظُ إلى امرأةٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "مَهْ يا غُلامُ، فإنَّ هذا يوْمٌ من حَفِظَ فيه بصَرَه غُفِرَ له" (٣). وفيه: دليلٌ على أنَّ إحرامَ المرأةِ في وجْهِها، وهذا ما لَمْ يختَلِفْ فيه الفقهاءُ (٤). وفيه: دليلٌ على أنَّ المرأةَ تحُجُّ وإنْ لَمْ يكن معها ذُو محرم؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ قال للخَثْعَمِيَّة: "حُجِّي عن أبِيكِ"، ولم يَقُلْ: إن كان معكِ ذُو محرَم. وفي ذلك: دليلٌ على أنَّ المحرَمَ ليس من السَّبِيل، واللّهُ أعلمُ، وستأتي هذه المسألةُ واختلافُ العُلماء فيها في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ (٥) إن شاء الله. وأمَّا اختلافُ أهلِ العِلْم في معنَى هذا الحديثِ، فإنَّ جماعةً منهم ذهبُوا إلى أنَّ هذا الحديثَ مخصوصٌ به أبو الخثْعَمِيَّة، لا يجوزُ أنْ يُتَعَدَّى به إلى غيرِه،

стр. 3395

بدليلِ قولِ الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وكان أبو الخثْعَمِيَّة ممن لا يستَطيعُ، فلم يكن عليه الحجُّ، فلما لَمْ يكُنْ ذلك عليه لعَدَم استطاعتِه، كانت ابنتُه مخصوصةً بذلك الجوابِ. وممن قال ذلك: مالِكُ بنُ أَنَسٍ وأصحابُه، وجعلوا أبا الخثْعَمِيَّة مخصوصًا بالحجِّ عنه، كما كان سالمٌ مولى أبي حُذيفةَ عندَهم وعندَ من خالفَهم في هذه المسألةِ مخصوصًا برضَاعِه في حالِ الكبرِ، مع اشتراطِ الله تمامَ الرَّضاعةِ في الحولين، فكذلك أبو الخثْعَميَّة مع شَرْطِ الله في وجُوبِ الحجِّ الاستِطاعَةَ؛ وهي القُدْرَةُ (١). وذهبَ آخرون إلى أنّ الاستطاعةَ تكونُ بالبَدَنِ والقُدْرَة، وتكونُ أيضًا في المالِ لمن لَمْ يستَطِعْ ببدَنِه، واستَدَلُّوا بهذا الحديثِ ومثْلِه، وممن قال ذلك الشافعيُّ (٢). واختلَفَ العلماءُ في الاستطاعةِ التي عنَى اللهُ بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فرُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "السَّبِيلُ: الزَّادُ والرَّاحِلَةُ". وهذا الحديثُ لو صحَّ لكان فَرْضُ الحجِّ في المالِ والبَدَنِ نصًّا، كما قال الشافعيُّ ومن تابَعَه، ولكنَّه حديثٌ انْفَرَدَ به إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخُوزيُّ، وهو ضعيف.

стр. 3396

روى عبدُ الرَّزّاقِ (١) وغيرُه، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ يزيدَ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عبّادِ بنِ جعْفَرٍ يُحدِّثُ عن ابنِ عُمَرَ، قال: قامَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: من الحاجُّ يا رسولَ الله؟ قال: "الشَّعِثُ التَّفِلُ" (٢)، فقامَ رجلٌ آخَرُ، فقال: أيُّ الحجِّ أفضَلُ يا رسولَ الله؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ" (٣)، فقام رجلٌ آخَرُ، فقال: ما السَّبِيلُ يا رسولَ الله؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ" (٤).

стр. 3397

ورُويَ عن عمرَ بنِ الخطّابِ (١) وعبدِ الله بنِ عبّاسٍ (٢)، أنَّهما قالا: السَّبِيلُ: الزّادُ والراحلةُ. وروى معاويةُ بنُ صالح، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: السَّبِيلُ: أن يَصِحَّ بَدَنُ العَبْدِ، ويكونَ له ثَمَنُ زادٍ وراحِلَة من غيرِ أنْ يُجحِفَ به (٣). وبه قال الحَسَن البَصْريُّ (٤)، وسعيدُ بنُ جُبَير (٥)، ومُجاهِدٌ (٦). وإليه ذهَب الشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما، وأحمدُ بنُ حَنْبَل، وإسحاقُ بنُ راهُويَة. وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: لا يجبُ الحجُّ إلَّا على من مَلَكَ زادًا وراحلةً من الأحْرارِ البالِغين. وعندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه، وأحمدَ، وطائفةٍ: ذُو المحرَم في المرأةِ من السَّبِيل. وسَنُبيِّنُ هذا في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ إن شاءَ اللهُ.

стр. 3398

والذي عوَّلَ عليه الشافعيُّ وأصحابُه في هذا البابِ، حديثُ ابنِ عبّاسٍ في قصَّةِ الخَثْعَميَّة، وبه استدَلوا على أنَّ الحجَّ فَرْضٌ واجِبٌ في المالِ، قالوا: وأمَّا البَدَنُ فمُجْتَمَع عليه. والنكتَةُ التي بها استَدَلوا، وعليها عوَّلُوا، قولُ المرأةِ في هذا الحديثِ: إنَّ فَرِيضَةَ الله في الحجِّ على عِبَادِه أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا لا يستَطِيعُ أن يَثْبُتَ على الراحلةِ. فأخبرَتْه أنَّ الحجَّ إذا (١) فُرِضَ على المسلمين، كان أبوها في حالٍ لا يَسْتَطيعُه ببَدَنِه، فأخبرَها رسولُ الله ﷺ أنَّه يُجزئُه أن تحُجَّ عنه، وأعْلَمَها أنَّ ذلك كالدَّيْنِ تَقْضِيه عنه، فكان في هذا الكلام مَعَانٍ؛ منها: أنَّ الحجَّ وجَبَ عليه كوُجُوبِ الدَّيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الدَّيْنَ واجبٌ في المالِ لا في البَدَنِ، ومنها: أنَّ عَمَلَها في ذلك يُجزِئ عنه، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليس كالصلاةِ التي لا يعْمَلُها أحَدٌ عن أحَدٍ. ومنها: أنَّ الاستطاعَةَ تكونُ بالمالِ، كما تكونُ بالبَدَنِ. واحتَجُّوا مِن الآثارِ بكُلِّ ما ذُكِرَ فيه تَشْبِيهُ الحجِّ بالدَّيْنِ، وسنَذْكُرُها في هذا البابِ إن شاء الله. وأجمَعَ علماءُ المسلمين أنَّ الحجَّ غيرُ واجِبٍ على من لَمْ يَبْلُغ مِنَ الرجالِ والنساء (٢). وقال داودُ: الحجُّ واجِبٌ على العَبْدِ. وقال سائِرُ الفقهاء: لا حَجَّ عليه (٣). وقال الشافعيُّ (٤): "الاسْتِطاعَةُ على وجهين، أحدُهما: أن يكونَ مُستَطيعًا ببَدَنِه، واجِدًا من مَالِه ما يُبَلِّغُه الحجَّ بزادٍ وراحِلَةٍ. واحتَجَّ بحديثِ النبيِّ ﷺ المذكُور. قال: والوجْهُ الآخَرُ، أن يكونَ مَعْضُوبًا ببَدَنِه لا يَقْدِرُ أن يَثْبُتَ على

стр. 3399

مَرْكَبٍ (١) بحالٍ، وهو قادرٌ على من يُطِيعُه إذا أمَرَه أن يحُجَّ عنه بطاعَتِه له، أو مَن يَسْتَأجِرُه، فيكونُ هذا ممن لزِمَه فَرْضُ الحجِّ؛ لأنَّه قادِرٌ بهذا الوجْهِ. قال: ومعرُوفٌ مِن لسانِ العربِ أن يقُولَ الرجلُ: أنا مُستَطِيعٌ أنْ أبْنيَ دارًا، أو أخيطَ ثَوْبًا، يعني: بالإجارَةِ، أو بِمَنْ أطاعه". واحتَجَّ بحديثِ الخثْعَمِيَّة؛ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ هذا المذكُورِ في هذا البابِ. وقال مالكٌ (٢): كلُّ من قَدَرَ على التَّوَصُّلِ إلى البَيْتِ، وإقامَةِ المناسِكِ بأيِّ وجْهٍ قَدَرَ، بزادٍ وراحِلَةٍ، أو ماشِيًا على رجْلَيْه، فقد لزمَه فَرْضُ الحجِّ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بمَرَضٍ أو زَمَانَة، فليس بمُخَاطَبٍ في الحجِّ. هذا مَذْهَبُ مالكٍ وأصْحابِه. واتَّفَقَ مالكٌ (٣) وأبو حنيفةَ (٤) أن المعضُوبَ الذي لا يَسْتَمْسِكُ على الراحلةِ ليس عليه الحجُّ. وممن رُويَ عنه مثلُ قولِ مالكٍ: عكرمةُ، والضَّحّاكُ بنُ مُزاحِم. والمعضُوبُ: الضَّعِيفُ الهَرِمُ، الذي لا يَقْدِرُ على النُّهُوضِ (٥)، وقال الخليلُ (٦): رجُلٌ مَعْصُوبٌ (٧) كأنما لويَ ليًّا، والمعْصُوبُ الذي كادَتْ أمعاؤه (٨) تنتشرُ (٩) جوعًا.

стр. 3400

أخبرني أبو عبدِ الله محمدُ بنُ خَليفَة، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن محمدُ بنُ نافِع المكيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزاعِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المُقريّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا حيوةُ وابنُ لهيعَةَ، قالا: حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بنُ شَريكٍ، قال: سَمِعْتُ عكرمةَ مَوْلى ابنِ عباسٍ يقولُ في قولِ الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: السَّبِيلُ: الصِّحَّةُ (١). وقال الضَّحّاكُ: إذا كان شابًّا فليُؤاجِرْ نَفْسَه بأكْلِه وعَقبِه حتى يَقْضيَ نُسُكَه (٢). ومن حُجَّةِ مالكٍ أيضًا ومَنْ ذهَبَ مَذْهَبَه: عُمومُ قولِ الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فبأيِّ وجْهٍ استطَاعَ ذلك بنَفْسِه وقَدَرَ، فقد لزِمَه الحجُّ، وليس استطاعةُ غيرِه استطاعةً له، والحجُّ عندَه وعندَ أصْحابِه من عَمَلِ الأبْدَانِ، فلا ينُوبُ فيه أحَدٌ عن أحَدٍ، قيَاسًا على الصَّلاةِ، وحَمَلَ بعضهم حديثَ الخثْعَميَّة على أنَّ ذلك على الاستحبَابِ لمن شاء، لا على أداء واجِبٍ (٣). واحتَجُّوا بحديثِ عبدِ الرَّزَّاقِ (٤)، عن الثوريِّ، عن سليمانَ الشيبانيِّ (٥)، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رجلًا سألَ النبيَّ ﷺ ، فقال: أحُجُّ عن أبي؟ قال: "نَعَمْ، إن لَمْ تَزدْه خيرًا، لَمْ تزدْه شرًّا" (٦).

стр. 3401

قال أبو عُمر: أمَّا هذا الحديثُ، فقد حملُوا فيه على عبدِ الرَّزَّاقِ لانفِرَادِه به عن الثَّورِيِّ من بينِ سائرِ أصْحابِه، وقالوا: هذا حديثٌ لا يوجدُ في الدُّنْيا عندَ أحدٍ بهذا الإسنادِ، إلَّا في كتابِ عبدِ الرَّزاقِ (١)، أو في كتابِ مَن أخرَجَه من كتابِ عبدِ الرَّزاقِ، ولم يَرْوِه أحَدٌ عن الثَّوْريِّ غيرُه (٢)، وقد خطَّئُوه فيه، وهو عندَهم خطأٌ (٣). وقالوا: هذا لفْظٌ مُنكَرٌ لا يُشْبِهُ ألفَاظَ النبيِّ ﷺ ؛ أن يأمُرَه بما لا يَدْري هل يَنْفَعُ أو لا يَنْفَعُ. حدَّثني خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤)، قال: حَدَّثَنَا

стр. 3402

أحمدُ بنُ خالدٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا عُبيْدُ بنُ محمدٍ الكشْوَرِيُّ، قال: لَمْ يَرْو حديثَ الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أحدٌ غيرُ عبدِ الرَّزاق، عن الثَّوْريِّ، ولم يَرْوه عن الثَّوْريِّ لا كُوفي ولا بَصْريٌّ ولا أحَدٌ. قال أبو عُمر: أمَّا ظاهِرُ إسْنادِ هذا الحديثِ فظاهِرٌ جميلٌ، لأنَّ الشيبانيَّ ثقةٌ، وهو سليمانُ بنُ أبي سليمانَ، ورَوى عنه شُعْبة، والثَّوريُّ، وهُشَيْم. وكذلك يَزيدُ بنُ الأصَمِّ ثِقَةٌ، ولكنَّه حديثٌ لا يُوجَدُ عندَ أصحابِ الثَّوْريِّ الذين هم أعْلَمُ بالثَّوْريِّ من عبدِ الرَّزّاق، مثلَ: القطّانِ، وابنِ مَهديٍّ، وابنِ المُبارَكِ، ووكيع، وأبي نُعَيْم، وهؤلاء جِلَّةُ أصحابِ الثَّوْريِّ في الحديثِ، وعبدُ الرَّزَّاقِ ثقةٌ، فإنْ صَحَّ هذا الخبَرُ، ففيه حُجَّةٌ لمالكٍ وأصحابِه فيما تأوَّلُوه في حديثِ الخثْعَمِيَّة (٢)، وَيُدخَلُ عليهم منه، لأنَّهم لَمْ يجعَلُوه أصلًا يَقِيسُون (٣) عليه، ولا يُجيزُون صَلاةَ أحَدٍ عن (٤) أحَدٍ، ولا يقُولون فيها: إنَّها إنْ لَمْ تَزِد المُصَلَّى عنه خيرًا، لَمْ تَزِدْه شرًّا. كما في هذا الخبَرِ في الحجِّ. ومن حُجَّةِ مالِكٍ وأصْحابِه أيضًا: الإجماعُ على أنَّ الفقيرَ إذا وصَلَ إلى البَيْتِ بخِدْمَةِ الناسِ، أو بالسُّؤالِ، أو بأيِّ وجْهٍ وصَلَ إليه، فقد تعيَّنَ عليه الفَرْضُ، ووجَبَ عليه الحجُّ، وأنَّه إذا أيْسَرَ، فلا قَضَاء عليه. ومِن قولِ مالكٍ وأصْحابِه أيضًا: أنَّ الذي لا زادَ له ليس عليه الحجُّ،

стр. 3403

وإن كان قادرًا على المشي (١)، إذا لَمْ يكُنْ مِن عَادَتِه السُّؤالُ والتَّبذُّلُ، فإن حَجَّ أجْزَأه. فإن قيل: إنَّ الفَقِيرَ إذا وصَلَ إلى البَيْتِ فقد تعيَّنَ عليهِ الفَرْضُ ولزِمَه؛ لأنَّه مُسْتَطيعٌ حينَئذٍ. قيل له: لو كان الحجُّ لا يَجبُ فَرْضًا إلَّا على مَنْ مَلَكَ زادًا وراحلةً لما تَعيَّن فَرْضُه على الفقيرِ بدُخُولِه مكَّةَ، كما لا يتعيَّنُ فَرْضُه على العَبْدِ بدُخُولِه مكَّةَ، ولو كان الزَّادُ والراحلةُ مِنْ شَرائِطِ الوجُوبِ لاسْتَوى فيه حَاضِرُو المسجدِ الحرام وغيرُهم، كما استَوَوا في الحريةِ والبُلُوغ الذي لا يجُوزُ الحجُّ إلَّا بهما. ويُدْخَلُ على قائلي هذا القولِ أنَّ العِلَّةَ في العبيدِ باقيةٌ لَمْ تَزُلْ؛ وهي الرِّقُ، وعِلَّةُ الذي لَمْ يَسْتَطِعْ ثم اسْتَطاعَ قد زالَتْ. ومِن حُجَّةِ الشافعيِّ ومَنْ قال بقولِه: حديثُ شُعْبَة، عن النُّعمانِ بنِ سالم، عن عَمْرِو بنِ أوسٍ، عن أبي رَزِينٍ العامِريِّ، أنَّه قال: يا رسولَ الله، إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستَطِيعُ الحجَّ والعُمْرَةَ، قال: "احْجُجُ عن أبِيكَ واعْتَمِرْ" (٢). ورَوى مَعْمَرٌ، عن الحكِم بنِ أبان، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رجلٌ: يا نَبِيَّ الله، إنَّ أبي ماتَ ولم يحُجَّ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: "أرأيْتَ لو كان على أبِيكَ دَيْنٌ، أكُنْتَ قاضِيَه؟ "، قال: نعم، قال: "فدَيْنُ الله أحَقُّ" (٣). وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حَدَّثَنَا حمزَةُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 3404

أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (١): أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا جَريرٌ، عن مَنْصور، عن مجاهدٍ، عن يوسُفَ بنِ الزبيرِ، عن عبدِ الله بنِ الزبيرِ، قال: جاء رجلٌ من خَثْعَمَ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: إنَّ أبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الرُّكوبَ، وأدْرَكَتْه فَريضَةُ الله في الحجِّ (٢)، فهل يُجزئُ أن أحُجَّ عنه؟ قال: "أنتَ أكبرُ ولَدِه؟ "، قال: نعم، قال: "أرأيْتَ لو كان عليه دَيْنٌ، أكُنْتَ تَقْضِيه؟ "، قال: نعم، قال: "فحُجَّ عنه" (٣). ورَوى هُشَيْمٌ، عن يحيى بنِ أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَ حديثِ ابنِ الزبيرِ هذا سواءً. ورَوى عبدُ الرَّزاقِ، عن هُشَيْم بنِ بَشِيرٍ، عن جَعْفَرِ بنِ أبي وَحْشِيَّة، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إن أُخْتي

стр. 3405

نَذَرَتْ أنْ تحُجَّ وإنَّها ماتت، قال: "أرأيْتَ لو كان عليها دَيْن، أكُنْتَ قَاضِيَه؟ "، قال: نعم، قال: "فاقْضُوا اللهَ، فهو أحَقُّ بالوفَاء" (١). قالوا: وتَشْبِيهُه ﷺ ذلك بالدَّيْنِ دليلٌ على وجُوب الحجِّ على مَن عجَز (٢) ببَدَنِه عن الاستمساكِ (٣) على الدابّةِ، وكان له مالٌ يَسْتَأْجِرُ به. قالوا: وكذلك هو واجِبٌ على مَنْ ماتَ قبلَ أنْ يُؤَدِّيَهُ إذا اسْتَطاعَ ذلك ببَدَنِه أو بمَالِه. قال أبو عُمر: حُجَّةُ أصْحابِ مالِكٍ في تَشْبِيهِ الحجِّ بالدَّيْنِ أنَّ ذلكَ أيضًا خُصُوصٌ للخَثْعَميَّة، كما خُصَّ أبوها بأنْ يُعْمَل عنه ما لَمْ يجب عليه، وكذلك خُصَّتْ بالعَمَلِ عنه لِتُؤجَرَ ويَلْحَقَه ثوابُ عَمَلِها، بدليلِ القرآنِ في الاستطاعةِ، وبدليلِ الإجمَاع (٤)، أنَّهُ لا يُصَلِّي أحَدٌ عن أحدٍ فرضًا وجَبَ عليه، وقد يعْمَلُ عنه ما لَمْ يَجِبْ عليه، وَيَشْرَكُه في ثَوابِه، هذا مَعْنَى قَوْلهم، وجعَلُوا حَجَّ الخَثْعَميَّة عن أبِيها كالحجِّ بالصِّبيِّ الذي أرِيدَ به التَّبركُ لا الفَرْضُ. وأدخَلَ بعضُ من يَحتَجُّ لمالِكٍ على أصْحابِ الشَّافِعيِّ، أنْ قال: لو ثَبَتَ تَشْبِيهُ الحجِّ بالدَّيْنِ، لكُنْتَ مُخالِفًا له؛ لأنَّكَ زَعَمْتَ أنَّ من حُجَّ عنه، ثم وجَدَ قُوَّةً، أنَّه لا يُجزِئُه، وليس الدَّيْنُ كذلك؛ لأنَّه إذا أُدِّيَ لَمْ يُحتَجْ أنْ يُؤدَّى ثانِيةً.

стр. 3406

وانْفَصَلَ مِن ذلك أصحابُ الشَّافِعيِّ بأنَّه إنَّما أمَرَ بالحجِّ عنه لعَدَمِه الاسْتِطاعَةَ ببَدَنِه، فلما صَحَّ كان حينئذٍ قد تَوَجَّهَ إليه فَرْضُ الحجِّ، ولَزِمَه قَضاؤُه عن نَفْسِه لقُدْرَته على ذلك ببَدَنِه، قياسًا (١) على المُعْتَدَّةِ بالشُّهُورِ يَطْرأُ عليها الحَيْضُ فتَعُودُ إليه. وأدْخَلَ بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ أنَّ مالِكًا يُجِيزُ أنْ يحُجَّ الرجلُ عن الميِّتِ إذا أوصَى بذلك، ولا يُجِيزُ الصلاةَ ولا الصِّيامَ أنْ يَعْمَلَها أحَدٌ عن أحَدٍ غيرِه ميِّتٍ ولا حَيٍّ، وفي ذلك دليل على خِلافِ الحجِّ للصَّلاةِ وأعمَالِ البَدَنِ. ولبَعْضِهم على بعضٍ تَشْغِيبٌ يطُولُ ذكرُه ولا يجمُلُ اجْتِلابُه (٢). وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على جوازِ حَجِّ الرَّجُلِ عن غيرِه، واختَلَفَ الفقهاءُ في ذلك؛ فقال الحسنُ بنُ صالح بنِ حَيٍّ: لا يَحجُّ أحَدٌ عن أحَدٍ، إلَّا عن مَيِّتٍ لَمْ يَحجَّ حَجَّةَ الإسلام. وهو قولُ مالكٍ واللَّيْثِ (٣). وقال أبو حنيفةَ (٤): للصَّحِيح أنْ يَأمُرَ مَنْ يحُجُّ عنه، ويكونُ ذلك تطَوُّعًا. وقال: وللمريضِ أن يَأمُرَ مَنْ يحُجُّ عنه حَجَّةَ الإسْلام، فإنْ ماتَ كان ذلك مُسْقِطًا لفَرْضِه، وإنْ أوصَى أن يُحجَّ عنه، كان ذلك في ثُلُثِه، وإنْ تطوَّعَ رجلٌ بالحجِّ عنه بعدَ الموتِ أجْزَأه. ولا يجوزُ عندَه أن يُؤاجِرَ أحَدٌ نَفْسَه في الحجِّ. وقال الثوريُّ نحوَ قولِ أبي حنيفة. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكِر، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا طاهِرُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا عبَّادُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ أبي حكيم، قال: سمِعتُ سفيانَ، قال: إذا ماتَ الرجلُ ولم يحُجَّ، فليُوصِ أن يُحجَّ عنه، فإن لَمْ يُوصِ،

стр. 3407

فحَجَّ عنه ولَدُه، فحَسَنٌ؛ إنما هو دَيْنٌ يَقْضِيه. وقد كان يَسْتَحِبُّ لذي القَرَابَةِ أن يَحُجَّ عن قرابَتِه، فإن كان لا قرَابَةَ له، فمَواليه إن كان، فإنَّ ذلك يُسْتَحَبُّ، فإنْ أحَجُّوا عنه رجلًا تطوُّعًا، فلا بأْسَ، قال: وإذا أوْصَى الرجلُ أنْ يُحجَّ عنه، فلْيَحُجَّ عنه مَن قد حَجَّ، ولا ينبغي لرجلٍ أنْ يحُجَّ عن غيرِه إذا لَمْ يحُجَّ (١)، وإنْ لَمْ يجد ما يحُجُّ به. قال: وإذا كان الرجلُ عليه دَيْنٌ، ولم يحُجَّ، فليَبْدَأ بدَيْنِه، فإنْ كان عندَه فضْلٌ يحُجُّ به حَجَّ، وإنْ كان عندَه قَدْرُ ما إنْ حَجَّ به أضَرَّ بعِيَالِه، فليُنْفِقْ على عِيَالِه، ولا بَأْسَ أنْ يحُجَّ الرَّجُلُ بدَيْنٍ إذا كان له عُرُوضٌ إنْ ماتَ تركَ وفَاءً، وإنْ لَمْ يكُنْ للرَّجُلِ شيءٌ ولم يحُجَّ، فلا يُعْجِبُني أنْ يَسْتَقْرِضَ ويَسْألَ الناسَ، فيَحُجَّ به، فإنْ فَعَلَ أو أَجَرَ نَفْسَه، أجزَأه مِن حَجَّةِ الإسلام، قال: وإذا كان عندَه ما يحُجُّ به، ولم يكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الإسلام، فأرَادَ أنْ يتزَوَّجَ، وخشيَ على نَفْسِه، فلا بَأْسَ أنْ يتزَوَّجَ، ويحُجَّ بعدَ أنْ يُوسِرَ. هذا كلُّه قولُ الثَّوْريِّ ﵀. وقال ابنُ القاسم، عن مالِكٍ (٢): ينبغي للأعْزَبِ إذا أفَادَ مالًا أنْ يحُجَّ قبلَ أنْ يَنكِحَ. قال: وحَجُّه أولى مِن قَضائِه دَيْنًا عن أبيهِ. قال: وقال مالك (٣): ولتَخْرُج المرأةُ مع وليِّها، فإنْ أبى ولم يكُنْ لها وليٌّ، ووجَدَتْ مَن يخرُجُ معها من الرِّجالِ أو نساءً مأمُونين، فلتَخْرُج. وهو قولُ الشافعيِّ، وسنذكُرُ ما للعلماء مِن المذاهبِ في المرأةِ التي لا محرَمَ لها يخرُجُ معها عندَ ذِكْرِ حديثِ سعيدٍ المقبُريِّ (٤) إن شاء الله. وقال ابنُ أبي ليلَى (٥)، والأوزاعيُّ (٦)، والشافعيُّ: يُحجُّ عن الميِّتِ، وإنْ لَمْ يُوصِ، ويُجزِئُه. قال الشافعيُّ: ويكونُ ذلك مِن رأسِ المالِ.

стр. 3408

وقال مالكٌ: يجوزُ أنْ يَحجَّ عن الميِّتِ مَن لَمْ يحُجَّ قَطُّ، ولكنَّ الاختيارَ أنْ يحُجَّ عن نَفْسِه أوَّلًا. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعيِّ. وقال الحَسَنُ بنُ صالح: لا يحُجُّ عن الميِّتِ إلَّا مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، ويُكرَهُ أنْ تحُجَّ المرأةُ عن الرجلِ، ولا يُكرَهُ أن يحُجَّ الرجلُ عن المرأةِ؛ لأنَّ المرأةَ تَلْبَسُ، والرجلَ لا يَلْبَسُ (١). وقال الشافعيُّ (٢): لا يحُجُّ عن الميِّتِ إلَّا مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، فإنْ حَجَّ عن الميِّتِ صَرُورَةٌ (٣)، كانت نيَّتُه للنَّفْلِ لغْوًا. وقال الشافعيُّ (٤): جائزٌ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه في الحجِّ، ولستُ أكْرَهُه. وقال مالكٌ (٥): أكْرَهُ أنْ يُؤجرَ نَفْسَه في الحجِّ، فإنْ فَعَلَ جازَ. وهو قولُ الشافعيِّ في روايةٍ، وعندَ أبي حنيفةَ: لا يجُوزُ، ومن حُجَّتِه أنَّ الحجَّ قُرْبَةٌ إلى الله ، فلا يَصِحُّ أنْ يعْمَلَه غيرُ المُتَقَرِّبِ به. قال بعضُ أصحابِه: ألا تَرى أنَّه لا يجوزُ بإجماع أنْ يُسْتَأجَرَ الذِّمِّيُّ أنْ يحُجَّ عن مسلم؛ وذلك لأَنه قربةٌ للمسلم؟ ومن حُجَّةِ مالكٍ والشافعيِّ على جوازِ ذلك: إجماعُهم على كتابِ المُصحَف، وبِناء المَسْجد، وحَفْرِ القُبورِ، وصِحَّةِ الاستئجارِ في ذلك، وهو قُرْبَةٌ إلى الله ، فكذلك عَمَلُ الحجِّ عن الغَيْرِ والصَّدَقاتُ قُرْبَةٌ إلى الله ، وقد أباحَ اللهُ للعامِلِ عليها أنْ يأخُذَ منها على قَدْرِ عَمَلِه، ولا مَعْنَى لاعْتِبارِ الإجماع

стр. 3409

على أنَّ الذِّمِّيَّ لا يجوزُ استئجارُه في ذلك؛ لأنَّهم قد أجمَعُوا على أنَّ الذِّمِّيَّ لا يحُجُّ عن المسلم تَطَوُّعًا، وأنَّ ذلك جائزٌ في المُسْلِم. وفي حديث الخَثْعَمِيَّة هذا رَدٌّ على الحَسَن بنِ صالح بنِ حَيٍّ في قوله: إنَّ المرأةَ لا يجُوزُ أنْ تحُجَّ عن الرجلِ، وحُجَّةٌ لمن أجازَ ذلك. وأمَّا حُجَّةُ مَن أبَى جَوازَ حَجِّ الرجلِ عن الرجلِ وهو صَرُورَةٌ (١) لم يحُجَّ عن نَفْسِه، فحَدِيثُ ابنِ عبَّاس. حَدَّثَنَاهُ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢): حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الطَّالقَانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ، عن قتَادةَ، عن عَزْرةَ (٣)، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاس، أنَّ النبيَّ ﷺ سمِعَ رجُلًا يقولُ: لبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ، فقال: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ "، قال: أخٌ لي، أو: قَرِيبٌ لي، فقال: "أحَجَجْتَ عن نَفْسِكَ؟ "، قال: لا، قال: "فحُجَّ عن نَفْسِكَ، ثم حُجَّ عن شُبْرُمَة" (٤).

стр. 3410

ومَنْ أبى القَوْلَ بهذا الحديث، عَلَّلَه بأنَّه قد رُوِيَ هذا الحديثُ موقُوفًا (١) على ابنِ عباس (٢)، وبعضُهم يجعَلُه عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبير، لا يَذْكُرُ عزرةَ (٣)، وليست هذه عِلَلًا يجِبُ بها التوقفُ عن القولِ بالحديثِ (٤)؛ لأنَّ زيادةَ الحافظِ مقبولةٌ، حُكْمُها حُكْمُ الحديثِ نَفْسِه، لو لَمْ يجِئْ به غيرُه، وباللّه التوفيقُ.

стр. 3411

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن سُليمان بن يَسار مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سُليمانَ بن يَسار، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يبعَثُ عبدَ الله بنَ رَواحةَ يَخْرُصُ (٢) بينَه وبينَ يهودِ خَيْبَر، قال: فجَمَعوا له حُلِيًّا من حُلِيِّ نسائهم، فقالوا: هذا لكَ، وخَفِّفْ عنّا وتجاوَزْ في القَسْم، فقال عبدُ الله بن رَواحة: يا معشر اليهود، واللّه إنّكم لمِن أبغضِ خَلْق الله إليَّ، وما ذلك بحاملي على أنْ أحِيفَ عليكم، فأمَّا ما عَرَضتُم من الرِّشوةِ فإنَّها سُحتٌ، وإنَّا لا نأكلُها. فقالو ا: بهذا قامتِ السماواتُ والأرضُ (٣). هذا الحديثُ مرسلٌ في جميع "الموطآتِ" عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، وقد تقدَّم القولُ في معناه مستوعَبًا، في بابِ حديثِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، مِن كتابِنا هذا (٤)، فلا وجهَ لإعادةِ القولِ في ذلك. وقد يستنِدُ معنى هذا الحديثِ مِن روايةِ ابنِ عباسٍ، وجابرٍ (٥)، وغيرِهما، عن النبيِّ ﷺ . وسماعُ سليمانَ بنِ يسارٍ مِن ابنِ عباسٍ صحيحٌ (٦). وقال (٧) مَعْمرٌ، عن الزُّهْري في هذا الحديث: خَمَّس رسولُ الله ﷺ خَيْبرَ

стр. 3412

ولم يكنْ له ولا لأصحابه عمالٌ يعملونَها ويزرَعونَها، فدعا يهودَ خَيْبر وقد كانوا أُخرجوا منها، فدَفَع إليهم خَيْبرَ على أنَّ يعمَلوها على النِّصف يؤدُّونَه إلى النَّبيِّ ﷺ ، وقال لهم: "أُقِرُّكم على ذلك بما أقَرَّكمُ اللهُ" فكان يبعَثُ إليهم عبدَ الله بنَ رَواحةَ فيَخرُصُ النَّخلَ حين يَطِيبُ أولُه، ثُم يُخيِّرُ يهودَ يأخُذونَها بذلك الخَرْص أو يدفعونَها بذلك الخَرْص، وإنّما كانَ رسولُ الله ﷺ أمرَ بالخَرْص في ذلك لكي تُحصى الزّكاةُ في ذلك قبلَ أن تؤكَلَ الثمرة (١). وفيه مِن الفقهِ: إثباتُ خبرِ الواحدِ، ألا ترى أنَّ عبدَ الله بنَ رواحةَ قدِم على أهلِ خيبرَ وهو واحدٌ، فأخبرَهم عن النبيِّ ﷺ بحكم كبيرٍ في الشريعةِ، فلم يقولوا له: إنَّك واحدٌ لا نُصدِّقُك على رسولِ الله ﷺ . ولو كان خبرُه وحدَه لا يجبُ به الحكمُ، ما بعَثه رسولُ الله ﷺ وحدَه. وفيه: أنَّ المؤمنَ (٢) وإنْ أبغَض في الله، لا يحمِلُه بغضه على ظُلم مَن أبغضَه، والظَّالم نفسَه يظلمُ، قال ﷺ : "الظُّلمُ ظُلمات يومَ القيامةِ" (٣). وفيه: دليل على أنَّ كلَّ ما أخذَهُ الحاكمُ والشاهدُ على الحكم بالحقِّ أو الشَّهادةِ بالحقِّ سُحتٌ، وكلُّ رِشوةٍ سُحتٌ، وكلُّ سُحتٍ حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلم أكلُه، وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ علماء المسلمينَ. وقال جماعةُ أهلِ التَّفسيرِ في قولِ الله : ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، قالوا: السُّحتُ: الرِّشوةُ في الحكم (٤). وقيل: السُّحتُ كلُّ ما لا يحلُّ كسبُه (٥).
следующие страницы →