← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3408–3447 · переход к 3413.

стр. 3408

وقال مالكٌ: يجوزُ أنْ يَحجَّ عن الميِّتِ مَن لَمْ يحُجَّ قَطُّ، ولكنَّ الاختيارَ أنْ يحُجَّ عن نَفْسِه أوَّلًا. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعيِّ. وقال الحَسَنُ بنُ صالح: لا يحُجُّ عن الميِّتِ إلَّا مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، ويُكرَهُ أنْ تحُجَّ المرأةُ عن الرجلِ، ولا يُكرَهُ أن يحُجَّ الرجلُ عن المرأةِ؛ لأنَّ المرأةَ تَلْبَسُ، والرجلَ لا يَلْبَسُ (١). وقال الشافعيُّ (٢): لا يحُجُّ عن الميِّتِ إلَّا مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، فإنْ حَجَّ عن الميِّتِ صَرُورَةٌ (٣)، كانت نيَّتُه للنَّفْلِ لغْوًا. وقال الشافعيُّ (٤): جائزٌ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه في الحجِّ، ولستُ أكْرَهُه. وقال مالكٌ (٥): أكْرَهُ أنْ يُؤجرَ نَفْسَه في الحجِّ، فإنْ فَعَلَ جازَ. وهو قولُ الشافعيِّ في روايةٍ، وعندَ أبي حنيفةَ: لا يجُوزُ، ومن حُجَّتِه أنَّ الحجَّ قُرْبَةٌ إلى الله ، فلا يَصِحُّ أنْ يعْمَلَه غيرُ المُتَقَرِّبِ به. قال بعضُ أصحابِه: ألا تَرى أنَّه لا يجوزُ بإجماع أنْ يُسْتَأجَرَ الذِّمِّيُّ أنْ يحُجَّ عن مسلم؛ وذلك لأَنه قربةٌ للمسلم؟ ومن حُجَّةِ مالكٍ والشافعيِّ على جوازِ ذلك: إجماعُهم على كتابِ المُصحَف، وبِناء المَسْجد، وحَفْرِ القُبورِ، وصِحَّةِ الاستئجارِ في ذلك، وهو قُرْبَةٌ إلى الله ، فكذلك عَمَلُ الحجِّ عن الغَيْرِ والصَّدَقاتُ قُرْبَةٌ إلى الله ، وقد أباحَ اللهُ للعامِلِ عليها أنْ يأخُذَ منها على قَدْرِ عَمَلِه، ولا مَعْنَى لاعْتِبارِ الإجماع

стр. 3409

على أنَّ الذِّمِّيَّ لا يجوزُ استئجارُه في ذلك؛ لأنَّهم قد أجمَعُوا على أنَّ الذِّمِّيَّ لا يحُجُّ عن المسلم تَطَوُّعًا، وأنَّ ذلك جائزٌ في المُسْلِم. وفي حديث الخَثْعَمِيَّة هذا رَدٌّ على الحَسَن بنِ صالح بنِ حَيٍّ في قوله: إنَّ المرأةَ لا يجُوزُ أنْ تحُجَّ عن الرجلِ، وحُجَّةٌ لمن أجازَ ذلك. وأمَّا حُجَّةُ مَن أبَى جَوازَ حَجِّ الرجلِ عن الرجلِ وهو صَرُورَةٌ (١) لم يحُجَّ عن نَفْسِه، فحَدِيثُ ابنِ عبَّاس. حَدَّثَنَاهُ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢): حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الطَّالقَانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ، عن قتَادةَ، عن عَزْرةَ (٣)، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاس، أنَّ النبيَّ ﷺ سمِعَ رجُلًا يقولُ: لبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ، فقال: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ "، قال: أخٌ لي، أو: قَرِيبٌ لي، فقال: "أحَجَجْتَ عن نَفْسِكَ؟ "، قال: لا، قال: "فحُجَّ عن نَفْسِكَ، ثم حُجَّ عن شُبْرُمَة" (٤).

стр. 3410

ومَنْ أبى القَوْلَ بهذا الحديث، عَلَّلَه بأنَّه قد رُوِيَ هذا الحديثُ موقُوفًا (١) على ابنِ عباس (٢)، وبعضُهم يجعَلُه عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبير، لا يَذْكُرُ عزرةَ (٣)، وليست هذه عِلَلًا يجِبُ بها التوقفُ عن القولِ بالحديثِ (٤)؛ لأنَّ زيادةَ الحافظِ مقبولةٌ، حُكْمُها حُكْمُ الحديثِ نَفْسِه، لو لَمْ يجِئْ به غيرُه، وباللّه التوفيقُ.

стр. 3411

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن سُليمان بن يَسار مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سُليمانَ بن يَسار، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يبعَثُ عبدَ الله بنَ رَواحةَ يَخْرُصُ (٢) بينَه وبينَ يهودِ خَيْبَر، قال: فجَمَعوا له حُلِيًّا من حُلِيِّ نسائهم، فقالوا: هذا لكَ، وخَفِّفْ عنّا وتجاوَزْ في القَسْم، فقال عبدُ الله بن رَواحة: يا معشر اليهود، واللّه إنّكم لمِن أبغضِ خَلْق الله إليَّ، وما ذلك بحاملي على أنْ أحِيفَ عليكم، فأمَّا ما عَرَضتُم من الرِّشوةِ فإنَّها سُحتٌ، وإنَّا لا نأكلُها. فقالو ا: بهذا قامتِ السماواتُ والأرضُ (٣). هذا الحديثُ مرسلٌ في جميع "الموطآتِ" عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، وقد تقدَّم القولُ في معناه مستوعَبًا، في بابِ حديثِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، مِن كتابِنا هذا (٤)، فلا وجهَ لإعادةِ القولِ في ذلك. وقد يستنِدُ معنى هذا الحديثِ مِن روايةِ ابنِ عباسٍ، وجابرٍ (٥)، وغيرِهما، عن النبيِّ ﷺ . وسماعُ سليمانَ بنِ يسارٍ مِن ابنِ عباسٍ صحيحٌ (٦). وقال (٧) مَعْمرٌ، عن الزُّهْري في هذا الحديث: خَمَّس رسولُ الله ﷺ خَيْبرَ

стр. 3412

ولم يكنْ له ولا لأصحابه عمالٌ يعملونَها ويزرَعونَها، فدعا يهودَ خَيْبر وقد كانوا أُخرجوا منها، فدَفَع إليهم خَيْبرَ على أنَّ يعمَلوها على النِّصف يؤدُّونَه إلى النَّبيِّ ﷺ ، وقال لهم: "أُقِرُّكم على ذلك بما أقَرَّكمُ اللهُ" فكان يبعَثُ إليهم عبدَ الله بنَ رَواحةَ فيَخرُصُ النَّخلَ حين يَطِيبُ أولُه، ثُم يُخيِّرُ يهودَ يأخُذونَها بذلك الخَرْص أو يدفعونَها بذلك الخَرْص، وإنّما كانَ رسولُ الله ﷺ أمرَ بالخَرْص في ذلك لكي تُحصى الزّكاةُ في ذلك قبلَ أن تؤكَلَ الثمرة (١). وفيه مِن الفقهِ: إثباتُ خبرِ الواحدِ، ألا ترى أنَّ عبدَ الله بنَ رواحةَ قدِم على أهلِ خيبرَ وهو واحدٌ، فأخبرَهم عن النبيِّ ﷺ بحكم كبيرٍ في الشريعةِ، فلم يقولوا له: إنَّك واحدٌ لا نُصدِّقُك على رسولِ الله ﷺ . ولو كان خبرُه وحدَه لا يجبُ به الحكمُ، ما بعَثه رسولُ الله ﷺ وحدَه. وفيه: أنَّ المؤمنَ (٢) وإنْ أبغَض في الله، لا يحمِلُه بغضه على ظُلم مَن أبغضَه، والظَّالم نفسَه يظلمُ، قال ﷺ : "الظُّلمُ ظُلمات يومَ القيامةِ" (٣). وفيه: دليل على أنَّ كلَّ ما أخذَهُ الحاكمُ والشاهدُ على الحكم بالحقِّ أو الشَّهادةِ بالحقِّ سُحتٌ، وكلُّ رِشوةٍ سُحتٌ، وكلُّ سُحتٍ حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلم أكلُه، وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ علماء المسلمينَ. وقال جماعةُ أهلِ التَّفسيرِ في قولِ الله : ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، قالوا: السُّحتُ: الرِّشوةُ في الحكم (٤). وقيل: السُّحتُ كلُّ ما لا يحلُّ كسبُه (٥).

стр. 3413

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ السُّحتَ، وهو الرِّشوةُ، عندَ اليهودِ حرامٌ ولا يحلُّ، ألا ترى إلى قولهم: بهذا قامَت السَّماواتُ والأرضُ؟ ولولا أنَّ السُّحتَ محرَّمٌ عليهم في كتابِهم ما عيَّرَهم اللهُ في القرآنِ بأكلِه، فالسُّحتُ محرَّمٌ عندَ جميع أهلِ الكتابِ، أعاذَنا اللهُ منه برحمتِه، آمينَ. أنشدَنا غيرُ واحدٍ لمنصورٍ الفقيهِ (١)، ﵀: إذا رشوةٌ مِن بابِ بيتٍ تَقَحَّمَت ... لتدخُلَ فيه والأمانةُ فيهِ سَعَتْ هَرَبًا منه ووَلَّتْ كأنَّها ... حَليمٌ تنَحَّى عن جوارِ سَفيهِ (٢) حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله مالكُ بنُ عيسى بنِ نصرٍ القَفْصيُّ الحافظ بقَفْصَةَ (٣). وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ سليمانُ بنُ الأشْعثِ (٤)، قالا: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمليُّ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 3414

زيدُ بنُ أبي الزَّرقاء، عن جعفرِ بنِ بُرْقانَ. وحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا المُعافى بنُ عمرانَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ بُرْقانَ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، عن مِقسَم أبي القاسم (١)، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ حينَ افتَتحَ خيبرَ واشتَرط عليهم أنَّ له الأرضَ وكلَّ صفراءَ وبيضاء، يعني: الذهبَ والفضَّةَ، فقال له أهلُ خيبرَ: نحن أعلمُ بالأرض، فأعطناها على أنْ نعمَلَ ولنا نصفُ الثمرةِ ولكم النِّصفُ. فزعَم أنَّه أعطاهم على ذلك، فلمَّا كان حينَ تُصرَمُ النخلُ، بعَث إليهم عبدَ الله بنَ رواحةَ، فحزَر النخلَ، وهو الذي يدعوه أهلُ المدينةِ الخرْصَ، فقال: هي كذا وكذا، فقالوا: أكثرَتَ علينا. وفي حديثِ المُعافَى: فقال: في ذا كذا وكذا، فقالوا: أكثَرتَ يا ابنَ رواحةَ، قال: فأنا أُعطيكم النِّصفَ الذي قلتُ، قالوا: هذا الحقُّ، وبه قامَت السَّماواتُ والأرضُ، رَضِينا أنْ نأخُذَه بالذي قلْتَ. وفي حديث زيدِ بنِ أبي الزَّرقاء: أكثرْتَ علينا يا ابنَ رواحةَ، قال: فأنا ألي جِذاذَ النَّخل، وأُعطيكم نصفَ الذي قلتُ، قالوا: هذا الحقُّ، وبه قامتِ السَّماواتُ والأرضُ، قد رَضِينا أن نأخُذَه بالذي قلت. قد تقدَّم في باب رَبيعةَ من القول في ذكْرِ الأرض، وفي باب ابن شِهاب من معاني الخَرْص ومعاني أرض خَيْبر ما فيه إشرافٌ على معاني ذلك كلِّه، والحمد للّه. وقال أبو بكرٍ الأصَمُّ عبدُ الرَّحمن بن كَيْسان: كان إعطاءُ رسول الله ﷺ خَيْبرَ على النِّصف مما تُخرجُ أرضُها وثمرتُها خصوصًا له ﷺ ؛ لأنَّ اليهودَ كانوا له كالعبيد، وللسيّد أن يأخُذَ مالَ عبدِه كيف شاء ويبيعَ منه الدرهمَ بالدّرهمينِ،

стр. 3415

فرخَّص رسولُ الله ﷺ في دَفْع الأرض إلى اليهود بالنظرِ لتلك العِلّة، ولا يجوزُ ذلك لغيرِهِ، لِما ثَبَت من نَهْيه (١) عن مثلِ ذلك في كِراءِ الأرض وفي بيع الثِّمار قبلَ بُدوِّ صلاحِها، ولِما أجمَعوا عليه أنَّ المجهولَ لا يكونُ بمثلٍ لشيء ولا يجوزُ بيعُه. وقرأتُ على سعيدِ بن نَصْر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدّثهم، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بن محمد الصَّائغ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سابق، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن طَهْمان (٢)، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّه قال: أفاء اللهُ خَيْبرَ على رسوله، فأقرَّهم رسولُ الله ﷺ فيها وجَعَلَها بينَه وبينَهم، فبَعَث عبدَ الله بن رَواحةَ فخَرَصَها عليهم، ثم قال: يا معشرَ اليهود، أنتم أبغضُ الخَلْق إليَّ، قتلتُم أنبياءَ الله، وكذبتُم على الله، وليس يحمِلُني بُغضي إياكم على أنْ أحِيفَ عليكم، قد خَرَصتُ عشرينَ ألفَ وَسَق من تمر، فإنْ شئتُم فلكُم، وإنْ شئتُم فلي، فقالوا: بهذا قامتِ السمواتُ والأرض، قد أخَذْنا فاخرُجوا عنا (٣).

стр. 3416

فقال أبو الزُّبير: إنَّ عُمرَ بن الخطَّاب إنَّما أخرَجَهم منها بعدَ ذلك؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تُقِرُّوا في جزيرة العَربِ مَن ليس منّا" أو قال: "من ليس من المسلمين" (١).

стр. 3417

ابنُ شِهاب، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطعِم حديثان، أحدُهما: مرسلٌ عند أكثرِ رواة "الموطأ " وهو: محمدُ (١) بن جُبَيْر بن مُطْعِم بن عَدِيِّ بن نَوْفَل بن عبد مَناف بن قُصيٍّ القُرَشيُّ النَّوْفليُّ، يُكْنَى أبا سعيد. قد ذكَرْنا أباه وشيئًا من أخباره في كتابنا في الصحابة (٢). وكان محمدُ بن جُبير بن مُطْعِم من أعلم أهل وقتِه بالنَّسَبِ وأيام العرب، أخَذَ ذلك عن أبيه، دَخَل يومًا على عبد الملك بن مروان فقال له: يا أبا سعيد، ألم نكنْ نحن وأنتم، يعني عبدَ شمس وبني نَوْفَل، في حِلْف الفُضول؟ قال: أميرُ المؤمنينَ أعلم، فقال له عبدُ الملك: لتُخبِرْني يا أبا سعيد، فقال: لا واللّه يا أميرَ المؤمنين، لقد خرَجْنا نحن وأنتم منهم، قال: صَدَقْتَ (٣). وتوفِّي محمدُ بن جُبير بن مُطعِم سنةَ مئةٍ في خلافة عُمرَ بن عبد العزيز (٤)، وتوفِّي أخوه أبو محمد نافعُ بن جُبير بن مُطْعِم بالمدينة سنةَ ستٍّ وتسعين، وقيل: في خلافة سُليمانَ بن عبد الملك (٥).

стр. 3418

حديثٌ أوّلُ لابن شِهاب، عن محمد بن جُبَيْر مُسْنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ جُبيير بنِ مُطعِم، عن أبِيه، قال: سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ قرَأ في المغربِ بـ: ﴿وَالطُّورِ﴾ (٢). هكذا روَاه مالكٌ وجماعةُ أصحابِ ابنِ شهاب عنه، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعم (٣)، عن أبِيه. وروَاه محمدُ بنُ عمرٍو، عن ابنِ شهابٍ، عن نافع بنِ جُبير. والصوابُ فيه: محمدُ بنُ جُبير (٤). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ في وقْتِ المغربِ سَعَةً، وأنَّه ليس يَضِيقُ، وقد مضَى القولُ في وقتِ المغربِ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ مُستَوعَبًا، وفي سائرِ أوقاتِ الصلواتِ (٥)، والحمد للّه. وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قرَأ في المغربِ بـ: ﴿المَصَ﴾ مِن حديثِ

стр. 3419

عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن مروانَ بنِ الحكم، عن زيدِ بنِ ثابتٍ (١). وقد رَوى هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَ ذلك (٢). والإسنادُ الأولُ أصحُّ. وفي ذلك دليلٌ على سَعَةِ وقتِ المغربِ كما ذكرْنا. ورُوي عن النبيِّ ﷺ أنَّه قرَأ بـ: "الصافاتِ" في المغربِ، وأنَّه قرَأ فيها بـ: ﴿حم﴾ الدخان، وأنه قرَأ فيها بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وأنَّه قرَأ فيها بـ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وأنَّه قرَأ فيها بـ: "المعوِّذتَين"، وأنَّه قرَأ فيها بـ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وأنَّه كان يقرأُ فيها بقِصارِ المُفَصَّلِ (٣). وهي آثارٌ صِحاحٌ مشهورةٌ، لَمْ أرَ لذكرِها وجْهًا خَشْيةَ الإطالةِ. وفي ذلك كلِّه دليلٌ على أنْ لا توقِيتَ في القراءةِ في صلاةِ الغربِ،

стр. 3420

وكذلك غيرُها، بدلائلَ يطولُ ذكرُها، وأهلُ العلم يَستَحِبُّونَ فيها قراءةَ السورِ القِصارِ (١)، ولعلَّ ذلك أن يكونَ آخرَ الأمرينِ (٢) مِن رسولِ الله ﷺ ، أو يكونَ إباحةً وتخييرًا منه ﷺ ، فيكونَ دليل العلماء على استحبابِ ما استَحَبُّوا، مِن ذلك قولُه ﷺ : "من أمَّ الناسَ فليُقصِّرْ وليُخَفِّفْ" (٣). والحمدُ للّه الذي جعَل في ديننَا سَعَةً ويسرًا وتخفيفًا، لا شريكَ له. وفي هذا الحديثِ شيءٌ سقَط مِن روايةِ مالكٍ في "الموطأ" لَمْ يذكُرْه أحدٌ مِن رُواتِه عنه فيه، وذكَره غيرُه مِن رُواةِ ابنِ شهابٍ، وهو معنًى بديعٌ حسنٌ مِن الفقْهِ،

стр. 3421

وذلك أنَّ جُبيرَ بنَ مُطعِم سمِع هذا الحديثَ من النبيِّ ﷺ وهو كافرٌ، وحدَّث به عنه وهو مُسلمٌ، وقد مضَى القولُ في هذا المعنَى فيما سلَف مِن كتابِنا هذا (١). وقد روَى هذه القصةَ فيه عن مالكٍ، عليُّ بنُ الربيع بنِ الرُّكَيْنِ (٢)، وإبراهيمُ بنُ عليٍّ التميميُّ (٣) جميعًا، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبِيه، قال: أتيْتُ النبيَّ ﷺ في فِداء أُسارَى بدرٍ، فسمِعتُه يقرأُ في المغربِ بـ: ﴿وَالطُّورِ﴾ ولم أُسلمْ يومَئذٍ، فكأنما صُدِعَ قلبي، وقال: "لو كان مُطعِمٌ حيًّا وكلَّمني في هؤلاء النفرِ لأعتَقْتُهم". هذا لفظُ عليِّ بنِ الربيعِ، وقال إبراهيمُ: "وكلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتُهُمْ له". ولم يُتابَعْ هذانِ على سياقِة هذا الحديثِ بهذا اللَّفظِ عن مالكٍ. وقد روَاه كذلك عن ابن شهابٍ جماعةٌ من أصحابِه، وممن روَى ذكْرَ ذلك عن ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ جبيرِ بنِ مُطعِم (٤): أُسامةُ بنُ زيدٍ الليثيُّ وغيرُه.

стр. 3422

روَى ابنُ وَهْبٍ، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن ابن شهابٍ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه، أنَّه جاء في فداء أسارَى أهلِ بدرٍ، قال: فوافقْتُ (١) رسولَ الله ﷺ يقرأُ في صلاةِ المغربِ بـ: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾، فأخَذني مِن قراءتِه كالكَرْبِ، فكان ذلك أولَ ما سمِعتُ مِن أمرِ الإسلام (٢). وأسلَم جُبيرُ بنُ مُطعِم عامَ الفتح، ويقالُ: عامَ خيبرَ. وقد ذكرْنَا مِن خبرِه في كتابِنا في "الصحابةِ" (٣) ما فيه كفايةٌ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤): حَدَّثَنَا حامدُ بنُ يحيَى البَلْخيُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: سمعْتُ الزهريَّ يُحدِّثُ عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبِيه، أنَّه سمِع النبيَّ ﷺ يقرأُ في المغربِ بـ: ﴿وَالطُّورِ﴾. قال سفيانُ: فسمِعتُه يقولُ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. قال: فكاد يطيرُ قلبي. وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا الحميديُّ، قال (٥): حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: سمِعْتُ الزهريَّ يُحدِّثُ عن محمدِ بن جُبر بنِ مُطعِم، عن أبيه، أنَّه سمِع رسولَ الله ﷺ يقرأُ في

стр. 3423

المغربِ بـ: ﴿وَالطُّورِ﴾. قال سفيانُ: فقالوا في هذا الحديثِ: إنَّ جُبيرًا قال: سمِعتُها مِن النَّبيِّ ﷺ وأنا مُشركٌ، فكاد قلبِي يطيرُ حينَ قرَأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. ولم يقلْه لنا الزهريُّ (١). وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يُوسفَ (٢)، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال (٣): حَدَّثَنَا الحميديُّ، قال (٤): حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حدَّثوني (٥) عن الزهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعم، عن أبِيه، قال: سمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقرأُ في المغرب: ﴿وَالطُّورِ﴾، فلمَّا بلَغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كاد قلبِي يطيرُ (٦). قال سفيانُ، فأمَّا أنا، فإني سمِعْتُ الزهريَّ يُحدِّثُ عن محمدِ بنِ جُبيرٍ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقرأُ في المغربِ بـ ﴿وَالطُّورِ﴾، ولم أسمعْه زادَ الذي قالوا لي.

стр. 3424

وروَاه يزيدُ بنُ أبي حبيب، عن ابنِ شهابٍ، فجعَل في موضعِ المغربِ العَتَمَة، إلَّا أنَّه مِن روايةِ ابنِ لهيعة. وجَدْتُ في أصلِ سَماع أبي بخطِّه ﵀، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسم حدَّثَهم، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا نصرُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لهيعةَ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، أنَّ ابنَ شهابٍ كتَب إليه قال: حدَّثني محمدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطْعِم، عن أبيه، قال: قدِمْتُ على النبيِّ ﷺ في فداء أُسارَى بدرٍ، فسمِعتُه يقرأُ في العتمةِ بـ: ﴿وَالطُّورِ﴾ (١). وروَاه سفيانُ بنُ حُسينٍ، عن الزُّهريِّ، على الشكِّ في العتمةِ أو المغربِ. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ سعيد، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عبدِ العزيز. وأجازَه لنا أبو محمدٍ بنُ أسدٍ، عن ابنِ جامع، عن عليِّ بنِ عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبيدٍ، قال (٢): حَدَّثَنَا هُشيم، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ حُسينٍ، عن الزهريِّ، قال هُشيم: ولا أظُنُّني (٣) إلَّا وقد سمِعتُه من الزهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه جُبيرِ بنِ مُطعِم، قال: أتيْتُ رسولَ الله ﷺ لأُكَلِّمَه في أُسارَى بدرٍ فوافقتُه وهو يُصلِّي بأصحابِهِ المغربَ أو العَتَمَةَ، فسمِعتُه وهو يقولُ أو يقرأُ وقد خرَج صوتُه مِن المسجدِ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨]. قال: فكأنما صُدِعَ قلبِي، فلمَّا فرَغ مِن صلاتِه كلَّمتُه في أُسارَى

стр. 3425

بدرٍ، فقال: "شيخُك - أو الشيخُ - لو كان أتَانَا فيهم شفَّعْناه"، يعني أباه المطعِمَ بنَ عدي. قال أبو عُبيدٍ: قال هُشيمٌ وغيرُه: وكانت له عندَ رسولِ الله ﷺ يدٌ (١) (٢). قال أبو عُمر: كانت يدُ المطعِم بنِ عديٍّ عندَ رسولِ الله ﷺ قيامَه في شأنِ الصحيفةِ التي كتَبتْها قُريشٌ علي بني هاشم وبني المطَّلبِ (٣). وهو أيضًا أجارَ النبيَّ ﷺ حين قدِم مِن الطائفِ مِن دُعاء ثقيفٍ (٤)؛ أجارَه هو ومَن كان معه يومئذٍ، وخبرُه بكمالِه في المغازِي والسِّير.

стр. 3426

حديثٌ ثانٍ لابن شِهاب، عن محمد بن جُبير بن مُطْعِم مرسَلٌ يتصلُ من وجوهٍ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِم، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لي خَمْسَةُ أسماءٍ: أنا محمدٌ، وأنا أحمَدُ، وأنا الماحي الذي يَمْحُو اللهُ بِيَ الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمي، وأنا العَاقِبُ". هكذا رَوى هذا الحديثَ يَحيى مُرْسلًا، لَمْ يَقُلْ: عن أبيه. وتابَعَه على ذلك أكْثر الرُّوَاةِ لـ "الموطأ" (٢)، وممن تابَعَه على ذلك: القَعْنَبيُّ (٣)، وابنُ بُكيْرٍ، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسِم (٤)، وعبدُ الله بنُ يوسُفَ، وابنُ أبي أُوَيْس. وأسْنَدَه عن مالِكٍ: مَعْنُ بنُ عيسى (٥)، ومحمدُ بنُ المُبَارَكِ الصوريُّ (٦)، ومحمدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم بنِ شَرُوسٍ الصَّنْعانيُّ (٧)، وعبدُ الله بنُ مسلم (٨) الدِّمَشْقيُّ،

стр. 3427

وإبراهيمُ بنُ طَهْمانَ (١)، وحَبِيبٌ، ومحمدُ بنُ حرب، وأبو حُذَافَةَ، وعبدُ الله بنُ نافِعٌ (٢)، وأبو المصْعَبِ (٣). كلُّ هؤلاء روَاه عن مالكٍ مُسْنَدًا، عن ابنِ شِهَابٍ، عن محمدِ بنِ جبيرِ بنِ مُطْعِم، عن أبيه. حَدَّثَنَا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عُمَرَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ النَّيْسَابُوريُّ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحَسَنِ الطَّحَّانُ بمصرَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المبارَكِ الصورِيُّ، قال: سَمِعْتُ رجلًا يقولُ لمالِكِ بنِ أنس: أحدَّثَك ابنُ شِهَابٍ، عن محمدِ بنِ جبيرِ بنِ مُطْعِم، عن أبيه، أنَّه سَمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لي خمسةُ أسماءٍ: أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي، وأنا الحاشِرُ، وأنا العَاقِبُ"؟ قال: نعم (٤). وأخبرنا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بنُ محمدِ بنِ العبَّاسِ البَصْرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ صالِح، قال: قَرَأتُ على ابنِ نافِع، قال: حدَّثني مالِكٌ، عن ابنِ شِهاب، عن محمدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ لي خَمْسَةَ أسْماءٍ: أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحِي الذي يَمْحُو اللهُ بيَ الكُفْرَ، وأنا الحَاشِرُ الذي يُحْشَرُ النّاسُ على قَدَمي، وأنا العَاقِبُ، والعاقبُ (٥): الذي ليس بعدَه أحَدٌ" (٦).

стр. 3428

هكذا قال في تَفسيرِ العاقبِ في نسَقِ الحديثِ. وذكرَه الدَّارقُطنيُّ عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زكريَّا، والحَسَن بنِ الخَضرِ، والحَسَن بنِ رشيقٍ، كلُّهم عن العباسِ بنِ محمدٍ، عن أحمدَ بنِ صالح مثلَه سواء. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسُفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ، قال: حدَّثنا معنٌ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "لي خمسةُ أسماءٍ: أنا مُحَمَّد، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يمحُو اللهُ بيَ الكفرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ الناسُ على قَدَمي، وأنا العَاقِبْ". وكذلك رَواه أصحابُ ابنِ شهابٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ جُبير، عن أبيه مُسْندًا. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن عُمرَ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينَةَ، عن الزهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبَير بنِ مُطْعِم، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنِّي أنا محمَّدٌ، وأنا أحمَدُ، وأنا الماحِي الذي يَمْحُو اللهُ بيَ الكُفرَ، وأنا الحاشِرُ الذي أحْشُرُ الناسَ، وأنا العاقِبُ الذي ليس بعدي نَبِيٌّ" (٣).

стр. 3429

وكذلك رواه شُعَيْبُ بنُ أبي حمزَةَ، عن الزهريِّ بإسنادِه (١)، لم يَقُلْ: "خمسَةُ أسماءٍ" (٢). والأسماءُ هنا والصِّفاتُ سواءٌ، فمحمدٌ، مُفعَّلٌ مِن الحمدِ، وكذلك أحمدُ، أفعلُ من الحمدِ. قال بعضُ الشُّعَراء (٣): وشَقَّ له مِنْ إسْمِه ليُجِلَّهُ ... فذُو العَرْشِ محمودٌ وهذا محمدُ حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ أبو رجاءٍ البغْلانيُّ (٤)، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعَانَ، قال: أحْسَنُ بيتٍ قيل فيما قالوا، قولُ عبدِ المُطَّلب - أو قولُ أبي طالبٍ - الشَّك من أبي إسماعيلَ: وشَقَّ له مِن إسْمِه ليجِلَّهُ ... فَذُو العرشِ محمودٌ وهذا مُحَمَّدُ (٥) والقولُ في الاسم والمسمَّى (٦) ليس هذا مَوْضِعَه، وقد اختلَفَ في ذلك

стр. 3430

أهلُ العِلْم وسائرُ فِرَقِ الإسلام، وأكثروا من القولِ في ذلك بما لم أرَ في ذكرِه (١) وجهًا هاهنا، وبالله التوفيقُ. ومعنىَ قولِه: "يُحشَرُ الناسُ على قَدَمي"، أي: قُدَّامي وأمامي، أي: أنَّهم يجتمِعون إليه وينضَمُّون حولَه، ويكونون أمامَه يومَ القِيامَةِ ووراءه (٢). وقال الخليلُ بنُ أحمد (٣): حشَرَتْهم السَّنةُ، إذا ضمَّتْهم من النَّواحي. وهذا الحديثُ أيضًا مُطابِقٌ لكتابِ الله في قولِه : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال ﷺ : "أنا العاقبُ الذي ليس بعدي نبيٌّ". حدَّثني خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عمر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَمْرو (٤)، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: خَتَم اللهُ به الأنبياءَ، وختمَ بمسجدِه هذه المساجِدَ. يعني مالكٌ بذلك مساجِدَ الأنبياء. وقال أبو عُبيدٍ (٥): سألتُ سُفيانَ - يعني ابنَ عيينةَ - عن العاقِبِ، فقال لي: آخرُ الأنبياء. قال أبو عُبيدٍ: وكذلك كلُّ شيءٍ خَلَفَ بعدَ شيءٍ فهو عاقِبٌ، وقد عقَبَ يعقُبُ عَقْبًا، ولهذا قيل لولَدِ الرجلِ بعدَه: عَقِبُه. وكذلك آخِرُ كلِّ شيءٍ: عَقْبُه.

стр. 3431

ابنُ شِهاب، عن عليِّ بن حُسين بن علي (١) ثلاثةَ أحاديث أحدها مُسنَدٌ، والآخَران مرسَلان يستَنِدان من وجوهٍ من غير روايةِ مالك وهو عليُّ بن حُسَين بن علي بن أبي طالب، ويكْنَى أبا الحَسَن، أمُّه غَزالةُ أمُّ ولدٍ (٢)، وهو عليّ الأصغر بن حُسين بن علي بن أبي طالب، وكان لحُسين بن عليٍّ ابنان يُسمَّيان بعلي، فعليُّ بن حُسين الأكبر، قُتل بكربَلاء مع أبيه، وليس له عَقِبٌ، ويُقال: أمّه ليلى بنت أبي مُرّة بن عُروة بن مسعود الثَّقفي. وأما علي بن حُسين هذا فكان أفضلَ بني هاشم، كذلك قال ابنُ شهاب (٣): ما رأيتُ هاشميًّا أفضلَ منه. وقال يحيى بن سعيد (٤): سمعتُ عليَّ بن حُسَين، وكان أفضلَ هاشميٍّ أدركتُه. وقيل: بل كان أفضلَ أهل (٥) زمانِه. وقال أهلُ النَّسَب: إنه ليس لحُسين بن عليٍّ عَقِبٌ إلّا من عليِّ بن حُسَين

стр. 3432

هذا الأصغر (١). وأمّا أخوهُ عليُّ بن حُسَين الأكبر المقتولُ معَ أبيه بكربَلاء فلا عَقِبَ له. وشَهِد عليُّ بن حُسين هذا الأصغرُ معَ أبيه بكربَلاء، واختُلف في سنِّه في ذلك الوقت؛ فقال قومٌ: كان ذلك الوقتَ لم يُنبِتُ. وقال آخرون: كان ابنَ ثلاث وعشرينَ سنةً. وقال آخرون: كان ابنَ أربع وعشرينَ سنة. وقال أبو جعفرٍ الطَّبري (٢): ليس قولُ مَن قال: إنه كان صغيرًا لم يُنبِتْ بشيء. قال: وكيف يكونُ ذلك وقد وُلد له محمدُ بن عليِّ بن حُسَين أبو جعفر، وسَمع محمدٌ من جابر، ورَوى عنه علمًا كثيرًا، ومات جابرٌ سنةَ ثمان وسبعين؟ قال: وإنما لم يقاتِلْ عليُّ بن حُسين هذا يومَئذٍ معَ أبيه، لأنه كان مريضًا على فراش، لا أنه كان صغيرًا. قال أبو عُمر: رَوى أهلُ العلم بالأخبار والسِّيرِ (٣) أنه كان يومَئذٍ مريضًا مضطجعًا على فراش، فلما قُتِل الحُسينُ قال شِمْرُ بن ذي الجَوْشَن: اقتُلوا هذا، فقال له رجلٌ من أصحابِه (٤): أتقتُلُ (٥) حَدَثًا مريضًا لم يقاتِلْ؟ وجاء عُمر بن سَعْد فقال: لا تعرَّضوا لهؤلاء النِّسوة، ولا لهذا المريض. قال عليُّ بن حُسين: فلما أُدخِلتُ على ابن زياد قال: ما اسمُك؟ قلت: عليُّ بن حُسَين، قال: أو لم يقتُل اللهُ عليًّا؟ قال: قلت: كان لي أخٌ يقالُ له: عليٌّ

стр. 3433

أكبرُ منّي قَتَلَه الناس، قال: بل اللهُ قَتَلَه، قلت ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فأمَرَ بقتلِه، فصاحت زينبُ ابنةُ علي: يا ابنَ زياد، حسبُك من دمائنا، أسألُك بالله إن قتَلتَه إلا قتلتَني معَه. ويقال: إنّ قريشًا رَغِبت في أُمّهاتِ الأولاد واتّخاذِهنَّ حينَ وُلد عليُّ بن الحُسَين، والقاسمُ بن محمد، وسالمُ بن عبد الله، وكلُّهم لأُمِّ وَلَد. واختُلف في وقتِ وفاة عليِّ بن حُسَين هذا؛ فالأكثرُ يقولون: إنه توفي سنةَ أربع وتسعين. قال ابنُ نُمَيْر: مات عليُّ بن الحُسين وسعيدُ بن المسيِّب وعُروةُ بن الزُّبير وأبو بكر بنُ عبد الرحمن سنةَ أربع وتسعين. قال الواقدي: وكان يقالُ: سنةُ الفقهاء (١)، وقيل: سنةَ ثلاث وتسعين. وقال أبو نُعيم الفَضْل بن دُكَين (٢): توفِّي عليُّ بن حُسَين سنةَ اثنتين وتسعين. وقال عليُّ بن محمد المدائني (٣): توفِّي عليُّ بن حُسَين سنة مئة. قال المدائني: ويقال: سنة تسع وتسعين. قال أبو عُمر: لا أعلمُ خلافًا أنه توفِّي وهُو ابنُ ثمانٍ وخمسينَ سنةً، ذَكَر ذلك ابنُ عُيينة (٤)، عن جعفر بن محمد، قال: مات عليُّ بن حُسَين وهو ابنُ ثمانٍ

стр. 3434

وخمسين سنة، وهو القائلُ: ما يسُرُّني أنّ لي بنصيبي من الذُّلِّ حُمُرَ النَّعَم (١). قال أبو عُمر: وكان ذا عَقْل وفَهْم وعِلم (٢) ودين، وله أخبارٌ صالحةٌ حِسَان، تركتُها خشيةَ الإطالة، منها: ما رَوى جَريرٌ عن شَيْبةَ بن نَعامة، قال: كان عليُّ بن حُسَين يُبَخَّلُ، فلما مات وَجَدوه يَعُول مئةَ بيتٍ بالمدينة في السرّ (٣). ومنها: ما حدَّثناه عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال (٤): حدَّثنا إبراهيمُ بن المنذر، قال: حدَّثنا حُسَين بن زيد، قال: حدَّثنا عُمر بن عليّ، أنَّ عليَّ بن حُسَين كان يَلبَسُ كساءَ خَزٍّ بخمسينَ دينارًا، يلبَسُه في الشتاء، فإذا كان الصيفُ تصَدَّق به، أو باعَه فتصَدَّق بثمنِه. قال: وكان يَلبَسُ في الصّيف ثوبَيْنِ من متاع مصرَ مُمشَّقَيْنِ، وَيلبَسُ ما دونَ ذلك من الثياب، ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ إلى آخرِ الآية.

стр. 3435

حديثٌ أوّلُ لابن شِهاب، عن عليِّ بن حُسَين مالكٌ (١): عن ابن شِهاب، عن عليِّ بن حُسَين بن عليّ، عن عُمرَ بن عثمانَ، عن أُسامةَ بن زَيْد، أنّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ". هكذا قال مالكٌ: عمرَ بنِ عثمانَ. وسائرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ يقولون: عَمْرِو بنِ عثمانَ. وقد رَواه ابنُ بكيرٍ، عن مالكٍ، على الشكِّ، فقال فيه: عن عمرَ بنِ عثمانَ. أو عمرِو بنِ عثمانَ. والثابتُ عن مالكٍ: عمرَ بن عثمانَ، كما روَى يحيى، وتابعَه القعنبيُّ (٢) وأكثرُ الرواةِ. وقال ابنُ القاسم فيه (٣): عن عمرِو بنِ عثمانَ (٤). وذكر ابنُ معينٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ مهديٍّ، أنَّه قال له: قال لي مالكُ بنُ أنسٍ: تُراني لا أعرفُ عمرَ من عمرٍو، هذه دارُ عمرَ، وهذه دارُ عمرٍو (٥)؟

стр. 3436

قال أبو عُمر: أمَّا أهلُ النَّسب فلا يختلفون أنَّ لعثمانَ بنِ عفانَ ابنًا يسمَّى عُمرَ (١)، وله أيضًا ابنٌ يسمَّى عَمْرًا، وله أيضًا: أبانُ، والوليدُ، وسعيدٌ، وكلُّهم بنو عثمانَ بنِ عفان. وقد رُويَ الحديثُ عن عمر، وعمرٍو، وأبانَ، وكان سعيدٌ قد ولي خُراسان (٢)، وهو الذي عنى مالكُ بنُ الرَّيب في قوله (٣): ألم تَرَني بِعْتُ الضلالَةَ بالهُدَى ... وأصْبَحْتُ في جيشِ ابنِ عفانَ غازيا وكان الوليدُ بنُ عثمانَ (٤) أحدَ رجالِ قريشٍ، وكان أبانُ بنُ عثمانَ (٥) جليلًا أيضًا في قريشٍ، ولي المدينةَ غيرَ مرَّةٍ، وروى عن أبيه، فليس الاختِلافُ في أنَّ لعثمانَ ابنًا يسمَّى عُمرَ، وإنَّما الاختلافُ في هذا الحديثِ؛ هل هو لعُمرَ أو عَمْرو؟ فأصحابُ ابنِ شهابٍ غيرَ مالكٍ يقولون في هذا الحديثِ: عن عليِّ بنِ حسينٍ، عن عَمْرِو بنِ عثمانَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ. ومالكٌ يقولُ فيه: عن ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حسين، عن عُمرَ بن عثمانَ، عن أسامة. وقد وقَّفه (٦) الشافعيُّ ويحيى بنُ سعيد القطَّانُ على ذلك، فقال: هو عُمر، وأبى أن يَرجِع، وقال: قد كان لعثمانَ ابنٌ يقالُ له: عُمر، وهذه دارُه.

стр. 3437

ومالكٌ لا يكادُ يقاسُ به غيرُه حفظًا وإتقانًا، لكنَّ الغلطَ لا يَسلَمُ منه أحدٌ (١)، وأهلُ الحديث يَأبَوْنَ أن يكونَ في هذا الإسنادِ إلا: عَمْرٌو، بالواو. وقال عليُّ بنُ المديني، عن سفيانَ بنِ عُيَينةَ: إنَّه قيلَ له: إنَّ مالكًا يقولُ في حديث: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ": عُمرُ بنُ عثمان. فقال سفيان: لقد سمِعتُه من الزُّهْريِّ كذا وكذا مرَّةً، وتفقَّدتُه منه، فما قال إلا: عَمْرُو بنُ عثمان. قال أبو عُمر: وممن تابعَ ابنَ عُيينة على قوله: عَمْرُو بنُ عثمان: مَعْمرٌ (٢)، وابنُ جُرَيْج (٣)، وعُقيل (٤)، ويونُسُ بنُ يزيد (٥)، وشعيبُ بنُ أبي حمزة (٦)، والأوزاعيُّ (٧) (٨)، والجماعةُ أولى أن يُسلَّمَ لها. وكلُّهم يقولون في هذا الحديث:

стр. 3438

"ولا الكافرُ المسلم". ولقد أحسنَ ابنُ وَهْبٍ في هذا الحديثِ؛ رواه عن يونسَ ومالكٍ جميعًا (١)، وقال: قال مالكٌ: عُمرُ. وقال يونسُ: عَمْرو. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢): حدَّثنا مصعبُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن عليِّ بنِ حسينٍ، عن عمرَ بنِ عثمانَ، عن أسامةَ بن زيد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يرثُ المسلمُ الكافر". قال أحمدُ بنُ زهير (٣): خالفَ مالكٌ الناسَ في هذا، فقال: عُمرُ بنُ عثمان (٤).

стр. 3439

قال أبو عُمر: أمَّا زيادةُ من زاد في هذا الحديث: "ولا الكافرُ المسلم" (١) فلا مدخلَ للقولِ في ذلك؛ لأنَّه إجماعٌ من المسلمين كافّةً عن كافّةٍ أنَّ الكافرَ لا يرثُ المسلمُ (٢)، وهي الحجَّةُ القاطعةُ الرَّافعةُ للشبهةِ، وأمَّا اقتصارُ مالكٍ على قولِه: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ" فهذا موضعٌ اختَلَف فيه العلماء، فكأنَّ مالكًا ﵀ قصَد إلى النُّكتةِ التي للقول فيها مدخلٌ، فقطَع بذلك بما رَواه من صحيح الأثرِ فيه؛ وذلك أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ، ومعاوية، وسعيدَ بنَ المسيِّب، ويحيى بنَ بِشْر (٣)، ومسروقَ بنَ الأجدع، ومحمدَ ابنَ الحنفيةِ، وأبا جعفرٍ محمدَ بنَ عليٍّ، وعبدَ الله بنَ مَعْقِل (٤)، وفرقةً قالت بقولهم، منهم: إسحاقُ بنُ راهويَة (٥) على اختلافٍ عنه في

стр. 3440

ذلك، كلُّ هؤلاء ذهبوا إلى أنَّ المسلمَ يرثُ الكافرَ بقرابتِه، وأنَّ الكافرَ لا يرثُ المسلمَ، وقالوا: نرثُهم ولا يرثوننا، كما ننكِحُ نساءهم ولا يَنكِحونَ نساءنا. وقد رُوي عن عمرَ بنِ الخطابِ مثلُ ذلك من حديثِ الثوريِّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، أنَّ عمرَ قال: أهلُ الشركِ نرثُهم ولا يرثونا (١). وقد رُوي عن عمرَ بنِ الخطابِ مثلُ قولِ الجمهورِ: لا نرثُهم ولا يرثونا. ذكر مالكٌ في "الموطَّأ" (٢)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: لا يَرِثُ أهلُ المللِ ولا يورثوا. وقولُه في عَمَّةِ الأشعثِ بنِ قيسٍ: يرثُها أهلُ دينها مَشْهورٌ صحيحُ أيضًا، رواه ابنُ جريج (٣)، ومالكٌ (٤)، وابن عيينةَ (٥)، وغيرُهم، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن محمدِ بنِ

стр. 3441

الأشعثِ. ورَواه ابنُ جريج أيضًا، عن عَمْرو بن ميمون، عن العُرسِ بنِ قيسٍ (١)، عن عمرَ بنِ الخطابِ في عَمَّةِ الأشعثِ بن قيسٍ: يرثُها أهلُ دينها (٢). والحجَّةُ فيما تنازعَ فيه المسلمون كتابُ الله، فإن لم يوجد فيه بيانُ ذلك فسنَّة رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، وقد ثبَت عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - أنَّه قال: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ" من نقلِ الأئمَّةِ الحفَّاظِ الثِّقات، فكلُّ من خالفَ ذلك محجوجٌ به، والذي عليه سائرُ الصحابةِ والتابعين، وفقهاءُ الأمصار، مثلَ: مالك، والليث، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفة، والشافعيِّ، وسائرُ من تكلَّم في الفقهِ من أهل الحديث، أنَّ المسلمَ لا يرثُ الكافر، كما أن الكافرَ لا يرثُ المسلم، اتباعًا لهذا الحديث، وأخذًا به (٣)، وبالله التوفيق. إلا أنّ الفقهاءَ اختَلفوا في معنى هذا الحديث في (٤) ميراثِ المرتدّ؛ فذهَب أبو حنيفةَ وأصحابُه - وهو قولُ الثوريِّ في روايةٍ - أنَّ المرتدَّ يرثُه ورثتُه من المسلمين، ولا يرثُ المرتدُّ أحدًا (٥).

стр. 3442

وروى عبدُ الرزاق (١)، عن الثوريِّ في المرتدِّ، قال: إذا قُتِل فمالُه لورثتِه، وإذا لحِق بأرضِ الحربِ فمالُه للمسلمين، إلا أنْ يكونَ له وارثٌ على دينِه في أرضِ الحربِ، فهو أحقُّ به. وقال قتادةُ (٢) وجماعةٌ: ميراثُه لأهلِ دينه الذي ارتدَّ إليه. وذكر عبدُ الرزاقِ (٣)، قال: أخبرنا ابنُ جريج، قال: الناسُ فريقان؛ فريقٌ منهم يقولُ: ميراثُ المرتدِّ للمسلمين؛ لأنه ساعةَ يكفُرُ توقفُ عنه، فلا يقدرُ منه على شيءٍ حتى يُنظرَ أيُسلِمُ أم يكفُرُ، منهم: النَّخَعيُّ، والشعبيُّ، والحكمُ بنُ عُتيبةَ، وفريقٌ يقولون: لأهلِ دينه. قال أبو عُمر: ليس هذا موضِعَ ذكرِ الحُكم في مالِ المرتدّ، وغرضُنا القولُ في ميراثِه فقط، وحجَّةُ أبي حنيفة (٤) ومن قال بقوله في أنّه يرثُه ورثتُه المسلمون، أنَّ قرابةَ المرتدِّ من المسلمين قد جمعوا سببين: القرابةَ والإسلامَ، وسائرُ المسلمين انفردوا بالإسلام، والأصلُ في المواريثِ أنّ مَن أدْلى بسببَيْنِ كان أوْلى بالميراث. ومن حجَّتِهم أيضًا (٥): أنَّ عليًّا ﵁ قتَل المستوردَ العِجْليَّ على الرِّدَّة، وورَّث ورثتَه مالَه. حديثُه هذا عندَ أصحابِ الأعمشِ الثِّقات، عن الأعمشِ، عن أبي عَمْرٍو الشيبانيِّ، قال: أُتي عليٌّ بالمُسْتَوْرِد العِجْليِّ وقد ارتدَّ، فعرض عليه

стр. 3443

الإسلامَ فأبى، فضرب عنقَه، وجعَل ميراثَه لورثته من المسلمين (١). وعن ابن مسعودٍ مثلُ قول عليٍّ (٢). وقد رُوي عن عليٍّ في غيرِ المستوردِ مثلُ ذلك؛ رواه معمرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي عَمْرٍو الشيبانيِّ، قال: أُتي عليٌّ بشيخٍ كان نصرانيًّا فأسلمَ، ثم ارتدَّ عن الإسلام، فقال له عليٌّ: لعلَّك إنما ارتددْتَ لأن تُصيبَ ميراثًا ثم ترجعَ إلى الإسلام؟ قال: لا. قال: لعلَّكَ خطْبتَ امرأةً فأبَوْا أن يُنكِحوكها، فأردتَ أن تزوَّجَها ثم تعودَ إلى الإسلام؟ قال: لا. قال: فارجعْ إلى الإسلام. قال: أمَّا حتى ألقَى المسيحَ فلا. فأمَر به عليٌّ فضُرِبت عنقُه، ودفَع ميراثَه (٣) إلى ولدِه المسلمين (٤). وروى ابنُ عيينة (٥)، عن موسى بنِ أبي كثيرٍ، قال: سُئِل سعيدُ بنُ المسيِّب

стр. 3444

عن المرتدِّ، فقال: نرثُهم ولا يرثونا (١). وروى عبدُ الرزاق، قال (٢): أخبرنا معمرٌ، عن إسحاقَ بنِ راشدٍ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيز كتب في رجلٍ من المسلمين أُسِر فتنصَّرَ: إذا عُلم ذلك بَرِئت منه امرأتُه، واعتدَّتْ منه ثلاثةَ قروء، ودُفِع مالُه إلى وَرَثتِه من المسلمين. وروى هشامُ بنُ عبيدِ الله (٣)، عن ابنِ المباركِ، عن سفيانَ الثوريِّ، قال: مالُ المرتدِّ لورثتِه المسلمين، وما أصابَ في ارتدادِه فهو للمسلمين. قال: وإن وُلِد له ولدٌ في ارتدادِه لم يُوارِثهُ (٤). وقال يحيى بنُ آدم: المرتدُّونَ لا يرثون أحدًا من المسلمين والمشركين، ولا يرثُ بعضُهم بعضًا، ويرثُهم أولادُهم أو ورثتُهم المسلمون. وتأوَّلَ من قال بهذا القولِ في قولِ النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ" أنَّه أراد الكافرَ الذي يُقَرُّ على دينه، ويكونُ دينُه ملّةً يُقَرُّ عليها. ومما يوضِّحُ ذلك قولُ النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -: "لا يتوارثُ أهلُ ملَّتين" (٥). وأمّا المرتدُّ فليس كذلك (٦).

стр. 3445

وقال مالكٌ (١)، والشافعيُّ (٢): المرتدُّ لا يرثُ ولا يورَثُ، فإن قُتِل على ردَّتِه، فمالُه في بيتِ مالِ المسلمين، يجري مجرَى الفَيء. وهو قولُ زيدِ بنِ ثابت، وربيعة. والحجَّةُ لمن ذهَب هذا المذهبَ ظاهِرُ القرآنِ في قطع ولايَةِ الكفارِ من المؤمنين، وعمومُ قولِ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ". فلم يخُصَّ كافرًا مُستقِرَّ الدِّين أو مرتدًّا، وليس يصيرُ ميراثُه في بيتِ المالِ من جهةِ الميراث، ولكن سُلِك به سبيلُ كلِّ مالٍ يرجعُ على المسلمين لا مُستَحِقَّ له، وهو فيءٌ؛ لأنه كافِرٌ ولا عهدَ له، ولا حُجَّةَ لهم في قولِ عليٍّ؛ لأنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ يُخالِفُه، وإذا وجِد الخلافُ وجب النَّظَرُ وطلَبُ الحجَّةِ، والحجَّةُ قائمَةٌ بقوله ﷺ : "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ" قولًا عامًّا مطلقًا، والمرتدُّ كافرٌ لا محالة، وقد يجوزُ أن يكونَ عليُّ بنُ أبي طالب صرَف مالَ ذلك المرتدِّ إلى ورثتِه لما رأى في ذلك من المصلحةِ؛ لأنَّ ما يُصرَفُ إلى بيت المالِ من الأموالِ فسبيلُه أن يُصرَفَ في المصالح. وقد روى معمرٌ، عمَّن سَمِع الحسنَ، قال في المرتدِّ: ميراثُه للمسلمين، وقد كانوا يطيِّبونَه لورثتِه (٣). ورَوَى الثوريُّ، عن عَمْرِو بنِ عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: كان المسلمون يطيِّبونَ لورثةِ المرتدِّ ميراثَه (٤). وقد أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا طاهرُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا عَبّادُ بنُ محمدِ بنِ عَبّاد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي

стр. 3446

حكيم، قال: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا يرثُ الكافرُ المسلمَ، إلا أن يكونَ عبدًا له فيرثُه (١). وروى الثوريُّ، عن موسى بن أبي كثيرٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّب عن المرتدِّ: كم تعتدُّ امرأتُه؟ قال: ثلاثةَ قروءٍ. قلتُ: إنه قتِل. قال: فأربعةَ أشهرٍ وعشرًا. قلتُ: أيوصلُ ميراثُه؟ قال: ما يوصلُ ميراثُه؟ قلتُ: يرثُه بنوه؟ قال: نرثُهم ولا يَرثونا (٢). حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي خَيْثمةَ، قال: حدَّثنا موسى (٣)، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ كثير (٤)، عن أبي الصَّبَّاح (٥)، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّب عن ميراثِ المرتدِّ، فقال: نرثُهم ولا يَرِثونا (٦).

стр. 3447

قال أبو عُمر: قولُ سعيدٍ هذا يحتملُ التَّأويل؛ لأنه ممكنٌ أن يكونَ أراد أن يُثبِتَ المالَ في أمره، كالميراثِ. وفي مالِ المرتدِّ (١) قولٌ ثالثٌ، أنه ما اكتسبَه قبلَ الرِّدَّةِ فلورَثَتِه، وما اكتسبَه بعدَ ردَّته فهو في بيتِ مالِ المسلمين. وقد تقدَّم هذا القولُ عن الثَّوريِّ (٢). وفيه قولٌ رابعٌ؛ روى شعبةُ، عن قتادةَ، أنه كان يقولُ في المرتدِّ: ميراثُه لأهلِ دينه الذي تولى. وروى مطرٌ الورَّاقُ، عن قتادةَ، نحوَه. والقولُ في أحكام المرتدِّ وتصرُّفِه في ماله، وتوقيفه عنه، وحُكْم امرأتِه وأمَّهاتِ أولادِه واسْتِتابتِه، وغير ذلك من أحكامه، يطولُ ذكرُه، وليس هذا موضعَه، وإنما ذكرنا من ذلك هاهنا ما كان في معنَى لفظِ حديثنا على ما شرَطنا، وقد مضَى حُكْمُ من ارتدَّ في استتابتِه وقتلِه مجوَّدًا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، عندَ قوله ﷺ : "من بدَّلَ دينَه فاضربوا عنقَه" (٣). وفي معنى حديثنا هذا ميراثُ الكافرِ من الكافرِ، وقد اختَلَف العلماءُ في توريثِ اليهوديِّ من النَّصرانيِّ ومن المجوسيِّ، على قولين؛ فقالت طائفةٌ: الكفرُ كلُّه ملَّةٌ واحدةٌ، وجائزٌ أن يرثَ الكافرُ الكافرَ، كان على شريعتِه أو لم يكنْ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ مَنَع من ميراثِ المسلم الكافرَ، ولم يَمْنَعْ من ميراثِ الكافرِ الكافرَ. وتأوَّلَ من قال هذا القولَ في قوله ﷺ : "لا يَتَوارثُ أهلُ ملَّتين شتَّى". قال: الكفرُ كلُّه ملَّةٌ، والإسلامُ ملَّةٌ. وممن قال هذا القول: الثوريُّ، والشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم، وابنُ شُبرمةَ، وأكثرُ الكوفيِّين، وهو قولُ إبراهيمَ (٤).
следующие страницы →