← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3478–3517 · переход к 3483.

стр. 3478

حديثٌ ثالثٌ، لابن شِهاب، عن عليِّ بن الحُسَين مُرسلٌ مالك (١)، عن ابنِ شهاب، عن علي بن حُسين، عن علي بن أبي طالب، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه". هكذا رواه جماعةُ رُواة الموطأ عن مالك فيما علمتُ، إلا خالدَ بنَ عبد الرحمن الخُراسانيَّ (٢)، فإنه رواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عليِّ بن الحُسَين، عن أبيه، وكان يحيى بنُ سفيان (٣) يُثْني على خالد بن عبد الرحمن الخُراساني خيرًا، وقد تابعه موسى بن داود الضَّبي (٤) قاضي طَرَسُوس، فقال فيه أيضًا عن أبيه: وهما جميعًا لا بأسَ بهما، إلا أنَّهما ليس بالحجة على جماعة رُواةِ الموطَّأ الذين لم يقولوا فيه عن أبيه. فأمّا روايةُ خالدِ بنِ عبدِ الرحمن؛ فحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسَنُ بنُ رشيقٍ، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونُسَ، قال: حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمن الخُراسانيُّ، قال: حدَّثنا

стр. 3479

مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حسينٍ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (١). وحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو بنِ جابرٍ وأبو جُمعةَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ كثير، قال: أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا أبو هريرة محمدُ بنُ عليِّ بنِ حمزَةَ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنَ كثير، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمن الخُراسانيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (٢). أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا بَحْرُ بنُ نصرِ بنِ سابقٍ وسعدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكَم بنِ أعيَنَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ، قالا: حدَّثنا خالِدُ بنُ عبدِ الرحمن الخُراسانيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ - زادَ سعدٌ: وعبدُ الله بنُ عُمرَ العُمَريُّ - عن الزهريِّ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (٣).

стр. 3480

وأمَّا روايةُ موسى بنِ داودَ، فأخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مخلَدِ بنِ حَفْصٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ مَرْوانَ العتيقُ (١) مِن كتابِه، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ وعبدُ الله بنُ عمرَ العُمَريُّ (٢)، عن ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (٣). قال أبو عُمر: إنما أُوتيَ فيه خالدُ بنُ عبدِ الرحمن وموسى بنُ داودَ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّهما حمَلا حديثَ مالكٍ في ذلك على حديثِ العُمَريِّ، عن الزُّهريِّ فيه.

стр. 3481

ورواه زيادُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، واختُلِف في حديثِه على ابنِ المقرئ. حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبَّارِ بنُ أحمدَ السمرقَنْديُّ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يزيدَ المقرئ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيادِ بنِ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه". حدَّثني محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُفضَّلُ بنُ محمدٍ الجَنَدِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المُقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عن زيادِ بنِ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (٢). وكذلك رواه ابنُ المباركِ، عن ابنِ عُيينةَ، عن زيادِ بنِ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حُسين مُرسلًا. وأمّا (٣) عبدُ الجبَّارِ، فقد أخطأ فيه وأعضَلَ (٤)، ولا مدخلَ لسعيدِ بنِ المسيِّب في هذا الحديثِ، ولا يصحُّ فيه عن الزهريِّ إلا إسنادانِ؛ أحدُهما: ما روَاه مالكٌ ومن تابعَه، وهم أكثرُ أصحابِ الزهريِّ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ مرسَلًا.

стр. 3482

والآخَرُ: ما رواه الأوزاعيُّ، عن قُرَّةَ بنِ حَيْوِيل (١)، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هُريرةَ مُسندًا. والمُرسَلُ عن عليِّ بن حُسَينٍ أشهرُ وأكثرُ، وما عدَا هذينِ الإسنادَينِ فخَطأٌ لا يُعرَّجُ عليه (٢). وأما حديثُ قرَّةَ بنِ حَيْوِيل، فحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسينِ أبو الجَهْم الدمَشقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ، قال: حدَّثنا أبو مُسْهرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله بنِ سَماعةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن قُرةَ بنِ حَيْوِيل، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (٣). وحدَّثنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِريابيُّ. وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدِ بنِ لؤلؤ البغدَادِيُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ سَهل الجَونيُّ أبو عمرانَ، قالا: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شُعيبٍ (٤)، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ،

стр. 3483

عن قُرَّةَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ حَيْوِيل، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضلِ بنِ العباسِ الخفَّافُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ الرافقيُّ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ بنِ مَزْيدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني الأوزاعيُّ، قال حدَّثني قُرَّةُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ حَيْوِيل، قال: حدَّثني الزهريُّ، قال: حدَّثني أبو سلمةَ، قال: حدَّثني أبو هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِن حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" (٢). قال أبو عُمر: كلامُه هذا ﷺ مِن الكلام الجامع للمعاني الكثيرةِ الجليلةِ، في الألفاظِ القليلةِ، وهو مما لم يَقُلْه أحدٌ قبلَه، واللهُ أعلمُ، إلا أنَّه قد رُوي عنه ﵇ أنه قال: "في صُحُفِ إبراهيمَ: من عَدَّ كلامَه من عملِه، قَلَّ كلامُه إلا فيما يَعْيِنه". حدَّثنا محمدُ بنُ خَليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ (٣)، قال: حدَّثنا الفريابيُّ (٤)، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ هشام بنِ يحيى الغَسَّانيُّ (٥)، قال: حدَّثني أبي،

стр. 3484

عن (١) جدِّي، عن أبي إدريسَ الخولانيِّ، عن أبي ذَرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ما كانت صحفُ إبراهيمَ ﵇؟ قال: "كانت أمثالًا كُلُّها". فذكرَ الحديثَ. قال: وكان فيها: "وعلى العاقلِ أن يكونَ بصيرًا بزمانِه، مُقبلًا على شانِه، حافظًا للسانِه، ومَن حسَبَ كَلامَه مِن عملِه، قلَّ كلامُه إلا فيما يَعْنِيه" (٢). وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا محمودُ بنُ خالدٍ (٣)، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبدِ العزيز، قال: وقَف رجلٌ على لُقمانَ الحكيم وهو في حَلْقةٍ عظيمةٍ، فقال: ألستَ عبدَ بني الحَسْحاسِ؟ فقال: بلَى. قال: فأنَّى بلَغتَ ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله، وصِدْقُ الحديثِ، وتركي ما لا يَعنيني (٤). وذكَرَ مالِكٌ في "مُوطَّئِه" (٥)، أنَّه بلَغه أنَّه قيل للقمانَ: ما بلَغ بكَ ما نرى؟ يُريدونَ الفَضْلَ، فقال لقمانُ: صِدقُ الحديثِ، وأداءُ الأمانِة، وتركي ما لا يَعْنيني.

стр. 3485

وروى أبو عُبيدةَ، عن الحسنِ، قال: من علامةِ إعراضِ الله عن العبدِ أن يجعلَ شُغْلَه فيما لا يَعنيه (١). وقال سابِقٌ (٢): والنفسُ إن طَلَبتْ ما ليسَ يَعْنِيها ... جَهلًا وحُمْقًا تقعْ فيما يُعَنِّيها وقال الحسنُ بنُ حُميدٍ: إذا عَقَل الفَتَى استَحْيَا وأتْقَى ... وقَلَّتْ مِن مَقالتِه الفضُولُ حدَّثنا عبدُ الرحمن، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدِ بنِ مسرورٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمانَ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ (٣)، قال: أخبرني سَحْبل (٤) بنُ محمدٍ الأسلميُّ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عجلانَ يقولُ: إنَّما الكلامُ أربعةٌ: أن تذكُرَ اللهَ، أو تقرأَ القرآنَ، أو تُسألَ عن علم فتُخبِرَ به، أو تتكلَّمَ فيما يَعنيكَ مِن أمرِ دُنياكَ. قال أبو عُمر: رَوَينا عن أبي داودَ السِّجِستانيِّ ﵀، أنه قال (٥): أُصولُ السُّنَنِ في كلِّ فنٍّ أربعةُ أحاديثَ:

стр. 3486

أحدُهما: حديثُ عمرَ بنِ الخطابِ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، ولكلِّ امرئ ما نوى" (١). والثاني: حديثُ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "الحلالُ بينٌ، والحرامُ بينٌ، وبينَ ذلك أمورٌ مُشتبِهاتٌ، فمَن اتَّقى الشبُهاتِ استَبرأ لدينِه وعِرضِه" (٢) الحديثَ. والثالثُ: حديثُ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : "مِن حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه". والرابعُ: حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "ازهدْ في الدُّنيا يُحبَّكَ اللهُ، وازْهَدْ فيما في أيدِي الناس يُحبَّكَ الناسُ" (٣). حدَّثنا أحمدُ بن محمد، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمد بن مَسْرور (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سُليمان، قال: حدَّثنا سُحْنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني سَحْبَلُ بن محمد الأسْلَميُّ، قال: سمعتُ محمدَ بن عَجْلان يقول: إنّما الكلامُ أربعة: أن تَذكُرَ الله، أو تقرأَ القرآنَ، أو تُسأَل عن عِلم فتُخبِرَ به، أو تتكلَّمَ فيما يعنيكَ من أمرِ دُنياك (٥).

стр. 3487

ابنُ شِهاب، عن عَبّادِ بن تَميم الأنصاريِّ حديثٌ واحدٌ مُسْندٌ وهو: عَبّاد بنُ تَميم بن زيد (١) بن عاصم الأنصاريُّ، من بني مازِن بن النجَّار، قد ذكَرْنا أباه وعمَّه عبدَ الله بنَ زَيْد في كتابِنا في "الصحابة" (٢) بما أغنى عن ذِكْر نَسَبِه هاهنا. وعَبّادُ بن تَميم أحدُ ثقاتِ التابعينَ بالمدينة، رَوى عن عمِّه وأبي هُريرة، ورَوى عنه الزُّهْري، وأبو بكر بنُ عَمْرو بن حَزْم، وابنُه عبدُ الله بن أبي بكر، وغيرُهم من علماءِ أهل المدينة (٣). مالكٌ (٤)، عن ابنِ شهابٍ، عن عبَّادِ بنِ تَميم، عن عمِّه، أنَّه رأى رسولَ الله ﷺ مُستلقيًا في المسجدِ، واضعًا إحدى رجلَيه على الأخرى. هكذا رواه مالكٌ وسائرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ عنه، عن عبّادِ بنِ تميم، عن عمِّه. ووَهِم فيه عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ (٥)، فروَاه ابنُ شهابٍ، عن محمود بنِ لَبيدٍ، عن عبَّادِ بنِ تميم، عن عمِّه، قال: وكانت له صُحْبة، أنَّه رأى النبيَّ ﷺ يستلقي ثم ينصِبُ إحدى رجلَيه، ويعرضُ عليها الأخرى.

стр. 3488

حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حبابةَ (١)، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ (٢) وبشرُ بنُ الوليدِ، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ. فذكره (٣). ولا وجهَ لذكرِ محمودِ بنِ لبيدٍ في هذا الإسنادِ، وهو من الوَهَم البيِّنِ عندَ أهلِ العلم (٤). وأظنُّ واللهُ أعلمُ، أنَّ السببَ الموجبَ لإدخالِ مالكٍ هذا الحديثَ في "موطَّئِه" ما بأيدِي العلماء من النهي عن مثلِ هذا المعنَى، وذلك أنَّ الليثَ بنَ سعدٍ (٥)، وابنَ جُريج (٦)، وحمّادَ بنَ سلمةَ (٧) , رووا عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: نهَى رسول الله ﷺ أن يضعَ الرجلُ إحدَى رجلَيه على الأخرَى وهو مُستَلقٍ على ظهرِه.

стр. 3489

وروى محمدُ بنُ مسلم الطائفيُّ، عن عَمْرِو بنِ دينارٍ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ نهىَ أن يضعَ الرجلُ إحدَى رجلَيه على الأخرى ويستلقي. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ السَّبِيعيُّ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا البغويُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الواهبِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم الطائفيُّ، فذكَره (١). فنرَى، واللهُ أعلمُ، أنَّ مالكًا بلَغه هذا الحديثُ، وكان عندَه عن ابنِ شهابٍ، حديثُ عبَّادِ بنِ تميم هذا، فحدَّث به على وجهِ الدَّفع لذلك، ثم أردفَ هذا الحديثَ في "موطئِه" بما رَواه عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ كانا

стр. 3490

يفعلانِ ذلك (١). فكأنَّه ذهَب إلى أنَّ نهيَه عن ذلك منسوخٌ بفعلِه (٢)، واستدلَّ على نسخِه بعملِ الخليفتين بعده، وهما لا يجوزُ أن يخفَى عليهما النَّسخُ في ذلك وغيرِه من المنسوخ مِن سائرِ سُننِه ﷺ . ومن أوضَح الدلائلِ على أنَّ المتأخِّرَ من ذلك عملُ الخلفاء والعلماء بما عمِلوا به فيه، ولو لم يوجَدْ على ذلك دليلٌ يتبيَّنُ الناسخُ منه من المنسوخ، لكان النظرُ يشهَدُ لحديثِ مالكٍ؛ لأنَّ الأمورَ أصلُها الإباحةُ حتى يثبُتَ الحظرُ، ولا يثبتُ حكمٌ على مسلم إلا بدليل لا معارضَ له، وبالله التوفيقُ. أخبرنا عبدُ الرحمن، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبَّادِ بنِ تميم، عن عمِّه، أنَّه رأى رسولَ الله ﷺ مُستلقِيا في المسجدِ، واضِعًا إحدى رجليهِ على الأخرى (٣).

стр. 3491

قال: وأخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبادِ بنِ تميم، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ وعثمانَ بنَ عفانَ كانا يفعلان ذلك (١). قال: وأخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب مثلَ ذلك (٢). هكذا ذكره ابنُ وَهْبٍ في "جامعِه"، وهو خلافُ ما في "الموطأ" من إسناده، وفي ذكرِه موضعَ أبي بكرٍ عثمانَ (٣). قال ابنُ وَهْب: وأخبرني يونُس، عن ابن شهاب، قال: حدَّثني عمرُ بنُ عبد العزيز، أنَّ محمدَ بن نَوْفَل أخبره، أنه رأى أُسامةَ بنَ زيد بن حارثةَ في مسجدِ رسولِ الله ﷺ يفعلُ ذلك (٤). قال: وأخبرني أُسامةُ بنُ زَيْد اللَّيْثي، عن نافع، أنه رأى ابنَ عُمر يفعلُ ذلك (٥).

стр. 3492

ابنُ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمر تسعةُ أحاديثَ منها ثلاثةٌ مرسَلة، وغيرُها متّصلةٌ مُسنَدة، ومنها حديثٌ واحد، شرَك سالمًا فيه أخوه حمزةُ بنُ عبد الله بن عُمر. وسالمُ يُكْنَى أبا عَمْرو، كان أشبَهَ وَلَدِ عبد الله بن عُمَرَ بعبدِ الله بن عُمر (١). وذَكَر مالكٌ، عن يحيى بن سَعيد، عن سَعِيد بن المُسيِّب، قال: كان أشبَهَ وَلَدِ عُمرَ بن الخطّاب به عبدُ الله بن عُمر، وكان أشبَهَ وَلَد عبد الله بن عُمر به سالم (٢). قال أبو عُمر: كان عبدُ الله بنُ عُمر مُحبًّا في سالم فيما ذَكَروا، وكان يُفرِطُ في حبِّه فيُلامُ أحيانًا في ذلك، فكان يقول (٣): يلومونَني في سالمٍ وألومُهمْ ... وجِلدةُ بينَ العَيْنِ والأنفِ سالمُ ويُروى: يُدِيرونَني (٤) في سالمٍ وأُدِيرُهمْ ... وجِلدةُ بينَ العَيْنِ والأنفِ سالمُ

стр. 3493

وكان سالمٌ ناسِكًا يَلبَسُ الصُّوفَ، وكان فقيهًا جليلًا، أحدَ الفُقهاء العشَرة منَ التابعينَ بالمدينة (١)، وكان حَسنَ الخُلُق، مُداعِبًا، له أخبارٌ ظريفةٌ معَ أشْعبَ الطَّمِع (٢). وكان أسمرَ شديدَ السُّمْرة، يَخضِبُ بالحِنّاء. أُمُّه أُمُّ وَلَد. رَوى عنه القاسمُ بن محمد. ذَكَر الحَسنُ الحُلْواني، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا حَنْظَلة، عن القاسم، أنَّ سالمَ بنَ عبد الله، قال: لو فاتَني من الجُمُعة ركعةٌ، ما زدتُ على أنْ أركعَ إليها ركعةً أخرى. وكان سالمٌ سريعَ الكلام. وذَكَر الحُلْوانيُّ، عن سُليمانَ بن حَرْب، عن حَمّاد بن زَيْد، عن أيّوبَ، قال: سمعتُ سالمًا يُسألُ عن التيمُّم، فقال: ضَرْبةٌ للوَجْه، وضربةٌ لليدَيْن إلى المِرْفَقين، وكان سريعَ الكلام. قال الحُلْواني: وحدَّثنا المُعَلَّى بنُ أسَد (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن مُختار، عن عليِّ بن زَيْد، عن سَعِيد بن المُسيِّب، قال: قال لي عبدُ الله بن عُمر: هل تَدْري لِمَ سَمَّيتُ ابني سالمًا؟ قلت: لا، قال: باسم سالم مَوْلى أبي حُذَيفة. وهل تدري لِمَ سَمَّيتُ ابني واقدًا؟ قلت: لا، قال: باسم واقِد بن عبد الله اليَربُوعي. وهل تدري لِمَ سَمَّيتُ ابني عبدَ الله؟ قلت: لا، قال: باسم عبدِ الله بن رَواحة (٤).

стр. 3494

حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابي، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: قُرئ على الحارثِ بن مِسكين - وأنا شاهدٌ - أخبَرَكمُ ابنُ وَهْب، قال: أخبرَني مالكٌ، قال: أنّ فُتْيا ابنِ شهاب، ووَجْهَ ما كان يأخُذُ به: إلى قولِ سالم، وسعيدِ بن المُسيِّب (١). وتوفِّي سالمٌ سنةَ ستٍّ ومئة بالمدينة، لم ينتقلْ عنها حتى مات فيها، وصَلّى عليه هشامُ بن عبد الملِك، كان حَجَّ تلك السنةَ ثم قَدِم المدينةَ زائرًا، فوافَقَ موتَ سالم فصَلَّى عليه (٢). واختُلف في موضع صلاتِه عليه؛ فقال قومٌ: صَلَّى عليه بالبَقِيع، ذَكَر ذلك الواقديُّ (٣)، عن أفلحَ بن حُميد وخالد بن القاسم. وقال آخرون: صَلّى عليه في مسجدِ رسُولِ الله ﷺ . ذَكَر ذلك ابنُ أبي خَيْثمةَ (٤)، عن موسى بن إسماعيل، عن حَمّاد بن سَلَمة، عن حُمَيد الطّويل، قال: صَلَّينا على سالم بن عبد الله عندَ مسجدِ النبيِّ ﷺ . ولم يختلفوا في سائر ما ذَكَرتُ لكَ، والله أعلم. إلّا أنّ وَهْبَ بن جَرير قال: توفِّي سالمٌ سنةَ ثمانٍ ومئة، وقال غيرُه كثيرٌ: توفِّي سنةَ ستٍّ ومئة، وكذلك قال ضَمْرةُ، عن ابن شَوْذَب (٥): شَهِدتُ جِنازةَ سالم بن عبد الله سنةَ ستٍّ ومئة. قال ضَمْرةُ (٦)، عن ابن شَوْذب: حَجَّ هشامُ بن عبد الملك سنةَ ستٍّ ومئة، فمَرَّ بالمدينة، فعاد سالمَ بنَ عبد الله، وكان مريضًا، ثم انصَرف، فوَجَده قد مات، فصلَّى عليه، وذلك سنةَ ستٍّ ومئة.

стр. 3495

حديثٌ أولُ لابن شِهاب، عن سالم مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عُمر، عن أبيه (٢)، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان إذا افْتَتحَ الصَّلاةَ رفَعَ يدَيْه حَذْوَ مَنكِبيه، وإذا رفَع رأسَه من الركُوع رفَعَهُما كذلك وقال: "سَمِع اللهُ لمن حَمِدَه، ربَّنا ولكَ الحمدُ"، وكان لا يفعلُ ذلك في السُّجُود. هكذا رواه يحيى عن مالك، لم يَذكرْ فيه الرفعَ عندَ الانحطاطِ إلى الركوع (٣)، وتابَعه على ذلك جماعةٌ من الرُّواة لـ "الموطّأ" عن مالك؛ منهم: القَعْنَبيُّ (٤)، وأبو مصعب (٥)، وابنُ بُكَيْر، وسعيدُ بنُ الحكَم بن أبي مريم، ومَعْنُ بنُ عيسى، والشافعيُّ (٦)،

стр. 3496

ويحيى بنُ يحيى النيسابُوريُّ، وإسحاقُ بنُ الطبّاع، ورَوْحُ بنُ عُبادةَ، وعبدُ الله بنُ نافع الزُّبَيْريُّ، وكاملُ بنُ طَلْحَة (١)، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحُنَيْنيُّ، وأبو حُذافةَ أحمدُ بنُ إسماعيل، وابنُ وَهْب في روايةِ ابنِ أخيه عنه. ورواه ابنُ وَهْب (٢)، وابنُ القاسم (٣)، ويحيى بنُ سعيد القطّان (٤)، وابنُ أبي أُوَيْس، وعبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ (٥)، وجُوَيْرِيَةُ بنُ أسماء، وإبراهيمُ بنُ طَهْمان، وعبدُ الله بنُ المبارك (٦)، وبِشْرُ بنُ عمرَ (٧)، وعثمانُ بنُ عمرَ (٨)، وعبدُ الله بنُ يوسف التِّنِّيسيُّ (٩)، وخالدُ بنُ مَخْلَد (١٠)، ومكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، ومحمدُ بنُ الحسن

стр. 3497

الشَّيْبانيُّ (١)، وخارِجَةُ بنُ مصعب، وعبدُ الملك بنُ زيادٍ النَّصِيبيُّ (٢)، وعبدُ الله بنُ نافع الصائغُ، وأبو قُرَّةَ موسى بنُ طارق، ومُطَرِّفُ بنُ عبد الله، وقُتيبةُ بنُ سعيد (٣)، كلُّ هؤلاء رَوَوه عن مالكٍ، فذَكروا فيه الرفع عندَ الانحطاطِ إلى الركوع. قالوا فيه: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَرفَعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصَّلاةَ حَذْوَ مَنْكِبيه، وإذا رَكَعَ، وإذا رَفعَ رأسَه من الركوع (٤). ذكَر الدّارَقُطني الطُّرقَ عن أكثرِهم، عن مالك كما ذكَرنا، وهو الصَّواب. وكذلك رواه سائرُ مَن رواه عن ابنِ شهاب، وممن رَوَيْنا ذلك عنه من أصحاب ابنِ شهاب: الزُّبَيْدِيُّ (٥)، ومَعْمَرٌ (٦)، والأوزاعيُّ (٧)، ومحمدُ بنُ إسحاق، وسفيانُ بنُ

стр. 3498

حسين، وعُقَيْلُ بنُ خالد (١)، وشُعَيبُ بنُ أبي حمزة (٢)، وابنُ عُييْنة (٣)، ويونس بن يزيد (٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ (٥)؛ كلُّهم رَوَوا هذا الحديثَ عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه (٦)، عن النبيِّ ﷺ ، كما رواه ابنُ وَهْب ومن ذكَرنا معه من أصحابِ مالك، وقد ذكَرنا طُرقَ هذا الخَبرِ في غيرِ هذا الكتاب، وترَكْنا الأسانيدَ عن هؤلاءِ في ذلك هاهُنا خَشيةَ الإطالة. وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ إسقاطَ ذِكْرِ الرَّفْع عندَ الانحطاطِ في هذا

стр. 3499

الحديث إنّما أتَى من مالك، وهو الذي كان ربَّما وهِمَ فيه (١)؛ لأنَّ جماعةً حُفّاظًا رَوَوا عنه الوَجْهَين جميعًا. قال أبو عُمر: هذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ الأربعةِ التي رفَعها سالم، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، وأوقَفَها نافعٌ عن ابنِ عمر (٢)؛ فمنها ما جعَله من قولِ ابنِ عمرَ وفعلِه، ومنها ما جعَله عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، والقولُ فيها قولُ سالم، ولم يَلتفتِ الناسُ فيها إلى نافع؛ فهذا أحدُها. والثاني: "من باعَ عبدًا وله مالٌ" (٣). جعَله نافعٌ عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ قولَه.

стр. 3500

والحديثُ الثالثُ: "الناسُ كإبلِ مئةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها راحِلَة" (١). والرابع: "فيما سَقَتِ السَّماءُ والعُيونُ أو كان بَعْلًا: العُشْرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ: نصفُ العُشْر" (٢).

стр. 3501

وفي هذا الحديث من الفقهِ: رفعُ اليدَين في المواضع المذكورة فيه، وذلك عندَ أهلِ العلم تَعْظيمٌ لله، وابتهالٌ إليه، واستسلامٌ له، وخُضوعٌ للوقوفِ بينَ يدَيْه، واتِّباعٌ لسُنَّةِ رسولِه ﷺ . واختَلَف العلماءُ في رَفْعِ اليدَين في الصَّلاة؛ فرَوَى ابنُ القاسم وغيرُه عن مالك، أنَّه كان يرَى رَفْعَ اليدَين في الصَّلاةِ ضعيفًا إلّا في تكبيرةِ الإحرام (١) وحدَها، وتعلَّقَ بهذه الرِّوايةِ عن مالكٍ أكثرُ المالِكيِّينَ، وهو قولُ الكُوفيِّينَ: سُفيانَ الثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، والحَسَنِ بنِ حيٍّ، وسائرِ فقهاءِ الكوفة، قديمًا وحديثًا (٢). قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ ﵀ في كتابِه في رَفْعِ اليَدَين من "الكتابِ الكبير" (٣): لا نعلَمُ مِصْرًا من الأمصارِ يُنسَبُ إلى أهلِه العلْمُ قديمًا تَرَكوا بأجمَعِهم (٤) رَفْعَ اليَدَين عندَ الخفضِ والرَّفْع في الصلاةِ إلّا أهلَ الكوفة (٥). وروَى ابنُ وَهْب (٦) والوليدُ بنُ مسلم وسعيدُ بنُ أبي مريمَ وأشهبُ (٧) وأبو المُصْعَب، عن مالك، أنّه كان يرفعُ يديه، على حديثِ ابنِ عمرَ هذا إلى أن مات، فاللهُ أعلم.

стр. 3502

وبهذا قال الأوزاعيُّ، وسفيانُ بنُ عُيينةَ، والشافعيُّ (١)، وجماعةُ أهلِ الحديث، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل (٢)، وأبي عُبَيْد، وإسحاقَ بنِ راهُوية، وأبي ثَوْر، وابنِ المُبارَك، وأبي جعفرٍ محمدِ بنِ جريرٍ الطَّبَريِّ. وقال دوادُ بن عليٍّ: الرَّفعُ عندَ تكبير الإحرام واجبٌ، رُكْنٌ من أركانِ الصلاة. واختلَف أصحابُه؛ فقال بعضُهم: الرَّفْعُ عندَ الإحرام والرُّكوع والرَّفْعِ من الرُّكوعِ واجبٌ. وقال بعضُهم: لا يجبُ الرَّفعُ إلّا عندَ الإحرام. وقال بعضُهم: لا يجبُ لا عندَ الإحرام ولا غيرِه؛ لانّه فعَلَه ولم يأمُرْ به (٣). وقال بعضُهم: هو كلُّه واجبٌ؛ لقولِه ﷺ : "صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي" (٤). وذكَر ابنُ خُوَيْز مَنْداد، قال: اختَلَفَتِ الروايةُ عن مالكٍ في رَفْعِ اليدَين عندَ الخفضِ والرفعِ في الصَّلاة؛ فقال: يَرفعُ في كلِّ خَفضٍ ورَفْع (٥)، على حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﵇. وقد قال: لا يَرفعُ إلّا في تكبير الإحرام. وهذا قال: لا يَرفعُ أصلًا. قال: والذي عليه أصحابُنا الرَّفْعُ عندَ الإحرام لا غيرُ. وحُجَّةُ مَن ذهَب مذهبَ ابنِ القاسم وروايتِه عن مالك، ومَذْهَبَ الكُوفيِّينَ المُوافِقينَ له في ذلك: حديثُ البَراءِ بنِ عازِب، وحديثُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصلاةَ، ثم لا يَرفعُ بعدُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم، قال: حدَّثنا موسى بنُ محمدٍ الأنصارِيُّ، عن

стр. 3503

يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البَراءِ بنِ عازِب، قال: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ ﷺ فكَبَّرَ فرَفَعَ يديه حتى حاذَى أُذُنيْه في أوَّلِ مرَّة، لم يَزِدْ عليها (١). قال أحمدُ بنُ زهير: سُئِلَ يحيى بنُ معين، عن يزيدَ بنِ أبي زِياد، فقال: ليس بذاك (٢). وأخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل بنِ العباس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا شرِيكٌ، عن يزيدَ بنِ أبي زِياد، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البَراءِ بنِ عازِب، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا افتَتحَ الصَّلاةَ رفَع يدَيْه حتى يُحاذي أُذنَيْه، ثم لا يعودُ (٣). قال أبو عُمر: قال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمَيْر: لم يكنْ يزيدُ بنُ أبي زِيادٍ بالحافظ (٤). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٥): حدَّثنا وَكيعٌ، [قال: حدَّثنا

стр. 3504

سفيانُ] (١)، عن عاصم بنِ كُلَيْب، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسْوَد، عن عَلْقَمةَ، قال: قال ابنُ مسعود: ألَا أُصَلِّي بكم صلاةَ رسولِ الله ﷺ ؟ قال: فصَلَّى، فلم يَرفعْ يدَيْه إلّا مرَّة (٢). وهَذانِ حديثانِ مَعْلولانِ عندَ أهلِ العلم بالحديث، مَرْفوعانِ عندَ أهلِ الصِّحَّة عندَهم، وسنَذكُرُ العِلّةَ فيهما عنهم فيما بعدُ من هذا الباب، إن شاء الله. وحُجَّتُهم أيضًا: ما رَواه نُعَيْمٌ (٣) المُجْمِرُ وأبو جعفرٍ القارئُ، عن أبي هريرةَ، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصَّلاةَ، ويكبِّرُ كُلَّما خفَض ورفَع، ويقولُ: أنا أشْبَهُكُم صلاةً برسولِ الله ﷺ (٤). قال أبو عُمر: وحُجَّةُ مَن رأى الرَّفْعَ عندَ كلِّ خفضٍ ورَفْع: حديثُ ابنِ عمرَ المذكورُ في هذا الباب، وهو حديثٌ ثابتٌ لا مَطْعَنَ فيه عندَ أحدٍ من أهلِ العلم بالحديث، ورَواه عن النبيِّ ﷺ كما رَواه ابنُ عمرَ - ثلاثةَ عشَرَ رجلًا من الصحابةِ ﵏، ذكَر ذلك جماعةٌ من المُصَنِّفِينَ وأهلِ الحديث؛ منهم: أبو داود،

стр. 3505

وأحمدُ بنُ شُعَيْب، والبخاريُّ، ومسلمٌ, وغيرُهم (١). وأفردَ لذلك بابًا أبو بكر أحمدُ بنُ عَمْرٍو (٢) البزّارُ، وصنَّف فيه كتابًا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ. ورُوِيَ ذلك عن جماعةٍ من الصحابةِ سنَذكرُ منهم ما حضَرَنا ذِكْرُه عندَهم. ولم يُرْوَ عن أحدٍ الصحابةِ تركُ الرَّفْعِ عندَ كلِّ خفضٍ ورَفْعٍ ممَّن لِم يُختلفْ عنه فيه إلّا عبدَ الله بنَ مسعودٍ وحدَه (٣)، وروَى الكُوفيُّون عن عليٍّ مثلَ ذلك (٤)، وروَى المَدنِيُّون عنه الرَّفْعَ من حديثِ عُبَيدِ الله بنِ أبي رافع، عنه (٥).

стр. 3506

وكذلك اختُلِفَ عن أبي هريرة، فروَى عنه نُعَيْمٌ المُجْمِرُ وأبو جعفرٍ القارئُ، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصَّلاةَ، وروَى عنه عبدُ الرحمنِ بنُ هُرْمُزَ الأعْرَج، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه: إذا ركَع، وإذا رفَع رأسَه من الرُّكوع. وروايةُ الأعْرَج مُفَسِّرةٌ، وروايةُ نُعَيْم مُجمِلَةٌ محتمِلةٌ للتّأوِيل؛ لأنّه ليس فيها أنّه لم يَرفعْ في غيرِ الإحرام. وقولُه: أنا أشْبَهُكُم صلاةً برسولِ الله ﷺ ، إنّما حَكاه عنه أبو سَلَمة وغيرُه في التكبيرِ في كلِّ خفضٍ ورَفْع، ولا يُقاسُ نُعَيْمٌ وأبو جعفرٍ بأبي سَلَمَة. وقد مضَى ذِكْرُ حديثِ أبي سَلَمةَ فيما مرَّ من هذا الكتاب (١)، ورُوِيَ الرَّفْعُ عندَ الخفضِ والرَّفْع أيضًا عن جماعةٍ من التابِعين بالحجازِ والعراقِ والشّام، يطُولُ الكتابُ بذِكْرِهم، فذكَر أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ أكْثَرَهم، وذكَر بعضَهم ابنُ المنذر (٢). وذكَر أبو بكرٍ الأثْرَمُ عن أحمدَ بنِ حنبل وغيرِه من ذلك ما أخبَرَناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ بنِ عيسى الوَرّاق، قال: حدَّثنا الخَضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثْرَم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الأعْرَج، قال: رأيتُ أبا هريرةَ يَرفعُ يدَيْه: إذا ركَع، وإذا رفَع رأسَه من الرُّكوع (٣).

стр. 3507

قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (١): حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا أبو حمزةَ (٢)، قال: رأيتُ ابنَ عباس يَرفعُ يدَيْه: إذا ركَع، وإذا رفَع رأسه من الرُّكوع (٣). قال: وحدَّثنا أبو حُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن أبي الزُّبَيْر، قال: كان جابرُ بنُ عبدِ الله إذا كبَّر رفَع يدَيْه، وإذا رفَع رأسه من الرُّكوع رفَع يدَيْه، وزعَم أنَّ النبيَّ ﷺ كان يفعلُ ذلك (٤). قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٥): حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن زَكَريّا بنِ إسحاقَ، عن أبي الزُّبَيْر، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ وابنَ الزُّبَيْرِ يَرفعانِ أيدِيَهما إذا رَكعا وإذا رَفعا (٦). قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا مُعاذُ بنُ مُعاذ وابنُ أبي عَدِيٍّ وغُنْدَرٌ، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ، عن الحسن، قال: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَرفعون أيديَهم في الصلاةِ، إذا ركَعوا وإذا رفَعوا، كأنّها المَراوِح (٧).

стр. 3508

قال: وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابنِ المبارك، عن عكرمةَ بنِ عمّار، قال: رأيتُ القاسمَ بنَ محمدٍ وسالمَ بنَ عبدِ الله يَرفعان أيدِيَهما إذا ركَعا، وإذا رفَعا رُؤوسَهما (١). قال: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن هشام، عن الحسنِ (٢) ومحمدِ بنِ سِيرينَ، أنّهما كانا يَرفعانِ أيدِيَهما إذا كبَّرا، وإذا ركَعا، وإذا رفَعا. قال محمدُ بنُ سِيرينَ: هو من تَمام الصَّلاة (٣). قال أبو بكر: وسمِعتُ أبا عبدِ الله أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: حدَّثنا أبو النَّضر، عن الرَّبيع بن صُبَيْح، قال: رأيتُ عطاءً، وطاووسًا، ومجاهدًا، والحسنَ، وابنَ سِيرينَ، ونافعًا، وابنَ أبي نَجِيح، والحسنَ بنَ مسلم، وقتادةَ، يَرفَعون أيديَهم عندَ الرُّكوع وعندَ الرَّفْع منه (٤). قال: وسمِعتُ أبا عبدِ الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل - يقولُ: رأيتُ معتمرَ بنَ سليمانَ، ويحيى بنَ سعيد، وعبدَ الرحمنِ بنَ مَهْديٍّ، وإسماعيلَ ابنَ عُلَيّةَ، يَرفعون أيديَهم عندَ الرُّكوع، وإذا رفَعوا رؤوسَهم (٥). قال أبو عُمر: هذا يَدُلُّك، من نقلِ الإمام أحمدَ بنِ حنبل ﵀، أنَّ أهلَ الحجازِ والشام والبصرةِ يَرفَعون، ويَشهَدُ لِما قالَه أبو عبدِ الله المَرْوَزِيُّ أنّه لا

стр. 3509

يَعْلَمُ مِصْرًا من أمصارِ المسلمين لا يَرفَعون أيديَهم في الصَّلاةِ في غيرِ الافتتاح إلّا أهلَ الكوفة. ورُوِيَ عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وجابرِ بنِ عبدِ الله (١)، وأبي موسى الأشْعَريِّ، وأنس، وأبي الدَّرداء، وأمِّ الدَّرداء (٢)، أنَّهم كانوا يَرفَعون (٣). وحَسبُكَ بما تقدَّم أنّه لم يُروَ عن أحدٍ من الصحابةِ تَرْكُ الرَّفْع ممَّن لم يُختلَفْ عنه فيه إلّا ابنَ مسعود. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو المَيْمُونِ البَجَليُّ بدمشق، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ الدِّمَشقيُّ، قال (٤): حدَّثنا أبو مُسْهِر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ العَلاءِ بنِ زيد، عن عمرِو بنِ مُهاجِر، عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، قال: إن كنّا لَنُؤدَّبُ عليها بالمدينة. يعني: إذا لم يَرفَعُوا أيديَهم في الصَّلاة. قال: وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز في ذلك: سالمٌ قد حفِظ عن أبيه. قال أبو عُمر: أما حديثُ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه كان لا يَرفعُ يديه في الصَّلاةِ إلّا مرّةً في أوّلِ شيء، فهو حديثٌ انْفرَدَ به عاصمُ بنُ كُلَيْب (٥)، واختُلِفَ

стр. 3510

عليه في ألفاظِه، وقد ضعَّف الحديثَ أحمدُ بنُ حنبل (١) وعَلَّلَه ورَمَى به. وقال وكيعٌ: يقولُ فيه عن سفيانَ، عن عاصم بن كُلَيْب: ثم لا يعودُ. ومرّةً يقولُ: لم يَرفعْ يدَيْه إلّا مرّةً. وإنَّما يقولُه من قِبَلِ نفسِه؛ لأنَّ ابنَ إدريسَ (٢) رواه عن عاصم بن كُلَيْب فلم يَزِدْ على أن قال: كبَّر ورَفَعَ يدَيْه ثم ركَع وكبَّر. ولَفْظُه غيرُ لفظِ وكيع. وضعَّف أحمدُ الحديثَ، ذكَره عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، عن أبيه؛ حدَّثناه عبدُ الوارث، عن قاسم في "مصنَّفه"، عن عبدِ الله. وذكَره الأثْرَمُ وغيرُه عن أحمد. وأمّا حديثُ البراءِ بنِ عازِبٍ في ذلك، فإنّه انْفرَدَ يزيدُ بنُ أبي زياد (٣)،

стр. 3511

عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن البراء، فرواه عنه الثِّقاتُ الحفّاظُ، منهم: شُعبةُ (١)، والثَّوريُّ (٢)، وابنُ عُيَيْنةَ (٣)، وهُشَيْمٌ (٤)، وخالدُ بنُ عبدِ الله الواسطيُّ (٥)، لم يَذكرْ واحدٌ منهم عنه فيه قولَه: ثم لا يعودُ. وإنّما قالَه فيه عنه مَن لا يُحتَجُّ به على هؤلاء. وحكَى ابنُ عُيَيْنةَ عنه أنّه حدَّثهم به قديمًا، وليس فيه: ثم لا يعودُ. ثم حدَّثهم به بعدَ ذلك فذكَر فيه: ثم لا يعودُ. قال: فنظَرْتُه فإذا مُلْحَقٌ بينَ

стр. 3512

سطرين؛ ذكَره أحمدُ بنُ حنبل (١) والحُمَيْديُّ (٢)، عن ابن عُيَيْنةَ، وذكَره أبو داود. قال أبو عُمر: المحفوظُ في حديثِ يزيدَ بنِ أبي زياد، عن ابنِ أبي ليلى، عن البراء: كان رسولُ الله ﷺ إذا افتتحَ الصَّلاةَ رفَع يديه في أوّلِ مرّة، وقال بعضهم فيه: مرّةً واحدةً. وأمّا قولُ من قال فيه: ثم لا يعودُ، فخطأٌ عندَ جميع (٣) أهلِ الحديث. وقال أبو داود - في حديثِ عاصم بن كُلَيْب، عن عبدِ الرحمن بنِ الأسْوَد، عن عَلْقَمَة، عن ابنِ مسعود، قال: ألا أُصَلِّي بكم صلاةَ رسولِ الله ﷺ ؟ قال: فصلَّى فلم يَرْفَعْ يدَيْه إلّا مرّةً واحدةً -: هذا حديثٌ مختَصرٌ من حديثٍ طويل، وليسَ بصحيح على هذا المعنى (٤). وقال أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عَمْرو البَزّار وهو حديثُ لا يَثبُتُ، ولا يُحتَجُّ به (٥) (٦). وأمّا (٧) حديثُ ابن عمرَ المذكورُ في هذا الباب فحديثٌ مدنيٌّ صحيحٌ لا

стр. 3513

مطعَنَ لأحدٍ فيه، وقد روَى نحوَه عن النبيِّ ﷺ أزيَدُ من اثْنَيْ عشَرَ صحابيًّا، مَن أحبَّ أن يرى ذلك نَظرَ في كتابِ أبي داودَ وغيرِه ممن صنَّف في ذلك. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ عثمان، قال: سمعتُ محمدَ بنَ وضّاح يقولُ: الأحاديثُ التي تُروَى عن النبيِّ ﷺ في رَفْع اليدين في الصَّلاة (١): ثم لا يعودُ، ضعيفةٌ كلُّها. وقد احتجَّ بعضُ المُتأخِّرين للكُوفيِّين ومن ذهَب مذهَبَهم في رفْع اليدين بما حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ بكّار بنِ يزيدَ الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل ابن عُلَيّةَ القاضي بدمشقَ في شوّال سنةَ ثنتَين وستِّينَ ومئتين، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّريرُ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المسيَّب بن رافع (٢)، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابرِ بنِ سَمُرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما لي أراكم رافِعِي أيدِيكم كأنها أذنابُ خَيْل شُمُس (٣)، اسكُنُوا في الصَّلاة" (٤). وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنّ الذي نهاهم عنه رسولُ الله ﷺ غيرُ الذي كان يفعَلُه؛ لأنه محالٌ أن يَنهاهم عمّا سَنَّ لهم، وإنّما رأى أقوامًا يَعْبَثُون بأيدِيهم ويَرْفَعُونها في غيرِ مَواضع الرَّفْع فنَهاهم عن ذلك (٥).

стр. 3514

وكان في العربِ القادِمينَ والأعْرابِ مَن لا يَعرِفُ حُدودَ دينِه في الصَّلاةِ وغيرِها، وبُعِثَ ﷺ معلِّمًا، فلمّا رآهُم يَعْبَثونَ بأيدِيهم في الصَّلاةِ نهاهُم وأمَرهم بالسُّكون فيها، وليس هذا من هذا الباب في شيء، واللهُ أعلم. وأمّا الروايةُ عن مالكٍ كما ذكَرْنا عنه مما يُخالفُ روايةَ ابنِ القاسم، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أبو عُبيْدَةَ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا أشهبُ بنُ عبد العزيز، قال: صَحِبْتُ مالكَ بنَ أنس قبلَ مَوْتِه بسَنَة، فما مات إلّا وهو يَرفَعُ يدَيْه. فقيلَ ليونسَ: كيف وَصَف أشْهَبُ رَفْعَ اليَدَين عن مالك؟ قال: سُئِلَ أشْهَبُ (١) عنه غيرَ مرّةٍ فكانَ يقولُ: يَرْفَعُ يدَيْه إذا أحْرَمَ، وإذا أراد أن يركَعَ، وإذا قال: سمع اللهُ لمن حمِده (٢). قال يونسُ: وحدَّثني ابنُ وَهْب قال: صَحِبْتُ مالكَ بنَ أنس في طريقِ الحجِّ، فلمّا كان بمَوضع - ذكَرَه يونسُ - دَنَتْ ناقَتي من ناقَتِه، فقلتُ له: يا أبا عبدِ الله، كيف يَرفَعُ المُصلِّي يدَيْه في الصَّلاة؟ فقال: وعن هذا تَسألُني؟ ما أُحِبُّ أن أسمَعَه منكَ. ثم قال: إذا أحْرَمَ، وإذا أراد أن يَركَعَ (٣)، وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال أبو عُبيْدَة: سمعتُ هذا من يونسَ غيرَ مرّة.

стр. 3515

وفي (١) "المُسْتَخرَجة" (٢) من سَماع أشْهَبَ وابن نافع عن مالك، قال (٣): يَرفَعُ المُصلِّي يدَيْه إذا رفَع رأسَه من الرُّكوع وقال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال: وليس الرَّفْعُ بلازم، وفي ذلك سَعَةٌ. وذكَر الطَّبريُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، عن أشْهَبَ، عن مالكٍ مثلَ ذلك: ويَرْفَعُ مَن وراءَ الإمام لرَفْعِه إذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال: وليس رَفْعُ اليدَيْن باللّازم، وفي ذلك سَعَةٌ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: رأيتُ مالكَ بنَ أنس يَرفَعُ يدَيْه في كلِّ خفضٍ ورفع - أو قال: كلَّما خفَض - فلم تَزلْ تلك صَلاتَه (٥). وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ وسعيدُ بنُ عثمانَ (٧)، قالا: سمِعنا يحيى بنَ عُمرَ يقولُ: سمعتُ أبا المُصعَب الزُّهريَّ يقولُ (٨): رأيتُ مالكَ بنَ أنس يَرفَعُ يدَيْه إذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده،

стр. 3516

على حديثِ ابنِ عمرَ. قال أحمدُ بنُ خالد: وكان عندَنا جماعةٌ من عُلمائِنا يَرفَعُونَ أيديَهم في الصَّلاة، على حديثِ ابنِ عمرَ وروايِة مَن روَى ذلك عن مالك، وجماعةٌ لا يَرفَعُون إلّا في الإحرام، على روايةِ ابنِ القاسم، فما عاب هؤلاءِ على هؤلاء، ولا هؤلاءِ على هؤلاء. وسمعتُ (١) شيخَنا أبا عمرَ أحمدَ بنَ عبدِ الملك بن هاشم ﵀ يقولُ: كان أبو إبراهيمَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ شيخُنا يَرفَعُ يدَيْه كلما خفَض ورفَع، على حديثِ ابنِ عمرَ في "الموطأ"، وكان أفضلَ من رأيتُ وأفْقَهَهم وأصحَّهم عِلْمًا ودينًا، فقلتُ له: فلِمَ لا تَرفَعُ أنتَ فيُقْتَدَى بكَ؟ قال لي: لا، لا أُخالِفُ روايةَ ابنِ القاسم (٢)؛ لأنّ الجماعةَ لدَيْنا اليومَ عليها، ومخالفةُ الجماعةِ فيما قد أُبِيحَ لنا ليس من شِيَم الأئمّة. وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم: الذي آخُذُ به في رَفْعِ اليدَيْن أن أرْفَعَ، على حديثِ ابنِ عمرَ. قال: ولم يَرْوِ أحدٌ عن مالك مثلَ روايةِ ابنِ القاسم في رَفْع اليدَيْن (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا الأثْرَمُ، قال: حَضَرْتُ أبا عبدِ الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل (٤) - وقال له رجلٌ

стр. 3517

غريبٌ: رأيتُك تَرفَعُ يدَيْكَ إذا أرَدْتَ الرُّكوعَ، ونحنُ عندَنا لا نَفعَلُ ذلك، أفَتَراه يَنقُصُ من الصَّلاةِ إذا لم نَفعَلْ؟ فقال: ما أدري، أمّا نحنُ فنَفعَلُه (١)، وهو أكثرُ عندَنا وأثبتُ عن النبيِّ ﷺ وأصحابِه. وقال بعضُ أصحابِه: له بكلِّ إشارةٍ عَشْرُ حَسَنات، بكلِّ أُصْبَع حَسَنة (٢). قيلَ لأبي عبد الله: تذهبُ إلى رفعِ اليَدَين في القِيام من اثنتين أيضًا؟ (٣)، فقال: لا، أنا أذهَبُ إلى حديثِ سالم عن أبيه، ولا أذهَبُ إلى حديثِ وائل بن حُجْر؛ لأنّه مختَلَفٌ في ألفاظِه؛ حديثُ عاصم بن كُلَيْبٍ خِلافُ حديثِ عَمْرو بن مُرّة. قال الأثْرَمُ: وسمِعتُه غيرَ مَرّةٍ يُسألُ عن رَفْع اليدَيْن عندَ الرُّكوع، وإذا رفَع رأسَه، فقال: ومَن يشكُّ في ذلك؟ كان ابنُ عمرَ إذا رأى من لا يَرفَعُ حَصَبَه. قال: وحدَّثنا أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل (٤) - قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: سمعتُ زيدَ بنَ واقد، قال: سمعتُ نافعًا، قال: كان ابنُ عمرَ إذا رأى رجلًا لا يَرفعُ يديه حصَبه، وأمَره أن يَرفع (٥) قال أبو عبد الله: وقد روَى غيرُ واحدٍ عن ابنِ لَهِيعَة (٦)، عن عبدِ الله بنِ
следующие страницы →