← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3513–3552 · переход к 3518.

стр. 3513

مطعَنَ لأحدٍ فيه، وقد روَى نحوَه عن النبيِّ ﷺ أزيَدُ من اثْنَيْ عشَرَ صحابيًّا، مَن أحبَّ أن يرى ذلك نَظرَ في كتابِ أبي داودَ وغيرِه ممن صنَّف في ذلك. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ عثمان، قال: سمعتُ محمدَ بنَ وضّاح يقولُ: الأحاديثُ التي تُروَى عن النبيِّ ﷺ في رَفْع اليدين في الصَّلاة (١): ثم لا يعودُ، ضعيفةٌ كلُّها. وقد احتجَّ بعضُ المُتأخِّرين للكُوفيِّين ومن ذهَب مذهَبَهم في رفْع اليدين بما حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ بكّار بنِ يزيدَ الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل ابن عُلَيّةَ القاضي بدمشقَ في شوّال سنةَ ثنتَين وستِّينَ ومئتين، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّريرُ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المسيَّب بن رافع (٢)، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابرِ بنِ سَمُرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما لي أراكم رافِعِي أيدِيكم كأنها أذنابُ خَيْل شُمُس (٣)، اسكُنُوا في الصَّلاة" (٤). وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنّ الذي نهاهم عنه رسولُ الله ﷺ غيرُ الذي كان يفعَلُه؛ لأنه محالٌ أن يَنهاهم عمّا سَنَّ لهم، وإنّما رأى أقوامًا يَعْبَثُون بأيدِيهم ويَرْفَعُونها في غيرِ مَواضع الرَّفْع فنَهاهم عن ذلك (٥).

стр. 3514

وكان في العربِ القادِمينَ والأعْرابِ مَن لا يَعرِفُ حُدودَ دينِه في الصَّلاةِ وغيرِها، وبُعِثَ ﷺ معلِّمًا، فلمّا رآهُم يَعْبَثونَ بأيدِيهم في الصَّلاةِ نهاهُم وأمَرهم بالسُّكون فيها، وليس هذا من هذا الباب في شيء، واللهُ أعلم. وأمّا الروايةُ عن مالكٍ كما ذكَرْنا عنه مما يُخالفُ روايةَ ابنِ القاسم، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أبو عُبيْدَةَ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا أشهبُ بنُ عبد العزيز، قال: صَحِبْتُ مالكَ بنَ أنس قبلَ مَوْتِه بسَنَة، فما مات إلّا وهو يَرفَعُ يدَيْه. فقيلَ ليونسَ: كيف وَصَف أشْهَبُ رَفْعَ اليَدَين عن مالك؟ قال: سُئِلَ أشْهَبُ (١) عنه غيرَ مرّةٍ فكانَ يقولُ: يَرْفَعُ يدَيْه إذا أحْرَمَ، وإذا أراد أن يركَعَ، وإذا قال: سمع اللهُ لمن حمِده (٢). قال يونسُ: وحدَّثني ابنُ وَهْب قال: صَحِبْتُ مالكَ بنَ أنس في طريقِ الحجِّ، فلمّا كان بمَوضع - ذكَرَه يونسُ - دَنَتْ ناقَتي من ناقَتِه، فقلتُ له: يا أبا عبدِ الله، كيف يَرفَعُ المُصلِّي يدَيْه في الصَّلاة؟ فقال: وعن هذا تَسألُني؟ ما أُحِبُّ أن أسمَعَه منكَ. ثم قال: إذا أحْرَمَ، وإذا أراد أن يَركَعَ (٣)، وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال أبو عُبيْدَة: سمعتُ هذا من يونسَ غيرَ مرّة.

стр. 3515

وفي (١) "المُسْتَخرَجة" (٢) من سَماع أشْهَبَ وابن نافع عن مالك، قال (٣): يَرفَعُ المُصلِّي يدَيْه إذا رفَع رأسَه من الرُّكوع وقال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال: وليس الرَّفْعُ بلازم، وفي ذلك سَعَةٌ. وذكَر الطَّبريُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، عن أشْهَبَ، عن مالكٍ مثلَ ذلك: ويَرْفَعُ مَن وراءَ الإمام لرَفْعِه إذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال: وليس رَفْعُ اليدَيْن باللّازم، وفي ذلك سَعَةٌ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: رأيتُ مالكَ بنَ أنس يَرفَعُ يدَيْه في كلِّ خفضٍ ورفع - أو قال: كلَّما خفَض - فلم تَزلْ تلك صَلاتَه (٥). وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ وسعيدُ بنُ عثمانَ (٧)، قالا: سمِعنا يحيى بنَ عُمرَ يقولُ: سمعتُ أبا المُصعَب الزُّهريَّ يقولُ (٨): رأيتُ مالكَ بنَ أنس يَرفَعُ يدَيْه إذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده،

стр. 3516

على حديثِ ابنِ عمرَ. قال أحمدُ بنُ خالد: وكان عندَنا جماعةٌ من عُلمائِنا يَرفَعُونَ أيديَهم في الصَّلاة، على حديثِ ابنِ عمرَ وروايِة مَن روَى ذلك عن مالك، وجماعةٌ لا يَرفَعُون إلّا في الإحرام، على روايةِ ابنِ القاسم، فما عاب هؤلاءِ على هؤلاء، ولا هؤلاءِ على هؤلاء. وسمعتُ (١) شيخَنا أبا عمرَ أحمدَ بنَ عبدِ الملك بن هاشم ﵀ يقولُ: كان أبو إبراهيمَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ شيخُنا يَرفَعُ يدَيْه كلما خفَض ورفَع، على حديثِ ابنِ عمرَ في "الموطأ"، وكان أفضلَ من رأيتُ وأفْقَهَهم وأصحَّهم عِلْمًا ودينًا، فقلتُ له: فلِمَ لا تَرفَعُ أنتَ فيُقْتَدَى بكَ؟ قال لي: لا، لا أُخالِفُ روايةَ ابنِ القاسم (٢)؛ لأنّ الجماعةَ لدَيْنا اليومَ عليها، ومخالفةُ الجماعةِ فيما قد أُبِيحَ لنا ليس من شِيَم الأئمّة. وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم: الذي آخُذُ به في رَفْعِ اليدَيْن أن أرْفَعَ، على حديثِ ابنِ عمرَ. قال: ولم يَرْوِ أحدٌ عن مالك مثلَ روايةِ ابنِ القاسم في رَفْع اليدَيْن (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا الأثْرَمُ، قال: حَضَرْتُ أبا عبدِ الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل (٤) - وقال له رجلٌ

стр. 3517

غريبٌ: رأيتُك تَرفَعُ يدَيْكَ إذا أرَدْتَ الرُّكوعَ، ونحنُ عندَنا لا نَفعَلُ ذلك، أفَتَراه يَنقُصُ من الصَّلاةِ إذا لم نَفعَلْ؟ فقال: ما أدري، أمّا نحنُ فنَفعَلُه (١)، وهو أكثرُ عندَنا وأثبتُ عن النبيِّ ﷺ وأصحابِه. وقال بعضُ أصحابِه: له بكلِّ إشارةٍ عَشْرُ حَسَنات، بكلِّ أُصْبَع حَسَنة (٢). قيلَ لأبي عبد الله: تذهبُ إلى رفعِ اليَدَين في القِيام من اثنتين أيضًا؟ (٣)، فقال: لا، أنا أذهَبُ إلى حديثِ سالم عن أبيه، ولا أذهَبُ إلى حديثِ وائل بن حُجْر؛ لأنّه مختَلَفٌ في ألفاظِه؛ حديثُ عاصم بن كُلَيْبٍ خِلافُ حديثِ عَمْرو بن مُرّة. قال الأثْرَمُ: وسمِعتُه غيرَ مَرّةٍ يُسألُ عن رَفْع اليدَيْن عندَ الرُّكوع، وإذا رفَع رأسَه، فقال: ومَن يشكُّ في ذلك؟ كان ابنُ عمرَ إذا رأى من لا يَرفَعُ حَصَبَه. قال: وحدَّثنا أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل (٤) - قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: سمعتُ زيدَ بنَ واقد، قال: سمعتُ نافعًا، قال: كان ابنُ عمرَ إذا رأى رجلًا لا يَرفعُ يديه حصَبه، وأمَره أن يَرفع (٥) قال أبو عبد الله: وقد روَى غيرُ واحدٍ عن ابنِ لَهِيعَة (٦)، عن عبدِ الله بنِ

стр. 3518

هُبَيْرَة، عن مِشْرَح بنِ هاعان (١)، عن عُقْبَة بنِ عامر، قال: له بكلِّ إشارةٍ عَشْرُ حَسَنات (٢). قال: إلّا أنّ ابنَ المباركِ قال: عن ابنِ لَهِيعَة، عن مِشْرَح، عن عُقبَة: ليس بينَ ابنِ لَهِيعَةَ ومِشْرَح أحدٌ. ثم قال أبو عبد الله: هؤلاءِ يَكرهون ذلك. كالمُغْتاظِ عليهم، يعني أصحابَ أبي حنيفة. قال أبو بكر الأثْرَم: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ بن القاسم الباهِليُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبَرَني عِياضُ بنُ عبدِ الله الفِهْريُّ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كان يقول: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينةُ الصَّلاة التكبيرُ ورَفْعُ الأيدِي فيها. قال: وحدَّثنا سعيدُ بنُ عُبَيْد، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعَة، عن ابنِ عَجْلان، عن النُّعمانِ بنِ أبي عيّاش، قال: كان يقالُ: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينةُ الصَّلاةِ رَفْعُ الأيدِي عندَ الافتتاح، وحينَ يريدُ أن يَركعَ، وحينَ يريدُ أن يَرفع (٣). قال أبو عُمر: هذا يَدُلُّك على أنَّ رَفْعَ اليدَيْن ليس من أركانِ الصَّلاة، ولا من الواجبِ فيها، وأنه - على ما قدَّمْنا في أول الباب - خضوعٌ واستكانةٌ واستسلامٌ

стр. 3519

وزينةٌ للصَّلاةِ - كما وصَفْنا - وهو قولُ الجمهور. وقد رُوِيَ عن الأوزاعيِّ، وذهبَ إلى ذلك الحُمَيديُّ فيمن لم يَرْفَع يدَيْه، على حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ الصَّلاةَ فاسدةٌ أو ناقصةٌ (١). ورأى بعضُهم عليه الإعادةَ، وليس هذا بصحيح عندَنا لِما ذكَرنا؛ لأنّ إيجابَ الإعادةِ إيجابُ فرْض، والفرائضُ لا تَثبُتُ إلّا بحجةٍ أو سُنّةٍ لا مُعارِضَ لها، أو إجماع من الأُمّة. وقد ذكَرنا فرائضَ الصَّلاةِ وسُنَنَها فيما تقدَّم من كتابِنا هذا، ودَلَّلْنا على ذلك من حديثِ أبي هريرة، وحديثِ رِفاعةَ بنِ رافع بما أغْنَى عن ذِكْرِه هاهُنا (٢). وذكَر الطَّبريُّ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ الوليد بن مَزْيد، عن أبيه، عن الأوزاعيِّ، قال: بلَغنا أنَّ من السُّنّةِ فيما أجمعَ عليه علماءُ الحجازِ والبصرةِ والشام، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَرفعُ يدَيْه حَذْوَ مَنْكِبيه حينَ يُكبِّرُ لاستفتاح الصَّلاة، وحينَ يُكبِّرُ للرُّكوع وَيهْوِي ساجِدًا، وحينَ يَرفعُ رأسَه من الركوع، إلّا أهلَ الكوفة فإنّهم خالَفُوا في ذلك أُمَّتَهم (٣). قيل للأوزاعيِّ: فإنْ نقَصَ من ذلك شيئًا؟ قال: ذلك نَقْصٌ من صلاتِه (٤). وفيما أجازَ لنا قاسمُ بنُ أحمدَ وعباسُ بنُ أصْبَغ، عن محمدِ بنِ عبدِ الملك بن أيمن، عن عبدِ الله بن أحمدَ بنِ حنبل، قال (٥): سمعتُ أبي يقول: من رفَع يدَيْه فهو أفضلُ.

стр. 3520

قال: وكان يحيى بنُ سعيد وابنُ عُلَيّة ويزيدُ بنُ هارونَ يرفعون. قال: وكان ابنُ عُيَيْنةَ ربّما فعَله، وربّما لم يفعلْه. قال: وينبغي لكلِّ مُصَلٍّ أن يفعلَه فإنّه من السُّنّة. ومما يَدلُّ على أنَّ رَفْعَ اليدَيْن ليس بواجبٍ ما أخبَر به الحسنُ عن الصحابة؛ أنَّ مَن رفَع منهم لم يَعِبْ على مَن ترَكه. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد البِرْتيُّ القاضي ببغداد، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَر (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جُحادة، قال: حدَّثني عبدُ الجبّار بنُ وائل بن حُجْر، قال: كنتُ غُلامًا لا أعْقِلُ صلاةَ أبي، فحدَّثني وائلُ بنُ عَلْقَمة (٢)، عن أبي وائل بن حُجْر، قال: صَلَّيْتُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، فكانَ إذا دخَل في الصَّلاةِ كبَّر ورفَع يدَيْه، ثم التَحَفَ وأدخَلَ يدَيْه في ثَوْبه، فأخَذ شمالَه بيَمينِه، وإذا أراد أن يَركَعَ أخرَج يدَيْه من ثَوْبه، ثم رفَعَهُما وكبَّر وسجَد، ووضَع وجهَه بينَ كفَّيْه، وإذا رفَع رأسَه من السُّجُودِ رفَع يدَيْه، فلم يَزلْ يَفعلُه كذلك حتى فَرَغَ من صلاتِه. قال محمدُ بنُ جُحادة: فذَكَرْتُ ذلك للحَسَنِ بنِ أبي الحسن، فقال: هي صلاةُ رسولِ الله ﷺ ، فعَله مَن فعَله، وترَكه مَن ترَكه (٣).

стр. 3521

ففي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ منهم مَن ترَكه، ولم يَعِبْ عليه مَن فعَله. واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: زيادةُ وائلِ بنِ حُجْر في حديثِه رَفْعَ اليدَيْن بينَ السَّجْدَتَين قد عارَضَه في ذلك ابنُ عمرَ بقوله: وكان لا يَرفعُ بينَ السَّجْدَتين. والسُّنَنُ لا تَثبُتُ إذا تعارَضَتْ وتدافَعَتْ. ووائلُ بنُ حُجْرٍ إنّما رآه أيامًا قليلةً في قُدومِه عليه، وابنُ عمرَ صحِبه إلى أن تُوفِّي ﷺ ، فحديثُ ابنِ عمرَ أصَحُّ عندَهم، وأولى أن يُعملَ به من حديثِ وائلِ بنِ حُجْر، وعليه العملُ عندَ جماعةِ فقهاءِ الأمصارِ القائلين بالرَّفْع. قال أبو بكر الأثْرَم: قيل لأحمدَ بن حنبل (١): رَفْعُ اليدَيْن من السَّجْدَتين؟ فذكَر حديثَ سالم، عن ابن عمر: ولا يَرفعُ بينَ السَّجْدَتَين، ثم قال: نحنُ نذهبُ إلى حديثِ ابنِ عمرَ. وقال الرَّبيعُ، عن الشافعيّ: كلُّ تَكْبيرٍ كان في افتتاح أو في قيام ففيه رَفْعُ اليدَيْن (٢). حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم. وأخبرنا إسحاقُ بنُ الحَسَنِ بنِ عليٍّ البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بن عبدِ الأعلى بن محمدِ بنِ الحَسَن بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثني جَدِّي عبدُ الأعلى بنُ محمد، قال: حدَّثني جَدِّي الحَسَنُ بنُ عبد الأعلى، قالا جميعًا: أخبَرنا عبدُ الرزّاق، قال (٣): أخبَرنا داودُ بنُ

стр. 3522

إبراهيم، قال: رأيتُ وَهْبَ بنَ مُنَبِّه يَرفعُ يدَيْه في الصَّلاة إذا كبَّر، وإذا ركَع رفَع يدَيْه، وإذا رفَع رأسَه من الركوع رفَع يدَيْه، ولا يفعلُ ذلك في السُّجُود. وكان طاووسٌ [ونافعٌ] (١) مولى ابنِ عمرَ وأيوبُ السَّخْتيانيُّ يَرفَعون أيديَهم بينَ السَّجْدَتَين. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنّه كان يَرفعُ في كلِّ تَكبيرة (٢). وما فعَله مالكٌ أصحُّ عنه، إن شاء الله. وقد أكثرَ أهلُ العلم بالكلام في هذا الباب، وأفرَط بعضهم في عَيْبِ مَن لم يَرفع، ولا وجْهَ للإكثارِ فيه. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثني داودُ بنُ يحيى بن يَمانٍ الثقةُ المأمون، عن ابن المُبارك، قال: صلَّيْتُ إلى جَنْبِ سفيان وأنا أريدُ أن أرفعَ يَدَيَّ إذا ركَعْتُ وإذا رفَعْتُ، فهَمَمْتُ بتَرْكِه وقلتُ: يَنهاني سفيانُ، ثم قلتُ: شيءٌ أدِينُ لله به لا أدَعُه، ففَعَلْتُ، فلم يَنْهَني (٣). ورُوِيَ عن ابنِ المبارك، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي حنيفة، فرفَعتُ يَدَيَّ عندَ الركوع وعندَ الرَّفْع منه، فلمّا انقَضَتِ الصَّلاةُ قال لي: أرَدْتَ أن تَطيرَ؟ فقلتُ له: وهل مَن رفَع في الأولى يُريدُ أن يَطيرَ؟ فسكَت (٤).

стр. 3523

حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، قال: سمعتُ سفيانَ الثَّوريَّ يقولُ: إذا رأيتَ الرجلَ يَعملُ بعَمَل قد اختُلِفَ فيه وأنتَ ترَى غيرَه فلا تَنْهَه (١). قال أبو عُمر: اختلَفَتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ وعن الصحابةِ ومَن بعدَهم في كيفيّة رَفْع اليدَيْن في الصَّلاة؛ فرُوِيَ عنه ﷺ أنّه كان يَرفعُ يدَيْه مدًّا فوقَ أُذُنَيْه مع رأسِه، ورُوِيَ عنه أنّه كان يَرفعُ يديه حَذْوَ أُذُنَيْه، ورُوِيَ عنه أنّه كان يَرفَعُهما إلى صَدْرِه، وكلُّها آثارٌ محفوظةٌ مشهورة. وأثبتُ شيءٍ في ذلك عندَ أهلِ العلم بالحديثِ حديثُ ابنِ عمرَ هذا، وفيه الرَّفْعُ حَذْوَ المَنْكِبَين، وعليه جمهورُ الفقهاءِ بالأمصارِ وأهلُ الحديث، وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنّه كان يَرفعُ يدَيْه في الإحرام حَذْوَ مَنْكِبيه، وفي غير الإحرام دونَ ذلك قليلًا (٢)، وكلُّ ذلك واسعٌ حَسَن، وابنُ عمرَ روَى هذا الحديثَ وهو أعلمُ بتأوِيله ومَخرَجِه. وذكَر الأثْرَمُ قال: حدَّثنا أبو حذيفة، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمّار، قال (٣): رأيتُ سالمًا والقاسمَ وطاووسًا وعطاءً ونافعًا وعبدَ الله بنَ الزُّبير ومكحولًا يَرفعون أيديَهم في: استفتاح الصَّلاة، وعندَ الرُّكوع، وعندَ رَفْع الرأسِ من الرُّكوع حَذْوَ المَنْكِبَين، وكان أحمدُ بنُ حنبل يختارُ ذلك. قال أبو عُمر: وهو اختيارُ مالكٍ والشافعيِّ وأصحابهما، وعليه العملُ عندَ الجمهور. وأمّا قولُه في هذا الحديث: إذا رفَع رأسَه من الرُّكوع رفَعهما كذلك

стр. 3524

وقال: "سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ"، فإنَّ أهلَ العلم اختَلَفوا في الإمام؛ هل يقولُ مع سمِع اللهُ لمن حمِده: ربَّنا ولك الحمدُ، أم يَقتصرُ على: سمِع اللهُ لمن حمِده فقط؟ فذهَب مالكٌ وأبو حنيفةَ ومَن قال بقولهما إلى أنَّ الإمامَ لا يقولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، وإنّما يقولُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، لا غيرُ (١). وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ الزُّهريِّ عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ؛ قولُه في الإمام: "إذا ركَع فارْكَعوا، وإذا رفَع فارْفَعُوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ". وقد تقدَّم هذا الحديثُ في باب ابنِ شهابٍ عن أنس من كتابنا هذا (٢). وروَى أبو صالح عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣)، وفيه دليلٌ على أنَّ الإمامَ يَقتصِرُ على قول: سمِع اللهُ لمن حمِده، والمأمومَ يَقتصِرُ على: ربَّنا ولك الحمدُ. وقال الشافعيُّ وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسن وجماعةٌ من أهل الحديث: يقولُ الإمامُ: سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ. وقال مالكٌ: يقولها المُنفردُ (٤). وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ ابنِ عمرَ هذا وما كان مثلَه. وممن رَوَى عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يقول: "سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ": أبو هريرة، من حديثِ ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الرحمن بن

стр. 3525

الحارث بن هشام وأبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عَوْف، عن أبي هريرة (١)، ومن حديثِ أبي سعيدٍ المَقْبُريِّ عن أبي هريرة. ورواه أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ (٢)، وعبدُ الله بنُ أبي أوْفَى (٣)، كلُّهم روَوْا عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يقولُ: "سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ". وأمّا المأمومُ (٤)؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما والثَّوريُّ: لا يقولُ المأمومُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، وإنّما يقولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، فقط. وقال الشافعيُّ (٥): يقولُ المأمومُ: سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ. كما يقولُها الإمامُ والمُنفرِدُ تأسِّيًا برسُول الله ﷺ واتِّباعًا لفعل إمامِه. وفي حديث ابن شِهابٍ الزُّهري، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ حُجّةٌ لمالكٍ في ذلك على الشافعيِّ، وقد مضَى ذكْرُه في بابِه من هذا الكتاب (٦)، فأغنَى عن إعادتِه هاهُنا والحمد لله.

стр. 3526

حديثٌ ثانٍ لابن شِهاب، عن سالم مُسْنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ مرَّ على رجل وهو يَعِظُ أخاهُ في الحياء، فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمان". هكذا روَى هذا الحديثَ كلُّ مَن رَواه عن مالكٍ فيما عَلِمْتُ، في "الموطأِ" وغيرِه، بهذا الإسناد، إلّا روايةً جاءَتْ عن أبي مُصْعَب الزُّهْريِّ (٢)، وعبدِ الله بنِ يوسفَ التِّنِّيسيِّ، مرسَلَةً (٣). والصحيحُ عندَنا ما في إسنادِه الايصالُ. وكذلك رواه أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه بهذا الإسناد، وأخطَأ فيه جُوَيْرِيةُ عن مالك، فرواه: عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن عليِّ بنِ حُسَين. وقال محمدُ بنُ يحيى النيسابوريُّ (٤): وَهَمَ جُوَيْريةُ، وأظُنُّه أراد: "مِن حُسْن إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه".

стр. 3527

قال أبو عُمر: لا يَصِحُّ فيه إلّا إسنادُ "الموطَّأ"، وكذلك رواه يحيى القطّانُ وغيرُه عن مالك. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسينُ بنُ الفَتْح بنِ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ السَّلام الأزْدِيُّ إملاءً، قال: حدَّثنا مُعاذُ بنُ المُثَنَّى بنِ مُعاذٍ العَنْبَريُّ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَد، قال: حدَّثنا يحيى، وهو القطّانُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيه عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رجلًا جعَل يَعِظُ أخاه في الحياء، فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمان" (١). وحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَر بنِ الورد، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوب، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مَرْيَم، قال: أخبرنا مالكٌ وسفيانُ بنُ عُيينة، عن الزُّهْريِّ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصارِ وهو يَعِظُ أخاه في الحياءِ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمان". وهكذا هذا الحديثُ بهذه الألفاظِ المختَصَرةِ (٢) عندَ مالكٍ في روايةِ كلِّ مَن رأينا روايتَه في "الموطَّأِ" وغيرِه، عن مالك. وكذلك رواه أصحابُ ابنِ شهاب، إلّا أنّ عبدَ العزيزِ بنَ أبي سَلَمةَ زادَ فيه - عن ابنِ شهابٍ - ألفاظًا. حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ فارسِ بنِ شُجاع البغداديُّ أبو العباسِ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ الوَليدِ الكِنْدِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ الماجِشُون، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: سَمِع رسولُ الله ﷺ رجلًا يُعاتِبُ

стр. 3528

أخاه في الحياء، يقول: إنَّك لتَسْتَحي حتى أنَّه قد أضَرَّ بك. فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ" (١). ومعنى هذا الحديث، واللّه أعلمُ: أنَّ الحياءَ يَمنَعُ من كثيرٍ من الفُحْشِ والفَواحِش، ويشتملُ (٢) على كثيرٍ من أعمالِ البِرِّ، وبهذا صارَ جزءًا وشُعبةً من الإيمان؛ لأنّه وإن كان غَريزةً مُركَّبةً في المرء، فإنَّ المُستَحِيَ يَندَفعُ بالحياءِ عن كثيرٍ من المَعاصي، كما يَندَفِعُ بالإيمانِ عنها إذا عَصَمَه اللهُ، فكأنّه شُعبةٌ منه؛ لأنّه يعملُ عملَه، فلمّا صار الحياءُ والإيمانُ يعملانِ عملًا واحدًا، جُعِلا كالشيءِ الواحد، وإن كان الإيمانُ اكتِسابًا، والحياءُ غَرِيزة. والإيمانُ شُعَبٌ كثيرة (٣)؛ حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ عبدِ الملكِ ﵀، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مِسْكِين، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجَرَ الجُرْجانيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم الفضلُ بنُ دُكَيْن (٤)، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ الثَّوريُّ، عن سُهَيْل بنِ أبي صالح، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون شُعبةً، أعظمُها لا إلهَ إلّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذَى عن الطريق، والحياءُ شُعبةً مِن الإيمان" (٥).

стр. 3529

وحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا عفّانُ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سَلَمةَ، عن سُهَيْل بنِ أبي صالح، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون شُعبةً، أفضَلُها لا إلهَ إلّا اللهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذَى عن الطَّريق، والحياءُ شعبةٌ مِن الإيمان" (١). حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو صالح عبدُ الله بنُ صالح، قال (٢): حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ العَجْلان. وأخبَرنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حَدَّثَنَا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابنِ العَجْلان، قالا جميعًا: عن عبدِ الله بنِ دينار، عن أبي صالح السَّمّان، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "الإيمانُ سِتُّونَ - أو سبعون، أو بِضْعَةٌ، أو أحَدُ العَدَدَيْن - بابًا، أعْلاها شهادةُ أنْ لا إلهَ إلّا الله، وأدْناها إماطَةُ الأذَى عن الطريق، والحياءُ شُعبةٌ مِن الإيمان". ولما كان مَن لا يَسْتَحي راكبًا للفواحِش، مُرتكِبًا للقَبِيح، لا يَحْجُزُه عن ذلك حَياءٌ ولا دِينٌ - كما قال: "في النبوةِ الأولى مكتوبٌ: إذا لَمْ تَسْتَحِي فاصنع ما شِئْتَ" (٤).

стр. 3530

وقد رَوَينا عن سعيدِ بنِ المُسيِّب الله قال: قلَّةُ الحياءِ كُفْرٌ. وبعضُهم يَرفَعُه عنه (١). وهذا صحيحُ المعنى على الضِّدِّ، لأنّ مَن لا يَسْتَحِي لا يُبالي من العارِ والمعاصي ما يأتي، وكان المُسْتَحِي من أجلِ حيائِه مُرْتَدِعًا عن الفواحِشِ والعارِ والكبائر، فصارَ الحياءُ من الإيمان، لأنَّ الإيمانَ عندَنا معَ التَّصديقِ: الطاعاتُ وأعمالُ البِرِّ، ولذلك صارَ الخُلُقُ الحَسَنُ من كمالِ الإيمانِ وتمامِه على هذا المَعْني، لأنَّ صاحِبَه يَصبِرُ، فلا يَشْفي غيظَه بما يُسْخِطُ ربَّه، وَيحْلُمُ فلا يَفْحُشُ، ولا يَنتَصِرُ بلِسانٍ ولا يَدٍ، ونحوُ هذا ممّا لا يخرُجُ عن معنَى ما وصَفنا. حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا عَفّانُ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن محمدِ بنِ زياد، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أكمَلَكم إيمانًا أحاسِنكم أخلاقًا إذا فَقِهُوا" (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْم (٣)،

стр. 3531

قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهّاب، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عَمْرو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "أكمَلُ (١) المؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا" (٢). حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا الحميديُّ، قال (٣): حَدَّثَنَا سفيان، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ دينار، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن يَعْلى بن مَمْلَك (٤)، عن أُمِّ الدَّرْداء، عن أبي الدَّرْداء، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "إنَّ أثْقَلَ شيءٍ في الميزانِ خُلُقٌ حَسَنٌ، واللّهُ يُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ" (٥).

стр. 3532

وحَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشار، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جعفر، قال: حَدَّثَنَا شعبة، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ أبي بزّةَ يُحدِّثُ عن عطاء الكَيْخارانيِّ، عن أُمِّ الدَّرْداء، عن أبي الدَّرْداء أو عن أُمِّ الدَّرْداء، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما شيءٌ أَثْقَلَ في الميزانِ من الخُلُقِ الحسن" (١). ورواه ميمونُ بنُ مِهْران، عن أُمِّ الدَّرْداء قال لها: سَمِعتِه من رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم (٢). قال أبو عُمر: القولُ في الإيمانِ عندَ أهل السُّنّة؛ وهم أهلُ الأثرِ من المتَفقِّهةِ والنَّقَلة، وعندَ مَن خالَفَهم من أهل القبلة، في العبارةِ عنه اختلافٌ، وسنَذكُرُ منه في هذا الباب ما فيه مَقْنَعٌ وهِدايةٌ لأُولي الألباب.

стр. 3533

أجمع أهلُ الفقه والحديث على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ، ولا عَمَل إلّا بنيّة، والإيمانُ عندَهم يَزيدُ بالطاعة وَينقُصُ بالمعصية، والطاعاتُ كلُّها عندَهم إيمانٌ (١)، إلّا ما ذُكِر عن أبي حنيفةَ وأصحابه، فإنّهم ذهَبوا إلى أنَّ الطاعاتِ لا تُسمَّى إيمانًا، قالوا: إنّما الإيمانُ: الإقرارُ والتَّصديقُ (٢). ومنهم مَن زاد: والمعرفةُ. قالوا: وهو المعروفُ من لسانِ العربِ ومن السُّنّةِ المجتَمَع عليه، ألا تَرى إلى قولِ الله حاكيًا عن بني يعقوبَ ﵇: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدِّق (٣) لا. قالوا: وإنّما أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ حينَ بعَثه إلى الخَلْقِ أن يَدعُوَهم إلى الإيمانِ به، ولهم الجنةُ على ذلك، فدَعاهم إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلّا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، يقولون ذلك، ويُقِرُّون به، ويُصدِّقُونَه فيما جاء به، فكان كلُّ مَن قال ذلك وصَدَّقَ به مُؤمنًا مُستكْمِلَ الإيمان، ثم نزَلَتِ الفرائضُ بعدَ ذلك، وكلُّ مَن مات من الصحابة ﵁ قبلَ نزولِ الفرائض، وقبلَ عَمَلِها، كان مُؤمنًا لا محالة، كاملَ الإيمان. قالوا: فالطاعاتُ لا تُسمَّى إيمانًا، كما أنَّ المعاصيَ لا تُسمَّى كُفرًا. وذكَر بعضُهم حديثَ النبيِّ ﵇ إذ سُئِل عن الإيمانِ فقال: "أن تُؤمِنَ باللّه، وملائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، والبَعْثِ بعدَ الموت، والقدرِ خيره وشرِّهِ" (٤). واحْتَجُّوا منَ الآثارِ المرفوعةِ إلى النبيِّ ﷺ في ذلك: بما حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ

стр. 3534

سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد بن شاكرٍ وأحمدُ بنُ زُهَيْر بن حَرْب (١)، قالا: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ داودَ الهاشميُّ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبيع، أنَّه سمِعَ عِتْبانَ بنَ مالكٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ ، فذكَر الحديثَ في قصةِ مالكِ بن الدُّخْشُم بطولِه، وفيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ألا تراه قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، يبتغي بها وجهَ الله؟ "، فقالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، أمّا نحن، فواللّه ما نَرى وجهَه وحديثَه إلّا إلى المنافقين. فقال رسولُ الله ﷺ : "فإنَّ اللهَ قد حرَّم على النارِ أن تَأكُلَ مَن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، يبتغي بها وجهَ الله" (٢). قال ابنُ شهاب: ولكِنّا أدْرَكْنا الفقهاءَ وهم يَرَوْنَ أنَّ ذلك كان قبلَ أن تَنزِلَ مُوجِباتُ الفرائض، فإنّ اللهَ قد أوْجَب على أهل هذه الكلمةِ التي ذكَرَها رسولُ الله ﷺ ، وذكَر النجاةَ بها، فرائضَ في كتابه، فنحن نَخشَى أن يكونَ الأمرُ قد صار إليها، فمَن استطاع ألا يَغْتَرَّ، فلا يَغْتَرَّ (٣). وذكَر عبدُ الرزّاق (٤)، عن مَعْمَر، عن الزهريِّ، قال: حدَّثني محمودُ بنُ الرَّبيع، عن عِتْبانَ بنِ مالك، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لن يُوافِيَ عبدٌ يومَ القيامةِ

стр. 3535

وهو يقولُ: لا إلهَ إلّا اللهُ، يبتغي بها وجهَ الله، إلّا حرَّمه اللهُ على النار" (١). قال الزهريُّ: ثم نزلَتْ بعدَ ذلك فرائضُ وأُمورٌ، نرى الآخِرَ انتهى إليها، فمَن استَطاع ألا يَغْتَرَّ فلا يَغْتَرَّ. وهذا الحديثُ قد رواه أنسُ بنُ مالك، عن محمود بن الرَّبيع، عن عِتْبانَ بنِ مالك بمعناه (٢). وهو في رواية الصحابةِ عن التابعين، والكبار عن الصغار، وهذا المعنى أيضًا رواه أنسُ بنُ مالك، عن مُعاذِ بنِ جبل (٣). حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال (٤): حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ زيد، عن عبدِ العزيز بنِ صُهيب، عن أَنَس بن مالك، عن مُعاذِ بن جبل، قال: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ - قالها ثلاثًا - قال: "بَشِّرِ النّاسَ أنّه مَن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، دخَل الجنّة" (٥). وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رَوْح، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن قتادة، قال: سمعتُ

стр. 3536

أَنَسٍ بنَ مالك يُحدِّثُ، عن معاذِ بنِ جبل، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن شَهِدَ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، دخَل الجنّة" (١). ورواه عن معاذٍ أيضًا: جابرُ بنُ عبد الله (٢)، وعبدُ الرَّحمن بنُ سَمُرَة (٣)، وعمرُو بنُ ميمونٍ، وغيرُهم. ورواه أبو ذَرٍّ وأبو الدَّرْداء، فقالا جميعًا فيه عن النبيِّ ﷺ : "وإن زنَي، وإن سرَقَ". حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمد القاضي البِرْتيُّ وإسحاقُ بنُ الحَسَن الحربيُّ، قالا: أخبرنا أبو مَعْمَر عبدُ الله بنُ عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سعيد، عن الحُسين المُعلِّم، عن ابن بُرَيْدَة، أنّ يحيى بنَ يَعْمَرَ حدَّثه، أنَّ أبا الأسودِ الدُّؤليَّ حدَّثه، أنَّ أبا ذَرٍّ حدَّثَه، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "ما من عبدٍ قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، ثم ماتَ على ذلك، إلّا دخَل الجنّة"، قلتُ: وإنْ زنَى، وإنْ سرَق؛ قال: "وإنْ زنَى، وإنْ سَرَق، على رَغْم أنفِ أبي ذَرٍّ". ولم يقل الحربيُّ: "وإنْ زنَى، وإنْ سرَق" إلّا مرّةً واحدةً (٤). وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمد بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أيوب، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عَمْرو البَزّار، قال (٥): أخبرنا محمدُ بنُ مَعْمر،

стр. 3537

قال: حَدَّثَنَا أبو هشام (١) المغيرةُ بنُ سَلَمة، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بنُ زياد، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عبيد الله، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ وَهْب، قال: سمعتُ أبا الدَّرداء يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن ماتَ لا يُشْرِكُ باللّه شيئًا دخَل الجنّة". قلتُ: وإنْ زنَى، وإنْ سرَق؛ قال: "وإنْ زنَى، وإنْ سرَق". قال: "وإن رَغِم أنفُ أبي الدَّرداء" (٢). وقرأتُ على عبدِ الوارث بنِ سفيان، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال (٣): حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيد، قال: حَدَّثَنَا نُعَيمُ بنُ حَكيم (٤)، قال: حَدَّثَنَا أبو مويم (٥)، قال: سمعتُ أبا الدرداءِ يُحدِّثُ، عن النبيِّ ﵇، قال: "ما مِن رجلٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ - أو مات لا يُشْرِكُ باللّه - إلّا دَخَل الجنّة، أو لَمْ يَدْخُلِ النارَ"، قلتُ: وإنْ زنَى، وإنْ سرَق؟ قال: "وإنْ زنَى، وإنْ سرَق، وإن رَغِم أنفُ أبي الدَّرداء" (٦). واحتجُّوا أيضًا بقولِ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، قال: ومعلومٌ أنّ امتِحانَهم

стр. 3538

إياهُنَّ إنّما هو مُطالبةٌ لهُنَّ بالإقرارِ بالشهادةِ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، كما قال رسولُ الله ﷺ للذي جاءَه بالأمَةِ السَّوْداء، فقال له: يا رسولَ الله، إنَّ علَيَّ رقبةً مُؤمنةً، فإن كنتَ تَرى هذه يا رسولَ الله مؤمنةً أُعتِقُها. فقال لها رسولُ الله ﷺ : "أتشهَدِين أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنِّي رسولُ الله؟ "، قالت: نعم، قال: "أعْتِقْها، فإنَّها مؤمنةٌ"، وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ فيما تقدَّم من كتابنا هذا (١). قالوا: فهذا هو الإيمانُ المعروفُ في اللغة وصريح السنة؛ الإقرارُ والتَّصديقُ، وأمّا فرائضُ الأعمال، فلا تُسمَّى إيمانًا، كما لا تُسَمَّى الذُّنُوبُ كُفْرًا. قالوا: ولما لَمْ تكنِ المعصيةُ كُفْرًا، لَمْ تكنِ الطاعةُ إيمانًا، هذا جملةُ ما عوَّلُوا عليه فيما ذهَبوا من ذلك إليه. وأمّا سائرُ الفقهاءِ من أهل الرَّأي والآثارِ بالحجازِ والعراقِ والشّام ومصر (٢)؛ منهم: مالكُ بنُ أنس، واللَّيثُ بنُ سعد، وسفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، والشّافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُويَة، وأبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلّام، وداودُ بنُ عليٍّ، وأبو جعفرٍ الطَّبريُّ، ومَن سَلَك سبيلَهم، فقالوا: الإيمانُ قولٌ وعملٌ؛ قولٌ باللِّسان، وهو الإقرارُ، واعْتِقادٌ بالقلب، وعَمَل بالجوارح، مع الإخْلاص بالنية الصّادقة. قالوا: وكلُّ ما يُطاعُ اللهُ به من فَريضةٍ ونافلَة، فهو من الإيمان، والإيمانُ يَزيدُ بالطّاعاتِ ويَنقُصُ بالمعاصي. وأهلُ الذُّنُوبِ عندَهم مؤمنون غيرُ مُستكْملي الإيمانِ من أجل ذُنوبهم، وإنّما صاروا ناقِصي الإيمانِ بارْتكابهم الكبائرَ، ألا تَرى إلى قولِ رسولِ الله ﷺ :

стр. 3539

"لا يزني الزاني حين يَزْني وهو مؤمنٌ، ولا يسرِقُ السارِقُ حين يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشْرَبُ الخمرَ حين يَشْرَبُها وهو مؤمن" (١)؛ يريدُ مُستكْمِلَ الإيمان، ولم يُرِدْ به نَفْيَ جميع الإيمان (٢) عن فاعلِ ذلك، بدليل الإجماع على توريثِ الزاني والسارقِ وشاربِ الخمر - إذا صَلَّوا للقبلة، وانتَحَلوا دَعوَةَ الإسلام - من قَراباتهم المؤمنين الذين أَمنوا بتلك - الأحوال، وفي إجماعِهم على ذلك مع إجماعِهم على أنَّ الكافرَ لا يَرِثُ المسلمَ، أوْضَحُ الدَّلائل على صحَّةِ قولنا: إنَّ مُرتكِبَ الذنوبِ ناقِصُ الإيمانِ بفِعْلِه ذلك، وليس بكافرٍ كما زعَمَتِ الخوارجُ في تكْفيرِهم المذنبين. وقد جعَل اللهُ في ارتكابِ الكبائرِ حُدُودًا، جعَلَها كفارةً وتَطْهيرًا، كما جاء في حديثِ عُبادةَ، عن النبيِّ ﷺ : "فمَن واقَع منها شيئًا - يعني: من الكبائر - وأُقِيم عليه الحدُّ، فهو له كَفّارةٌ، ومن لا، فأمرُه إلى الله، إن شاء غفَر له، وإن شاء عذَّبَه" (٣). وليس هذا حُكْمَ الكافر؛ لأنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ به، ويَغفِرُ ما دونَ ذلك لمَن يشاءُ. والإيمانُ مراتبُ، بعضُها فوقَ بعض، فليس الناقصُ فيها كالكامل، قال اللهُ : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، أي: إنّما المؤمنُ حقَّ الإيمانِ مَن كانت هذه صفَتَه، ولذلك قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ومثلُ هذه الآيةِ في القرآن كثيرٌ وكذلك قولُه ﷺ : "المسلمُ مَن سَلِم المسلمون مِن لسانِه ويَدِه،

стр. 3540

والمؤمنُ مَن أمِنَه النّاسُ على دِمائِهم وأموالِهم" (١)، أي: هو المؤمنُ المسلمُ حقًّا. ومن هذا قولُه ﷺ : "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا"، ومعلومٌ أنه لا يكونُ هذا أكمَلَ حتى يكونَ غيرُه أنقَصَ، وكذلك قولُه ﷺ : "أوْثَقُ عُرَى الإيمانِ الحبُّ في الله، والبُغْضُ في الله" (٢)، وقولُه: "لا إيمانَ لمَن لا صلاةَ له" (٣)، و"لا مَن لا أمانةَ له" (٤). كلُّ ذلك يدُلُّ على أنّه ليس بإيمانٍ كامل، وأنَّ بعضَ الإيمانِ أوثَقُ

стр. 3541

عُرْوَةً، وأكملُ من بعض، كما قال: "ليس المسكينُ بالطَّوّاف عليكم" الحديثَ (١). يريدُ: ليس الطَّوّافُ بالمسكين حقًّا؛ لأنّ ثَمَّ مَن هو أشَدُّ مَسْكَنةً منه، وهو الذي لا يَسْألُ الناسَ ويتعَفَّفُ. وَيدُلُّك على ذلك قولُ عائشة: إنَّ المسكينَ ليَقِفُ على بابي. الحديثَ (٢). وروَى مجاهدُ بنُ جَبْرٍ وأبو صالح السَّمّان جميعًا، عن عبدِ الله بنِ ضَمْرة (٣)، عن كعب، قال: مَن أحَبَّ في الله، وأَبْغَض في الله، وأعْطَى في الله، ومَنَع للّه، فقد استَكمَل الإيمان (٤). ومن الدَّلائل على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، كما قالتِ الجماعةُ والجمهورُ، قولُ الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، لَمْ يختلفِ المفَسِّرون أنَّه أراد: صلاتكم إلى بيتِ المقدس، فسَمَّى الصَّلاةَ إيمانًا. ومثلُ هذا قولُه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وأمّا من السُّنَّة، فكثيرٌ جدًّا؛ من ذلك قولُه ﷺ : "بُني الإسلامُ على خمس: شهادَةِ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وإقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِّ، وصوم رمضانَ" (٥).

стр. 3542

وقد كان معاذُ بنُ جبل يقولُ لأصحابه: تَعالَوْا بنا ساعةً نُؤمنْ (١)، أي: نَذكُرِ اللهَ. فجعَل ذِكْرَ الله من الإيمان. ومثلُ هذا حديثُ طلحةَ بنِ عبيد الله، أنَّ أعرابيًّا سألَ رسولَ الله ﷺ عن الإسلام، فقال: "خمسُ صلوات". الحديثَ، ويأتي في باب مالك، عن عَمِّه أبي سُهَيْل (٢)، إن شاء اللهُ. حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الملك، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مَسْرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكين، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا الحجّاجُ بنُ مِنْهال، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سَلَمة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن رجل، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "أسْلِمْ"، قال: وما الإسلامُ؟ قال: "أن تُسْلِمَ قلبَك للّه، وأن يَسْلَمَ المسلمون من لِسانِك ويَدِك"، قال: فأيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "الإيمانُ"، قال: وما الإيمانُ؟ قال: "أن تُؤْمِنَ باللّه، وملائكتِه، وكُتُبِه، ورسُلِه، والبعثِ بعدَ الموت"، قال: فأيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال: "الهجرةُ"، قال: وما الهجرةُ؟ قال: "أن تَهْجُرَ السُّوءَ"، قال: فأيُّ الهجرةِ أفضلُ؟ قال: "أن تُجاهِدَ المشركين إذا لَقِيتَهم، ثم لا تَغُلَّ ولا تَجْبُنَ" (٣).

стр. 3543

وكذلك رواه حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، كما رواه حمّادُ بنُ سَلَمة، سواءً بإسنادِه (١). ورواه عن حمّادِ بنِ زيدٍ جماعةٌ من أصحابه، منهم: أبو عمرَ الضَّرِيرُ، ومُؤمَّلُ بنُ إسماعيل، وسليمانُ بنُ حَرْب (٢)، وغيرُهم. وهذا لفظُ حديثِ مُؤمَّل، عن حمّادِ بنِ زيد، قال: كَلَّمْتُ أبا حنيفةَ في الإرجاء، فجعَل يقولُ وأقولُ، فقلتُ له: حَدَّثَنَا أيوبُ، عن أبي قِلابة، قال: حدَّثني رجلٌ من أهل الشام، عن أبيه، ثم ذكَر الحديثَ سواءً إلى آخِرِه. قال حمّادٌ: فقلتُ لأبي حنيفة: ألا تَراه يقولُ: أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: والإيمانُ؟ ثم جعَل الهجرةَ والجهادَ من الإيمان. قال: فسكَت أبو حنيفةَ، فقال بعضُ أصحابه: ألا تُجيبُه يا أبا حنيفة؟ قال: لا أُجِيبُه وهو يُحدِّثُني بهذا عن رسول الله ﷺ . وفي رواية مُؤَمَّل وغيرِه في هذا الحديث، عن حمادِ بنِ زيد، قال: كنتُ بمكةَ مع أبي حنيفةَ، فجاءَه رجلٌ، فسأله عن الإيمانِ وعن الإسلام، فقال: الإسلامُ والإيمانُ واحدٌ. فقلتُ له: يا أبا حنيفةَ، حَدَّثَنَا أيوبُ، عن أبي قِلابة، وذكَره. قال أبو عُمر: أكثرُ أصحاب مالك على أنَّ الإسلامَ والإيمانَ شيءٌ واحدٌ، ذكَر ذلك ابنُ بُكَيْر في الأحكام، واحتجَّ بقول الله : ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، أي: غيرَ بيتٍ منهم. قالوا: وأمّا قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فـ ﴿أَسْلَمْنَا﴾ هنا بمعنى: استَسْلَمْنا مخافةَ السِّباءِ والقتل، كذلك قال مُجاهِدٌ (٣) وغيرُه.

стр. 3544

قال إسماعيلُ (١): والدليلُ على ذلك في الآية قولُه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، قال قتادةُ: ليس كلُّ الأعراب كذلك؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيةَ [التوبة: ٩٩] (٢). وأمّا الأحاديثُ في معنى حديثِ أبي قِلابة المذكور، في أنَّ الإسلامَ وُصِف بغير ما وُصِف به الإيمانُ، فكثيرةٌ جدًّا؛ منها: ما حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ خَليفةَ ﵀، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الحُسَين، قال (٣): حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد الفرْيابيُّ، قال (٤): حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ راهُويَة، قال: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْل، قال: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بنُ الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ بُرَيْدَة، عن يحيى بن يَعْمَرَ، أنَّه سمِع عبدَ الله بنَ عمرَ يقولُ: حدَّثني عمرُ بنُ الخطاب، قال: بينما نحن عندَ رسولِ الله ﷺ إذ طَلَع علينا رجل، شَديدُ بياضِ الثِّياب، شديدُ سَوادِ الشَّعَر، لا يُرَى عليه أثرُ السَّفَر، ولا يَعْرِفُه منَّا أحدٌ، حتى جلَس إلى النبيِّ ﵇، فأسنَد رُكْبَتَه إلى رُكْبَتِه، ووضَع كَفَّيْه على فَخِذَيْه، ثم قال: يا محمدُ، أخبِرْني عن الإسلام؟ قال: "الإسلامُ أن تَشْهَدَ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتَحُجَّ البيتَ إن استَطَعتَ إليه سبيلًا". قال: صَدَقْتَ. فعَجِبْنا أنه يسْألُه وُيصَدِّقُه، قال: فأخبِرْني عن الإيمان؟ قال: "أن تُؤمِنَ

стр. 3545

باللّه وملائكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخِر، والقَدَرِ خيرِه وشَرِّه". قال: صَدَقْتَ. فعَجِبْنا أنَّه يسْألُه ويُصَدِّقُه. وذكَر تمامَ الحديث (١)، وأنا اختَصَرْتُ منه صدرًا ليس في معنى هذا الباب. ورَوَى هذا الحديثَ عن عبدِ الله بن بُرَيْدَة، كما رواه كَهْمَسٌ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، جماعةٌ؛ منهم: عبدُ الله بنُ عطاء (٢)، ومَطَرٌ الوَرَّاقُ (٣)، وعثمانُ بنُ غِياث (٤)، والجُرَيْريُّ، وعطاءُ بنُ السّائب (٥).

стр. 3546

ورواه سليمانُ بنُ بُرَيْدَة، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﵇ بمعنى حديثِ عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ سواءً، إلّا أنَّه جعَلَه من مُسنَد ابنِ عمرَ، لَمْ يذكُرْ عمرَ. رواه عن سليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ؛ علقمةُ بنُ مَرْثدٍ (١) وغيرُه. ورواه إسحاقُ بنُ سُوَيْد (٢)، وعليُّ بنُ زيد (٣)، عن يحيى بنِ يعمَرَ، عن ابنِ عمرَ مِثْلَه بمعناه، لَمْ يذْكُرا عمرَ. وقد روَى المطَّلبُ بنُ زِياد، عن منصور، عن عطاءِ بنِ أبي رَباح، عن ابنِ عمرَ مثلَه سواءً مُسنَدًا بتَمامِه، لَمْ يَذْكُرْ عمرَ (٤). ورواه عبدُ الملكِ بنُ قُدامَةَ الجُمَحِيُّ، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عمرَ مثلَه (٥).

стр. 3547

ورُوِي من حديثِ المقبريِّ (١)، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلُه. وقد ذهَبَتْ طائفةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّ الإيمانَ والإسلامَ مَعْنَيانِ، بهذا الحديثِ وما كان مثلَه، وبحديثِ ابنِ شهاب، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وَقّاص، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَسَم قَسْمًا، فأعْطَى قومًا ومَنَع بعضَهم. قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، أعْطَيْتَ فلانًا وفلانًا، ومَنَعْتَ فلانًا، واللّه إنِّي لأُراهُ (٢) مؤمنًا. فقال: "لا تقلْ: مؤمنًا، ولكنْ قُلْ: مسلمًا". روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهاب، جماعةٌ؛ منهم: معمرٌ (٣)، وابنُ أبي ذِئب (٤)، وصالحُ بنُ كَيْسانَ (٥)، وابنُ أخي ابنِ شهاب (٦)، بألفاظٍ مختلفةٍ ومعنًى واحد.

стр. 3548

قال: وقال معمرٌ: قال ابنُ شهاب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، قال ابنُ شهاب: فنَرى أنَّ الإسلامَ: الكلمةُ، والإيمانَ: العَمَلُ. وهذا الذي قالَه ابنُ شهاب، أنَّ الإسلامَ الكلمةُ والإيمانَ العملُ، خِلافُ ما تَقدَّمَ من الآثارِ المرفوعةِ في الإسلام وما بُنِي عليه، على ما مَضَى في هذا الباب؛ لأنَّ هذا يَدُلُّ على أنَّ الإسلامَ العَمَلُ، والإيمانَ الكلمةُ، إلّا أنَّ في تلك الأحاديثِ كلِّها في الإسلام: شهادةَ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله. فعلى هذا خرَج كلامُ ابنِ شهاب، واللّهُ أعلمُ (١)، لا (٢) على إقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصوم رمضانَ، والحجِّ. والمعنى في ذلك كلِّه مُتقاربٌ، إلّا أنَّ الذي عليه جماعةُ أهل الفقهِ والنَّظر، أنَّ الإيمانَ والإسلامَ سواءٌ، بدليل ما ذكَرْنا من كتابِ الله قولَه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. وعلى القول بأنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، جمهورُ أصحابنا وغيرُهم من الشافعيِّين والمالكيِّين، وهو قولُ داودَ وأصحابِه، وأكثرِ أهل السُّنّةِ والنَّظرِ المتَّبِعِين للسَّلَفِ والأثَر (٣).

стр. 3549

وقد رُوِي عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليِّ بنِ حسينٍ ﵃، أنَّه قال: هذا الإيمانُ - ودَوَّر دارةً - وهذا الإسلامُ، ودَوَّر دارَةً خلفَ الدَّار الأُولى، قال: فإذا أذْنَبنا خَرَجْنا من الدَّارر إلى الإسلام، وإذا أحْسَنّا رَجَعْنا إلى الإيمان، فلا نَخْرُجُ من الإسلام إلى الشِّرْك (١). وقال بهذا طوائفُ من عَوامِّ أهلِ الحديث، وهو قولُ الشِّيعَة (٢). والصَّحيحُ عندَنا ما ذكَرْتُ لك، وهو كلُّه مُتقارِبُ المعنى، متفِقُ الأصل، وربَّما يختَلِفون في التَّسْميَة والألقاب، ولا يُكفِّرُون أحدًا بذنب، إلّا أنّهم اختَلفوا في تاركِ الصلاةِ وهو مُقِرٌّ بها؛ فكَفَّره منهم مَن ذكَرْنا قولَه في باب زيدِ بن أسلَمَ، عن بُسْرِ بنِ مِحْجَن (٣)، وأبى الجمهورُ أن يُكَفِّرُوه إلّا بالجحدِ والإنكارِ الذي هو ضِدُّ التَّصْدِيق والإقرار، على ما ذكَرْنا هناك، والحمدُ للّه. فهذا ما بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ في الإيمان. وأمّا المعتزلةُ، فالإيمانُ عندَهم: جِمَاعُ الطّاعات (٤)، ومن قصَّرَ منها عن شيء، فهو فاسقٌ لا مُؤمنٌ ولا كافرٌ، وهؤلاء هم المتحَقِّقُونَ بالاعتِزال، أصحابُ المنزلةِ بينَ المَنْزلَتَيْن. ومنهم مَن قال في ذلك بقول الخوارج: المُذْنِبُ كافِرٌ غيرُ

стр. 3550

مُؤْمن. إلّا أنَّ الصُّفْرِيّةَ تجْعَلُه كالمشرك، وتَجْعَلُ دارَ المذنبِ المُخالِفِ لهم دارَ حرب. وأمّا الأباضِيّةُ فتَجْعَلُه كافِرَ نِعْمة، ولكنَّهم يُخَلِّدُونَه في النارِ إن لَمْ يَتُبْ من الكبيرة، ولا يَسْتَحِلُّونَ مالَه كما يَسْتَحِلُّه (١) الصُّفْرِيّةُ. ولهم ظواهرُ آياتٍ يُبَرْهِنُون (٢) بها قد فَسَّرَتْها السنةُ، وقد مَضَى على ما فَسَّرَتِ السنةُ في ذلك علماءُ الأُمَّة. رَوَينا عن جابرِ بنِ عبدِ الله صاحبِ رسولِ الله ﷺ أنَّه قيل له: أكنتُم تَعُدُّونَ شيئًا من الذنوبِ كفرًا، أو شِرْكًا، أو نِفاقًا؟ قال: معاذَ الله، ولكنّا نقولُ: مؤمنين مُذْنِبين (٣). ولولا أنَّ كتابنا هذا كتابُ شرح معاني السننِ الثابتةِ في "الموطأ"، لَجَرَّدْنا الرَّدَّ عليهم هنا، وقد أكثرَ العلماءُ من الرَّدِّ عليهم وكَسْرِ أقوالهم، وكذلك أكثرَ أهلُ الحديثِ من روايةِ الآثارِ في الإيمان، ومَدارُ الباب كلِّه عندَ جميعِهم على ما ذكَرْتُ لك، وما تَوفيقي إلّا باللّه، عليه تَوَكَّلْتُ وإليه أُنِيبُ. وأمّا الآياتُ التي نزَع بها العلماءُ في أنَّ الإيمانَ يَزيدُ وَينْقُصُ، فمنها: قولُ الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقولُه: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقولُه: ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ومثلُ هذا كثيرٌ. وعلى أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُصُ؛ يَزيدُ بالطاعة، ويَنقُصُ بالمعصية، جماعةُ أهل الآثار، والفقهاءُ أهلُ الفَتوى بالأمصار.

стр. 3551

وقد رَوَى ابنُ القاسم، عن مالك، أنَّ الإيمانَ يَزيدُ، ووَقَف في نُقْصانِه (١). ورَوَى عنه عبدُ الرزّاق (٢)، ومعنُ بنُ عيسى، وابنُ نافع (٣)، وابنُ وَهْب (٤)، أنَّه يَزيدُ ويَنقُصُ، يزيدُ بالطّاعَةِ، ويَنقُصُ بالمعصِيَة. وعلى هذا مَذهبُ الجماعةِ من أهلِ الحديث (٥)، والحمدُ للّه. حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالد، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ بنُ محمد الكَشْوَرِيُّ بصنعاءَ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ بنُ شَبِيب، قال: سمعتُ عبدَ الرزّاق يقولُ: سمعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ، ومعمرًا، وابنَ جُرَيج، ومالكَ بنَ أنس، وسُفيانَ بنَ عُيَيْنة، يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. فقلنا لعبد الرزّاق: فما تقولُ أنت؟ قال: أقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ، فإن لَمْ أقلْ هذا، فقد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين (٦).

стр. 3552

قال أحمدُ بنُ خالد: وحَدَّثَنَا عُبيدُ (١) بنُ محمد الكَشْوَريُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يزيد، قال: سمعتُ عبدَ الرزّاق - وسُئِلَ عنِ الإيمان - فقال: أدْركْتُ أصحابَنا: سفيانَ الثَّوريَّ، وابنَ جُرَيْج، وعبيدَ الله (٢) بنَ عمرَ، ومالكَ بنَ أنس، ومعمرَ بنَ راشد، والأوزاعيَّ، وسفيانَ بنَ عُيَيْنة، يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. فقال له بعضُ القوم: فما تقولُ أنت يا أبا بكر؟ قال: إن خالَفْتُهم فقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا منَ المُهْتَدين (٣). قال أحمد: وحَدَّثَنَا عبيدُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا عبد الرزّاق قال: كان معمر، وابنُ جُرَيج، وسفيانُ الثَّوريُّ، ومالكُ بنُ أنس، يَكرَهُون أن يقولوا: أنا مُستكْمِلُ الإيمان، على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ (٤). حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُوسُ بنُ دَيْزُوية (٥)، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حَدَّثَنَا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: سمعتُ مالكَ بنَ أنس - وسألَه رجلٌ عن الإيمان - فقال: الإيمانُ قولٌ وعملٌ.
следующие страницы →