← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3548–3587 · переход к 3553.

стр. 3548

قال: وقال معمرٌ: قال ابنُ شهاب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، قال ابنُ شهاب: فنَرى أنَّ الإسلامَ: الكلمةُ، والإيمانَ: العَمَلُ. وهذا الذي قالَه ابنُ شهاب، أنَّ الإسلامَ الكلمةُ والإيمانَ العملُ، خِلافُ ما تَقدَّمَ من الآثارِ المرفوعةِ في الإسلام وما بُنِي عليه، على ما مَضَى في هذا الباب؛ لأنَّ هذا يَدُلُّ على أنَّ الإسلامَ العَمَلُ، والإيمانَ الكلمةُ، إلّا أنَّ في تلك الأحاديثِ كلِّها في الإسلام: شهادةَ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله. فعلى هذا خرَج كلامُ ابنِ شهاب، واللّهُ أعلمُ (١)، لا (٢) على إقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصوم رمضانَ، والحجِّ. والمعنى في ذلك كلِّه مُتقاربٌ، إلّا أنَّ الذي عليه جماعةُ أهل الفقهِ والنَّظر، أنَّ الإيمانَ والإسلامَ سواءٌ، بدليل ما ذكَرْنا من كتابِ الله قولَه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. وعلى القول بأنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، جمهورُ أصحابنا وغيرُهم من الشافعيِّين والمالكيِّين، وهو قولُ داودَ وأصحابِه، وأكثرِ أهل السُّنّةِ والنَّظرِ المتَّبِعِين للسَّلَفِ والأثَر (٣).

стр. 3549

وقد رُوِي عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليِّ بنِ حسينٍ ﵃، أنَّه قال: هذا الإيمانُ - ودَوَّر دارةً - وهذا الإسلامُ، ودَوَّر دارَةً خلفَ الدَّار الأُولى، قال: فإذا أذْنَبنا خَرَجْنا من الدَّارر إلى الإسلام، وإذا أحْسَنّا رَجَعْنا إلى الإيمان، فلا نَخْرُجُ من الإسلام إلى الشِّرْك (١). وقال بهذا طوائفُ من عَوامِّ أهلِ الحديث، وهو قولُ الشِّيعَة (٢). والصَّحيحُ عندَنا ما ذكَرْتُ لك، وهو كلُّه مُتقارِبُ المعنى، متفِقُ الأصل، وربَّما يختَلِفون في التَّسْميَة والألقاب، ولا يُكفِّرُون أحدًا بذنب، إلّا أنّهم اختَلفوا في تاركِ الصلاةِ وهو مُقِرٌّ بها؛ فكَفَّره منهم مَن ذكَرْنا قولَه في باب زيدِ بن أسلَمَ، عن بُسْرِ بنِ مِحْجَن (٣)، وأبى الجمهورُ أن يُكَفِّرُوه إلّا بالجحدِ والإنكارِ الذي هو ضِدُّ التَّصْدِيق والإقرار، على ما ذكَرْنا هناك، والحمدُ للّه. فهذا ما بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ في الإيمان. وأمّا المعتزلةُ، فالإيمانُ عندَهم: جِمَاعُ الطّاعات (٤)، ومن قصَّرَ منها عن شيء، فهو فاسقٌ لا مُؤمنٌ ولا كافرٌ، وهؤلاء هم المتحَقِّقُونَ بالاعتِزال، أصحابُ المنزلةِ بينَ المَنْزلَتَيْن. ومنهم مَن قال في ذلك بقول الخوارج: المُذْنِبُ كافِرٌ غيرُ

стр. 3550

مُؤْمن. إلّا أنَّ الصُّفْرِيّةَ تجْعَلُه كالمشرك، وتَجْعَلُ دارَ المذنبِ المُخالِفِ لهم دارَ حرب. وأمّا الأباضِيّةُ فتَجْعَلُه كافِرَ نِعْمة، ولكنَّهم يُخَلِّدُونَه في النارِ إن لَمْ يَتُبْ من الكبيرة، ولا يَسْتَحِلُّونَ مالَه كما يَسْتَحِلُّه (١) الصُّفْرِيّةُ. ولهم ظواهرُ آياتٍ يُبَرْهِنُون (٢) بها قد فَسَّرَتْها السنةُ، وقد مَضَى على ما فَسَّرَتِ السنةُ في ذلك علماءُ الأُمَّة. رَوَينا عن جابرِ بنِ عبدِ الله صاحبِ رسولِ الله ﷺ أنَّه قيل له: أكنتُم تَعُدُّونَ شيئًا من الذنوبِ كفرًا، أو شِرْكًا، أو نِفاقًا؟ قال: معاذَ الله، ولكنّا نقولُ: مؤمنين مُذْنِبين (٣). ولولا أنَّ كتابنا هذا كتابُ شرح معاني السننِ الثابتةِ في "الموطأ"، لَجَرَّدْنا الرَّدَّ عليهم هنا، وقد أكثرَ العلماءُ من الرَّدِّ عليهم وكَسْرِ أقوالهم، وكذلك أكثرَ أهلُ الحديثِ من روايةِ الآثارِ في الإيمان، ومَدارُ الباب كلِّه عندَ جميعِهم على ما ذكَرْتُ لك، وما تَوفيقي إلّا باللّه، عليه تَوَكَّلْتُ وإليه أُنِيبُ. وأمّا الآياتُ التي نزَع بها العلماءُ في أنَّ الإيمانَ يَزيدُ وَينْقُصُ، فمنها: قولُ الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقولُه: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقولُه: ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ومثلُ هذا كثيرٌ. وعلى أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُصُ؛ يَزيدُ بالطاعة، ويَنقُصُ بالمعصية، جماعةُ أهل الآثار، والفقهاءُ أهلُ الفَتوى بالأمصار.

стр. 3551

وقد رَوَى ابنُ القاسم، عن مالك، أنَّ الإيمانَ يَزيدُ، ووَقَف في نُقْصانِه (١). ورَوَى عنه عبدُ الرزّاق (٢)، ومعنُ بنُ عيسى، وابنُ نافع (٣)، وابنُ وَهْب (٤)، أنَّه يَزيدُ ويَنقُصُ، يزيدُ بالطّاعَةِ، ويَنقُصُ بالمعصِيَة. وعلى هذا مَذهبُ الجماعةِ من أهلِ الحديث (٥)، والحمدُ للّه. حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالد، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ بنُ محمد الكَشْوَرِيُّ بصنعاءَ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ بنُ شَبِيب، قال: سمعتُ عبدَ الرزّاق يقولُ: سمعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ، ومعمرًا، وابنَ جُرَيج، ومالكَ بنَ أنس، وسُفيانَ بنَ عُيَيْنة، يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. فقلنا لعبد الرزّاق: فما تقولُ أنت؟ قال: أقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ، فإن لَمْ أقلْ هذا، فقد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين (٦).

стр. 3552

قال أحمدُ بنُ خالد: وحَدَّثَنَا عُبيدُ (١) بنُ محمد الكَشْوَريُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يزيد، قال: سمعتُ عبدَ الرزّاق - وسُئِلَ عنِ الإيمان - فقال: أدْركْتُ أصحابَنا: سفيانَ الثَّوريَّ، وابنَ جُرَيْج، وعبيدَ الله (٢) بنَ عمرَ، ومالكَ بنَ أنس، ومعمرَ بنَ راشد، والأوزاعيَّ، وسفيانَ بنَ عُيَيْنة، يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. فقال له بعضُ القوم: فما تقولُ أنت يا أبا بكر؟ قال: إن خالَفْتُهم فقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا منَ المُهْتَدين (٣). قال أحمد: وحَدَّثَنَا عبيدُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا عبد الرزّاق قال: كان معمر، وابنُ جُرَيج، وسفيانُ الثَّوريُّ، ومالكُ بنُ أنس، يَكرَهُون أن يقولوا: أنا مُستكْمِلُ الإيمان، على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ (٤). حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُوسُ بنُ دَيْزُوية (٥)، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حَدَّثَنَا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: سمعتُ مالكَ بنَ أنس - وسألَه رجلٌ عن الإيمان - فقال: الإيمانُ قولٌ وعملٌ.

стр. 3553

حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الملك، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مَسْرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مِسْكين، قال: حَدَّثَنَا ابنُ سَنْجَر، قال: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ سُلَيْم، قال: سألتُ عَشَرةً من الفقهاءِ عن الإيمان، فقالوا: قولٌ وعملٌ؟ سألتُ: سفيانَ الثَّوريَّ، ومالكَ بنَ أنس، وابنَ جُرَيج، وهشامَ بنَ حسّانَ، ومحمدَ بنَ عَمْرِو بنِ عثمان، وفُضَيلَ بنَ عِياض، وسفيانَ بنَ عُيَيْنةَ، ومحمدَ بنَ سالم الطّائفيَّ، والمثنّى بنَ الصَّبّاح، ونافعَ بنَ عُمرَ الجُمَحيَّ، فكلُّهم قال لي: الإيمانُ قولٌ وعملٌ (١). قال الحُميديُّ (٢): وسمعتُ سفيانَ بنَ عُيَيْنة يقولُ: الإيمانُ يَزيدُ ويَنقُصُ، فقال له أخوه إبراهيمُ بنُ عُيَيْنةَ: لا تقلْ: يَنْقُصُ، فغَضِب، وقال: اسْكُتْ يا صَبِيُّ، بل يَنقُصُ حتى لا يَبقَى منه شيءٌ (٣). وقال سفيانُ بنُ عُيَيْنة: نحن نقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، والمرجئةُ تقولُ: الإيمانُ قولٌ، وجعَلُوا تركَ الفرائضِ ذنبًا بمنزلةِ رُكُوبِ المحارم، وليس كذلك، إنَّ تَرْكَ الفرائضِ من غيرِ جهلٍ ولا عُذْرٍ كُفْرٌ، ورُكوبُ المحارم عمدًا من غيرِ استِحلالٍ مَعصِيةٌ، وبيانُ ذلك أمرُ آدمَ وإبليسَ؛ وذلك أنَّ اللهَ حرَّمَ على آدمَ الشجرة، ونهاه عن الأكل منها، فأكَلَ منها، فسمّاه عاصيًا، وأمرَ إبليسَ بالسُّجُودِ فأبى واستكْبَر، فسُمِّي كافرًا. حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 3554

أحمدُ بنُ زهير، قال (١): حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن عطاءِ بنِ السّائب، قال: سأل هشامُ بنُ عبدِ الملك الزهريَّ، فقال: حُدِّثْنا بحديثِ النبيِّ ﷺ : "مَن مات لا يُشرِكُ باللّه شيئًا دَخَل الجَنَّة، وإن زنَى، وإن سرَق"، فقال الزُّهريُّ: أين يذهبُ بك يا أميرَ المؤمنين؟ كان هذا قبلَ الأمرِ والنَّهي (٢). وفيما أجازَنا عبدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدٍ الهَرَويُّ، وأذِن لي في رِوايتِه عنه، وكتَبَه إليَّ بخَطِّه، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عَبْدانَ، قال: أخبرنا أبو يوسفَ يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ، قال: حَدَّثَنَا عُبيدُ الله (٣) بنُ موسى، قال: أخبرنا مُباركُ بنُ حسّان (٤)، قال: قلتُ لعَطاءِ بنِ أبي رباح: إنّ في المسجدِ عُمرَ بنَ ذَرٍّ، ومسلمًا النحّاتَ (٥)، وسالمًا الأفْطَسَ (٦)، قال: وما يقولون؟ قلت: يقولون: مَن زنَى، وسرَق، وشَرِب الخمرَ، وقذَف المحْصَنات، وأكَل الرِّبا، وعَمِل بكلِّ مَعصِية، أنّه مؤمنٌ كإيمانِ البَرِّ التَّقيِّ الذي لَمْ يَعْصِ الله. فقال: أبلِغْهم ما حدَّثني أبو هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَقتُلُ القاتلُ حين يَقتُلُ وهو مؤمنٌ، ولا يَزني الزّاني حينَ يَزْني وهو مؤمنٌ، ولا يَسرِقُ السارقُ حين يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشرَبُ الخمرَ حينَ يَشرَبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَختَلِسُ خُلْسةً يُشتَهَرُ بها وهو مؤمن". قال

стр. 3555

عطاءٌ: يُخْلَعُ منه الإيمانُ كما يَخلَعُ المرءُ سِرْبالَه، فإنْ رَجَع إلى الإيمانِ تائبًا رجَع إليه الإيمانُ إن شاء الله. قال: فذَكَرْتُ ذلك لسالم الأفطسِ وأصحابِه، فقالوا: وأين حديثُ أبي الدَّرْداء: "وإن زنَى وإن سرَق"؟ قال: فرَجَعتُ إلى عطاء، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: قلْ لهم: أوَ ليس قد قال الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]؟ فدخَل فيه السارقُ وغيرُه، ثم نزلَتِ الأحكامُ والحدودُ بعدُ فلَزِمتْه، ولم يُعْذَرْ في تَركِها، وقال رسولُ الله ﷺ : "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له" (١)، وقال: "الإيمانُ قيَّدَ (٢) الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مُؤمِنٌ" (٣). قال أبو عُمر: في الحياءِ أحاديثُ مرفوعةٌ حِسانٌ، نذكُرُ منها هاهُنا ما حضَرَنا ذِكْرُه. حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بن عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا الحارث بنُ أبي أسامة، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا أبو نعامَةَ العدَويُّ، عن حُميدِ بنِ هلال، عن بُشَيرِ بنِ كعب، عن عمرانَ بنِ حُصَيْن، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الحياءُ كلُّه خيرٌ". قال بُشَيرٌ: فقلتُ: إنَّ منه ضَعْفًا، وإنَّ منه عَجْزًا، فقال: أخبرتُك عن رسولِ الله ﷺ ، وتُجيبُني بالمعاريض؟ لا أُحدِّثُكَ

стр. 3556

بحديثٍ ما عَرفتُك. فقالوا: يا أبا نُجَيد، إنّه طيِّبُ القراءة، وإنّه، وإنّه. فلم يزالُوا به حتى سكَن وحدَّث (١). وحَدَّثَنَاه سعيدُ بنُ نصر (٢)، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رَوْح المدائنيُّ (٣)، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارون، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ رباح أبو الفضل (٤)، قال: حَدَّثَنَا أبو السَّوّارِ العَدَويُّ، عن عمرانَ بنِ حُصين (٥)، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الحياءُ خير كلُّه"، فقال له رجل: إنّه يقالُ في الحكمة: إنَّ منه ضعْفًا. فقال عمرانُ (٦): أُخبرُكَ عن رسولِ الله ﷺ ، وتُحدِّثُني عن الصُّحُف (٧)؟

стр. 3557

وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الملك، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مِسْكين، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن سَنْجَر، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عن منصورِ بنِ زاذانَ، عن الحسن، عن أبي بَكْرَة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الحياءُ مِن الإيمان" (١). وحَدَّثَنَا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا عيسى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا الحجّاجُ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سَلَمة، عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "الحياءُ مِن الإيمان" (٢). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن أسَد، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زكريّا بنِ يحيى بنِ يعقوبَ المقدسيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ حمّادٍ الطِّهرانيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاق (٣)، عن مَعْمر، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما كان الحياءُ في شيءٍ قطُّ إلَّا زانَه، وما كان الفُحْشُ في شيءٍ قطُّ إلَّا شانَه" (٤).

стр. 3558

وروى وَكيعٌ (١)، عن مالك، عن سَلَمةَ بنِ صَفْوان، عن يَزيدَ بنِ رُكانة (٢)، عن أبيه، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ لِكلِّ دينٍ خُلُقًا، وخُلق هذا الدِّينِ الحياءُ" (٣). لَمْ يَرْوِه عن مالكٍ بهذا الإسناد إلّا وَكيع (٤)، وسنذكُرُه في بابِه من هذا الكتاب (٥) إن شاء الله؛ حَدَّثَنَاه عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهَيْر، قال (٦): حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحَسَن الصَّفّار، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ. وقال أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ: كان رسولُ الله ﷺ أشَدَّ حَياءً من عَذْراءَ في خِدْرِها (٧) (٨).

стр. 3559

حديثٌ ثالثُ لابن شِهاب، عن سالم مسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبد الله بن عُمر، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى المغربَ والعِشاءَ بالمُزْدَلفة جميعًا (٢). كذا رَواه جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ، إلّا محمدَ بنَ عَمْرو الغَزِّيَّ، فإنّه ذكَرَ فيه الظهرَ والعصرَ بعَرفَة، وزادَ ألفاظًا ليست في "الموطأ" عندَ أحدٍ منَ الرُّواة. أخبرني محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المصريُّ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ سَهْل الدِّمياطيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أنس، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، قال: جمعَ رسولُ الله ﷺ بينَ الظُّهرِ والعصرِ بعرفَة، وبينَ المغربِ والعِشاءِ بالمزدَلفة، لَمْ يُنادِ في واحدةٍ منهما إلّا بالإقامة، ولم يَفصِلْ بينَهما تَطوُّعًا ولا إثْرَ واحدةٍ منهما. قلتُ: فما بالُ الأذان؟ قال: إنّما الأذانُ داعٍ يَدْعُو الناسَ إلى الصَّلاة، فمَن يَدعُو وهم معَه (٣)؟ لَمْ يُتابَعْ عليه عن مالك، وزاد فيه قوم من أصحابِ ابنِ شهابٍ ألفاظًا سنذكُرُها، ونوضِّحُ القولَ في معانيها إن شاء الله.

стр. 3560

قال أبو عُمر: لا خِلافَ عَلِمتُه بين علماءِ المسلمين من الصحابةِ والتابعين، ومَن بعدَهم من الخالفين، أنَّ المغربَ والعِشاءَ يُجمَعُ بينَهما في وقتِ العِشاءِ ليلةَ النَّحْرِ بالمزدَلفة لإمام الحاجِّ والناسِ معَه (١). واختَلَف العلماءُ فيمَن لَمْ يَدفَعْ معَ الإمام على ما سنَذكُرُه إنْ شاءَ الله. والمزدَلفةُ هي المَشْعَرُ الحرامُ، وهي جمعٌ؛ ثلاثةُ أسماءٍ لموضع واحد (٢). ومن الدليل على أنَّ ذلك كذلك لإمام الحاجِّ والناسِ في تلك الليلة، قولُه ﷺ في حديثِ أسامةَ بنِ زيد: "الصَّلاةُ أمامَك"، بالمزدَلفة. وسنذكُرُ هذا الحديثَ ووجهَ القولِ فيه في باب موسى بن عُقبةَ من كتابنا هذا (٣) إن شاء اللهُ تعالى. واختَلَف العلماءُ في هَيئةِ الجمع بينَ الصَّلاتين بالمزدَلفة على وَجْهَين؛ أحدُهما: الأذانُ والإقامة، والآخرُ: هل يكونُ جمعُهما متَّصلًا لا يُفصَلُ بينَهما بعَمَل، أم يجوزُ العملُ بينَهما بعَمل مثلَ العَشاءِ وحَطِّ الرِّحَالِ ونحوِ ذلك؟ فأمّا اختلافُهم في الأذانِ والإقامة، فإنَّ مالكًا وأصحابَه يقولون: يُؤذَّنُ لكلِّ واحدةٍ منهما ويُقَامُ بالمُزْدَلفة (٤). وكذلك قولُه في الظهرِ والعصرِ بعَرَفةَ أيضًا، إلّا أنَّ ذلك في أولِ وَقتِ الظهرِ بإجماع. قال ابنُ القاسم (٥): "قال لي مالكٌ في جَمْع الصَّلاتَيْن بعَرَفةَ وبالمَشْعَرِ الحرام، قال: لكلِّ صلاةٍ أذانٌ وإقامةٌ. قال: وقال مالكٌ: كلُّ شيءٍ إلى الأئمّة، فلكلِّ صلاةٍ أذانٌ وإقامةٌ".

стр. 3561

قال أبو عُمر: لا أعلمُ فيما قاله مالكٌ في هذا الباب حديثًا مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ بوَجْهٍ من الوُجوه، ولكنّه رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطاب من حديثِ إسرائيل، عن سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن النُّعمان بن حُمَيْد أبي قُدامَة (١)، أنَّه صَلّاها معَ عُمرَ بالمُزْدَلفةِ كذلك (٢). واختُلِفَ فيه، وليس من قَوِيِّ الحديث (٣). ورُوِي عن ابنِ مسعودٍ من حديثِ أبي إسحاق، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ، قال: خرَجتُ مع عبدِ الله بنِ مسعودٍ إلى مكة، فلمّا أتى جمعًا صلَّى الصَّلاتَيْن كلَّ واحدةٍ منهما بأذانٍ وإقامة، ولم يصلِّ بينَهما شيئًا. رواه الثَّوريُّ، وشعبةُ، وجماعةٌ، عن أبي إسحاق (٤).

стр. 3562

والذي يَحضُرُني من الحُجّة لمالكٍ في هذا الباب من جهةِ النَّظَر (١)، أنَّ رسولَ الله ﷺ سَنَّ في الصَّلاتَيْن بعَرَفةَ والمُزْدَلفةِ أنَّ الوَقتَ لهما جميعًا وَقتٌ واحدٌ، وإذا كان وقتُهما واحِدًا، وكانت كلُّ واحدةٍ تُصَلَّى في وقتِها، لَمْ تكنْ واحدةٌ منهما أوْلى بالأذانِ والإقامةِ من الأخرى؛ لأنّ ليس واحدةٌ منهما فائتةً تُقْضَي، وَإنّما هي صلاةٌ تُصَلَّى في وَقتِها، وكلُّ صلاةٍ صلِّيَتْ في وَقتِها فسُنَّتُها أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ في الجماعة، وهذا بيِّنٌ، واللّهُ أعلم. وقال آخرون (٢): أمّا الأُولى منهما فتُصَلَّى بأذانٍ وإقامة، وأمّا الثانيةُ فتُصَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامة. قالوا: وإنّما أمرَ عُمرُ بالتَّأذين للثانية؛ لأنَّ الناسَ كانوا قد تَفرَّقوا لعَشائهم، فأذَّن ليجمَعَهم. قالوا: وكذلك نقولُ نحن: إذا تفرَّق الناسُ عن الإمام لعَشاءٍ أو غيره، أمرَ المؤذِّنين فأذَّنُوا لجَمْعِهم، وإذا أذَّنَ أقام. قالوا: فهذا معنَى ما رُوِيَ عن عمرَ ﵁. قالوا: والذي رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ فمثلُ ذلك أيضًا. وذَكَروا ما حَدَّثَنَاه محمدُ بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ، قال: كان ابنُ مسعودٍ يجعلُ العَشاءَ بالمُزْدَلفةِ بينَ الصَّلاتَيْن (٣). وذكَرَ عبدُ الرزّاق، قال: أخبرنا أبو بكر بنُ عيّاش، عن أبي إسحاقَ، عن

стр. 3563

عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ، قال: كنتُ معَ ابنِ مسعودٍ بجَمْع، فجعلَ بينَ المغربِ والعِشاءِ العَشاءَ، وصلَّى كلَّ صلاةٍ بأذانٍ وإقامة (١). وذكر الطحاويُّ، قال (٢): حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، أنَّه صلَّى الصَّلاتَيْن مرَّتَيْن بجَمْع، كلَّ صلاةٍ بأذانٍ وإقامة، والعَشاءُ بينَهما. وقال آخرون (٣): تُصَلَّى الصَّلاتانِ جميعًا بالمُزْدَلفةِ بإقامةٍ واحدة، ولا يُؤَذَّنُ في شيءٍ منهما. واحتَجُّوا بما رواه شعبةُ، عن الحَكَم بنِ عُتيبةَ وسلمةَ بنِ كُهَيْل، قالا: صلَّى بنا سعيدُ بنُ جبيرٍ بإقامةٍ المغربَ ثلاثًا، فلمّا سلَّمَ قام فصلَّى رَكعَتي العِشاء، ثم حدَّث عن ابنِ عمرَ أنّه صنَعَ بهم في ذلك المكانِ مثلَ ذلك، وحدَّثَ ابنُ عمرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ صنَعَ بهم في ذلك المكانِ مثلَ ذلك (٤). وذكَر عبدُ الرزّاق وعبدُ الملك بنُ الصَّبّاح (٥)، عن الثَّوريِّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيْل، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عمرَ، قال: جمعَ رسولُ الله ﷺ بينَ المغربِ

стр. 3564

والعِشاءِ بجَمْع؛ صلاةِ المغربِ ثلاثًا، والعِشاءِ رَكْعَتَين، بإقامةٍ واحدةٍ (١). وقالا أيضًا عن الثَّوريِّ، عن أبي إسحاق، عن عبدِ الله بنِ مالك، قال: صَلَّيتُ معَ ابنِ عمرَ المغربَ ثلاثًا، والعِشاءَ ركعتَيْن، بالمُزْدَلفة، بإقامةٍ واحدة (٢). فقال مالكُ بنُ خالد - قال عبدُ الرزّاق: هو الحارثيُّ، وقال عبدُ الملك: هو المحاربيُّ -: ما هذه الصلاةُ يا أبا عبدِ الرَّحمن؟ قال: صَلَّيتُها معَ رسولِ الله ﷺ في هذا المكان بإقامةٍ واحدة. قال أبو عُمر: الصَّوابُ: الحارثيُّ (٣). وقد رَوَى شعبةُ هذا الحديث، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الله بنِ مالكِ بنِ الحارث، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ (٤)، كما رواه الثَّوريُّ. ورواه زهيرُ بنُ معاوية، عن أبي إسحاق، عن مالكِ بنِ الحارث، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ (٥). والصوابُ ما قاله شعبةُ والثَّوريُّ (٦)، واللّهُ أعلم.

стр. 3565

وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهدٍ، قال: حدَّثني أربعةٌ كلُّهم ثقةٌ؛ منهم: سعيدُ بنُ جبير، وعليٌّ الأزْدِيُّ، عن ابنِ عمرَ، أنه صلَّى المغربَ والعِشاءَ بالمُزْدَلفةِ بإقامةٍ واحدة (١). وذَكَر عبدُ الرزّاق، عن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي حُسَين، عن عليٍّ الأزديِّ، عن ابنِ عُمرَ، مثلَه. وبه يقولُ سفيانُ الثَّوريُّ (٢) وجماعة. وقد حَمَل قومٌ حديثَ ابنِ أبي ذِئْب، عن ابنِ شهاب، عن سالمِ بن عبدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى المغربَ والعِشاءَ بالمُزْدَلفةِ جميعًا، لَمْ يُنادِ في واحدةٍ منهما إلّا بالإقامة (٣)، على هذا أيضًا؛ أي: بإقامةٍ واحدةٍ، وحملَه غيرُهم على الإقامةِ لكلِّ صلاةٍ منهما دونَ أذان، وهو الصَّوابُ، وهو محفوظٌ في حديثِ ابنِ أبي ذِئْبٍ من روايةِ الحُفّاظِ الثقات (٤). وكذلك ذكَرَ مَعْمرٌ وغيرُه في هذا الحديث، عن ابنِ شهاب، على ما سنَذكُرُه إن شاء الله. وقد رُوِي من حديثِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه صلَّى المغربَ والعِشاءَ بجَمْع بإقامةٍ واحدة (٥). ولا يَصحُّ قولُه فيه: بإقامةٍ واحدة؛ لأنَّ

стр. 3566

مالكًا وغيرَه من الحُفّاظِ لَمْ يَذكُروا ذلك فيه (١). ورُوِيَ ذلك أيضًا من حديثِ البَراء (٢)، وهو عندَ أهل الحديثِ خَطأٌ (٣)، وسنَذكُر ذلك في بابه من كتابنا هذا إنْ شاءَ الله (٤). وقال آخرون: تُصَلَّى الصَّلاتانِ جميعًا بالمُزْدَلفةِ بأذانٍ واحدٍ وإقامتَين (٥). واحتجُّوا بحديثِ جعفَرِ بنِ محمد، عن أبيه، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ بذلك. وهو أكملُ حديثٍ رُوِيَ في الحجِّ وأتَمُّه وأحسَنُه مساقًا، رواه بتَمامِه عن جَعفَرِ بن

стр. 3567

محمد: يحيى بنُ سعيدٍ القطّان (١)، وحاتمُ بنُ إسماعيل (٢)، وجماعة (٣). وإلى هذا ذهبَ أبو جعفرٍ الطحاويُّ (٤) واختارَه، وزعَم أنَّ النَّظرَ يشهدُ له؛ لأنَّ الآثارَ لَمْ تختلِفْ أنَّ الصَّلاتين بعَرَفةَ صلّاهُما رسولُ الله ﷺ بأذانٍ واحدٍ وإقامتَيْن، فكذلك صلاتا المُزْدَلفةِ في القياس؛ لأنّهما في حُرمَةِ الحجِّ، والآثارُ مختلفةٌ في ذلك بالمُزْدَلفة، وغيرُ مختلفةٍ في ذلك بعَرَفةَ. وخالَفَ الطحاويُّ في ذلك أبا حنيفةَ وأصحابَه؛ لأنّهم يقولون: إنَّ الصَّلاتَيْن تُصَلَّيانِ بالمُزْدَلفةِ بأذانٍ واحدٍ وإقامةٍ واحدة، وذهَبوا في ذلك إلى ما رَواه هُشَيْمٌ، عن يونسَ بنِ عبيد، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عمرَ، أنَّه جمع بينَ المغربِ والعِشاءِ بجَمْع بأذانٍ واحدٍ وإقامةٍ واحدة، ولم يجعَلْ بينَهما شيئًا (٥). قالوا: فكان

стр. 3568

محالًا أن يكونَ ابنُ عمرَ أدخلَ بينَهما أذانًا إلّا وقد عَلِمَه من رسولِ الله ﷺ ، وقد رُوِي مثلُ هذا مرفوعًا من حديثِ خُزيمَةَ بنِ ثابت (١)، وليس بالقويِّ. وقد حَكَى الجُوزْجانيُّ (٢)، عن محمدِ بنِ الحَسَن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفةَ، أنَّهما تُصلَّيانِ بأذانٍ وإقامتَيْن (٣)، يؤذَّنُ للمغرب، ويُقامُ للعِشاءِ فقط. وإلى هذا ذهب الطحاويُّ، وبه قال أبو ثور؛ وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ جعفَرِ بنِ محمد، عن أبيه، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ . واعتلُّوا بنحوِ ما قدَّمنا ذِكْرَه من أنَّ عُمرَ وابنَ مسعودٍ إنَّما أذَّنا للثانية من أجل تأخيرِهما العِشاءَ (٤).

стр. 3569

وقال آخرون: تُصَلَّى الصَّلاتانِ جميعًا بإقامتَيْن دونَ أذانٍ لواحدةٍ منهما، وممَّن قال ذلك: الشافعيُّ وأصحابُه؛ ومن حُجَّةِ مَن ذهبَ إلى ذلك ما ذكَرَه عبدُ الرزّاق، عن مَعْمر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ لما جاء المُزْدَلفةَ جمعَ بينَ المغربِ والعِشاء (١)؛ صلَّى المغربَ ثلاثًا، والعِشاءَ ركعَتَيْن، بإقامةٍ لكلِّ واحدةٍ منهما، ولم يُصَلِّ بينَهما شيئًا. ورواه الليثُ بنُ سعد، عن عبدِ الرَّحمن بن خالدِ بن مُسافر، عن ابنِ شهاب، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢). وليس في حديث مالكٍ هذه الزيادةُ، وهؤلاء حُفّاظ زيادَتُهم مقبولةٌ. وذَكَر الشافعيُّ (٣)، عن عبدِ الله بنِ نافع، عن ابنِ أبي ذئب، عن ابنِ شهاب، عن سالم، عن أبيه مثلَه، غيرَ أنَّه قال: لَمْ يُنادِ بينَهما ولا على إثْرِ واحدةٍ منهما إلّا بإقامة.

стр. 3570

حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيد، عن ابنِ أبي ذِئْب، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بجَمْع بإقامةٍ إقامةٍ، لَمْ يُسَبِّحْ بينَهما ولا على إثْرِ واحدةٍ منهما (١). واحتجَّ الشافعيُّ أيضًا بحديثِ مالك (٢)، عن موسى بنِ عُقبة، عن كُرَيْب مَوْلى ابنِ عباس، عن أُسامةَ بنِ زيد، أنَّه سَمِعه يقولُ: دَفَع رسولُ الله ﷺ من عَرَفةَ، حتى إذا كان بالشِّعْب نزَل فبال، ثم تَوضَّأ فلم يُسْبغ الوُضوءَ، فقلتُ له: الصَّلاة؟ فقال: "الصَّلاةُ أمَامَكَ". فرَكِب حتى جاء المُزْدَلفةَ فنزَل فتَوضَّأ فأسبَغَ الوُضوء، ثم أُقيمَتِ الصَّلاةُ فصلَّى المغربَ، ثم أناخ كلُّ إنسانٍ بَعيرَه في منزِلِه، ثم أُقِيمَتِ العِشاءُ فصَلّاها، ولم يُصلِّ بينَهما شيئًا (٣). قال أبو عُمر: هذه الآثارُ ثابتةٌ عن ابنِ عمرَ، وهي من أثبتِ ما رُوِي في هذا الباب عنه، ولكنّها محتملةٌ للتّأويل، وحديثُ جابرٍ لَمْ يُختلَفْ عليه فيه. أخبرني عبدُ الرَّحمن بنُ يحيى وغيرُه، عن أحمدَ بنِ سعيد، قال: سمعتُ

стр. 3571

أحمدَ بنَ خالدٍ يَعجَبُ من مالكٍ في هذا الباب، إذ أخذَ بحديثِ ابنِ مسعودٍ ولم يَرْوِه، وتَرك الأحاديثَ التي رَوَى (١). قال أبو عُمر: فهذا اختصارُ ما بلَغَنا من الآثارِ واختلافِها في هذا الباب، عن النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وتهذيبُ ذلك. وأجمعَ العلماءُ أنَّ رسولَ الله ﷺ دَفَع من عرفةَ بالناسِ بعدَما غَربَتِ الشمسُ يومَ عرفةَ، فأفاض إلى المُزْدَلفة، وأنَّه ﵇ أخَّر حينئذٍ صلاةَ المغربِ فلم يُصَلِّها حتى أتى المُزْدَلفة، فصَلَّى بها بالناسِ المغربَ والعِشاءَ جميعًا بعدَما غاب الشَّفقُ ودَخلَ وقتُ العِشاءِ الآخِرة، وأجْمَعوا أنَّ ذلك سُنّةُ الحاجِّ في ذلك الموضع (٢). وقد قدَّمْنا ذِكْرَ ما اختُلِف فيه عنه ﷺ من كيفيّةِ الأذانِ والإقامةِ في حين جمعِه للصلاتَيْن بالمُزْدَلفة. وأمّا اختلافُ الفقهاءِ في ذلك؛ فإنَّ مالكًا ذهب إلى أنَّ كلَّ صلاةٍ منهما يُؤذَّنُ لها ويقامُ، واحدةً بإثْرِ أخرى، وعلى ذلك أصحابُه (٣). وذهب الثَّوريُّ (٤) إلى أنَّهما جميعًا تُصَلَّيانِ بإقامةٍ واحدةٍ، ولا يُفصَلُ بينَهما إلّا بالتَّسليم. وذَهَب الشافعيُّ (٥) إلى أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تُصلَّى بإقامةٍ إقامةٍ، ولا يُؤذَّنُ

стр. 3572

لواحدةٍ منهما. وبه قال إسحاقُ بنُ راهُويَة (١)، وهو أحدُ قَولَيْ أحمدَ بنِ حنبل (٢)، ورُوِيَ ذلك عن سالم والقاسم. وذهَب أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنّهما يُصَلَّيانِ بأذانٍ واحدٍ وإقامتَيْن (٣)، وهو قولُ أبي ثور (٤). واحتَجَّ بحديثِ جعفرِ بنِ محمد، عن أبيه، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ بذلك. وقد ذكَرْنا حُجَّةَ كلِّ واحدٍ منهم من جهةِ الأثَر، ولا مَدخَلَ في هذه المسألةِ للنَّظَرِ، وإنّما فيها الاتِّباع. واختلَفوا فيمَن صلَّى الصَّلاتَيْن المذكورتَيْن قبلَ أن يَصِلَ إلى المزدلفة؛ فقال مالكٌ (٥): لا يُصلِّيهما أحدٌ قبلَ جمع إلّا من عُذْر، فإنْ صلّاهما من عُذْرٍ لَمْ يجمَعْ بينَهما حتى يَغِيبَ الشَّفَقُ. وقال الثَّوريُّ (٦): لا يُصلِّيهما حتى يَأتيَ جمعًا، وله السَّعةُ في ذلك إلى نصفِ الليل، فإن صَلّاهما دونَ جَمْع أعاد. وقال أبو حنيفةَ: إن صَلّاهما قبلَ أن يأتيَ المُزْدَلفةَ فعليه الإعادةُ، وسواءٌ صَلّاهما قبلَ مَغيبِ الشَّفَقِ أو بعدَه، عليه أن يُعيدَهما إذا أَتَى المُزْدَلفةَ (٧). واختُلِف عن أبي يوسفَ ومحمد، فرُوِيَ عنهما مثلُ ذلك، ورُوِي عنهما: إن صلّاهما بعرفاتٍ أجزَأه (٨). وعلى قول الشافعيِّ، لا يَنبغي أن يُصلِّيَهما قبلَ جَمْع، فإن فَعل أجزأه (٩).

стр. 3573

وبه قال أبو ثور، وأحمدُ (١)، وإسحاقُ. ورُوِيَ ذلك عن عطاء، وعروةَ، وسالم، والقاسم، وسعيدِ بنِ جبير. وقد رُوِيَ عن جابرِ بنِ عبد الله قال: لا صلاةَ إلّا بجَمْع (٢). ومن الحُجّةِ لمَن ذهبَ إلى ذلك قولُه ﷺ : "خُذُوا عنِّي مَناسِكَكم". وصلّاهما جميعًا بعدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ بجَمْع، فليس لأحَدٍ أن يُصَلِّيَهما إلّا في ذلك الموضع كذلك إلّا من عُذْر، كما قال مالكٌ، واللّهُ أعلم. وقد ذكَرْنا أقوالَ الفقهاءِ فيمَن فاتَتْه الصلاةُ مع الإمام بالمُزْدَلفة: هل له أن يَجمعَ بينَ الصَّلاتَيْن أم لا، في كتابنا هذا عندَ ذِكْرِ الصَّلاةِ بعَرَفة (٣). واختلَفوا فيمَن لَمْ يَمرَّ بالمُزْدَلفةِ ليلةَ النحر، ولم يأتِها، ولم يقِفْ بها غَداةَ النحر؛ فقال مالكٌ (٤): من لَمْ يُنِخْ بالمزدلفةِ ولم ينزلْ بها، وتقدَّمَ إلى منًى فرمَى الجَمرةَ، فإنّه يُهْرِيقُ دمًا، فإن نَزل بها ثم دفعَ منها في أولِ الليل أو وَسطِه أو آخرِه، وتَرك الوقوفَ مع الإمام، فقد أجزَأه، ولا دمَ عليه. وقال الثَّوريُّ (٥): مَن لَمْ يَقفْ بجَمْع ولم يقِفْ (٦) بها ليلةَ النحر، فعليه دمٌ. وهو قولُ عطاءٍ في رواية (٧)، وقولُ الزُّهريِّ، وقتادة. وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ،

стр. 3574

وأبو ثور. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إذا تَرك الوقوفَ بالمزدلفةِ ولم يَقِفْ بها، ولم يمُرَّ بها، ولم يَبِتْ بها، فعليه دمٌ (١). قالوا: فإن بات بها وتعجَّلَ في الليل، رَجَع، إذا كان خُروجُه من غير عُذْر، حتى يَقفَ مع الإمام أو يُصبحَ بها، فإن لَمْ يَفعلْ فعليه دمٌ. قالوا: فإن كان رجلٌ مريضٌ أو ضعيفٌ، أو غلامٌ صغيرٌ فتقدَّموا من المزدلفةِ بالليل، فلا شيءَ عليهم (٢). وقال الشافعيُّ (٣): إن نزَل وخرَج منها بعدَ نصفِ الليل، فلا شيءَ عليه، وإن خرَج قبلَ نصفِ الليل فلم يَعدْ إليها ليقفَ بها معَ الإمام ويُصبحَ، فعليه شاةٌ. قال: وإنّما حدَّدْنا نِصفَ الليل؛ لأنَّه بلَغَنا أنَّ النبيَّ ﷺ أذِن لضَعفَةِ أهلِه أن يَرتحلُوا من آخرِ الليل، ورَخَّص لهم في ألّا يُصبِحوا بها ولا يَقِفوا مع الإمام (٤). والفَرضُ على الضَّعيفِ والقَويِّ سواءٌ، ولكنّه تأخَّرَ لمواضع الفَضْل وتعليم الناس. قال: وما كان بعدَ نِصفِ الليل فهو من آخرِ الليل. ورُوِيَ عن عطاءٍ أنَّه إن لَمْ يَنزِلْ بجَمْع فعليه دمٌ، وإنْ نزَل بها ثم ارتحلَ بليل فلا شيءَ عليه. رواه ابنُ جُرَيج وغيرُه، وهو الصحيحُ عنه. وكان عبدُ الله بنُ عُمرَ (٥) يقولُ: إنّما جَمْعٌ منزِلٌ تَدَّلِجُ منه إذا شِئتَ (٦).

стр. 3575

وقال علقمةُ، وعامرٌ الشعبيُّ، وإبراهيمُ النخعيُّ، والحسنُ البصريُّ (١): مَن لَمْ ينزِلْ بالمزدلفةِ وفاتَه الوقوفُ بها، فقد فاتَه الحجُّ، ويجعلُها عمرَةً. وهو قولُ عبدِ الله بنِ الزُّبير. وبه قال الأوزاعيُّ (٢)، أنَّ الوقوفَ بالمزدلفةِ فرضٌ واجبٌ يفوتُ الحجُّ بفواتِه. وقد رُوِيَ عن الثَّوريِّ مثلُ ذلك، ولا يصحُّ عنه، والأصحُّ عنه إنْ شاء الله ما قدَّمنا ذِكْرَه. ورُوِيَ عن حمّادِ بنِ أبي سليمانَ أنّه قال: من فاتتْه الإفاضَةُ من جَمْع فقد فاتَه الحجُّ، فليُحِلَّ بعُمرَةٍ ثم ليَحُجَّ قابلًا (٣). وحُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ قولُ الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقولُ رسولِ الله ﷺ : "مَن أدْركَ جَمْعًا مع الناسِ حتى يُفِيضَ فقد أدْركَ". وهذا المعنى رواه عروةُ بنُ مُضَرِّس، عن النبيِّ ﷺ . حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زهير، قال (٤): حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا زكريّا بنُ أبي زائدة، عن عامر، قال: حدَّثني عروةُ بنُ مُضرِّسِ بنِ أوْسِ بنِ حارثةَ بنِ لام، أنّه حجَّ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فلم يُدْرِكِ الناسَ إلّا ليلًا وهم بجَمْع، فانطلَق إلى عرفاتٍ ليلًا فأفاضَ منها، ثم رجَع إلى جَمْع، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، أتْعَبْتُ نفسي، وأنْضَيْتُ (٥) راحِلَتي، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال: "مَن صَلَّى معنا الغَداةَ

стр. 3576

بجَمْع، ووَقَف معنا حتى نُفِيضَ، وقد أفاض من عرفاتٍ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حَجُّه، وقَفَى تَفَثَه (١) " (٢). رواه عن الشعبيِّ جماعةٌ؛ منهم: إسماعيلُ بنُ أبي خالد، وعبدُ الله بنُ أبي السَّفر (٣)، وداودُ بنُ أبي هند (٤)، وكان سفيانُ بنُ عُيَيْنة يقولُ (٥): زكريّا أحفظُهم لهذا الحديث عن الشعبيِّ. قال أبو عُمر: معناهم كلُّهم واحدٌ متقاربٌ. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٦): حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قال: حَدَّثَنَا يحيى، عن إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا عامرٌ، قال: أخبرنا عروةُ بنُ مُضَرِّسٍ الطّائيُّ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ بالموقف - يعني بجَمْع - فقلتُ: جِئتُ يا رسولَ الله من جَبَلَيْ طَيِّيء، أكلَلْتُ مَطِيَّتي، وأتعَبتُ نفسي، واللّه

стр. 3577

ما تَركتُ من حَبل إلّا وَقفْتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن أدْركَ معنا هذهِ الصلاةَ، وأتى عَرفاتٍ قبل ذلكَ ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حَجُّه، وقَضَى تَفَثَه" (١). قال إسماعيلُ القاضي: ظاهرُ هذا الحديثِ إن كان صحيحًا، واللّهُ أعلم، يدلُّ على أنَّ الرجلَ سأله عمّا فاتَه من الوقوفِ بالنَّهارِ بعرفةَ، فأعلَمَه أنَّ مَن وَقَف بعرفةَ ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حَجُّه، فدارَ الأمرُ في الجوابِ على أنَّ الوقوفَ بالنهارِ لا يَضُرُّه إن فاتَه؛ لأنَّه لمّا قيل: "ليلًا أو نهارًا"، فالسائلُ يعلمُ أنّه إذا وقَف بالليل وقد فاتَه الوقوفُ بالنهار، أن ذلك لا يضُرَّه، وأنه قد تمّ حجُّه؛ لأنَّه رأى له بهذا القول أنْ يقفَ بالنّهار دونَ اللّيل. قال: ولو حُمِل هذا الحديثُ أيضًا على ما يَحتَجُّ به مَن احتَجَّ به، لوجَبَ على من لَمْ يُدرِكِ الصَّلاةَ مع الإمام بجَمْع أن يكونَ حَجُّه فاسدًا، ولكنَّ الكلامَ يُحمَلُ على صِحَّتِه وصِحَّةِ المعنى فيه؛ لأنَّ الرجلَ إنّما سأل وقد أدرَكَ الصَّلاةَ بجَمْع، وقد وَقَف قبلَ ذلك بعرفةَ ليلًا، فأُعلِم أنَّ حَجَّه تامٌّ. وقال أبو الفرج (٢): معنى قولِ رسولِ الله ﷺ في حديثِ عُروةَ بنِ مُضَرِّس: "وقد أفاض قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا": أراد، واللّهُ أعلمُ: ليلًا، أو نهارًا وليلًا، فسكَت عن أن يقول: ليلًا، لعِلْمِه بما قدَّم من فِعْلِه؛ لأنَّ مَن وقَف نهارًا فقد أدرَك الليلَ؛ لأنَّه أراد بذِكرِ النهارِ اتِّصالَ الليل به. قال: وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ قولُه: "ليلًا

стр. 3578

أو نهارًا"، بمعنى: ليلًا ونهارًا، فتكونَ "أو" بمعنَى الواو، كما قال اللهُ : ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أي: آثِمًا وكَفُورًا، واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: لو كان كما ذكَرَ، كان الوقوفُ واجبًا ليلًا ونهارًا، ولم يُغْنِ أحدُهما عن صاحبِه، وهذا لا يقولُه أحد، وقد أجمع المسلمون أنَّ الوقوفَ بعرفةَ ليلًا يُجزئُ عن الوقوفِ بالنهار، إلّا أنَّ فاعلَ ذلك عندَهم إذا لم يكنْ مراهِقًا ولم يكنْ له عُذْرٌ فهو مُسيءٌ ومن أهل العلم مَن رَأى عليه دمًا، ومنهم مَن لم يَرَ عليه شيئًا، وجماعةُ الفقهاءِ يقولون: إنَّ مَن وَقَف بعرفةَ ليلًا أو نهارًا بعدَ زوال الشمسِ من يوم عرفةَ، أنه مُدرِكٌ للحَجِّ، إلّا مالكَ بنَ أنسٍ ومَن قال بقولِه، فإنَّ الفرضَ عندَه الليلُ دونَ النهار، وعندَ سائرِ العلماءِ الليلُ والنهارُ بعدَ الزوال في ذلك سواءٌ في الفرض، إلّا أنَّ السُّنَّةَ أن يَقفَ كما وَقَف رسولُ الله ﷺ نهارًا يتَّصلُ له بالليل (١). ولا خلافَ بينَ أهل العلم أنَّ الوقوفَ بعرفةَ فَرضٌ لا حَجَّ لمَن فاتَه الوقوفُ بها يومَ عرفةَ (٢) كما ذكَرْنا، أو ليلةَ النحر على ما وَصَفْنا، وسنذكُرُ ما يجبُ من القولِ في أحكام الوُقوفِ بعرفةَ والصلاةِ بها في أُولى المواضع من كتابِنا هذا، وذلك حديثُ ابنِ شهاب، عن سالم، في قصَّةِ ابنِ عمرَ مع الحجّاج إنْ شاء الله (٣). واحتجَّ أيضا مَن لم يَرَ الوقوفَ بالمزدلفةِ فرضًا من غير أصحابنا بأنْ قال: ليس في حديثِ عروةَ بنِ مُضَرِّسٍ دليلٌ على ما ذُكِرَ من وجوبِ الوقوفِ بالمزدلفةِ

стр. 3579

فرضًا؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ إنّما قال فيه: "مَن صلَّى صلاتَنا هذه، وكان قد أتَى قبلَ ذلك عرفةَ من ليل أو نهار، فقد قَضَى حَجَّه، وتَمَّ تَفَثُه" (١). فذكَرَ الصلاةَ بالمُزْدَلفة، وكلٌّ قد أجمع أنه لو بات بها ووَقَف، ونام عن الصَّلاةِ فلم يُصلِّها مع الإمام حتى فاتَتْه، أنَّ حَجَّه تامٌّ، فلما كان حُضورُ الصَّلاةِ مع الإمام المذكورُ في هذا الباب ليس من صُلبِ الحجِّ، كان الوقوفُ بالموطنِ الذي تكونُ فيه الصلاةُ أحْرَى أن يكونَ كذلك. قالوا: فلم يَتحَقَّقْ بهذا الحديثِ ذلك الفرضُ إلّا بعَرَفةَ خاصّة. قالوا: فإنِ احْتَجَّ محتَجٌّ بقولِ الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال: قد ذكَر اللهُ المشعرَ الحرامَ كما ذكَر عرفات، وذكَر ذلك رسولُ الله ﷺ في سُنَّتِه، فحكْمُهما واحدٌ لا يُجزِئُ الحجُّ إلّا بإصابَتِهما. قيل له: ليس في قولِ الله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ دليلٌ على أنَّ ذلك على الوُجوب في الوقوف، وكلٌّ قد أجمعَ أنّه لو وَقَف بالمزدلفةِ ولم يذكُرِ الله، أنَّ حَجَّه تامٌّ (٢)، فإذا لم يكنِ الذِّكْرُ المأمورُ به من صُلْبِ الحجِّ، فشُهودُ الموطنِ أوْلى بألّا يكونَ كذلك. قال: وقد ذَكَر اللهُ في كتابه أشياءَ من الحجِّ لم يُرِدْ بذِكْرِها إيجابَها. هذا ما احتجَّ به أبو جعفرٍ الأزْدِيُّ (٣)، وذكَر حديثَ عبدِ الرحمن بنِ يَعْمَرَ الدِّيليِّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "الحجُّ عَرَفاتٌ"، وفي بعضِ ألفاظِ هذا الحديث: "الحجُّ يومُ عرفةَ، فمَن أدرَكَ جَمْعًا قبلَ صلاةِ الفجرِ فقد أدرَكَ" (٤).

стр. 3580

حديثٌ رابعٌ لابن شِهاب، عن سالم مُسْنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهما، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الشُّؤمُ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَس" (٢). الشُّؤمُ في كلام العَربِ: النَّحْسُ، وكذلك قال أهلُ العلم بتأويلِ القرآنِ في قولِ الله : ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، قالوا: مَشائِيمُ. قال أبو عُبيدةَ (٣): ﴿نَحِسَاتٍ﴾: ذواتُ نُحوسٍ مَشائِيمُ. وقد فَسَّرَ مَعْمَرٌ في روايتِه لهذا الحديث الشُّؤْمُ تفسيرًا حسنًا. أخبرنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ (٤)، عن الزُّهريِّ، عن سالم، أو عن حمزة، أو كليهما - شكَّ مَعْمَرٌ - عن ابنِ عُمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الشُّؤْمُ في الفَرَسِ، والمرأةِ، والدَّارِ". قال: وقالت أمُّ سَلَمةَ: "والسَّيف". قال معمر: سمعتُ مَن يُفسِّرُ هذا الحديثَ يقولُ: شؤْمُ المرأةِ: إذا كانت غيرَ وَلُودٍ، وشؤْمُ الفَرَسِ: إذا لم يُغْزَ عليه في سبيل الله، وشؤْمُ الدَّارِ: جارُ السَّوء (٥).

стр. 3581

وقد روَى جُوَيْرِيَةُ (١)، عن مالك، عن الزُّهريِّ، أنّ بعضَ أهل أمِّ سَلَمةَ زوج النبيِّ ﷺ أخبَرَه، أنَّ أمَّ سَلَمةَ كانت تَزيدُ "السَّيفَ" (٢). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، أعني: ابنَ شهاب، عن سالم وحمزة. وأمّا المتنُ فقد اختلَفَتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ ، فروَى مالكٌ (٣)، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سعد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إن كان ففي الدَّارِ والمرأةِ والفرسِ" (٤)، يعني الشُّؤْمَ، فلم يَقطَعْ ﷺ في هذا الحديث بالشُّؤْم. ورُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: "لا شُؤْمَ، واليُمنُ في الدَّارِ، والدَّابّةِ، والخادم"، وربَّما قال: "المرأة". وهذا أشبَهُ في الأصول، لأنَّ الآثارَ ثابتةٌ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "لا طِيَرةَ ولا شُؤْمَ ولا عَدْوى". حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَنِ الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهَيثَمُ بنُ خارِجَة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن سليمانَ بنِ سُلَيم الطّائيِّ، عن يحيى بنِ جابرٍ الطّائيِّ (٥)، عن معاويةَ بنِ حَكيم،

стр. 3582

عن عمِّه حَكيم بنِ معاوية، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا شُؤْمَ، وقد يكونُ اليُمنُ في المرأةِ، والدَّارِ، والفَرسِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ غالب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الرَّبيع بنِ سليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا حجّاج، عن ابنِ جُرَيج، عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا طِيَرةَ، وخَيرُها الفَأْلُ"، قالوا: وما الفَأْلُ؟ قال: "الكلِمَةُ الصّالِحَةُ" (٢). هذا أصحُّ حديثٍ في هذا الباب في الإسناد والمعنى، وكان ﷺ يُعجِبُه الفَأْلُ الحَسَنُ، وَيكرَهُ الطِّيَرةَ، وقال ﷺ : "إذا تَطيَّرْتم فامْضُوا، وعلى الله فتَوَكَّلوا" (٣).

стр. 3583

وقد روَى ابنُ وَهْب (١)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن معاويةَ بنِ الحكم السُّلَميِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أمورٌ كُنّا نَصْنَعُها في الجاهليّةِ، كُنّا نأتي الكُهّانَ؟ قال: "فلا تَأتُوا الكُهّانَ"، قال: وكُنّا نتَطَيَّرُ؟ قال: "ذلك شيءٌ يَجِدُه أحَدُكم في نَفْسِه، فلا يَصُدَّنَّكم" (٢). قال الدارقطنيُّ (٣): تفرَّدَ ابنُ وَهْب من هذا الحديثِ بذِكرِ الكُهّانِ والنَّهي عن إتيانِهم. قال: ورواه ابنُ القاسم، وسعيدُ بنُ عُفَيْر، وعبدُ الله بنُ يوسف، وإسحاقُ بنُ عيسى الطَّبّاع، وعبدُ العزيز الأُوَيْسيُّ، وإبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن معاويةَ بنِ الحَكَم. ذكَروا سُؤالَه عن الطِّيَرةِ لا غيرُ، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الطِّيَرَة، فقال: "ذلك شيءٌ يَجِدُه أحَدُكم في نَفْسِه فلا يَصُدَّنَّكم". وروَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ حديثَ ابنِ شهاب هذا، فقال فيه: "لا عَدْوَى، ولا طِيَرةَ". حدَّثناه عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب (٤)، قال

стр. 3584

أخبرني يونسُ ومالك، عن ابنِ شهاب، عن حمزةَ وسالم ابنَيْ عبدِ الله بنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، وإنّما الشُّؤْمُ في ثلاثة؛ في المرأةِ، والفَرَسِ، والدّارِ" (١). وكان ابنُ عُيَيْنةَ يَروي هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، فلا يَذكُرُ في إسنادِه حمزةَ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيْديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الشُّؤْمُ في ثلاث؛ الفَرَسِ، والمرأةِ، والدّار"، فقيل لسفيانَ: إنّهم يقولونَ فيه عن حمزةَ؟ قال: ما سمِعتُ الزُّهريَّ ذكَرَ في هذا الحديثِ حمزةَ قطُّ. وكذلك رواهُ عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاق، عن الزُّهريِّ بمثل روايةِ ابنِ عُيَيْنةَ سواءً (٣).

стр. 3585

ورواهُ إسحاقُ بنُ سليمان، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، لم يَذكُرْ فيه حمزةَ. ورواهُ عثمانُ بنُ عمرَ، عن مالك، بمثل إسنادِ ابنِ عيينة، لم يَذكُرْ فيه حمزةَ أيضًا، إلّا أنّه جاء به على لفظِ حديثِ ابنِ وَهْب. أخبرني أحمدُ بنُ أبي عِمْرانَ الهرَوِيُّ فيما كتبَ إليَّ به إجازةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ النَّقّاشُ، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن عبدِ الله بنِ عُمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا عَدْوَى، ولا صَفَرَ، والشُّؤْمُ في ثلاث؛ في المرأةِ، والدّارِ، والفَرَسِ" (١). قال أبو عُمر: أصلُ التَّطيُّرِ واشتقاقُه عندَ أهل العلم باللغةِ والسِّيَرِ والأخبار، هو مأخوذٌ من زَجْرِ الطيرِ ومُرُورِه سانِحًا أو بارِحًا (٢)، منه اشتَقُّوا التَّطيُّرَ، ثم استعمَلوا ذلك في كلِّ شيءٍ من الحيوانِ وغيرِ الحيوان، فتطَيَّروا من

стр. 3586

الأعور، والأعْضَب (١)، والأبتر (٢)، وكذلك إذا رَأوُا الغُرابَ أو غيرَه من الطيرِ يتَفَلَّى أو يَنْتِفُ، ولإيمانِ العربِ بالطِّيَرَةِ عقَدُوا الرَّتائِمَ (٣)، واستَعمَلوا القِداحَ بالآمرِ والناهي (٤) والمتَرَبِّص، وهي غيرُ قِداح الأيْسار، وكانوا يَشْتقُّونَ الأسماءَ الكريهةَ ممّا يَكرَهون، وربّما قَلَبُوا ذلك إلى الفَأْلِ الحَسَنِ فرارًا من الطِّيَرَة، ولذلك سَمَّوا اللديغَ سَليمًا، والقَفْرَ مَفازَةً، وكَنَّوُا الأعمى أبا البَصير، ونحوَ هذا، فمن تَطيَّرَ جعَل الغُرابَ من الاغترابِ والغُرْبة، وجعلَ غُصنَ البانِ من البَيْنُونَة، والحمامَ من الحِمَام ومن الحَميم ومن الحُمَّى، وربّما جعَلوا الحَبلَ من الوِصال، والهُدْهُدَ من الهُدَى، وغُصْنَ البانِ من بَيانِ الطريق، والعُقابَ من عُقْبَى خير، ومثلُ هذا كثيرٌ عنهم، إذا غلَبَ عليهم الإشفاقُ تطَيَّروا وتشاءَمُوا، وإذا غَلَب عليهم الرَّجاءُ والسُّرورُ تفاءَلوا، وذلك مُستعمَلٌ عندَهم فيما يَرَوْنَ من الأشخاص، ويَسمَعُون من الكلام، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "لا طِيَرةَ ولا شُؤْمَ"، فعرَّفَهم أنَّ ذلك إنّما هو شيءٌ من طريقِ الاتفاق، ليَرفَعَ عن المتوقِّع ما يتوقَّعُه من ذلك كلِّه، ويُعْلِمَه أنَّ ذلك ليس ينالُه منه إلّا ما كُتِب له. وأمّا قولُه في هذا الحديث: "الشُّؤْمُ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَس"، فهو عندَنا على غيرِ ظاهرِه، وسنقولُ فيه بحَولِ الله وعَوْنِه لا شَريكَ له، وكان ابنُ مسعودٍ

стр. 3587

يقولُ: إن كان الشُّؤْمُ في شيءٍ فهو فيما بينَ اللَّحْيَيْن - يعني: اللسان - وما شيءٌ أحوَجَ إلى سجنٍ طويلٍ من اللسان (١). قال أبو عُمر: ونقولُ في معنى حديثِ هذا الباب بما نَراه يُوافقُ الصوابَ إنْ شاء الله. فقولُه ﵇: "لا طِيَرةَ" نَفْيٌ عن التَّشاؤُم (٢) والتَّطيُّرِ بشيءٍ من الأشياء، وهذا القولُ أشبَهُ شيءٍ (٣) بأُصولِ شَريعتِه ﷺ من حديثِ الشُّؤْم. فإن قال قائل: قد روَى زهيرُ بنُ معاوية، عن عُتبةَ بنِ حُميد، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بنُ أبي بكر، أنَّه سَمع أنسًا يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا طِيَرةَ، والطِّيَرةُ على من تَطيَّرَ، وإن تكنْ في شيءٍ، ففي المرأةِ، والدّارِ، والفَرَسِ" (٤). وقال: هذا يُوجِبُ أنْ تكونَ الطِّيَرةُ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَسِ، لمن تَطيَّرَ. قيل له، وبالله التوفيق: لو كان كما ظَنَنْتَ لكان هذا الحديثُ يَنفي بعضُه بعضًا؛ لأنَّ قولَه: "لا طِيَرةَ" نَفْيٌ لها، وقولَه: "والطِّيَرةُ على مَن تَطَيَّرَ" إيجابٌ لها، وهذا محالٌ أنْ يُظَنَّ بالنبيِّ ﷺ مثلُ هذا من النَّفْي والإثباتِ في شيءٍ واحدٍ،
следующие страницы →