← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3583–3622 · переход к 3588.

стр. 3583

وقد روَى ابنُ وَهْب (١)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن معاويةَ بنِ الحكم السُّلَميِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أمورٌ كُنّا نَصْنَعُها في الجاهليّةِ، كُنّا نأتي الكُهّانَ؟ قال: "فلا تَأتُوا الكُهّانَ"، قال: وكُنّا نتَطَيَّرُ؟ قال: "ذلك شيءٌ يَجِدُه أحَدُكم في نَفْسِه، فلا يَصُدَّنَّكم" (٢). قال الدارقطنيُّ (٣): تفرَّدَ ابنُ وَهْب من هذا الحديثِ بذِكرِ الكُهّانِ والنَّهي عن إتيانِهم. قال: ورواه ابنُ القاسم، وسعيدُ بنُ عُفَيْر، وعبدُ الله بنُ يوسف، وإسحاقُ بنُ عيسى الطَّبّاع، وعبدُ العزيز الأُوَيْسيُّ، وإبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن معاويةَ بنِ الحَكَم. ذكَروا سُؤالَه عن الطِّيَرةِ لا غيرُ، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الطِّيَرَة، فقال: "ذلك شيءٌ يَجِدُه أحَدُكم في نَفْسِه فلا يَصُدَّنَّكم". وروَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ حديثَ ابنِ شهاب هذا، فقال فيه: "لا عَدْوَى، ولا طِيَرةَ". حدَّثناه عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب (٤)، قال

стр. 3584

أخبرني يونسُ ومالك، عن ابنِ شهاب، عن حمزةَ وسالم ابنَيْ عبدِ الله بنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، وإنّما الشُّؤْمُ في ثلاثة؛ في المرأةِ، والفَرَسِ، والدّارِ" (١). وكان ابنُ عُيَيْنةَ يَروي هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، فلا يَذكُرُ في إسنادِه حمزةَ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيْديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الشُّؤْمُ في ثلاث؛ الفَرَسِ، والمرأةِ، والدّار"، فقيل لسفيانَ: إنّهم يقولونَ فيه عن حمزةَ؟ قال: ما سمِعتُ الزُّهريَّ ذكَرَ في هذا الحديثِ حمزةَ قطُّ. وكذلك رواهُ عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاق، عن الزُّهريِّ بمثل روايةِ ابنِ عُيَيْنةَ سواءً (٣).

стр. 3585

ورواهُ إسحاقُ بنُ سليمان، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، لم يَذكُرْ فيه حمزةَ. ورواهُ عثمانُ بنُ عمرَ، عن مالك، بمثل إسنادِ ابنِ عيينة، لم يَذكُرْ فيه حمزةَ أيضًا، إلّا أنّه جاء به على لفظِ حديثِ ابنِ وَهْب. أخبرني أحمدُ بنُ أبي عِمْرانَ الهرَوِيُّ فيما كتبَ إليَّ به إجازةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ النَّقّاشُ، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن عبدِ الله بنِ عُمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا عَدْوَى، ولا صَفَرَ، والشُّؤْمُ في ثلاث؛ في المرأةِ، والدّارِ، والفَرَسِ" (١). قال أبو عُمر: أصلُ التَّطيُّرِ واشتقاقُه عندَ أهل العلم باللغةِ والسِّيَرِ والأخبار، هو مأخوذٌ من زَجْرِ الطيرِ ومُرُورِه سانِحًا أو بارِحًا (٢)، منه اشتَقُّوا التَّطيُّرَ، ثم استعمَلوا ذلك في كلِّ شيءٍ من الحيوانِ وغيرِ الحيوان، فتطَيَّروا من

стр. 3586

الأعور، والأعْضَب (١)، والأبتر (٢)، وكذلك إذا رَأوُا الغُرابَ أو غيرَه من الطيرِ يتَفَلَّى أو يَنْتِفُ، ولإيمانِ العربِ بالطِّيَرَةِ عقَدُوا الرَّتائِمَ (٣)، واستَعمَلوا القِداحَ بالآمرِ والناهي (٤) والمتَرَبِّص، وهي غيرُ قِداح الأيْسار، وكانوا يَشْتقُّونَ الأسماءَ الكريهةَ ممّا يَكرَهون، وربّما قَلَبُوا ذلك إلى الفَأْلِ الحَسَنِ فرارًا من الطِّيَرَة، ولذلك سَمَّوا اللديغَ سَليمًا، والقَفْرَ مَفازَةً، وكَنَّوُا الأعمى أبا البَصير، ونحوَ هذا، فمن تَطيَّرَ جعَل الغُرابَ من الاغترابِ والغُرْبة، وجعلَ غُصنَ البانِ من البَيْنُونَة، والحمامَ من الحِمَام ومن الحَميم ومن الحُمَّى، وربّما جعَلوا الحَبلَ من الوِصال، والهُدْهُدَ من الهُدَى، وغُصْنَ البانِ من بَيانِ الطريق، والعُقابَ من عُقْبَى خير، ومثلُ هذا كثيرٌ عنهم، إذا غلَبَ عليهم الإشفاقُ تطَيَّروا وتشاءَمُوا، وإذا غَلَب عليهم الرَّجاءُ والسُّرورُ تفاءَلوا، وذلك مُستعمَلٌ عندَهم فيما يَرَوْنَ من الأشخاص، ويَسمَعُون من الكلام، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "لا طِيَرةَ ولا شُؤْمَ"، فعرَّفَهم أنَّ ذلك إنّما هو شيءٌ من طريقِ الاتفاق، ليَرفَعَ عن المتوقِّع ما يتوقَّعُه من ذلك كلِّه، ويُعْلِمَه أنَّ ذلك ليس ينالُه منه إلّا ما كُتِب له. وأمّا قولُه في هذا الحديث: "الشُّؤْمُ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَس"، فهو عندَنا على غيرِ ظاهرِه، وسنقولُ فيه بحَولِ الله وعَوْنِه لا شَريكَ له، وكان ابنُ مسعودٍ

стр. 3587

يقولُ: إن كان الشُّؤْمُ في شيءٍ فهو فيما بينَ اللَّحْيَيْن - يعني: اللسان - وما شيءٌ أحوَجَ إلى سجنٍ طويلٍ من اللسان (١). قال أبو عُمر: ونقولُ في معنى حديثِ هذا الباب بما نَراه يُوافقُ الصوابَ إنْ شاء الله. فقولُه ﵇: "لا طِيَرةَ" نَفْيٌ عن التَّشاؤُم (٢) والتَّطيُّرِ بشيءٍ من الأشياء، وهذا القولُ أشبَهُ شيءٍ (٣) بأُصولِ شَريعتِه ﷺ من حديثِ الشُّؤْم. فإن قال قائل: قد روَى زهيرُ بنُ معاوية، عن عُتبةَ بنِ حُميد، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بنُ أبي بكر، أنَّه سَمع أنسًا يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا طِيَرةَ، والطِّيَرةُ على من تَطيَّرَ، وإن تكنْ في شيءٍ، ففي المرأةِ، والدّارِ، والفَرَسِ" (٤). وقال: هذا يُوجِبُ أنْ تكونَ الطِّيَرةُ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَسِ، لمن تَطيَّرَ. قيل له، وبالله التوفيق: لو كان كما ظَنَنْتَ لكان هذا الحديثُ يَنفي بعضُه بعضًا؛ لأنَّ قولَه: "لا طِيَرةَ" نَفْيٌ لها، وقولَه: "والطِّيَرةُ على مَن تَطَيَّرَ" إيجابٌ لها، وهذا محالٌ أنْ يُظَنَّ بالنبيِّ ﷺ مثلُ هذا من النَّفْي والإثباتِ في شيءٍ واحدٍ،

стр. 3588

ووقتٍ واحدٍ، ولكنَّ المعنى في ذلك نَفْيُ الطِّيَرَةِ بقوله: "لا طِيَرةَ". وأما قولُه: "والطِّيَرةُ على مَن تَطَيَّرَ"، فمعناه: إثمُ الطِّيَرةِ على مَن تَطَيَّرَ بعدَ عِلْمِه بنَهيِ رسولِ الله ﷺ عن الطِّيَرَة. وقولُه فيها: "إنّها شِرْكٌ، وما مِنّا إلّا (١)، ولكنَّ اللهَ يُذهِبُه بالتَّوَكُّل". فمعنى هذا الحديثِ عندَنا، واللهُ أعلم، أنَّ مَن تَطَيَّرَ فقد أثِمَ، وإثْمُه على نَفْسِه في تَطَيُّرِه؛ لتركِ التَّوَكُّلِ وصريح الإيمان؛ لا أنّه يكونُ ما تَطَيَّرَ به على نَفْسِه في الحقيقة؛ لأنّه لا طِيَرَةَ حقيقةً، ولا شيءَ إلّا ما شاء الله في سابقِ عِلْمِه. والذي أقولُ به في هذا الباب، تَسليمُ الأمرِ لله ، وتَركُ القَطْع على الله بالشُّؤْم في شيء؛ لأنَّ أخبارَ الآحادِ لا يُقطَعُ على عَينِها، وإنّما تُوجِبُ العملَ فقط، قال اللهُ تباركَ اسمُه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، فما قد خُطَّ في اللوح المحفوظِ لم يكنْ منه بُدٌّ، وليستِ البقاعُ ولا الأنفسُ بصانِعَةٍ شيئًا من ذلك، واللهُ أعلم، وإيّاه أسألُ السلامةَ من الزَّللِ في القولِ والعملِ برحمتِه. وقد كان من العربِ قومٌ لا يتَطيَّرُونَ ولا يَروْنَ الطِّيَرَةَ شيئًا. ذكَرَ الأصمعيُّ (٢) أنَّ النابغةَ (٣) خرجَ مع زَبّانَ بنِ سيّارٍ يُريدانِ الغَزْوَ، فبينما

стр. 3589

هما في مَنْهَل يُريدانِ الرحلةَ إذ نظَرَ النابغةُ فإذا على ثوبه جَرادَةٌ، فقال: جَرادَةٌ تُجَرِّدُ، وذاتُ ألوان! فتَطَيَّرَ، وقال: لا أذْهَبُ في هذا الوَجْه. ونهَضَ زَبّانَ، فلمّا رجَعَ من تلك الغَزوَةِ سالمّا غانمًا أنشأ يقول (١): تخَبَّرَ طيَرَه فيها زِيادٌ ... لتُخْبِرَه وما فيها خَبِيرُ أقامَ كأنَّ لُقْمانَ بنَ عادٍ ... أشارَ له بحِكْمَتِه مُشِيرُ تعلَّمْ أنَّه لا طَيرَ إلّا ... على مُتَطَيِّرٍ وهْو الثُّبورُ بلى شيءٌ يُوافِقُ بعضَ شيءٍ ... أحايِينًا وباطِلُه كثيرُ هذا زَبّانُ بنُ سَيّار، وهو أحدُ دُهاةِ العربِ وساداتُهم، لم يَرَ ذلك شيئًا، وقال: إنّه اتفاقٌ وباطِلُه كثيرٌ. وممّن كان لا يَرَى الطِّيَرَةَ شيئًا من العربِ ويُوصي بتَرْكِها: الحارثُ بنُ حِلِّزَةَ، وذلك من صحيح قولِه، ويقولون: إنّ ما عدا هذه الأبياتَ من شِعْرِه هذا فهو مصنوعٌ (٢):

стр. 3590

يا أيُّها المُزْمِعُ ثم انثَنَى ... لا يَثْنِكَ الحازِي ولا الشاحِجُ ولا قَعِيدٌ أعْضبٌ قَرْنُه ... هاج له من مرْتَعٍ هائِجُ بَيْنا الفَتَى يَسْعَى ويُسْعَى له ... تاح له من أمْرِه خالِجُ يَتْرُكُ ما رَقَّحَ من عَيْشِه ... يَعِيثُ فيه هَمَجٌ هامِجُ لا تَكْسَعِ الشَّولَ بأغْبارِها ... إنّك لا تَدْرِي مَنِ الناتجُ أمّا قولُه: الحازي: فهو الكاهِنُ، والشاحجُ: الغُرابُ، والخالِجُ: ما يَعْترِي المرءَ منَ الشَّكِّ، وتَرْكِ اليَقينِ والعِلْم، ورَقَّحَ مَعِيشَتَه: أي: أصْلَحَها، والشَّولُ: النُّوقُ التي جَفَّتْ ألبانُها، وكَسَعَتِ الناقةُ: إذا برَكَتْ وفي ضَرْعِها بَقِيّةٌ منَ اللَّبَن، والأغبارُ هاهُنا: بقايا اللَّبن، والناتِجُ: الذي يلي الناقةَ في حينِ نتاجِها. والمرَقِّشُ السَّدُوسيُّ كان أيضًا ممَّن لا يتَطَيَّرُ، وهو القائل (١): ولقد غَدَوْتُ وكنتُ لا ... أغْدُو على واقٍ وحاتِمْ فإذا الأشَائِمُ كالأيا ... مِنِ والأيامِنُ كالأشَائِمْ وكذاكَ لا خَيْرٌ ولا ... شرٌّ على أحَدٍ بدائِمْ

стр. 3591

الواقِ: الصُّرَدُ (١)، والحاتِمُ: الغُرابُ (٢). أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْب، قال (٣): أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ وسليمانُ بنُ منصور، واللَّفظُ له، قالا: حدَّثنا سفيان، عن ابنِ عَجْلان، عن الأعرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، ولا تَعْجِزْ، فإن غَلَبَكَ أمرٌ فقلْ: قَدَرُ الله، وما شاء اللهُ (٤)، وإيّاكَ واللَّوْ، فإنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطان" (٥). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ وسعيدُ بنُ خُمَير، قالا: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المؤمنُ القويُّ" فذَكَره سواءً (٦).

стр. 3592

هكذا رواه ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ عَجْلان، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (١). ورواه كذلك الفُضَيْلُ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (٢). ورواه ابنُ المبارك، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن رَبيعَةَ بنِ عثمانَ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (٣). وكانت عائشةُ تُنكِرُ حديثَ الشُّؤْم وتقولُ: إنّما حكاهُ رسولُ الله ﷺ عن أهل الجاهليّةِ وأقوالِهم، وكانت تَنْفي الطِّيَرَةَ ولا تَعتقِدُ شيئًا منها، حتى قالت لنِسْوةٍ كنَّ يكْرَهْنَ الابْتِناءَ بأزْواجِهِنَّ في شوّال: ما تزَوَّجني رسولُ الله ﷺ إلّا في شوّال، وما دخَلَ بي إلّا في شوّال، فمَن كان أحْظَى منِّي عندَه؟ وكانت تَسْتَحِبُّ أن يَدْخُلْنَ على أزواجِهِنَّ في شوّال (٤).

стр. 3593

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن سعيد، عن قتادةَ، عن أبي حَسّان، أنَّ رَجُلَيْن دَخَلا على عائشة، وقالا: إنّ أبا هريرةَ يُحدِّثُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنّما الطِّيَرَةُ في المرأةِ، والدّارِ، والدّابّة"، فطارَتْ شِقّةٌ منها في السماء، وشِقّةٌ في الأرض، ثم قالت: كَذَب، والذي أنزَل الفُرقانَ على أبي القاسم، مَن حدَّث عنه بهذا؟ ولكنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقولُ: "كان أهلُ الجاهليّةِ يقولونَ: الطِّيَرَةُ في المرأةِ، والدّارِ، والدّابَة". ثم قرأت عائشةُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] (١). قال أبو عُمر: أمّا قولُ عائشةَ في أبي هريرة: كَذَب، والذي أنزَل الفرقانَ. فإنَّ العربَ تقولُ: كذَبتَ، بمعنَى: غَلِطْتَ فيما قَدَّرْتَ، وأوْهَمْتَ فيما قُلْتَ، ولم تَظُن حقًّا، ونحوَ هذا، وذلك معروفٌ من كَلامِهم (٢)، موجودٌ في أشعارِهم كثيرًا، قال أبو طالب (٣):

стр. 3594

كذَبْتُم وبيتِ الله نتْرُكُ مَكّةً ... ونظْعَنُ إلا أمْرُكُم في بَلابِلِ كذَبْتُم وبيتِ الله نُبْزَى (١) محمدًا ... ولما نُطاعِنْ دُونَه ونُناضِلِ ونُسْلِمُه حتى نُصَرَّعَ حولَه ... ونَذْهَلَ عن أبْنائِنا والحَلائِلِ وقال بعضُ شُعراءِ هَمْدانَ (٢): كذَبْتُم وبيتِ الله لا تأْخُذُونها ... مُراغَمَةً ما دامَ للسَّيفِ قائِمُ وقال زُفَرُ بنُ الحارثِ العَبْسيُّ (٣): أفي الحقِّ أمّا بَحْدَلٌ وابنُ بَحْدَلٍ ... فيَحْيَا وأمّا ابنُ الزُّبَيْرِ فيُقْتَلُ كذَبْتُم وبيتِ الله لا تقْتُلونَه ... ولما يكنْ يومٌ أغَرُّ مُحَجَّلُ ألا تَرى أنَّ هذا ليس من باب الكَذِبِ الذي هو ضِدُّ الصِّدقِ؟ وإنّما هو من بابِ الغَلَطِ وظَنِّ ما ليس بصحيح، وذلك أنَّ قريشًا زَعَمُوا أنّهم يُخْرِجُونَ بني هاشم من مكةَ إن لم يَترُكُوا جِوارَ محمدٍ ﷺ ، فقال لهم أبو طالب: كذَبْتُم، أي: غَلِطْتُم فيما قُلْتُم وظَنَنْتُم. وكذلك معنى قولِ الهَمْدانيِّ والعَبْسيِّ، وهذا مشهورٌ من كلام العرب. ومن هذا ما ذكَرَه الحَسَنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الرجل يأذَنُ لعبدِه

стр. 3595

في التَّزْويج: بيَدِ مَن الطلاقُ؟ قال: بيَدِ العبدِ، قلتُ: إنَّ جابرَ بنَ زيدٍ يقولُ: بيَدِ السَّيِّد، قال: كَذَب جابر (١). يريدُ: غَلِطَ جابرٌ وأخطَأ، واللهُ أعلم. وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ قولُ رسولِ الله ﷺ : "الشُّؤْمُ في ثلاثة؛ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَس"، كان في أوّلِ الإسلام خبَرًا عمّا كانت تَعتَقِدُه العربُ في جاهِليَّتِها على ما قالت عائشةُ، ثم نُسِخ ذلك وأبْطَلَه القرآنُ والسُّننُ. وأمّا قولُه ﷺ للقوم في قصةِ الدّار: "اتْرُكها ذَمِيمَةً" (٢)، فذلك، واللهُ أعلمُ، لما رَآه منهم، وأنّه قد كان رسَخَ في قُلوبِهم ممّا كانوا عليه في جاهِليَّتِهم، وقد كان ﷺ رؤوفًا بالمؤمنين، يأخُذُ عَفْوَهم شيئًا شيئًا، وهكذا كان نُزولُ الفرائضِ والسُّنَنِ حتى اسْتَحْكَم الإسلامُ وكَمَلَ، والحمدُ لله (٣)، ثم بيَّن رسولُ الله ﷺ بعدَ ذلك لأولئك الذين قال لهم: "اتْرُكوها ذَمِيمَةً"، ولغيرِهم ولسائرِ أُمَّتِه، الصحيحَ بقولِه: "لا طِيَرةَ"، و"لا عَدْوَى"، واللهُ أعلمُ، وبه التَّوفيق (٤).

стр. 3596

حديثٌ خامِسٌ لابنِ شِهاب، عن سالم يَجْري مَجْرَى المُسنَد مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، أَنَّهُ قال: كتبَ عبدُ الملكِ بن مروانَ إلى الحجّاج بن يُوسُفَ: أن لا تُخالِف عبدَ الله بن عُمرَ في شيءٍ من (٢) أمرِ الحجِّ. قال: فلّما كان يومُ عرفَةَ جاءهُ عبدُ الله بن عُمرَ حينَ زاغتِ الشَّمسُ وأنا معهُ، فصاحَ به عِند سُرادِقِهِ: أينَ هذا؟ فخرجَ إليه الحجّاجُ وعليه مِلْحفةٌ مُعَصفرةٌ، فقال: ما لكَ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ؟ فقال: الرَّواح إن كنتَ تُريدُ السُّنَّة، فقال: أهذه السّاعةَ؟ قال: نعم. قال: فأنْظِرني حتّى أُفيضَ عليَّ ماءً، ثُمَّ أخرُجَ. فنزلَ عبدُ الله حتّى خرجَ الحجّاجُ، فصارَ (٣) بيني وبين أبي، فقلتُ لهُ: إن كنتَ تُريدُ أن تُصيبَ السُّنَّة، فاقصُرِ الخُطبة، وعجِّلِ الصَّلاةَ. قال: فجعلَ ينظُرُ إلى عبدِ الله بن عُمرَ، كيْما يسمعُ ذلك منهُ، فلّما رأى ذلك عبدُ الله، قال: صدقَ. قد ذكرنا عبدَ الملك بن مروان في غيرِ موضِع من كُتُبِنا، وأمّا الحجّاجُ فهُو: الحجّاجُ بن يُوسُف بن الحكم بن أبي عَقِيل الثَّقفيُّ، أُمُّهُ فارِعةُ بنتُ همّام بن عَقيلِ بن عُروة بن مسعُودٍ الثَّقفيِّ، كانت قبل أبيهِ تحت المُغير بن شُعبة. كان الحجّاجُ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ أهلًا أن لا يُروى عنهُ، ولا يُؤْثَرَ حديثُهُ، ولا يُذكرَ بخيرٍ، لسُوءِ سِرِّهِ، وإفراطِهِ في الظُّلم، ومن أهلِ العِلم طائفةٌ تُكفِّرُهُ، وقد ذكرنا أخبارَهُم فيه بذلك، في بابٍ مُفردٍ لهُ. وَليَ الحجازَ ثلاثَ سِنينَ، ووَلِيَ العِراقَ عِشرينَ سنةً، قدِمَ عليهم سنةَ خمسٍ وسبعينَ، ومات سنة خمسٍ وتسعينَ.

стр. 3597

روى سُفيانُ بن عُيينة، عن سالم بن أبي حَفْصةَ، قال: لمّا أُتي الحجّاجُ بسعيدِ بن جُبير، قال: إنَّهُ شقيٌّ ابنُ كُسير، فقال: ما أنا إلّا سعيدُ بن جُبير، بذلك سمّاني أبواي، قال: لأقتُلنَّكَ، قال: إذًا أكُونَ كما سمّاني أبي سعيدًا. وقال: دعُوني أُصلِّي ركعتينِ. فقال الحجّاجُ: وجِّهُوهُ إلى قِبلةِ النَّصارى. فقال سعيدٌ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال: فضربَ عُنُقَهُ. قال سُفيانُ: فلم يقتُل بعد سعيدِ بن جُبيرٍ إلّا رجُلًا واحِدًا (١). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يُخرَّجُ في المُسندِ، لقولِ عبدِ الله بن عُمر للحجّاج: الرَّواحَ هذه السّاعةَ، إن كُنت تُريدُ السُّنَّة. ولقولِ سالم: إن كُنتَ تُريدُ أن تُصيب السُّنَّة، فاقصُرِ الخُطْبةَ وعجِّلِ الصَّلاة، وقولِ ابن عُمر: صدقَ. وروى مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ: أنَّهُ كان شاهِدًا مع سالم وأبيهِ هذه القِصَّةَ مع الحجّاج، وذكر ذلك عبدُ الرَّزّاقِ (٢) وغيرُهُ، عن مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، وذلك عند بعضِ (٣) أهلِ العِلم وَهَمٌ من مَعْمرٍ. وقال يحيى بن معينٍ: وهِمَ في ذلك مَعْمرٌ، وابنُ شِهابٍ لم يرَ ابنَ عُمرَ، ولا سمِع منهُ شيئًا. وقال أحمدُ بن عبدِ الله بن صالِح: وقد روى الزُّهْريُّ، عن عبدِ الله بن عُمر نحوَ ثلاثةِ أحاديث. قال أبو عُمر: هذا مِمّا لا يُصحِّحُهُ أحدٌ سماعًا، وليس لابنِ شِهابٍ سماعٌ من ابن عُمر غيرُ حديثِ مَعْمرٍ هذا، إن صحَّ عنهُ. وأمّا محمدُ بن يحيى الذُّهْليُّ النَّيسابُوريُّ، فقال: مُمكِنٌ أن يكونَ الزُّهْريُّ قد شاهدَ ابنَ عُمر مع سالم في قِصَّةِ الحجّاج، واحتجَّ بروايةِ مَعْمرٍ، وفيها:

стр. 3598

فركِبَ هُو وسالمٌ وأنا معهُما حين زاغتِ الشَّمسُ. وفيها: قال الزُّهْريُّ: وكُنتُ يومئذٍ صائمًا، فلقيتُ من الحرِّ شِدَّةَّ. قال محمدُ بن يحيى: وقد رَوى ابنُ وهب، عن عبدِ الله العُمَريِّ، عن ابن شِهاب، نحوَ رِوايةِ مَعْمرٍ في حديثهِ. قال ابنُ شِهاب: وأصابَ النّاسُ في تِلكَ الحجَّةِ من الحرِّ شيءٌ لم يُصِبْنا مِثلُهُ. واحتجَّ أيضًا بأنَّ عَنْبسةَ روى عن يُونُس، عن ابن شِهاب، قال: وَفَدتُ إلى مروان وأنا مُحتلِمٌ. قال: ومروانُ مات سنة خمسٍ وسِتِّين، ومات ابنُ عُمر في تِلكَ الحجَّةِ سنة ثلاثٍ وسبعين. قال: وأظُنُّ مولِدَ الزُّهْريِّ سنة خمسين، أو نحو هذا، وموتُهُ سنة أربع وعِشرين ومِئة، فمُمكِنٌ أن يكونَ شاهَدَ ابنَ عُمر في تِلكَ الحجَّة (١)، فلستُ أدفعُ رِوايةَ مَعْمر. هذا كلُّهُ كلامُ الذُّهْليِّ. وذكرَ الحُلْوانيُّ، قال: سمِعتُ أحمدَ بن صالح يقولُ: قد أدركَ الزُّهْريُّ الحَرَّةَ (٢) وهو بالغٌ، وعَقَلها، أظُنُّهُ قال: وشَهِدها. وكانتِ الحرَّةُ في أوَّلِ خِلافةِ يزيدَ بن مُعاوية، وذلكَ سنة إحدى وسِتِّين (٣). قال أبو عُمر: أمّا رِوايةُ مَعْمرٍ لهذا الحديثِ، فيما ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: كتبَ عبدُ الملكِ بن مروان إلى الحجّاج: أنِ اقتدِ

стр. 3599

بابنِ عُمر في مناسِكِ الحجِّ. فأرسل إليه الحجّاجُ يومَ عرفةَ: إذا أردتَ أن ترُوحَ فآذِنّا. فراحَ هُو وسالمٌ وأنا معهُما حين زاغتِ الشَّمسُ، فوقف بفِناءِ الحجّاج فقال: ما يحبِسُهُ؟ فلم يَنْشَب (١) أنْ خَرَج الحجّاجُ، فقال: إنَّ أميرَ المُؤمِنينَ كتبَ إليَّ: أن أقتديَ بكَ، وأن آخُذَ عنكَ. فقال لهُ سالم: إن أردتَ السُّنَّة، فأوجِزِ الخُطبةَ والصَّلاةَ. قال الزُّهْريُّ: وكُنتُ يومئذٍ صائمًا، فلقيتُ من الحرِّ شِدَّةً. وذكر الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ في حديثِهِ الذي ذَكَر: أنَّ عبدَ الملكِ بنَ مروان كتبَ إلى الحجّاج: اقْتَدِ بابنِ عُمر في مناسِكِ الحجِّ. فأرسل إليه الحجّاجُ. قال: وقال الزُّهْريُّ: وأنا يومئذٍ بينهُما، وكنتُ صائمًا، فلقيتُ مِنَ الحرِّ شِدَّةً. قال عبدُ الرَّزّاقِ: فقلتُ لمَعْمر: فرأى الزُّهْريُّ ابنَ عُمر؟ قال: نعم، وقد سَمِع منهُ حديثينِ، فسَلْني عنهُما أُحدِّثْكهُما. قال: فجعلتُ أتحيَّنُ خَلْوتَهُ لأنْ أسألَهُ عنهُما ولا يكونُ معنا أحدٌ. قال: فلم يُمْكِنِّي ذلك حتّى أُنسيتُهُ، فما ذكرتُ حتّى نفضتُ يدَيَّ من قبر، فندِمتُ بعدَ ذلك، فقلتُ: وما ضرَّني لو سَمِعتُهُما وسمِعَ معي غيري؟ فهذا يدُلُّ على أنَّ الحديثَ الثّانيَ لم يَسْمَعْه (٢) من مَعْمر، ولا لهُ (٣) ذِكْرٌ فيما علِمتُ عندَ أحدٍ من أهلِ العِلم، وقد قال أحمدُ بن خالد: إنَّ الحديث الآخر في الحجِّ، وهذا لا يُوجدُ ولا يُعرفُ، واللهُ أعلمُ.

стр. 3600

قال الحُلْوانيُّ: وحدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن خالدِ بن ذُؤيب، عن الزُّهْريِّ، قال: رأيتُ ابنَ عُمر يمشي أمام الجِنازة (١). قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: أخبرنا عَنْبسةُ بن خالدٍ ابنُ أخي يُونُسَ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن يزيدَ (٢)، عن الزُّهْريِّ، قال: وفدتُ إلى مروان بن الحَكَم وأنا مُحتلِمٌ. قال الحسنُ: وماتَ مروانُ بن الحكم سنةَ خمس وستِّينَ، ليسَ فيها اختلافٌ، وماتَ ابنُ عُمر (٣) سنةَ أربع وسبعين في أوَّلهِا، إلّا أنَّهُ حجَّ سنة ثلاثٍ وسبعين، ومات بعد الحجِّ، ومنهُم من يقولُ: مات في آخِرِ سنةِ ثلاثٍ وسبعين. وفي هذا الحديثِ فِقهٌ وآدابٌ وعِلمٌ من أُمُورِ الحجِّ كثيرٌ؛ فمِنْ ذلك (٤): مشيُ الرَّجُلِ الفاضِلِ مع السُّلطانِ الجائرِ فيما لا بُدَّ منهُ، ولا نقيصَةَ عليه فيه. وفيه: تعليمُ الرَّجُلِ الفاجِرِ السُّننَ، إذا كان لذلكَ وجهٌ، ولعلَّهُ ينتفِعُ بها، وتصرِفُهُ عن غيِّهِ. وفيه: الصَّلاةُ خلفَ الفاجِرِ من السَّلاطينِ، ما كان إليهِم إقامتهُ، مِثل الحجِّ والجُمُعةِ والأعياد. ولا خِلافَ بينِ العُلماءِ: أنَّ الحجَّ يُقيمُهُ السُّلطانُ للنّاسِ، وَيَستخلِفُ على ذلك من يُقيمُهُ لهُم على شرائعِهِ وسُننِهِ، ويُصلَّى خلفَهُ الصَّلواتُ كلُّها، برًّا كان أو فاجِرًا أو مُبتدِعًا، ما لم تُخرِجْهُ بدعتُهُ من الإسلام. وفي هذا الحديثِ: أنَّ رَواحَ الإمام من موضِع نُزُولِهِ بعَرَفةَ إلى مسجِدِها حين تزُولُ الشَّمسُ، وأنَّ الجَمْعَ بين الظُّهرِ والعصرِ في المسجِدِ، في أوَّلِ وقتِ

стр. 3601

الظُّهرِ سُنَّةٌ (١)، وهذا ما (٢) لا خِلافَ فيه بين أهلِ العِلم، وكذلكَ فعلَ رسُولُ الله ﷺ ، ويلزمُ كلَّ من بعُد عن المسجِدِ بعرفةَ أو قَرُبَ، إلّا أن يكون مُتَّصِلًا موضِحُ نُزُولِهِ بالصُّفُوفِ، فإن لم يفعلْ وصلَّى بصلاةِ الإمام وفَهِمها، فلا حرجَ. ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ نزل بنَمِرةَ من عَرَفة (٣)، وحيثُما نَزَل من عَرَفةَ فجائزٌ، وكذلك وُقُوفُهُ منها حيثُما وَقَف فجائزٌ، إلّا بطنَ عُرَنَةَ (٤)، فإذا زاغتِ الشَّمسُ راح إلى المسجدِ بعرَفةَ فصلَّى بها الظُّهرَ والعصرَ جميعًا مع الإمام، على ما قُلنا في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داوُد، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا نافِعُ بن عُمر، عن سعيدِ بن حسّان، عن ابن عُمر، قال: لمّا قتلَ الحجّاجُ ابنَ الزُّبَيرِ، أرسَل إلى ابن عُمر: أيّةَ ساعةٍ كان رسُولُ الله ﷺ يرُوحُ في هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذلك رُحنا، فلمّا أراد ابنُ عُمر أن يرُوحَ، قال: أزاغتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لم تَزغْ، ثُمَّ قال: أزاغتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لم تَزغْ، ثُمَّ قال: أزاغتِ الشَّمسُ (٦)؛ فلمّا قالوا: قد زاغت، ارتحل.

стр. 3602

وفي حديثِ جابر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمّا زاغتِ الشَّمسُ، أمرَ بالقَصْواء فرُحلتْ لهُ، وأتى بطنَ الوادي، وخَطَب النّاسَ، ثُمَّ أذَّن بلالٌ، ثُمَّ أقامَ فصلَّى الظُّهر، ثُمَّ أقام فصلَّى العصر، ولم يُصلِّ بينهُما شيئًا، ثُمَّ راح إلى المَوْقِف (١). قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ ما لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمين فيه، وأمّا وقتُ الرَّواح من مِنًى إلى عرفة، فليسَ هذا مَوْضِعَ ذكره، وكذلك قولُهُ ﷺ : "عَرَفةُ كلُّها موقِفٌ، وارتفِعُوا عن بطنِ عُرَنة (٢) " (٣). وسيأتي ذِكرُهُ، ونُوضِّحُ القولَ فيه بموضِعِهِ من كتابنا هذا، وذلك عندَ ذِكرِ مراسيلِ مالك، إن شاء اللهُ. واختَلف الفُقهاءُ في وقتِ أذانِ المُؤذِّنِ بعرفةَ للظُّهرِ والعصرِ، وفي جُلُوسِ الإمام للخُطبةِ قبلَها، فقال مالكٌ: يخطُبُ الإمامُ طويلًا، ثُمَّ يُؤذِّنُ المُؤذِّنُ وهُو يخطُبُ، ثُمَّ يُصلِّي (٤)؛ ذَكَر ذلك ابنُ وَهْبٍ عنهُ. وهذا معناهُ أن يخطُبَ الإمامُ صدرًا من خُطبتِهِ، ثُمَّ يُؤذِّنَ المُؤذِّنُ، فيكونَ فراغُهُ معَ فراغ الإمام من الخُطبةِ، ثُمَّ ينزِلَ فيُقيمَ. وحكى عنهُ ابنُ نافِع، أنَّهُ قال: الأذانُ بعرفةَ بعدَ جُلُوسِ الإمام للخُطبة. وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسُفَ ومحمدٌ (٥): إذا صعِدَ الإمامُ المِنبر أخذ المُؤذِّنُ في الأذانِ، فإذا فَرَع المُؤذِّنُ قام الإمامُ يخطُبُ ثُمَّ ينزِلُ، فيُقيمُ المُؤذِّنُ للصَّلاةِ. وبِمِثلِ ذلك سواءً قال أبو ثورٍ (٦).

стр. 3603

وقال الشّافِعيُّ (١): يأخُذُ المُؤذِّنُ في الأذانِ إذا قام الإمامُ للخُطبة الثّانية، فيكونُ فراغُهُ من الأذانِ بفراغِ الإمام من الخُطبةِ، ثُمَّ ينزِلُ فيُصلِّي الظُّهر، ثُمَّ يُقيمُ المُؤذِّنُ الصلاة. وقال مالكٌ (٢)، وسُئلَ عن الإمام إذا صعِدَ المِنْبرَ يومَ عرفةَ: أيَجلِسُ قبلَ أن يخطُب؟ قال: نعم، ثُمَّ يقومُ فيخطُبُ طويلًا، ثُمَّ يُؤذِّنُ المُؤذِّنُ وهُو يخطُبُ، ثُمَّ يُصلِّي؛ ذكرهُ ابنُ وَهْبٍ عنهُ، قال: وقال مالك: يخطُبُ خُطبتينِ. وفي قولِ أبي حنيفَةَ وأصحابِه ممّا قدَّمنا ما يدُلُّ على أنَّ الإمامَ يجلِسُ، فإذا فرغَ المُؤذِّنُ قامَ فخطَبَ. وقال الشّافِعيُّ (٣): إذا أَتَى الإمامُ المسجدَ، خطَبَ الخُطبةَ الأُولى - ولم يذكُر جُلُوسًا عندَ الصُّعُودِ - فإذا فرغَ من الأُولى، جلسَ جِلسةً خفيفةً قدرَ قِراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثمَّ يقومُ فيخطُبُ خُطبةً أُخرى. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامَ لا يجهَرُ بالقِراءةِ في الظُّهرِ والعصرِ بعرفةَ، لا في يوم الجُمُعةِ، ولا في غيرِها، وأجمَعوا أنّ رسولَ الله ﷺ كذلك فَعَل، لم يجهَرْ (٤)، وأجمعُوا على أنَّ الرَّسُولَ ﷺ صلَّى الظُّهرَ والعصرَ يومَ عرفةَ - إذ جمعَ بينَهُما - ركعتينِ، وأجمعُوا على أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كان مُسافِرًا يومئذٍ، ولم ينوِ إقامةً؛ لأنَّهُ أكملَ عمَلَ حجِّهِ، وعجَّل الانْصِراف. واختُلِف في قَصْرِ الإمام إذا كان مكِّيًّا، أو من أهلِ مِنًى بعرفةَ.

стр. 3604

فقال مالكٌ (١): يُصلِّي أهلُ مكَّةَ ومِنًى بعرفةَ ركعتينِ ركعتينِ ما أقامُوا يقصُرُون بالصَّلاةِ، حتّى يرجِعُوا إلى أهليهِمْ، وأميرُ الحاجِّ أيضًا كذلك، إذا كان من أهلِ مكَّةَ قصرَ الصَّلاة بعرفةَ وأيَّامَ مِنًى، قال: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا. فإن كان أحدٌ ساكِنًا بمِنًى مُقيَمَا، أتمَّ الصَّلاةَ إذا كان بمِنًى وعرفَةَ أيضًا. كذلك قال مالكٌ. وأهلُ مكَّةَ يقصُرُونَ الصَّلاةَ بمِنًى، وأهلُ مِنًى يقصُرُونَ الصلاةَ بعرفةَ، وأهلُ عرفَةَ يقصُرُونَ الصَّلاة بمِنًى. وهُو قولُ الأوزاعيِّ سواءً؛ ومن حُجَّتِهِم: أنَّ رسُولَ الله ﷺ وأصحابَهُ ﵃ لم يُصلُّوا في تلكَ المشاهِدِ كلِّها إلّا ركعتينِ (٢)، وسائرُ الأُمَراءِ هكذا لا يُصلُّون هُنالك إلّا ركعتينِ، فعُلِمَ أنَّ ذلك سُنَّةُ المَوْضِع؛ لأنَّ من الأُمراءِ مكِّيًّا وغيرَ مكِّيٍّ. واحتجُّوا أيضًا بما رواهُ يزيدُ بن عِياض، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهِد، أنَّ النَّبيَّ ﷺ استعملَ عتّابَ بنَ أَسِيدٍ على مكَّة، وأمَرَهُ أن يُصلِّيَ بأهلِ مكَّة ركعتينِ (٣). وهذا خبرٌ عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ مُنكر، لا تقُومُ به حُجَّةٌ، لضَعفِهِ ونَكارتهِ. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ: مَن كان من أهلِ مكَّةَ صلَّى بمِنًى وعرَفةَ أربعًا، لا يجُوزُ لهُ غيرُ ذلك (٤). وحُجَّتُهُم: أنَّ مَن كان مُقيمًا لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ ركعتينِ، وكذلك مَن لم يكُنْ سفَرُهُ سفرًا تُقصَرُ في مِثلِهِ الصلاةُ، فحُكمُهُ حُكمُ المُقيم.

стр. 3605

وقد تقدَّم ذِكرُنا أنَّ السُّنَّةَ المُجْمَعَ عليها: الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ: الظُّهرِ والعصرِ، يومَ عَرَفةَ مع الإمام. واختلفَ الفُقهاءُ في مَن فاتتهُ الصَّلاةُ يومَ عَرَفةَ معَ الإمام: هل لهُ أن يَجْمعَ بينَهُما أم لا؟ فقال مالكٌ (١): لهُ أن يَجمَعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ إذا فاتهُ ذلك معَ الإمام، وكذلك المغرِبُ والعِشاءُ يَجمَعُ (٢) بينَهُما بالمُزدلِفة. قال: فإنِ احتُبِس إنسانٌ دُونَ المُزدلِفةِ لموضِع عُذْر، جَمَعَ بينَهُما أيضًا قبلَ أن يأتيَ المُزدلِفة (٣)، ولا يجمَعُ بينَهُما حتّى يغيبَ الشَّفق. وقال الثَّوريُّ (٤): صَلِّ معَ الإمام بعَرَفاتٍ (٥) الصَّلاتينِ إنِ استطعتَ، وإن صَلَّيتَ في رَحْلِكَ فصلِّ كلَّ صلاةٍ لوَقْتِها. وكذلك قال أبو حنيفة (٦): لا يَجمَعُ بينَهُما إلّا مَن صلّاهُما معَ الإمام، وأمّا مَن صلَّى وحدَهُ، فلا يُصلِّي كلَّ صلاةٍ منهُما إلّا لوقتِها، وهُو قولُ إبراهيم. وقال الشّافِعيُّ، وأبو يُوسُفَ ومحمدٌ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ: جائزٌ أن يجمعَ بينَهُما من المُسافِرينَ مَن صلَّى معَ الإمام، ومَن صلَّى وحدَهُ إذا كان مُسافِرًا (٧). وعِلَّتُهُم في ذلك: أنَّ جَمْعَ رسُولِ الله ﷺ إنَّما كان من أجلِ السَّفرِ، ولكلِّ مُسافرٍ الجمعُ بينَهُما لذلك. وكان عبدُ الله بن عُمر يَجمَعُ بينَهُما (٨)، وهُو قولُ عطاءٍ.

стр. 3606

وأجمعَ العُلماءُ، أنَّ الإمامَ لا يجهَرُ في صلاةِ الظُّهرِ ولا العصرِ يومَ عرفةَ، وفي ذلك دليلٌ على صِحَّةِ قولِ مَن قال: لا جُمُعةَ يومَ عرفةَ، وهُو قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ ومحمدِ بن الحسن (١). واختَلف العُلماءُ في الأذانِ للجَمْع بين الصَّلاتينِ بعَرَفةَ، فقال مالكٌ (٢): يُصلِّيهِما بأذانَيْنِ (٣) وإقامتَيْنِ، على ما قدَّمنا من قولِهِ في صلاتي المُزدلِفة، والحُجَّةُ لهُ قد تقدَّمت هُناك. وقال الشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ، والطَّبريُّ: يَجمَعُ بينَهُما بأذانٍ واحِدٍ وإقامتينِ، إقامةٌ لكلِّ صلاة (٤). واختُلِف عن أحمد بن حَنْبل، فرَوى عنهُ الكَوْسَجُ، وعن إسحاقَ بن راهُويةَ أيضًا: الجمعَ بينَ الصَّلاتين بعَرَفةَ بإقامةٍ إقامة (٥). وقال الأثرمُ، عن أحمدَ بن حنبل: مَن فاتتهُ الصَّلاةُ مع الإمام، فإنْ شاء جمعَ بينَهُما بأذانٍ وإقامتينِ، وإن شاء بإقامةٍ إقامة (٦). وفي لُبسِ الحَجّاج المُعصفَر، وتَرْكِ ابن عُمرَ الإنكارَ عليه، معَ أمرِ عبدِ الملكِ إيّاهُ: أن لا يُخالِفَ عبدَ الله بنَ عُمر في شيءٍ من أمرِ الحجِّ، دليلٌ على أنَّهُ مُباحٌ، وإن كان أكثرُ أهلِ العِلم يكرهُونهُ، وإنَّما قُلنا: إنَّهُ مُباحٌ لأَنَّهُ ليس بطِيْب، وإنَّما كرِهُوهُ لأنَّهُ ينتفضُ (٧).

стр. 3607

وذَكَر ذلك ابنُ بُكير، عن مالك، قال: إنَّما كُرِه لُبسُ المُصبَّغاتِ لأنَّها تنتفِضُ، وليس هذا عندَ القَعْنبيِّ ولا يحيى ولا مُطرِّف. وكان مالكٌ يكرهُ لُبسَ المُصبَّغاتِ للرِّجالِ والنِّساء (١)، وخالف في ذلك أسماءَ بنتَ أبي بكر، ورُوي عن عائشةَ مِثلُ قولِ مالك، رواهُ الثَّوريُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيم: أنَّ عائشةَ كانت تكرهُ المُثَرَّدَ (٢) بالعُصفُر (٣). ومِمَّن كان يكرهُ لُبسَ المُصبَّغاتِ بالعُصفُرِ في الإحرام: الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ (٤). ورخَّص فيه الشّافِعيُّ (٥)، لأنَّهُ ليس بطيبٍ. وقد ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن ابن عُيينة، عن عَمرو بن دينار، عن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليّ، قال: أبصرَ عُمرُ بن الخطّابِ على عبدِ الله بن جعفرٍ ثَوْبينِ مُضْرَجينِ - يعني: مُعَصفرينِ - وهُو مُحرِمٌ، فقال: ما هذا؟ فقال عليُّ بن أبي طالبٍ: ما إخالُ أحدًا يُعلِّمُنا السُّنَّة. فسكتَ عُمرُ (٦). أخبرني أحمدُ بن عبدِ الله بن محمد، أنَّ أباهُ حدَّثهُ قال: أخبرنا محمدُ بن فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم بن مُزين، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمة القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمر، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن عبدِ الله بن عبد الله بن عُمر، أنَّهُ قال: كُنتُ أخرُجُ (٧) وعليَّ ثوبانِ مُضْرَجانِ في الحرم مع ابن عُمر، فلا يُنكِرُ عليَّ.

стр. 3608

وقد كان مالكٌ، فيما ذكر عنهُ ابنُ (١) وَهْبٍ وابنُ القاسم: يستحِبُّ إيجابَ الفِدْيةِ على من لبِسَ المُعصفرَ المُصبَغَ في الإحرام، وهُو قولُ أبي حنيفة (٢). والأصلُ في هذا البابِ: أنَّ الطِّيبَ للمُحرِم بعد الإحرام، لا يحِلُّ بإجماع العُلماءِ، لنهيِ رَسُولِ الله ﷺ المُحرِمَ عن الزَّعفرانِ والوَرْسِ، وما صُبغ بهِما من الثِّيابِ المُصبغاتِ في الإحرام (٣). وقال بعضُ أهلِ العلم: إنَّما كان ذلك من عُمر خوفًا من التَّطرُّقِ إلى ما لا يجُوزُ من الصِّبغ، مِثلَ الزَّعفرانِ، والوَرْسِ، وما أشبههُما، مِمّا يُعدُّ طيبًا. وقال غيرُهُ: إنَّما كان ذلك من عُمر إلى طلحةَ، لوضِعِهِ من الإمامة (٤)، ولأنَّهُ مِمَّن يُقتدى بهِ، فوجبَ عليه تركُ الشُّبهةِ، لئلّا يظُنَّ به ظانٌّ ما لا يجُوزُ أن يظُنَّ بمِثلِه، ويتأوَّل في ذلك عليه. وفي الحديثِ أيضًا من الفِقهِ، ما يدُلُّ على أنَّ تأخيرَ الصلاةِ بعرفةَ بعد الزَّوالِ قليلًا، لعملٍ يكونُ من أعمالِ الصلاةِ، مِثلَ الغُسلِ، والوُضُوءِ، وما أشبه ذلك، أنَّهُ لا بأس به. وفيه: الغُسلُ للوُقُوفِ بعرفةَ؛ لأنَّ قولَ الحجّاج لعبدِ الله بن عُمر: أنظِرني حتّى أُفيضَ عليَّ ماءً، كذلك كان، وهُو مذهبُ عبدِ الله بن عُمر، وأهلُ العِلم يستحِبُّونهُ. ذكر مالكٌ (٥)، عن نافِع: أنَّ عبد الله بن عُمر كان يغتسِلُ لإحرامِهِ قبل أن يُحرِم، ولدُخُولِهِ مكَّة، ولوقوفِ عشيَّةِ عرفةَ.

стр. 3609

وفيه: إباحةُ فتوى الصَّغيرِ، بين يديِ الكبيرِ، ألا ترى أنَّ سالمًا علَّم الحجّاج السُّنَّة، في قصرِ الخُطبةِ وتعجيلِ الصَّلاةِ وابنُ عُمر أبوهُ إلى جانبِه؟ وقصرُ الخُطبةِ في ذلك الموضِع (١) وفي غير، سُنّةٌ مسنُونةٌ. وتعجيلُ الصَّلاةِ في ذلك الموضِع سُنَّةٌ مجُتمعٌ عليها في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ، ثُمَّ يصلِّي العصرَ بإثرِ السَّلام من الظُّهرِ في ذلك اليوم. رَوَينا عن جابرِ بن سَمُرةَ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يخطُبُنا بكلِماتٍ قليلةٍ طيِّبات، وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ بإسنادِهِ فيما سَلَف من كِتابِنا هذا. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داوُد، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن نُميرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا العلاءُ، عن عديِّ بن ثابِت، عن أبي راشِد، عن عمّارِ بن ياسِر، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بإقصارِ الخُطَبِ (٣). وأنبأنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينة، عن عَمْرِو (٤) بن حبيب، عن عبدِ الله بن كثير، عن عمّارِ بن ياسِر، قال: أمرنا رسُولُ الله ﷺ أن نقصُر الخُطبة، ونُطيل الصَّلاة (٥).

стр. 3610

وبه عن سُفيان، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن عَمرو بن شُرحبيل، قال: من فِقْهِ الرَّجُلِ، قصرُ الخُطبةِ، وطُولُ الصَّلاةِ (١). وأجمعَ الفُقهاءُ جميعًا على أنَّ الإمام لو صلَّى بعرفةَ يوم عرفةَ بغيرِ خُطبةٍ، أنَّ صلاتهُ جائزةٌ، وأنَّهُ يَقصرُ الصَّلاة إذا كان مُسافِرًا، وإن لم يخطُب. وأجمعُوا أنَّ الخُطبة قبل الصَّلاةِ يوم عرفة. وأنَّ رَسولَ الله ﷺ قرأ فيها فأسرَّ القِراءةَ، وإنَّما هي ظُهرٌ، ولكِنَّها قُصِرت من أجلِ السَّفرِ، واللهُ أعلمُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "وعجِّلِ الصَّلاةَ"، فكذلك رواهُ يحيى وابنُ القاسم وابنُ وهبٍ ومُطرِّفٌ، وقال فيه القعنبيُّ وأشهبُ: "إن كُنتَ تُريدُ الوُقُوف". وهُو عِندي غلطٌ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ أكثر الرُّواةِ عن مالكٍ على خِلافِهِ. وتعجيلُ الصَّلاةِ بعرفةَ، سُنّةٌ ماضيةٌ على ما قدَّمنا ذِكرهُ، وقد يحتمِلُ ما قالهُ القعنبيُّ أيضًا، لأنَّ تعجيل الوُقُوفِ بعد تعجيلِ الصَّلاةِ والفراغِ منها سُنّةٌ أيضًا. وقد ذكَرْنا أحكامَ الصَّلاةِ بعرفةَ، وذكرنا ما أجمعُوا عليه منها، وما اختلفُوا فيه، والحمدُ لله. وأمّا الوُقُوفُ بعرفةَ، فأجمع العُلماءُ في كلِّ عصر وبِكلِّ مِصر - فيما علِمتُ - أنَّهُ فرضٌ لا ينُوبُ عنهُ شيءٌ، وأنَّهُ من فاتهُ الوُقُوفُ بعرفةَ في وقتِهِ الذي لا بُدَّ منهُ، فلا حجَّ لهُ، واختلفُوا في تعيينِ ذلك الوقتِ وحصرِهِ، بعد إجماعِهِم على أنَّ من وقفَ بعرفةَ قبل الزَّوالِ يوم عرفةَ، فهُو في حُكم من لم يقف (٢). فقال مالكٌ وأصحابُهُ: اللَّيلُ هُو المُفترضُ، والوُقُوفُ بعد الزَّوالِ حتّى يجمع بين اللَّيلِ والنَّهارِ سُنَّةٌ، دلَّ على ما أضفنا إليه من ذلك مذهبُهُ، وجوابُهُ في

стр. 3611

مسائلِهِ في ذلك. ذكر ابنُ وهبٍ وغيرُهُ عنهُ: أنَّ من دفعَ من عرفةَ قبلَ أن تغيبَ الشَّمسُ، ثُمَّ لم ينصرِفْ إليها في ليلةِ النَّحرِ فيقِفُ بها (١)، أنَّ حجَّهُ قد فاتهُ وعليه حجٌّ قابِل، والهديُ ينحرُهُ في حجٍّ قابِل، وهُو كمن فاتهُ الحجُّ (٢). وقال مالكٌ - فيما ذكرهُ أشهبُ بن عبدِ العزيزِ عنهُ - أنَّ من دفعَ بعد الغُرُوبِ وقبل الإمام، فلا شيء عليه. ولا نعلمُ أحدًا من فُقهاءِ الأمصارِ قال بقولِ مالكٍ: أنَّ من دفعَ قبل الغُرُوبِ فلا حجَّ لهُ، وهُو قد وقف بعد الزَّوالِ وبعدَ (٣) الصَّلاةِ، ولا روينا عن أحدٍ من السَّلفِ، واللهُ أعلمُ. وقال سائرُ العُلماءِ: كلُّ من وقفَ بعرفةَ بعد الزَّوالِ، أو في ليلةِ النَّحرِ، فقد أدركَ الحجَّ، فإن دفعَ (٤) قبل غُرُوبِ الشَّمسِ من عرفةَ، فعليه دمٌ عِندهُم، وحجُّهُ تامٌّ (٥). قال الكُوفيُّون: فإن رجع بعد غُرُوبِ الشَّمسِ، لم يسقُط عنهُ ذلك الدَّمُ الذي كان قد وجب عليه، وهُو قولُ أبي ثورٍ. وقال الشّافِعيُّ، وهُو قولُ مالكٍ: إن عادَ إلى عرفَةَ حتّى يدفع بعد المغيبِ، فلا شيءَ عليه، وإن لم يرجِع حتّى يطلُعَ الفجر، أجزأت عنهُ حجَّتُهُ (٦) عندَ الشّافِعيِّ، وعليه دمٌ. وحُجَّةُ من قال بقولِ الشّافِعيِّ، في أنَّ اللَّيل والنَّهار بعد الزَّوالِ في الوُقُوفِ بعرفةَ سواءٌ، إلّا ما ذكرنا من الدَّم، حديثُ عُروة بن مُضَرِّسٍ، الذي قدَّمنا ذِكرهُ، في

стр. 3612

بابِ حديثِ الصَّلاةِ بالمُزدلِفةِ، قولُهُ ﷺ : "وقد أتَى عرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا" (١)، وقد ذكرنا هُناكَ من قولِ إسماعيل ما فيه بيانٌ لما ذهب إليه مالكٌ. وقال أبو الفرج وغيرُهُ من أصحابِنا: الدَّليلُ على أنَّ الوُقُوف ليلًا، هُو الفرضُ دُون النَّهارِ: حُكمُ الجميع لمن أدركَ بعضَ اللَّيلِ بتمام الحجِّ، وأنَّ إدراكَ أوَّله، كإدراكِ آخِرِهِ، وهذا يدُلُّ على أَنَّهُ كلَّهُ وقت للوُقُوفِ. ثُمَّ اتَّفقُوا أَنَّهُ لا حجَّ لمن دفعَ من عرفَةَ قبل الزَّوالِ، وقبل الظُّهرِ والعمرِ، فوجَبَ أن يُسوَّى كما يُسوَّى بين حُكم سائرِ اللَّيلِ، لأنَّهُ ما انتفى في بعضِ الجِنسِ، فهُو مُنتفٍ في سائرِهِ، وذكرُوا كلامًا كثيرًا، لم أر لذِكرِهِ وجهًا، وما قدَّمنا من قولِ إسماعيل وأبي الفرج في البابِ قبل هذا، هُو المُعتمدُ عليه في المذهبِ، واللهُ أعلمُ. وأجمعُوا أنَّ الوُقُوف ببطنِ عُرَنةَ (٢) - مِن عَرَفة - لا يجوزُ، لقولِ رسولِ الله ﷺ : "وارتَفِعوا عن بَطْن عُرَنة (٣) ". واختلفُوا فيمن وقف بها، ولم يقِف من عرفة بغيرِها، فقال مالكٌ: يُهريقُ دمًا، وحجُّهُ تامٌّ (٤). وقال الشّافِعيُّ: لا يُجزئهُ، وحجُّهُ فائتٌ. وبه قال أبو المُصْعَب المدنيُّ (٥)، قال: عليه حجٌّ قابِل والهديُ، كمن فاتهُ الحجُّ (٦).

стр. 3613

حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيب، قال (١): أخبرنا محمدُ بن عبدِ الله بن يزيد المُقرِئُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، [عن الثَّوريِّ] (٢) عن بُكيرِ بن عطاءٍ اللَّيثيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يَعْمُر الدِّيليِّ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "الحجُّ عَرَفاتٌ" ثلاثًا (٣) "فمن أدركَ عَرَفةَ قبل أن يَطْلُع الفجرُ، فقَدْ أدركَ، وأيّامُ مِنًى ثلاثةٌ، فمن تَعجَّلَ في يومينِ، فلا إثْمَ عليه، ومن تأخَّرَ فلا إثْمَ عليه". قال أبو عُمر: ذكر أهلُ السِّيرِ والمعرِفةِ بأيّام النّاسِ، منهُمُ الزُّبيرُ وغيرُهُ: أنَّ ابن عُمر ماتَ بعقِبِ هذه الحجَّةِ بمكَّة، وأنَّ ابن عُمر كان لهُ موقِفٌ معرُوفٌ بعرفةَ، كان قد وقفَ فيه مع رسُولِ الله ﷺ ، أو رأى رسُولَ الله ﷺ قد وقفَ به عام حجَّةِ الوداع، فكان ابنُ عُمر يَتَبرَّكُ بالموقِفِ فيه، وكان لا يدعُ الحجَّ كلَّ عام مُنذُ قُتلِ عُثمان، إلى أن مات بعد ابن الزُّبيرِ، وكان يلزمُ ذلك الموقِفَ. فانطلقَ مع

стр. 3614

الحجّاج بن يُوسُف يومئذٍ، حتّى وقف في موقِفِهِ الذي كان يقِفُ فيه، وكان ذلك الموقِفُ بين يدي الحجّاج، فأمر من نخَسَ بابنِ عُمر، حتّى نفرت به (١) ناقتُهُ، فسكَّنها ابنُ عُمر، ثُمَّ ردَّها إلى ذلك الموقِفِ، فأمر الحجّاجُ أيضًا بناقتِهِ فنُخِست فنَفَرَتْ (٢)، فسكَّنها ابنُ عُمر حتّى سكنت، ثُمَّ ردَّها إلى ذلك الموقِفِ، فثَقُل على الحجّاج أمرُهُ، فأمرَ رجُلًا معهُ حربةٌ يُقالُ: إنَّها كانت مسمُومةً، فلّما دفع النّاسُ من عرفَةَ، لَصِقَ به ذلك الرَّجُلُ، وأمَرَّ الحَرْبةَ على قدمِهِ، ونَخَسهُ بها، فمرِضَ منها أيّامًا، ثُمَّ مات بمكَّةَ، وصلَّى عليه الحجّاجُ يومئذ. وقد ذكرنا خبرَهُ بأكثرَ من هذا في كِتابِ الصَّحابة (٣). قال أبو عُمر: قولُهُ ﷺ : "الحجُّ عرفاتٌ" معناهُ عندَ أهلِ العِلم: أنَّ شُهُود عرفةَ، به ينعقِدُ الحجُّ، وهُو الرُّكنُ الذي عليه مدارُ الحجِّ، ألا ترى أنَّ من وطِئ بعد الوُقُوفِ بعرفةَ، أَنَّهُ يجبُرُ فِعلهُ ذلك بالدَّم، ومن أصابَ أهلهُ قبل وُقُوفِهِ بعرفةَ فسدَ حجُّهُ عندَ الجميع، وعلى هذا إجماعُ العُلماءِ، وهُو قولُ فُقهاءِ الأمصارِ، إلّا ما ذكرنا عن مالكٍ، فيمن وطِئ يوم النَّحرِ قبل جَمْرةِ العَقَبةِ، على اختِلافٍ عنهُ، على حسبِ ما أوردناهُ، في بابِ ابن شِهاب، عن عيسى بن طَلْحةَ من هذا الكِتابِ، وقد ذكرنا في هذا البابِ، في الوُقُوفِ بعرفةَ ما فيه شِفاءٌ إن شاء اللهُ. وقد ذكرنا مسألة من أُغمي عليه بعرفةَ قبل الوُقُوفِ بها، حتّى انصدعَ الفجرُ، في بابِ مُوسى بن عُقبة من هذا الكِتابِ. وأمّا الصَّلاةُ بعرفةَ، فلا أعلمُ خِلافًا بين عُلماءِ المُسلِمين، أنَّ من لم يشهدها مع الإمام، وأدركَ الوُقُوف على حسَبِ ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ، أنَّ حجَّهُ تامٌّ، ولا

стр. 3615

شيء عليه، وأنَّ الوُقُوف بعرفَةَ في الوقتِ المذكُورِ على حسَبِ ما ذكرنا، هُو المُفترضُ، وجمعُ الصَّلاتينِ بها سُنَّةٌ مع الإمام. وقد جاء في ذلك حديثٌ خالفهُ الإجماعُ، ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: قلتُ للثَّوريِّ: إنَّ ابن عُيَينةَ حدَّثني، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابة، عن سُويدِ بن غَفَلةَ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: من فاتتهُ الصَّلاةُ مع الإمام يوم عرفَةَ، فلا حجَّ لهُ. فقال لي: إنَّها قد جاءت أحاديثُ لا يُؤخذُ بها، وقد تُرِكت، هذا منها، وما يضُرُّهُ أن لا يشهدَها مع الإمام بعرفَةَ؟ قال الكَشْوَريُّ: قلتُ لابنِ أبي عُمر: أتعرِفُ هذا الحديث لابنِ عُيينة؟ قال: لا أعرِفُهُ. قال: وأمّا قولُ القَعْنبيِّ وأشهب، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: وعجِّلِ الوُقُوف، فإنَّ السُّنَّة التي لا اختِلافَ فيها: أنَّ الإمام إذا فرغ من الصَّلاتينِ، ركِبَ مُعجِّلًا، وراح إلى الموقِفِ، وكذلك يصنعُ كلُّ من معهُ ما يُركبُ؛ لأنَّ الوُقُوف بعرفَةَ راكِبًا أفضلُ إن شاء اللهُ لمن قدرَ عليه، وقف رسُولُ الله ﷺ راكِبًا، ومن وقف راجِلًا فلا شيءَ عليه (١).

стр. 3616

حديثٌ سادِسٌ لابنِ شِهاب، عن سالم مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، أنَّ عبد الله بن محمدِ بن أبي بكرٍ الصَّدِّيقِ أخبَرَ (٢) عبدَ الله بن عُمر، عن عائشةَ، أنَّ رَسُول الله ﷺ قال: "ألم تري إلى قومِكِ حين بنوُا الكعبة اقتصرُوا عن قَواعِدِ إبراهيم؟ " قالت: فقلتُ: يا رَسُولَ الله، أفلا ترُدُّها على قَواعِدِ إبراهيم؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لولا حِدْثانُ قومِكِ بالكُفرِ لفعلتُ". فقال ابنُ عُمر: لَئنْ كانت عائشةُ سمِعَت هذا من رسُولِ الله ﷺ ، ما أرَىَ رسُولَ الله ﷺ تركَ استِلامَ الرُّكنينِ اللَّذينِ يَلِيانِ الحِجْرَ، إلّا أنَّ البيتَ لم يُتَمَّمْ على قواعِدِ إبراهيمَ. في هذا الحديثِ من العِلم: أنَّ قُريشًا بَنتِ الكعبةَ ولم تُتِمَّها على قواعِدِ إبراهيم. وقولُهُ ﷺ لعائشة: "ألم تَرَي إلى قومِكِ؟ "، و"لولا حِدثانُ قومِكِ بالكُفر"، إنَّما عَنَى بذلك قُريشًا، لبُنيانِهِمُ الكعبة، قال اللهُ لنبيِّهِ ﷺ : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. قال المُفسِّرُون: يعني قُريشًا. والقواعِدُ أساسُ البيتِ، قال اللهُ : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، قال أهلُ اللُّغةِ: الواحِدةُ منها قاعِدةٌ. قالوا: والواحِدُ من النَّساءِ: قاعِدٌ.

стр. 3617

وفيه: حديثُ الرَّجُلِ مع أهلِهِ في بابِ العِلم وغيرِهِ من أيّام النّاسِ. وفيه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَسْتلِم الرُّكنينِ اللَّذينِ يَليانِ الحِجْرَ. قال الشّافِعيُّ: وذلك فيما نَرَى، واللهُ أعلمُ، لأنَّهُما كسائرِ البيتِ الذي لا يُستلمُ، ولأنَّهُما ليسا برُكنينِ على حَقِيقة، لمّا لم يكونا تامَّينِ على قواعِدِ إبراهيم. وسنذكُرُ ما للعُلماءِ في ذلك من الأقاويلِ، بعد ذِكرِ جُملةٍ كافيةٍ من خبرِ بُنيانِ الكعبةِ، يشفي النّاظِر في هذا البابِ إن شاء اللهُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّ؛، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، قال: حدَّثنا الأشْعَثُ، عن الأسودِ بن يزيدَ، عن عائشةَ، قالت: سُئل رسُولُ الله ﷺ ، عن الجَدْرِ: أمِنَ البيتِ هُو؟ قال: "نعم"، قلتُ: فلِمَ لم يُدخِلُوهُ في البيتِ؟ قال: "إنَّ قَوْمكِ قصَّرَتْ بهِمُ النَّفقةُ"، قلتُ: فما شأنُ بابِهِ مُرتفِعًا؟ قال: "فعلَ ذلك قومُكِ، ليُدخِلُوا من شاؤوا، ويَمْنعُوا من شاؤوا، ولولا أنَّ قَوْمكِ حَدِيثُ (١) عَهْدٍ بجاهِليَّةٍ، فأخافُ أن تُنكِر قُلُوبُهُم، لنَظَرتُ أن أُدخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأُلصِق بابهُ بالأرضِ" (٢). قال أبو عُمر: الجَدْرُ لُغةٌ في الجِدارِ، والجَدْرُ أيضًا والجَدِيرُ، مكانٌ بُني حولهُ جِدارٌ. قالهُ الخليلُ (٣).

стр. 3618

أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بن المُنذِرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُليح، عن مُوسى بن عُقبةَ، عن ابن شِهاب، قال: كان بين الفِجارِ (٢) وبُنيانِ الكعبةِ خمسَ عشْرةَ سنةً. قال ابنُ شِهاب: وكان بين الفيلِ والفِجارِ أربعُون سنةً. قال ابنُ شِهاب: ثُمَّ إنَّ الله بعثَ محمدًا ﷺ على رأسِ خمسَ عشرةَ من بُنْيانِ الكعبةِ، فكانَ بين مَبْعثِهِ وبينَ الفيلِ سبعُونَ سنَةً. قال إبراهيمُ بن المُنذِرِ: قولُ ابن شِهابٍ هذا وهمٌ لا يشُكُّ فيه أحدٌ من عُلمائنا، وذلك أنَّ رسُولَ الله ﷺ وُلِدَ عامَ الفيلِ، لا يختلِفُون في ذلك، ونُبِّئَ على رأسِ أربعينَ سنَةً من الفيلِ ﷺ (٣). أخبرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داوُد، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن مَسْلمة، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني ابنُ لَهيعةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: إنَّ الله بعثَ محمدًا ﷺ على رأسِ خمسَ عشرةَ سنَةً من بُنيانِ الكعبةِ، وكان بينَ غَزْوةِ أصحابِ الفيلِ وبين الفِجارِ أربعُون سنةً. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٥): حدَّثنا إبراهيمُ بن المُنذِرِ، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بن أبي ثابِتٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن عُثمانَ بن أبي سُليمانَ النَّوْفَليُّ، عن أبيهِ، عن

стр. 3619

محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، قال: بُني البَيْتُ على خَمْسٍ وعِشرين سنةً من الفيل (١). كذا قال، وخالفهُ غيرُهُ فقال: خمسًا وثلاثين؛ كذلك قال ابنُ إسحاق (٢). وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن ابن جُريج، عن مُجاهِدٍ، قال: كان - يعني البيتَ - عَرِيشًا تَقْتحِمُهُ العَنْزُ (٤)، حتّى إذا كان قبل مَبْعثِ النَّبيِّ ﷺ بخمسَ عشْرةَ سنةً، بَنَتهُ قريشٌ. قال أبو عُمر: الآثارُ في بُنيانِ الكعبةِ وابتِداءِ أمرِها كثيرةٌ يطُولُ ذِكرُها، وأنا أذكُرُ منها ما يَكْتفي به النّاظِرُ في كتابِنا هذا بحولِ الله وعونِهِ، إن شاء اللهُ تعالى. ذكرَ سُنيدٌ، قال: حدَّثنا أبو سُفيان، عن مَعْمر، عن قتادة. وذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٥) أيضًا، عن مَعْمر، عن قَتادةَ في قولِهِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] قال: أوَّلُ بيتٍ وضعهُ اللهُ في الأرضِ، فطافَ به آدمُ فمن بعدهُ. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٦)، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ وابنِ المُسيِّبِ وغيرِهِما: أنَّ الله أوحى إلى آدمَ إذ أُهبِطَ إلى الأرضِ: ابْنِ لي بيتًا، ثُمَّ احْفُف به كما رأيتَ الملائكةَ تَحُفُّ ببيتي الذي في السَّماءِ. قال عطاءٌ: فزعَمَ النّاسُ أَنَّهُ بناهُ

стр. 3620

من خَمْسةِ أجبُل: من حِراءٍ، ومن طُورِ سَيْناء، ومن لُبنان، ومن الجُوديِّ (١) ومن طُورِ زيتا (٢)، وكان رُبْضهُ من حِراءٍ، فكان هذا بناءَ آدم صلواتُ الله عليه، ثُمَّ بناهُ إبراهيمُ ﵇. قال ابنُ جُريج: وقال ناسٌ: أرسل اللهُ إليه سحابةً فيها رأسٌ، فقال الرَّأسُ: يا إبراهيمُ، إنَّ ربَّك يأمُرُك أن تأخُذَ بقَدْرِ هذه السَّحابةِ. فجعل ينظُرُ إليها، ويخُطُّ قَدْرها، ثُمَّ قال الرَّأسُ: أقَدْ فعلتَ؟ قال: نعم. فارْتَفعت، فحفَرَ فأبرَزَ عن أساس ثابِتٍ في الأرضِ. وقال مَعْمرٌ: عن أيُّوبَ السَّختيانيِّ: بُنيتِ الكعبةُ من خمسةِ أجبُل: لُبْنان وطُورِ زيتا، وطُورِ سيناء، وحِراءٍ، ومن الجُوديِّ، وكان رُبْضهُ من حِراءٍ. قال أبو عُمر: الرُّبضُ هاهُنا: الأساسُ المُستديرُ بالبيتِ من الصَّخرِ، ومنهُ يُقالُ لما حول المدينةِ: رَبَضٌ، هذا معنى ما ذكرهُ الخليلُ (٣). وقالت طائفةٌ من أهلِ العِلم بالسِّيرِ والخبرِ، منهُم: وهبُ بن مُنبِّهٍ، وغيرُهُ: إنَّ شِيثَ بن آدمَ هُو الذي بني الكعبة. وزعم عبدُ المُنعِم بن إدريسَ، عن أبيهِ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ، قال: وكان شيثٌ وصيَّ أبيهِ آدمَ، وهُو الذي ولدَ البَشَرَ كلَّهُم، وهُو الذي بني الكعبَةَ بالطِّينِ والحِجارةِ، وكانت هُناك خيمةٌ لآدمَ ﵇، وضعها اللهُ لهُ من الجنَّة (٤).

стр. 3621

أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بمكَّةَ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن بشرِ بن عاصِم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: سمِعتُ عليَّ بن أبي طالِبٍ يقولُ: إنَّ إبراهيمَ خليلَ الله أقبلَ من إرمينيةَ ومعهُ السَّكينةُ تدُلُّهُ على موضِع البيتِ، فجاءت حتّى تبوَّأتِ البيتَ، كما تبوَّأ العنكبُوتُ. قال: فرفَعَ إبراهيمُ عن أحجارٍ يُطيقُها ثلاثُون رجُلًا، أو قال: لا يُطيقُها ثلاثُون رجُلًا. قال بشرُ بن عاصِمٍ: فقلتُ لسعيدِ بن المُسيِّبِ: فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: إنَّما كان هذا بعدُ (١). قال (٢): وحدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن مِسْعَر، عن سَلَمةَ، عن أبي الأحْوَصِ، قال: قال علي ﵁: السَّكينةُ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ، ثُمَّ هي بعدُ ريحٌ هفّافةٌ (٣). قال أبو عُمر: كان عليٌّ ﵁ يذهبُ، واللهُ أعلمُ، إلى أنَّ آدمَ لم يَبْنِ الكعبةَ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال (٤): حدَّثنا يحيى بن أيُّوب، قال: حدَّثنا عبّادُ بن عبّادٍ، قال:

стр. 3622

حدَّثني شُعبةُ بن الحجّاج، عن سِماكِ بن حرب، عن خالدِ بن عَرْعَرة، قال: خرجَ علينا عليٌّ، فقامَ إليه ابنُ الكوّاءِ فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] أهو أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ؛ قال: فأينَ كان قومُ نُوح وعادٍ؟ ولكِنَّهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ مُباركًا ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. قال: وحدَّثنا مُوسَى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن سِماكِ بن حرب، عن خالدِ بن عَرْعرة، عن عليٍّ مِثلَهُ، قال: إنَّهُ ليسَ أوَّلَ بيت، كان نُوحٌ قبلهُ، فكانَ في البُيُوتِ، وكان إبراهيمُ قبلهُ، فكان في البُيُوتِ، ولكِنّهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (١). قال أبو عُمر: يَحْتجُّ من ذهبَ إلى هذا، بحديثِ أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِع في الأرضِ أوَّلًا؟ قال: "المسجِدُ الحرامُ"، قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: "المسجِدُ الأقصى"، قلتُ: كم بينهُما؟ قال: "أربعُون سنَةً". ففي هذا الحديثِ: أَنَّهُ ليس بين المسجِدِ الحَرام والمسجِدِ الأقْصَى إلّا أربعُون سنةً. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٢): حدَّثنا سُريجُ بن النُّعمانِ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيهِ، عن أبي ذرٍّ (٣).
следующие страницы →