← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3618–3657 · переход к 3623.

стр. 3618

أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بن المُنذِرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُليح، عن مُوسى بن عُقبةَ، عن ابن شِهاب، قال: كان بين الفِجارِ (٢) وبُنيانِ الكعبةِ خمسَ عشْرةَ سنةً. قال ابنُ شِهاب: وكان بين الفيلِ والفِجارِ أربعُون سنةً. قال ابنُ شِهاب: ثُمَّ إنَّ الله بعثَ محمدًا ﷺ على رأسِ خمسَ عشرةَ من بُنْيانِ الكعبةِ، فكانَ بين مَبْعثِهِ وبينَ الفيلِ سبعُونَ سنَةً. قال إبراهيمُ بن المُنذِرِ: قولُ ابن شِهابٍ هذا وهمٌ لا يشُكُّ فيه أحدٌ من عُلمائنا، وذلك أنَّ رسُولَ الله ﷺ وُلِدَ عامَ الفيلِ، لا يختلِفُون في ذلك، ونُبِّئَ على رأسِ أربعينَ سنَةً من الفيلِ ﷺ (٣). أخبرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داوُد، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن مَسْلمة، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني ابنُ لَهيعةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: إنَّ الله بعثَ محمدًا ﷺ على رأسِ خمسَ عشرةَ سنَةً من بُنيانِ الكعبةِ، وكان بينَ غَزْوةِ أصحابِ الفيلِ وبين الفِجارِ أربعُون سنةً. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٥): حدَّثنا إبراهيمُ بن المُنذِرِ، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بن أبي ثابِتٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن عُثمانَ بن أبي سُليمانَ النَّوْفَليُّ، عن أبيهِ، عن

стр. 3619

محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، قال: بُني البَيْتُ على خَمْسٍ وعِشرين سنةً من الفيل (١). كذا قال، وخالفهُ غيرُهُ فقال: خمسًا وثلاثين؛ كذلك قال ابنُ إسحاق (٢). وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن ابن جُريج، عن مُجاهِدٍ، قال: كان - يعني البيتَ - عَرِيشًا تَقْتحِمُهُ العَنْزُ (٤)، حتّى إذا كان قبل مَبْعثِ النَّبيِّ ﷺ بخمسَ عشْرةَ سنةً، بَنَتهُ قريشٌ. قال أبو عُمر: الآثارُ في بُنيانِ الكعبةِ وابتِداءِ أمرِها كثيرةٌ يطُولُ ذِكرُها، وأنا أذكُرُ منها ما يَكْتفي به النّاظِرُ في كتابِنا هذا بحولِ الله وعونِهِ، إن شاء اللهُ تعالى. ذكرَ سُنيدٌ، قال: حدَّثنا أبو سُفيان، عن مَعْمر، عن قتادة. وذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٥) أيضًا، عن مَعْمر، عن قَتادةَ في قولِهِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] قال: أوَّلُ بيتٍ وضعهُ اللهُ في الأرضِ، فطافَ به آدمُ فمن بعدهُ. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٦)، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ وابنِ المُسيِّبِ وغيرِهِما: أنَّ الله أوحى إلى آدمَ إذ أُهبِطَ إلى الأرضِ: ابْنِ لي بيتًا، ثُمَّ احْفُف به كما رأيتَ الملائكةَ تَحُفُّ ببيتي الذي في السَّماءِ. قال عطاءٌ: فزعَمَ النّاسُ أَنَّهُ بناهُ

стр. 3620

من خَمْسةِ أجبُل: من حِراءٍ، ومن طُورِ سَيْناء، ومن لُبنان، ومن الجُوديِّ (١) ومن طُورِ زيتا (٢)، وكان رُبْضهُ من حِراءٍ، فكان هذا بناءَ آدم صلواتُ الله عليه، ثُمَّ بناهُ إبراهيمُ ﵇. قال ابنُ جُريج: وقال ناسٌ: أرسل اللهُ إليه سحابةً فيها رأسٌ، فقال الرَّأسُ: يا إبراهيمُ، إنَّ ربَّك يأمُرُك أن تأخُذَ بقَدْرِ هذه السَّحابةِ. فجعل ينظُرُ إليها، ويخُطُّ قَدْرها، ثُمَّ قال الرَّأسُ: أقَدْ فعلتَ؟ قال: نعم. فارْتَفعت، فحفَرَ فأبرَزَ عن أساس ثابِتٍ في الأرضِ. وقال مَعْمرٌ: عن أيُّوبَ السَّختيانيِّ: بُنيتِ الكعبةُ من خمسةِ أجبُل: لُبْنان وطُورِ زيتا، وطُورِ سيناء، وحِراءٍ، ومن الجُوديِّ، وكان رُبْضهُ من حِراءٍ. قال أبو عُمر: الرُّبضُ هاهُنا: الأساسُ المُستديرُ بالبيتِ من الصَّخرِ، ومنهُ يُقالُ لما حول المدينةِ: رَبَضٌ، هذا معنى ما ذكرهُ الخليلُ (٣). وقالت طائفةٌ من أهلِ العِلم بالسِّيرِ والخبرِ، منهُم: وهبُ بن مُنبِّهٍ، وغيرُهُ: إنَّ شِيثَ بن آدمَ هُو الذي بني الكعبة. وزعم عبدُ المُنعِم بن إدريسَ، عن أبيهِ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ، قال: وكان شيثٌ وصيَّ أبيهِ آدمَ، وهُو الذي ولدَ البَشَرَ كلَّهُم، وهُو الذي بني الكعبَةَ بالطِّينِ والحِجارةِ، وكانت هُناك خيمةٌ لآدمَ ﵇، وضعها اللهُ لهُ من الجنَّة (٤).

стр. 3621

أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بمكَّةَ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن بشرِ بن عاصِم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: سمِعتُ عليَّ بن أبي طالِبٍ يقولُ: إنَّ إبراهيمَ خليلَ الله أقبلَ من إرمينيةَ ومعهُ السَّكينةُ تدُلُّهُ على موضِع البيتِ، فجاءت حتّى تبوَّأتِ البيتَ، كما تبوَّأ العنكبُوتُ. قال: فرفَعَ إبراهيمُ عن أحجارٍ يُطيقُها ثلاثُون رجُلًا، أو قال: لا يُطيقُها ثلاثُون رجُلًا. قال بشرُ بن عاصِمٍ: فقلتُ لسعيدِ بن المُسيِّبِ: فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: إنَّما كان هذا بعدُ (١). قال (٢): وحدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن مِسْعَر، عن سَلَمةَ، عن أبي الأحْوَصِ، قال: قال علي ﵁: السَّكينةُ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ، ثُمَّ هي بعدُ ريحٌ هفّافةٌ (٣). قال أبو عُمر: كان عليٌّ ﵁ يذهبُ، واللهُ أعلمُ، إلى أنَّ آدمَ لم يَبْنِ الكعبةَ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال (٤): حدَّثنا يحيى بن أيُّوب، قال: حدَّثنا عبّادُ بن عبّادٍ، قال:

стр. 3622

حدَّثني شُعبةُ بن الحجّاج، عن سِماكِ بن حرب، عن خالدِ بن عَرْعَرة، قال: خرجَ علينا عليٌّ، فقامَ إليه ابنُ الكوّاءِ فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] أهو أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ؛ قال: فأينَ كان قومُ نُوح وعادٍ؟ ولكِنَّهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ مُباركًا ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. قال: وحدَّثنا مُوسَى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن سِماكِ بن حرب، عن خالدِ بن عَرْعرة، عن عليٍّ مِثلَهُ، قال: إنَّهُ ليسَ أوَّلَ بيت، كان نُوحٌ قبلهُ، فكانَ في البُيُوتِ، وكان إبراهيمُ قبلهُ، فكان في البُيُوتِ، ولكِنّهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (١). قال أبو عُمر: يَحْتجُّ من ذهبَ إلى هذا، بحديثِ أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِع في الأرضِ أوَّلًا؟ قال: "المسجِدُ الحرامُ"، قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: "المسجِدُ الأقصى"، قلتُ: كم بينهُما؟ قال: "أربعُون سنَةً". ففي هذا الحديثِ: أَنَّهُ ليس بين المسجِدِ الحَرام والمسجِدِ الأقْصَى إلّا أربعُون سنةً. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٢): حدَّثنا سُريجُ بن النُّعمانِ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيهِ، عن أبي ذرٍّ (٣).

стр. 3623

ورُوي عن ابن عبّاسٍ وابنِ مسعُودٍ ما يُخالِفُ قولَ عليٍّ هذا، ويُوافِقُ قولَهُ الأوَّل؛ وذلك أنَّهُما قالا: إنَّ اللهَ أمرَ إبراهيمَ ﵇ أن يَبْنيَ هُو وإسماعيلُ البيتَ، فقاما ﵉ وأخذا المَعاوِلَ، لا يَدْريانِ أين البيتُ، فبعثَ الله ريحًا يُقالُ لهُ: الخَجُوجُ (١) لها جناحانِ ورأسٌ، في صُور حيَّة، فكَشَفت لإبراهيمَ وإسماعيلَ ما حَوْلَ الكَعْبةِ من (٢) أساسِ البيتِ الأوَّل (٣). وهذا يُوافِقُ ما رواهُ سعيدُ بن المُسيِّب عن عليّ، وهُو أوْلى، واللهُ أعلمُ. وأمّا بُنيانُ قُريشٍ البيتَ: فذكرَ عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن مَعْمر، عن عبدِ الله بن عُثمان بن خُثيم، عن أبي الطُّفيل، قال: كانتِ الكَعْبةُ في الجاهِليَّةِ مَبْنيَّةً بالرَّضْم (٥) ليس فيها مَدَرٌ، وكانت قدرَ ما تَقْتحِمُها العَناقُ (٦)، وكانت ثيابُها تُوضعُ عليها، تُسدَلُ سَدْلًا عليها، وكان الرُّكنُ الأسودُ موضُوعًا على سُورِها باديًا، وكانت ذاتَ رُكنينِ، هيئةَ هذه الحَلْقة (٧)، فأقبَلَت سَفِينة من الرُّوم، حتّى إذا كانوا قريبًا من جُدَّةَ، انْكَسرتِ السَّفينةُ، فخَرَجت قُريشٌ ليأخُذُوا خَشَبَها، فوجَدُوا رُوميًّا عِنْدها، فأخذُوا الخشَبَ، فأعطاهُم إيّاها، وكانتِ السَّفينةُ تُريدُ الحَبَشة. وكان الرُّوميُّ الذي في السَّفينةِ نجّارًا، فقدِمُوا بالخَشَب، وقدِمُوا بالرُّوميِّ،

стр. 3624

وقالت قُريشٌ: نَبْني بهذا الخَشَبِ بيتَ ربِّنا، فلمّا أرادُوا هَدْمَهُ، إذا هُم بحيَّةٍ على سُورِ البيتِ مِثلَ قِطعةِ الجائزِ (١) سوداءِ الظَّهرِ، بيضاءِ البطنِ، فجَعَلَتْ كلَّما أتَى أحدٌ إلى البيتِ ليَهْدِمَهُ، أو يأخُذَ من أحْجارِهِ، سَعَت إليه فاتِحةً فاها، فاجتَمَعت قُريش عندَ المقام، فعَجُّوا إلى الله، فقالوا: ربَّنا لم تَرَعْ، أرَدْنا تَشْريفَ بيتِكَ وتزيينَه، فإن كُنتَ ترضى بذلكَ، وإلّا فما بَدا لك فافْعَل. فسَمِعُوا خَواتًا (٢) في السَّماءِ، فإذا هُمْ بطائرٍ أعظمَ من النَّسرِ، أسودِ الظَّهرِ أبيض البطنِ والرِّجلينِ، فغرَزَ مخالِبهُ في قفا الحيَّةِ، ثُمَّ انطلقَ بها تجُرُّ ذَنَبها، أعظمَ من كذا وكذا، حتّى انطلقَ بها نحوَ أجْياد، فهَدَمتها قُريشٌ، وجعلُوا يبنُونها بحِجارةِ الوادي، تحمِلُها قُريشٌ على رِقابِها، فرَفُعُوها في السَّماءِ عِشرين ذِراعًا، فبينا النَّبيُّ ﷺ يحمِلُ حِجارةً من أجيادٍ وعليه نَمِرةٌ (٣) فضاقَتْ عليه النَّمِرةُ، فذهب يَضَعُ النَّمِرةَ على عاتِقِهِ، فبَدَت (٤) عورتُهُ من صِغَرِ النَّمِرةِ، فنُودي: يا محمدُ، خمِّرْ عَوْرتَكَ، فلم يُر عُرْيانًا بعد ذلك. وكان بين بُنيانِ الكعبةِ وبينَ ما أنزلَ اللهُ عليه: خمسُ سِنينَ، وبين مُخْرَجِهِ وبُنْيانِها: خمسَ عشْرةَ سنةً. فلمّا كان جيشُ الحُصينِ بن نُميرٍ، فذَكَر حريقَها في زمنِ ابن الزُّبيرِ، فقال ابنُ الزُّبيرِ: إنَّ عائشةَ أخبرتني، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لولا حَداثةُ قومِكِ بالكُفر، لهدمتُ الكعبةَ، فإنَّهُم تَرَكُوا منها

стр. 3625

سَبْعةَ أذْرُع في الحِجرِ، ضاقت بهِمُ النَّفقةُ والخَشَبُ". قال ابنُ خُثَيم: فأخبرني ابنُ أبي مُليكة، عن عائشةَ: أنَّها سَمِعت ذلك من رسُولِ الله ﷺ . قال: وقال النَّبيُّ ﷺ : "ولجَعَلتُ لها بابينِ، شَرْقيًّا وغربيًّا، يدخُلُون من هذا، ويخرُجُون من هذا". ففعل ذلك ابنُ الزُّبير (١). وكانت قُريشٌ قد جعلت لها دَرَجًا يَرْقَى الذي يأتيها عليها، فجعلها ابنُ الزُّبيرِ لاصِقةً بالأرض. قال ابنُ خُثيم: وأخبرني ابنُ سابِطٍ، أنَّ زيدًا (٢) أخبرهُ، أَنَّهُ لمّا بناها ابنُ الزُّبيرِ، كَشفُوا عن القواعِدِ، فإذِ الحَجَرُ مِثلُ الخَلِفَة (٣)، فرأى الحِجارةَ مُشْتبِكةً بعضُها ببعض، إذا حُرِّكت بالعَتَلة (٤)، تَحرَّكَ الذي من النّاحيةِ الأُخرى. قال ابنُ سابِطٍ: فأرانيهُ زيدٌ ليلًا (٥) بعد العِشاءِ في ليلةٍ مُقمِرة، فرأيتُها أمثالَ الخِلَفِ مُشْتبِكًا أطرافُ بعضِها ببعض (٦). قال مَعْمرٌ (٧): وأخبرنا الزُّهْريُّ، قال: لمّا بلغَ رسُولُ الله ﷺ الحُلُمَ، أجمرتِ امرأةٌ الكعبةَ، فطارت شَرارةٌ من مِجْمرِها في ثيابِ الكَعْبةِ فاحْتَرقت، فتَشاورت قُريشٌ في هَدْمِها، وهابُوا هَدْمَها، فقال لهُمُ الوليدُ بن المُغيرةِ:

стр. 3626

ما تُريدُون بهذا؟ الإصلاحَ تُريدُونَ أم الإفسادَ (١)؟ فقالوا: بل نُريدُ الإصلاح. قال: فإنَّ الله تعالى لا يُهلِكُ المُصْلِح. قالوا: فمنِ الذي يَعْلُوها؟ قال الوليدُ بن المُغيرةِ: أنا أعلُوها فأهدِمُها (٢). فارْتَقى الوليدُ بن المُغير على ظهرِ البيتِ ومَعهُ الفأسُ، فقال: اللَّهُمَّ إنّا لا نُريدُ إلّا الإصلاح. ثُمَّ هدمَ، فلمّا رأتهُ قُريشٌ قد هدمَ منها، ولم يأتِهِم ما خافُوا من العَذابِ هَدَمُوا معهُ، حتّى إذا بَنَوْها، فبلغُوا موضِعَ الرُّكنِ، اخْتَصمت قُريشٌ في الرُّكنِ، أيُّ القَبائلِ تلي رَفْعَهُ، حتّى كاد يشجُرُ بينهُم، فقالوا: تعالَوْا نُحكِّمْ أوَّلَ من يَطْلُعُ علينا من هذه السَّكَّةِ، فاصْطَلحُوا على ذلك، فاطَّلعَ عليهم رسُولُ الله ﷺ وهُو غُلامٌ، عليه وِشاحا نَمِرةً، فحكَّمُوهُ، فأمَرَ بالرُّكنِ فوُضِع في ثوب، ثُمَّ أمرَ سيِّدَ كلِّ قبيلة، فأعطاهُ ناحيةً من الثَّوبِ، ثُمَّ ارْتَقَى هُو، فرفعُوا إليه الرُّكن، فكان هُو يَضَعُهُ (٣). وذكر ابنُ جُريج (٤)، عن مُجاهِدٍ، معنى حديثِ أبي الطُّفيلِ المُتقدِّم ذِكرُهُ، ومعنى حديثِ الزُّهْريِّ هذا، وحديثُهُما أكملُ وأتمُّ. وفي هذا البابِ حديثٌ تفرَّد به إبراهيمُ بن طهمان، عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "لقد هَمَمتُ أن أهْدِمَ الكعبةَ

стр. 3627

وأبنيَها على قَواعِد إبراهيمَ، وأجعلَ لها بابينِ وأُسوِّيها بالأرضِ، فإنَّهُم إنَّما رَفَعُوها، ألّا يدخُلَها إلّا من أحبُّوا" (١). أخبرنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ أبو عبدِ الله المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عَمرو بن دينارٍ، أنَّهُ سمِع عُبيدَ بن عُميرٍ يقولُ: اسْمُ الذي بني الكعبة لقُريشٍ: باقُومُ (٢)، وكانَ رُوميًّا، وكان في سَفِينة، فحَمَتْها الرِّيحُ - يقولُ: حَبَستها - فخَرَجت إليها قُريشٌ فأخذُوا خَشَبَها، وقالوا لهُ: ابْنِها على بُنيانِ الكنائسِ. قال سُفيانُ: قال عَمرُو بن دينارٍ: لمّا أرادت قُريشٌ أن يبنُوا الكعبةَ، خَرَجت منها حيَّةٌ، فحالت بَيْنهُم وبينها، وكانت قُريشٌ تُشرِفُ على الجِدارِ. قال عَمرٌو: وسمِعتُ عُبيد بن عُميرٍ يقولُ: فجاء طائرٌ أبيضُ، فأخذ بأنْيابِها، فذهبَ بها نحو أجياد، فيما أحْسَبُ (٣). وذكر ابنُ إسحاق، قال (٤): قال الزُّبيرُ بن عبدِ المُطَّلِبِ، فيما كان من شأنِ الحيَّةِ التي كانت قُريشٌ تَهابُ بُنيان الكَعْبةِ لها: عجِبتُ لِما تصَوَّبتِ العقابُ ... إلى الثُّعبانِ وهي لها اضْطِرابُ وقد كانت يكونُ لها كشيشٌ (٥) ... وأحيانًا يكونُ لها وِثابُ

стр. 3628

إذا قُمنا إلى التّأسيسِ شدَّت ... تُهيِّبنا البِناءَ وقد تُهابُ فلمّا أن خَشِينا الرِّجزَ جاءت ... عُقاب تَتْلِئبُّ (١) لها انصِبابُ فضمَّتها إليها ثُمَّ خلَّت ... لنا البُنيان ليس لهُ حِجابُ فقُمنا حاشِدينَ إلى بِناءٍ ... لنا منهُ القواعِدُ والتُّرابُ غَداةَ نرفِّعُ التَّاسيسَ منهُ ... وليس على مُسوِّينا (٢) ثيابُ (٣) أعزَّ به المليكُ بني لُؤيٍّ ... فليسَ لأصلِهِ منهُم ذهابُ وقد حَشَدت هُناكَ بنُو عديٍّ ... ومُرَّةُ قد تَعمَّدَها (٤) كِلابُ فبوَّأَنا المَلِيكُ بذاك عِزًّا ... وعندَ الله يُلتمسُ الثَّوابُ قال ابنُ إسحاق (٥): فلمّا بلغَ رسُولُ الله ﷺ خمسًا وثلاثين سنةً، وذلك بعد الفِجار بخمسَ عشْرةَ سنةً، اجْتَمعت قُريشٌ لبُنيانِ الكَعْبةِ، وكانوا يهُمُّون بذلكَ ليسقُفُوها، وَيهابُون هَدْمها، وأنَّها [كانت] (٦) رَضْمًا فوقَ القامَةِ، فأرادُوا رفعَها وتَسْقيفَها. وذلكَ أنَّ نفرًا سَرَقُوا كَنْز الكعبةِ، وإنَّما كان يكونُ في بئرٍ في جَوْفِ الكَعْبةِ، وكان الذي وُجِد عِندهُ الكنزُ دُوَيكٌ، مولًى لبني مُلَيْح بن عَمْرو بن خُزاعة، فقَطَعتْ قُريشٌ يدهُ، وتزعُمُ قُريشٌ أنَّ الذين سَرَقُوهُ وضَعُوهُ عِند دُوَيك، وكان البَحْرُ قد رَمَى سَفِينةً إلى جُدَّة لرَجُل من تُجّارِ الرُّوم، فتَحطَّمت، فأخذُوا

стр. 3629

خَشَبَها وأعدُّوهُ لتَسْقيفِها، وكان بمكَّة رجُلٌ قِبْطيٌّ نجّارٌ، فتَهيَّأ لهُم في أنفُسِهِم بعضُ ما يُصلِحُها، وكانت حيَّةٌ تخرُجُ من بئرِ الكَعْبةِ التي كان يُطرحُ فيها ما يُهْدَى لها [فتَتَشرَّقُ] (١) كلَّ يوم على جِدارِ الكعبة، وكانت مِمّا يَهابُون، وذلك أنَّهُ كان لا يَدْنُو مِنها أحدٌ، إلّا احْزَألَّتْ (٢) وكشَّت وفَتَحت فاها، فكانوا يَهابُونها، فبينا هي يومًا تَشَرَّقُ (٣) على جِدارِ الكَعْبةِ كما كانت تَصْنعُ، بعثَ اللهُ إليها طائرًا فاخْتَطفها، فذهَبَ بها، فقالت قُريشٌ: إنّا لنَرْجُو أن يكون اللهُ قد رَضِيَ ما أرْدْنا (٤)، عندَنا عامِلٌ رفيقٌ، وعِندنا خَشَبٌ، وقد كفانا اللهُ الحيَّة. فلمّا أجمعُوا أمرَهُم في هَدْمِها وبُنيانِها، قام أبو وَهْب بن عَمرو بن عائذِ بن عِمران بن مخزُوم، فتناولَ من الكَعْبةِ حجرًا، فوثبَ من يَدِهِ، حتّى رجع إلى موضِعِهِ، فقال: يا مَعْشر قُريش، لا تُدخِلُوا في بُنيانِها من كَسْبِكُم إلّا طيِّبًا، لا يدخُلْ فيها مَهْرُ بغيٍّ، ولا بيعُ رِبًا، ولا مَظْلِمةُ أحدٍ من النّاسِ. والنّاسُ يَنْحلُون هذا الكلامَ الوليدَ بنَ المُغيرةِ بن عبدِ الله بن عُمر بن مخزُوم. قال ابنُ إسحاق (٥): وحدَّثني عبدُ الله بن أبي نَجيح، أنَّهُ حُدِّثَ عن عبدِ الله بن صَفْوان، أنَّهُ قال حِينَ نظرَ إلى ابنٍ لجَعْدةَ (٦) بن هُبَيرة بن أبي وهبٍ يطُوفُ بالبيتِ: جدُّ هذا - يعني أبا وهبٍ - هُو الذي أخذ حَجَرًا من الكعبةِ. فذكرَ الخبرَ سَواءً، إلى قولِهِ: مَظْلمةُ أحدٍ من النّاس.

стр. 3630

قال ابنُ إسحاق (١): ثُمَّ إنَّ قُريشًا تَجزَّأتِ الكَعْبةَ، فكان شِقُّ البابِ لبني عبدِ منافٍ وبني زُهْرةَ، وكان من (٢) الرُّكنِ الأسودِ والرُّكنِ اليمانيِّ لبني مخزُوم، وقبائلُ قُريشٍ انضمُّوا إليهِم، وكان ظهرُ الكعبةِ لبني جُمَح وبني سَهْم ابنَيْ عَمرو بن هُصَيصِ بن كعبِ بن لُؤيّ، وكان شقُّ الحِجْرِ لبني عبدِ الدّارِ بن قصيٍّ، ولبني أسَدِ بن عبدِ (٣) العُزَّى بن قُصيٍّ، ولبني عديِّ بن كعبِ بن لُؤيِّ، وهُو الحطيمُ. قال: ثُمَّ إنَّ النّاس هابُوا هَدْمها، وفرقُوا منهُ، فقال الوليدُ بن المُغيرةِ: أنا أبدؤُكُم (٤) في هَدْمِها. فأخذَ المِعْوَل، ثُمَّ قامَ عليها وهُو يقولُ: اللَّهُمَّ لم ترَعْ - قال ابنُ هشام: ويُقالُ: لم نزغ - اللَّهُمَّ إنّا لا نُريدُ إلّا الخير، ثُمَّ هَدمَ من ناحيةِ الرُّكن (٥)، فتربَّصَ النّاسُ تِلكَ اللَّيلة وقالوا: ننظُرُ، فإن أُصيبَ لم نَهْدِم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يُصبهُ شيءٌ، فقد رضي اللهُ ما صَنَعنا بهَدْمِها، فأصبح الوليدُ من لَيْلتِهِ غاديًا على (٦) عملِهِ، فهدَمَ وهدمَ النّاسُ مَعَهُ، حتّى إذا انتهى الهَدْمُ بهم إلى الأساسِ، أساسِ إبراهيم، أفْضَوا إلى حِجار خُفْرٍ كالأسِنَّةِ (٧) آخِذٍ بعضُها بعضًا.

стр. 3631

قال ابنُ إسحاق (١): فحدَّثني بعضُ من رَوَى هذا الحديث: أنَّ رجُلًا من قُريشٍ مِمَّن كان يَهْدِمُها، أدخلَ عَتلةً بين حَجَرينِ لتقْلع بها أحدَهُما، فلمّا تحرَّك الحَجَرُ تنقَّضت مكَّةُ بأسرِها، فانتهَوا عن ذلك الأساسِ. قال (٢): وحُدِّثتُ أنَّ قُريشًا وجدُوا في الرُّكنِ كِتابًا بالسُّريانيَّةِ، فلم يَدْرُوا ما هُو (٣) حتّى قرأهُ لهُم رجُلٌ من اليهُودِ، فإذا هُو: أنا اللهُ ذُو (٤) بكَّةَ، خلقتُها يومَ خلقتُ السَّماواتِ والأرض وصوَّرتُ الشَّمسَ والقمر، وحَفَفتُها بسبعةِ أملاكٍ حُنَفاء، لا تزُولُ حتّى يزُولَ أخْشَباها (٥)، مُباركٌ لأهلِها في الماءِ واللَّبنِ. قال (٦): وحُدِّثتُ أنَّهُم وجدُوا في المَقام كِتابًا فيه: مكَّةُ بيتُ الله الحرامُ، يأتيها رِزقُها رَغَدًا من ثلاثةِ سُبُل، لا يُحِلُّها أوَّلُ مَن أهِلَها. قال ابنُ إسحاق (٧): ثُمَّ إنَّ القبائل من قُريشٍ جَمَعتِ الحِجارة لبِنائها، كلُّ قَبيلةٍ تجمعُ على حِدَة، ثُمَّ بنَوها حتّى بلغَ البُنيانُ مَوْضِع الرُّكنِ، فاختصمُوا فيه، كلُّ قَبيلةٍ تُريدُ أن ترفعهُ إلى مَوْضِعِهِ دُون الأُخرى، حتّى تَحاوزُوا (٨) وتخالفُوا وأعدُّوا (٩) للقِتالِ، فقرَّبت بنُو عبدِ الدّارِ جَفْنةً مملُوءةً دمًا، ثُمَّ تعاهدُوا هُم وبنُو عديِّ بن كعبِ بن لُؤيٍّ على المَوْتِ، وأدخلُوا أيديَهُم في ذلك الدَّم في

стр. 3632

تِلكَ الجَفْنةِ، فسُمُّوا: لَعَقةَ الدَّم. فمكثت قُريشٌ على ذلك أربعَ ليالٍ أو خمسًا، ثُمَّ إنَّهُمُ اجتمعُوا في المسجِدِ فتَشاورُوا وتناصفُوا، فزعمَ بعضُ أهلِ الرِّوايةِ: أنَّ أبا أُميَّةَ بن المُغيرةِ بن عبدِ الله بن عُمر بن مخزُوم، كان يومَئذٍ أسنَّ قُريشٍ كلِّها، فقال: يا معشرَ قُريش، اجعلُوا بينكُم فيما تَخْتلِفُون فيه، أوَّلَ من يدخُلُ عليكُم من بابِ هذا المسجِدِ، يقضي بينكُم فيه. ففعلُوا، فكان أوَّلَ داخِلٍ رسولُ الله ﷺ ، فلمّا رأوهُ قالوا: هذا الأمينُ رَضِينا، هذا محمدٌ. فلمّا انتهى إليهِم، أخبرُوهُ الخبر، فقال رسُولُ الله ﷺ : "هلُمَّ إليَّ ثوبًا". فأُتي بهِ، فأخَذَ الرُّكنَ فوَضَعهُ فيه بيدِهِ، ثُمَّ قال: "لتأخُذْ كلُّ قَبِيلةٍ بناحيةٍ من الثَّوبِ، ثُمَّ ارفعُوهُ جميعًا"، ففعلُوا، حتّى إذا بلغُوا به مَوْضِعَهُ، وضعَهُ هُو بيدِهِ، ثُمَّ بُنِيَ عليه. قال: وكانت قُريشٌ تُسمِّي رسولَ الله ﷺ قبلَ أن يَنْزِلَ عليه الوحيُ: الأمينَ. قال: وكانتِ الكعبةُ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ثمانيَ عَشْرةَ ذِراعًا، كانت تُكْسَى القَبَاطيَّ (١)، ثُمَّ كُسيتِ البُرُود (٢)، وأوَّلُ من كساها الدِّيباج (٣): الحجّاجُ بن يوسُف. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال (٤): حدَّثنا مُوسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا ثابِتُ بن يزيد أبو زيد، قال: حدَّثنا هِلالُ بن خبّاب، عن مُجاهِد، عن مولاهُ، أنَّهُ حدَّثهُ: أنَّهُ كان فيمَنْ بَنَى الكعبةَ في الجاهِليّة. قال: ولي حَجَرٌ، أنا نحتُّهُ بيديَّ، أعبُدُهُ من دُونِ الله،

стр. 3633

وأجيءُ باللَّبَنِ الخاثرِ (١) الذي أنْفَسُهُ على نفسي وعلى ولدي، فأصُبُّهُ عليه، فيجيءُ الكلبُ حتّى يلحسهُ، ثُمَّ يَشْغَرُ (٢) فيبُولُ عليه. قال: فبنَيْنا حتّى بلَغْنا مَوْضِعَ الحَجَرِ، وما يرى الحجَرَ أحدٌ، فإذا هُو وسطُ حِجارةٍ تكادُ أن تَتَراءى فيها وُجُوهُنا، فقال بطنٌ من قُريش: نحنُ نَضعُهُ، وقال آخرُون: نحنُ، فقالوا: اجعلُوا بينكُم حكمًا، قالوا: أوَّلُ من يَجيءُ من هذا الفجِّ، فجاء النَّبيُّ ﷺ ، فقالوا: أتاكُمُ الأمينُ، فقالوا لهُ، فوَضَعهُ في ثوبٍ، ثُمَّ دعا بُطُونَهُم، فأخذُوا بنواحيهِ، فمشى معهُم حتّى وضعهُ هُو. وذكر الواقِديُّ، عن ابن أبي سَبْرة، عن يحيى بن شِبْل، عن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ، قال: كان بابُ الكعبةِ على عهدِ العَماليقِ وجُرْهُم وإبراهيمَ ﵇ بالأرضِ، حتّى بنتهُ قُريشٌ، ورَدمُوا الرَّدمَ الأعلى، وصَرفُوا السَّيلَ عن الكعبةِ، وكسَوا يومئذٍ البيتَ الوَصائلَ (٣). قال الواقِديُّ: وحدَّثنا مَعْمرٌ، عن همّام بن مُنبِّهٍ، سمِع أبا هُريرة يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن سَبِّ أسعد الحِميريِّ، وهُو تُبَّعٌ، وهُو أوَّلُ من كسا البيت، وهُو تُبَّعٌ الآخِرُ (٤). أخبرنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيد، عن أبيهِ: أنَّ عُمر بن الخطّابِ قدِمَ مكَّة، فأرسلَ إلى شيخ

стр. 3634

من بني زُهرة، وكان قد أدركَ الجاهِليَّة. قال عُبيدُ الله بن أبي يزيد: قال أبي: فذهبتُ معهُ وعُمرُ بن الخطّابِ جالِسٌ في الحِجْرِ، فسألهُ عُمرُ عن بناءِ الكعبةِ، فقال: إنَّ قُريشًا تقَوَّت (١) لبِناءِ الكعبةِ، فعَجَزَت واسْتَقصَرت، فتركُوا بعضَ البَيْتِ في الحِجْرِ، فقال عُمرُ: صَدَقتَ (٢). وبهذا الإسنادِ، عن سُفيان، عن داوُد بن شابُورَ، عن مُجاهِدٍ، قال: لمّا أرادَ ابنُ الزُّبيرِ أن يَهْدِمَ البيتَ ويَبْنيَهُ، قال للنّاسِ: اهدِمُوا. قال: فأبَوْا أن يهدِمُوا، وخافُوا أن يَنْزِلَ عليهمُ العذابُ. قال مُجاهِدٌ: فخرَجْنا إلى مِنًى، فأقمنا بها (٣) ثلاثًا ننتظِرُ العذاب. قال: وارْتَقى ابنُ الزُّبيرِ على جِدارِ الكعبةِ هُو بنفسِهِ فهدَمَ، فلمّا رأوا أنَّهُ لم يُصِبهُ شيءٌ، اجترؤُوا على ذلك. قال: فهدمُوا. قال: فلمّا بَناها جَعَل لها بابينِ، وأوطأهُما بالأرضِ، بابًا يدخُلُون منهُ، وبابًا يخرُجُون منهُ، وزاد فيها مِمّا يلي الحِجْر سِتَّةَ أذرُع، وزاد في طُولهِا تِسْعةَ أذرُع. قال: فلمّا ظهر الحجّاجُ، ردَّ الذي كان ابنُ الزُّبيرِ أدخل من الحِجْرِ، فقال عبدُ الملكِ بن مروان: ودِدْنا أنّا كُنّا تركنا أبا خُبيبٍ وما تولَّى من ذلك. يعني: ابنَ الزُّبير (٤). وذكر عبدُ الرَّزّاق (٥)، قال: أخبرنا أبي، قال: سمِعتُ مَرْثَدَ بن شَراحيل (٦)

стр. 3635

يُحدِّثُ، أنَّهُ حضرَ ذلك، قال: أدخلَ ابنُ الزُّبيرِ على عائشةَ سبعينَ رَجُلًا من خيارِ قُريشٍ، فأخبرتْهُم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لها: "لولا حَداثةُ (١) عهدِ قومِكِ بالشِّركِ، لبنيتُ البيتَ على قواعِدِ إسماعيلَ وإبراهيمَ، وتَدْرين لِمَ قَصَّرُوا عن قواعِدِ إبراهيم (٢)؟ "، قالت: قلتُ: لا. قال: "قصَّرت بهِم النَّفقةُ". قال: وكانتِ الكعبةُ قد وَهَت من حريقِ أهلِ الشّام. قال: فهَدَمَها وأنا يومئذٍ بمكَّةَ، فكشَفَ عن رُبْضِ الحِجْرِ، آخِذٌ بعضُهُ ببعض، فتركهُ مكشُوفًا ثمانيةَ أيَّام، يُتَشهَّدُ (٣) عليه. قال: فرأيتُ رُبْضهُ ذلك كخَلِفِ الإبِلِ خمسَ حِجارات: وجهٌ حَجَرٌ، ووجَهٌ حَجَرٌ، ووجَهٌ حَجَرانِ. قال: ورأيتُ الرَّجُل يأخُذُ العَتَلَةَ فيهُزُّها من ناحيةِ الرُّكنِ الآخر، فيهتزُّ الرُّكنُ الآخرُ. قال: ثُمَّ بناهُ على ذلك الرُّبْضِ، وصنعَ لهُ بابينِ لاصِقَينِ بالأرضِ، شرقيًّا وغربيًّا، فلمّا قُتِل ابنُ الزُّبيرِ، هَدَمهُ الحجّاجُ من ناحيةِ الحِجْرِ، ثُمَّ أعادهُ على ما كان عليه. قال: فكتَبَ إليه عبدُ الملكِ: ودِدتُ أنَّكَ تركتَ ابنَ الزُّبيرِ وما تَحمَّلَ. قال مَرْثدٌ: وسمِعتُ ابنَ عبّاسٍ يقولُ: لو وَلِيتُ منهُ ما كان ولي ابنُ الزُّبيرِ، لأدخلتُ الحِجْرَ كلَّهُ في البيتِ. وقال ابنُ عبّاس: فلِمَ يُطافُ بالحِجْرِ، إن لم يكُن من البيتِ؟ ورَوَينا أنَّ الرَّشِيدَ هارُونَ ذكرَ لمالكِ بن أنس: أنَّهُ يُريدُ هَدْمَ ما بَنَى الحجّاجُ من الكَعْبةِ، وأن يرُدَّهُ إلى بُنيانِ ابن الزُّبيرِ، لِمَا جاء في ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ، وامْتَثلهُ ابنُ الزُّبير، فقال لهُ مالكٌ: ناشَدْتُك اللهَ يا أميرَ المُؤمِنينَ أن تجعلَ هذا البيتَ مَلْعبةً للمُلُوكِ، لا يشاءُ أحدٌ منهُم إلّا نقضَ البيتَ وبناهُ، فتذهبُ هَيْبتُهُ من صُدُورِ النّاس.

стр. 3636

قال أبو عُمر: في حديثِ مالك، عن ابن شِهاب، عن سالم المَذْكُورِ، في هذا البابِ دَليلٌ على أنَّ الحِجْرَ من البيتِ، وقد أوضحنا ذلك بما ذكرنا من الآثارِ. وإذا صحَّ أنَّ الحِجْرَ من البيتِ، فواجِبٌ إدخالُهُ في الطَّوافِ، وأجمعَ العُلماءُ: أنَّ كلَّ من طافَ بالبيتِ، لَزِمهُ أن يُدخِل الحِجْرَ في طَوافِهِ، وفي إجْماعِهِم على ذلك ما يَكْفي. واخْتَلفُوا فيمن لم يَطُف من وراءِ الحِجْرِ، ولم يُدخِلِ الحِجْرَ في طوافِهِ، فالذي عَليهِ جُمهُورُ أهْلِ العِلم: أنَّ ذلك لا يُجزِئُ، وأنَّ فاعِل ذلك في حُكم من لم يَطُف، فمن لم يَطُفِ الطَّواف الواجِبَ كامِلًا، رجَعَ من بلاور حتّى يَطُوف ويُكْمِلَهُ، فهُو فَرْضٌ مُجتمعٌ عليه. ومِمَّن قال ما ذكرنا في الطَّوافِ وراء الحِجْرِ: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وهُو قولُ عَطاءٍ، وابنِ عبّاس (١). ورَوَينا عن ابن عبّاس: أنَّهُ كان يقولُ في هذه المَسْألةِ: الحِجْرُ من البَيْتِ، ويتلُو قولَ الله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ويقولُ: طافَ رَسُولُ الله ﷺ من وَراءِ الحِجْر (٢). وقال مالكٌ والشّافِعيُّ، ومن قال بقولهِم: من لم يُدْخِلِ الحِجْرَ في طَوافِهِ، ولم يَطُف من وَرائهِ في شَوْطٍ أو شَوْطينِ أو أكثرَ، ألْغَى ذلك، وبنى على ما كانَ طافَ طوافًا كامِلًا قبلَ أن يَسْلُك في الحِجْرِ، ولا يُعتدُّ بما سلكَ في الحِجْر (٣).

стр. 3637

وقال أبو حنيفة وأصحابُهُ: من سلكَ في الحِجْرِ، ولم يَطُف من ورائهِ، وذكر ذلك وهُو بمكَّة، أعادَ الطَّواف، فإن كان شَوْطًا قَضاهُ، وإن كان أكثرَ قَضَى ما بقي عليه من ذلك، فإنْ خرجَ عن مكَّة، وانصرف إلى الكُوفةِ، فعَلَيهِ دمٌ، وحجُّهُ تامٌّ (١). ورُوي عن الحَسَنِ البصريِّ نحوُ ذلك، قال: من فعلَ ذلكَ، فعليه الإعادةُ، فإن حلَّ، أهراقَ دَمًا (٢). وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَسْتلِم من الأركانِ إلّا رُكْنَينِ: اليمانيَّ، والأسْودَ، وعلى هذا مذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وفُقهاءِ الحِجازِ، والعِراقِ من أهلِ الرَّأيِ والحَدِيثِ، ولا أعلمُ في ذلك خِلافًا، إلّا في الطَّبقةِ الأُولى من الصَّحابةِ ﵃، فإنَّهُ رُوي عن جابرِ بن عبدِ الله (٣)، ومُعاوية بن أبي سُفيان (٤)، وأنسِ بن مالكٍ (٥)، وعبدِ الله بن الزُّبير (٦)، والحَسنِ والحُسين (٧): أنَّهُم كانوا يَسْتلِمُون الأركانَ كلَّها. ورُوي عن عُروة وأبي الشّعثاءِ مِثلُ ذلك (٨)، ورُوي عنهُما خِلافهُ.

стр. 3638

واختُلِفَ عن ابن عبّاسٍ ومُعاوية في ذلك، فروى شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: قدِمَ مُعاويةُ وابنُ عبّاس، فطافَ ابنُ عبّاسٍ فاستلمَ الأركانَ كلَّها، فقال مُعاويةُ: إنَّما استلمَ رسُولُ الله ﷺ الرُّكنينِ اليَمانيينِ. وقال ابنُ عبّاس: ليسَ من أرْكانِهِ شيءٌ مهجُورٌ (١). ورَوى هذا الخبرَ عبدُ الله بن عُثمان بن خُثيم، عن أبي الطُّفيلِ، فقلبَ القِصَّةَ فيه، وجعلَ مكانَ ابن عبّاس: مُعاويةَ، ومكان مُعاويةَ: ابن عبّاس. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا أبو كُريب (٢)، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُوسى، عن شَريك، عن عبدِ الله بن عُثمان بن خُثَيم، عن أبي الطُّفيل، قال: طاف مُعاويةُ بالبيتِ ومعهُ ابنُ عبّاس، فكان مُعاويةُ يَسْتلِمُ الأركانَ كلَّها، فإذا استلمَ الرُّكنينِ اللَّذينِ في الحِجْرِ، قال لهُ ابنُ عبّاسٍ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يكُن يَسْتلِمُ هذينِ، فقال لهُ مُعاويةُ: إنَّهُ ليسَ من البَيْتِ شيءٌ مهجُورٌ. وجعل ابنُ عبّاس يتجافاهُما كلَّما استلمَ ويقولُ: إنَّ رسُول الله ﷺ لم يَسْتلِم هذين، ويقولُ لهُ مُعاويةُ: أنْ ليسَ في البَيْتِ شيءٌ مهجُورٌ (٣). قال أبو عُمر: هذه الرِّوايةُ أثبتُ من روايةِ قَتادةَ، لأنَّ مُجاهِدًا روى عن ابن عبّاس، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ لم يَسْتلِم إلّا الرُّكنينِ اليَمانيينِ، وأنَّهُ أنكرَ على مُعاوية

стр. 3639

اسْتِلامَهُ الرُّكنَيينِ الآخَرَين، فلمّا قال لهُ مُعاويةُ: ليسَ من البَيْتِ شيءٌ مهجُورٌ، قال لهُ ابنُ عبّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) [الأحزاب: ٢١]. والذي عليه جماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ، وأهلُ المعرِفةِ بالآثارِ: استِلامُ الرُّكنينِ اليَمانيينِ؛ وذلك لحديثِ ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ بذلك، وهُو حديثٌ لا مَطْعنَ لأحدٍ فيه، رواهُ عن ابن عُمر: سالمٌ (٢)، ونافِعٌ (٣)، وعُبيدُ بن جُريج (٤)، ويُوسُفُ بن ماهِكٍ (٥)، وغيرُهُم (٦). والرُّكنانِ اللَّذانِ لا يُسْتلمانِ هُما: الرُّكنُ الشّاميُّ، الذي يلي الرُّكنَ الأسودَ، والرُّكنُ الغربيُّ، الذي يُقابِلُ اليمانيَّ، وهُما اللَّذانِ يَليانِ الحِجْرَ. وقد نهى عُمرُ بن الخَطّابِ يعلى بن أُميَّةَ، عن اسْتِلام الرُّكنينِ الغَرْبيَّينِ، وهُما هذانِ المذكُورانِ، وقال عُمرُ ليَعْلَى: لنا في رَسُولِ الله ﷺ أُسوةٌ حسنةٌ (٧). فحصَلتِ الرِّوايةُ في ذلك عن النَّبيِّ ﷺ من حديثِ ابن عُمر وعبدِ الله بن عبّاسٍ، ولا حُجَّة في قولِ أحَدٍ مع السُّنَّةِ الثّابتة.

стр. 3640

وروى مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، أنَّ أباهُ أُخبرَ بقولِ عائشةَ: إنَّ الحِجْرَ بَعضُهُ من البَيْتِ، فقال ابنُ عُمر: واللّه إنِّي لأظُنُّ عائشةَ إن كانت سَمِعت هذا من رسُولِ الله ﷺ ، إنِّي لأظُنُّ أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يترُكِ اسْتِلامَهُما، إلّا أنَّهُما ليَسا على قَواعِدِ البيتِ، ولا طافَ النّاسُ من وَراءِ الحِجْرِ، إلّا لذلكَ (١). قال أبو عُمر: مالكٌ أحسنُ إقامةً لإسنادِ هذا الحديثِ من (٢) مَعْمر، وأحسنُ سياقةً لهُ منهُ، ومالكٌ أثبتُ النّاسِ في الزُّهْريِّ، واللهُ أعلمُ. حدَّثنا سعيدُ بن نصِرِ ويحيى بن عبدِ الرَّحمنِ، قِراءةً مِنِّي عليهما، أنَّ محمد بن أبي دُلَيم حدَّثهُما، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حسّان، قال: حدَّثنا أنسُ بن عِياضٍ، قال: حدَّثني هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: ما أُبالي صلَّيتُ في الحِجْرِ، أو في البيت (٣). ورواهُ مالكٌ (٤) وابنُ عُيينة وجماعةٌ، عن هشام، عن أبيهِ، عن عائشةَ، مِثلَهُ.

стр. 3641

حديثٌ سابعٌ لابنِ شِهاب، عن سالم مُرسَلٌ عندَ يحيى وأكثرِ الرُّواةِ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ بلالًا يُنادِي (٢) بليل، فكُلُوا واشربُوا حتّى يُناديَ ابنُ أُمِّ مكتُوم". قال: وكان رَجُلًا أعْمى، لا يُنادي حتّى يُقالَ لهُ: أصْبَحتَ أصْبَحتَ. هكذا رواهُ يحيى مُرسلًا، وتابَعهُ على ذلك أكثرُ الرُّواةِ عن مالك. ووصلَهُ: القَعْنبيُّ (٣)، وابنُ مهديٍّ، وعبدُ الرَّزّاق (٤)، وأبو قُرَّةَ مُوسى بن طارِقٍ، وعبدُ الله بن نافع (٥)، ومُطرِّفُ بن عبدِ الله الأصمُّ، وابنُ أبي أُوَيسٍ، والحُنينيُّ، ومحمدُ بن عُمر الواقِديُّ، وأبو قَتادةَ الحرّانيُّ، ومحمدُ بن حربٍ الأبرشُ (٦)، وزُهيرُ بن عبّادٍ الرُّؤاسيُّ، وكامِلُ بن طلحة. كلُّ هؤُلاءِ وصلُوهُ، فقالوا فيه: عن سالم، عن أبيه (٧). وسائرُ رُواةِ المُوطَّأ أرسلُوهُ، ومِمَّن أرسلهُ: ابنُ قاسم، والشّافِعيُّ (٨)،

стр. 3642

وابنُ بُكير (١)، وأبو المُصعبِ الزُّهْريُّ (٢)، وعبدُ الله بن يُوسُف التِّنِّيسيُّ، وابنُ وَهْبٍ (٣) في المُوطَّأ، ومُصعبٌ الزُّبيريُّ، ومحمدُ بن الحسن (٤)، ومحمدُ بن المُباركِ الصُّوريُّ، وسعيدُ بن عُفيرٍ، ومعنُ بن عِيسَى (٥). وجماعةٌ يطُولُ ذِكرُهُم (٦). وقد رُوي عن ابن بُكيرٍ مُتَّصلًا، ولا يصِحُّ عنهُ إلّا مُرسلًا، كما في المُوطَّأ، لهُ. وأمّا أصحابُ ابن شِهاب، فروَوْهُ مُتَّصلًا مُسندًا عن ابن شِهاب، منهُم: ابنُ عُيينة (٧)، وابنُ جُريج (٨)، وشُعيبُ بن أبي حَمْزةَ (٩)، والأوزاعيُّ (١٠)، واللَّيثُ (١١)، ومَعْمرٌ، ومحمدُ بن إسحاق، وابنُ أبي سَلَمةَ (١٢)، وعندَ مَعْمرٍ ومحمدِ بن إسحاق في هذا حديثٌ آخرُ.

стр. 3643

حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي العَقِبِ الدِّمشقيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا أبو اليَمانِ، قال: أخبرنا شُعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: قال سالمُ بن عبدِ الله: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عُمر يقولُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ بلالًا يُنادي (١) بلَيْل، فكُلُوا واشربُوا حتّى يُناديَ ابنُ أُمِّ مكتُوم" (٢). ورواهُ مَعْمرٌ (٣) ومحمدُ بن إسحاق، عن الزُّهْريِّ، عن ابن المُسيِّبِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، مِثلهُ. والحديثُ صَحِيحٌ للزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، وحديثُ ابن المُسيِّبِ لغيرِ مالكٍ، وهُما حديثانِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم. وحدَّثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرَّحمن، قال (٤): حدَّثنا قاسمُ بن أصْبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُسامة، قالا جميعًا (٥): حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ الله بن أبي سَلَمةَ الماجِشُونُ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابن عُمر، قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ بِلالًا يُنادي (٦) بليل، فكُلُوا واشربُوا حتّى يُناديَ ابنُ أُمِّ مَكْتُوم". قال: وكانَ ابنُ أُمِّ مَكْتُوم رَجُلًا أعْمى، لا يُؤذِّنُ حتّى يُقال لهُ: أصْبَحتَ أصْبَحتَ فأذِّنْ (٧).

стр. 3644

وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عِيسَى، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابةَ (١)، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ، فذكر. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: الأذانُ باللَّيلِ لصَلاةِ الصُّبح، إذْ لا أذانَ عندَ الجميع للنّافِلةِ في صَلاةِ اللَّيلِ ولا غيرِها، ولا أذانَ إلّا للفرائضِ المكتُوباتِ، وأوكدُ ما يكونُ فللجَماعاتِ. وسيأتي القولُ في وُجُوبِ الأذانِ وسُنَّتهِ، وما للعُلماءِ في ذلك من المذاهِبِ، وفي كيفيَّةِ الأذانِ والإقامةِ، في بابِ أبي الزِّنادِ، وبابِ يحيى بن سعيد، إن شاء اللهُ. ولم يُخْتَلف على مالكٍ في حَديثهِ في هذا البابِ، عن عبدِ الله بن دينار، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ مُسندًا (٢). وقدِ اختلَفَ الفُقهاءُ في جَوازِ الأذانِ باللَّيلِ لصَلاةِ الصُّبح، فقال أكثرُ العُلماءِ بجَوازِ ذلك. ومِمَّن أجازهُ: مالكٌ وأصحابُهُ، والأوزاعيُّ، والشّافِعيُّ، وبه قال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ، وداوُدُ، والطَّبريُّ، وهُو قولُ أبي يُوسُفَ يعقُوب بن إبراهيم القاضي الكُوفيِّ، وحُجّتُهُم، قولُهُ ﷺ : "إنَّ بلالًا يُنادي بليل" (٣). وفي قولِه هذا إخبارٌ منهُ، أنَّ شأنَ بلال أن يُؤذِّن للصُّبح بليل، يقولُ: فإذا جاء رمضان، فلا يَمْنعْكُم أذانُهُ من سُحُورِكُم، وكُلُوا واشربُوا حتّى يُؤذِّن ابنُ أُمِّ مكتُوم، فإنَّ من شأنِهِ أن يُقارِبَ الصَّباحُ بأذانِهِ.

стр. 3645

وقال أبو حنيفة والثَّوريُّ ومحمدُ بن الحَسَنِ: لا يجُوزُ الأذانُ لصَلاةِ الفجرِ حتّى يَطْلُعَ الفجر، ومن أذَّن لها قبل الفَجْرِ، لزِمهُ إعادةُ الأذان (١). وحُجَّةُ الثَّوريِّ وأبي حَنِيفةَ، ومن قال بقولهِما: ما رواهُ وكيعٌ، عن جعفرِ بن بُرْقان، عن شدّادٍ مولى عِياض (٢) بن عامِر، عن بلال: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تُؤذِّن حتّى يتبيّنَ لكَ الفَجْرُ هكذا"، ومدَّ يدهُ عرضًا (٣). ورواهُ مَعْمرٌ، عن جعفرِ بن بُرْقان بإسنادِهِ ومعناهُ، إلّا أنَّهُ قال: شدّادٌ مولى عَيّاش (٤)، وهذا حديثٌ لا تقُومُ به حُجَّةٌ، ولا بمِثلِهِ، لضَعْفِهِ وانقِطاعِهِ. واحتجُّوا أيضًا بما رواهُ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن أيُّوب، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ بلالًا أذَّنَ قبلَ طُلُوع الفجرِ، فأمَرهُ النَّبيُّ ﷺ أن يَرْجِعَ فيُنادي: "ألا إنَّ العبدَ نامَ، ألا إنَّ العبدَ نامَ". فرجع فقالها (٥). وهذا حديثٌ انفرد به حمّادُ بن سلمة دُون أصحابِ أيُّوبَ، وأنكرُوهُ عليه وخطَّؤوهُ فيه؛ لأنَّ سائر أصحابِ أيُّوب يروُونهُ عن أيُّوبَ، قال: أذَّنَ بلالٌ مرَّةً بليل، فذكرهُ مقطُوعًا (٦).

стр. 3646

وهكذا ذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمر، عن أيُّوبَ، قال: أذَّنَ بلالٌ مرَّةً بليل، فقال لهُ النَّبيُّ ﷺ : "اخرُج فنادِ: إنَّ العبدَ نامَ". فخرج وهُو يقولُ: ليت بلالًا ثَكِلتهُ أُمُّهُ ... وابتلَّ من نَضْحِ دمٍ جبينُهُ ثُمَّ نادى: إنَّ العبدَ نامَ. وروى زُبيدٌ الإياميُّ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا إذا أذَّن المُؤذِّنُ بليل، اتوهُ فقالوا لهُ: اتَّقِ الله وأعِدْ أذانكَ (٢). واحتجُّوا أيضًا بما رواهُ شَريكٌ، عن مَحِلٍّ (٣)، عن إبراهيم، قال: شَيَّعَنا عَلْقمةُ إلى مكَّة، فخرجَ بليل، فسمِعَ مُؤذِّنًا يُؤذِّنُ بليل، فقال: أمّا هذا فقد خالفَ أصحابَ محمدٍ ﷺ ، لو كان نائمًا، كان خيرًا لهُ، فإذا طلعَ الفجرُ أذَّنَ (٤). ومَحِلٌّ ليس بالقويِّ (٥).

стр. 3647

واحتجُّوا أيضا بما رواهُ عبدُ العزيزِ بن أبي روّاد، عن نافِع، عن مُؤذِّن لعُمرَ يُقالُ لهُ: مَسْرُوحٌ، أذَّن قبلَ (١) الصبح، فأمرهُ عُمرُ أن يَرْجِعَ فيُنادي: ألا إنَّ العبدَ نامَ، ألا إنَّ العبدَ نامَ (٢). وهذا إسنادٌ غيرُ مُتَّصل؛ لأنَّ نافِعًا لم يَلْقَ عُمرَ. ولكِنَّ الدَّراوَرْديَّ وحمّاد بن زيدٍ، قد رويا هذا الخبر عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ مِثلهُ، إلا أنَّ الدَّراوَرْديَّ قال: يُقالُ لهُ: مسعُودٌ (٣)، وهذا هُو الصَّحيحُ، واللهُ أعلمُ أنَّ عُمرَ قال ذلك لمُؤذِّنِهِ، لا ما ذكر أيُّوبُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قالهُ لبِلال. وإذا كان حديثُ ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ صحيحًا، قولَهُ: "إنَّ بلالًا يُؤذِّنُ (٤) بليل"؛ فلا حُجَّةَ في قولِ أحَدٍ مع السُّنَّةِ، ولو لم يَجُزِ الأذانُ قبلَ الفَجْرِ، لنَهَى رسُولُ الله ﷺ بلالًا عن ذلكَ، ونحنُ لا نعلمُ أنَّ عُمرَ قال ما رُوي عنهُ في هذا البابِ، إلّا بخَبرِ واحِد عن واحِد، وكذلك خبرُ ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، فالمصيرُ إلى المُسندِ أولى من طريقِ الحُجَّةِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 3648

والذي أُحِبُّهُ، أن يكون مُؤذِّنٌ آخَرُ بعد الفَجْرِ. وفيه: اتِّخاذُ مُؤذِّننِ، وإذا جاز اتِّخاذُ اثنينِ منهُم، جازَ أكثرُ، إلّا أن يَمنَعَ منهُ ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ. وفيه: جَوازُ أذانِ الأعْمَى، وذلك عندَ أهلِ العِلم، إذا كانَ مَعهُ مُؤذِّنٌ آخَرُ يَهْديهِ للأوقاتِ. وفيه: دليلٌ على جَوازِ شهادةِ الأعْمَى على ما اسْتَيقنهُ من الأصواتِ، ألا تَرَى أنَّهُ كانَ إذا قيلَ لهُ: أصْبَحتَ، قَبِلَ ذلك، وشَهِدَ عليه، وعَمِلَ بهِ؟ وابنُ أُمِّ مكتُوم رجُلٌ من قُريشٍ، من بني عامِرِ بن لُؤيّ، اختُلِف في اسمِهِ، وقد ذكرناهُ ونَسبناهُ في كِتابِنا في الصَّحابة (١)، وذكرنا الاختِلافَ في ذلك هُناك. وفيه دليلٌ على أكلِ السَّحُورِ، وعلى أنَّ اللَّيلَ كلَّهُ موضِعُ الأكلِ، والشُّربِ، والجِماع، لمن شاء، كما قال اللهُ : ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفي هذا دليلٌ على أنَّ الخَيْطَ الأبيضَ هو: اتِّضاحُ النَّهارِ. وفيه دليلٌ (٢) على أنَّ السُّحُورَ لا يكونُ إلّا قبلَ الفَجْر، لقولِهِ: "إنَّ بلالًا يُنادي (٣) بلَيل، فكلوا (٤) ". ثُمَّ منعهُم من ذلك عندَ أذانِ ابن أُمِّ مَكْتُوم. وهُو إجماعٌ لم يُخالِفْ فيه إلّا الأعمشُ، فشذَّ، ولم يُعرَّجْ على قولِهِ.

стр. 3649

والنَّهارُ الذي يجِبُ صيامُهُ: من طُلُوع الفجرِ، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. على هذا إجماعُ عُلماءِ المُسلِمين، فلا وجهَ للكلام فيه، وأمّا قولُ أُميَّة بن أبي الصَّلت (١): والشَّمسُ تَطْلُعُ كلُّ آخرِ ليلةٍ ... حَمْراءَ يصبُحُ لونُها يتورَّدُ فهذا على القُربِ، لا على الحَقِيقةِ، والعربُ تُسمِّي الشَّيءَ باسم ما قَرُب منهُ، ومن هذا قولُ الله : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ ... ﴾ الآيةَ [الطلاق: ٢]، وهذا على القُربِ عندَ الجميع، لا على القُربِ الحقيقيِّ. وليستِ الأشعارُ واللُّغاتُ مِمّا يثبُتُ بها شريعةٌ ولا دينٌ، ولكنَّها يُسْتشهدُ بها على أصلِ المعنى المُسْتَغلقِ إنِ احْتِيجَ إلى ذلك، واللهُ أعلمُ، وبه التَّوفيقُ. وقولُ ابن شِهاب: وكان ابنُ أُمِّ مكتُوم رَجُلًا أعْمى لا يُنادي حتّى يُقالَ لهُ: أصْبَحتَ أصْبَحتَ، معناهُ أيضًا: المُقاربةُ، أي: قاربتَ الصَّباحَ، وهذا على ما فسَّرَ العُلماءُ مِمّا ذكرنا في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ يُريدُ بالبُلُوغ هاهُنا، مُقاربةَ البُلُوغ، لا انقِضاءَ الأجل؛ لأنَّ الأجلَ لو انقَضَى - وهُو انْقِضاءُ العِدَّةِ - لم يَجُز إمساكُهُنَّ، وهذا إجماعٌ لا خِلاف فيه، فدلَّ على أنَّ قُربَ الشِّيءِ قد يُعبَّرُ به عنهُ، والمُرادُ مفهُومٌ، وباللّه التَّوفيقُ. ومعلُومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يأمُرُ أصحابَهُ أن يأكُلُوا ويَشْربُوا حتّى يُؤذِّنَ من لا يُؤذِّن إلّا وقد أصْبَحَ، وإذا كان هذا معلومًا، صحَّ أنَّ معنى قولِ ابن شِهابٍ في ابن أُمِّ مكتُوم ما ذكرنا، من مُقاربةِ الصَّباح. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ منِ اسْتَيقنَ الصَّباح، لم يَجُز لهُ الأكلُ ولا الشُّربُ بعدَ ذلك، وفي إجْماعِهِم على ذلك ما يُوضِّحُ ما ذكرناهُ.

стр. 3650

واختلَفُوا فيمَن أكلَ بعدَ الفجرِ وهُو يظُنُّ أنَّهُ ليلٌ، أو أكلَ وهُو شاكٌّ في الفجرِ، فقال مالكٌ (١): من تَسحَّر بعد طُلُوع الفَجْرِ، أو أكلَ قبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ وهُو لا يعلمُ، فعليه القَضاءُ إن كان واجِبًا، وإن كان تَطوُّعًا مَضَى ولا شيءَ عليه. وهُو قولُ ابن عُليَّة في الواجِبِ خاصَّةً. قال: هُو عِندي بمنزِلةِ من صلَّى قبلَ الوقتِ. وقال أبو حَنِيفةَ والثَّوريُّ واللَّيثُ بن سعدٍ والشّافِعيُّ: عليه القَضاءُ، في الذي يأكُلُ وهُو يرى أنَّهُ ليلٌ، ثُمَّ يعلمُ أنَّهُ نهارٌ. وأمّا الذي يأكُلُ وهُو شاكٌّ في الفجرِ، فقال أبو حَنيفةَ: أحبُّ إليَّ أن يَقْضيَ إذا كان أكثرُ رأيِهِ أنَّهُ أكلَ بعد الفجر (٢). وقال مالكٌ: عليه القضاءُ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤) وعُبيدُ الله بن الحسنِ: لا شيءَ عليه. وقال الثَّوريُّ: كُلْ ما شَكَكتَ، حتّى تستيقِن (٥). وقال الشّافِعيُّ (٦) من بينِ هؤُلاءِ: من أفْسَدَ صومَهُ التَّطوُّعَ عامِدًا، أساءَ ولا شيءَ عليه. وليس هذا مَوْضِعَ ذِكرِ هذه المسألةِ، ولمالكٍ في مُوطَّئهِ أحاديثُ في السُّحُورِ حِسانٌ، سيأتي موضِعُها من كِتابِنا هذا، إن شاء اللهُ.

стр. 3651

حديثٌ ثامِنٌ لابنِ شِهاب، عن سالم مقطُوعٌ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ إنَّما رجَعَ بالنّاسِ، عن حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ. قال أبو عُمر: معنى حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ في الطّاعُونِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا سَمِعتُم به بأرض، فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها، فلا تَخرُجُوا فِرارًا منهُ". فرجعَ عُمرُ بن الخطّابِ من سَرْغَ (٢). وقد ذكَرنا هذا الحديثَ بتمامِهِ فيما تقدَّمَ من كِتابِنا هذا، وذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن عامِرِ بن ربيعة، وذكَرنا ما فيه من المعاني، في حديثِ ابن شِهاب، عن عبدِ الحميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ. ورِوايةُ سالم لهذا الحديثِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، أو عن عُمر بن الخطّابِ لا تتَّصِلُ، والحديثُ ثابِتٌ مُتّصلٌ صحيحٌ من وجوهٍ من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ، وسيأتي في مَوْضعه (٣) من كِتابِنا هذا إن شاء اللهُ. وهكذا رَوى هذا الحديثَ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ، كما ذكرنا، عن ابن شِهاب، عن سالم بهذا اللَّفظ (٤)، إلّا بِشْرَ بن عُمرَ، فإنَّهُ قال فيه: عن مالك، عن

стр. 3652

ابن شِهاب، أنَّ سالم بن عبدِ الله وعبدَ الله بن عامِرِ بن ربيعةَ أخبَراهُ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ حينَ خرجَ إلى الشّام، إنَّما رجع بالنّاسِ من سَرْغَ عن حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، أنَّهُ سمِعَ رسُول الله ﷺ يقولُ: "إذا سَمِعتُم به في أرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها، فلا تَخرُجُوا فِرارًا منهُ" (١). فجَمعَ بشرٌ عن مالكٍ الحديثينِ جميعًا ورفعهُما، وليسَ حديثُ سالم مُصرِّحًا بما وقعَ في شيءٍ من المُوطَّآتِ. وقد رواهُ يُونُسُ بن يزيد (٢) ومحمدُ بن إسحاق (٣)، عن ابن شِهاب، عن سالم وعبدِ الله بن عامِرٍ جميعًا: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ إنَّما رجَعَ بالنّاسِ من سَرْغَ عن حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ. هكذا قالا، لم يذكُراهُ مرفُوعًا، ولا ساقا لهُ متنًا، على نحوِ ما قال مالكٌ في حديثِ سالم (٤) هذا سواءً. وقد وَهِم في هذا الحديثِ أيضًا ابنُ أبي ذِئب، فرواهُ عن ابن شِهاب، عن سالم، عن عبدِ الله بن ربيعة (٥)، ولم (٦) يُتابِع عليه، وإنَّما هُو عن ابن شِهاب، عن

стр. 3653

سالم وعبدِ الله بن عامِرِ بن رَبِيعةَ جميعًا، لا أنَّ سالمًا رواهُ عن عبدِ الله بن عامِرِ بن ربيعةَ. وقولُ ابن أبي ذِئبٍ ذلك وهمٌ وغلطٌ، إن صحَّ ذلك عن ابن أبي ذِئبٍ، وقد جوَّد مالكٌ لفظَ حديثيِ ابن شِهابٍ جميعًا، عن سالم وعن عبدِ الله بن عامر. وعندَ ابن شِهابٍ في الطّاعُونِ أحاديثُ، منها: حديثُهُ عن سالم هذا، وحديثُهُ عن عبد الله بن (١) عامِرِ بن ربيعة، على ما ذكرناهُ عنهُ فيما مضى من كِتابِنا هذا (٢)، وحديثُهُ عن عبدِ الحميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، وقد جاءَ في موضِعِهِ من كِتابِنا هذا؛ لأنَّهُ من رِوايةِ مالكٍ عنهُ أيضًا (٣). ومنها: حديثُهُ عن عامرِ بن سعد، عن أُسامةَ بن زيد، وليس هذا عندَ مالك، عن ابن شِهاب، وهُو عِندهُ (٤) عن محمدِ بن المُنكدِرِ وأبي النَّضرِ. وهذه كلُّها أحاديثُ مُتَّصِلةٌ صِحاحٌ ثابِتةٌ، والحمدُ لله.

стр. 3654

حديثٌ تاسِعٌ لابنِ شِهاب، عن سالم مُرسل يتَّصِلُ من وُجُوهٍ ثابتةٍ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: دخَلَ رجُلٌ من أصحاب رسُولِ الله ﷺ المسجِدَ يوم الجُمُعةِ وعُمرُ بن الخطّابِ يخطُبُ، فقال عُمرُ: أيَّة ساعةٍ هذه؟ قال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، انقلبتُ من السُّوقِ، فسمِعتُ النِّداءَ، فما زِدتُ على أن توضَّأتُ، فقال عُمرُ: الوُضُوءَ أيضًا؟ وقد علِمتَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسل؟ هكذا رواهُ أكثرُ رُواةِ المُوطَّأ، عن مالكٍ مُرسلًا، عن ابن شِهاب، عن سالم. لم يقولُوا: عن أبيه (٢). ووصلهُ عن مالكٍ: رَوْحُ بن عُبادةَ، وجُوَيريَةُ بن أسماءَ، وإبراهيمُ بن طَهْمانَ (٣)، وعُثمانُ بن الحكم الجُذاميُّ، وأبو عاصِم النَّبيلُ الضَّحّاكُ بن مَخْلدٍ، وعبدُ الوهّابِ بن عَطاء، ويحيى بن مالكِ بن أنس، وعبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ (٤)، والوليدُ بن مُسلِم، وعبدُ العزيزِ بن عِمران، ومحمدُ بن عُمر الواقِديُّ، وإسحاقُ بن إبراهيم الحُنينيُّ، والقعنبيُّ في رِوايةِ إسماعيلَ بن إسحاقَ عنهُ، فرَوَوهُ عن مالك، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيه.

стр. 3655

فأمّا حديثُ روح بن عُبادةَ: فحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم ومحمدُ بن محمدِ بن عبدِ الله ومحمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم خُشيشُ بن أصْرَمَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: بَيْنا عُمرُ بن الخطّابِ قائمٌ يَخْطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذ جاء رجُلٌ؛ فذكرَ الحديث (١). وأمّا حديثُ جُوَيريَة، عن مالكٍ: فذكرَ إسماعيلُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماء، قال: حدَّثنا جُوَيريَةُ بن أسماء، عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنا هُو قائمٌ للخُطبةِ، إذ دخلَ رجُلٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ من المُهاجِرينَ الأوَّلينَ، فناداهُ عُمرُ: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟ وذكر الحديثَ (٢). وكذلك رواهُ إسماعيلُ، عن القَعْنبيِّ، عن مالك، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ مُسندًا. حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ (٣). فذكر الحديثينِ جميعًا كما ذكرناهُ سواءً.

стр. 3656

وقد رَوَينا حديثَ جُويريَةَ هذا عن نافِع، عن ابن عُمرَ، ليسَ فيه ذِكرُ مالك، ومعلُولم أنَّ سماعَ جُويريَةَ من نافِع صحيح، وإن كان قد رَوَى أيضًا عن مالك، عن نافع أحاديثَ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان وَيعِيشُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيثم، قال: حدَّثنا أبو غَسّانَ مالكُ بن إسماعيلَ إمْلاءً من كِتابِهِ، قال: حدَّثنا جُويريةُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: بَيْنما عُمرُ. فذكر الحديث (١). ورَوَى هذا الحديثَ جَماعةٌ من أصْحابِ ابن شِهاب، عن ابن شِهاب (٢)، عن سالم، عن ابن عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنما هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يَخْطُبُ. الحديث سواءً؛ منهُم: مَعْمر وأبو أُوَيس، وغيرُهُما، ويقولُون: إنَّ سماعَ أبي أُوَيسٍ من ابن شِهابٍ مع مالكٍ واحِدٌ (٣)، وإنَّ عَرْضَهُما كان على ابن شِهابٍ واحِدًا. فأمّا حديثُ مَعْمر، فذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن مَعْمر. وأمّا حديثُ أبي أُويسٍ: فحدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العبّاسِ الشّاميُّ، قال: حدَّثنا أبو أُويس، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنا هُو قائمٌ للخُطبةِ يومَ الجُمُعةِ، فذكر الحديث. وعندَ ابن شِهابٍ أيضًا في هذا البابِ حديثٌ آخرُ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ

стр. 3657

رسُولَ الله ﷺ قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل"؛ رواهُ جماعةٌ، عن ابن شِهاب، منهُم: مَعْمرٌ (١)، وابنُ عُيينة (٢). ورواهُ الزُّبيديُّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل" (٣). وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ في المُوطَّأ بهذا الإسنادِ، وهُو عِندهُ (٤)، عن نافع، عن ابن عُمرَ. وهذا الحديثُ أيضًا عِند الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ : "من جاء مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِل" (٥)، وليس عِندهُ حديثُ ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بينما هُو يخطُبُ. وقد يُمكِنُ أن يكونَ ذلك كلُّهُ حديثًا واحِدًا، واللهُ أعلمُ. وعِند الأوزاعيِّ في هذه القِصَّةِ حديثُ يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ؛ حدَّثناهُ محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سَلمةَ،
следующие страницы →