← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3653–3692 · переход к 3658.

стр. 3653

سالم وعبدِ الله بن عامِرِ بن رَبِيعةَ جميعًا، لا أنَّ سالمًا رواهُ عن عبدِ الله بن عامِرِ بن ربيعةَ. وقولُ ابن أبي ذِئبٍ ذلك وهمٌ وغلطٌ، إن صحَّ ذلك عن ابن أبي ذِئبٍ، وقد جوَّد مالكٌ لفظَ حديثيِ ابن شِهابٍ جميعًا، عن سالم وعن عبدِ الله بن عامر. وعندَ ابن شِهابٍ في الطّاعُونِ أحاديثُ، منها: حديثُهُ عن سالم هذا، وحديثُهُ عن عبد الله بن (١) عامِرِ بن ربيعة، على ما ذكرناهُ عنهُ فيما مضى من كِتابِنا هذا (٢)، وحديثُهُ عن عبدِ الحميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، وقد جاءَ في موضِعِهِ من كِتابِنا هذا؛ لأنَّهُ من رِوايةِ مالكٍ عنهُ أيضًا (٣). ومنها: حديثُهُ عن عامرِ بن سعد، عن أُسامةَ بن زيد، وليس هذا عندَ مالك، عن ابن شِهاب، وهُو عِندهُ (٤) عن محمدِ بن المُنكدِرِ وأبي النَّضرِ. وهذه كلُّها أحاديثُ مُتَّصِلةٌ صِحاحٌ ثابِتةٌ، والحمدُ لله.

стр. 3654

حديثٌ تاسِعٌ لابنِ شِهاب، عن سالم مُرسل يتَّصِلُ من وُجُوهٍ ثابتةٍ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: دخَلَ رجُلٌ من أصحاب رسُولِ الله ﷺ المسجِدَ يوم الجُمُعةِ وعُمرُ بن الخطّابِ يخطُبُ، فقال عُمرُ: أيَّة ساعةٍ هذه؟ قال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، انقلبتُ من السُّوقِ، فسمِعتُ النِّداءَ، فما زِدتُ على أن توضَّأتُ، فقال عُمرُ: الوُضُوءَ أيضًا؟ وقد علِمتَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسل؟ هكذا رواهُ أكثرُ رُواةِ المُوطَّأ، عن مالكٍ مُرسلًا، عن ابن شِهاب، عن سالم. لم يقولُوا: عن أبيه (٢). ووصلهُ عن مالكٍ: رَوْحُ بن عُبادةَ، وجُوَيريَةُ بن أسماءَ، وإبراهيمُ بن طَهْمانَ (٣)، وعُثمانُ بن الحكم الجُذاميُّ، وأبو عاصِم النَّبيلُ الضَّحّاكُ بن مَخْلدٍ، وعبدُ الوهّابِ بن عَطاء، ويحيى بن مالكِ بن أنس، وعبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ (٤)، والوليدُ بن مُسلِم، وعبدُ العزيزِ بن عِمران، ومحمدُ بن عُمر الواقِديُّ، وإسحاقُ بن إبراهيم الحُنينيُّ، والقعنبيُّ في رِوايةِ إسماعيلَ بن إسحاقَ عنهُ، فرَوَوهُ عن مالك، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيه.

стр. 3655

فأمّا حديثُ روح بن عُبادةَ: فحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم ومحمدُ بن محمدِ بن عبدِ الله ومحمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم خُشيشُ بن أصْرَمَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: بَيْنا عُمرُ بن الخطّابِ قائمٌ يَخْطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذ جاء رجُلٌ؛ فذكرَ الحديث (١). وأمّا حديثُ جُوَيريَة، عن مالكٍ: فذكرَ إسماعيلُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماء، قال: حدَّثنا جُوَيريَةُ بن أسماء، عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنا هُو قائمٌ للخُطبةِ، إذ دخلَ رجُلٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ من المُهاجِرينَ الأوَّلينَ، فناداهُ عُمرُ: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟ وذكر الحديثَ (٢). وكذلك رواهُ إسماعيلُ، عن القَعْنبيِّ، عن مالك، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ مُسندًا. حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ (٣). فذكر الحديثينِ جميعًا كما ذكرناهُ سواءً.

стр. 3656

وقد رَوَينا حديثَ جُويريَةَ هذا عن نافِع، عن ابن عُمرَ، ليسَ فيه ذِكرُ مالك، ومعلُولم أنَّ سماعَ جُويريَةَ من نافِع صحيح، وإن كان قد رَوَى أيضًا عن مالك، عن نافع أحاديثَ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان وَيعِيشُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيثم، قال: حدَّثنا أبو غَسّانَ مالكُ بن إسماعيلَ إمْلاءً من كِتابِهِ، قال: حدَّثنا جُويريةُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: بَيْنما عُمرُ. فذكر الحديث (١). ورَوَى هذا الحديثَ جَماعةٌ من أصْحابِ ابن شِهاب، عن ابن شِهاب (٢)، عن سالم، عن ابن عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنما هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يَخْطُبُ. الحديث سواءً؛ منهُم: مَعْمر وأبو أُوَيس، وغيرُهُما، ويقولُون: إنَّ سماعَ أبي أُوَيسٍ من ابن شِهابٍ مع مالكٍ واحِدٌ (٣)، وإنَّ عَرْضَهُما كان على ابن شِهابٍ واحِدًا. فأمّا حديثُ مَعْمر، فذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن مَعْمر. وأمّا حديثُ أبي أُويسٍ: فحدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العبّاسِ الشّاميُّ، قال: حدَّثنا أبو أُويس، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنا هُو قائمٌ للخُطبةِ يومَ الجُمُعةِ، فذكر الحديث. وعندَ ابن شِهابٍ أيضًا في هذا البابِ حديثٌ آخرُ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ

стр. 3657

رسُولَ الله ﷺ قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل"؛ رواهُ جماعةٌ، عن ابن شِهاب، منهُم: مَعْمرٌ (١)، وابنُ عُيينة (٢). ورواهُ الزُّبيديُّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل" (٣). وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ في المُوطَّأ بهذا الإسنادِ، وهُو عِندهُ (٤)، عن نافع، عن ابن عُمرَ. وهذا الحديثُ أيضًا عِند الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ : "من جاء مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِل" (٥)، وليس عِندهُ حديثُ ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بينما هُو يخطُبُ. وقد يُمكِنُ أن يكونَ ذلك كلُّهُ حديثًا واحِدًا، واللهُ أعلمُ. وعِند الأوزاعيِّ في هذه القِصَّةِ حديثُ يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ؛ حدَّثناهُ محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سَلمةَ،

стр. 3658

عن أبي هُرَيرةَ، قال: بينا عُمرُ بن الخطّابِ يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، فدخلَ عُثمانُ بن عفّان المسجِدَ، فعرَّضَ به عُمرُ، فقال: ما بالُ رِجال يتأخَّرُونَ بعد النِّداءِ؟ فقال عُثمانُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما زِدتُ حينَ سمِعتُ النِّداء، أن توضَّأتُ ثُمَّ أقبلتُ، فقال عُمرُ: والوُضُوءَ أيضًا؟ أوَلَمْ تَسمعُوا أنّ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا أرادَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فليَغْتسِل" (١)؟ ففي هذا الحديثِ: أنَّ الرَّجُلَ: عُثمانُ بن عفّان، ولا أعلمُ خِلافًا بين أهلِ الحديثِ (٢) والسِّيرِ في ذلك، أنَّهُ عُثمانُ بن عفّان، وكذلك قال مالكٌ في سماع ابن القاسم منهُ. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينا هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يخطُبُ، فدخلَ رجُلٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، فناداهُ عُمرُ: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: إنِّي شُغِلتُ اليومَ، فلَمْ أنْقلِب إلى أهلي. حتّى سمِعتُ النِّداء، فلم أزِدْ أن توضَّأتُ. فقال عُمرُ: والوُضُوءَ أيضًا؟ وقد علِمتَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسل. قال مَعْمرٌ: الرَّجُلُ هُو عُثمانُ بن عفّان. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ (٤)، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، عن حُسينٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ داسَةَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن

стр. 3659

الأشْعَثِ، قال (١): حدَّثنا أبو تَوْبةَ الرَّبيعُ بن نافِع، قال: حدَّثنا مُعاويةُ. جميعًا عن يحيى - يعني: ابنَ أبي كثر - قال: أخبرني أبو سَلَمةَ، أنَّ أبا هُرَيرةَ أخبرهُ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينما هُو يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذ دخلَ رجُلٌ، فقال عُمرُ: أتَحْتَبِسُون عن الصَّلاةِ؟ فقال الرَّجُلُ: ما هُو إلّا أن سَمِعتُ النِّداء، فتَوضَّأتُ. فقال عُمرُ: والوُضُوءَ أيضًا؟ ألم تسمعُوا أنَّ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا أتَى أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتسِل"؟ وقرأتُ على سَعيدِ بن نصر وعبدِ الوارِثِ بن سُفيان، أنَّ قاسم بن أصْبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِق، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن أبي هُريرة، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينا هُو يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذ دخلَ عُثمانُ بن عفّان. فذكر الحديث (٢). وقد روى هذا الخبرَ: ابنُ عبّاس، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أخبرنا إسماعيلُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن العبّاسِ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الحميدِ الغَضائريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي عُمر العَدَنيُّ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن السَّريِّ، عن عُمرَ بن الوليدِ الشَّنِّيِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: جاء رجُلٌ والنَّبيُّ ﷺ يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "يَلْهُو أحدُكُم، حتّى إذا كادتِ الجُمُعةُ تفُوتُهُ، جاءَ يَتَخطَّى رِقاب النّاسِ يُؤذيهِم". فقال: ما فَعَلتُ يا رسُولَ الله، ولكن كُنتُ راقِدًا، ثُمَّ اسْتَيقظتُ، فقُمتُ وتوضَّأتُ، ثُمَّ أقبلتُ. فقال النَّبيُّ ﷺ :

стр. 3660

"أو يومَ الجُمُعةِ وُضُوءٌ! " (١). هكذا حُدِّثتُ (٢) به مرفُوعًا، وهُو عِندي وهمٌ، لا أدري مِمَّن، واللهُ أعلمُ. وإنَّما القِصَّةُ محفُوظةٌ لعُمر، لا للنَّبيِّ ﷺ . وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن ابن جُريج، قال: أخبَرني عَمرُو بن دينارٍ، أنَّ عِكْرِمةَ مولى ابن عبّاسٍ أخبرهُ: أنَّ عُثمان بن عفّان جاءَ وعُمرُ يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ. فذكر الحديثينِ، كحديثِ ابن عُمر وأبي هُريرة، بمعنًى واحِدٍ. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "أيَّةُ ساعةٍ هذه" فلم يُرِدِ الاسْتِفهامَ، وإنَّما هُو توبيخٌ في لفظِ الاسْتِفهام، معرُوفٌ في لسانِ العربِ، تقُولُ إذا أنْكَرتَ القولَ أوِ الفِعلَ: أيُّ شيءٍ هذا؟ ومنهُ قولُ عُمر أيضًا لعبدِ الله بن عيّاشِ بن أبي رَبِيعةَ: أنتَ قائل: لمكَّةُ خير من المدينة (٤)! وأمّا قولُهُ: "يا أميرَ المُؤمِنين انْقَلبتُ من السُّوقِ" فإنَّ عُمرَ بن الخطّابِ ﵁ أوَّلُ من دُعي بأميرِ المُؤمِنين، وإنَّما كانَ يُقالُ لأبي بكرٍ ﵁: خَلِيفةُ رسُولِ الله، وكان يُقالُ لعُمرَ: خَلِيفةُ أبي بكرٍ، حتّى تَسمَّى بهذا الاسم. وكان السَّببُ في ذلك، ما حدَّثناهُ أبو القاسم خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمد الحُسينُ بن جعفرٍ الزِّيّاتُ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو زكريّا يحيى بن أيُّوب بن بادي (٥) العلّافُ. وحدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عُثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح، قالا: حدَّثنا عَمرُو بن خالد، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن مُوسى بن عُقبةَ،

стр. 3661

عن الزُّهْريِّ: أنَّ عُمر بن عبدِ العزيزِ سألَ أبا بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمَةَ (١): لأيِّ شيءٍ كان أبو بكرٍ يكتُبُ: من خَلِيفةِ رسُولِ الله ﷺ . وكان عُمرُ يكتُبُ: من خَلِيفةِ أبي بكرٍ. ومن أوَّلُ من كتبَ: عبدُ الله أميرُ المُؤمِنين؟ فقال: حدَّثتني الشِّفاءُ - وكانت من المُهاجِراتِ الأُوَلِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّاب كتب إلى عامِلِ العِراقِ: ابْعَث إليَّ برجُلينِ جَلْدَينِ نَبِيلينِ، أسألهُما عن العِراقِ وَأهلِهِ. فبعثَ إليه عامِلُ العِراقِ بلَبيدِ بن رَبِيعةَ وعديِّ بن حاتِم، فلمّا قَدِما المدينةَ أناخا راحِلتَيْهِما بفِناءِ المسجِدِ، ثُمَّ دخلا المَسْجِد، فإذا هُما بعَمرِو بن العاصِ، فقالا لهُ: استأذِن لنا يا عَمرُو على أميرِ المُؤمِنين. فقال عَمرٌو: أنتُما أصبتُما اسمهُ، نحنُ المُؤمِنُون، وهُو أميرُنا. فوثَبَ عَمرٌو، فدخلَ فقال: السَّلامُ عليكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ، فقال عُمرُ: وما بَدا لك يا ابنَ العاص في هذا الاسم، ربِّي يعلمُ، لتخرُجَنَّ مِمّا قُلتَ. فقال: إنَّ لبيدَ بن ربيعةَ وعَدِيَّ بن حاتِم قَدِما، فأناخا راحِلتَيْهِما بفِناءِ المَسجِدِ، ثُمَّ دَخَلا المَسْجِدَ، فقالا لي: اسْتَأذِنْ لنا يا عَمرُو على أميرِ المُؤمِنين، فهُما والله أصابا اسْمَكَ، أنتَ الأميرُ، ونحنُ المُؤمِنُونَ. قال: فجَرَى الكِتابُ من يَومِئذٍ. قال يعقُوبُ: وكانتِ الشِّفاءُ جدَّة أبي بكر بن سُليمان (٢). وفي الحديثِ في هذا البابِ أيضًا: شُهُودُ الخيارِ والفُضلاءِ السُّوقَ ومُعاناة التَّجْرِ فيه، وهكذا كان المُهاجِرُون يُعانُون المُتاجِر؛ لأنَّهُ لم يكُن لهُم حِيطانٌ ولا غَلّاتٌ يَعْتمِرُونها، إلّا بعد حين، وكانتِ الأنصارُ ينظُرُونَ في أموالهِم ويَعْتمِرُونها.

стр. 3662

وفي هذا كلِّهِ دليلٌ على طلبِ الرِّزقِ، والتَّعرُّضِ لهُ والتَّحرُّفِ. وفيه: أنَّ السُّوقَ يومَ الجُمُعةِ لم يكُنِ النّاسُ يُمنَعُونَه، ومن تَجرَ فيه إلى وقتِ النِّداءِ، فإنَّ ذلك مُباحٌ إلى ذلك الوقتِ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أمرَ بتركِ البَيْع وبُطلانِ المتاجِرِ بعدَ سماع النِّداءِ، للسَّعيِ إلى ذِكرِ الله، لا لغيرِ ذلك. قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ (١): لا أرى أن يُمنَعَ أحدٌ الأسواقَ يومَ الجُمُعةِ؛ لأنَّها كانت قائمةً في زَمنِ عُمرَ بن الخطّابِ في ذلك الوقتِ. قال: والذّاهِبُ إلى السُّوقِ عُثمانُ. قيل لهُ: أيُمنعُ النّاسُ السُّوقَ قبلَ الأذانِ يومَ الجُمُعةِ؟ قال: لا. وفيه دليلٌ على أنَّ من أوامِرِ رسُولِ الله ﷺ ما يَكُونُ على غيرِ الوُجُوبِ فرضًا، وهذا معرُوفٌ في القُرآنِ والسُّنَّةِ في أوامِرِ الله وأوامِرِ رسُولِهِ ﵊، وقد أكثرَ النّاسُ في كُتُبِ الأُصُولِ من إيضاح ذلك، فكرِهتُ ذِكرَهُ هاهُنا. ومن الدَّليلِ على أنَّ أمرَ رسُولِ الله ﷺ بالغُسلِ يومَ الجُمُعةِ ليس بفَرْضٍ واجِب: أنَّ عُمرَ في هذا الحديثِ لم يأمُرْ عُثمانَ بالانصِرافِ للغُسلِ، ولا انصرَفَ عُثمانُ حين ذكَّرهُ عُمرُ بذلك، ولو كان الغُسلُ واجِبًا فرضًا للجُمُعةِ، ما أجْزَأتِ الجُمُعةُ إلّا بهِ، كما لا تُجزِئُ الصَّلاةُ إلّا بوُضُوءٍ للمُحدِثِ، أو بالغُسلِ للجُنُبِ، ولو كان كذلكَ، ما جَهِلهُ عُمرُ ولا عُثمان. وفي هذا كلِّهِ (٢) ما يُوضِّحُ لكَ أنَّ قولَ رسُولِ الله ﷺ في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وحديثِ أبي هُريرة: "غُسْلُ الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم، كغُسلِ الجنابة" (٣).

стр. 3663

وتفسيرُهُ: أنَّهُ وُجُوبُ سُنَّة واسْتِحباب، وفَضِيلة، وأنَّ قولَهُ: "كغُسلِ الجنابةِ" أرادَ به الهيئةَ والحالَ (١) والكيفيَّةَ، فمِن هذا الوجهِ وقعَ التَّشبيهُ بغُسلِ الجنابةِ، لا من جِهَةِ الوُجُوبِ، فافهَمْ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا هُدْبةُ، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قَتادةَ، عن الحَسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُب، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من توضَّأ يومَ للجُمُعةِ فبِها ونِعْمَت، ومنِ اغْتَسلَ، فالغُسلُ أفضلُ" (٢)، وقد ذكَرْنا شَرْحَ لفظِ هذا الحديثِ عن أهلِ اللُّغةِ في بابِ صفوانَ بن سُلَيْم. وقد أجمعَ المُسلِمُونَ قديمًا وحديثًا على أنَّ غُسلَ الجُمُعةِ ليس بفَرْضٍ واجِب، وفي ذلك ما يَكْفي ويُغني عن الإكثارِ. ولا يجُوزُ على الأُمَّةِ بأسرِها جَهلُ معنى السُّنَّةِ ومعنى الكِتاب، وهذا مفهُومٌ عِند ذوي الألباب، إلّا أنَّ العُلماءَ معَ إجماعِهِم على أنَّ غُسلَ الجُمُعةِ ليس بفرضٍ واجِب، اختلفُوا فيه: هل هُو سُنّةٌ مسنُونةٌ للأُمَّة أم هُو اسْتِحبابٌ وفضل، أو كان لعِلَّةٍ فارْتَفعت، وليس بسُنَّة؟ فذهب مالكٌ والثَّوريُّ وجماعةٌ

стр. 3664

من أهلِ العِلم (١): أنَّ غُسِلَ الجُمُعةِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ؛ لأنَّها قد عَمِلَ بها رسُولُ الله ﷺ والخُلفاءُ بعدهُ والمُسلِمُون، فاسْتَحبُّوها (٢) ونَدبُوا إليها. وهذا سبيلُ السُّنَنِ المُؤكَّدة (٣). فمن حُجَّةِ مَن ذهبَ هذا المَذْهبَ: حديثُ ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "مَن جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِلْ"، رواهُ سالمٌ (٤) ونافِعٌ (٥)، عن ابن عُمر. وهذا الأمرُ عندَهُم على النَّدبِ كما ذكرنا، ومِمّا يدُلُّ على أنَّهُ على النَّدبِ: حديثُ سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "منِ اغتسلَ يومَ الجُمُعةِ غُسلَ الجَنابةِ ثُمَّ راحَ، فكأنَّما قَرَّب بَدَنةً" (٦). وفي معنى حديثِ سُميٍّ في هذا الحديثِ، حديثُ أوس بن أوسٍ الثَّقفيِّ (٧)، وحديثُ عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاص (٨)، وآثارٌ كثيرةٌ تدُلُّ على فضلِهِ وتندُبُ إليه.

стр. 3665

ومِثلُ حديثِ ابن عُمر: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل" حديثُ ابن شِهاب، عن عُبيدِ بن السَّبّاقِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال في جُمُعةٍ من الجُمَع وهُو على المِنْبرِ: "يا مَعْشرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا يومٌ جَعلهُ اللهُ عيدًا للمُسلِمين فاغْتَسِلُوا، ومَن كان عندَهُ طِيبٌ فلا يَضُر أن يَمَسَّ منهُ، وعليكُم بالسِّواك" (١). فقد أمَرَهُم في هذا الحديثِ بالغُسلِ، وأخْذِ الطِّيبِ، والسِّواكِ، وليس واحِدٌ منهُما واجِبًا فِعلُهُ فرضًا، وكلُّ ذلك حسنٌ معرُوفٌ، مرغُوب فيه، مندُوبٌ إليه. وقدِ اختُلِف عن مالكٍ في هذا الحديثِ، وسنذكُرُ ذلك في مَوْضِعِهِ، من كِتابِنا هذا إن شاء اللهُ. ومثلُ ذلك من الآثارِ في غُسلِ الجُمُعةِ: ما رواهُ ابنُ وهب، عن عَمْرو بن الحارِثِ، عن سعيدِ بن أبي هِلال وبُكيْرِ بن الأشجِّ، عن أبي بكر بن المُنكدِرِ، عن عَمرو بن سُليم، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ على كلِّ مُحتلِم، والسَّواكُ، ويَمَسُّ من الطِّيبِ ما قدرَ عليه". ذكرهُ النَّسائيُّ (٢) وأبو داود (٣)، جميعًا عن محمدِ بن سلَمةَ المُراديِّ، عن ابن وهبٍ. ومِثلُهُ أيضًا: حديثُ بُكيْرِ بن الأشجِّ، عن نافِع، عن ابن عُمر، عن حَفْصةَ،

стр. 3666

عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "على كلِّ مُحتلِم رَواحٌ إلى الجُمُعةِ، وعلى من راح إلى الجُمُعةِ الغُسلُ". ذكرهُ أبو داود (١). ومِثلُهُ أيضًا: ما رواهُ مُفضَّلُ بن فَضالَةَ، عن يحيى بن أيُّوب، عن خالدِ بن يزيدَ، عن عبدِ الله بن مَسْرُوح (٢)، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "على من راحَ إلى الجُمُعةِ الغُسلُ، كما يغتسِلُ من الجَنابة" (٣)، حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا فَضالةُ بن مُفضَّلِ بن فَضالةَ، قال: حدَّثني أبي، فذكرهُ. وحديثُ أبي الزُّبيرِ، عن جابر، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذَكَر نحوَ ذلك أيضًا، حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤): حدَّثنا حُميدُ بن مَسْعَدةَ، قال: حدَّثنا بِشر، قال: حدَّثنا داودُ

стр. 3667

- وهُو ابنُ أبي هِندٍ - عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "على كلِّ رجُلٍ مُسلِم في كلِّ سَبْعةِ أيّام غُسلُ يوم، وهُو يومُ الجُمُعة". فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على وُجُوبِ سُنَّة، لما قدَّمنا من دليلِ حديثِ عُمر وعُثمانَ المذكُورِ في هذا البابِ، ودليلِ الإجماع، وغيرِ ذلك ممّا ذكرنا. وذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عن ابن جُريج، قال: سألتُ عطاءً فقلتُ لهُ: الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ واجِبٌ؟ قال: نعم، ومَن تركهُ فليس بآثِم. وذَهَبت طائفةٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ الغُسلَ يومَ الجُمُعةِ ليس بواجِبٍ وُجُوبَ سُنَّة، وليس بسُنَّة، وأنَّ الطِّيبَ يُغني عنهُ، وأنَّ الأمرَ به إنَّما كان لعِلَّةٍ قد زالت. واحتجُّوا بأنَّ ابنَ عُمرَ روى هذا الحديث في الأمرِ بغُسلِ الجُمُعةِ، وفسَّرهُ بهذا التَّفسيرِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عبدِ الواحِدِ المَوْصِليُّ بالموصِل، قال: حدَّثنا يحيى بن سُليم، عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: كان النّاسُ يغدُونَ في أعمالِهِم، فإذا كانتِ الجُمُعةُ جاؤُوا وعليهم ثياب رَدِيئةٌ، وألوانُها مُتغيِّرة. قال: فشَكَوْا ذلك إلى رسُولِ الله ﷺ ، فقال: "من جاءَ مِنكُم الجُمُعةَ فليَغْتسِلْ، وليتَّخِذ ثوبَيْنِ سِوى ثَوْبَيْ مِهْنتِه" (٢).

стр. 3668

وذَكَر مالكٌ (١)، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: أنَّهُ كان لا يرُوحُ إلى الجُمُعةِ إلّا ادَّهنَ وتَطيَّبَ، إلّا أن يكونَ حرامًا (٢). ولم يذكُرِ الغُسلَ. وهذه عائشةُ ﵂ رَوَت في ذلك ما ذكرنا عنها، ورُوي عنها أيضًا، أنَّها قالت: يُغتسلُ من أربع: من الجَنابةِ، والجُمُعةِ، والحِجامةِ، وغُسلِ الميِّتِ. وهُو حديثٌ ليس بالقويِّ (٣). وكانت تذهبُ في غُسلِ الجُمُعةِ إلى أنَّهُ ليس بواجِب، وتذكُرُ في العِلَّةِ ما ذَكَر ابنُ عُمر. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرةَ،

стр. 3669

عن عائشةَ، قالت: كان النّاسُ مُهّانَ (١) أنفُسِهِم، فيرُوحُون إلى الجُمُعةِ بهيئتِهم، فقيلَ لهم: لوِ اغْتَسلتُم (٢). وذكر الشّافِعيُّ (٣) وعبدُ الرَّزّاق (٤)، عن ابنِ عُيينةَ، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: إنَّما كان النّاسُ عُمّالَ أنفُسِهِم، وكانوا يرُوحُون بهيئتِهم، فقيلَ لهُم: لَوِ اغْتَسلتُم (٥). وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامة، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكين، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، مِثلَهُ سواءً (٦). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب (٧)، قال: أخبرنا محمُودُ بن خالد، عن الوليدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن العلاءِ بن زَبْر، أنَّهُ سمِعَ (٨) القاسمَ بنَ محمدِ بن أبي بكر، أنَّهُم ذَكَرُوا غُسْلَ يوم الجُمُعةِ عندَ عائشةَ، فقالت: إنَّما كان النّاسُ يسكُنُون العاليةَ، فيَحْضُرُونَ الجُمُعةَ وبهم وَسَخٌ، فإذا أصابهُمُ الرَّوحُ (٩) سطَعت أرواحُهُم، فيتأذَّى بهِمُ النّاسُ، فذُكِرَ ذلك لرسُولِ الله ﷺ فقال: "أولا يَغْتسِلُون؟ ".

стр. 3670

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنيُّ، قال: أخبرنا شَبابةُ بن سَوّارٍ، قال: حدَّثنا أبو زَبْرٍ (١)، قال: حدَّثنا القاسمُ بن محمد، عن عائشةَ، أنَّهُ ذُكِر عندَها غُسلُ الجُمُعة، فقالت: سُبحانَ الله! إنَّما كان النّاسُ يَسْكُنُون العاليةَ. فذكَرَ مِثلَهُ. وجاء عن ابنِ عبّاسٍ في ذلك كالذي جاء عن ابنِ عُمرَ وعائشةَ: أخبرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمد، عن عَمْرو بن أبي عَمْرٍو (٣)، عن عِكرِمةَ: أنَّ ناسًا من أهل العِراقِ جاؤُوا فقالوا: يا ابن عبّاس، الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ واجِب؟ قال: لا، ولكِنَّهُ أطهرُ وخَيْرٌ لمنِ اغتسلَ، ومن لم يَغْتسِلْ فليسَ عليه بواجِب، وسأُخبِرُكَ كيف كان بَدْءُ الغُسل: كان النّاسُ مَجْهُودينَ يَلْبَسُون الصُّوفَ، ويعمَلُونَ على ظُهُورِهِم، وكان مَسْجِدُهُم ضيِّقًا مُتقارِبَ السَّقْفِ، إنَّما هُو عَرِيشٌ، فخرجَ رسُولُ الله ﷺ في يوم حارٍّ وعَرِقَ النّاسُ في ذلكَ الصُّوفِ، حتّى ثارت منهُم رياحٌ، آذَى بذلكَ بعضُهُم بعضًا، فلمّا وجدَ رسُولُ الله ﷺ تِلكَ الرِّيحَ، قال: "أيُّها النّاسُ، إذا كان هذا اليومُ فاغْتَسِلُوا".

стр. 3671

ثُمَّ جاء اللهُ بالخيرِ، ولبِسُوا غيرَ الصُّوفِ، وكُفُوُا العملَ، ووُسِّعَ مسجِدُهُم، وذهبَ بعضُ (١) الذي كان يُؤذي بعضُهُم بعضًا من العَرَق. وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمْرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثني سُليمانُ بن بلال، قال: حدَّثني عَمْرُو بن أبي عَمرٍو، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبّاس، قال: الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ ليس بواجِب، ومنِ اغتسلَ فهُو خيرٌ وأطهرُ. ثُمَّ قال: كان النّاسُ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ يَلْبَسُون الصُّوفَ، وكان المسجِدُ ضيِّقًا مُتقارِبَ السَّقفِ، فخرجَ رسُولُ الله ﷺ في يوم صائفٍ شديدِ الحرِّ، ومِنبرُهُ صغيرٌ، إنَّما هُو ثَلاثُ دَرَجات، فخطَبَ النّاسَ، فعَرِقَ النّاسُ في الصُّوفِ فصارَ يُؤذي بَعضُهُم بعضًا، حتّى بلَغَت أرواحُهُم رسُولَ الله ﷺ وهُو على المِنْبرِ، فقال: "يا أيُّها النّاسُ، إذا كانَ هذا اليومُ فاغْتَسِلُوا، ولْيَمَسَّ أحدُكُم أطيبَ ما يجِدُ من طيبِه، أو دُهنِه" (٣). وأبو سعيدٍ الخُدريُّ رَوى وُجُوبَ غُسلِ الجُمُعة (٤)، وقد رَوَينا عنهُ ما يدُلُّ على أنَّهُ ليس بواجِب. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن عُمر (٦) بن راشِد، عن يحيى بن أبي كثير، عن

стр. 3672

أبي سلَمةَ، قال: سمِعتُ أبا سعيدٍ يقولُ: ثَلاثٌ هُنَّ على كلِّ مُسلِم في يوم الجُمُعةِ: الغُسلُ، والسَّواكُ، ويَمَسُّ طيبًا إن وَجَدَ. ومعلُومٌ أنَّ الطِّيبَ والسَّواكَ ليَسا بواجِبينِ، فكذلك الغُسلُ. ورَوَينا عنهُ مرفُوعًا أيضًا، ما حدَّثناه عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم (١)، قال: حدَّثنا صالحُ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن بَدْر، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيد، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "مَن أتى الجُمُعةَ فتوضَّأَ فبها ونِعْمَتْ، ومنِ اغتسلَ فالغُسلُ أفضلُ" (٢). وهذا الحديثُ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن الثَّوريِّ، عن رجُل، عن أبي نَضْرةَ، عن جابر، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ. وقد روى يزيدُ بنُ أبانَ الرَّقاشيُّ، عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٤). ورواهُ قَتادةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٥)، وحديثُ الحَسنِ

стр. 3673

عن سَمُرةَ، وإن كان الحسنُ لم يَسْمع من سَمُرةَ - فيما يقولُون، إلّا حديثَ العَقِيقةِ - أحسنُها إسنادًا، وقد قِيلَ (١): إنَّهُ سمِعَ من سمُرةَ غيرَ حديثِ العَقِيقةِ، وإلى هذا ذهبَ البُخاريُّ. وقولُهُ ﷺ : "من توضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبها ونعْمَتْ، ومنِ اغتسَلَ فالغُسلُ أفضلُ" بيانٌ واضِحٌ على سُقُوطِ وُجُوبِهِ، وأنَّهُ فضيلةٌ وسُنّةٌ مُستحبَّة. وكان الشّافِعيُّ (٢) يقولُ: إنَّهُ سُنَّةٌ، ويَحْتجُّ بحديثِ سَمُرةَ ومن تابعهُ، عن النَّبيِّ ﷺ ، في تفسيرِ وُجُوبِهِ، وبقولِ عائشةَ وما أشبههُ. ومِن أثبتِ حديثٍ في سُقُوطِ غُسلِ الجُمُعةِ، وهُو حديثٌ لم يَخْتلِفُوا في صِحَّةِ إسناده: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من توضَّأ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى الجُمُعةَ، واستمعَ وأنْصَتَ، غُفِر لهُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، وزيادةُ ثلاثةِ أيّام، ومن مسَّ الحَصا فقد لَغا". وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن الثَّوريِّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كانوا يَروْنَ غُسلًا واجِبًا إلّا غُسلَ الجَنابة، وكانوا يَسْتحِبُّون غُسلَ الجُمعة.

стр. 3674

قال عبدُ الرَّزّاق (١): وأخبرنا الثَّوريُّ، عن سعدِ بن إبراهيم، عن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن رجُل من أصحابِ محمدٍ ﷺ ، قال: حقُّ الله على كلِّ مُسلِم أن يَغْتسِلَ في كلِّ سبعةِ أيّام يومَ الجُمُعةِ، وأن يَسْتَنَّ، وأن يُصيبَ من طيبِ أهلِهِ. قال عبدُ الرَّزّاقِ: وهُو أحبُّ القولينِ إلى سُفيان، يقولُ: هُو واجِبٌ، يعني: وُجُوبَ سُنَّة. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٢)، عن ابنِ عُيَينةَ، عن مِسْعَر، عن (٣) وبَرَةَ، عن همّام بن الحارِثِ، عن ابنِ مسعُودٍ: أنَّ الغُسلَ يومَ الجُمُعةِ سُنّةٌ. وهذا أوْلى ما قيلَ به في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ، وهُو المُسْتعانُ.

стр. 3675

ابنُ شِهاب، عن عبدِ الله والحَسَن ابنَيْ محمد بن عليِّ بن أبي طالب حديثٌ واحدٌ هُما عبدُ الله (١) والحَسَنُ (٢) ابنا محمدِ بن الحَنَفيَّةِ، كانا جَلِيلَينِ عالمَيْنِ ثِقَتينِ، إلّا أنَّ عبد الله هذا تَنْتحِلُهُ الشِّيعةُ بأسْرِها، والحسنُ أوَّلُ من تكلَّمَ بالإرجاءِ، وعبدُ الله يُكْنَى أبا هاشِم، وكان عالمًا بالحِدْثان. قال العدويُّ في "كتاب النَّسَب": أبو هاشِم عبدُ الله بن محمدِ بن عليّ، كان عالِمًا أديبًا، وهُو الذي أخبرَ عن دَوْلةِ المُسوِّدةِ. وقد رَوى عنهُ الحديث: الزُهْريُّ وغيرُهُ. وقال مُصعبٌ الزُّبيريُّ: عبدُ الله بن محمدٍ يُكْنَى أبا هاشِم، وكان صاحِبَ الشِّيعةِ، فأوصَى إلى محمدِ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عبّاس، ودَفَع إليه كُتُبَهُ، وماتَ عِندهُ، وقدِ انقرضَ ولدُهُ، إلّا من قِبَلِ النَّساء (٣). وذكر الطَّبريُّ، قال (٤): كان أبو هاشِم عبدُ الله بن محمدِ بن الحَنَفيَّةِ أوصى إلى محمدِ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عبّاس، ودفع إليه كُتُبَهُ، وكان محمدُ بن عليٍّ وَصِيَّ أبي هاشِم، فقال لهُ أبو هاشِم: إنَّ هذا الأمرَ إنَّما هُو في وَلَدِكَ. وكانتِ الشِّيعةُ الذين يأتُون أبا هاشِم، ويختلِفُونَ إليهِ، قد صارُوا بعدَ ذلك إلى محمدِ بن عليٍّ. قال: وكان أبو هاشِم عالِمًا، قد سمِعَ وقَرأَ الكُتُبَ.

стр. 3676

قال الواقِديُّ: مات عبدُ الله بن محمدِ بن الحنفيَّةِ أبو هاشِم سنة سبْع (١) وتِسْعينَ، سُقي سُمًّا في لبنٍ، فمات منهُ. وقال العَدَويُّ: وأمّا الحسنُ بن محمدِ بن الحنفيَّة، فكان من أظرفِ فِتْيانِ قُريش، وكان أوَّلَ مَن وَضَعَ الرَّسائلَ، وكان رأسَ المُرجِئةِ الأُولى، وأوَّلَ من تكلَّم في الإرجاءِ، وكان داعيةَ أبيهِ، إذ كان أبوهُ في الشِّعبِ، ولمّا خرجَ الحسنُ داعيةً لأبيهِ، أخَذهُ إبراهيمُ بنُ الأشْترِ بنَصِيبين، فبعثَ به إلى مُصعبِ بن الزُّبيرِ، وكان إبراهيمُ بنُ الأشْتَرِ عامِلَ مُصعبٍ على نَصِيبين، فبعثَ به مُصعبُ بنُ الزُّبيرِ إلى أخيهِ عبدِ الله بن الزُّبيرِ، فحَبَسهُ في السَّجنِ، ثُمَّ أفْلَت منهُ. قال أبو عبدِ الله العَدَويُّ: فحدَّثنا عُثمانُ بن سعد، شيخٌ من أهلِ واسِط، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينة، عن عَمْرو بن دينار، قال: قلتُ للحسنِ بن محمد: كيف أفلتَّ من حبْسِ (٢) ابنِ الزُّبيرِ؟ قال: أفلتُّ ليلًا، فأخذتُ على أطرافِ الجِبالِ، حتّى أتيتُ أبي. قال العدويُّ: وكان السِّجنُ الذي حَبَسهُ فيه ابنُ الزُّبيرِ يُعرَفُ بسِجنِ عارِم، وهُو الذي عَنَى كُثيِّرُ عزَّة (٣) في قولِهِ: بلِ العائذُ المظلُومُ في سِجْنِ عارِمِ (٤)

стр. 3677

قال: وكان فقيهًا قد رَوى عنهُ الزُّهْريُّ، وعَمرُو بن دينارٍ فأكثرا. قال: ولمحمدِ بن عليِّ بن أبي طالِبٍ بنُونَ: عبدُ الله أبو هاشِم، والحسنُ - وقد مضى ذِكرُهُما - وجعفرُ بن محمدِ بن عليِّ بن أبي طالِب، قُتِل يومَ الحرَّة، والقاسمُ بن محمدِ بن عليّ، وبه كان يُكْنَى أبوهُ محمدُ بن الحنفيَّةِ، وإبراهيمُ بن محمد، وهُو الذي يُلقَّبُ شَعْرةَ، وكان شديدَ العارِضة. وقال مُصعبٌ (١): الحسنُ بن محمدِ بن عليِّ بن أبي طالِب، أمُّهُ جَمالُ بنتُ قَيْسِ بن مَخْرَمةَ بن المُطَّلِبِ بن عبدِ مَناف. قال: والحسنُ أوَّلُ مَن تكلَّم في الإرجاء. حدَّثني عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٢): حدَّثنا سُليمانُ بن أبي شَيْخ، قال: حدَّثنا حُجْرُ بن عبدِ الجبّارِ، عن عيسى بن عليٍّ، قال: مات أبو هاشِم بن محمدِ بن الحنفيَّةِ في عَسْكرِ الوليدِ بدِمشق، وقال (٣) مُصعبٌ الزُّبيريُّ: ماتَ بالحِجْرِ: من بلادِ ثمُود. قال مُصعبٌ: وتُوُفِّي الحَسَنُ بن محمدِ بن عليٍّ في خِلافةِ عُمر بن عبدِ العزيزِ. قال أبو عُمر: يُقالُ: سنةَ مئة. وحدَّثني عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال (٤): حدَّثنا أبو الفَتْح نصرُ بن المُغيرةِ، عن سُفيانَ بن عُيَينةَ، قال: قلتُ لعبدِ الواحِدِ بن أيمَن، وكان الحسنُ بن محمدٍ يَنزِلُ عليه إذا قدِمَ: من كان يأتيهِ؟ قال: عطاءٌ، وعَمرُو بن دينارٍ، والزُّبيرُ بن مُوسى، وغيرُهُم.

стр. 3678

مالكٌ (١)، عن ابنِ شِهاب، عن عبدِ الله والحسنِ ابنَيْ محمدِ بن عليّ، عن أبيهِما، عن عليِّ بن أبي طالب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن مُتْعةِ النَّساءِ يومَ خيبرَ، وعن أكلِ لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة. لم يختلِفْ رُواةُ المُوطَّأ فيما علِمتُ في إسنادِ هذا الحديثِ، ولا في متنِه (٢). ورواهُ يحيى بن أيُّوب المِصْريُّ، عن مالك، وأبو زُبيدٍ عَبْثرُ بن القاسم، عن سُفيانَ الثَّوريِّ، عن مالكٍ. فذكَرا فيه (٣) مُخاطبةَ عليٍّ لابنِ عبّاسٍ في المُتعة، قولَهُ لهُ: دَعْ عنكَ هذا، في رِواية يحيى بن أيُّوب، وفي رِوايِة عَبْثر: إنَّكَ امرُؤٌ تائهٌ، إنَّ رسُول الله ﷺ نَهَى عن مُتعةِ النَّساءِ يومَ خَيْبرَ، وعن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة. وقد رَوى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةٌ من الأئمَّةِ، منهُم: يحيى بنُ سعيد (٤)، وسُفيانُ بن سعيد، وعُمرُ (٥) بن محمدِ بن زيد (٦)، وحمّادُ بن زيدٍ، ووَرْقاءُ بن عُمر (٧)، فمنهُم من ذكر مُخاطبةَ عليٍّ لابنِ عبّاسٍ فيه، ومنهُم مَن ساقهُ كما في "المُوطَّأ". وهكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ: نَهَى عن مُتعةِ النَّساءِ يومَ خيبرَ، وعن أكلِ لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة.

стр. 3679

وقد تابَعهُ على ذلك جماعة، منهُم: مَعْمرٌ (١) ويُونُسُ بن يَزيد عن ابنِ شِهاب، ويحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ - ولم يسمَعْهُ يحيى بنُ سعيدٍ من ابن شِهاب، إنَّما سمِعهُ من مالك عن ابنِ شِهابٍ - وسُفيانُ بنُ حُسين، كلُّهُم اتَّفقُوا عن ابنِ شِهاب، فجَعَلُوا النَّهيَ عن مُتعةِ النِّساءِ يومَ خيبرَ، كما قال مالكٌ. وخالَفَهُمُ ابنُ عُيَينةَ فيما ذكر الحُميديُّ عنهُ، وفي رِوايةِ غيرِ (٢) الحُميديِّ ليس بمُخالفةٍ لهُم. وقد كان بعضُ أصحابِنا يقولُ: يَحتمِلُ حديثُ مالكٍ التَّقديمَ والتَّأخيرَ. كأنَّهُ أرادَ: نَهَى عن مُتعةِ النَّساءِ، وعن أكلِ لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّةِ يومَ خيبرَ. فيكونُ الشَّيءُ المنهيُّ عنهُ يومَ خيبرَ أكلَ لُحُوم الحُمُرِ خاصَّةً، ويكونُ النَّهيُ عن المُتْعةِ خارِجًا عن ذلك، موقُوفًا على وقتِهِ بدليلِهِ. وهذا تأويلٌ فيه بُعدٌ. وقد رَوى ابنُ بُكيرٍ (٣) هذا الحديثَ، عن مالكٍ بإسناده، فقال فيه: نَهَى عن نِكاح المُتْعةِ يومَ خَيْبر. لم يَزِدْ على ذلك. ورواهُ الشّافِعيُّ (٤)، عن مالكٍ بإسناده، عن عليٍّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى يومَ خيبرَ عن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّةِ، لم يَزِد على ذلك، وسكتَ عن قِصَّةِ المُتْعة، لما فيها من الاختلاف. فأمّا رِوايةُ يحيى بن سعيد، عن الزُّهْريِّ لهذا الحديثِ: فحدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن ناصِح المُفسِّرُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سعيدٍ القاضي، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوب، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال:

стр. 3680

أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله والحَسَنِ ابني محمدِ بن عليِّ بن الحنفيَّةِ، عن أبيهما (١): أنَّ عليًّا مرَّ بابنِ عبّاسٍ وهُو يُفْتي في مُتْعةِ النَّساءِ: أنَّهُ لا بأسَ بها، فقال لهُ عليٌّ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ نهَى عنها وعن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّةِ، يومَ خَيْبرَ (٢). ويقولُون: إنَّهُ لم يسمَعْهُ يحيى بنُ سعيدٍ من الزُّهْريِّ، وإنَّما رواهُ عن (٣) مالكٍ، عن الزُّهْريِّ. حدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا (٤) عبدُ الله بنُ عُمر، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا بكرُ بن خلف، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ الثَّقفيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الطّاهِرِ محمدُ بن أحمد بن عبدِ الله وعليُّ بن محمدِ بن عُمرَ الحرّانيُّ، قالا: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ المجيدِ، قال: سَمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ يقولُ: أخبرني مالكُ بنُ أنس، عن ابن شِهاب، أنَّ عبدَ الله والحسنَ ابنَيْ محمدِ بن عليٍّ أخبراهُ، أنَّ أباهُما أخبرهُما، أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ يومَ خيبرَ عن مُتعةِ النَّساء (٥).

стр. 3681

وهذا هُو الصَّحيحُ إن شاء اللهُ، لا رِوايةُ هُشَيْم، وأظُنُّ هذا الحديثَ منَ الأحاديثِ التي ذكرَ مالكٌ أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ قال لهُ في حينِ خُرُوجِهِ إلى العِراقِ: اكتُبْ لي في الأقضيةِ أحاديثَ ابنِ شِهاب، قال مالكٌ: ففعلتُ، ودفعتُها إليه. حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الطّاهِر، قال: حدَّثنا الحُسنُ (١) بن عليِّ بن الوليدِ الفَسَويُّ (٢)، قال: حدَّثنا خالدُ بن خِداش، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن مالكِ بن أَنَس، عن الزُّهْريِّ (٣) عن عبدِ الله بن محمدِ بن عليّ، عن أبيهِ، عن عليٍّ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن مُتعةِ النَّساءِ. قال حمّادٌ: وسمِعتُهُ من مالكٍ (٤). ورواهُ سُفيانُ الثَّوريُّ، عن مالك: حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى السِّجْزيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله بن محمدٍ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبّاسُ بن محمدِ بن نَصْرٍ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن كامِل، قالا: حدَّثنا سعيدُ بن عَمرٍو الأشْعَثيُّ، قال: حدَّثنا عَبْثرُ بن القاسم، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن مالكِ بن أنس، عن الزُّهْريِّ، عن الحسنِ بن محمدِ بن عليٍّ، عن أبيه (٥)، قال: تكلَّم عليٌّ وابنُ عبّاس في مُتعةِ النَّساء، فقال لهُ علي: إنَّكَ امرُؤٌ تائهٌ، إنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن مُتعةِ النَّساءِ يومَ خَيْبرَ، وعن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة (٦).

стр. 3682

أمّا رِوايةُ مَعْمرٍ: فذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، قال: أخبرنا الزُّهْريُّ، أنَّ الحَسَنَ وعبدَ الله ابْنَي محمدٍ، أخبراهُ عن أبيهِما محمدِ بن عليٍّ، أنَّهُ سمِعَ أباهُ عليَّ بن أبي طالبٍ قال لابنِ عبّاس، وبَلَغهُ أنَّهُ يُرخِّصُ في المُتعة، فقال لهُ عليٌّ: إنَّكَ امرُؤٌ تائهٌ، إنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنها يومَ خيبرَ، وعن لُحُوم الحُمُرِ الأهليّة. وأمّا رِوايةُ يُونُس: فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، [قال: حدَّثنا اللَّيثُ] (٢) قال: حدَّثني يُونُسُ، عن ابنِ شِهاب، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عليّ، أنَّهُ أخبرهُ، أنَّهُ سمِعَ محمدَ بنَ عليِّ بن أبي طالِبٍ وهُو يَعِظُ عبدَ الله بنَ عبّاس في فُتياهُ في المُتعة، ويقولُ لابنِ عبّاس: إنَّكَ رجُلٌ تائهٌ، إنَّما كانت رُخصتُهُ في أوَّلِ الإسلام، ثُمَّ نَهَى عنها رسُولُ الله ﷺ زمنَ خَيْبر، حينَ نَهَى عن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة. فقد بانَ من رِوايةِ يحيى بن سعيدٍ ومَعْمرٍ ويُونُسَ: أنَّ النَّهيَ عنها كان يومَ خيبرَ، فإنّ ذِكْرَ النَّهي عن المُتعةِ يومَ خيبرَ غَلَطٌ، فالأقربُ أن يكونَ هذا من غَلطِ ابن شِهاب، واللهُ أعلمُ، أو يكونَ رسُولُ الله ﷺ نَهَى عنها يومَ خيبرَ ثُمَّ أرخصَ فيها يومَ الفتح ثلاثة أيّام، ثُمَّ حرَّمها أيضًا، وفي حديثِ الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ما يدُلُّ على ذلك، وسنذكُرُ ذلك في هذا البابِ إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 3683

وأمّا إسقاطُ يُونُسَ - في رِوايتِهِ من إسنادِ هذا الحديثِ - الحسنَ بنَ محمد، فقد تابَعهُ عليه إسحاقُ بن راشِدٍ، إلّا أنَّهُ قال في موضِع "عامَ خيبرَ": "عامَ تبُوكَ". حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرٍ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمرٍو (٢)، عن إسحاق بن راشِد، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن محمد، عن أبيهِ، عن عليٍّ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ في غَزْوةِ تبُوكَ عن نِكاح المُتْعةِ. قال إسحاقُ: قلتُ للزُّهريِّ: فهلّا عن الحسنِ ذكرتَ الحديث؟ فقال: لو أنَّ الحسن حدَّثني، لم أشُكَّ (٣). وذِكرُ الحسنِ في هذا الحديثِ صحيحٌ، ذكرهُ مالكٌ ومعمرٌ وابنُ عُيينةَ ويحيى بن سعيدٍ وغيرُهُم، وليس إسحاقُ بن راشِدٍ مِمَّن يُلتفتُ إليه مع هؤُلاءِ، ولا يُعرَّجُ عليه، وإن كان حمّادُ بن زيدٍ قد روى هذا الحديثَ عن مَعْمرٍ ويحيى بن سعيد، عن ابنِ شِهاب، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عليّ، عن أبيهِ، عن عليٍّ، أنَّهُ أخبرهُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى يومَ خيبرَ عن مُتعةِ النَّساءِ وعن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة (٤)، لم يذكُرِ الحسن، ومن زادَ ذِكرَ الحسنِ في هذا الحديثِ، فالقولُ قولُهُ، وزيادتُهُ مقبُولةٌ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا (٥) عبدُ الله بن عُمر بن إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن شُعيبِ بن اللِّيثِ، قال: حدَّثني أبي، عن اللِّيثِ بن سعد، قال: حدَّثني يحيى بن أيُّوب، عن مالكِ بن أنس،

стр. 3684

عن ابن شِهاب، عن عبدِ الله وحسنٍ ابني محمدِ بن عليِّ، عن أبيهِما، أنَّهُ حدَّثهُما، أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ بلغهُ: أنَّ عبدَ الله بن عبّاسٍ يُرخِّصُ في المُتعةِ بالنَّساءِ، قال: دع هذا عنكَ، فإنَّ رسُولَ الله ﷺ قد نَهَى عنها، وعن لُحُوم الحُمُرِ الإنسيَّةِ يومَ خيبرَ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن ناصِح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ والقَواريريُّ (١) وأبو بكر بن أبي شيبة (٢) قالوا: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن حسنٍ وعبدِ الله ابنَيْ محمدِ بن عليّ، عن أبيهِما، عن عليٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن نِكاح المُتعةِ يومَ خيبرَ، وعن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: أخبرني حسنٌ وعبدُ الله ابنا محمدِ بن عليٍّ - وكان الحسنُ أرضاهُما - عن أبيهِما: أنَّ عليًّا قال لابنِ عبّاسٍ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن نِكاح المُتعةِ، وعن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّةِ يومَ خيبرَ. قال سُفيانُ: يعني أنَّهُ نَهَى عن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّةِ يوم خيبرَ، لا (٤) يعني نِكاحَ المُتعةِ.

стр. 3685

قال أبو عُمر: على هذا أكثرُ النّاسِ، واللهُ أعلمُ. وعندَ الزُّهْريِّ في هذا البابِ (١) حديث آخرُ، رواهُ عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ: حدَّثناهُ أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا وهبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني الرَّبيعُ بن سَبْرةَ، عن أبيهِ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن نِكاح المُتعةِ يوم الفتح (٢). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الهاشِميُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ - يعني: ابنَ سعدٍ (٣) - قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ الرَّبيع بن سَبْرةَ الجُهنيُّ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله ﷺ بالمُتْعةِ عامَ (٤) الفتح، ثُمَّ نَهَى عنها وقال: "هِيَ حرامٌ من حرام الله إلى يوم القيامة" (٥). وكذلك رواهُ إبراهيمُ بن عليٍّ التَّيميُّ، عن مالك، عن ابنِ شِهاب، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ ، عن مُتعةِ النَّساءِ عامَ الفتح، ولا يصِحُّ عن مالك.

стр. 3686

ورواهُ حمّادُ بن زيد، عن أيُّوب، عن الزُّهْريِّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن مُتعةِ النِّساءِ يومَ الفتح. فقلتُ: مِمَّن سمِعتهُ؟ فقال: حدَّثني رجُلٌ، عن أبيهِ، عن (١) عُمرَ بن عبدِ العزيزِ. وزعمَ مَعْمرٌ (٢) أنَّهُ الرَّبيعُ بن سَبْرةَ. وحديثُ حمّادِ بن زيدٍ هذا، عن أيُّوب: حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن زيد، فذكرهُ (٣). وقال آخرُونَ: إنَّما نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن نِكاح المُتعةِ عامَ حجَّةِ الوداع. واحتجُّوا بما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ التَّمّارُ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا

стр. 3687

عبدُ الرَّزّاق (١)، عن إسماعيلَ بن أُميَّة، عن الزُّهْريِّ، قال: كُنّا عندَ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، فتذاكَرْنا مُتعةَ النِّساءِ، فقال رجُلٌ يُقالُ لهُ: ربيعُ بن سَبْرَةَ: أشهدُ على أبي، أنَّهُ حدَّثَ عن (٢) رسُولِ الله ﷺ : [نَهَى عنها] (٣) في حَجَّةِ الوداع. وذهبَ أبو داود إلى أنَّ هذا (٤) أصحُّ ما رُوي في ذلك. وأمّا عبدُ الرَّزّاقِ، فذكرَ في كتابِهِ (٥) عن مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ حرَّمَ مُتعة النَّساءِ. هكذا قال، لم يَقُل وقت كذا. وقد ذكرهُ أبو داود، قال (٦) وقال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن فارِسٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ربيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ حرَّمَ مُتعةَ النَّساءِ. لم يَزِد. وقد رُوي عن مالكٍ هذا الحديثُ، عن الزُّهْريِّ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن المُتعةِ. هكذا مُختصرًا. رَوَتْهُ طائفةٌ لا يُحتجُّ بمِثلِها، عن مالك، وليس (٧) يصِحُّ فيه لمالك، عن ابنِ شِهابٍ غيرُ حديثِ (٨) هذا البابِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 3688

ورَوى هذا الحديثَ عبدُ العزيزِ بن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، بأتمِّ ألفاظ، وذكر فيه: أنَّ ذلكَ كان في حجَّةِ الوداع. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وهبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا عَبْدةُ بن سُليمانَ، عن عبدِ العزيزِ بن عُمرَ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ، قال: خرجنا معَ رسُولِ ﷺ في حجَّةِ الوَداع. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن روح، قال: حدَّثنا شبابةُ، قال: حدَّثنا وَرْقاءُ بن عُمرَ، عن عبدِ العزيزِ بن عُمرَ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ، قال: خرجنا مع رسُولِ الله ﷺ حُجّاجًا. وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن (٣) عُمرَ، عن الرَّبيع (٤) بن سَبْرة، عن أبيهِ، قال: خرجنا معَ رسُولِ الله ﷺ من المدينةِ في حجَّةِ الوداع - دَخَل حديثُ بعضِهِم في بعض - قال: حتّى إذا كُنّا بعُسْفان قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ العُمْرة قد دخلت في الحجِّ، فقامَ إليه سُراقةُ بن مالكِ بن جُعْشَم المُدلِجيُّ فقال: يا رسُولَ الله، علِّمْنا تعليمَ قوم كأنَّما وُلدُوا اليومَ، أرأيتَ عُمرتَنا هذه، لعامِنا هذا، أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد". قال: وقال

стр. 3689

رسُولُ الله ﷺ : "من قدِم منكُم مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروة، فقد حلَّ، إلّا من كان مَعهُ هديٌ". قال: فقَدِمنا مكَّه فطُفنا بالبيتِ، وبين الصَّفا والمروةِ، ثمَّ (١) حَلَلْنا. ثُمَّ قال النَّبيُّ ﷺ : "تمتَّعُوا من هذه النّسوان"، وفي حديث وَرْقاء: الاسْتِمتاعُ عندنا: التَّزويجُ. وفي حديثِ عَبْدة: قالوا: يا رسُول الله، إنَّ العُزْبةَ قد شَقَّت علينا، قال: "فاستمتِعُوا من هذه النَّساءِ"، قال: فأتيناهُنَّ، فأبَيْنَ أن ينكِحنَنا، إلّا أن نجعلَ بَيْننا وبينَهُنَّ أجلًا، فذَكروا ذلك، قال: فخرَجْتُ أنا وصاحِبٌ لي - وفي حديثِ وَرْقاء: وهُو ابنُ عمٍّ لي - وهُو أسنُّ مِنِّي وأنا أشَبُّ منهُ، وعليَّ بُردٌ وعليه بُردٌ، وبردُهُ أمْثَلُ من بُردي. قال: فأتينا امرأةً من بني عامر، فعرَضَنا عليها النِّكاحَ، فنَظَرت إليَّ وإليهِ، فقالت: بُردٌ كبُردٍ، والشّابُّ أعجبُ إليَّ منهُ. قال: فتزوَّجتُها، فكان الأجلُ بيني وبينَها عَشْرًا - وفي حديثِ مَعْمر: فاخْتارتني، فتزوَّجتُها ثلاثًا ببُردي. ثُمَّ اتَّفقُوا - فبِتُّ معها تِلكَ اللّيلةَ، ثُمَّ غدوتُ إلى المسجِدِ، فإذا رسُولُ الله ﷺ - قال: وَرْقاءُ: قائمٌ بين الرُّكنِ والبابِ، وهُو يقولُ. وقال مَعْمرٌ: على المِنبرِ - يَخْطُبُ، فسمِعتُهُ يقولُ: "إنّا كُنّا أذِنّا لكُم في الاستِمْتاع من هذه النَّساءِ، فمن كان تزوَّجَ امرأةً إلى أجل، فليُخلِّ سَبِيلَها، وليُعطِها ما سمَّى لها، وليُفارِقْها (٢) ولا تأخُذُوا مِمّا آتيتُمُوهُنَّ شيئًا، فإنَّ الله قد حرَّمَها عليكُم إلى يوم القيامَةِ"، وفي حديثِ ورقاء: "فإنَّهُنَّ حرامٌ من حَرام الله، وقد حرَّمتُها إلى يوم القيامةِ". قال أبو عُمر: وكان الحسنُ البصريُّ يقولُ: إنَّ هذه القِصَّة كانت في عُمرةِ القَضاءِ.

стр. 3690

ذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ (٢)، عن الحسنِ، قال: ما حلَّتِ المُتْعةُ قطُّ إلّا ثلاثًا في عُمرةِ القضاءِ، ما حلَّت قبلَها ولا بعدَها. قال أبو عُمر: لم أجِدْ هذا في حديثٍ مُسندٍ، إلّا من حديثِ ابنِ لَهيعةَ، حدَّثني أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ لَهيعةَ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن سَبْرةَ، قال: كُنتُ عندَ عُمر بن عبدِ العزيزِ وعِندهُ ابنُ شِهابٍ الزُّهْريُّ، فقال لي: كيفَ كان أمرُ أبيكَ في المُتعةِ؟ قال: قلتُ: سَمِعتُ أبي يقولُ: اعْتَمرنا معَ رسُولِ الله ﷺ عُمرةً، فأذِنَ لنا في المُتْعةِ (٣) فخرجتُ أنا وابنُ عمِّي إلى مَكَّةَ، فرأينا امْرأةً، كأنَّها بكرةٌ عَيْطاءُ (٤)، فعَرَضنا عليها أنفُسنا ببُرْدَينا، وكُنتُ أشبَّ من ابنِ عمِّي، وكان بُردُ ابنِ عمِّي خيرًا من بُردي، فجعلت تنظُرُ إليَّ، فقال ابنُ عمِّي: إنَّ بُرْدي خيرٌ من بُردِهِ، فقالت: قد رَضِيناهُ على ما كان من بُردِهِ. فتمتَّعنا بهِنَّ ثلاث ليال، ثُمَّ إنَّ رسُولَ الله ﷺ زَجَرنا عنهُنَّ بعد ثالِثةٍ. قال: فقال عُمرُ بن عبدِ العزيزِ: ما سمِعتُ في المُتعةِ بحديثٍ هُو أثبتُ من هذا. ورَوَى اللِّيثُ بن سعد، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ الجُهنيِّ، عن أبيهِ، قال: رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ في المُتعةِ، فانطلقتُ أنا ورَجُلٌ إلى امرأةٍ من بني عامِرٍ، كأنَّها بكرةٌ عَيْطاءُ، فعرضنا عليها أنفُسنا، فقالت: ما تُعْطي؟ فقلتُ: رِدائي، وقال صاحِبي: رِدائي. وكُنتُ أشبَّ منهُ، فإذا نظرت إلى رِداءِ صاحِبي أعْجَبها، وإذا

стр. 3691

نظرت إليَّ أعجبتُها، فقالت: أنتَ ورِداؤُك يَكْفيني. فمَكَثتُ معها ثلاثة أيّام، ثُمَّ إنَّ رسُولَ الله ﷺ نادى: "من كانَ معهُ شيءٌ من النَّساءِ التي يتمتَّعُ بهِنَّ، فليُخلِّ سَبِيلها". لم يذكُرِ اللِّيثُ الوقتَ، لا في حجَّةِ الوداع، ولا في عُمرةِ القضاءِ، ولا في غيرِ ذلك. أخبرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا اللِّيثُ، فذكرهُ (١). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ ربِّهِ، عن عبدِ العزيزِ بن عُمرَ، عن الرَّبيع بن سبْرةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسُول الله ﷺ رخَّصَ في المُتعةِ، ثُمَّ (٢) انتهيتُ إليه بعد ثالثةٍ، فإذا هُو يُحرِّمُها أشدَّ التَّحريم، ويقولُ فيها أشدَّ القَوْل (٣). وعندَ عُقيل في هذا الحديثِ إسنادٌ ليس عِند غيرِهِ: عن ابنِ شِهاب، عن سَهْلِ بن سعد، عن النَّبيِّ ﷺ ، إلّا أنَّهُ من حَديثِ ابن لَهيعَةَ. حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ المِصريُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا يحيى (٤) بن عُثمان بن صالح، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابنُ لَهيعَةَ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شِهاب، أنَّهُ أخبرهُ، عن سَهْلِ بن سعدٍ

стр. 3692

السّاعِديِّ ثُمَّ العجلانيِّ، قال: إنَّما رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ في المُتْعةِ، لعُزبةٍ كانت بالنّاسِ شَدِيدةٍ، ثُمَّ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عنها بعد ذلكَ (١). وأمّا سَلَمةُ بن الأكوع، فرُوي عنهُ، أنَّهُ قال: إنَّما رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ عام أوْطاس (٢) في المُتعةِ ثلاثًا، ثُمَّ نَهَى عنها. ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا يُونُس بن محمد، قال حدَّثنا: عبدُ الواحدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا (٤) أبو العُمَيسِ: عن إياسِ بن سَلَمة، عن أبيهِ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا (٥) محمدُ بن بشّار، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن ابنِ أبي ذِئب، عن إياسِ بن سلَمةَ بن الأكوع، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أيُّما رَجُل تمتَّعَ، فعِشْرةُ ما بينهُما ثلاثةُ أيّام، فإن أحبّا (٦) أن يَزْدادا، ازدادا، وإن أحبّا أن يَتَتارَكا تتارَكا" (٧). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّار، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرو بن دينار، قال: سمِعتُ الحسن بن محمد، يُحدِّثُ عن جابرِ بن عبدِ الله
следующие страницы →