← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3688–3727 · переход к 3693.

стр. 3688

ورَوى هذا الحديثَ عبدُ العزيزِ بن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، بأتمِّ ألفاظ، وذكر فيه: أنَّ ذلكَ كان في حجَّةِ الوداع. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وهبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا عَبْدةُ بن سُليمانَ، عن عبدِ العزيزِ بن عُمرَ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ، قال: خرجنا معَ رسُولِ ﷺ في حجَّةِ الوَداع. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن روح، قال: حدَّثنا شبابةُ، قال: حدَّثنا وَرْقاءُ بن عُمرَ، عن عبدِ العزيزِ بن عُمرَ، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ، عن أبيهِ، قال: خرجنا مع رسُولِ الله ﷺ حُجّاجًا. وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن (٣) عُمرَ، عن الرَّبيع (٤) بن سَبْرة، عن أبيهِ، قال: خرجنا معَ رسُولِ الله ﷺ من المدينةِ في حجَّةِ الوداع - دَخَل حديثُ بعضِهِم في بعض - قال: حتّى إذا كُنّا بعُسْفان قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ العُمْرة قد دخلت في الحجِّ، فقامَ إليه سُراقةُ بن مالكِ بن جُعْشَم المُدلِجيُّ فقال: يا رسُولَ الله، علِّمْنا تعليمَ قوم كأنَّما وُلدُوا اليومَ، أرأيتَ عُمرتَنا هذه، لعامِنا هذا، أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد". قال: وقال

стр. 3689

رسُولُ الله ﷺ : "من قدِم منكُم مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروة، فقد حلَّ، إلّا من كان مَعهُ هديٌ". قال: فقَدِمنا مكَّه فطُفنا بالبيتِ، وبين الصَّفا والمروةِ، ثمَّ (١) حَلَلْنا. ثُمَّ قال النَّبيُّ ﷺ : "تمتَّعُوا من هذه النّسوان"، وفي حديث وَرْقاء: الاسْتِمتاعُ عندنا: التَّزويجُ. وفي حديثِ عَبْدة: قالوا: يا رسُول الله، إنَّ العُزْبةَ قد شَقَّت علينا، قال: "فاستمتِعُوا من هذه النَّساءِ"، قال: فأتيناهُنَّ، فأبَيْنَ أن ينكِحنَنا، إلّا أن نجعلَ بَيْننا وبينَهُنَّ أجلًا، فذَكروا ذلك، قال: فخرَجْتُ أنا وصاحِبٌ لي - وفي حديثِ وَرْقاء: وهُو ابنُ عمٍّ لي - وهُو أسنُّ مِنِّي وأنا أشَبُّ منهُ، وعليَّ بُردٌ وعليه بُردٌ، وبردُهُ أمْثَلُ من بُردي. قال: فأتينا امرأةً من بني عامر، فعرَضَنا عليها النِّكاحَ، فنَظَرت إليَّ وإليهِ، فقالت: بُردٌ كبُردٍ، والشّابُّ أعجبُ إليَّ منهُ. قال: فتزوَّجتُها، فكان الأجلُ بيني وبينَها عَشْرًا - وفي حديثِ مَعْمر: فاخْتارتني، فتزوَّجتُها ثلاثًا ببُردي. ثُمَّ اتَّفقُوا - فبِتُّ معها تِلكَ اللّيلةَ، ثُمَّ غدوتُ إلى المسجِدِ، فإذا رسُولُ الله ﷺ - قال: وَرْقاءُ: قائمٌ بين الرُّكنِ والبابِ، وهُو يقولُ. وقال مَعْمرٌ: على المِنبرِ - يَخْطُبُ، فسمِعتُهُ يقولُ: "إنّا كُنّا أذِنّا لكُم في الاستِمْتاع من هذه النَّساءِ، فمن كان تزوَّجَ امرأةً إلى أجل، فليُخلِّ سَبِيلَها، وليُعطِها ما سمَّى لها، وليُفارِقْها (٢) ولا تأخُذُوا مِمّا آتيتُمُوهُنَّ شيئًا، فإنَّ الله قد حرَّمَها عليكُم إلى يوم القيامَةِ"، وفي حديثِ ورقاء: "فإنَّهُنَّ حرامٌ من حَرام الله، وقد حرَّمتُها إلى يوم القيامةِ". قال أبو عُمر: وكان الحسنُ البصريُّ يقولُ: إنَّ هذه القِصَّة كانت في عُمرةِ القَضاءِ.

стр. 3690

ذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عن مَعْمرٍ (٢)، عن الحسنِ، قال: ما حلَّتِ المُتْعةُ قطُّ إلّا ثلاثًا في عُمرةِ القضاءِ، ما حلَّت قبلَها ولا بعدَها. قال أبو عُمر: لم أجِدْ هذا في حديثٍ مُسندٍ، إلّا من حديثِ ابنِ لَهيعةَ، حدَّثني أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ لَهيعةَ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن سَبْرةَ، قال: كُنتُ عندَ عُمر بن عبدِ العزيزِ وعِندهُ ابنُ شِهابٍ الزُّهْريُّ، فقال لي: كيفَ كان أمرُ أبيكَ في المُتعةِ؟ قال: قلتُ: سَمِعتُ أبي يقولُ: اعْتَمرنا معَ رسُولِ الله ﷺ عُمرةً، فأذِنَ لنا في المُتْعةِ (٣) فخرجتُ أنا وابنُ عمِّي إلى مَكَّةَ، فرأينا امْرأةً، كأنَّها بكرةٌ عَيْطاءُ (٤)، فعَرَضنا عليها أنفُسنا ببُرْدَينا، وكُنتُ أشبَّ من ابنِ عمِّي، وكان بُردُ ابنِ عمِّي خيرًا من بُردي، فجعلت تنظُرُ إليَّ، فقال ابنُ عمِّي: إنَّ بُرْدي خيرٌ من بُردِهِ، فقالت: قد رَضِيناهُ على ما كان من بُردِهِ. فتمتَّعنا بهِنَّ ثلاث ليال، ثُمَّ إنَّ رسُولَ الله ﷺ زَجَرنا عنهُنَّ بعد ثالِثةٍ. قال: فقال عُمرُ بن عبدِ العزيزِ: ما سمِعتُ في المُتعةِ بحديثٍ هُو أثبتُ من هذا. ورَوَى اللِّيثُ بن سعد، عن الرَّبيع بن سَبْرةَ الجُهنيِّ، عن أبيهِ، قال: رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ في المُتعةِ، فانطلقتُ أنا ورَجُلٌ إلى امرأةٍ من بني عامِرٍ، كأنَّها بكرةٌ عَيْطاءُ، فعرضنا عليها أنفُسنا، فقالت: ما تُعْطي؟ فقلتُ: رِدائي، وقال صاحِبي: رِدائي. وكُنتُ أشبَّ منهُ، فإذا نظرت إلى رِداءِ صاحِبي أعْجَبها، وإذا

стр. 3691

نظرت إليَّ أعجبتُها، فقالت: أنتَ ورِداؤُك يَكْفيني. فمَكَثتُ معها ثلاثة أيّام، ثُمَّ إنَّ رسُولَ الله ﷺ نادى: "من كانَ معهُ شيءٌ من النَّساءِ التي يتمتَّعُ بهِنَّ، فليُخلِّ سَبِيلها". لم يذكُرِ اللِّيثُ الوقتَ، لا في حجَّةِ الوداع، ولا في عُمرةِ القضاءِ، ولا في غيرِ ذلك. أخبرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا اللِّيثُ، فذكرهُ (١). حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ ربِّهِ، عن عبدِ العزيزِ بن عُمرَ، عن الرَّبيع بن سبْرةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسُول الله ﷺ رخَّصَ في المُتعةِ، ثُمَّ (٢) انتهيتُ إليه بعد ثالثةٍ، فإذا هُو يُحرِّمُها أشدَّ التَّحريم، ويقولُ فيها أشدَّ القَوْل (٣). وعندَ عُقيل في هذا الحديثِ إسنادٌ ليس عِند غيرِهِ: عن ابنِ شِهاب، عن سَهْلِ بن سعد، عن النَّبيِّ ﷺ ، إلّا أنَّهُ من حَديثِ ابن لَهيعَةَ. حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ المِصريُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا يحيى (٤) بن عُثمان بن صالح، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابنُ لَهيعَةَ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شِهاب، أنَّهُ أخبرهُ، عن سَهْلِ بن سعدٍ

стр. 3692

السّاعِديِّ ثُمَّ العجلانيِّ، قال: إنَّما رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ في المُتْعةِ، لعُزبةٍ كانت بالنّاسِ شَدِيدةٍ، ثُمَّ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عنها بعد ذلكَ (١). وأمّا سَلَمةُ بن الأكوع، فرُوي عنهُ، أنَّهُ قال: إنَّما رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ عام أوْطاس (٢) في المُتعةِ ثلاثًا، ثُمَّ نَهَى عنها. ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا يُونُس بن محمد، قال حدَّثنا: عبدُ الواحدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا (٤) أبو العُمَيسِ: عن إياسِ بن سَلَمة، عن أبيهِ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا (٥) محمدُ بن بشّار، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن ابنِ أبي ذِئب، عن إياسِ بن سلَمةَ بن الأكوع، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أيُّما رَجُل تمتَّعَ، فعِشْرةُ ما بينهُما ثلاثةُ أيّام، فإن أحبّا (٦) أن يَزْدادا، ازدادا، وإن أحبّا أن يَتَتارَكا تتارَكا" (٧). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّار، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرو بن دينار، قال: سمِعتُ الحسن بن محمد، يُحدِّثُ عن جابرِ بن عبدِ الله

стр. 3693

وسلَمةَ بن الأكْوَع، قالا: خرجَ مُنادي (١) رسُولِ الله ﷺ ، فقال: إنَّ رسُول الله قد أذِنَ لكُم، فاسْتَمتِعُوا. يعني: مُتْعةَ النِّساء (٢). وفي هذا الباب أيضًا حديثُ ابنِ مسعُودٍ؛ حدّثناهُ سعيدُ بن نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا وكيعٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عبدِ الله، قال: كُنّا (٤) ونحنُ شبابٌ، فقُلنا: يا رسُولَ الله، ألا نَسْتَخصي؟ قال: "لا" ثُمَّ رخَّصَ لنا أن نَنْكِح المرأةَ بالثَّوب إلى أجَل، ثُمَّ قَرَأ عبدُ الله بن مسعُودٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. ورَوى هذا الحديثَ عبدُ الرَّزّاقِ (٥) وغيرُهُ عن ابنِ عُيينةَ، عن إسماعيلَ، عن قَيْسٍ، عن ابنِ مسعُودٍ، مِثلهُ، فنَهانا أن نَخْتَصي، وأمرنا أن نَتَزوَّج المرأةَ بالشِّيءِ، ثُمَّ نَهانا عنها يومَ خيبرَ، وعن لُحُوم الحُمُرِ الإنسيَّة. فهذا ما في هذا البابِ من المُسندِ. وأما الصَّحابةُ، فإنَّهم اختلفُوا في نكاح المُتعةِ، فذهَبَ ابنُ عبّاسٍ إلى إجازتها وتَحْليلها، لا خِلافَ عنه في ذلك، وعليه أكثرُ أصحابهِ، منهم: عَطاءُ بن أبي رَباح،

стр. 3694

وسعيدُ بن جُبير، وطاووسٌ. ورُوي تَحْليلُها أيضًا وإجازتُها عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وجابرِ بن عبد الله. وذكر عبد الرَّزّاق (١)، عن ابن جُريج، عن عَطاء، قال: أخبرني من شِئتَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: لقَدْ كانَ أحدُنا يَسْتمتعُ بمثلِ القَدَح سَوِيقًا. وأخبرني أبو (٢) الزُّبيرِ، قال: سمعتُ جابرَ بن عبد الله، يقول: كُنّا نَسْتمتعُ بالقَبْضةِ من التَّمرِ والدَّقيقِ الأيّامَ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، حتّى نَهَى عُمرُ النّاسَ عنها في شأنِ عَمرو بن حُرَيثٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّار، قال: أخبرنا محمدُ بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرو بن دينار، قال: أخبرني من سمِعَ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: تَمتَّعنا إلى النَّصْفِ من خِلافةِ عُمرَ. يعني: مُتعةَ النَّساءِ. ورَوَى مالكٌ (٣) عن ابن شِهاب، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، أنَّ خَوْلةَ (٤) بنتَ حَكِيم دخَلَت على عُمرَ بن الخطّابِ، فقالت: إنَّ رَبِيعةَ بن أُميَّةَ اسْتَمتعَ بامرأةٍ مُولَّدةٍ، فحمَلَتْ منهُ، فخرجَ عُمرُ بن الخطّابِ فَزِعًا يَجُرُّ رداءهُ، فقال: هذهِ المُتعةُ، ولو كنتُ تَقدَّمتُ فيها، لرَجَمتُ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدةَ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ يزيدُ بن سِنانٍ البصريُّ، قال: حدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا

стр. 3695

مالكُ بن أنَس، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال عُمرُ: مُتْعتانِ كانَتا على عهدِ رسُولِ الله ﷺ أنا أنهَى عنهُما، وأُعاقِبُ عَليهِما: مُتعةُ النَّساءِ، ومُتعةُ الحَجِّ (١). وذكرَ عبد الرَّزّاق (٢)، عن ابن جُريج، قال: أخبرني عَطاءٌ، أنَّهُ سمِعَ: ابن عبّاس، يَراها حلالًا حتّى الآنَ، وأخبرني أنَّهُ كان يقرأُ: "فما اسْتَمتعتُم به منهُنَّ إلى أجَلٍ مُسمًّى فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ". قال: وقال ابنُ عبّاسٍ: في حرفِ أُبَيٍّ: "إلى أَجَلٍ مُسمًّى". قال أبو عُمرَ: وقرأها أيضًا هكذا "إلى أَجَلٍ مُسمًّى": علي بن حُسين، وابنه أبو جَعْفرٍ محمد بن عليّ، وابنه جَعْفرُ بن محمدٍ، وسعيدُ بن جُبير، هكذا كانوا يقرؤونَ (٣). وذكر عبد الرَّزّاق (٤)، عن ابن جُريج، عن عَطاء، قال: أوَّلُ من سمعتُ منه المُتْعةَ صَفْوان بن يَعْلَى، قال: أخبرني يعلَى: أنَّ مُعاويةَ اسْتَمتعَ بامرأةٍ بالطَّائفِ، فأنكرتُ ذلك عليه، فدخَلْنا على ابن عبّاس، فذكَرَ له بعضُنا ذلك، فقال: نعَمْ، فلَمْ تقَرَّ بي (٥) نفسي، حتّى قدِمَ (٦) جابرُ بن عبد الله. قال: فجئناهُ في منزلهِ، فسألهُ القومُ عن أشياءَ، ثُمَّ ذكرُوا لهُ المُتْعةَ، فقال: نعم، اسْتَمتعنا على عهدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعُمرَ، حتّى إذا كانَ في (٧) آخرِ خِلافةِ عُمرَ، اسْتَمتعَ عَمرو بن حُريثِ بامْرَأة - سمّاها جابرٌ، ونسيتُ اسمَها - فحَمَلت المرأةُ، فبلغَ ذلك

стр. 3696

عُمرَ، فدَعاها فسألها، فقالت له: نعم، قال: من أشْهَدَ؟ قال عَطاءٌ: فلا أدري، قالت: أُمِّي وابنها، أو أخاها وابْنَها، قال: فهَلّا غَيرَهما؟ فنَهَى عن ذلك. قال عطاءٌ: وسمعتُ ابن عبّاس، يقول: يَرْحم الله عُمرَ، ما كانتِ المُتْعةُ إلّا رحمةً (١) من الله، رحِمَ بها أُمَّة محمدٍ ﷺ ، ولولا نَهْيُه عنها، ما احتاجَ إلى الزِّنَى إلّا شقيٌّ. قال عطاءٌ: فهي التي في سُورة النِّساء: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] إلى كذا وكذا من الأجلِ، على كذا وكذا، ليسَ بتشاور، فإن بَدا لهُما أن يتَراضَيا بعدَ الأجلِ، وأنْ يتفرَّقا، فنعم، وليسَ بنكاح. قال ابن جُرَيج: وسألتُ عطاء: أيَسْتمتِعُ الرَّجُل بأكثرَ من أربع جميعًا، وهل الاسْتِمتاعُ إحصانٌ، وهل يَحلُّ استمتاعُ المرأةِ لزوجها الذي بتَّها (٢)؟ قال: ما سمِعتُ فيهنَّ شيئًا (٣)، وما راجَعتُ فيهنَّ أصحابي (٤). وعن ابن جُريج، قال: أخبرني عبدُ الله بن عُثمانَ بن خُثَيم، قال: كانت بمَكَّة امرأةٌ عراقيَّةٌ تنسكُ (٥) جميلةٌ، لها ابنٌ يُقالُ له: أبو أُميَّةَ، وكان سعيدُ بن جُبيرٍ يُكثرُ الدُّخولَ عليها، قال: قلتُ: يا أبا عبدِ الله، ما أكثرَ ما تدخُلُ على المرأةِ، قال: إنّا قد نكَحْناها ذلك النِّكاحَ للمُتعةِ. قال ابن جُريج: وأُخبِرتُ أنَّ سعيدًا، قال: هي أحلُّ من شُربِ الماء. يعني المُتْعةَ (٦). قال أبو عُمرَ: هذه آثارٌ مَكيَّةٌ عن أهل مكَّةَ، قد رُوي عن ابن عبّاسٍ خلافُها،

стр. 3697

وسنذكُر ذلك، وقد كان العُلماءُ قديمًا وحديثًا يُحذِّرونَ النّاس من مذهب المَكِّيينَ أصحابِ ابن عبّاس ومن سلكَ سبيلَهم في المُتْعةِ والصَّرفِ، ويُحذِّرونَ النّاسَ من مذهب الكُوفيِّينَ أصحابِ ابن مسعُود ومَن سلكَ سبيلَهُم، في النَّبيذِ الشَّديد، ويُحذِّرون النّاسَ من مذهبِ أهل المدينةِ في الغناءِ. وقد رُوي عن النِّبيِّ ﷺ في تحريم نكاح المُتْعةِ مِمّا قد ذكرناه ما فيه شِفاءٌ، وليسَ أحدٌ من خلقِ الله إلّا يُؤخَذُ من قولهِ ويُتركُ، إلّا رَسُولَ الله ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهنيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيز (١)، قال: حدَّثنا أبو عُبيد، قال: حدَّثنا ابنُ بُكير، عن اللِّيثِ، عن بُكيرِ بن عبدِ الله بن الأشَجِّ، عن عمّارٍ مولى الشَّريدِ، قال: سألتُ ابن عبّاسٍ عن المُتعةِ، أسِفاحٌ هي أم نِكاحٌ؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: لا سِفاحٌ ولا نِكاحٌ. قلتُ: فما هي؟ قال: هي المُتعةُ، كما قال اللهُ. قلتُ: هل لها من عِدَّةٍ؟ قال: نعم، عِدَّتُها حَيْضةٌ. قلتُ: يتَوارثانِ؟ قال: لا (٢). وأجمعُوا أنَّ المُتْعة نِكاحٌ لا إشهادَ فيه، ولا وليَّ، وأنَّهُ نِكاحٌ إلى أجَل، تَقعُ فيه الفُرقةُ بلا طلاق، ولا مِيراثَ بينهما، وهذا ليسَ حُكمَ الزَّوجاتِ في كتابِ الله، ولا سُنَّةِ رسُولهِ ﷺ . حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: أخبرنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٣): حدَّثنا بِشْرُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا نافِعُ بن عُمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّ عائشةَ كانت إذا سُئلت عن المُتْعةِ، قالت: بَيْني

стр. 3698

وبينكُم كِتابُ الله، قال اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. قالت: فمَنِ ابتغَى غير ما زوَّجَهُ اللهُ، أو ما ملَّكهُ، فقد عَدا (١). وذكر عبد الرَّزّاق (٢)، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن القاسم بن محمد، قال: إنِّي لأرَى تَحْريمَها في القُرآن. قال: قلتُ: فأينَ؟ قال: فقَرَأ عليَّ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾، الآيةَ. قال مَعْمرٌ: قال الزُّهْريُّ: ازدادتِ العُلماءُ لها مَقْتًا، حَتّى قال الشّاعرُ: يا صاحِ هل لكَ في فُتيا ابن عبّاسِ قال أبو عُمر: هُما بَيْتان: قال المُحدِّث لمّا طالَ مَجْلسُه ... يا صاحِ هل لكَ في فُتيا ابن عبّاسِ في بَضَّةٍ رخصةِ الأطراف آنسةٍ (٣) ... تكون مثواكَ حتّى مَرْجع النّاسِ وقد أخبرنا محمد، قال: حدَّثنا علي بن عُمرَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ النَّيْسابُوريُّ، قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الرَّحمنِ بن وهب، قال: قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثنا يُونُس ومالكُ بن أنس، عن الزُّهريِّ، عن عُروة بن الزُّبيرِ، [أنَّ عبدَ الله بن الزُّبير] (٤) قام بمكَّةَ، فقال: إنَّ ناسًا أعْمَى الله قُلوبَهم، كما أعْمَى أبصارَهُم، يُفتونَ بالمُتعةِ.

стр. 3699

بالمُتعةِ. يُعرِّضُ برجُل، فناداهُ، فقال: إنَّكَ جِلْفٌ جافٍ، لعَمْري، لقد كانت المُتْعةُ تُعملُ في عهدِ إمام المُتَّقينَ. يُريدُ رسُولَ الله ﷺ . فقال ابن الزُّبَير: فجَرِّب بنفسكَ، فوالله لئن فعَلتَها لأرجُمنَّكَ بأحجارِكَ (١). قال الدّارقُطْنيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ، ما سمعناهُ إلّا من النَّيسابُوريِّ. وأمّا قولهُ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، فللعُلماء في تأويلها قولانِ، خِلافًا لابن عبّاسٍ: أحدُ القَوْلينِ: أنَّها منسُوخةٌ. رُوي ذلك عن ابن مسعُود، وعليِّ بن أبي طالب، وسعيد بن المُسيِّب. ذكر أبو عُبيد، قال (٢): حدَّثنا ابن أبي زائدة، عن حجّاج، عن الحكَم، عن أصحابِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بن مسعُودٍ، قال: المُتْعةُ منسُوخةٌ، نسَخَها الطَّلاقُ، والصَّداقُ، والعِدَّةُ، والميراثُ. ورَوَى أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ قال: نَسَخَ صومُ رمضانَ كلَّ صوم، ونسَختِ الزَّكاةُ كلَّ صدقة، ونسخَ الطَّلاقُ والعِدَّةُ والميراثُ المُتْعةَ، ونسَختِ الضَّحيَّةُ كلَّ ذبح (٣). ورَوَى الثَّوريُّ، عن داودَ بن أبي هند، عن سعيدِ بن المُسيِّب، قال: نسَخَها الميراثُ (٤).

стр. 3700

والقول الثّاني: رُوي عن عُمرَ بن الخطّابِ، والحسنِ بن أبي الحسنِ: أنَّهُما كانا يتأوَّلانِ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾: أنَّهُ إذا تمتَّعَ بالعُقْدة (١)، ثُمَّ طلَّقها، فلها نصفُ الصَّداقِ، وإن وَطِئَ، فلها الصَّداقُ كلُّهُ، ولا جُناح عليهما فيما تراضَيا به من بعدِ الفَرِيضةِ، فتترُكُ (٢) المرأةُ للزَّوج الصَّداقَ، وهو قولُه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] فتَعْفُو المرأةُ عن صَداقِها، أو يعفُو الزَّوجُ عن النِّصفِ، إن طلَّقَ قبل أن يَطَأها، فيُتِمُّ لها الصَّداقَ (٣). وإلى هذا ذهَبَ جماعةٌ من أهلِ العلم، قالوا: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ بالنِّكاح والوَطْء: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وهو الصَّداقُ كاملًا، وإن اسْتمتعتم بالنِّكاح، ولم تَطَؤوا، فنصفُ الصَّداقِ، وإنْ كُنتم قد سمَّيتم ذلك ﴿فَرِيضَةً﴾ يقول: أُجورُهنَّ فريضةٌ (٤) من الله عليكم: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] مثلَ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فهذان القولانِ عليهما أهلُ العلم إلى اليوم، في جميع أمْصارِ المُسلمينَ، مُخالفينَ لابن عبّاس في ذلك، على أنَّهُ قد رُوي عن ابن عبّاس: أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عُمرُ بن محمدٍ بن (٥) القاسمُ، قال: حدَّثنا بكرُ بن سَهْل الدِّمياطيّ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح،

стр. 3701

قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ (١)، عن ابنِ عبّاسٍ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] يقولُ: إذا تَزوَّجَ الرَّجلُ (٢) المرأةَ، ثُمَّ نَكَحَها مرَّةً واحِدةً، فقد وجَبَ صداقُها كلُّهُ، والاسْتِمتاعُ: هُو النِّكاحُ، وهُو قولُه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. وقولُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] قال: التَّراضي: أن يُوفِّيَها صَداقَها، ثُمَّ يُخيِّرَها (٣). ورَوَى أبو عُبَيد (٤)، عن الحجّاج، عن ابن جُريج وعُثمانَ بن عَطاء، عن عطاء (٥) الخُراسانيِّ، عن ابن عبّاسٍ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قال: نسخَتْها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. ورَوَى الحجّاجُ بن أرْطاة، عن المِنْهالِ بن عَمرو، عن سَعيدِ بن جُبير، قال: قلتُ لابن عبّاس: هل تَرَى ما صنَعْتَ، وبمَ أفْتَيتَ؟ سارَتْ بفُتياكَ الرُّكْبانُ، وقالت فيه الشُّعراءُ، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجِعُونَ، لا والله ما بهذا أفتيتُ، ولا هذا أردتُ، ولا أحلَلتُ منها إلّا ما أحَلَّ الله من الميتةِ والدَّم ولحم الخِنْزير (٦).

стр. 3702

قال أبو عُمرَ: هذهِ الآثارُ كلُّها عن ابن عبّاسٍ معلُولةٌ، لا تجبُ بها حُجَّةٌ من جِهَةِ الإسنادِ، ولكن عليها العُلماء. والآثارُ التي رواها المَكِّيونَ عن ابن عبّاسٍ صِحاحُ الأسانيدِ عنهُ، وعليها أصحابُ ابن عبّاسٍ. وأمّا سائرُ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتّابعين، ومن بعدهُم من الخالفين، وفُقهاء المُسلمين، فعلى تحريم المُتْعة، منهم: مالكٌ في أهل المدينة، والثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ في أهل الكُوفةِ، والشّافعيُّ فيمن سلكَ سبيلَهُ من أهل الحديث والفِقْهِ والنَّظرِ بالآفاق (١)، والأوزاعيُّ في أهلِ الشّام، واللَّيثُ بن سعدٍ في أهلِ مصرَ، وسائرُ أصحاب الآثار. حدَّثنا محمد بن عبد الله، قال: حدَّثنا محمد بن مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفَضْلُ (٢) بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا مُسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن منصُور، عن مُجاهدٍ في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قال: النِّكاحُ. ورُوِيَ عن عُمرَ بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: لا أُوتَى برَجُلٍ تَمتَّع وهو محُصَنٌ، إلّا رجمتُهُ، ولا أُوتَى برجُلٍ تَمتَّعَ وهو غيرُ محُصنٍ، إلّا جلدتُهُ (٣). وعن ابن عُمرَ: أنَّهُ سُئلَ عن المُتْعةِ، فقال: هو السِّفاحُ (٤).

стр. 3703

ورَوَى مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، قال: قِيلَ لابن عُمرَ: إنَّ ابنَ عبّاسٍ يُرَخِّصُ في مُتعةِ النِّساءِ، فقال: ما أظنُّ ابن عبّاسٍ (١) يقول هذا. قالوا: بلى، والله إنَّهُ لَيقولُه. قال: أما والله ما كان يقول ذلك في زَمَنِ عُمر، وإن كان عُمرُ ليُنكِّلُ في مثلِ هذا، وما أظُنُّه إلّا السِّفاحَ (٢). واختلفَ الفُقهاء (٣) في معنى المُتعةِ في الرَّجُلِ يتزوَّجُ عَشَرةَ أيّام أو نحوَها إلى أجَل، نحوَ (٤) أن يقول: أتَزوَّجُكِ (٥) شهرًا، أو يقولَ: تُمتِّعيني بنفسِكِ بهذا الدِّينارِ شهرًا. فقال مالكٌ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والشّافعيُّ، والأوزاعيُّ، كلُّهم يقولُ: هذا نكاحُ المُتعةِ، وهو باطلٌ، دخَلَ أو لم يدخُل، ويُفسَخُ قبلَ الدُّخُولِ وبعدَهُ، وهذهِ المُتْعةُ المحظُورةُ المُحَرَّمةُ (٦). وهو قولُ أحمد ﵀، وأهلِ الحديثِ. وقال زُفَرُ: إذا تزوَّجها عشرةَ أيّام، أو شهرًا، فالنِّكاحُ ثابتٌ، والشَّرطُ باطلٌ (٧). وقالوا كلُّهم، ما خلا الأوزاعيَّ: إنَّهُ إذا نكحَ المرأةَ نِكاحًا صحيحًا بغير شَرْط، ولكنَّهُ نوى أن لا يَحْبسَها إلّا شهرًا، أو مُدَّةً معلُومةً، فإنَّه لا بأسَ بهِ، ولا تضُرُّه نيَّتهُ، إذا لم يَكُن ذلك من شُروطِ نكاحه (٨).

стр. 3704

قال مالكٌ: وليسَ على الرَّجُلِ إذا نكحَ أن ينوي حبسَ امرأتهِ، وحبسُهُ إن وافقتهُ، وإلّا طَلَّقها. وقال الأوزاعيُّ: لو تزوَّجها بغير شرط، ولكنَّهُ ينويَ أن لا يحبِسَها إلّا شهرًا، أو نحوَهُ، ويُطلِّقَها، فهو مُتعةٌ، ولا خيرَ فيه (١). وأمّا لحمُ الحُمُرِ الإنسيَّةِ، فلا خلافَ بين عُلماءِ المُسلمينَ اليومَ في تَحْريمها، وعلى ذلك جماعةُ السَّلفِ، إلّا ابنَ عبّاس، وعائشةَ، فإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بأكلها بأسًا (٢). ويتأوَّلانِ قولَ الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآيةَ [الأنعام: ١٤٥]. على اختلافٍ في ذلك عن ابن عبّاس، والصَّحيحُ فيه ما عليه النّاسُ. روى عُبيدُ الله بن مُوسى، عن الثَّوريِّ، عن الأعمشِ، عن مجُاهِد، عن ابنِ عبّاس، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ يومَ خيبرَ، عن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّةِ، وعن السَّبايا الحَبالى أنْ يُوطَأْنَ حتّى يضَعْنَ ما في بُطُونِهِنَّ، وعن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وعن بيع الخُمُسِ حتّى يُقسمَ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الخُشنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّار، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ، عن سعيدِ بن أبي عرُوبَةَ،

стр. 3705

عن عليِّ بن الحكم، عن ميمُونِ بن مِهرانَ، عن سعيدِ بن جُبير، عن ابنِ عبّاس، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن كلِّ (١) ذي مِخْلَبٍ من الطِّيرِ، وعن كلِّ (٢) ذي نابٍ من السِّباع (٣). وهذانِ الإسنادانِ عن ابن عبّاسٍ يَدُلانِ على أنَّهُ لا يصحُّ عنهُ ما رُوي من قولهِ في عُموم الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ وقد مَضَى القولُ في معنى هذهِ الآيةِ، في باب إسماعيلَ بن أبي حكيم من كتابنا هذا، عندَ ذكرِ نَهْي رسُولِ الله ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، فأغْنَى عن إعادتهِ هاهنا. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر، قال: حدَّثنا سليمانُ بن الأشْعَث، قال (٤): حدَّثنا إبراهيمُ بن الحسنِ المِصِّيصيُّ،

стр. 3706

قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عَمرُو بن دينار، قال: أخبرني رجُلٌ، عن جابر، قال: نَهانا رسُولُ الله ﷺ أن نأكُلَ لُحُومَ الحُمُرِ، وأمَرَنا أن نأكُلَ لُحُومَ الخيل. قال عَمرو: أخبَرْتُ بهذا الحديث أبا الشَّعثاءِ، فقال: قد كان الحكَمُ الغِفاريُّ فينا يقول هذا، وأبَى ذلك البحرُ. يُريدُ ابنَ عبّاس. قال أبو عُمر: الرُّجُل الذي رَوى عنه عَمرُو بنُ دينار هذا الحديثَ، هو: أبو جعفرٍ محمد بن علي بن حُسين. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسد، قال: حدَّثنا سعيدُ بن السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (١): حدَّثنا سُليمانُ بن حرب، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيد، عن عَمرٍو، عن محمدِ بن عليّ، عن جابر، قال: نَهَى النَّبيُّ ﷺ يومَ خيبرَ عن لُحُوم الحُمُرِ، ورخَّصَ في الخيل. وقد رَوَى عن النَّبيِّ ﷺ تحريمَ الحُمُرِ الأهليَّة: عليُّ بن أبي طالِبٍ (٢)، وعبدُ الله بن عَمرو بن العاص (٣)، وجابرُ بن عبدِ الله، وعبدُ الله بن عُمر (٤)، والبراءُ بن عازب، وعبدُ الله بن أبي أوْفَى (٥)، وأنسُ بن مالكٍ (٦)، وزاهِرٌ الأسلميُّ (٧)، كلُّهُم يروي عن النَّبيِّ ﷺ تَحْريمَها بأسانيدَ صِحاح حِسانٍ.

стр. 3707

ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ رخَّص فيها، وقال: "إنَّما نَهيتُكُم عن جَوالِّ القَرْية (١) ". من حديثِ رَجُل من مُزينة. وهُو حديثٌ لا يصِحُّ، ولا يُعرَّجُ على مِثلِهِ، مع ما عارَضهُ من الأسانيدِ الصَّحاح. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيان، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله (٢)، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن أكلِ لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة (٣). وبه عن مُسدَّد، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرو بن دينار، عن محمدِ بن عليّ، عن جابر، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ يومَ خيبرَ عن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة، وأذِنَ في لُحُوم الخَيْل (٤). وبه عن مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جُريج، عن أبي الزُّبيرِ، سمِعَ

стр. 3708

جابرًا يقولُ: أكَلْنا زَمَنَ خيبرَ لُحُومَ الخيلِ، ولُحُومَ الوَحْشِ، ونَهانا رسُولُ الله ﷺ عن الحِمارِ الأهليِّ (١). وفي إذْنِ رسُولِ الله ﷺ في أكلِ الخيل، وإباحَتهِ لذلكَ يوم خيبرَ، دليلٌ على أنَّ نَهْيَه عن أكلِ لُحوم الحُمُرِ يومئذٍ عبادةٌ، لغير علَّة؛ لأنَّهُ معلومٌ أنَّ الخيلَ أرفعُ من الحميرِ، وأنَّ الخوف على الخيلِ وعلى فَنائها، فوقَ الخوفِ على الحَميرِ، وأنَّ الحاجَةَ في الغزوِ وغيرهِ إلى الخيل، أعظَمُ من الحاجَةِ إلى الحميرِ، وبهذا يَبِينُ لكَ أنَّ النَّهيَ عن أكلِ لُحوم الحُمُرِ لم يَكُن لحاجَة، وضَرُورة إلى الظَّهرِ، والحملِ، وإنَّما كان عبادةً وشريعةً، ألا ترى إلى حديث أنسِ بن مالكٍ: أنَّ مُناديَ رسُولِ الله ﷺ نادَى يومَ خيبرَ: إنَّ الله يَنْهاكُم ورسُولُهُ عن لُحُوم الحُمُرِ الأهليَّة. حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو (٢) يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا خلّادُ بن يحيى، قال: سمِعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ، عن هشام بن حسّان، عن محمدِ بن سِيرين، عن أنَس، فذكرهُ (٣). وأما ما نَهَى الله عنهُ ورسُولُهُ، فلا خِيارَ فيه لأحد، وكلُّ قولٍ خالفَ السُّنَّةَ، فمردودٌ.

стр. 3709

ولا وجَهَ لقَولِ ابن عبّاس ومن تابَعهُ؛ لأنَّ الله قد أمرَ في كتابِهِ، عندَ تنازُع العُلماء، وما اختلفُوا فيه، بالرَّدِّ إلى الله ورسُولهِ، وليسَ مَن (١) جَهِلَ السُّنَّةَ في شيءٍ، قد علِمَها فيه غيُرهُ حُجّةً، وقد تكرَّرَ القولُ في هذا المعنى في كتابنا هذا بما فيه كِفايةٌ. واختلَفَ العُلماءُ في أكلِ لُحوم الخيلِ، فذهب مالكٌ وأصحابُهُ إلى أنَّ أكلَها مكروهٌ. وبذلك قال أبو حنيفةَ، والأوْزاعيُّ، وأبو عُبيد (٢). ومن حُجَّتهم: أنَّ اللهَ ﵎ ذَكَرها في كتابِهِ للرُّكوبِ والزِّينَةِ، وذكر الأنعامَ فقال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩]. واحتجَّ أبو حنيفةَ في هذا بالقياس؛ لأنَّه من ذَواتِ الحَوافرِ، كالحمار. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الخِنْزيرَ ذُو ظَلْف، وقد بايَنَ ذَواتِ الأظلافِ. ومن حُجَّتهم أيضًا: حديثُ خالد بن الوليد؛ حدَّثناهُ سعيدُ بن نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا مُوسى بن مُعاوية، قال: حدَّثنا بقيَّةُ، قال: حدَّثني ثورُ بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المِقْدام، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن خالدِ بن الوليدِ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن لُحُوم الخَيْل، والبِغال، والحَمير (٣)، وعن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع (٤).

стр. 3710

وهذا حديثٌ لا تقُومُ به حُجَّةٌ، لضعفِ إسنادِه (١)، وحديثُ الإباحَةِ صحيحُ الإسنادِ. وقال الثَّوريُّ: واللِّيثُ بن سعد، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ: لا بأسَ بأكلِ لُحُوم الخيل (٢). وحُجَّتُهُم حديثُ جابرٍ المذكُورُ في هذا البابِ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن طَهْمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ يومَ خيبرَ عن لُحُوم الحُمُرِ الأهليّةِ، وذبحَ لنا الخيلَ، وأطْعَمَنا لحمَها (٣). وحديثُ أسماءَ بنتِ أبي بكر، قالت: نَحَرْنا فرسًا على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ فأكلناهُ؛ حدَّثنا أحمدُ بن القاسم، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن هاشم (٤)، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروة، عن فاطِمة بنتِ المُنذِرِ بن الزُّبيرِ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، قالت: نحَرْنا فرسًا على عهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فأكلناهُ (٥).

стр. 3711

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ (١) بن هشام بن أبي الدُّميكِ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عُثمان بن هُود، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن داود، عن هشام بن عُروة، عن فاطِمَةَ، عن أسماءَ، قالت: اكَلْنا على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ لحمَ فَرَس (٣). وزعَمَ القائلُونَ بهذا القولِ: أنَّهُ ليسَ في السُّكوتِ عن ذكرِ الإذْنِ (٤) في الخيل دليل على أنَّ ما عَدا الرُّكوبَ والزِّينةَ لا يجوز، ألا ترَىَ أنَّهُ لم يذكُر البيعَ والتَّصَرُّف، وإنَّما ذكرَ الرُّكوبَ والزِّينةَ لا غيرُ، وجائزٌ بيعُها والتَّصرُّفُ فيها، وفي ثمنها بإجماع؟ والأشياءُ على الإباحَةِ حتّى يثبُتَ الحَظْرُ والمنعُ، فلمّا ثبتَ المنعُ من الحمارِ، والبَغْلُ ابنُ الحمار، فحُكمُهُ حُكمُ الحمارِ بإجماع، وبالدَّليلِ الواضح، وبَقِي الفرسُ على أصلِ إباحَتهِ، هذا لو (٥) لم يُوجَدْ فيه نصٌّ، فكيفَ والنصُّ فيه ثابتٌ عن النَّبيِّ ﷺ ؟ [آخر المجلد السادس من هذه النسخة المحققة، يَسّر الله لنا إتمامه، والحمد لله رب العالمين].

стр. 3712

ابنُ شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ أربعةُ أحاديثَ، أحدُها مُرسلٌ وعطاءُ (١) بن يزيدَ هذا، قيلَ: إنَّهُ مولى بني ليثٍ، وقيلَ: إنَّهُ من أنفُسِهِم، ويُكْنَى أبا محمدٍ، وقيلَ: أبا يزيد (٢). قال الواقِديُّ: تُوفِّي عطاءُ بن يزيدَ سنةَ سبع ومئةٍ وهُو ابنُ اثنتينِ وثمانين سنةً. (٣) وكان من ساكِني المدينةِ، وبِها كانت وفاتُهُ، وقد رَوى عنهُ أهلُ المدينةِ وأهلُ الشّام؛ لأنَّهُ دخَلَها (٤)، يَروي عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، وأبي هُريرةَ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وهُو من ثِقاتِ التّابِعين.

стр. 3713

حديثٌ أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن عطاءِ بن يزيد مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ: أنَّ ناسًا من الأنصارِ سألُوا رسُولَ الله ﷺ فأعطاهُم، ثُمَّ سألُوهُ فأعطاهُم، حتَّى إذا نَفِدَ ما عِندهُ، قال: "ما يكونُ عِندي من خَيْرٍ فلن أدَّخِرَهُ عنكُم، ومن يَسْتعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، ومن يَسْتغنِ يُغنِهِ اللهُ، ومن يتَصبَّرْ يُصبِّرْهُ اللهُ، وما أُعْطيَ أحدٌ عَطاءً خيرًا وأوسَعَ من الصَّبرِ". هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" لم يُختلفْ في شيءٍ منهُ فيما علِمتُ (٢). حدَّثناهُ خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عُمرُ (٣) بن محمدِ بن القاسم ومحمدُ بن أحمد بن كامل ومحمدُ بن أحمد بن المِسْوَرِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بن سهل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يُوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن عَطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ: أنَّ ناسًا من الأنْصارِ (٤) سألُوا رسُولَ الله ﷺ فأعطاهُم، ثُمَّ سألُوهُ فأعطاهُم، ثُمَّ سألُوهُ فأعطاهُم، حتَّى إذا نَفِدَ (٥) ما عِندهُ قال: "ما يكونُ عِندي من خيرٍ، فلن أدَّخِرَهُ عنكُم، ومن يَسْتعفِف يُعِفَّهُ اللهُ،

стр. 3714

ومن يتصَبَّرْ (١) يُصبِّرْهُ اللهُ، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً هُو خيرٌ وأوسَبعُ من الصَّبرِ" (٢). وأمّا قولُهُ: "فلن أدَّخِرَهُ عنكُم"، فإنَّهُ يُريدُ: لن أستُرَهُ عنكُم وأمنَعَكُمُوهُ، وأنفرِدَ بهِ دُونَكُم، ونحوَ هذا. وفي هذا الحديثِ ما كان عليهِ رسُولُ الله ﷺ من السَّخاءِ والكَرم، هذا إن كان عطاؤُهُ ذلك من سَهْم ما (٣) أفاء اللهُ عليه، وإن (٤) يَكُن من مالِ الله، فحسبُكَ. وما كانَ (٥) عليهِ ﷺ من إنْفاذِ أمرِ الله، وإيثارِ طاعَتِهِ، وقِسْمتهِ (٦) مالِ الله بين عِبادِهِ، وقد فازَ من اقْتَدى بهِ فوزًا عظيمًا ﷺ . وفيه: إعطاءُ السّائلِ مرَّتينِ. وفيه: الاعتِذارُ إلى السّائلِ. وفيه: الحضُّ على التَّعفُّفِ، والاسْتِغناءِ بالله عن عِبادِهِ، والتَّصبُّرِ، وأنَّ ذلك أفضلُ ما أُعْطِيَهُ الإنسانُ. وفي هذا كلِّهِ نَهْيٌ عن السُّؤال، وأمرٌ بالقَناعةِ والصَّبْر. وقد مَضَى القولُ في السُّؤال، وما يجُوزُ منهُ، وما لا يجُوزُ (٧)، ولمن يَجُوزُ، ومَتَى يَجُوزُ، فيما سلفَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 3715

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن عَطاءِ بن يزيد مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عَطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا سَمِعتُمُ النِّداءَ، فقُولُوا مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ". هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ (٢)، إلّا المُغيرةَ بن سَقْلاب (٣)، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ وعَطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ،

стр. 3716

جميعًا عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ (١). ولم يذكُر سعيدًا في إسنادِ هذا الحديثِ غيرُهُ، واللهُ أعلمُ. وقد رُوِي هذا الحديثُ عن مُسدَّدٍ (٢)، عن يحيى القطّانِ، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن السّائبِ بن يزيدَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وذلك خطأٌ من كلِّ من رواهُ بهذا الإسنادِ، عن مُسدَّدٍ أو غيرِه، ولا يُعرفُ فيه ويُحفظُ إلّا حديثُ الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيدَ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وهُو الصَّحيحُ فيه، واللهُ أعلمُ. واختلَفَ العُلماءُ في معنى هذا الحديثِ، بعدَ إجماعِهم على صِحَّتِهِ، فذهبَ بعضُهُم إلى أنَّ الذي يَسْمعُ، يقولُ مِثل ما يقولُ المُؤذِّنُ، من أوَّلِ الأذانِ إلى آخِرِهِ، وحُجَّتُهُم ظاهِرُ هذا الحديثِ وعُمُومُهُ. ومن حُجَّتِهِم أيضًا: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن أبي المَلِيح، عن عبدِ الله بن عُتبةَ، عن عمَّتِهِ أُمِّ حبيبةَ بنتِ أبي سُفيانَ، قالت: كان رسُولُ الله ﷺ إذا كان عندِي فسمِعَ المُؤذِّن، قال كما يقولُ حتَّى يسكُتَ (٣).

стр. 3717

ورَوَى ابنُ وهبٍ، عن حُييٍّ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ الحُبُليِّ (١)، عن عبدِ الله بن عَمرو (٢)، أنَّ رجُلًا قال: يا رسُولَ الله، إنَّ المُؤذِّنينَ يفضُلُوننا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "قُل كما يقولُونَ، فإذا انتهيتَ فاسْألْ (٣) تُعطَ" (٤). ورَوَى كعبُ بن عَلْقمةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن جُبيرٍ، عن عبدِ الله بن عَمرو بن العاصِ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَهُ بمعناه، وزادَ: "وصَلُّوا عليَّ، فإنَّهُ من صلَّى علَيَّ صَلاةً، صلَّى اللهُ عليهِ بها (٥) عَشْرًا ... ". الحديثَ (٦). وقال آخرُونَ: يقولُونَ مثلَ (٧) ما يقولُ المُؤذِّنُ في كلِّ شيءٍ، إلّا في قولِهِ: حيَّ على الصلاةِ، وفي قولِهِ: حيَّ على الفَلاح، فإنَّهُ يقولُ - إذا سمِعَ المُؤذِّن يُنادي بذلك -: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله، ثُمَّ يُتمُّ الأذانَ مَعهُ إلى آخرهِ.

стр. 3718

واحتجُّوا بما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَهْضَم. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْويُّ (٢)، قالا جميعًا: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن عُمارةَ بن غزيَّةَ، عن خُبيبِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن يسافٍ، عن حَفْصِ بن عاصِم بن عُمر، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عُمرَ بن الخطّابِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا قالَ المُؤذِّنُ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، قال أحدُكُم: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ. فإذا قال: أشهدُ أن لا إلَهَ إلّا اللهُ، قال: أشهدُ أن لا إلَهَ إلّا اللهُ. فإذا قال: أشهدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله، قال: أشهدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله. ثُمَّ قال: حيَّ على الصَّلاةِ، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا باللّه. ثُمَّ قال: حيَّ على الفَلاح، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا باللّه. ثُمَّ قال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ (٣)، قال: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ. ثُمَّ قال: لا إلَهَ إلّا اللهُ، قال: لا إلَهَ إلّا اللهُ، من قَلْبِهِ: دخَلَ الجنّةَ". وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٤): أخبرنا مجُاهِدُ بن مُوسى وإبراهيمُ بن الحسنِ، قالا: حدَّثنا

стр. 3719

حجّاجٌ، عن ابن جُريج، عن عَمرو بن يحيى، أنَّ عيسَى بن عُمرَ أخبرهُ، عن عبدِ الله بن عَلْقمةَ بن وقّاصٍ، عن عَلْقمةَ بن وقّاصٍ (١)، قال: إنِّي عندَ مُعاويةَ، إذ أذَّنَ مُؤذِّنُهُ، فقال مُعاويةُ كما قال المُؤذِّنُ، حتَّى إذا قال: حيَّ على الصَّلاةِ. قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله، فلمّا قال: حيَّ على الفَلاح، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله، فقال (٢) بعد ذلك ما قال المُؤذِّنُ، ثُمَّ قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ ذلك (٣). وقال آخرُونَ: يقولُ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ، حتَّى يبلُغَ: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح، فيقولَ: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله، بدل كلِمةٍ منها مرَّتينِ مرَّتينِ، على حَسَبِ ما يقولُ المُؤذِّنُ، ثُمَّ لا يزيدُ على ذلك، وليسَ عليهِ أن يَخْتِم الأذانَ.

стр. 3720

واحتجُّوا بما حدَّثناهُ: عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن الضَّحّاكِ، قال: حدَّثنا ابنُ عيّاشٍ، عن مُجمِّع بن جاريةَ، عن أبي أُمامَةَ بن سَهْلِ بن حُنَيفٍ الأنصاريِّ، قال: سمِعتُ مُعاويةَ بن أبي سُفيانَ يقولُ إذا أذَّن المُؤذِّنُ مِثلَ قولِهِ، وإذا قال: حيَّ على الصلاةِ، قال: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا باللّه. حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا هِشامٌ الدَّستُوائيُّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن عيسَى بن طلحَةَ، قال: دخلنا على مُعاويةَ، فجاء (١) المُؤذِّنُ، فقال: اللهُ أكبرُ. فقال مُعاويةُ مِثل ذلكَ، فقال: أشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ. فقال مُعاويةُ مِثل ذلك، فقال: أشهدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله. فقال مُعاويةُ مِثلَ ذلك، ثُمَّ قال: هكذا سمِعتُ نبيَّكُم ﷺ يقول. قال يحيى: فحدَّثني بعضُ أصحابِنا هذا الحديث: أنَّهُ كانَ إذا قال: حيَّ على الصلاةِ. قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلّا باللّه (٢). وقال آخرُون: إنَّما يقولُ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ في التَّكبيرِ والشَّهادتينِ لا غيرُ، ولا يقولُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا باللّه، ولا حيَّ على الصلاةِ، ولا ما بعدها. وحُجَّتُهُم ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بن إسماعيلَ التَّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم،

стр. 3721

قال (١): حدَّثنا مُجمِّعُ بن يحيى الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أبو أُمامةَ بن سَهْلِ بن حُنيفٍ، قال: سمِعتُ مُعاويةَ إذا كبَّر المُؤذِّنُ اثْنَتينِ، كبَّر اثْنَتينِ، فإذا شهِدَ أن لا إلَهَ إلّا اللهُ اثْنَتينِ، شَهِدَ اثْنَتينِ، وإذا شَهِدَ أنَّ محمدًا رسُولُ الله، شَهِدَ اثْنَتينِ، ثُمَّ التفتَ إليَّ فقال: هكذا سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ عندَ الأذانِ. ورواهُ الزُّبيديُّ (٢)، عن الحسنِ بن جابرٍ، عن ابن هُبَيْرةَ (٣)، عن مُعاوية، عن النَّبيِّ ﷺ بمعناهُ (٤). قال أبو عُمر: حديثُ مُعاوية في هذا البابِ مُضْطرِبُ الألفاظِ، وأظُنُّ أبا داود إنّما تركهُ لذلك، وكذلك البُخاريُّ، وذكرهُ النَّسويُّ. وقال آخرُونَ: إنَّما يقولُ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ في التَّشهُّدِ، دُون التكبيرِ، ودُون سائرِ الأذانِ. واحتجُّوا بما حدَّثناهُ: عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: أخبرنا بشرُ بن المُفضَّل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ،

стр. 3722

عن الزُّهْريِّ، عن ابن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا سَمِعتُمُ المُؤذِّن يَتَشهَّدُ، فقُولُوا مِثل قَولِهِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن الحُكَيم بن عبدِ الله بن

стр. 3723

قَيْسٍ، عن عامِرِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "من قال حِينَ يَسْمعُ المُؤذِّنَ: وأنا أشهدُ أن لا إلَهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، رَضِيتُ باللّه ربًّا، وبمحمدٍ رسُولًا، وبالإسلام دينًا، غُفِرَ (١) لهُ". هكذا رواهُ قُتيبةُ، عن اللَّيثِ، عن الحُكَيم، وتابَعهُ على ذلك يحيى بن إسحاق، عن اللَّيثِ. ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٢)، عن يحيى بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن الحُكَيم، بإسنادِهِ مِثلهُ. وقال فيه أبو صالح، عبدُ الله بن صالح كاتِبُ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ: حدَّثني يزيدُ بن أبي (٣) حَبيبٍ، قال: حدَّثني الحُكَيم بن عبدِ الله، عن عامرِ بن سعدٍ، عن أبيهِ مثلَهُ. هكذا رواهُ أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، عن أبي صالح، عن اللَّيثِ. وكذلكَ رواه يحيى بن يحيى، عن اللَّيثِ، عن يزيدِ بن أبي حبيبٍ (٤)، عن الحُكيم (٥). ورواهُ يحيى بن عُثمانَ ومُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، عن أبي صالح، عن اللَّيثِ، عن الحُكَيم، ليسَ فيه يزيدُ بن أبي حبيبٍ (٦). وهذا الحديث سَمِعهُ اللَّيث، من يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن الحُكَيم، ثُمَّ سمِعهُ من الحُكَيم بن عبدِ الله، فرواهُ عنهُ.

стр. 3724

ومن قال بهذا الحديثِ يقولُ: لا يَلْزمُ من سمِعَ المُؤذِّن أن يأتي بألفاظِهِ، إذا أَتَى بمعناهُ من التَّشهُّدِ، والإخلاصِ، والتَّوحيدِ. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهبَ أيضًا، ما حدَّثناهُ: عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ التّمّارُ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشعثِ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بن مهديٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن هِشام بن عُروة، عن أبيهِ، عن عائشَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سمِعَ المُؤذِّن يشهدُ، قال: "وأنا وأنا". واختلَف الفُقهاءُ في المُصلِّي يسمعُ المُؤذِّنَ وهُو في نافِلةٍ أو فَرِيضةٍ، فقال مالكٌ: إذا أذَّن المُؤذِّنُ وأنتَ في صَلاةٍ مكتُوبةٍ، فلا تقُل مِثلَ ما يقولُ، وإذا كُنتَ في نافِلةٍ، فقُل مِثلَ ما يقولُ: التَّكبيرُ، والتَّشهُّدُ، فإنَّهُ الذي يَقعُ في نفسي أنَّهُ (٢) أُريدَ بالحديثِ. هذا (٣) رِوايةُ ابن القاسم ومذهبُهُ (٤). وقال ابنُ وهبٍ (٥)، من رأيِهِ (٦)، يقولُ المُصلِّي مِثل ما يقولُ المُؤذِّنُ في المكتُوبةِ والنّافِلةِ. وقال سحنُونٌ (٧): لا يقولُ ذلك في نافِلةٍ ولا مكتُوبة.

стр. 3725

وقال اللَّيْثُ مِثلَ قولِ مالكٍ، إلّا أنَّهُ قال: ويقولُ في موضِع "حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاح": لا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله. وقال الشّافِعيُّ (١): لا يقولُ المُصلِّي في نافِلةٍ ولا مَكْتُوبةٍ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ، إذا سمِعهُ وهُو في الصلاةِ، ولكن إذا فرغَ من الصلاةِ قالهُ. وذكر الطَّحاويُّ (٢) قال: لم أجِدْ، عن أصْحابِنا في هذا، شيئًا منصُوصًا، وقد حدَّثنا ابنُ أبي عِمْران (٣)، عن ابن سَماعة، عن أبي يُوسُف - فيمن أذَّنَ في صِلاتِهِ (٤) إلى قولِهِ: أشهدُ أنَّ محمدًا رسُولُ الله. ولم يقُل: حيَّ على الصَّلاةِ - أنَّ صلاتهُ لا (٥) تفسُدُ، إن أراد الأذانَ، في قولِ أبي يُوسُف، وقولُ أبي حنيفةَ: يُعيدُ إذا أرادَ الأذانَ. قال أبو جعفرٍ (٦): وقولُ محمدٍ، كقولِ أبي حنيفةَ، لأنَّهُ يقولُ فيمن يُجيبُ إنسانًا وهُو يُصلِّي بـ"لا إله إلّا اللهُ": أنَّ صلاتهُ فاسِدةٌ. قال أبو جعفرٍ: فهذا يدُلُّ على أنَّ من قولِهِم: أنَّ من سمِع الأذان في الصَّلاةِ، لا يقولُهُ. وذكر أبو عبدِ الله محمدُ بن إسحاقَ بن خُوَيْزمَنداد (٧) البصريُّ المالكيُّ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: يجوزُ أن يقول المُصلِّي في صلاةِ النّافلةِ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ، من التَّكبيرِ، والشَّهادتينِ، فإن قال: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح، الأذان كلَّهُ،

стр. 3726

كان مُسيئًا، وصلاتُهُ تامَّةٌ. وكرِهَ أن يقولَ في الفريضةِ مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ، فإن قال الأذانَ كلَّهُ في الفَرِيضةِ أيضًا، لم تبطُل صلاتُهُ، ولكنَّ الكراهيةَ في الفريضةِ أشَدُّ (١). وذُكِرَ عن الشّافِعيِّ: أنَّهُ يقولُ في النّافِلةِ الشَّهادتينِ، وإن قال: حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح، بَطَلت صلاتُهُ، نافِلةً كانت أو فريضةً (٢). قال أبو عُمر: ما تقدَّم عن الشّافِعيِّ، من الجمع بين النّافِلةِ والمكتُوبةِ، أصحُّ عنهُ، والقياسُ أن لا فرقَ بين المكتُوبةِ والنّافِلةِ، إلّا أنَّ قولهُ: "حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح" قَدِ اضْطَربتْ في ذلك الآثارُ، وهُو كلامٌ، فلا يجُوزُ أن يُقال في نافِلةٍ ولا فَرِيضة. وأمّا سائرُ الأذانِ، فمِن الذِّكرِ الذي يصلُحُ في الصَّلاةِ، ألا ترى إلى حديثِ مُعاوية بن الحَكَم، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إنَّ صَلاتَنا هذه لا يَصْلحُ (٣) فيها شيءٌ من كلام النّاسِ، إنَّما هُو التَّسبيحُ، والتَّهليلُ، والتَّكبيرُ، وتلاوةُ القُرآنِ" (٤). وقد قال ﷺ : "قُولُوا مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ". ولم يخُصَّ صلاةً من غيرِ صلاةٍ، فما كان من الذِّكرِ الذي مِثلُهُ يصلُحُ في الصَّلاةِ، جازَ فيها، قياسًا ونظرًا، واتِّباعًا للأثرِ.

стр. 3727

وأمّا الشّافِعيُّ، ومن قال بقولِهِ، في كراهيةِ قولِ من يقولُ بقولِ المُؤذِّنِ، إذا كان سامِعُهُ في صَلاةِ نافِلةٍ أو مَكْتُوبةٍ، فإنَّهُم شبَّهُوهُ بردِّ السَّلام، وتَشْميتِ العاطِسِ، وقد وردَ الأمرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بهِما، وذلك مِمّا يجِبُ على غيرِ المُصلِّي، ولا يجِبُ على المُصلِّي، قالوا: فكذلك الأذانُ، وبالله التَّوفيقُ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا يحيى بن الرَّبيع، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا سُويدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ضِمامُ بن إسماعيل، قال: قال أبو قَنانٍ لامْرأتِهِ، وكان من العُبّادِ: إذا مِتُّ، فتَزوَّجي فُلانا، فتزوَّجتهُ، فكانت تقولُ لهُ: قُمْ فصلِّ باللَّيل، فإنَّ أخاكَ كان يُصلِّي باللَّيل، فكانت تُؤذيهِ بذلك، فأُتَيتْ في مَنامِها، فقيل لها: إنَّ زَوْجكِ هذا أرفعُ من أبي قَنانٍ بدَرَجةٍ، قالت: وكيفَ وأبو قَنانٍ كان يُصلِّي باللَّيلِ؟ فقيلَ لها: إنَّ هذا يقولُ كما يقولُ المُؤذِّنُ (١).
следующие страницы →