← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 398–437 · переход к 403.

стр. 398

قال الواقديُّ (١): كان مالكُ بنُ أنس لا يُقدِّمُ على إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ في الحديث أحدًا. وتوفى إسحاقُ بالمدينةِ في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل: كانت وفاتهُ سنة أربع وثلاثين ومئة. لمالكٍ عنه في "الموطأ" من حديث النبيِّ ﷺ خمسةَ عشَرَ حديثًا؛ منها: عن أنسٍ عشَرةٌ، وعن رافع بنِ إسحاقَ حديثان، وعن زُفَرَ بنِ صَعْصعةَ حديثٌ واحدٌ، وعن أبي مُرّةَ حديثٌ واحدٌ, وعن حُميدةَ امرأتِه حديثٌ واحدٌ.

стр. 399

حديثٌ أولُ لإسحاقَ عن أنس، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي طلحة، أنَّه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان أبو طلحةَ أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينةِ مالًا من نَخْل، وكان أحبَّ أموالِه إليه بَيْرُحاءَ (٢)، وكانت مستَقْبِلةَ المسجد، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يَدخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب. قال أنسٌ: فلمّا أُنزِلَت (٣) هذه الآية (٤): ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحةَ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءُ، وإنَّها صدقةٌ للَّه أرجُو برَّها وذُخرَها عند اللَّه، فضَعْها يا رسولَ اللَّه حيثُ شئْتَ. قال: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "بَخٍ! ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمِعتُ ما قلتَ فيه، وإنِّي أرَى أن تجعَلَه في الأقْرَبين". فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسولَ اللَّه. فقَسَمَها أبو طلحةَ في (٥) أقاربه وبني عمِّه.

стр. 400

قال أبو عمر (١): هكذا قال يحيى وأكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ في هذا الحديث: فقَسَمها أبو طلحة. وممَّن قال ذلك منهم؛ ابنُ القاسم (٢)، وابنُ وَهْب (٣)، ويحيى بنُ بُكير (٤)، ويحيى بنُ يحيى النيسابوريُّ (٥)، والقعنبيُّ في روايةِ عليِّ بن عبدِ العزيز (٦)، وإسماعيلُ القاضي (٧). كذا ذكَره الدارقطنيُّ، عن عثمانَ بنِ أحمدَ الدَّقّاق وأبي سهل أحمدَ بنِ محمدِ بنِ زياد، عن إسماعيل. وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ هذا الحديثَ في كتابه "المبسوط"، عن القعنبيِّ، بإسنادِه سواء، وقال في آخره: فقسَمَها رسولُ اللَّه ﷺ في أقاربِه وبني عمَّه. قال أبو عُمر: فأضاف القِسمةَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ . وأمّا قوله: "في أقاربِه وبني عمِّه" فمعلومٌ أنّه أراد أقاربَ أبي طلحةَ وبني عمِّه، وذلك محفوظٌ عندَ (٨) العلماءِ لا يختلِفون في ذلك. وأمّا إضافةُ القِسمَةِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فهذا وإن كان جائزًا في لسانِ العرب، أن يُضافَ الفعلُ إلى الآمرِ به، فإنَّ ذلك ليس في روايةِ أكثرِ الرُّواة لـ "الموطّأ"، ولا يُجيزُ مثلَ هذه العبارة أهلُ الحديث، ولكنَّها روايةُ مَن روَى ذلك، واللَّهُ أعلم، والمعنَى فيه بيِّنٌ، والحمدُ للَّه.

стр. 401

وروَى هذا الحديثَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ الماجِشُون، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: لما نزَلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، جاء أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه ﷺ على المنبر. قال: وكانت (١) دارُ ابنِ جعفرٍ والدارُ التي تَلِيها إلى قصرِ ابنِ حُدَيلةَ (٢) حوائطَ لأبي طلحة. قال: وكان قصرُ ابنِ حُدَيلةَ حائطًا لأبي طلحةَ يُقال لها: بَيْرُحاء. وكان النبيُّ ﷺ يَدخُلُها وَيشرَبُ من مائها، ويأكُلُ من ثمرِها، فجاءَ أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه ﷺ على المنبر، فقال: إنَّ اللَّهَ يقولُ في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءَ، فهي للَّه ولرسولِه، أرجُو برَّه وذُخرَه، اجعَلْه يا رسولَ اللَّه حيثُ أراكَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "بخ (٣)، ذلكَ يا أبا طلحةَ مالٌ رابحٌ، قد قبِلناهُ منك، وردَدْناه عليك، فاجعَلْه في الأقربين". قال: فتصدَّقَ به أبو طلحةَ على ذوي رَحِمِه؛ فكان منهم أُبيُّ بنُ كعب، وحسّانُ بنُ ثابت. قال: فباع حسّانُ نصيبَه من مُعاوية، فقيل له: يا حسّان، تبيعُ صدقةَ أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيعُ صاعًا من تمرٍ بصاع من دراهم (٤)؟

стр. 402

وذكَر الطَّحاويُّ (١)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ وأبي (٢)، عن ثُمامة، عن أنس -وهذا لفظُ حديثهِ- قال: قال أنسٌ: كانت لأبي طلحةَ أرضٌ، فجعَلها للَّه ، فأتى النبيَّ ﷺ فقال له: "اجعَلْها في فُقراءِ أقاربِك". فجعَلها لحسّانَ وأُبيٍّ. قال أنسٌ: وكانا أقربَ إليه منِّي. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ والعلم وُجوه، فمنها: أنَّ الرجلَ الفاضلَ العالمَ قد يُضافُ إليه حُبُّ المال، وقد يُضيفُه هو إلى نفسِه، وليس في ذلك نقيصةٌ عليه، ولا على مَن أضاف ذلك إليه، إذا كان ذلك من وجهِ حِلِّه وما أباح اللَّهُ منه،

стр. 403

وكان أبو طلحةَ من خيارِ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وقد أخبرَ اللَّهُ عن الإنسانِ أنَّه ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. قال المفسِّرون: الخيرُ هاهنا المالُ. وفيه إباحةُ اتِّخاذِ الجنّاتِ والحوائط، وهي التي تُعرفُ عندَنا بالمُنَى، في الحواضِرِ وغيرِها. وفيه إباحةُ دخولِ العلماءِ والفضلاءِ البَساتينَ وما جانسَها من الجنّاتِ والكروم وغيرِها، طلبًا للرّاحةِ والتَّفرُّج، والنَّظرِ إلى ما يُسلِّي النَّفس، وما يُوجبُ شُكرَ اللَّه على نِعَمِه. وفيه ما يدُلُّ على إباحةِ كسْبِ العَقار، وفي ذلك ردٌّ لما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنّه قال: لا تتَّخذوا الضَّيعَةَ فترغَبوا في الدُّنيا (١). وفي كسبِ رسولِ اللَّه ﷺ العَقارَ ممّا أفاءَ اللَّهُ عليه من بني النَّضير، وفَدَكَ، وغيرِها، وكسبِ الصحابةِ ﵃ من الأنصارِ والمهاجرين للأرَضينَ والحوائط، وكسبِ التابعينَ بعدَهم بإحسانٍ لذلك، أكثرُ من أن يُحصَى. ولا خلافَ علِمْتُه في أنَّ كَسْبَ العَقارِ مُباح، إذا كان من حِلِّه، ولم يكنْ سببَ ذلٍّ وصَغار، فإنَّ ابنَ عمرَ ﵁ كرهَ كَسْبَ أرضِ الخراج، ولم يرَ شراءَها، وقال: لا تَجعَلْ في عُنقِكَ صَغارًا (٢).

стр. 404

وفيه إباحةُ الشُّربِ من ماءِ الصَّدِيقِ بغيرِ إذنِه. وماءُ الحوائطِ والجنّاتِ والدُّورِ عندَنا مملوكٌ لأهلِه، لهم المنعُ منه، والتَّصرُّفُ فيه بالبيع وغيرِه، وسنَذكُرُ معنَى نَهيِه ﷺ عن بيع الماء، وعن بيع فضلِ الماء، في بابِ أبي الرِّجالِ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عندَ قولِه ﷺ : "لا يُمنَعُ نَقعُ بئرٍ" (١)، إن شاء اللَّه. وإذا جاز الشُّربُ من ماءِ الصديقِ بغيرِ إذنِه، جاز الأكلُ من ثمارِه وطعامِه، إذا عَلِم أنَّ نفسَ صاحبه تطيبُ به؛ لتَفاهتِه ويَسِير مُؤنتِه، ولِمَا بينهما من المودَّة، وقد قال اللَّه : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا (٦١)﴾ [النور: ٦١]. ذكَر محمدُ بنُ ثور، عن معمر، قال: دخلْتُ بيتَ قتادة، فأبصرْتُ رُطَبًا، فجعَلتُ آكلُه، فقال: ما هذا؟ قلت: أبصرْتُ رُطبًا في بيتكَ فأكلْتُ. قال: أحسنْتَ، قال اللَّهُ : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٢)، عن مَعْمَر، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. قال: إذا دخَلْتَ بيتَ صديقِكَ من غيرٍ مُؤامَرتِه لم يكنْ بذلك بأسٌ. قال معمرٌ: ودخَلْتُ بيتَ قتادة، فقلتُ له: أأشربُ من هذا الحُبِّ (٣)؟ لحُبٍّ فيه ماء، فقال: أنت لنا صديقٌ (٤). قال معمرٌ: وقال قتادةُ، عن عكرمة، قال: إذا ملَك الرجلُ المفتاحَ فهو خازنٌ، فلا بأسَ أن يَطعَمَ الشيءَ اليسير (٥).

стр. 405

قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن منصور (١)، عن أبي وائل، قال: كنّا نغزُو فنمرُّ بالثِّمار فنأكُلُ منها. قال أبو عُمر: هذا على ما قلنا، واللَّهُ أعلم، مما يُعلمُ أنَّ صاحبَه تَطيبُ به نفسُه، وكان يسيرًا لا يُتشاحُّ في مثلِه. وقد كان لهم في سفرِهم ضيافةٌ مندوبٌ إليها، وقد يكونُ هذا منها، وقد قال ﷺ : "لا يَحتلِبَنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلّا بإذنِه" (٢). وقال: "لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلّا بطيبِ نَفْسِه" (٣). وسيأتي هذا المعنى مُمهَّدا في باب نافع، عن ابنِ عمر (٤) إن شاء اللَّه. وفيه: إباحةُ استعذابِ الماء، وتفضيلُ بعضه على بعض، بما فضَّلَه اللَّهُ في خلقتِه (٥)، قال اللَّهُ : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]،. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يُستَعْذَبُ له الماءُ

стр. 406

من بئرِ السُّقيا (١). وفي هذا المعنى، واللَّهُ أعلم، قولُ أنسٍ في هذا الحديث، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يأتي بَيْرُحاءَ ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب، فوصَفه بالطَّيِّب. وفيه استعمالُ ظاهرِ الخِطابِ وعُمومِه، وأنَّ الصحابةَ ﵃ لم يَفهَموا من فحوَى الخطابِ غيرَ ذلك، ألا ترَى أنَّ أبا طلحةَ حينَ سمع: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ لم يَحتَجْ أن يقِفَ حتى يَرِدَ عليه البيانُ عن الشيء الذي يريدُ اللَّهُ أن يُنفِقَ منه عبادُه بآيةٍ أُخرى، أو سُنّةٍ مُبيِّنةٍ لذلك، فإنَّهم يُحبُّون أشياءَ كثيرة. وفي بدارِ أبي طلحةَ إلى استعمالِ ما وقَع عليه معنَى حُبِّه في الإنفاق منه، دليلٌ على استعمالِه معنى العموم، وما احتمَل الاسمُ الظاهرُ منه، في أقلِّ ذلك أو أكثرِه. وفي هذا ردٌّ على مَن أبى من استعمالِ العُموم لاحتمالِه التَّخصيص، وهذا أصلٌ من أُصولِ الفقهِ كبيرٌ، خالفَ فيه أهلُ الكوفةِ أهلَ الحجاز، وهو مذكورٌ في كُتبِ الأُصولِ بحُجَجِه ووُجُوهِه، والحمدُ للَّه. والاستدلالُ على ذلك بأنَّ أبا طلحةَ بَدَر مما يُحِبُّ إلى حائطِه، فأنفَقه وجعَله صدقةً للَّه

стр. 407

استدلالٌ صحيح، وكذلك فعَل زيدُ بنُ حارثة؛ بدَرَ مما يحبُّ إلى فرسٍ له، فجعَلها صدقةً؛ لأنَّ ذلك كلَّه داخلٌ تحت عُموم الآية. ذكَر أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المُنكَدِر، قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال زيدُ بنُ حارثة: اللَّهُمَّ إنَّكَ تعلَمُ أنّه ليس لي مالٌ أحبَّ إليَّ من فرسي هذا. وكان له فرسٌ يقالُ له: سَبَلٌ. فجاءَ به إلى النبيِّ ﷺ فقال: هذا في سبيلِ اللَّه، فقال لأسامةَ بنِ زيد: "اقْبِضهُ"، فكأنَّ زيدًا وجَد من ذلك في نفسِه، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ قد قَبِلها منك" (١). ورواه حمّادُ بنُ زيد، عن عمرِو بنِ دينار، عن ابنِ المنكدرِ مثلَه (٢). وذكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورِ بنِ حيّان، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ محمد، عن أبيه، قال: دخَل عبدُ اللَّه بنُ عمرَ على صفيّةَ بنتِ أبي عُبيد، فقال لها: أشعَرْتِ أنِّي أُعطِيتُ بنافع ألفَ دينار؛ أعطاني به عبدُ اللَّه بنُ جعفر. قالت: فما تَنتِظرُ أن تبيعَ؟ قال: فهلّا خيرٌ من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: هو حُرٌّ لوجهِ اللَّه. قال: أظنُّه تأوَّلَ قولَ اللَّه : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣).

стр. 408

ورَوَيْنا عن الثوريِّ أنّه بلَغَه أنَّ أُمَّ ولدِ الربيع بنِ خُثَيم، قالت: كان إذا جاء السائل، يقول لي: يا فُلانة، أعطي السائلَ سُكَّرًا؛ فإنَّ الرَّبيعَ يُحبُّ السُّكَّر. قال سفيان: يتأوَّلُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ حدَّثناه خلفُ بنُ أحمد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ وأحمدُ بنُ مُطرِّف، قالا: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمان (٢)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا المؤمَّلُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ. فذكَره. وقال الحسنُ ﵀: إنَّكم لا تَنالونَ ما تُحبُّون إلّا بتركِ ما تَشتَهون، ولا تُدرِكُون ما تأمُلُونَ إلّا بالصبرِ على ما تَكرَهون (٣). وفيه أنَّ لفظَ الصدقةِ يُخرِجُ الشيءَ المتصدَّقَ به عن ملكِ الذي يَملِكُه قبلَ أن يَتصَدَّقَ به، فإنْ أخرَجها إلى مالك، وملَّكَه إيّاها، استَغْنَى بهذه اللفظةِ عن غيرِها ولم يكنْ له الرُّجوعُ في شيءٍ منها؛ لأنَّ لفظَ الصدقةِ يدُلُّ على أنَّه أراد اللَّهَ بها مُعطيها؛ لما وعَد اللَّهُ ورسولُه على الصدقةِ من جزيلِ الثَّواب، وما أُريدَ به اللَّهُ فلا رُجوعَ فيه، وهذا مما أجمَعَ المسلمون عليه. وفي هذا حُجَّةٌ لمالكٍ في إجازتِه للموهُوبِ له والمتصدَّقِ عليه المطالبةَ بالصدقةِ وإنْ لم يَحُزْها حتى يَحُوزَها، وتصحُّ له ما دام المتصدِّقُ أو الواهبُ حيًّا، وإن لم تُقبَضْ. وغيرُه لا يَجعَلُ اللفظَ بالصدقةِ ولا بالهبةِ شيئًا، سواءٌ كان مُعَيَّنًا (٤)

стр. 409

أو غيرَ مُعيَّن، حتى تُقبَضْ، وليس للموهوبِ له عندَهم ولا للمُتَصدَّقِ عليه أن يُطالبَ واهبَها بإخراجِها إليه، ولا يُوجِبُ عندَهم لفظُ الصدقةِ أو الهبةِ من غيرِ قبضٍ حُكمًا. وممّن ذهَب إلى هذا: الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثَّوريُّ. وسنذكُرُ اختلافَهم في هذا المعنى وما شاكَلَه من معاني الهبَاتِ في بابِ ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن ومحمدِ بنِ النُّعمانِ بنِ بشير، إن شاءَ اللَّه (١)، ونُبيِّنُ وُجوهَ أقاويلِهم، واعتلالَهم لمذاهبِهم هناك، بحولِ اللَّه وعونِه، لا شريكَ له. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الكلامَ قد أوجَب حُكمًا، أقلُّه المطالبةُ -على ما قال مالكٌ- للمُعيَّنِ الموهُوبِ له. ومن طريقِ القياس، لولا الكلامُ المتقدِّمُ، ما كان القبضُ يُدرَى ما هو، وباللَّه التَّوفيق. فإذا قال المُتصدِّقُ: مالي هذا صدقةٌ للَّه ، ولم يُملِّكْه أحدًا، جاز للإمام أن يَصرِفَه في أيِّ سبيل من سُبلِ اللَّه شاء، غيرَ أنَّ الأفضلَ من ذلك أولى، هذا إذا لم يَبِنْ مرادُ المتصدِّق، فإن بانَ مرادُه لم يُتَعَدَّ ذلك الوجْهُ. وفيه أنَّ الصدقةَ على الأقاربِ من أفضلِ أعمالِ البرِّ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يُشِرْ بذلك على أبي طلحةَ إلّا وهو قد اختار ذلك له، ولا يَختارُ له إلّا الأفضلَ لا محالة، ومعلومٌ أنَّ العِتْقَ (٢) من أفضلِ أعمالِ البرِّ، وقد فضَّلَ رسولُ اللَّه ﷺ الصدَقةَ على الأقاربِ (٣) على العِتْق. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد (٤)، قال:

стр. 410

حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١): حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّريِّ، عن عبْدة، عن ابنِ إسحاق، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ الأشجّ، عن سليمانَ بنِ يسار، عن ميمونة، قالت: كانت لي جاريةٌ فأعتَقتُها، فدخَل عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ فأخبرتُه، فقال: "آجَرَكِ اللَّهُ، أمَا إنَّك لو أعْطَيْتِها أخوالَك (٢) كان أعظمَ لأجْرِكِ". وروَى مالكٌ (٣) هذا الحديث، عن ابنِ أبي صَعْصعةُ، بقريبٍ من هذا العنى. وقد ذكَرناه في موضعِه من كتابِنا هذا. وقد قال رسولُ اللَّه ﷺ لزينبَ الثَّقفِيّة زوجةِ ابنِ مسعود، وزينبَ الأنصاريّة، حينَ أتتاه تسألانِه عن النَّفقةِ على أزواجِهما، وعلى أيتام في حُجورِهما، هل يُجْزِئُ ذلك عنهما من الصدقة؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لكما أجْران؛ أجرُ القَرابة، وأجرُ الصدقة" (٤).

стр. 411

وروَى الزُّهريُّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أُمِّه، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أفضلَ الصدقةِ على ذي الرَّحم الكاشِح" (١). قيل في تأويلِ الكاشِح هاهنا: القريبُ. وقيل: المبغِضُ المُعادي، وهو الصحيحُ، واللَّهُ أعلم (٢). وفيه إجازةُ تولِّي المُتَصدِّقِ قَسْمَ صدَقَتِه، وذلك عندَ أصحابِ مالكٍ إذا كان منه إخراجًا لها عن مِلْكِه ويدِه، وتمليكًا لغيرِه. وفيه ردٌّ على مَن كرِهَ أكلَ الصدقةِ التَّطوُّع للغنيِّ من غيرِ مسألة؛ لأنَّ أقاربَ أبي طلحةَ الذين قسَم عليهم صَدَقتَه تلك، لم يَبِنْ لنا أنَّهم فُقراءُ ممّن يَحِلُّ لهم أخذُ

стр. 412

الصَّدقةِ المفروضة، وقد ذكَر بعضُ أهلِ العلم أنَّ أُبيَّ بنَ كعبٍ كان من أيسَرِ أهلِ المدينة، وهو أحدُ الذين قسَم عليهم أبو طلحةَ صدقتَه هذه، وقد عارَضَه بعضُ مُخالفِيه، فزعَم أنَّ أُبيًّا كان فقيرًا، واحتجَّ بروايةِ مَن روَى في هذا الحديث: "فقسَمها أبو طلحةَ بينَ فُقراءِ أقاربه" (١). وهي لفظةٌ مختلفٌ فيها، لا تثبُتُ، وعلى أيِّ وجْهٍ كان، فإنَّ الصدقةَ التَّطوُّعَ جائزٌ قبولُها من غيرِ مسألةٍ لكلِّ أحد، غنيًّا كان أو فقيرًا، وإن كان التَّنزُّهُ عنها أفضلَ عندَ بعضِ العُلماء، وسنُبيِّنُ وجوهَ هذا المعنى في بابِ زيدِ بنِ أسلَمَ من كتابِنا (٢) هذا إن شاءَ اللَّه. وفيه دليلٌ على صحّةِ ما ذهَب إليه فُقهاءُ الحجازيِّين، حيثُ قالوا فيمن تصدّقَ على رجلٍ أو على قوم بصَدَقةِ حُبُسٍ (٣)، ذكَر فيها أعقابَهم أو لم يَذكُر، ولم يجعلْ لها بعدَهم مرجعًا، مثل أن يقول: على المساكين. أو: على ما لا يُعدمُ وُجودُه من صفاتِ البرِّ، فماتوا وانقَرَضوا، أنَّها ترجعُ حُبْسًا على أقربِ الناس بالمُحَبِّس يومَ ترجِعُ لا يومَ حَبَّسَ. ألا ترَى أنَّ أبا طلحةَ إذ جعَل حائطَه ذاك صدقةً للَّه ولم يذكُرْ وجْهًا من الوجوهِ التي يُتقرَّبُ بها إلى اللَّه ، أمرَه رسولُ اللَّه ﷺ أن يَجعلَها في أقاربِه، فكذلك كلُّ صدقةٍ لا يُجعلُ لها وجْهٌ، ولا يُذكَرُ لها مَرجعُ تصرفٍ على

стр. 413

أقاربِ المُتصدِّق، بدليلِ هذا الحديث، وهذا عندَ مالكٍ فيما لم يُردْ به صاحبُه حياةَ المُتصدَّقِ عليه، فإنّه إذا أرادَ ذلك فهيَ عندَه العُمْرَى، ومذهبُه في العُمْرَى أنَّها على مِلْكِ صاحبِها، تَرجعُ إليه عندَ انقضاءِ عُمُرِ المُعمَّر، أو إلى ورثتِه ميراثًا، وسنذكُرُ قولَه وقولَ غيرِه في العُمْرَى عندَ ذكرِ الحديثِ فيها في بابِ ابنِ شهاب (١) من كتابِنا هذا، ونُبيِّنُ وُجوهَ ذلك إن شاءِ اللَّه . وقد اختلَف قولُ مالكٍ فيمَن قال: هذه الدّارُ، أو هذا الشيءُ، حُبُسٌ على فلان، أو على قوم، ولم يُعقِبْهم، ولا جعَل لها مرجعًا إلى المساكينِ ونحوِهم، فمرَّةً قال: ترجِعُ مِلكًا إلى ربِّها، إذا هلَك المحبَّسُ عليه (٢)، كالعُمْرَى، ومرَّةً قال: لا تَرجعُ إليه أبدًا (٣). وهو تحصيلُ مذهبِه عندَ أهل المغربِ من أصحابِه، وحكَوا عنه منصوصًا فيمَن حبَّسَ حُبُسًا على نَفَرٍ ما عاشوا، فانقَرَضوا، فالحُبُسُ راجعٌ إلى عَصَتةِ المحبِّسِ حُبُسًا، ولا يَرجعُ إلى مَن حبَّسَه، وإنْ كان حيًّا، ويدخُلُ النِّساءُ في الغَلَّةِ معهم والسُّكْنى (٤). ولو تَصدَّقَ بصَدَقَةٍ حُبُسٍ على ولدِه، وولدِ ولدِه، ولم يَجعَلْ له مَرجعًا غيرَ ذلك، فانقَرضَ ولدُه، وولدُ ولدِه، إلّا رجلًا واحدًا، فأراد بيعَه، فلا سبيلَ له إلى ذلك، فإذا انقرَضَ فهو حُبُسٌ صَدَقةٌ على عَصَبةِ المحبِّس، لا يُباعُ ولا يُوهبُ (٥). وإذا انقرَضَ أقربُ الناس إليه عَصَبتِه، فإلى الذين يلُونَهم، فإذا انقرَضَ كلُّ مَن تَمَسُّه به رَحِمٌ من عَصَبَتِه، رجَعَتْ على ما عليه أحباسُ المسلمين،

стр. 414

يَجتهِدُ الحاكمُ في وضع غَلَّتِها وكِرائِها بعدَ مَرَمَّتِها (١)، ولا يُباعُ ولا يورثُ شيءٌ من العقارِ إذا جَرَى عليه اسمُ الصدقةِ الحُبُس (٢). ولفظُ الولدِ في التَّحبيسِ يدخُلُ فيه ولدُ الولدِ أبدًا، وكذلك لَفْظُ البناتِ يدخُلُ فيه بناتُ البنين أبدًا، إذا اجتَمَعوا، ولا يُفضَّلُ الأعيانُ إلَّا على قدرِ الحاجة، وليسَ ولدُ البناتِ من العَقِبِ ولا من الولَدِ، إذ ليسُوا من العَصَبات. هذا كلُّه تحصيلُ مذهبِ مالكٍ وأصحابه، إلّا أنّ عن بعضِ البغداديِّينَ المالكيِّينَ خلافًا في بعض هذا (٣)، والحمد للَّه. قال أحمدُ بنُ المعذَّل: قيل لمالك: فلو قال في صدَقَتِه: هذا (٤) حُبُسٌ على فُلان، هل تكونُ بذلك محُبَّسةً؟ قال: لا؛ لأنّها لمن ليسَ بمجهول، وقد حبَّسها على فُلان، فهي عُمْرَى؛ لأنّه أخبَر أن تَحبيسَها غيرُ ثابتٍ ولا دائم، وأنّه إلى غاية. قيل: فلو قال: هي صَدقةٌ محُبَّسةٌ، وفلانٌ يأخذُها ما عاش؟ قال: إذنْ تكونَ مُحبَّسة. قال: وكذلك لو قال (٥): هي صدقةٌ على فُلانٍ وهي مُحبَّسةٌ. والألفاظُ التي بها يَنقطِعُ مِلكُ الشيءِ عن ربِّه، ولا يعودُ إليه أبدًا، عندَ مالكٍ وأصحابِه، أن يقول: حبُسٌ صدقةٌ، أو حبُسٌ لا يُباع، أو حبُسٌ على أعقابٍ ومجهولين، مثلَ الفقراءِ والمساكين، أو في سبيلِ اللَّه. فإنَّ هذا كلَّه عندَهم مؤبَّدٌ، لا يَرجعُ مِلكًا أبدًا. وأمّا إذا قال: سُكنَى، أو عُمرَى، أو حياةَ المحبَّس عليه، أو إلى أجلٍ من الآجال. فإنّها ترجعُ ملكًا إلى صاحبِها، أو إلى ورثتِه، ولا يكونُ حبسًا مؤبَّدًا. ومعنَى قولِ مالك: في أقربِ الناسِ بالمحبَّس، يريدُ: عَصَبَتَه.

стр. 415

واختلَف قولُه، وكذلك اختلَف أصحابُه، فيمن يدخُلُ في ذلك من النِّساء؛ فقال ابنُ القاسم (١): كلُّ مَن كان من النساء لو كان رجلًا كان عَصَبةً وارثًا، دخَل في مَرجع الحبس، ومن لم يكن منهُنَّ كذلك، فلا مَدْخَلَ له فيه. ورُوِيَ ذلك عن مالك (٢). وقال ابنُ القاسم (٣): تدخُلُ الأمُّ في مرجع الحبُس، ولا تدخُلُ الأخواتُ للأمّ. وقال ابنُ الماجِشون (٤): لا يدخُلُ من النساء إلّا مَن يرِثُ، فأمّا عمّةٌ، أو ابنةُ عمٍّ، أو ابنةُ أخ، فلا. وروَى أشهبُ، عن مالك، أنَّ الأمَّ لا تدخُلُ في مرجع الحبُس. ولهم في هذا البابِ اضطرابٌ يَطولُ ذِكرُه (٥). وأمّا الشافعيُّ فمذهبُه نحوُ مذهبِ مالكٍ في مرجع الحُبُس خاصّة، قال الشافعيُّ (٦): وإذا قال: تَصدَّقْتُ بداري على قوم، أو على رجلٍ حيٍّ معروف، يومَ تصدَّقَ، أو قال: صدقةً محُرَّمة. أو قال: صدقةً موقوفةً. أو قال: صدقةً مُسبَّلة. فقد خرَجَتْ من مِلكِه، فلا تَعودُ ميراثًا أبدًا. قال: ولا يجوزُ أن يُخرِجَها من مِلكِه إلّا إلى مالك مَنفَعَتِها يومَ يُخرِجُها إليه، وإنْ لم يُسَبِّلْها على مَن بعدَهم كانت مُحرَّمةً أبدًا، فإذا انقرَض المتصدَّقُ بها عليه كانت بحالِها أبدًا، وردَدْناها إلى أقربِ الناسِ بالذي

стр. 416

تَصدَّقَ بها يومَ ترجِعُ، وهي على شرطِه من الأثَرَةِ والتَّقدمةِ والتَّسويةِ بينَ أهلِ الغِنَى والحاجة، ومن إخراج مَن أخرَج منها بصفة، أو ردِّه إليها بصفة. قال أبو عُمر: قول الشافعيّ: "ولا يجوزُ أن يُخرِجَها من مِلكِه إلّا إلى مالكِ مَنفَعَتِها". معناه عندي: أن يكونَ المُحبَّسُ عليه موجودَ العين، ليس يُجْهَلُ (١)، فإذا كان كذلك فجائزٌ أن يتولّاها له غيرُه إذا أخرجَها المُحبِّسُ من يَدِه، على أنَّ الشافعيَّ يجوزُ عندَه في الأوقافِ من تركِ القَبْضِ ما لا يجوزُ في الهِباتِ والصَّدَقاتِ المَمْلوكات؛ لأنَّ الوقفَ عندَه يَجري مجرَى العِتق، يَتمُّ بالكلام دونَ القبض. قال: ويَحرُمُ على الموقِفِ مِلكُه، كما يَحرُمُ عليه مِلكُ رقبةِ العبدِ إذا أعتَقَه، إلّا أنّه جائزٌ له أن يتولَّى صَدَقَتَه، وتكونَ بيدِه ليفرِّقَها ويسبِّلَها فيما أخرَجها فيه؛ لأنَّ عمرَ بنَ الخطاب لم يزلْ يلي صَدقتَه، فيما بلَغَنا، حتى قَبَضَه اللَّه. قال: وكذلك عليٌّ وفاطمةُ كانا يَلِيانِ صَدقاتِهما (٢). قال أبو عُمر: ليس هكذا مذهبُ مالك، بل مذهبُه فيمن حبَّسَ أرضًا أو دارًا أو نخلًا على المساكين، وكانتْ في يديْه، يقومُ بها ويُكرِيها، ويَقسِمُها في المساكين، حتى مات والحُبُسُ في يديْه، أنّه ليس بحُبُس، ما لم يَحُزْه غيرُه، وهو ميراث، والرَّبْعُ (٣) عندَه والحوائطُ والأرضُ لا يَنفُذُ حُبُسُها ولا يَتِمُّ حَوْزُها حتى يَتولّاه غيرُ مَن حبَّسَه، بخلافِ الخَيْلِ والسلاح. هذا تَحصيلُ مَذهبِه عندَ جماعةِ أصحابِه (٤).

стр. 417

وأمّا أحمدُ بنُ حنبل، فإنَّ عمرَ بنَ الحسين الخِرَقيَّ ذكَر عنه، قال (١): إذا وقَفَ وقْفًا، ومات المُوقَفُ عليه، ولم يَجعلْ آخرَه للمساكين، ولم يَبقَ ممّن وُقِف عليه أحدٌ، رجَع إلى وَرَثَةِ الواقِف، في إحدَى الرِّوايتين عنه، والرِّوايةُ الأخرى، يكونُ وقْفًا على أقربِ عَصَبَةِ الواقِف. وزعَم بعضُ الناسِ أنَّ في هذا الحديثِ ردًّا على أبي حَنيفة وزُفَرَ في إبطالِهما الأحباس، وردِّهما الأوقاف، وليس كذلك؛ لأنَّ هذا الحديثَ ليس فيه بيانُ الوَقْف، ويَحتمِلُ أن تكونَ صَدَقةُ أبي طلحةَ صَدَقةَ تمليكٍ للرَّقبة، بل الأغلبُ الظاهرُ -من قوله: "فقسَمَها أبو طلحةَ بينَ أقاربِه وبني عمِّه"- أنّه قسَم رَقبتَها وملَّكَهم إيّاها ابتغاءَ مرضاتِ اللَّه، وإذا كان ذلك كذلك فلا خلافَ بينَ أبي حنيفةَ وزُفَرَ وسائرِ العلماءِ في جوازِ هذه الصدقةِ إذا حلَّ المتصدَّقُ عليه فيها محلَّ المتصدِّق، وكان له أن يبيعَ، ويَنتفِعَ، ويَهَبَ، ويَتصدَّقَ، ويَصنعَ ما أحبَّ. وإنّما أنكَر أبو حنيفةَ وزُفَرُ تَحبيسَ الأصلِ على التَّمليكِ وتسبيلَ الغَلَّةِ والثمرة، وهي الأحباسُ المعروفةُ بالمدينة، وفيها تَنازَعَ العلماءُ، وأجازَها الأكثرُ منهم، وقد قال بجوازِها أبو يوسف، ومحمدُ بنُ الحسن (٢)، رجَع أبو يوسفَ عن قولِ أبي حنيفة في ذلك لمّا حدَّثه ابنُ عُليّة، عن ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن عمر، أنّه استأذَنَ رسولَ اللَّه ﷺ في أن يَتصدَّق بسَهْمِه من خيبر، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "احبِسِ الأصل، وسبِّلِ الثَّمَرَة" (٣). وهو حديثٌ صحيحٌ، وبه يَحتجُّ كلُّ مَن أجاز الأحباس.

стр. 418

ذكَر عيسى بنُ أبان، قال: أُخبِرْتُ أنّه لما بلَغ أبا يوسفَ هذا الحديثُ عن ابنِ عونٍ لقيَ ابنَ عُليّةَ فسألَه عنه، فحدَّثه به عن ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبيَّ ﷺ ، وذكَر الحديث (١). ومن حُجَّتِهم أيضا على جوازِها: حديثُ عمرِو بنِ الحارثِ أخي (٢) جُويريةَ بنتِ الحارثِ زوج النبيِّ ﵇، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مات وتخلَّفَ أرضًا موقوفة (٣). وحديثُ أبي هريرة، وقد ذكرناه في كتاب بيان العلم (٤) عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "يَنقطِعُ عملُ المرءِ بعدَه إلّا من ثلاث؛ صدقةٍ جاريةٍ بعدَه، وعلم يَنتفِعُ به غيرُه، وولدٍ يدعُو له" (٥). فأمّا حديثُ ابنِ عون، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا

стр. 419

أشهلُ بنُ حاتم، قال: حدَّثنا ابنُ عون، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: أصاب عمرُ أرضًا بخيبر، فأتى النبيَّ ﷺ فاستأْمَره فيها، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي أصبْتُ أرضًا بخيبرَ، لم أُصبْ مالًا قطُّ أنفسَ عندي منه، فما تأمُرُني به؟ فقال: "إن شِئْتَ حبَسْتَ أصلَها، وتَصَدَّقْتَ بها". قال: فتصدَّقَ بها عمرُ؛ أنّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُوهبُ، ولا يُورَثُ. قال: فتَصدَّقَ بها قي الفقراء، والقُرَباء (١)، وفي الرِّقاب، وفي سبيلِ اللَّه، وابنِ السَّبيل، والضَّيف، لا جُناحَ على مَن وَليَها أن يأكلَ منها بالمعروف، أو يُطعِمَ صديقًا، غيرَ متأثِّل (٢) أو مُتَمَوِّل مالًا (٣). وهذا الحديثُ يقولون: إنّه لم يروِه عن نافع إلّا ابنُ عون، وهو ثقةٌ، لم يروِه مالكٌ ولا غيرُه، إلّا أنّ مالكًا (٤) قد روَى عن زيادِ بنِ سعد، عن ابنِ شهاب، أنَّ

стр. 420

عمرَ بنَ الخطّاب، قال: لولا أنِّي ذكَرْتُ صَدَقتي لرسولِ اللَّه ﷺ واستَأمَرْتُه -أو نحوَ هذا- لرجَعْتُ عنها. قال مالك: مخَافةَ أن يعملَ الناسُ بذلك فَرارًا من الحقِّ، ولا يَضَعونَها مواضِعَها. وليس هذا الحديثُ في أكثرِ "الموطّآت" عن مالك. وممّن رواه عنه عبدُ اللَّه بنُ يوسف، وهذه الصدقةُ هي صدقةُ عمرَ المذكورةُ في حديثِ ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمر، واللَّهُ أعلم. وفي ابنِ عونٍ هذا قال الشاعر: خُذوا عن مالكٍ وعنِ ابنِ عونٍ ... ولا تَرْوُوا أحاديثَ ابنِ دابِ (١) وأمّا حديثُ عَمْرِو بنِ الحارث، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عديّ، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرِو بنِ الحارث، قال:

стр. 421

ما ترَك رسولُ اللَّه ﷺ دينارًا ولا درهمًا، ولا عَبدًا ولا أمةً، إلّا بَغلتَه البيضاءَ التي كان يَركبُها، وسلاحَه، وأرضًا جعَلها صدقةً في أبناء السَّبيل (١). وحديثُ أبي هريرةَ قد ذكَرناه من طُرُقٍ في "كتاب العلم" (٢). فهذه الآثارُ وما أشبهَها مما لا مَدخَلَ للتَّأويل فيها، بها احْتجَّ مَن أجاز الأوقاف. وأمّا حديثُ أنسٍ هذا، فمُحتَمِلٌ للتَّأويلِ الذي ذكَرنا، والأغلبُ فيه عندَنا ما وَصَفْنا، والاحتجاجُ به في مَرْجِع الحُبُس على أقاربِ المحبِّس حُبُسًا حسنٌ قويٌّ، وباللَّه تعالى التوفيق. قال أبو عُمر: كان منِّي هذا القولُ قبلَ أن أرَى حديثَ عبدِ العزيز (٣) بنِ أبي سلمة، عن إسحاق (٤)، عن أنس هذا، وفيه: فباع حسّانُ نصيبَه من معاوية، على ما ذكَرناه فيما تقدَّمَ مُلْحقًا، فعادَ ما ظننَّاه يَقينًا، والحمدُ للَّه. وأمّا قولُه: "بَخٍ ذلكَ مالٌ رابحٌ" فإنّه أرادَ: مالٌ رابحٌ صاحبُهُ ومُعْطيهُ، فحَذَفَ؛ وذلك مَعْروفٌ من كلام العَرَب يقولون: مالٌ رابحٌ ومَتْجَرٌ رابحٌ، كما قالوا: ليلٌ نائمٌ، أي: يَنامُ فيه. وهكذا رواه يحيى: "مالٌ رابحٌ" من الرِّبْح، وتابعَهُ على ذلك جماعةٌ. ورواه ابنُ وَهْبٍ وغيرُه بالياءِ المَنْقوطة باثنتين من تحتها، وقال في تَفْسيره: إنّه يَرُوحُ على صاحبِه بالأجْرِ العظيم (٥).

стр. 422

وقال الأخفش: أصلُه من الرَّوْحة، أي: هو مالٌ يَروحُ عليكَ ثَمَرُه وخيرُه متى شِئْتَ. والأوّلُ أولى عندي، واللَّهُ أعلم. قال أبو عُمر: الأقاربُ الذين قسَم أبو طلحةَ صَدَقتَه عليهم: حسانُ بنُ ثابتٍ، وأبيُّ بنُ كعب. أخبرني عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزّاق (١)، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قال أبو طلحة: يا رسولَ اللَّه، أرَى ربَّنا يَسألُنا أموالَنا،

стр. 423

وإنِّي أُشهِدُكَ أنِّي قد جعَلْتُ أرضِي بأرِيْحاء (١) له. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اجْعَلْها في قَرابَتِك". فقسَمَها بينَ حسّانَ بنِ ثابتٍ وأبيِّ بنِ كعب. قال أبو داود (٢): وبلَغني عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه الأنصاريِّ أنَّه قال: أبو طلحةَ الأنصاريُّ: زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ بنِ حرام بنِ عمرِو بنِ زيدِ مناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّار وحسّانُ بنُ ثابتِ بنِ المنذرِ بنِ حرام، يجتمعانِ في حرام؛ وهو الأبُ الثالث. وأُبيُّ بنُ كعبِ بنِ قيسِ بنِ عتيكِ بنِ زيدِ بنِ معاويةَ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّار. قال الأنصاريُّ: بينَ أبي طلحةَ وأُبيٍّ ستَّةُ آباء. قال: وعمرُو بنُ مالكٍ يجمعُ حسّانَ وأُبيَّ بنَ كعبٍ وأبا طلحة. قال أبو عُمر: أما حسّانُ، فيَلقاه أبو طلحةَ عندَ أبيه الثالث، وأمّا أُبيٌّ فيلقاه أبو طلحةَ عندَ أبيه السّابع. قال أبو عُمر: وفي هذا أيضًا ما يَقضي على القَرابةِ أنّها ما كان في هذا القُعْدُدِ (٣) ونحوِه، وما كان دونَه فهو أحْرَى أن يَلحَقَه اسمُ القَرابة.

стр. 424

حديثٌ ثانٍ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلحَة، عن أنسِ بنِ مالك، أنّه قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ وحانتْ صلاةُ العصر، فالتَمَس الناسُ وَضُوءًا فلم يَجدُوه، فأُتِيَ رسولُ اللَّه ﷺ بوَضُوءٍ في إناء، فوضَع رسولُ اللَّه ﷺ في ذلك الإناءِ يَدَه، ثم أمَر الناسَ يَتَوضَّؤُونَ منه. قال أنسٌ: فرأيتُ الماءَ يَنبُعُ من تحتِ أصابعِه، فتوضَّأ الناسُ حتى تَوضَّؤُوا من عندِ آخرِهم. في (٢) هذا الحديث تَسميةُ الشيءِ باسم ما قَرُب منه، وذلك أنّه سمَّى الماءَ وُضوءًا؛ لأنّه يقومُ به الوُضُوءُ، ألا ترَى إلى قوله: فأُتِيَ رسولُ اللَّه ﷺ بوَضُوءٍ في إناء، والوُضُوءُ بضمِّ الواو: فعلُ المُتوَضِّئ، ومصدَرُ فِعْلِه، وبفتحها: الماء (٣). وفيه إباحةُ الوُضوءِ من إناءٍ واحدٍ للجماعةِ يَغْتَرِفون منه في حينٍ واحد.

стр. 425

وفيه أنّه لا بأسَ بفَضْلِ وَضوءِ الرَّجلِ المسلم يُتوَضَّأُ به، وهذا كلُّه في فضْل طَهورِ الرِّجالِ إجماعٌ من العلماء، والحمدُ للَّه. وفيه العَلَمُ العظيمُ من أعلام نُبُوَّتِه ﷺ ؛ وهو نَبْعُ الماءِ من بينِ أصابعِه، وكم له من هذه صَلَواتُ اللَّه وسلامُه ورضوانُه عليه. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا ثابتٌ، عن أنس، قال: حضَرتِ الصلاةُ فقامَ جيرانُ المسجدِ يتَوضَّؤونَ، وبَقيَ ما بينَ السبعين إلى الثماثين، وكانت منازلُهم بعيدة، فدَعا النبيُّ ﵇ بمِخْضَبِ (١) فيه ماءٌ؛ ما هو بمَلآنَ، فوضَع أصابعَه فيه، وجعَل يَصُبُّ عليهم ويقول: "تَوَضَّؤوا". حتى تَوَضَّؤوا كلُّهُم، وبقيَ في المِخْضَب نحوٌ (٢) مما كان فيه، وهم نَحْو من السَّبْعين إلى الثَّمانين (٣). ورواه معمرٌ، فزاد فيه ذِكرَ التَّسْمِيَة؛ حدَّثنا (٤) عبدُ الرَّحمن بن مروان (٥)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّان، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ شَبِيب، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٦): أخبرنا معمرٌ، عن ثابتٍ وقتادة،

стр. 426

عن أنس، قال: نظَر بعضُ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ وَضوءًا فلم يَجِدُوا، فقال النبيُّ ﷺ : "هاهُنا ماءٌ". قال: فرأيتُ النبيَّ ﷺ وضَع يدَه في الإناءِ الذي فيه الماءُ، ثم قال: "تَوضَّؤُوا باسم اللَّه". قال: فرأيتُ الماءَ يَفورُ من بينِ أصابعِه، والقومُ يتَوضَّؤونَ حتى تَوضَّؤُوا من آخِرهم. قال ثابتٌ: قلتُ لأنس: كم تُراهم كانوا؟ قال: نَحْوًا من سبعين. وقد روَى ابنُ مسعودٍ هذا المعنَى بأتمَّ من هذا وأحسنَ؛ حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَلْقَمة، عن عبدِ اللَّه، قال: كنّا -أصحابَ محمد- نَعُدُّ الآياتِ بركة، وأنتم تَعُدُّونها تخويفًا؛ إنّا بَيْنا نحن مع رسولِ اللَّه ﷺ وليس معنا ماءٌ، فقال لنا رسولُ اللَّه ﷺ : "اطْلُبوا مَن معه فضْلُ ماء". فأُتِيَ بماءٍ، فصَبَّه في إناء، ثم وضَع كَفَّه فيه، فجعَل الماءُ يخرُجُ من بينِ أصابعِه، ثم قال: "حَيَّ على

стр. 427

الطَّهُورِ المُباركِ، والبركةُ من اللَّه". قال: فشَرِبْنا. وقال عبدُ اللَّه: وكنّا نَسمَعُ تَسبيحَ الطَّعام ونحن نأكلُ. وروَى جابرٌ في ذلك مثلَ روايةِ أنس في أكثرَ من هذا العَدَد، وفي غيرِ المسجد، وذلك مرةً أخرى عامَ الحديبية: أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد (١)، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أحمدَ بن يحيى، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَزّار، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وأبو داود (٢)، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّة، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، قال: قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ اللَّه: كم كنتم يومَ الشَّجرة؟ قال: فذكَر عطَشًا، فأُتيَ رسولُ اللَّه ﷺ بتَوْرٍ (٣) فيه ماءٌ، فوضَع أصابعَه فيه، وجعَل الماءُ يَنبُعُ من بينِ أصابعِه كأنّها العيونُ، فشرِبنا وسُقِينا وكَفانا. قال: قلتُ لجابر: كم كنتم يومئذ؟. قال: ألفٌ وخمسُ مئة، ولو كنّا مئةَ ألفٍ لكَفانا.

стр. 428

وقال جريرٌ، عن الأعْمَش، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن جابر، قال: قلتُ: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفٌ وأربعُ مئة (١). قال أبو عُمر: الذي أُوتِيَ النبيُّ ﷺ من هذه الآيةِ المُعجزةِ أوضَحُ في آياتِ الأنبياءِ وأعلامِهم ممّا أُعطيَ موسى ﵇ إذْ ضرَب بعَصاه الحَجَرَ فانفجَرتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا؛ وذلك أنَّ من الحجارةِ ما يُشاهَدُ انفجارُ الماءِ منها، ولم يُشاهَدْ قطُّ أحدٌ من الآدَميِّينَ يَخرُجُ من بينِ أصابعِه الماءُ غيرَ نبيِّنا ﷺ . وقد نزَع بنحوِ ما قلتُ المُزَنيُّ وغيرُه، ومن ذلك حديثُ أنسٍ وغيرِه في الطَّعام الذي أكَل من القَصْعَةِ الواحدةِ ثمانون رجلًا وبَقِيَتْ بهيئاتِها (٢). وحديثُ النُّعمانِ بنِ مُقَرِّن إذْ زُوِّدُوا من التَّمرِ وهم أربعُ مئةِ راكب، قال: ثم نظَرتُ فإذا به كأنّه لم يُفقَدْ منه شيءٌ (٣). والأحاديثُ في أعْلام نبوَّتِه أكثرُ من أن تُحصَى، وقد جمع قومٌ كثيرٌ كثيرًا منها، والحمدُ للَّه. ومن أحسنِها -وكلُّها حسنٌ- ما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال:

стр. 429

حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ (٢)، عن الأعمش، عن المِنْهالِ بنِ عمرو، عن يَعْلَى بن مُرَّةَ الثَّقفيّ، عن أبيه، قال: خرَجتُ مع النبيِّ ﷺ في سَفَر، حتى أتَيْنا منزلًا، فقال النبيُّ ﵇: "يا مُرَّةُ، ائتِ تلك الأشاءَتَين فقل لهما: إنَّ رسولَ اللَّه يأمُرُكما أن تَجتَمِعا". ففعلتُ، فأتَتْ كلُّ واحدةٍ منهما إلى صاحبتِها، قال: فخرَج فاسْتتَر بهما، فقضَى حاجَتَه ثم قال: "ارجِعْ إليهما، فقلْ لهما يَرْجِعا إلى مكانِهما". ففعلتُ، ففعَلتا. ورُوِيَ عن يَعلَى من وُجوه (٣). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد (٤)، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ

стр. 430

إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو حَزْرةَ يعقوبُ بنُ مجاهد، عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: سِرْنا مع رسولِ اللَّه ﷺ في مَسيرٍ له حتى نزَلْنا وادِيًا أفْيَحَ (١)، فانطَلقَ رسولُ اللَّه ﷺ يَقضي حاجَتَه، واتَّبعْتُه، فلم يَرَ شيئًا يَستترُ به، فنظَر فإذا في شاطئ الوادي شَجَرَتان، فانطلَقَ إلى إحداهما، فأخَذ بغُصْنٍ من أغصانِها فقال: "انقادِي عليَّ بإذنِ اللَّه". فانقادَتْ معه كالبَعيرِ المَخْشُوشِ (٢) الذي يُصانِعُ قائدَه (٣)، ثم أتى الشَّجرةَ الأخرى، فأخذَ بغُصْنٍ من أغصانِها فقال: "انْقادي عَلَيَّ بإذنِ اللَّه". فانقادَتْ معه كذلك، حتى إذا كان في المَنْصَفِ (٤) ممّا بينهما لأمَ بينَهما (٥)، فقال: "التَئِما عَلَيَّ بإذنِ اللَّه". قال: فالْتأمَتا. قال جابر: فخرَجْتُ أُسْرِعُ مَخافةَ أن يُحِسَّ رسولُ اللَّه ﷺ بقُربي، فتَبعَّدْتُ، قال: فجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نفسي، ثم حانَتْ منِّي لَفْتَةٌ، فإذا أنا برسولِ اللَّه ﷺ مُقبِلًا، وإذا الشَّجرتان قد افتَرقَتا، فقامَتْ كلُّ واحدةٍ منهما على ساق، فرأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ وقَف وِقْفَة، فقال برأسِه هكذا عن يمينِه، ثم قال برأسِه هكذا عن يسارِه، ثم أقبَل (٦).

стр. 431

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بن عبد الملك، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: خرجتُ معَ رسولِ اللَّه ﷺ في سَفَر، وكان رسولُ اللَّه ﷺ لا يأتي البَرازَ حتى يَبعُدَ فلا يُرى، فنزَلْنا بفَلاةٍ من الأرض، ليس فيها شَجَرٌ، ولا عَلَمٌ، فقال: "يا جابرُ، اجعَلْ في إداوَتِكَ ماءً، ثم انطَلِقْ بنا"، قال: فانطلَقْنا حتّى لا نُرى، فإذا هو بشَجَرتَيْن بينَهُما أربعُ أذرُع، فقال: "يا جابرُ، انطَلِقْ إلى هذه الشَّجرةِ، فقُلْ لها: يقولُ لكِ رسولُ اللَّه: الْحَقِي بصاحِبَتِكِ، حتى أجلسَ خلْفَكُما"، قال: ففعلْتُ فرَجعتُ إليها، فجلس رسولُ اللَّه ﷺ خلْفَهُما، ثم رجَعَتا إلى مكانِهِما، فرَكِبْنا معَ رسولِ اللَّه ﷺ ، ورسولُ اللَّه بينَنا، كأنّما على رؤوسِنا الطّيرُ تُظِلُّنا، فعَرضَتْ لنا امرأةٌ، معها صبيٌّ لها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنّ ابني هذا يأخُذُه الشيطانُ كلَّ يوم مِرارًا، فوقَفَ لها، ثم تناوَلَ الصبيَّ، فجَعلَه بينَهُ وبينَ مَقْدِم الرَّحْل، ثم قال: "اخْسَأْ عدُوَّ اللَّه، أنا رسولُ اللَّه، اخْسَأْ عدُوَّ اللَّه، أنا رسولُ اللَّه"، ثلاثًا، ثم دفعَهُ إليها، فلمّا قضَيْنا سفَرَنا، مرَرْنا بذلك المكان، فعرَضَتْ لنا المرأةُ معها صَبِيُّها ومعها كَبْشانِ تسَوقُهما، فقالت: يا رسولَ اللَّه، اقبَلْ منِّي هذَيْن، فوَالذي بعثكَ بالحقِّ،

стр. 432

ما عاد إليه بعْدُ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "خُذوا منها أحدَهُما، ورُدُّوا عليها الآخَرَ"، ثم سِرْنا ورسولَ اللَّه ﷺ كأنّما على رؤوسِنا الطيرُ تُظِلُّنا، فإذا جَمَلٌ نادٌّ (١)، حتى إذا كان بينَ السِّماطَين (٢) خَرَّ ساجِدًا، فحبَس رسولُ اللَّه ﷺ على الناس وقال: "مَن صاحبُ هذا الجَمَل؟ " فإذا فِتيَةٌ من الأنصارِ قالوا: هو لنا يا رسولَ اللَّه. قال: "فما شأنُه؟ " فقالوا: استَتَيْنا عليه (٣) منذُ عشرين سنة، وكانت به شُحَيْمَةٌ فأرَدْنا أن نَنْحَرَه فنَقْسِمَه بينَ غِلمانِنا، فانْفَلتَ مِنّا. فقال: "أتَبِيعُونَنِيه؟ " قالوا: لا، بل هو لك يا رسولَ اللَّه. قال: "أمّا لا، فأحسِنُوا إليه حتّى يَأتيَه أجَلُه". قال المسلمون عندَ ذلك: نحن أحقُّ يا رسولَ اللَّه بالسُّجودِ لكَ من البهائم. قال: "لا ينبغي لشيءٍ أن يَسجُدَ لشيء، ولو كان ذلك كان النِّساءُ يَسجُدْنَ لأزواجِهِنَّ". وروَى ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، عن سعيدِ بنِ أبي هلال، عن عُتبةَ بنِ أبي عُتْبَة، عن نافع بنِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِم، عن عبدِ اللَّه بنِ عبّاس، أنه قيل لعُمرَ بنِ الخطّاب في شأنِ العُمرة، فقال عُمر: خرَجْنا مع رسولِ اللَّه ﷺ إلى تبوكَ في قيْظٍ شديد، فنزلْنا منزلًا أصابَنا فيه عطشٌ، حتّى ظننّا أنّ رِقابَنا ستَنْقَطِعُ، حتى إنْ كان الرّجُلُ ليَذهَبُ فيَلتَمِسُ الماءَ فلا يرجعُ حتى يظُنَّ أنّ رقَبتَه ستَنقطعُ، حتى إن الرّجُلَ لَينْحَرُ بعيرَهُ فيَعْصِرُ فرْثَهُ فيَشرَبُه، ويجعلُ ما بقِيَ على كبدِه، فقال أبو بكر الصِّدِّيق: يا رسولَ اللَّه، إنّ اللَّهَ قد عوَّدكَ في الدُّعاءِ خيرًا فادْعُ لنا،

стр. 433

قال: "تحب ذلك؟ "، قال: "نعم"، فرفَعَ يدَيْهِ فلم يَرْجعْهُما حتى قالت السماءُ (١)، فاظلَّت، ثم أسكَبَتْ، فمَلؤُوا ما معهم، ثم ذهَبْنا به ننظُرُ، فلم نجِدْها جازَتِ العسكر (٢). وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ ذكرْنا منها في باب شريكِ بن أبي نَمِرٍ في الاسْتِسقاء ما فيه شفاء، والحمدُ للَّه (٣).

стр. 434

حديثٌ ثالثٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا ذهَب إلى قُباءٍ يَدخُلُ على أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ فتُطْعِمُه، وكانت أمُّ حرام تحتَ عُبادةَ بنِ الصامِت، فدخَل عليها رسولُ اللَّه ﷺ يومًا فأطْعَمَتْه، وجلَستْ تَفْلي رأسَه، فنام رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم استَيقَظَ وهو يَضحَكُ، قالت: فقلت: ما يُضحِكُكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "ناسٌ مِن أمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، يَركَبُونَ ثَبَجَ هذا البحر، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مثلَ الملوكِ على الأسِرَّة". يَشُكُّ إسحاقُ. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعلَني منهم. فدعا لها، ثم وضَع رأسَه فنام، ثم اسْتَيقَظَ يَضحَكُ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما يُضحِكُكَ؟ قال: "ناسٌ من أُمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مِثْلَ الملوكِ على الأسِرَّة". كما قال في الأولى. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعَلَني منهم. قال: "أنتِ من الأوَّلين". قال: فرَكِبَتِ البحرَ في زَمَنِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيان، فصُرِعَتْ عن دابَّتِها حينَ خرجَتْ من البحر، فهلَكَتْ. هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ رواةِ "الموطّأ" فيما علِمْتُ، جعلوه من مسندِ أنس بن مالك (٢).

стр. 435

ورواه بشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ (١)، عن مالك، عن إسحاق، عن أنس، عن أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ، قالت: استَيقَظَ رسولُ اللَّه ﷺ ، الحديثَ، جعَله من مُسندِ أمِّ حرام، هكذا حدَّثَ عنه به بُندارٌ محمدُ بنُ بشّار (٢). وأمُّ حرام هذه هي خالةُ أنسِ بنِ مالك، أختُ أمِّ سُليم بنتِ مِلحانَ أمِّ أنسِ بنِ مالك (٣)، وقد ذكَرناهما ونَسَبْناهما وذكَرْنا شيئًا من أخبارِهما في كتابِنا كتاب "الصحابة" (٤)، فأغنَى عن ذكرِه هاهُنا، وأظنُّها أرْضَعَتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، أو أمُّ سُليم أرضعَتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، فحصَلتْ أمُّ حرام خالةً له من الرَّضاعة، فلذلك كانت تَفْلي رأسَه، وينامُ عندَها، وكذلك كان ينامُ عندَ أمِّ سُليم، وتنالُ منه ما يجوزُ لذي المَحْرَم أن يَنالَه من محارمِه، ولا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أُمَّ حرام كانت من رسولِ اللَّه بمَحْرم (٥)، فلذلك كان منها ما ذُكِرَ في هذا الحديث، واللَّهُ أعلم. وقد أخبَرَنا غيرُ واحدٍ من شُيوخِنا، عن أبي محمدٍ الباجيِّ (٦) عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليّ، أنَّ محمدَ بنَ فُطيس أخبرَه، عن يحيى بن إبراهيمَ بن مُزين، قال:

стр. 436

إنَّما استجازَ رسولُ اللَّه ﷺ أن تَفْليَ أُمُّ حرام رأسَه لأنّها كانت منه ذاتَ مَحْرَم من قبلِ خالاتِه؛ لأنَّ أمَّ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشم كانت من بني النَّجّار. وقال يونسُ بنُ عبدِ الأعلى: قال لنا ابنُ وَهْب: أُمُّ حرام إحدَى خالاتِ النبيِّ ﷺ من الرَّضاعة، فلهذا كان يَقيلُ عندَها، وَينامُ في حِجْرِها، وتَفْلي رأسَه (١). قال أبو عُمر: أيُّ ذلك كان، فأُمُّ (٢) حرام مَحْرمٌ من رسولِ اللَّه ﷺ ، والدليلُ على ذلك ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤): حدَّثنا عليُّ بنُ حُجر، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ألا لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ إلّا أن يكونَ ناكحًا أو ذا محرم". وروَى عمرُ بنُ الخطاب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة؛ فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهما" (٥).

стр. 437

وروَى ابنُ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا أن تكونَ منه ذاتَ مَحْرَم" (١). وروَى عبدُ اللَّه بنُ عمرِو بنِ العاص، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "لا يَدْخل (٢) رجلٌ على مُغِيبةٍ (٣) إلّا ومعه رجلٌ أو رجلان" (٤).
следующие страницы →