← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3898–3937 · переход к 3903.

стр. 3898

وقد بَيَّنا وأوضَحْنا ما صَحَّ من السُّنَّةِ، وما وردَ به الكتاب في أوَّلِ هذا البابِ، والحمدُ لله. واحتَجَّ أيضًا من ذهَبَ مذهَبَ الكُوفيِّينَ في هذا البابِ بحديثِ عِمْران بن حُصين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بأصحابِهِ الظُّهرَ، فلمّا قَضَى صلاتَهُ قال: "أيُّكُم قَرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ " فقال بعضُ القوم: أنا يا رَسُولَ الله. قال: "قد عَرفتُ أنَّ بعضكُم خالَجَنيها". رواهُ معمرٌ، وغيرُهُ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن عِمران بن حُصين (١). قالوا: ففي هذا الحديثِ، وهو حديثٌ صحيحٌ، أنَّ القِراءة خلفَ الإمام فيما يُسِرُّ به تُكرَهُ، ولا تَجُوزُ. ومعنى قوله: "خالَجَنيها" أي: نازَعَنيها، والمُخالَجة هُنا عندهُم كالمُنازعة. فحديثُ عِمْرانَ هذا، كحديثِ ابن أُكَيمة، عن أبي هُريرةَ، ولا تكونُ المُنازَعةُ إلّا فيما جهَرَ فيه المأمُومُ وراءَ الإمام، ويَدُلكَ على ذلكَ، قولِ أبي هُريرة، وهو راوي الحديث في ذلك: اقْرَأ بها في نفسِكَ يا فارسيُّ (٢). قاله في حديثِ العَلاءِ. قال أبو عُمر: ليسَ في هذا الحديثِ دليلٌ على كَراهيةِ ذلك، لأنَّهُ لو كَرِههُ، لنَهَى عنه. وإنَّما كرِهَ رفعَ صوتَ الرَّجُلِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في صلاةٍ سُنَّتها الإسرارُ بالقِراءة. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا سُلَيمانُ بن الأشعثِ، قال (٣): حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ،

стр. 3899

ومحمدُ بن كثيرٍ العبديُّ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن عِمْرانَ بن حُصين: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى الظُّهر، فجاءَ رجُل فقَرَأ خلفهُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلمّا فرغَ، قال: "أيُّكُم قَرَأ؟ " قالوا: رَجُلٌ. قال: "قد عَرفتُ أنَّ بعضَكُم خالَجَنيها". قال أبو الوليدِ في حديثه: قال شُعبةُ: قلتُ لقتادَةَ: أليسَ يقولُ سعدٌ: أنْصِت للقُرآن؟ قال: ذلك إذا جهَرَ به. وقال ابن كئيرٍ في حديثه: قال شُعبةُ: قلتُ لقتادَةَ: كأنَّهُ كرِهَهُ؟ قال: لو كَرِهَهُ، نَهَى عنهُ. قال أبو عُمر: في قولِ رسُولِ الله ﷺ في حديثِ ابن شِهاب، عن ابن أُكَيْمةَ، عن أبي هُريرةَ: "ما لي أُنازَعُ القُرآن" دليلٌ على أنَّ القِراءةَ خلفَ الإمام إذا أسرَّ الإمامُ في صلاتِهِ بالقِراءةِ جائزةٌ، لأنَّ المُنازَعةَ في القُرآنِ، إنَّما تَكُونُ مع الجَهْرِ، لا مع السِّرِّ. وقد اختلَفَ العُلماءُ في حُكم القِراءةِ خلفَ الإمام فيما يُسِرُّ فيهِ (١) بالقِراءةِ، فكَرِهها الكُوفيُّونَ. وإلى ذلك ذهَبَ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابَهُ، والحسنُ بن حيٍّ، وابن أبي ليلى، وابن شُبرُمةَ. وهو قولُ إبراهيمَ النَّخعيِّ (٢)، وغير من الكُوفيِّينَ، وحُجَّتهُم ما ذكرنا. وقال سائرُ فُقهاء الحِجازِ والعراقِ والشّام، منهم: مالكٌ، والأوزاعيُّ، والشّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، والطَّبريُّ، وغيرهم: يقرأُ مع

стр. 3900

الإمام في كلِّ ما يُسِرُّ فيهِ (١). وحُجَّتهم ما قَدَّمنا ذكرهُ في هذا البابِ. ثمَّ اختلَفَ هؤلاءِ في وجُوبِ القراءةِ ههنا إذا أسَرَّ الإمامُ، فذهَبَ أكثرُ أصحابِ مالكٍ، إلى أنَّ القِراءة عندهُم خلفَ الإمام فيما أسَرَّ به الإمامُ سُنَّةً، ولا شيءَ على من تَرَكها، إلّا أنَّهُ قد أساءَ (٢). وكذلك قال أبو جعفرٍ الطَّبريُّ، قال: القِراءةُ فيما أسَرَّ فيه الإمامُ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، ولا تفسُدُ صلاة من تَرَكها، وقد أساءَ. ذكر ابن خُوَيْزمَنْداد (٣): أنَّ القِراءة عند أصحابِ مالك خلفَ الإمام، فيما أسَرَّ فيه بالقراءةِ مُسْتحَبَّةٌ غيرُ واجبةِ. وكذلك قال الأبهريُّ، وإليهِ أشارَ إسماعيلُ بن إسحاقَ (٤). وذكَرَ إسماعيلُ قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن أُسامةَ بن زيد، قال: سألتُ القاسمَ بن محمد عن القِراءةِ خلفَ الإمام فيما لم يجهَرْ فيه، فقال: إن قرأتَ، فلكَ في رجالٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أُسْوةٌ، وإن لم تَقْرأ فلكَ في رجالٍ من أصحابِ رَسُولِ الله ﷺ أُسْوَةٌ (٥). قال: وحدَّثنا عبد الله بن مَسْلمة، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بن محمد، يقولُ: إنِّي أُحبُّ أن أشغَلَ نَفْسي بالقِراءةِ فيما لا يجهَرُ به الإمامُ عن حديثِ النَّفسِ في الظُّهرِ، والعصرِ، والثّالثةِ من المغربِ، والأُخْريينِ من العَتَمةِ (٦).

стр. 3901

وقال الشّافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ، وإسحاقَ، وداودُ: القِراءةُ فيما أسَرَّ فيه الإمامُ واجبةٌ، ولا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ في كلِّ رَكْعةٍ منها بفاتحةِ الكتابِ، أقَلُّ شيءٍ إذا أسَرَّ الإمامُ بالقِراءةِ، لأنَّ الإنْصاتَ إنَّما يكونُ عندَ الجهرِ بالقراءةِ، لقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولقول رسُولِ الله ﷺ : "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ". وقد ارْتَفعَتْ هذهِ العِلَّةُ في صلاةِ السرِّ، فوجَبَ على كلِّ مُصلٍّ أن يَقْرأ لنفسهِ في صلاتِهِ، ولا ينُوبُ عندَ واحدٍ منهم قِراءةُ الإمام، عن قراءةِ المأمُوم، ولا تُجزئهُ، كما لا ينُوبُ، ولا يُجْزئُ عنهُ عندهُم إحرامُهُ، ورُكُوعُه، وسُجُوده، عن إحرام المأمُوم، ورُكُوعهِ وسجُودهِ. وقد تقدَّمَ في هذا الباب الحُجَّة لهم، فأغْنَى عن إعادتها ههنا. قال أبو عُمر: للشّافعيِّ في القراءةِ خلفَ الإمام ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أن يقرأُ مع الإمام فيما أسَرَّ وفيما جهَرَ. والثّاني: يقرأُ معهُ فيما جهَرَ بأُمِّ القُرآنِ فقط، ويتبعُ سَكَتات الإمام قبلَ وبعدَ. والثّالثُ: لا يقرأُ معهُ فيما جهَرَ، ويقرأُ معهُ فيما أسَرَّ (١). وذكرَ ابن خُوَيْزمَنْداد قولًا رابعًا مثلَ قولِ أبي حنيفةَ: لا يقرأُ مع الإمام فيما أسَرَّ، ولا فيما جهَرَ. وهذا القولُ الرّابع عِندَ أصحابهِ غير مَشْهُورٍ، وأصحابهُ اليومَ لا يذكرُونَ في المسألةِ إلّا قولينِ، أحدُهُما: لا بُدَّ للمأمُوم من قراءةِ أُمِّ القُرآن على كلِّ حالٍ، فيما أسَرَّ، وفيما جهَرَ. والثّاني: يقرأُ معهُ فيما أسَرَّ، ولا يقرأُ معهُ فيما جهَرَ. وهذا هو القولُ عندنا، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 3902

ابن شِهاب، عن ابن كعبِ بن مالكٍ الأنصاريِّ حديثانِ، أحدُهُما مُرسلٌ، وقد قيل: إنَّهُما جميعًا مُرسلانِ قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ: سمِعتُ أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: وَلَدُ كعب بن مالك: عبدُ الرَّحمنِ (١)، وعبدُ الله (٢)، وعُبيدُ الله (٣)، وفَضالةُ، ووَهْبٌ، ومَعْبدٌ (٤). قال محمدُ بن يحيى: وسمِعتُ عليَّ بن المدينيِّ يقولُ: هُم خَمْسةٌ: عُبيدُ الله بن كعبٍ، ومَعْبدُ بن كعبٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ، ومحمدُ بن كعبٍ، وعبدُ الله بن كعب. قال محمدُ بن يحيى: فسمِعَ الزُّهْريُّ من عبدِ الله بن كعبٍ، وكان قائدَ أبيه حينَ عَمِيَ، وسمِعَ من عبدِ الرَّحمنِ بن كعبٍ، وسمِعَ من عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ قائدِ كعبٍ، وروى عن بشيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبٍ، ولا أراهُ سمِع منهُ.

стр. 3903

حديثٌ أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن ابن كعبِ بن مالكٍ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالك: أنَّهُ أخبره (٢)، أنَّ أباهُ كعب بن مالكٍ كان يُحدِّثُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما نَسَمةُ المُؤمنِ طائرٌ يَعْلَقُ في شَجَرِ الجنَّةِ، حتَّى يُرجِعهُ الله إلى جَسدِهِ يومَ يبعثُهُ". لم يُختلَفْ عن مالكٍ في هذا الحديثِ (٣)، ومن أفضلِ من رَواهُ عنهُ: المُعافَى بن عِمرانَ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عُبيدِ بن أحمد بن سعيدٍ الصَّفّارُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الضَّبِّي (٤)، قال: حدَّثنا المُعافى بن عِمرانَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ الأنصاريِّ، أنَّهُ أخبرهُ، أنَّ أباهُ كعبَ بن مالكٍ كان يُحدِّثُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما نَسَمةُ المُؤمِنِ طائرٌ يَعلَقُ في شَجرِ الجنَّةِ، حتَّى يُرجِعهُ الله إلى جَسدِهِ". وفي رِوايةِ مالكٍ هذه، بيانُ سماع الزُّهْريِّ لهذا الحديثِ من عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ.

стр. 3904

وكذلك رواهُ يُونُسُ، عن الزُّهْريِّ قال: سمِعتُ عبد الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ يُحدِّثُ، عن أبيه، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما نَسَمةُ المُؤمنِ ... " وذكَرَ الحديثَ (١). وكذلكَ رواهُ الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ (٢). ورواهُ محمدُ بن إسحاقَ، عن الحارِثِ بن فُضَيلٍ (٣)، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ عن أبيه (٤) (٥). فاتَّفق مالكٌ، ويُونُسُ بن يزيدَ، والأوزاعيُّ، والحارِثُ بن فُضَيلٍ على رِوايةِ هذا الحديثِ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن أبيه. ورواهُ شُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ (٦)، ومحمدُ بن أخي الزُّهْريِّ، وصالحُ بن كَيْسانَ (٧)، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالكٍ. فاتَّفقَ هؤلاءِ على أن جَعلُوا الحديثَ لعبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، عن جدِّهِ كعبِ بن مالكٍ.

стр. 3905

وذكرهُ إبراهيمُ بن سعدٍ، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، أنَّهُ بلَغهُ، أنَّ كعبَ بن مالكٍ كان يُحدِّثُ (١). وذكَرَ أبو اليَمانِ، قال: حدَّثنا شُعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، أنَّ كعبَ بن مالكٍ كان يُحدِّثُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ . مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً (٢). ورواهُ معمرٌ، وعُقيلٌ، وعَمرُو بن دينارٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن كعب، لم يقولوا: عبدُ الله، ولا عبدُ الرَّحمنِ؛ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن مَعْمرٍ. وذكَرهُ اللَّيثُ، عن عُقَيل (٤). وذكرهُ ابن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ (٥)، عن الزُّهْريِّ، كلُّهُم عن ابن كعبِ بن مالكٍ، في حديث: "نَسَمةُ المُؤمِنِ" كلُّ هذا. وقال محمدُ بن يحيى: المحفُوظُ عِندَنا، واللهُ أعلمُ هذا، وهُو الذي يُشبِهُ حديث صالح بن كيسانَ، وشُعَيبٍ، وابنِ أخي ابن شِهاب. قال أبو عُمر: لا وجْهَ عِندي لما قالهُ محمدُ بن يحيى من ذلكَ، ولا دليلَ عليه، واتِّفاقُ مالكٍ، ويُونُس، والأوزاعيِّ، ومحمدِ بن إسحاقَ أولى بالصَّوابِ، والنَّفسُ إلى قَوْلِهِم ورِوايتِهِم أمْيَلُ وأسكنُ، وهُم في الحِفظِ والإتْقانِ بحيثُ لا يُقاسُ عليهِم غيرُهُم مِمَّن خالَفهُم في هذا الحديثِ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 3906

وأمّا قولُهُ: "نسَمَةُ المُؤمِنِ" والنَّسمةُ هاهُنا الرُّوحُ، يدُلُّك على ذلكَ قولُهُ ﷺ في الحديثِ نفسِه: "حتَّى يُرْجِعهُ الله إلى جَسدِهِ يوم القيامةِ". وقيل: النَّسمةُ: النَّفسُ، والرُّوحُ، والبَدَنُ، وأصلُ هذه اللَّفظةِ، أعني النَّسمةَ، الإنسانُ بعينِهِ، وإنَّما قيل للإنسانِ نَسَمةٌ، والله أعلمُ، لأنَّ حياةَ الإنسانِ برُوحِهِ، فإذا فارَقتْهُ، عُدِمَ، أو صارَ كالمُعْدَم. والدَّليلُ على أنَّ النَّسمةَ الإنسانُ، قولُهُ ﷺ : "من أعتَقَ نَسَمةً مُؤمِنةً" (١)، وقولُ عليٍّ ﵁: لا والذي فلق الحبَّةَ، وبَرَأ النَّسمةَ (٢). قال الشّاعِرُ (٣): بأعظمَ منك (٤) يقي في الحِسابِ ... إذا النَّسَماتُ نفَضْنَ الغُبارا يعني إذا بُعِث النّاسُ من قُبُورِهِم يومَ القيامةِ. وقال الخليلُ بن أحمدَ (٥): النَّسمةُ الإنسانُ. قال: والنَّسمُ نفسُ الرُّوح، والنَّسيمُ هُبُوبُ الرِّيح. وقولُهُ: "تَعلَقُ في شَجرِ الجنَّةِ". يُروى بفتح اللّام، وهُو الأكثرُ، ويُروى بضمِّ اللّام، والمعنى واحِدٌ، وهُو الأكلُ والرَّعيُ، يقولُ: تأكُلُ من ثِمارِ الجنَّةِ،

стр. 3907

وترَعَى وتسرحُ بين أشجارِها، والعَلوقةُ والعَلاقُ والعَلوقُ، الأكلُ والرَّعيُ، وتقولُ العربُ: ما ذاقَ اليومَ عَلُوقًا، أي: طعامًا. قال الرَّبيعُ بن زيادٍ يَصِفُ الخيلَ: ومُجنَّباتٍ لا يذُقن علُوقةً ... يمصعن بالمهراتِ والأمهارِ (١) يعني: ما يَرْعَينَ ولا يذُقنَ شيئًا، قال الأعْشَى (٢): وفلاةٍ كأنَّها ظهرُ تُرسٍ (٣) ... ليسَ فيها إلّا الرَّجيعَ (٤) علاقُ واختلفَ العُلماءُ في معنى هذا الحديثِ، فقال منهُم قائلُون: أرواحُ المُؤمِنينَ عِندَ الله في الجنَّةِ، شُهداءً كانُوا، أم غيرَ شُهداءٍ، إذا لم يحبِسْهُم عن الجنَّةِ كبيرةٌ، ولا دَيْنٌ، وتَلقّاهُم ربُّهُم بالعَفْوِ عنهُم، وبالرَّحمةِ لهم، واحتجُّوا بأنَّ هذا الحديث لم يخُصَّ فيه مُؤمِنًا شهيدًا، من غيرِ شهيدٍ، واحتجُّوا أيضًا بما رُوِيَ عن أبي هُريرةَ: أنَّ أرواحَ الأبرارِ في عِلِّيِّين، وأرواحَ الفُجّارِ في سِجِّينٍ (٥). وعن عبدِ الله بن عُمر مِثلُ ذلكَ. وهذا قولٌ يُعارِضُهُ من السُّنَّةِ ما لا مَدْفَعَ في صِحَّةِ نقلِهِ، وهُو قولُهُ ﷺ : "إذا ماتَ أحدُكُم، عُرِضَ عليه مَقْعدُهُ بالغداةِ والعَشيِّ، إن كانَ من أهْلِ الجنَّةِ، فمِنْ أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النّارِ، فمِنْ أهلِ النّارِ، يُقالُ: هذا مَقْعدُكَ حتَّى

стр. 3908

يبعثَكَ الله إليه يومَ القيامةِ" (١). وسيأتي هذا الحديثُ، وما كان في معناهُ من صحيح الأثرِ، في بابِ نافِع، إن شاءَ الله تعالى. وقال آخرُونَ: إنَّما معنى هذا الحديثِ في الشُّهداءِ دُونَ غيرِهِم، لأنَّ القُرآنَ والسُّنَّةَ، لا يدُلّانِ إلّا على ذلكَ، أمّا القُرآنُ، فقولُهُ : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]. وأمّا الآثارُ، فمِنها ما رواهُ الثِّقاتُ في حديثِ ابن شِهابٍ هذا. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا ابن أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن كعبِ بن مالكٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أرواحُ الشُّهداءِ في طَير خُضْرٍ تَعلَقُ في شَجرِ الجنَةِ" (٢). ومِنها ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داود، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن عديٍّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن المُختارِ، عن عطيَّةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الشُّهداءُ يَغْدُون ويرُوحُونَ إلى رياضِ الجنَّةِ، ثُمَّ يكونُ مأواهُم إلى قَناديلَ مُعلَّقةٍ بالعَرْشِ، فيقولُ الله ﵎: هل تعلمُونَ كَرامةً أفضَلَ من كرامةٍ

стр. 3909

أُكْرِمتُمُوها؟ فيقولُون: لا، غيرَ أنّا وَدِدنا أنَّكَ أعدْتَ أرْواحنا في أجْسادِنا، حتَّى نُقاتِلَ مرَّةً أُخرى، فنُقتلَ (١) في سبيلِكَ" (٢). وذكَرَ بَقِيُّ بن مُخلَّدٍ قال: حدَّثنا هنّادُ (٣) بن السَّريِّ (٤)، عن إسماعيل بن المُختارِ، عن عطيَّةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ. قال بَقِيٌّ: وحدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدريسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لمّا أُصيبَ إخوانُكُم يوم أُحُدٍ، جعَلَ الله أرواحهُم في أجْوافِ طيرٍ خُضرٍ، ترِدُ أنهارَ الجنَّةِ، وتأكُلُ من ثَمرِها، وتأوي إلى قناديلَ من ذَهَبٍ مُذلَّلةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فلمّا وجَدُوا طِيبَ مأكلِهِم ومَشْربِهِم ومَقِيلِهِم، قالوا: من يُبلِّغُ إخْواننا عنّا أنّا أحياءٌ في الجنَّةِ نُرزَقُ، لئَلّا ينكُلُوا عن الحرب، ولا يَزْهدُوا في الجِهادِ، قال: فقال الله أنا أُبلِّغُهُم عنكُم، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] " (٥).

стр. 3910

قال بَقِيٌّ: وحدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسرُوقٍ، عن عبدِ الله، قال: سَألناهُ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنّا قد (٢) سألنا عن ذلكَ، أرواحُهُم كطيرٍ خُضرٍ تَسْرحُ في الجنَّةِ، في أيِّها شاءَتْ. [ثم تأوي إلى قَناديلَ مُعلّقة بالعَرْش، فبينما هُم كذلك، إذ اطَّلَعَ عليهم ربُّكَ، فقال: سَلُوني ما شِئْتُم، فقالوا: يا رَبَّنا وماذا نسألُكَ، ونحنُ نَسْرحُ في الجنّة، في أيها شِئْنا؟ قال: فبينما هُم كذلك، إذ اطَّلَعَ عليهم رَبُّهم اطلاعةً، فقال: سَلُوني ما شئتم، فقالوا: يا رَبَّنا وماذا نَسْألُكَ، ونحنُ نسرحُ في الجنّة، في أيها شِئْنا؟ قال: فبينما هُم كذلك، إذ اطَّلَعَ عليهم رَبُّهم اطلاعة، فقال: سَلُوني ما شِئْتُم، فقالوا: يا رَبَّنا وماذا نسألُكَ، ونحنُ نسرحُ في الجنّة، في أيها شِئْنا] (٣). قال (٤): فلمّا رأوا أنَّهُم لا يُتركُونَ، قالوا: نسألُكَ أن ترُدَّ أرواحنا إلى الدُّنيا، حتَّى نُقتَلَ في سبيلِكَ، فلمّا رأى أنَّهُم لا يسألُونَ إلّا هذا تَرَكهُم. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي عديٍّ، عن شُعبةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسرُوقٍ، قال: سألنا

стр. 3911

عبدَ الله عن أرواح الشُّهَداءِ، ولولا عبدُ الله ما أخبَرَنا أحدٌ، قال: أرواحُ الشُّهداءِ عِندَ الله إلى يوم القِيامةِ في طَيْرٍ خُضرٍ، في قَناديلَ تحتَ العَرْشِ، تَسْرحُ في الجنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ ترجِعُ إلى قَناديلِها، فيطَّلِعُ عليها ربُّها، فيقولُ: ماذا تُريدُونَ؟ فيقولُونَ: نُريدُ أن نرجِعَ إلى الدُّنيا، فنُقتلَ مرَّةً أُخرَى (١). ورواهُ ابن إسحاقَ، عن الأعْمَشِ، عن أبي الضُّحَى مُسلِم بن صُبيح، عن مسرُوقٍ قال: سألْنا عبد الله. مِثلهُ بمعناهُ إلى آخِرِهِ (٢). والصَّوابُ فيه ما قال أبو مُعاويةَ وشعبةُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسرُوقٍ. وكذلك رواهُ عيسى بن يُونُس، عن الأعمشِ، بإسنادِهِ مِثلهُ (٣). وذِكرُ أبي الضُّحى في هذا الإسنادِ عِندي خطأٌ، وأظُنُّ الوَهْمَ فيه من ابن إسحاقَ، والله أعلمُ. وقال بَقِيٌّ: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا ابن عُيينةَ، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيدَ، سمِعَ ابن عبّاسٍ يقولُ: أرواحُ الشُّهداءِ تجُولُ في أجْوافِ طيرٍ خُضرٍ، تعلَقُ في شجَرِ الجنَّةِ (٤).

стр. 3912

قال: وحدَّثنا يحيى بن عبدِ الحميدِ وجعفرُ بن حُمَيدٍ، قالا: حدَّثنا ابن المُباركِ، عن ابن جُريج، فيما قُرِئَ عليه، عن مجُاهِدٍ قال: ليسَ هي في الجنَّةِ، ولكِن يأكُلُون من ثِمارِها، فيَجِدُونَ ريحَها (١). قال: وحدَّثنا المُسيَّبِ (٢) قال: حدَّثنا ابن المُباركِ (٣)، عن ابن جُريج، عن مُجاهِدٍ، في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قال (٤): يُرزقُونَ من ثمَرِ الجنَّةِ، فيَجِدُونَ ريحَها. قال: وحدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن ثورٍ، عن مَعْمرٍ، عن قَتادةَ، في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: بَلَغنا أنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في صُورةِ طَيْرٍ بيضٍ، يأكُلُونَ من ثِمارِ الجنَّةِ (٥). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا يحيى بن مالكِ بن عائذٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ بن أبي الشَّريفِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مَكِّيٍّ (٦)، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ سِنانٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم النَّبيلُ، قال: حدَّثنا ثَوْرُ بن يزيدَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو قال: الجنَّةُ مُعلَّقةٌ بقُرُونِ

стр. 3913

الشَّمسِ، تنشُرُها في كلِّ عام مرَّةً، وأرواحُ الشُّهداءِ في طيرٍ كالزَّرازيرِ (١) يَتَعارفُون، ويُرزقُونَ من ثَمَرِ الجنَّةِ (٢). قال أبو عُمر: قد ذكَرَنا من الآثارِ عن السَّلفِ ما في معنَى حَديثِنا في هذا البابِ، لقولِهِ ﷺ : "إنَّما نَسمةُ المُؤمِنِ طائرٌ تعلَقُ في شَجَرِ الجنَّةِ". وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّهُمُ الشُّهداءُ دُون غيرِهِم، وفي بَعضِها: "في صُورةِ طيرٍ". وفي بعضها: "في أجوافِ طيرٍ". وفي بَعْضِها: "كطَيرٍ". والذي يُشبِهُ عِندي، واللهُ أعلمُ، أن يَكُون القولُ قول من قال: "كطَيرٍ" أو "كصُورِ طيرٍ" لمُطابقتِهِ لحديثِنا المذكُورِ، وليسَ هذا مَوْضِع نَظرٍ ولا قياسٍ، لأنَّ القِياسَ إنَّما يكونُ فيما يُسُوغُ فيه الاجتِهادُ، ولا مدخَلَ للاجتِهادِ في هذا البابِ، وإنَّما نُسلِّمُ فيه لما صَحَّ من الخَبَرِ، عمَّن يجِبُ التَّسليمُ لهُ. رَوَى عيسَى بن يُونُس هذا الحديثَ، عن الأعْمَشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسرُوقٍ، عن عبدِ الله، فقال: "أرواحُهُم كطَيرٍ خُضرٍ" (٣). وكذلكَ قال فيه روحُ بن القاسم، عن الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسرُوقٍ، عن عبدِ الله: "كطيرٍ خُضرٍ تسرحُ في الجنَّةِ حيثُ شاءَت، وتأوي إلى قَناديلَ تحتَ العَرْشِ" (٤). وثبتَ عن ابن عبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بن جُبير: أنَّ هذه الآيةَ نزلت في الشُّهداءِ، قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وهُو قولُ ابن مسعُودٍ، وأبي سعيدٍ، وجابرٍ، وهُو الصَّحيحُ، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 3914

وللنّاسِ أقاويلُ في مُستقَرِّ الأرواح غيرُ ما ذُكِرَ، سنذكُرُ ذلكَ في حديثِ نافع (١) إن شاءَ الله تعالى. فعلى هذا التَّاويلِ، كأنَّهُ قال ﷺ : إنَّما نَسَمةُ المُؤمِنِ من الشُّهداءِ طائرٌ يعلَقُ في شَجرِ الجنَّةِ. وجاءَ عن أُبيِّ بن كعبٍ ﵀، وجَماعةٍ من التّابِعين في صِفةِ أحوالِ الشُّهداءِ، وطَعامِهِم في الجنَّةِ أقاويلُ غيرُ هذه، وإنَّما ذكَرنا في هذا البابِ، ما في معنى حَديثِنا، وما يُطابِقُهُ، ويُضاهيهِ، وبالله التَّوفيقُ. وقال آخرُونَ: أرواحُ المُؤمِنين على أفْنِيةِ قُبُورِهِم. وكان ابن وضّاح يَذْهبُ إلى هذا، ويَحتجُّ بحديثِ النَّبيِّ ﷺ حينَ خرجَ إلى المَقْبرةِ، فقال: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنينَ" (٢). فهذا يَدُلُّ على أنَّ الأرواحَ بأفْنِيةِ القُبُورِ. وقد خالَفهُ غيرُهُ، فمالَ إلى الحديث: "اذهبُوا برُوحِهِ" يعني المُؤمِنَ "إلى عِلِّيِّين". وقال في الكافِر: "اذهَبُوا برُوحِهِ إلى سِجِّينٍ من أسفلِ الأرضِ" (٣). وقد ذكَرنا هذا المعنى في بابِ نافِع، وبابِ العلاءِ، من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله.

стр. 3915

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن ابن كَعْبِ بن مالك مُرسلٌ حدَّثنا مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن ابن كعَبْ بن مالكٍ الأنصاريِّ، قال: حَسِبتُ أنَّهُ قال: عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ، أنَّهُ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ الذين قَتلُوا ابن أبي الحُقيقِ عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ، قال: فكانَ رجُلٌ منهُم يقولُ: بَرَّحَتْ (٢) بنا امْرَأةُ ابن (٣) أبي الحُقيقِ بالصِّياح، فأرفَعُ عليها السَّيف، ثُمَّ أذكُرُ نهي رسُولِ الله ﷺ فأكُفُّ، ولولا ذاكَ اسْتَرحْنا منها. هكذا قال يحيى: حَسِبتُ أنَّهُ قال عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ. وتابَعهُ ابن القاسم، وبِشرُ بن عُمرَ، وابنُ بُكيرٍ، وأبو المُصعب (٤)، وغيرُهُم. وقال القَعْنبيُّ: حَسِبتُ أنَّهُ قال عبدُ الله بن كعبٍ، أو عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ. ورواهُ ابن وَهْب، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنٍ كَعْبِ بن مالكٍ، ولم يَقُل عبدُ الله، ولا عبدُ الرَّحمنِ، ولا حسِبتُ شيئًا من ذلكَ. واتَّفقَ هؤُلاءِ كلُّهُم، وجماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" على رِوايةِ هذا الحديثِ مُرسلًا (٥)، على حَسَبِ ما ذكرنا من اختِلافِهِم، لم يُسنِدهُ واحِدٌ منهُم، ولا عَلِمتُ أحدًا أسندَهُ عن مالكٍ في كلِّ رِوايةٍ عنهُ، من جميع رُواتِهِ، إلّا الوليدَ بن مُسلِم، فإنَّهُ قال فيه: عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالكٍ.

стр. 3916

حدَّثني محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا ابن أبي حسّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالك: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى الذين قَتَلُوا ابن أبي الحُقيقِ، حينَ خرجُوا إليهِ، عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ (١). وحدَّثني محمدُ بن رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن محمدٍ اللَّوّازُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم. وحدَّثنا محمدُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافِظُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بن محمدِ بن زيادٍ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن مَيْمُونٍ بالإسكندريَّةِ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبٍ، عن كعبِ بن مالك: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى الذين قَتلُوا ابن أبي الحُقيقِ حينَ خَرَجُوا إليه عن قتلِ النِّساءِ والوِلْدانِ، وكانَ رَجُلٌ منهُم يقولُ: برَّحَتْ بنا امرأةُ ابن أبي الحُقيقِ بالصِّياح، فأرفَعُ السَّيفَ، ثُمَّ أذكُرُ نَهْيَ رسُولِ الله ﷺ فأكُفُّ، ولو لا ذلكَ، اسْتَرحنا منها (٢). فهذا ما بَلَغنا من الاختِلافِ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ. وأمّا اختِلافُ أصْحابِ الزُّهْريِّ عنهُ فيه، فرواهُ اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، أنَّ رسُول الله ﷺ حينَ رجَعَ ابن عَتيكٍ وأصحابهُ، الذين قتلُوا ابن أبي الحُقَيقِ بخيبرَ. قال اللَّيثُ: وحدَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني عبدُ الله بن كعبٍ السَّلميُّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى النَّفرَ الذينَ قتَلُوا ابن أبي الحُقَيقِ عن قتلِ النِّساءِ (٣).

стр. 3917

فقال اللَّيثُ، عن يُونُس: عبدُ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ (١). وعن عُقيل: عبدُ الله بن كعبِ بن مالكٍ. وقال محمدُ بن إسحاق، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ قال: كان مِمّا صنَعَ الله لرسُولِهِ ﷺ أنَّ هذينِ الحيَّينِ من الأنصارِ؛ وساقَ الحديثَ بطُولِهِ مُرسلًا. هكذا قال ابنُ إدريسَ، عن ابن إسحاقَ (٢). وقال يزيدُ بن هارُونَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن كَعْبِ بن مالك: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لمّا بعَثَ النَّفرَ من الأنصارِ إلى ابن أبي الحُقَيقِ بخيبرَ ليقتُلُوهُ، قال لهم: "لا تَقْتُلُوا وليدًا ولا امرأةً". كذا (٣) رواهُ يزيدُ بن هارُونَ، عن ابن إسحاقَ مُختصرًا. وقال: فيه عبدِ الله (٤) بن كعبٍ. وقال عنهُ ابن إدريسَ: عُبيدُ الله بن كعبٍ. واقتصَّ الحديثَ بطُولِهِ. ورواهُ إسحاقُ بن راشِدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن كعبٍ، عن أبيه، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن نِكاح المُتْعةِ في غَزْوةِ خَيْبرَ، ونَهَى أن يُقتَلَ وليدٌ صغيرٌ أوِ امرأةٌ (٥). وقال محمدُ بن يحيى: وقد أعضَلَ إسحاقُ بن راشِدٍ، وقلَبَ الإسنادَ والمتنَ، فإن كانَ أرادَ حديث عليٍّ في المُتْعَةِ (٦) فقد أخطَأ، وإن كانَ أرادَ حديثَ الرَّبيع بن سَبْرةَ (٧) فقد أخْطأ أيضًا في قَتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ، وأصابَ بعضَ الإسنادِ.

стр. 3918

قال محمدُ بن يحيى: وحدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني ابن كَعْبِ بن مالكٍ، عن عَمِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ حينَ بعَثَ إلى ابن أبي الحُقَيقِ نهاهُم عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (١). قال محمدُ بن يحيى: هكذا حدَّثنا به عبدُ الرَّزّاقِ مُختصرًا، في عَقِبِ حديثِ الصَّعبِ بن جثّامةَ. وحدَّثنا مرَّةً أُخرى، فقال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن كَعْبِ بن مالكٍ قال: إنَّ كانَ مِمّا صنَعَ الله لنبيِّهِ أنَّ هذينِ الحيَّين: الأوسَ والخَزْرجَ، كانا يَتَصاولانِ في الإسْلام كتَصاوُلِ الفَحْلينِ (٢). واقتصَّ الحديث، ولم يذكُر عمَّهُ. قال أبو عُمر: أمّا الدَّبَريُّ (٣)، فرواهُ عن عبدِ الرَّزّاقِ (٤)، عن مَعْمرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ. كرِوايةِ يُونُس بن يزيدَ، بإسنادِهِ سواءً، وهُو خِلافُ ما ذكَرهُ محمدُ بن يحيى. ورواهُ ابن عُيَينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنٍ لكعبِ بن مالكٍ، عن عمِّهِ. كما ذكر محمدُ بن يحيى، عن عبدِ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ. وذكرَهُ ابن أبي شَيْبةَ، عن ابن عُيَينةَ، فقال: فيه عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح،

стр. 3919

قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن عمِّهِ، عن النَّبيِّ ﷺ : لمّا بعَثَ إلى ابن أبي الحُقَيقِ، نَهَى عن قتلِ النِّساءِ، والصِّبْيانِ. ورواهُ الشّافِعيُّ (٢)، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن شِهاب، عن ابن كعبِ بن مالكٍ، عن عَمِّهِ مِثلهُ. ورواهُ يحيى بن أبي أُنَيسَةَ (٣)، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، عن أبيه كَعب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى زمَنَ خَيْبرَ عن أن يُقتلَ وليدٌ صغيرٌ أوِ امرأةٌ (٤). ورواهُ إبراهيمُ بن سعدٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، أنَّ الرَّهْطَ. هكذا مُرسلًا (٥). ورواهُ إبراهيمُ بن إسماعيلَ بن مُجمِّع، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى الرَّهطَ الذينَ بعثهُم إلى ابن أبي الحُقيقِ ليَقتُلُوهُ عن قَتْلِ النِّساءِ، والوِلْدانِ (٦).

стр. 3920

فاتَّفقَ إبراهيمُ بن سعدٍ، وإبراهيمُ بن إسْماعيلَ (١) بن مُجمِّع، عن ابن شِهاب، على عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، إلّا أنَّ ابن مُجمِّع قال فيه: عن أبيه. ولم يَقُل فيه ابن سعد: عن أبيه. قال محمدُ بن يحيى: والقولُ عِندَنا في هذا الحديثِ، قولُ إبراهيمَ بن إسماعيلَ بن مُجمِّع، وإبراهيم بن سعدٍ، والحديثُ، واللهُ أعلمُ، لعبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، وهُو المحفُوظُ عِندَنا، لأنَّ مَعْمرًا، وابن عُيينةَ لم يُسمِّياهُ، وابنُ إسحاقَ قدِ اختُلِف عنهُ فيه، وشَكَّ مالكٌ في اسمِهِ، فقال: أحسبُ. وقال يُونُسُ: عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ، من غيرِ شكَّ، وقال عُقَيلٌ: عبدُ الله بن كعبٍ. واتَّفقَ إبراهيمُ بن سعدٍ، وإبراهيمُ بن إسماعيلَ بن مُجمِّع، على: عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، وهُو المحفُوظُ عِندَنا. قال أبو عُمر: ابن أبي الحُقَيقِ هذا رجُلٌ من يَهُودِ خيبرَ، يُسمَّى سلّامًا، ويُكنى أبا رافع، وكان يُؤذي رسُولَ الله ﷺ ، فأمَرَ رسُولُ الله ﷺ بقَتلِهِ، على نحوِ قِصَّةِ كَعْبِ بن الأشرفِ. وفي قِصَّتِهِ، وقِصَّةِ كعبِ بن الأشْرَفِ، إباحَةُ الفَتْكِ بأعْداءِ الله، وأنَّ من يُؤذي رسُولَ الله ﷺ ، فلا ذِمَّةَ لهُ، ودَمُهُ هدرٌ. ولهذا رأى مالكٌ ﵀، قتلَ الذِّمِّيِّ إذا لسَبَّ رسُولَ الله ﷺ وآذاهُ (٢). ومن لم يَرَ من العُلماءِ قتلَ الذِّمِّيِّ بذلكَ، يقولُ: إنَّ ابن أبي الحُقَيقِ، وكَعْب بن الأشرفِ كانا حربًا، ولم تَكُن لهما ذِمَّةٌ. وأمّا قِصَّةٌ ابن أبي الحُقَيقِ، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن إسحاق.

стр. 3921

وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الجبّارِ العُطارِديُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن بُكيرٍ، قال: حدثنا محمدُ بن إسحاقَ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحيم. ووجدتُ في أصلِ سماع أبي بخطِّهِ، أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن خالدٍ (١)، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بن هشام، قال (٢): حدَّثنا زيادُ بن عبدِ الله البكّائيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلِم الزُّهْريُّ، عن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، دخلَ حديثُ بعضِهِم في بعضٍ، والمعنى واحِدٌ. وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، قال: إنَّ مِمّا صنَعَ الله لنبيِّهِ ﷺ : أنَّ هَذَينِ الحيَّينِ من الأنصارِ الأوْسَ، والخَزْرجَ كانا يَتَصاولانِ في الإسْلام كتَصاوُلِ الفَحْلينِ، لا تَصْنعُ الأوسُ شيئًا، إلّا قالتِ الخزرجُ: والله لا تَذْهبُونَ به

стр. 3922

أبدًا فَضْلًا علينا في الإسلام. زاد ابن إسحاق: وعِندَ رسُولِ الله ﷺ (١). فإذا صَنَعتِ الخَزْرجُ شيئًا، قالتِ الأوسُ مِثلَ ذلكَ. فلمّا أصابَتِ الأوسُ كعبَ بن الأشْرَفِ - زاد ابن إسحاق (٢): في عَداوتهِ لرسُولِ الله ﷺ - قالتِ الخَزْرجُ: والله لا نَنْتهي حتَّى نُجْزئَ عن رسُولِ الله ﷺ مِثلَ الذي أجزؤوا. فتَذاكرُوا رَجُلًا من اليهُودِ - وقال ابن إسحاق: مَنْ رجُلٌ لرسُولِ الله ﷺ في العَداوةِ كابنِ الأشرفِ. فذكرُوا ابن أبي الحُقَيقِ، وهُو بخَيْبرَ - ثمَّ اتَّفَقا (٣) فاسْتَأذنُوا رسُولَ الله ﷺ في قتلِهِ، فأذِنَ لهم. وفي حديثِ مَعْمر: وهُو سَلّامُ بن أبي الحُقَيقِ الأعْورُ أبو رافع بخيبَرَ، فأذِنَ لهم في قَتلِهِ، وقال لهم: "لا تَقْتُلُوا وليدًا، ولا امْرَأةً". فخرَجَ إليه من الخَزْرج رَهْطٌ من بني سَلِمةَ، منهُم عبدُ الله (٤) بن عَتِيكٍ، أحدُ بني سلِمةَ، وكان أميرَ القوم، أمَّرَهُ عليهم رسُولُ الله ﷺ ، وعبدُ الله بن أُنَيسٍ، ومسعُودُ بن سِنانٍ، وأبو قَتادةَ بن رِبْعيٍّ، وخُزاعيُّ بن أسودٍ، رَجُلٌ من أسْلَمَ حليفٌ لهم، يعني الخَزْرجَ، حتَّى أتوا خَيْبرَ. فلمّا دخلُوا الدّارَ، عَمدُوا إلى كلِّ بيتٍ منها فَغلَّقُوهُ من خارِجٍ على أهلِهِ، ثُمَّ أسْنَدُوا (٥). هكذا قال عبدُ الرَّزّاقِ، عن معمرٍ. وقال ابن إسحاقَ: فخَرَجُوا حتَّى إذا قَدِمُوا خَيْبرَ، أتوا دارَ ابن أبي الحُقيقِ ليلًا، فلم يَدَعُوا بيتًا في الدّارِ إلّا

стр. 3923

أغْلقُوهُ من خارِجٍ على أهلِهِ. قال: وكان في عُلِّيَّةٍ (١) لهُ، إليها عَجَلةٌ (٢) قال: فأسْنَدُوا فيها، حتَّى قامُوا على بابِهِ، فاسْتَأذنُوا، فخَرَجت إليهِمُ امرأتُهُ، فقالت: من أنتُم؟ قالوا: ناسٌ، أو نفرٌ، من العَربِ أرْدَنا الميرَةَ. فقالت: هذا الرَّجُلُ صاحِبُكُم، فادخُلُوا عليه، فلمّا دَخلُوا عليه، أغْلقُوا عليه وعليها (٣) وعليهم الباب، ثُمَّ ابْتَدرُوهُ بأسيافِهِم. قال: يقولُ قائلُهُم: والله ما دَلَّنا عليه إلّا بياضُهُ على الفِراشِ في سَوادِ اللَّيلِ، كأنَّهُ قُبطيَّةٌ (٤) مُلقاةٌ. قال: وصاحَتْ بنا امرأتُهُ، قال: فرفَعَ رجُلٌ (٥) مِنّا السَّيف ليضرِبها، ثُمَّ يذكُرُ نَهْيَ رسُولِ الله ﷺ ، فيَكُفُّ يدَهُ. قال: ولولا ذلكَ، لفَرَغنا منها بلَيلٍ. قال: فلمّا ضَرَبناهُ بأسْيافِنا، تحامَلَ عبدُ الله بن أُنَيسٍ بسَيفهِ في بَطْنِهِ، حتَّى أنْفَذهُ (٦)، فجعل يقولُ: قَطِي قَطِي، أي: حَسْبي حَسْبي. هكذا قال ابن إسحاق. وقال مَعْمرٌ: فجعل يقولُ: بَطْني بَطْني، ثلاثًا. ثمَّ اتَّفقا، قال: ثُمَّ خَرَجنا. وكان عبدُ الله بن عَتِيكٍ سيِّئَ البصرِ، فوقَعَ من فوقِ العَجَلةِ، فوثِئَت رِجلُهُ وثئًا (٧) مُنكرًا، فنَزَلنا واحتملناهُ. هكذا قال مَعْمرٌ، وقال ابن إسحاق: سيِّئَ البَصرِ، فوُثِئَت يدُهُ وثئًا شديدًا، فاحْتَملناهُ. ثمَّ اتَّفقا بمعنًى واحِدٍ، فانطلقنا به، حتَّى أتينا مَنْهَرَ (٨) عينٍ من عُيُونِهِم، فدخلنا فيه.

стр. 3924

قال: وأوقَدُوا النِّيران، وأشعلُوها في السَّعفِ (١)، وجعلُوا يَلْتمِسُونَ ويَشْتدُّون في كلِّ وَجْهٍ، ويطلُبُون، وأخْفَى الله عليهِم مكاننا، فلمّا يَئسُوا رَجَعُوا إلى صاحبِهِم فاكْتَنَفُوهُ، فقال بعضُ أصحابِنا: أنذهبُ ولا نَدْري أماتَ عدُوُّ الله أم لا؟ فخرجَ رجُلٌ مِنَّا، فانطلَقَ حتَّى دخَلَ في النّاسِ، فوجَدَ امرأتهُ تَبْكيهِ، وفي يَدِها المِصباحُ، وحَوْلهُ رِجالٌ يهودٌ، فقال قائل منهُم: أما واللّه لَقَد سَمِعتُ صوتَ ابن عَتِيكٍ. وقال ابن إسحاقَ: وفي يَدِها المِصباحُ تَنْظُرُ في وجهِهِ، وتُحدِّثُهُم، وتقولُ أما واللّه لقَدْ سمِعتُ صوتَ ابن عَتيكٍ. ثُمَّ اتَّفقا، ثُمَّ أكذبتُ نَفْسي وقلتُ: وأَنَّى ابن عَتِيكٍ بهذه البِلادِ؟ ثُمَّ أقْبَلَتْ عليه تنظُرُ في وجهِهِ، ثُمَّ قالت: فاظَ (٢) وإلَهِ يهودَ. قال: فما سَمِعتُ كَلِمةً كانت ألَذَّ إلى نَفْسي منها. قال مَعْمرٌ في حديثِه: ثُمَّ جِئتُ فأخبرتُ أصحابي أنَّهُ قد ماتَ، فاحْتَملنا صاحِبنا، فَجِئنا النَّبيَّ ﷺ فأخْبَرناهُ بذلكَ - وقال ابن إسحاقَ: ثُمَّ جاءَنا فأخْبَرنا الخبَرَ، فاحتمَلْنا صاحِبنا، فقَدِمنا على رسُولِ الله ﷺ فأخبرناهُ بقَتْلِ عدُوِّ الله - واخْتَلَفنا عِندهُ في قَتْلِهِ، كلُّنا يَدَّعيهِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "هاتُوا أسْيافكُم" قال: فَجِئناهُ بها، فنظَرَ إليها، فقال: لسَيفِ عبدِ الله بن أُنيس: "هذا قَتَلهُ" رأى فيه أثرَ الطَّعام. قال معمر: جاؤُوهُ يوم الجُمُعةِ، والنَّبيُّ ﷺ على المِنبرِ يخطُبُ، فلمّا رآهُم قال: "أفْلَحتِ الوُجُوهُ". وقال ابن إسحاقَ: فقال حسّانُ بن ثابتٍ، يذكُرُ قتلَ ابن الأشرَفِ وقتلَ سلّام بن أبي الحُقيق: للّه دُرُّ عِصابةٍ لاقيتَهُم ... يا ابن الحُقيقِ وأنتَ يا ابن الأشْرفِ يَسرُون بالبيضِ الخِفافِ إليكُمُ ... مَرَحًا كأُسْدٍ في عَرينٍ مُغرفِ (٣)

стр. 3925

حتَّى أتوكُم في محلِّ بلادِكُم ... فسَقَوكُم حَتْفًا ببيضٍ ذُفَّفِ (١) مُسْتَنصِرين لنَصْرِ دينِ محمدٍ ... مُسْتَصغِرين لكلِّ أمْرٍ مُجحِفِ قال ابن هشام: قوله: ذُفَّف (٢)، من غيرِ ابن إسحاق. والذُّففُ: الخِفافُ. حَدَّثَنَا خلفُ بن القاسم بن سَهْلٍ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو القاسم بُكيرُ بن الحسنِ بن عبدِ الله بن سلمةَ الرّازِّيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن أبي مَرْيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنَا ابن ثَوْبان، عن حسّانِ بن عطيَّةَ، عن أبي مُنيبٍ الجُرَشيِّ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "بُعِثتُ بين يَدَي السّاعةِ بالسَّيفِ، حتَّى يُعْبدَ الله وَحْدهُ لا شريكَ لهُ، وجُعِلَ رِزْقي تحتَ ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الصَّغارُ والذِّلَّةُ على من خالَفَ أمْرِي" (٣).

стр. 3926

أبو المُنيبِ الجُرشيُّ يُعدُّ في الشَّاميِّين، وأصلُهُ من المدينةِ، يروي عن ابن عُمرَ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، روى عنهُ: زيدُ بن واقِدٍ الشّاميُّ، وحسّانُ بن عطيَّةَ، وأبو اليمانِ، ومُجاهِدُ بن فَرْقدٍ الصَّنعانيُّ، ليس به بأسٌ. قال أبو عُمر: فهذه قِصَّةُ ابن أبي الحُقيقِ. وأخَّرنا القولَ في حُكم قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ، وما كان في مَعْناهُم، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الاختِلافِ والاتِّفاقِ، إلى آخِرِ بابِ حديثِ نافع (١)، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله تعالى.

стр. 3927

ابن شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ حَدِيثانِ مُرْسَلانِ عِندَ جَماعةِ الرُّواةِ واسمُهُ حرامُ (١) بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ بن مَسْعُودِ بن كعبِ بن عامرٍ الأنصاريُّ، من بني حارِثةَ بن الحارِثِ، لجدِّهِ مُحيِّصةَ بن مسعُودٍ صُحبةٌ ورِوايةٌ، وقد ذكرناهُ في الصَّحابةِ (٢). وحرامٌ هذا يُكْنَى أبا سَعْدٍ، من ساكِني المدينةِ، قليلُ الرِّوايةِ، تُوُفِّي سنةَ ثلاث عشرةَ ومئةٍ، وهُو ابن سبعينَ سنةً، وهُو ثِقةٌ، روى عنهُ ابن شِهاب.

стр. 3928

حديث أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ الأنصاريِّ، أحدِ بَني حارِثةَ: أنَّهُ اسْتَأذنَ رسُول الله ﷺ في إجارةِ الحجّام، فنَهاهُ عنها، فلم يزل يَسْأُلُه ويستأذِنُهُ، حتَّى قال لهُ: "اعلِفهُ نُضّاحَكَ". يعني رقيقَكَ. هكَذا قال يحيى في هذا الحديث: عن ابن مُحيِّصةَ، أنَّهُ اسْتَأذنَ رسُولَ الله ﷺ . وتابَعهُ ابن القاسم. وذلكَ من الغَلَطِ الذي لا إشْكالَ فيه على أحَدٍ من أهلِ العِلم، وليسَ لسَعدِ بن مُحيِّصةَ صُحبةٌ، فكيفَ لابنِهِ حَرام، ولا يَخْتلِفُون أنَّ الذي رَوَى عنهُ الزُّهْريُّ هذا الحديثَ، وحديثَ ناقةِ البَراءِ (٢) هُو حَرامُ بن سعدِ بن مُحيِّصةَ. وقال ابن وَهْب (٣)، ومُطرِّفٌ، وابنُ بُكيرٍ (٤) وابنُ نافِع، والقعنبيُّ (٥): عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ، عن أبيه. والحديثُ مع هذا كلِّهِ مُرسلٌ. قال يحيى: "نُضّاحَكَ. يعني رقيقَكَ". وقال القعنبيُّ: "ناضِحَكَ، رَقِيقَكَ (٦) ". وهُو معنى حديثِ يحيى سواءً. وقال ابن بُكير: "نُضّاحَكَ ورقيقَكَ".

стр. 3929

وقال ابن القاسم: النُّضّاحُ: الرَّقيقُ، ويَكُونُ في الإبِلِ. قال أبو عُمر: أمّا الخليلُ فقال (١): النّاضِحُ الجملُ يُسْقَى عليه. وأمّا أصحابُ ابن شِهاب، فاتَّفقَ معمرٌ (٢) ومالكٌ في رِوايةِ أكثرِ أصحابِهِ عنهُ، وابنُ أبي ذِئبٍ (٣)، وابنُ عُيَينةَ، ويُونُسُ بن يزيدَ، على أنَّ قالوا فيه: "عن أبيه" لَمْ يزيدُوا. وقال اللَّيثُ: عن ابن شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ: أنَّ أباهُ اسْتَأذنَ النَّبيَّ ﷺ في خَراج الحجّام، فأبَى أن يأذَنَ لهٌ، فلم يَزَل به، حتَّى قال لهُ: "أطْعِمهُ رَقيقكَ، واعْلِفهُ ناضِحكَ" (٤). هكذا رواهُ اللَّيثُ، عن ابن شِهاب. وقد رواهُ اللَّيثُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن خالدِ بن مُسافِرٍ، عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ، عن مُحيِّصةَ رَجُلٍ من بني حارِثةَ، كان لهُ غُلامٌ حجّامٌ: فسالَ رسُولَ الله ﷺ عن كَسْبِهِ، فنَهاهُ أن يأكُلَ كسبَهُ، ثُمَّ عادَ فنَهاهُ، ثُمَّ عادَ فنَهاهُ، ثمَّ عادَ فنَهاهُ (٥)، فلَمْ يَزَلْ يُراجِعُهُ، حتَّى قال لهُ: "اعلِفْ كسبَهُ ناضِحكَ، وأطْعِمهُ رَقِيقكَ" (٦).

стр. 3930

وقال ابن عُيينةَ فيه: عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ، عن أبيه، أنَّ مُحيِّصةَ سألَ النَّبيَّ ﷺ (١). فذكَرَ الحديثَ، وجوَّدَ إسنادهُ. وقال فيه ابن إسحاقَ: عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ، عن أبيه، عن جَدِّهِ مُحيِّصةَ، أنَّهُ كانَ لهُ غُلامٌ حَجّامٌ يُقالُ لهُ: أبو طيبةَ (٢). لم يُسمِّهِ من أصحابِ الزُّهْريِّ غيرُهُ، ولا يتَّصِلُ هذا الحديثُ عن ابن شِهاب، إلّا من رِوايةِ ابن إسحاق هذه، ورِوايةُ ابن عُيينةَ مِثلُها، وسائرُها مُرسلات. وقد رُوي من غيرِ حديثِ ابن شِهابٍ مُتَّصِلًا مُسندًا. حدَّثني عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بن أبي حبيبٍ، عن أبي عُفيرٍ (٣) الأنصاريِّ، عن محمدِ بن سَهْلِ بن أبي حَثمةَ، عن مُحيِّصةَ بن مسعُودٍ الأنصاريّ: أنَّهُ كانَ لهُ غُلامٌ حَجّامٌ يُقالُ لهُ: نافِعٌ أبو طيبةَ، فانطلَقَ إلى رسولِ الله ﷺ يَسْألُهُ عن خَراجِهِ، فقال: "لا تَقْربهُ"، فَردَّد على رسُولِ الله ﷺ ، فقال: "اعلِفْ به النّاضح، اجعلهُ في كَرِشِهِ" (٤). عِندَ اللَّيثِ في هذا الحديثِ ثلاثةُ أسانيد.

стр. 3931

وقد (١) مَضَى القولُ في أُجرةِ الحجّام مُسْتوعبًا، في بابِ حُميدٍ الطَّويلِ (٢) من كِتابِنا هذا، فأغنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. ومعنى حديثِ مُحيِّصةَ هذا، التَّنزُّهُ، لا التَّحريمُ، وذلكَ واللّهُ أعلمُ، لأنَّهُ عمِلَ على ثوابٍ غيرِ معلُوم قبل العَملِ، فأشبَهَ الإجارةَ المجهُولةَ من ناحيةٍ لما عَسَى أن لا تطيبَ به نفسُ أحَدِهِما من العِوَضِ، ومن هاهُنا كان جماعةٌ من العُلماءِ الصّالحِين يُرضُونَ الحجّامين بأكثرِ من المُتعارَفِ عِندَهُم، واللّه أعلمُ. وقد بيَّنّا ذلكَ في بابِ حُميدٍ، بما فيه كِفايةٌ. حدَّثني عبدُ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن شاذانَ، قال: حَدَّثَنَا هَوْذةُ بن خليفةَ، قال: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عن محمدٍ، أنَّ ابن عبّاسٍ سُئلَ عن كَسْبِ الحجّام، فقال: لقدِ احْتَجَمَ رسُولُ الله ﷺ ، وأعطاهُ أجرَهُ، ولو كانَ حَرامًا، لَمْ يُعْطِه (٣). حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بن حربٍ، قال: حَدَّثَنَا حمّادٌ، عن أيُّوبَ، عن محمدٍ، عن ابن عبّاس: أنَّهُ سُئلَ عن الحجّام، فقال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ احتجَمَ، وأعْطَى الحجّام أجرَه، ولو كانَ حرامًا، لَمْ يُعطِه (٤).

стр. 3932

وذكرَ ابن وَهْب، عن مُوسَى بن عُلَيِّ بن رَباح، عن أبيه قال: كُنتُ عِندَ ابن عبّاسٍ، فأتَتهُ امرأةٌ فقالت: إنَّ لي غُلامًا حجّامًا، وإنَّ أهَّل العِراقِ يَزْعُمُونَ أنِّي آكُلُ ثمنَ الدَّم. فقال ابن عبّاس: كَذبُوا، إنَّما تأكُلين خراجَ غُلامِكِ (١). وقال اللَّيثُ بن سعدٍ، عن رَبِيعةَ، قال: كانَ للحجّامين سُوقٌ على عَهدِ عُمر بن الخطّابِ (٢). قال اللَّيثُ: قال لي يحيى بن سعيد: لَمْ يَزلِ المُسلِمُونَ يُقِرُّون بأُجرةِ الحجّام، ولا يُنكِرُونها (٣).

стр. 3933

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دَخَلتْ حائطَ رجُلٍ فأفْسَدَتْ فيه، فقَضَى رسُولُ الله ﷺ أنَّ على أهْلِ الحَوائطِ حِفْظَها بالنَّهارِ، وأنَّ ما أفْسَدتِ المَواشي باللَّيلِ، ضامِنٌ على أهْلِها. هكذا رواهُ جميعُ رُواةِ "المُوطَّأ" فيما عَلِمتُ مُرسلًا (٢)، وكذلكَ رواهُ أصحابُ ابن شِهاب، عن ابن شِهابٍ أيضًا هكذا مُرسلًا، إلّا أنَّ ابن عُيينةَ، رواهُ عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وحَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ دَخَلَتْ حائطَ قوم. فذكر مِثلهُ بمعناهُ، وجعَلَ مع حَرام بن سعد: سعيد بن المُسيِّبِ (٣). ورواهُ ابن أبي ذِئبٍ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دخلَتْ حائطَ قوم (٤). مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً، ولم يَصْنعِ ابن أبي ذِئبٍ شيئًا، لأَنَّه أفسَدَ إسنادَهُ. ورواهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ،

стр. 3934

عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ . ولم يُتابَع عبدُ الرَّزّاقِ على ذلكَ، وأنْكَرُوا عليه قولهُ فيه: "عن أبيه". حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ التَّمّارُ، قال: سمِعتُ أبا داود يقولُ: لَمْ يُتابِعْ أحدٌ عبد الرَّزّاقِ على قولِهِ في هذا الحديث: "عن أبيه". هكذا قال أبو داود: لَمْ يُتابع عبدُ الرَّزّاقِ. قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ: لَمْ يُتابَع معمر على ذلكَ. فجعلَ محمدُ بن يحيى الخَطأ فيه من مَعْمرٍ، وجعلهُ أبو داود من عبدِ الرَّزّاقِ، على أنَّ محمد بن يحيى لَمْ يَرْوِ حديث مَعْمرٍ هذا، ولا ذكرَهُ في كِتابِهِ في "عِللِ حديثِ الزُّهْريِّ" إلّا عن عبدِ الرَّزّاقِ لا غيرَ. ثُمَّ قال محمدُ بن يحيى: اجتمعَ مالكٌ، والأوزاعيُّ، ومحمدُ بن إسحاقَ، وصالحُ بن كَيْسان، وابنُ عُيينةَ على رِوايةِ هذا الحديثِ، عن الزُّهْريِّ، عن حرام، لَمْ يقولوا: "عن أبيه" إلّا مَعْمرًا، فإنَّهُ قال فيه: "عن أبيه" فيما حَدَّثَنَا عنهُ عبدُ الرَّزّاقِ، إلّا أنَّ ابن عُيينةَ جمعَ إلى حرام: سعيدَ بن المُسيِّبِ. قال: وأمّا حديثُ كَسْبِ الحجّام، فمَحْفُوظٌ فيه: "عن أبيه". وقال فيه محمدُ بن إسحاقَ: "عن أبيه، عن جدِّهِ". هذا كلُّهُ كلامُ محمدِ بن يحيى. قال أبو عُمر: هذا الحديثُ وإن كانَ مُرسلًا، فهُو حديث مشهُورٌ أرسلَهُ الأئمَّةُ، وحدَّثَ به الثِّقاتُ، واسْتَعملهُ فُقهاءُ الحِجازِ، وتلقَّوهُ بالقَبُولِ، وجَرَى في المدينةِ به العملُ، وقد زعَمَ الشّافِعيُّ: أنَّهُ تَتبَّعَ مَراسيل سعيدِ بن المُسيِّبِ، فألفاها صِحاحًا، وأكثرُ الفُقهاءِ يحتجُّون بها (١).

стр. 3935

وحسبُك باسْتِعمالِ أهلِ المدينةِ، وسائرِ أهلِ الحِجازِ لهذا الحديثِ. حدَّثني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حَدَّثَنَا المِقدامُ بن داود، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن عبدِ الحكَم، قال: قال مالكٌ: وما أفسَدَتِ المَواشي والدَّوابُّ من الزُّرُوع والحَوائطِ باللَّيلِ، فضَمانُ ذلكَ على أهْلِها، وما كان بالنَّهارِ، فلا شَيءَ على أصْحابِ الدَّوابِّ، ويُقَوَّمُ الزَّرعُ الذي أفْسَدت باللَّيلِ على الرَّجاءِ والخَوْفِ. قال: والحَوائطُ التي تُحرَسُ، والتي لا تُحرَسُ سَواءٌ، والمُحَظَّرُ عليه وغيرُ المُحَظَّرِ سواءٌ، يُغرَّمُ أهلُها ما أصابَتْ باللَّيلِ، بالغًا ما بلَغَ، وإن كان أَكْثَر من قِيمَتِها. قال مالكٌ: فإذا انْفَلتَتْ دابَّةٌ باللَّيلِ، فوَطِئَت على رجُلٍ نائم، لَمْ يُغرَّم صاحِبُها شيئًا، وإنَّما هذا في الحَوائطِ والزَّرع والحَرْثِ. قال: وإذا تَقدَّم إلى صاحِبِ الكلبِ الضاري، أو البعيرِ، أو الدّابَّةِ، فما أفْسَدَت ليلًا أو نهارًا، فعليهِم غُرمُهُ (١). وقال ابن القاسم: ما أفْسَدتِ الماشيةُ باللَّيلِ، فهُو في مالِ ربِّها، وإن كان أضْعاف قيمتِها، لأنَّ الجِنايةَ من قِبلِهِ، إذ لَمْ يَرْبِطها، وليستِ الماشيةُ كالعَبيدِ. حكاهُ سحنُونٌ (٢) وأصبغُ وأبو زيدٍ، عن ابن القاسم. وحدَّثني أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا أسْلَمُ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثني المُزنيُّ، قال: قال الشّافِعيُّ (٣): والضَّمانُ عن البهائم بوَجْهين: أحدُهُما: ما أفْسَدَتْ من الزَّرع باللَّيلِ، ضَمنهُ أهلُها، وما أفسدَتْ

стр. 3936

بالنَّهارِ لَمْ يَضْمنُوا. واحتجَّ بحديثِ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن حرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ، المذكُورِ في هذا البابِ، وبحديثِ ابن عُيينةَ فيه، على حَسَبِ ما أوردناهُ عنهُ. قال: والوجهُ الثّاني: إذا كانَ الرَّجُلُ راكِبًا، فأصابت بيدِها، أو برِجلِها، أو فِيها، أو ذَنَبِها، من كَسْرٍ، وجُرح، فهُو ضامِنٌ لهُ، لأنَّ عليه مَنْعها في تلكَ الحالِ من كلِّ ما تُتلِفُ به أحدًا. قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في ضمانِ ما جَنَتهُ البهائمُ مُسْتوعبًا كافيًا مُهذَّبًا، في بابِ ما رَواهُ ابن شِهاب، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ من هذا الكِتابِ عِندَ قولِهِ ﷺ : "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" (١). فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. فأمّا فَسادُ الزُّرُوع، والحوائطِ، والكُرُوم، فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأهلُ الحِجازِ في ذلكَ ما ذَكَرناهُ عنهُم في هذا البابِ، وحُجَّتُهُم حديثُ البَراءِ بن عازِبٍ (٢) المذكُورُ فيه، مع ما دلَّ عليه القُرآنُ في قِصَّةِ داود وسُليمان: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. ولا خِلافَ كَانَ أهْلِ اللُّغةِ، أنَّ النَّفشَ لا يكونُ إلّا باللَّيلِ، وكذلكَ قال جَماعةُ العُلماءِ بتأويلِ القُرآنِ، وقال الله لمحمدٍ ﷺ عندَ ذكرِ من ذكَرَ من أنبيائهِ في سُورةِ الأنعام ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فجازَ الاقتِداءُ بكلِّ ما ورَدَ به القُرآنُ من شَرائع الأنبياءِ، إلّا أن يمنعَ من ذلكَ ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ، من نَسْخ في الكِتابِ، أو سُنَّةٍ وارِدةٍ عن النَّبيِّ ﷺ بخِلافِ ذلكَ تُبيِّنُ مُرادَ الله، فيُعلَمُ حينئذٍ أنَّ شَرِيعتنا مُخالِفةٌ لشَرِيعتِهِم، فتُحملُ على ما يَجِبُ الاحتِمالُ عليه من ذلكَ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 3937

وهذه مَسْألةٌ من مَسائلِ الأُصُولِ، وقد ذكَرْناها في مَوْضِعِها، وأوردنا الاخْتِلافَ فيها، واللّه المُسْتعانُ لا شريكَ لهُ. وقد قال جُمهُورُ فُقهاءِ الحِجازِ بحديثِ البراءِ بن عازِبٍ في هذا البابِ. وقال اللَّيثُ بن سعد: يَضْمنُ ربُّ الماشيةِ كلَّ ما أفْسَدت باللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يَضْمنُ أكثر من قيمةِ الماشيةِ (١). ولا أعلمُ من أينَ قال اللَّيثُ هذا، إلّا أن يَجْعلهُ، قياسًا على العَبْدِ الجاني: أنَّهُ لا يُفْتَكُّ بأكثر من قيمتِهِ، ولا يَلْزمُ سيِّدهُ جِنايتُهُ بأكثرِ من قيمتِهِ. وهذا ضعيفُ الوجهِ. واختُلِف فيه عن الثَّوريِّ، فَرَوى ابن المُباركِ عنهُ: أن لا ضَمانَ على صاحِبِ الماشيةِ (٢). وروى الواقِديُّ عنهُ في شاةٍ وَقَعت في غَزْلِ حائكٍ بالنَّهار: أنَّهُ يَضْمنُ. وقال الطَّحاويُّ (٣): تَصْحيحُ الرِّوايتينِ عن الثَّوريّ: أنَّهُ إذا أرسلها سائبةً ضَمِن، وإذا أرسلها محفُوظةً، لَمْ يضمن باللَّيلِ، ولا بالنَّهار. واختلَفَ أصحابُ داود في هذا البابِ، فقال بعضُهُم بقَولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وقال بعضُهُم: لا ضمانَ على ربِّ الماشيةِ والدّابَّةِ، لا في لَيْلٍ، ولا في نَهارٍ، ولا على الرّاكِبِ، والسَّائقِ، والقائدِ، إلّا أن يَتَعدَّى في إرْسالِها، وربطِها في مَوْضِع لا يجِبُ لهُ رَبْطُها فيه، أو يُعنِّفُ عليها في السِّياقِ، فيَضْمنُ بجِنايةِ نفسِهِ، وأمّا إذا لَمْ يَكُن لهُ في ذلكَ سببٌ، فلا ضمانَ عليه، لقولِهِ ﷺ : "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" (٤). إنَّما معناهُ على ما قدَّمنا في بعضِ المُتْلفاتِ دُونَ بعضٍ، لحديثِ البَراءِ بن عازِبٍ، وهُو حديثٌ مشهُورٌ صحيحٌ (٥) من حديثِ الأئمَّةِ الثِّقاتِ معَ عملِ
следующие страницы →