← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3933–3972 · переход к 3938.

стр. 3933

حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دَخَلتْ حائطَ رجُلٍ فأفْسَدَتْ فيه، فقَضَى رسُولُ الله ﷺ أنَّ على أهْلِ الحَوائطِ حِفْظَها بالنَّهارِ، وأنَّ ما أفْسَدتِ المَواشي باللَّيلِ، ضامِنٌ على أهْلِها. هكذا رواهُ جميعُ رُواةِ "المُوطَّأ" فيما عَلِمتُ مُرسلًا (٢)، وكذلكَ رواهُ أصحابُ ابن شِهاب، عن ابن شِهابٍ أيضًا هكذا مُرسلًا، إلّا أنَّ ابن عُيينةَ، رواهُ عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وحَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ دَخَلَتْ حائطَ قوم. فذكر مِثلهُ بمعناهُ، وجعَلَ مع حَرام بن سعد: سعيد بن المُسيِّبِ (٣). ورواهُ ابن أبي ذِئبٍ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دخلَتْ حائطَ قوم (٤). مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً، ولم يَصْنعِ ابن أبي ذِئبٍ شيئًا، لأَنَّه أفسَدَ إسنادَهُ. ورواهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ،

стр. 3934

عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ . ولم يُتابَع عبدُ الرَّزّاقِ على ذلكَ، وأنْكَرُوا عليه قولهُ فيه: "عن أبيه". حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ التَّمّارُ، قال: سمِعتُ أبا داود يقولُ: لَمْ يُتابِعْ أحدٌ عبد الرَّزّاقِ على قولِهِ في هذا الحديث: "عن أبيه". هكذا قال أبو داود: لَمْ يُتابع عبدُ الرَّزّاقِ. قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ: لَمْ يُتابَع معمر على ذلكَ. فجعلَ محمدُ بن يحيى الخَطأ فيه من مَعْمرٍ، وجعلهُ أبو داود من عبدِ الرَّزّاقِ، على أنَّ محمد بن يحيى لَمْ يَرْوِ حديث مَعْمرٍ هذا، ولا ذكرَهُ في كِتابِهِ في "عِللِ حديثِ الزُّهْريِّ" إلّا عن عبدِ الرَّزّاقِ لا غيرَ. ثُمَّ قال محمدُ بن يحيى: اجتمعَ مالكٌ، والأوزاعيُّ، ومحمدُ بن إسحاقَ، وصالحُ بن كَيْسان، وابنُ عُيينةَ على رِوايةِ هذا الحديثِ، عن الزُّهْريِّ، عن حرام، لَمْ يقولوا: "عن أبيه" إلّا مَعْمرًا، فإنَّهُ قال فيه: "عن أبيه" فيما حَدَّثَنَا عنهُ عبدُ الرَّزّاقِ، إلّا أنَّ ابن عُيينةَ جمعَ إلى حرام: سعيدَ بن المُسيِّبِ. قال: وأمّا حديثُ كَسْبِ الحجّام، فمَحْفُوظٌ فيه: "عن أبيه". وقال فيه محمدُ بن إسحاقَ: "عن أبيه، عن جدِّهِ". هذا كلُّهُ كلامُ محمدِ بن يحيى. قال أبو عُمر: هذا الحديثُ وإن كانَ مُرسلًا، فهُو حديث مشهُورٌ أرسلَهُ الأئمَّةُ، وحدَّثَ به الثِّقاتُ، واسْتَعملهُ فُقهاءُ الحِجازِ، وتلقَّوهُ بالقَبُولِ، وجَرَى في المدينةِ به العملُ، وقد زعَمَ الشّافِعيُّ: أنَّهُ تَتبَّعَ مَراسيل سعيدِ بن المُسيِّبِ، فألفاها صِحاحًا، وأكثرُ الفُقهاءِ يحتجُّون بها (١).

стр. 3935

وحسبُك باسْتِعمالِ أهلِ المدينةِ، وسائرِ أهلِ الحِجازِ لهذا الحديثِ. حدَّثني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حَدَّثَنَا المِقدامُ بن داود، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن عبدِ الحكَم، قال: قال مالكٌ: وما أفسَدَتِ المَواشي والدَّوابُّ من الزُّرُوع والحَوائطِ باللَّيلِ، فضَمانُ ذلكَ على أهْلِها، وما كان بالنَّهارِ، فلا شَيءَ على أصْحابِ الدَّوابِّ، ويُقَوَّمُ الزَّرعُ الذي أفْسَدت باللَّيلِ على الرَّجاءِ والخَوْفِ. قال: والحَوائطُ التي تُحرَسُ، والتي لا تُحرَسُ سَواءٌ، والمُحَظَّرُ عليه وغيرُ المُحَظَّرِ سواءٌ، يُغرَّمُ أهلُها ما أصابَتْ باللَّيلِ، بالغًا ما بلَغَ، وإن كان أَكْثَر من قِيمَتِها. قال مالكٌ: فإذا انْفَلتَتْ دابَّةٌ باللَّيلِ، فوَطِئَت على رجُلٍ نائم، لَمْ يُغرَّم صاحِبُها شيئًا، وإنَّما هذا في الحَوائطِ والزَّرع والحَرْثِ. قال: وإذا تَقدَّم إلى صاحِبِ الكلبِ الضاري، أو البعيرِ، أو الدّابَّةِ، فما أفْسَدَت ليلًا أو نهارًا، فعليهِم غُرمُهُ (١). وقال ابن القاسم: ما أفْسَدتِ الماشيةُ باللَّيلِ، فهُو في مالِ ربِّها، وإن كان أضْعاف قيمتِها، لأنَّ الجِنايةَ من قِبلِهِ، إذ لَمْ يَرْبِطها، وليستِ الماشيةُ كالعَبيدِ. حكاهُ سحنُونٌ (٢) وأصبغُ وأبو زيدٍ، عن ابن القاسم. وحدَّثني أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا أسْلَمُ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثني المُزنيُّ، قال: قال الشّافِعيُّ (٣): والضَّمانُ عن البهائم بوَجْهين: أحدُهُما: ما أفْسَدَتْ من الزَّرع باللَّيلِ، ضَمنهُ أهلُها، وما أفسدَتْ

стр. 3936

بالنَّهارِ لَمْ يَضْمنُوا. واحتجَّ بحديثِ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن حرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ، المذكُورِ في هذا البابِ، وبحديثِ ابن عُيينةَ فيه، على حَسَبِ ما أوردناهُ عنهُ. قال: والوجهُ الثّاني: إذا كانَ الرَّجُلُ راكِبًا، فأصابت بيدِها، أو برِجلِها، أو فِيها، أو ذَنَبِها، من كَسْرٍ، وجُرح، فهُو ضامِنٌ لهُ، لأنَّ عليه مَنْعها في تلكَ الحالِ من كلِّ ما تُتلِفُ به أحدًا. قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في ضمانِ ما جَنَتهُ البهائمُ مُسْتوعبًا كافيًا مُهذَّبًا، في بابِ ما رَواهُ ابن شِهاب، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ من هذا الكِتابِ عِندَ قولِهِ ﷺ : "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" (١). فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. فأمّا فَسادُ الزُّرُوع، والحوائطِ، والكُرُوم، فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأهلُ الحِجازِ في ذلكَ ما ذَكَرناهُ عنهُم في هذا البابِ، وحُجَّتُهُم حديثُ البَراءِ بن عازِبٍ (٢) المذكُورُ فيه، مع ما دلَّ عليه القُرآنُ في قِصَّةِ داود وسُليمان: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. ولا خِلافَ كَانَ أهْلِ اللُّغةِ، أنَّ النَّفشَ لا يكونُ إلّا باللَّيلِ، وكذلكَ قال جَماعةُ العُلماءِ بتأويلِ القُرآنِ، وقال الله لمحمدٍ ﷺ عندَ ذكرِ من ذكَرَ من أنبيائهِ في سُورةِ الأنعام ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فجازَ الاقتِداءُ بكلِّ ما ورَدَ به القُرآنُ من شَرائع الأنبياءِ، إلّا أن يمنعَ من ذلكَ ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ، من نَسْخ في الكِتابِ، أو سُنَّةٍ وارِدةٍ عن النَّبيِّ ﷺ بخِلافِ ذلكَ تُبيِّنُ مُرادَ الله، فيُعلَمُ حينئذٍ أنَّ شَرِيعتنا مُخالِفةٌ لشَرِيعتِهِم، فتُحملُ على ما يَجِبُ الاحتِمالُ عليه من ذلكَ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 3937

وهذه مَسْألةٌ من مَسائلِ الأُصُولِ، وقد ذكَرْناها في مَوْضِعِها، وأوردنا الاخْتِلافَ فيها، واللّه المُسْتعانُ لا شريكَ لهُ. وقد قال جُمهُورُ فُقهاءِ الحِجازِ بحديثِ البراءِ بن عازِبٍ في هذا البابِ. وقال اللَّيثُ بن سعد: يَضْمنُ ربُّ الماشيةِ كلَّ ما أفْسَدت باللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يَضْمنُ أكثر من قيمةِ الماشيةِ (١). ولا أعلمُ من أينَ قال اللَّيثُ هذا، إلّا أن يَجْعلهُ، قياسًا على العَبْدِ الجاني: أنَّهُ لا يُفْتَكُّ بأكثر من قيمتِهِ، ولا يَلْزمُ سيِّدهُ جِنايتُهُ بأكثرِ من قيمتِهِ. وهذا ضعيفُ الوجهِ. واختُلِف فيه عن الثَّوريِّ، فَرَوى ابن المُباركِ عنهُ: أن لا ضَمانَ على صاحِبِ الماشيةِ (٢). وروى الواقِديُّ عنهُ في شاةٍ وَقَعت في غَزْلِ حائكٍ بالنَّهار: أنَّهُ يَضْمنُ. وقال الطَّحاويُّ (٣): تَصْحيحُ الرِّوايتينِ عن الثَّوريّ: أنَّهُ إذا أرسلها سائبةً ضَمِن، وإذا أرسلها محفُوظةً، لَمْ يضمن باللَّيلِ، ولا بالنَّهار. واختلَفَ أصحابُ داود في هذا البابِ، فقال بعضُهُم بقَولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وقال بعضُهُم: لا ضمانَ على ربِّ الماشيةِ والدّابَّةِ، لا في لَيْلٍ، ولا في نَهارٍ، ولا على الرّاكِبِ، والسَّائقِ، والقائدِ، إلّا أن يَتَعدَّى في إرْسالِها، وربطِها في مَوْضِع لا يجِبُ لهُ رَبْطُها فيه، أو يُعنِّفُ عليها في السِّياقِ، فيَضْمنُ بجِنايةِ نفسِهِ، وأمّا إذا لَمْ يَكُن لهُ في ذلكَ سببٌ، فلا ضمانَ عليه، لقولِهِ ﷺ : "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" (٤). إنَّما معناهُ على ما قدَّمنا في بعضِ المُتْلفاتِ دُونَ بعضٍ، لحديثِ البَراءِ بن عازِبٍ، وهُو حديثٌ مشهُورٌ صحيحٌ (٥) من حديثِ الأئمَّةِ الثِّقاتِ معَ عملِ

стр. 3938

أهلِ المدينةِ به، وسائرِ أهلِ الحِجازِ، وهُم يروُون حديثَ: "العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ" وعنهُم نُقِلَ، وليسَ لهُ مخرجٌ إلّا عن أهلِ المدينةِ، فكيفَ يجهلُونَ معناهُ، وهُم رُواتُهُ، مع عِلمِهِم وموضِعِهِم من الفِقهِ والفهْم، هذا ما لا يظُنُّهُ ذُو فَهْم. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ (١): لا ضمانَ على أربابِ البَهائم فيما تُفسِدُهُ، أو تَجْني عليه، لا في ليلٍ، ولا في نهارٍ، إلّا أن يكونَ راكِبًا، أو سائقًا، أو قائدًا. وحُجَّتُهُم في ذلكَ، قولُهُ ﷺ : "العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ". ومن حُجَّتِهِم أيضًا: أنَّ الذِّمَّةَ بريئةٌ لا يثبُتُ فيها شيءٌ، إلّا بما لا مدفَعَ فيه. وجعلُوا حديث: "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" مُعارِضًا لحديثِ البَراءِ بن عازِبٍ، وليسَ كما ذهَبُوا إليه، لأنَّ التَّعارُضَ في الآثارِ، إنَّما يَصحُّ إذا لَمْ يُمكِنِ استِعمالُ أحدِهِما إلّا بنَفْيِ الآخَرِ، وحديثُ: "العَجْماءِ جَرْحُها جُبارٌ" معناهُ على الجُملةِ، لَمْ يخُصَّ حديث البَراءِ، وتبقَى لهُ أحكامٌ كثيرةٌ، على حَسَبِ ما ذكَرْناها فيما سَلَفَ من كِتابِنا هذا، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ لو جاءَ عنهُ في حديثٍ واحِد: العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ، نهارًا لا ليلًا، وفي الزَّرع، والحوائطِ، والحَرْثِ، دُون غيرِهِ، لَمْ يكُن هذا مُسْتحيلًا من القولِ، فكيفَ يجُوزُ أن يُقال في هذا مُتعارِض، وإنَّما المُتعارِضُ والمُتضادُّ، المُتنافي الذي لا يثبُتُ بعضُهُ، إلّا بنفيِ بعضٍ، وإنَّما هذا من بابِ المُجْملِ، والمُفسَّرِ، ومِن بابِ العُمُوم، والخُصوصِ، وقد بُيِّنَ ذلكَ في كِتابِ "الأُصُولِ" بما فيه كِفايةٌ. والفرقُ عِندَ أهلِ العِلم في حديثِ البراءِ، وحديثِ أبي هُريرةَ في العَجْماءِ، وبين ما تُتلِفُهُ العَجْماءُ ليلًا من الزَّرع والحَرْثِ، وبين ما تُتلِفُهُ نهارًا، أنَّ أهلَ المَواشي بهِم ضرُورةٌ إلى إرسالِ مَواشيهِم لتَرْعَى بالنَّهارِ، ولأهْلِ الزَّرع حُقُوقٌ في أن لا تُتْلِف عليهِم زُرُوعهُم.

стр. 3939

والأغْلَبُ عِندهُم، أنَّ من لهُ الزَّرعُ يَتعاهدُهُ بالنَّهارِ، ويحفظُهُ عمَّن أرادهُ، لانتِشارِ البهائم للرَّعيِ وغيرِهِ، فجُعِل حِفْظُ ذلكَ بالنَّهارِ على أهلِ الزَّرع، لأنَّهُ وقتُ التَّصرُّفِ في المعاشِ، والرَّعيِ، وحِفْظِ الأموالِ، وإرْسالِ الدَّوابِّ، والمَواشي، وإذا أتْلَفت بالنَّهارِ من الزَّرع شيئًا، فصاحِبُ الزَّرع إنَّما أُتِيَ (١) من قِبلِ نَفسِهِ، حيثُ لَمْ يَحْفظهُ، في الوَقْتِ الذي الأغْلَبُ من النّاسِ، أنَّهُم يَحْفظُونهُ فيه، مِمَّن أرادَهُ، إذ لو مُنِع النّاسُ من تَرْكِ مَواشيهِم للرَّعيِ من أجْلِ الزَّرغ للحِقتهُم في ذلكَ مَضرَّةٌ ومَشَقَّةٌ، فإذا جاءَ اللَّيلُ، فقد جاءَ الوقتُ الذي يَرْجعُ كلّ شيءٍ إلى مَوْضِعِهِ، وَيرْجعُ أهلُ الزَّرع إلى مَنازِلهِم، ويرُدُّ أهلُ الماشيةِ ماشيتهُم إلى مَواضِعِهِم ليَحْفظُوها فيها، فإذا تَرَكُوها ليلًا، حتَّى أفْسَدت، فالجِنايةُ من أهلِ المَواشي، لا من أهلِ الزَّرع، لأنَّ الأغْلَبَ، أنَّ النّاس لا يَحفظُون زُرُوعهُم باللَّيل، لاسْتِغنائهِم عن ذلكَ، وعِلْمِهِم أنَّ المَواشيَ باللَّيلِ تُردُّ إلى أماكِنِها. فإذا فرَّطَ صاحِبُ الماشيةِ في ردِّها إلى مَنْزِلِهِ، أو فرَّطَ في ضَبْطِها وحَبْسِها عن الانتِشارِ باللَّيلِ، حتَّى أتْلَفَتْ شيئًا، فعليه ضمانُ ذلكَ، إلّا أن تكونَ الماشيةُ ضالَّةً، أو نافِرةً، فلا يتهيَّأُ لصاحِبِها ضمُّها، ولا رَدُّها إلى مَكانِها، فإذا كان كذلكَ، لَمْ يلزمهُ ضمانُ ما أتلفَتْ باللَّيلِ، كما لا يَلْزمُهُ ضمانُ ما أتلَفَتْ بالنَّهارِ. وأمّا السّائقُ، والرّاكِبُ، والقائدُ، فإنَّهُم يَضْمنُون ما أصابتِ الدّابَّةُ، اسْتِدلالًا بحديثِ البراءِ، لأنَّ ذلكَ في معنى ما أتلفَتْ باللَّيلِ، لأنَّ الرّاكِبَ يَتَهيَّأُ لهُ حِفظُ الدّابَّةِ، فعليه حِفْظُها، ولا مَشَقَّةَ عليه في ذلكَ، وكذلكَ سائقُها، وقائدُها، والأغلبُ، أنَّ النّاسَ إذا رَكِبُوا، أو ساقُوا، أو قادُوا، منعُوا الدّابَّةَ مِمّا أرادت من إتْلافٍ أو غيرِهِ، فإذا لَمْ يَفْعلُوا ذلكَ، فإنَّما أتُوا (٢) من قِبَلِ أنفُسِهِم، فعليهِمُ الضَّمانُ، إلّا أن

стр. 3940

تكونَ الدّابَّةُ قد غَلَبتِ الرّاكِبَ، أوِ القائدَ، أوِ السّائقَ، فلم يَقْدِر عليها، فإذا كان كذلكَ، فلا غُرْمَ عليه، ولا ضمانَ يَلْزمُهُ، لأَنهُ مَغْلُوبٌ عن حِفْظِ ما أُمِرَ بحِفْظِهِ، ولم يُمكِنهُ الدَّفعُ. وخَبَرُ البَراءِ بن عازِبٍ هذا في طَرْح الضَّمانِ عن أهْلِ المَواشي فيما أتلَفَتْ ماشيتُهُم من زُرُوع النّاسِ نهارًا، إنَّما مَعْناهُ عِندَ أهلِ العِلم إذا أُطلِقت للرَّعيِ، ولم يَكُن معَها صاحِبُها. وأمّا إذا كانت تَرْعي، ومَعَها صاحِبُها، فلم يَمْنعها من زَرْع غيرِهِ، وقد أمْكَنهُ ذلكَ حتَّى أتْلَفتهُ، فعليه الضمانُ، لأنَّهُ لا مَشَقَّةَ عليه في مَنْعِها، وهُو في معنى الرَّاكِبِ، والسَّائقِ، وباللّه العِصمةُ والتَّوفيقُ. أخبرنا خَلَفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أنبأنا عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ، عن أبيه: أنَّ ناقةً للبَراءِ دخَلَتْ حائطَ رجُلٍ فأفْسَدتْ فيه، فقَضَى النَّبيُّ ﷺ على أهلِ الأموالِ حِفْظُها بالنَّهارِ، وعلى أهلِ المَواشي حِفْظُها باللَّيلِ. وبه عن عبدِ الرَّزّاقِ (٢) قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني أبو أُمامةَ بن سَهْلِ بن حُنَيف: أنَّ ناقةً دخلَتْ في حائطِ قوم فأفسَدَتْ فيه،

стр. 3941

فذهَبَ أصحابُ الحائطِ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "على أهْلِ الأموالِ حِفظُ أموالِهِم نَهارًا، وعلى أهْلِ الماشيةِ حِفْظُ ماشَيتِهِم باللَّيل، وعليهِم ما أفسَدَتهُ". قال (١): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن الشَّعبيّ: أنَّ شاةً وقَعَت في غَزْلِ حائكٍ، فاخْتَصمُوا إلى شُرَيح، فقال الشَّعبيُّ: انظُرُوهُ، فإنَّهُ سيسألُهُم ليلًا وَقَعت فيه أم نَهارًا؟ ففعل، ثُمَّ قال: إن كانَ باللَّيلِ ضمِنَ، وإن كان بالنَّهارِ لَمْ يَضْمن. ثُمَّ قرأ شُريحٌ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قال: فالنَّفشُ باللَّيلِ، والهملُ بالنَّهارِ. قال (٢): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: النَّفشُ باللَّيلِ، والهملُ بالنَّهار. وقال معمر، وابنُ جُريج: بَلَغنا أنَّ حَرْثهُم كان عِنَبًا (٣). قرأتُ على أحمدَ بن عبدِ الله بن محمد: حدَّثكُمُ الميمُونُ بن حمزةَ؟ قال: نعم، حَدَّثَنَا قال: حَدَّثَنَا الطَّحاويُّ (٤)، قال: أخبرنا المُزنيُّ، قال: حَدَّثَنَا الشّافِعيُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ وحَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دخلَتْ حائطَ قَوْم فأفسَدَت فيه، فَقَضَى رسُولُ الله ﷺ : أنَّ على أهْلِ الأموالِ حِفظُ أموالِهِم بالنَّهارِ، وعلى أهْلِ الماشيةِ ما أفسَدَت ماشيتُهُم باللَّيل. أو قال: ما أصابَتْ مَواشيهِم باللَّيل.

стр. 3942

وحدَّثني عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرِ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (١): حَدَّثَنَا محمُودُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا الفِريابيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ، عن البَراءِ بن عازِبٍ قال: كانت لنا ناقةٌ دخلَتْ حائطَ قوم، فأفْسَدَت فيه، فكلِّم رسُولُ الله ﷺ ، فَقَضَى أنَّ حِفظَ الحَوائطِ بالنَّهارِ على أهْلِها، وأنَّ على أهْلِ الماشيةِ ما أصابَتْ ماشيتُهُم باللَّيل. قال أبو داود: وكذلكَ رواهُ الوليدُ، عن الأوزاعيِّ. قال: ورواهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ . قال: ولم يُتابِعْ أحدٌ عبد الرَّزّاقِ على رِوايتِهِ، عن حرام بن مُحيِّصةَ، عن أبيه. ذكرهُ أبو داود في كِتابِهِ المُفردِ. وفي رِوايةِ الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ في هذا الحديثُ: "كانت لنا ناقةٌ ضاريةٌ". ولا أعلمُ وجهًا لمن فرَّق من أصحابِنا بينَ الضّاريةِ وغيرِها، من جِهَةِ الأثرِ، ولا صحيح النَّظرِ. وأمّا من تُقُدِّم إليه بالنَّهيِ، فلم يَنْتهِ عن كفِّ عاديةٍ ضاريةٍ، فمِنْ قِبَلِهِ أُتِيَ، لا من قِبَلِ ضاريةٍ، واللّه أعلمُ.

стр. 3943

ابن شِهاب، عن عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ حديثٌ واحِدٌ مُرسلٌ وعُثمانُ (١) هذا لا أعرِفُهُ بأكثرِ من رِوايةِ ابن شِهابٍ عنهُ، حديث الجَدَّةِ هذا، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، وأقولُ فيه كما قال ابن مَعين في ابن أُكَيمةَ، إذ سُئل عنهُ، وقال: حَسْبُك برِوايةِ ابن شِهابٍ عنهُ. هذا عِلْمي فيه من جِهَةِ الرِّوايةِ. وأمّا أهلُ النَّسبِ، فينسُبُونهُ: عُثمان بن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي خَرَشَةَ بن عَمرِو بن ربيعةَ بن الحارِثِ بن خُبَيِّبِ بن جَذِيْمَة بن مالكِ بن حِسْلِ بن عامرِ بن لُؤَيٍّ. هكذا ذكرهُ الزُّبيرُ: "ابن أبي خَرَشةَ" في مَواضِع من كِتابِهِ في النَّسبِ، وقال: فولَدَ إسحاقُ بن عبدِ الله: عُثمانَ بن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي خَرَشةَ، وروى عنهُ ابن شِهاب، عن قَبِيصةَ حديثَ الجَدَّةِ. هذا لفظُ الزُّبيرِ بن بكَّارٍ (٢). وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: أخبرنا مُصعبُ، قال (٣): عُثمانُ بن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي خَرَشةَ، روى عنهُ ابن شِهاب، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، حديث الجَدَّةِ. ثُمَّ قال: أخبَرَنا ابن زُهَيرٍ، قال (٤): حَدَّثَنَا مُصعبٌ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنَسٍ، عن ابن شِهاب، عن عُثْمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، أنَّهُ قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ، فذكَرَ الحديث إلى آخِرِهِ.

стр. 3944

وقال: كذا قال مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُثمان بن إسحاق بن خَرَشةَ. ولم يُتابِعهُ أحدٌ على هذا. وقال مُفضَّلُ بن غسّان: سألتُ مُصعبًا الزُّبيريَّ، عن عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، فقال: من بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، وهُو ابن أخي أروي، الذي يُقالُ: عُمِّيت عمى أروى. قال أبو عُمر: هذا مَثَلٌ، قد ذكرنا الخبرَ بذلك، في بابِ سعيدِ بن زيدٍ، في الصَّحابةِ (١)، لأنَّهُ هُو الذي دَعا على أروى بنتِ أُوَيسٍ، في قِصَّةٍ عَرَضَتْ لهُ معها. قال الزُّبيرُ: والعامَّةُ تُصحِّفُ المثل، فتقولُ: أعماكَ الله عَمَى الأروي، يُريدُونَ الأرْوَى التي في الجبَلِ، يظُنُّونها شَدِيدةَ العَمَى. قال أبو عُمر: لَمْ يختلِفْ أصحابُ ابن شِهابٍ عنهُ فيما علِمتُ، أنَّهُ ابن خَرَشَةَ، لا ابن أبي خَرَشةَ، وكان ابن شِهابٍ ينسُبُهُ إلى جدِّهِ، يقولُ: عُثمانُ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ. ولم يَرْوِ ابن شِهاب، عن عُثْمانَ هذا، غيرَ هذا الحديث فيما عَلِمتُ، وهُو حديثٌ مُرسلٌ عِندَ بعضِ أهْلِ العِلم بالحدِيثِ، لأنَّهُ لَمْ يذكر فيه سماعٌ لقبيصةَ من أبي بكرٍ، ولا شُهُودٌ لتِلكَ القِصَّةِ. وقال آخرُونَ: هُو مُتَّصِلٌ، لأنَّ قَبِيصةَ بن ذُؤَيب أدركَ أبا بكرٍ الصِّدِّيق، ولهُ سِنٌّ لا يُنكَرُ معها سَماعُهُ من أبي بكرٍ ﵁، وسنذكُرُ بعدُ في هذا البابِ خَبَر قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، إن شاءَ الله.

стр. 3945

مالكٌ (١)، عن ابن شِهابٍ، عن عُثمان بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تسألُهُ مِيراثها، فقال: ما لكِ في كِتابِ الله من شيءٍ، وما عَلِمتُ لَكِ في سُنَّةِ رسُولِ الله ﷺ شيئًا، فارْجِعي حتَّى أسأَلَ النّاس، فسألَ النّاسَ، فقال المُغيرةُ بن شُعبةَ: حَضَرتُ رسُولَ الله ﷺ أعْطاها السُّدُسَ. فقال أبو بكر: هل معكَ غيرُكَ؟ فقامَ محمدُ بن مَسْلمةَ، فقال مِثلَ ما قال المُغيرةُ بن شُعبةَ، فأنْفَذهُ لها أبو بكرٍ، ثُمَّ جاءَتِ الجدَّةُ الأُخْرَى إلى عُمرَ تسألُه مِيراثها، فقال لها: ما لكِ في كِتابِ الله شيءٌ، وما كانَ القَضاءُ الذي قُضِيَ به إلّا لغيرِكِ، وما أنا بزائدٍ في الفَرائضِ من شيءٍ، ولكِنْ هُو السُّدُسُ، فإنِ اجْتَمعتُما، فهُو بَيْنكُما، وأيَّتُكُما (٢) خَلَتْ به، فهُو لها. قد مَضَى القولُ في عُثْمانَ بن إسحاق بن خَرَشةَ. وأمّا قَبِيصةُ بن ذُؤَيب (٣)، فقيل: إنَّهُ تُوُفِّي سنةَ سِتٍّ وثمانين، ولهُ سِتٌّ وثمانُون سنةً، كان مولِدُهُ في أوَّلِ سَنةٍ من الهِجْرةِ، وهُو أحَدُ العُلماءِ. ذكَرَ وكيعٌ وغيرُهُ، عن الأعمشِ، عن أبي الزِّنادِ قال: أدْرَكتُ الفُقهاءَ بالمدينةِ أربعةً، أحدُهُم: قَبِيصةُ بن ذُؤَيب. وقال الأعمشُ مرَّةً أُخرى: أربعةٌ، سعيدُ بن المُسيِّبِ، وعُروةُ بن الزُّبيرِ، وقَبيصةُ بن ذُؤَيب، وعبدُ الملكِ بن مَرْوان. وذكَرَ ابن المُباركِ، عن محمدِ بن راشِدٍ، عن مَكْحُولٍ قال: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ من قَبِيصةَ بن ذُؤَيب. وكان سعيدُ بن المُسيِّبِ يَحمِلُ على قَبِيصةَ بن ذُؤَيب، لمُخالَطةِ السُّلطانِ. حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن

стр. 3946

جَرِيرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو كُرَيب، قال: حَدَّثَنَا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ الأعمشَ يقولُ: فُقَهاءُ المدينةِ أربعةٌ: سعيدُ بن المُسيِّبِ، وعُروةُ، وقَبِيصةُ، وعبدُ الملك (١). وحدَّثني خَلَفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن ناصِح، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عليِّ بن سَعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعْمَشِ، عن ذَكْوانَ، أو ابن ذكوانَ، قال: أدركتُ فُقهاءَ المدينةِ أربعةً: سعيدُ بن المُسيِّبِ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، وقَبِيصةَ بن ذُؤَيب، وعبد الملكِ بن مروانَ (٢). هكذا يقولُ الأعمشُ في هذا الحديث: عن (٣) ذكوانَ أو ابن ذكوان. وإنَّما هُو عبدُ الله بن ذَكْوان أبو الزِّنادَ. ولم يَروِ أحدٌ في عِلمي (٤) عن أبي الزِّناد: أنَّ فُقهاءَ المدينةِ أربعة، على حَسَبِ ما ذَكَرنَا، غيرَ الأعمشِ. والمعرُوفُ عن أبي الزِّنادِ في كِتابِ "السَّبعةِ" وغيرِه: أنَّ فُقهاءَ المدينةِ في وقتِهِ من شُيُوخِهِ سَبْعة، أو أكثرُ من سَبْعةٍ. ولعلَّ الأعمشَ إنَّما حَكَى ما حكاهُ عن ذَكْوانَ أبي صالح السَّمّانِ، فهُو شيخُهُ، ولكنَّ النّاس يقولُون: إنَّما أرادَ أبا الزِّنادِ عبدَ الله بن ذَكْوانَ، وكيف كانتِ الحالُ، فقد أدركَ أبو الزِّنادِ بالمدينةِ جَماعةً كلُّهُم أفقَهُ من قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، وعبدِ الملكِ بن مروانَ، وما أعلمُ أحدًا جعلَ عبد الملكِ بن مروان في الفِقْهِ كسعيدٍ وعُروةَ، إلّا ما جاءَ في هذا الخبرِ، واللّه أعلمُ.

стр. 3947

وأبو صالح ذكوانُ لا يصلُحُ أيضًا أنَّ يُضافَ لهُ هذا الخبرُ؛ لأَنَّهُ أدركَ أبا هُريرةَ وغيرَهُ من الصَّحابةِ، وكِبارَ التَّابِعينَ، ومن هاهُنا قال العُلماءُ: إنَّ الأعمشَ لَمْ يُرِد بقولِهِ إلّا أبا الزِّنادِ، فلم يَقِف على اسْمِهِ، فقال: ذَكْوانُ، أو ابن ذكوانَ. وقَبِيصةُ بن ذُؤَيبٍ خُزاعيٌّ، وهُو: قَبِيصةُ بن ذُؤَيبِ بن حَلْحلةَ بن عَمرِو بن كُلَيبِ بن أصرمَ بن عبدِ الله بن قُمَير (١) بن حُبشيَّةَ بن سلُولِ بن كعبِ بن عَمرِو خُزاعةَ، ولأبيه ذُؤَيبٍ صُحبةٌ، وقد ذَكَرناهُ، وذَكَرنا الاختِلاف في خُزاعةَ، في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٢) و"القبائل الرُّواةِ" (٣). وماتَ قَبِيصةُ سنةَ سَبْع وثمانينَ، فيما قال يحيى بن مَعينٍ. وقال الواقِديُّ: مات قَبِيصةُ بن ذُؤَيبٍ سنةَ سِتٍّ وثمانينَ، في خِلافةِ عبدِ الملكِ بن مروانَ. وكان قَبِيصةُ مِمَّن قاتَلَ يومَ الحرَّةِ، حتَّى ذهَبَت عينُهُ، ويُكنى قَبِيصةُ: أبا إسحاقَ، كان من ساكِني المدينةِ، وكان مُعلِّم كُتّابٍ، ثُمَّ تحوَّل إلى الشّام، فصَحِبَ عبد الملكِ بن مَرْوانَ، وكان على خاتمِهِ، وكانَ (٤) إليه البريدُ، وعرضُ الكُتُبِ الوارِدةِ على عبدِ الملكِ عليه. وأمّا رِوايةُ مالكٍ لهذا الحديثِ، عن ابن شِهاب، عن عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، فلم يُتابِعهُ أحدٌ على ذلكَ، إلّا أبو أُوَيسٍ، ولم يُجوِّدهُ، وجاءَ به على وَجْهِهِ غيرُهُما من بينِ أصحابِ ابن شِهاب. قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن أبانٍ الورّاقُ، قال: حَدَّثَنَا

стр. 3948

أبو أُوَيسٍ، قال: أخبرني محمدُ بن شِهاب، أنَّ عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ حدَّثهُ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيب: أنَّ الجَدَّةَ جاءَت إلى أبي بكرٍ الصدِّيقِ. ورواهُ مَعْمرٌ (١)، ويُونُسُ بن يزيدَ، وأُسامةُ بن زيدٍ، وسُفيانُ بن عُيينةَ، فيما روى عنهُ ابن أبي شَيْبةَ (٢) كلُّهُم، عن ابن شِهاب، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصدِّيقِ تَطلُبُ ميراثَها من ابن ابْنِها، أو ابن ابْنتِها. لَمْ يُدخِلُوا بينَ ابن شِهاب، وبين قَبِيصةَ أحدًا. وقال محمدُ بن يحيى: رواهُ ابن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عمَّن حدَّثهُ، عن قَبِيصةَ. ومرَّةً قال: سمِعتُ الزُّهريَّ يُحدِّثُ، عن رجُلٍ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيب: أنَّ الجدَّةَ جاءَت إلى أبي بكرٍ. فذَكَرهُ (٣). قال محمدُ بن يحيى: والحديثُ حديثُ مالكٍ، وأبي أُوَيسٍ، لإدْخالِهِما بين ابن شِهابٍ وقَبِيصةَ: عُثمان بن إسحاقَ بن خَرَشةَ (٤). قال: وقد حدَّثني أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن خالدٍ، عن ابن شِهاب، عن عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيب: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ كان أوَّل من وَرَّث الجَدَّتينِ، وجمعَ بينهُما في الميراثِ. قال: وهذا مُختصرٌ من حديثِ مَعْمرٍ، ومالكٍ، وأبي أُويسٍ. قال أبو عُمر: أمّا حديثُ مَعْمر:

стр. 3949

فحَدَّثَنَا خلَفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (١): أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تطلُبُ مِيراثها من ابن ابْنِها أو ابن ابْنتِها، لا أدري أيَّتُهُما هي، فقال أبو بكر: لا أجِدُ لكِ في الكِتابِ شيئًا، وما سَمِعتُ من رسُولِ الله ﷺ يَقْضي لكِ بشيءٍ، وسأسألُ النّاس العَشِيَّةَ. فلمّا صلَّى الظُّهرَ، أقبَلَ على النّاسِ فقال: إنَّ الجَدَّةَ أَتَتْني تَسْألُني مِيراثها من ابن ابْنِها، أو ابن ابْنتِها، وإنِّي لَمْ أجِدُ لها في الكِتابِ شيئًا، ولم أسْمَع النَّبيَّ ﷺ يَقْضي لها بشيءٍ، فهل سَمِعَ أحدٌ من رسُولِ الله ﷺ فيها شيئًا؟ فقامَ المُغيرةُ بن شُعبةَ فقال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يَقْضي لها بالسُّدُسِ. فقال: هل سمِعَ ذلكَ معكَ أحدٌ، فقامَ محمدُ بن مَسْلمةَ، فقال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقضي لها بالسُّدُسِ. فأعْطاها أبو بكرٍ السُّدُس. فلمّا كانت خِلافةُ عُمرَ جاءَتِ الجَدَّةُ التي تُخالِفُها، فقال عُمرُ: إنَّما كان القَضاءُ في غيرِكِ، ولكن إذا اجْتَمعتُما، فالسُّدُسُ بينكُما، وأيُّتكُما (٢) خَلَت به، فهُو لها. وكذلك رواهُ ابن المُباركِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن قَبِيصةَ. وابنُ المُباركِ أيضًا، عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن قَبِيصةَ.

стр. 3950

وابنُ وَهْب، عن يُونُس بن يزيد، وأُسامةَ بن زيدٍ، أنَّهُما أخبراهُ عن ابن شِهاب، أنَّهُ أخبرهُم، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ الكعبيِّ هذا الحديث، بمعنَى حديثِ مالكٍ سَواءً (١). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ من الفِقه: أنَّ القَضاءَ إلى الخُلفاءِ، أو إلى منِ اسْتُخلفُوهُ على ذلكَ، وجعلُوهُ إليهِ، وعِندَهُم تُطلبُ الحُقُوقُ حتَّى يُوصَل إليها. وفيه دليلٌ على أنَّ أبا بكرٍ لَمْ يَكُن لهُ قاضٍ. وهذا أمرٌ لَمْ أعلم فيه خِلافًا. وقدِ اختُلِف في أوَّلِ منِ اسْتَقضَى، فذهَبَ العِراقيُّون إلى أنَّ أوَّل من اسْتَقضَى عُمرُ، وأنَّهُ بعثَ شُريحًا إلى الكُوفةِ قاضيًا، وبعثَ كعبَ بن سُورٍ (٢) إلى البَصْرةِ قاضيًا. قال مالكٌ: أوَّلُ من اسْتَقضَى مُعاويةُ (٣). والكلامُ في هذا طويلٌ، وليسَ هذا موضِعَ ذِكرِهِ. وفيه: أنَّ الفَرائض في المَواريثِ لا يثبُتُ منها إلّا ما كانَ نصًّا في الكِتابِ والسُّنَّةِ. ولو استدلَّ مُستدِلٌّ بقولِ أبي بكرٍ وعُمرَ هذا، على أنَّ لا عِلمَ إلّا الكِتابُ والسُّنَّةُ، لجازَ لهُ ذلكَ، ولكن للعُلماءِ في القياسِ كلامٌ قد ذكرتُ منهُ ما يكفي في كِتابِ "العلم".

стр. 3951

والاستِدلالُ الصَّحيحُ من قولِ أبي بكرٍ وعُمرَ للجَدَّة: ما لكِ في كِتابِ الله شيءٌ. على أنَّ الفَرائض والسِّهام في المواريثِ لا تُؤخذُ إلّا من جِهةِ نَصِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ، استِدلالٌ صحيحٌ، ولا خِلافَ في ذلكَ بين العُلماءِ فأغْنَى عن الكلام فيه، إلّا أنَّهُم أجمعُوا: أنَّ فرضَ الجَدَّةِ والجدّاتِ السُّدُسُ، لا مزيدَ فيه بسُنَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، والفَرائضُ والسِّهامُ مأخُوذةٌ من كِتابِ الله نصًّا، ما عدا الجَدَّةَ، فإنَّ فَرْضها بسُنَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، من نَقْلِ الآحادِ، على ما ذكَرْنا في هذا البابِ، ومن إجماع العُلماءِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَضى بذلك، وقد قال رسُولُ الله ﷺ عامَ حجَّةِ الوداع: "إنَّ الله قد أعْطَى كلَّ ذي فَرْضٍ فرضَهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارِثٍ" (١). وفي هذا ما يدُلُّ على صِحَّةِ ما ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا. واختلفَ العُلماءُ من الصَّحابةِ ومن بَعدهُم في تَوْريثِ الجَدّاتِ على ما أصِفُ لكَ، فكان زيدُ بن ثابتٍ يقولُ: سواءٌ كانتِ الجدَّةُ لأُمٍّ، أو لأبٍ، ميراثُها السُّدُسُ، فإنِ اجْتَمعتا، فالسُّدُسُ بينهُما، وكذلكَ إن كَثُرنَ لا يزِدنَ على السُّدُسِ، إذا تساوَيْنَ في القُعْدُدِ (٢)، فإن قرُبتِ التي من قِبَلِ الأُمِّ، كان السُّدُسُ لها دُون غيرِها، وإن قرُبتِ التي من قِبَلِ الأبِ، كان السُّدُسُ بينها وبينَ التي من قِبَلِ الأُمِّ وإن بَعُدت، ولا ترِثُ من قِبَلِ الأُمِّ إلّا جدَّةٌ واحِدةٌ، ولا تَرِثُ الجدَّةُ أُمُ أبِ الأُمِّ على حالٍ، ولا يَرِثُ مع الأبِ أحدٌ من جَدّاتِهِ، ولا تَرِثُ جَدَّةٌ

стр. 3952

وابنُها حَيٌّ، يعني الابن الذي جَرَّها إلى الميراثِ، فأمّا أن تكون جَدَّةٌ أُمَّ عمٍّ لأبٍ وأُمٍّ، فلا يَحجُبُها هذا الابنُ عن الميراثِ، ولا يَرِثُ أحدٌ من الجدَّاتِ مع الأُمِّ (١). فهذا كلُّهُ قولُ زيدِ بن ثابتٍ. وبه يقولُ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم، إلّا أنَّ مالكًا لا يُورِّثُ إلّا جدَّتيِنِ، أُمَّ أُمٍّ، وأُمَّ أبٍ، وأُمَّهاتِهِما (٢). وهُو معنى قولِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وذلكَ أنَّهُ كان يُوتِرُ بركعةٍ، فعابَهُ ابن مسعُودٍ، فقال: أتعيبُني أن أُوتِرَ برَكْعةٍ، وأنت تُورِّثُ ثلاثَ جدَّاتٍ (٣). قال ابن أبي أُوَيس: سألتُ مالكًا عن اللَّتينِ تَرِثانِ، والثَّالِثةِ التي تُطرحُ وأُمَّهاتِها، فقال: اللَّتانِ تَرِثان: أُمُّ الأُمِّ، وأُمُّ الأبِ، وأُمَّهاتُهُما، إذا لَمْ يكونا، والثَّالِثةُ التي تُطرحُ: أُمِّ الجدِّ، أبِ الأبِ، وأُمَّهاتُها. قال ابن أبي أُوَيس: فأمّا أُمُّ أبِ الأُمِّ، فلا ترِثُ شيئًا (٤). وكان الأوزاعيُّ لا يُورِّثُ أكثرَ من ثَلاثِ جدَّاتٍ، واحِدةٍ من قِبَلِ الأُمِّ، والاثْنَتينِ من قِبَلِ الأبِ. وهُو قولُ أحمد بن حَنْبل (٥). ومن حُجَّةِ من ورَّثَ ثلاث جدَّاتٍ، ما حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى،

стр. 3953

قال: حدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ورَّثَ ثلاث جدَّاتٍ، ثِنْتينِ من قِبَلِ الأبِ، وواحِدةً من قِبَلِ الأُمِّ (١). وأمّا عليُّ بن أبي طالبٍ، فكانَ قولُهُ في الجدّاتِ كقَوْلِ زيدِ بن ثابتٍ، إلّا أنَّهُ كان يُورِّثُ الدُّنيا من قِبَلِ الأبِ، أَو من قِبَلِ الأُمِّ، ولا يُشرِكُ مَعَها من ليس في قُعدُدِها (٢). وبه يقولُ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ (٣). وأمّا عبدُ الله بن مسعُودٍ، وابنُ عبّاسٍ (٤)، فكانا يُورِّثانِ الجَدّاتِ الأرْبَع. وهُو قولُ الحَسَنِ (٥)، وابنِ سيرين (٦)، وجابرِ بن زيدٍ (٧). وروى حمّادُ بن سلمةَ، عن حجّاج، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، أنَّ عبد الله بن مسعُودٍ قال: تَرِثُ الجدّاتُ الأربعُ، قَرُبن أو بَعُدن. وحمّادُ بن سلمةَ، عن لَيْثٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: تَرِثُ الجدَّاتُ الأرْبَعُ (٨).

стр. 3954

وحمّادُ بن زيدٍ، عن أَيُّوبِ، عن الحسنِ، ومحمد: أنَّهُما كان يُورِّثانِ أربعَ جداتٍ (١). قال أبو عُمر: كان عبدُ الله بن مسعُودٍ يُشرِكُ بين الجدَّاتِ في السُّدُسِ، دُنياهُنَّ وقُصْواهُنَّ، ما لَمْ تكُن جَدَّةً أُمَّ جدَّةٍ، أو جَدَّتها، فإن كان ذلكَ، ورَّثَ بينهُما مع سائرِ الجدّاتِ، وأسقطَ أُمَّها أو جدَّتها. وقد رُوي عنهُ: أنَّهُ كان يُسقِطُ القُصوَى بالدُّنيا، إذا كانتا من جِهَةٍ واحِدةٍ، مِثل أن تكونَ أُمَّ أبٍ، وأُمَّ أبِ أبٍ، فيُورِّثُ أُمَّ الأبِ، ويُسقِطُ أُمَّ أبِ الأب (٢). وكان يحيى بن آدم يختارُ هذه الرِّوايةَ، عن ابن مسعُودٍ، ويُقوِّيها. وأمّا ابن عبّاسٍ، فكان يُورِّثُ الجد أُمَّ أبِ الأُمِّ، مع من يُحاذيها من الجدّاتِ. وتابَعهُ على ذلكَ ابن سيرينَ، وجابرُ بن زيدٍ (٣). ورُوي عن ابن عبّاسٍ في الجدَّةِ أيضًا قولٌ شاذٌّ، أجمعَ العُلماءُ على تَركِهِ، وهُو ما رواهُ إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، أنَّهُ سمِعَ من يحكي عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال: كلُّ جدٍّ ليسَ دُونهُ من هُو أقربُ منهُ، فهُو أبٌ، وكلُّ جدَّةٍ من قِبَلِ الأُمِّ، ليسَ دُونها أقربُ منها، فهي بمَنْزِلةِ الأُمِّ (٤). قال يحيى بن آدمَ: ولا نَعْرِفُ أحدًا من أهْلِ العِلم ورَّثَ جدَّةً ثُلُثًا، ولو كانت بمَنْزِلةِ الأُمِّ، لوُرِّثتِ الثُّلُث.

стр. 3955

قال أبو عُمر: أمّا قولُ ابن عبّاسٍ في الجدِّ، أنَّهُ كالأبِ، عِندَ عَدم الأبِ (١)، فقال بهِ (٢) أكثرُ أهلِ العِلم. ورُوي ذلكَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ (٣)، وأبي الدَّرداءِ، ومُعاذِ بن جبلٍ، وأبي مُوسى الأشْعَريّ (٤)، وعائشةَ، وابن الزُّبيرِ (٥). وبه قال شُريحٌ، والحسنُ، وعبدُ الله بن عُتبةَ، وجابرُ بن زيدٍ، وفُقهاءُ البَصْرةَ: عُثمانُ البتِّيُّ، وغيرُهُ (٦). وهُو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي ثورٍ، والمُزنيِّ، وإسحاق بن راهُوْيَة، والطَّبريِّ، وداود، ونُعيم بن حمّادٍ. واختُلِف في الجَدِّ عن عُمر اختِلافًا كثيرًا، فرُوي عنهُ أنَّهُ قال: احفظُوا عنِّي ثلاثًا: لَمْ أقُل في الجَدِّ شيئًا، ولم أقُل في الكَلالةِ شيئًا، ولم أسْتِخلِف أحدًا (٧). ورُوي عن زيدِ بن ثابتٍ أنَّهُ قال: أدركتُ الخليفتينِ، يعني عُمرَ وعُثمانَ، يقولانِ في الجَدِّ بقولي (٨). وهذا أصحُّ عنهُ.

стр. 3956

وأهلُ المدينةِ يروُونَ عن عُمرَ، أنَّهُ كان يقولُ في الجدِّ بقولِ زيدِ بن ثابتٍ، إلّا في الأكدريَّةِ (١). وروى أهِلُ العِراقِ عنهُ: أنَّهُ كان يُقاسمُ الجدَّ بالإخوةِ إلى السُّدُسِ، ثُمَّ يُقاسمُ بينهُم إلى الثُّلُثِ (٢). ورُوي عن عُثمانَ: أَنَّهُ جعلَ الجدَّ أَبًا (٣). ورُوي عنهُ، أنَّهُ قال فيه بقولِ زيدٍ، إلَّا في الخَرْقاءِ (٤). وأمّا عليُّ بن أبي طالبٍ، وعبدُ الله بن مسعُودٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، فإنَّهُم يُقاسمُون الجدَّ بالإخوةِ (٥). وإن كانُوا قدِ اختلَفُوا في كيفيَّةٍ مُقاسَمةِ الجدِّ الإخوةَ، فإنَّهُم مُجْمِعُون على أنَّ الجدَّ ليسَ بأبٍ، ولا يُحجبُ به الإخوةُ. وليسَ هذا مَوْضِع ذِكرِ أقاويِلِهِم في الجَدِّ. وقال كقولِ زيدٍ في الجدّ: مالكٌ، والأوزاعيُّ، والثَّوريُّ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو عُبيدٍ، وأبو يُوسُف، ومحمدُ بن الحسنِ. وقد رُوي عن محمدِ بن الحسن: أنَّهُ وقَفَ في آخِرِ عُمُرِهِ في الجدِّ، فلم يَقُل فيه بقَولِ أحدٍ.

стр. 3957

وقال بقولِ علي (١) في الجدّ: عَبِيدةُ السَّلمانيُّ، والمُغيرةُ صاحِبُ إبراهيمَ، وابنُ أبي لَيْلَى، والحَسَنُ بن صالح، وهُشَيمٌ. ولا أعلمُ أحدًا من الفُقهاءِ قال بقولِ ابن مسعُودٍ في الجَدِّ، وقدِ اختُلِف عن ابن مسعُودٍ في مسائلَ من مَسائلِ الجدِّ. وأمّا قولُ ابن عبّاسٍ في الجدَّة: أنَّها أُمٌّ عِندَ عَدم الأُمِّ. فلم يُتابِعه عليه أحدٌ، وهُو شاذٌّ لا يُلْتفتُ إليهِ، ولا يَصحُّ عنهُ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن ابن عُيَينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ قال: جاءَت جدّاتٌ إلى أبي بكرٍ الصِّديقِ، فأعْطَى الميراثَ أُمَّ الأُمِّ، دُونَ أُمِّ الأبِ، فقال لهُ رجُلٌ من الأنصارِ، من بني حارِثةَ، يُقالُ لهُ: عبدُ الرَّحمنِ بن سَهْل: يا خَلِيفةَ رسُولِ الله، أعْطَيتَ الميراثَ التي لو أنَّها ماتت، لَمْ يَرِثها. فَجعَلَ الميراثَ بينهُما. وذكر ابن وَهْب، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، نحوهُ بمعناهُ (٣). وروى عبدُ الرَّزّاقِ (٤) أيضًا، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن ابن ذَكْوانَ، أنَّ خارِجةَ بن زيدٍ قال: إذا كانتِ الجَدَّةُ من قِبَلِ الأُمِّ هي أقعَدَ، فأعْطِها السُّدسَ وإذا كانت الجدَّةُ من قِبَلِ الأم هِيَ أبعَدَ (٥)، فشرِّك بينهُما. قال (٦): وأخبرنا ابن عُيينةَ، عن أبي الزِّنادِ، قال: أدركتُ خارِجةَ بن زيدٍ،

стр. 3958

وطَلْحةَ بن عبدِ الله بن عَوْفٍ، وسُليمانَ بن يسارٍ يقولُون: إذا كانتِ الجدَّةُ من قِبَلِ الأُمِّ أقرَبَ، فهي أحقُّ به، وإن كانت أبعَدَ، فهُما سواءٌ. قال (١): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن ابن المُسيِّبِ، أنَّ زيد بن ثابتٍ كان يقولُ ذلكَ. قال أبو عُمر: وقد ذكَرنا هذا عن زيدِ بن ثابتٍ، وذكَرنا مذهَبَ زيدٍ في أحْكام الجدّاتِ فيما تَقدَّم من هذا البابِ. وهُو قولُ أهلِ المدينةِ، وإليهِ ذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وداودُ، كلُّهُم يذهبُ في الجدّاتِ إذا اجتمعت أُمُّ الأبِ، وأُمُّ الأُمِّ، وليسَ للميِّتِ أُمٌّ ولا أبٌ، أنَّ أُمَّ الأُمِّ إن كانت أقعَدَهُما، كان لها السُّدُسُ دُون أُمِّ الأبِ، وإن كانت أُمُّ الأبِ أقعَدَهُما، وكانتا مُشْترِكتينِ في القُعدُدِ، فالسُّدُسُ بينهُما نِصْفينِ. وإنَّما كانتِ الجدَّةُ أُمُّ الأُمِّ إذا كانت أقعَدَ أولى بالسُّدُسِ من أُمِّ الأبِ، من قِبَلِ أنَّها أقربُ للميِّتِ. ألا تَرَى أنَّ ابنتها، وهي الأُمُّ تمنعُ الجدّاتِ الميراثَ من أجلِ قُربِها، فكذلكَ أُمُّها تمنعُ الجدّاتِ إذا لَمْ يكُنَّ في دَرَجتِها. فأمّا إذا بَعُدت، وقرُبتِ التي من جِهَةِ الأبِ، فإنَّهُما يَشْترِكانِ عِندَ زيدِ بن ثابتٍ. وقال به أهلُ المدينةِ، وأهلُ العِراقِ، وذلكَ واللّهُ أعلمُ، لأنَّ أُمَّ الأُمِّ هي التي ورَدَ فيها النَّصُّ من السُّنَّةِ، ومِثالُ ذلكَ إذا كان الميِّتُ تركَ جدَّتهُ أُمَّ أُمِّهِ، وجدَّتهُ أُمَّ أبيه، فالسُّدُسُ هاهُنا لأُمِّ أُمِّهِ، وإن تركَ أُمَّ أبيه، وأُمَّ أُمِّ أُمِّهِ، فالسُّدُسُ بينهُما سَواءً، ولا يرِثُ عِندَ مالكٍ من الجَدّاتِ غيرُهُما (٢).

стр. 3959

ومِن الحُجَّةِ في تَقْويةِ أُمِّ الأُمّ: أنَّ الأُمَّ لمّا مَنَعتِ الجدّاتِ، ولم يَمْنع الأبُ أُمَّ الأُمِّ، دلَّ على أنَّ الجَدَّةَ من جِهةِ الأُمِّ أقوي، لأنَّها تُدْلي بها، وهي تمنعُ الجدَّاتِ، ولا يَمْنعُها الأبُ، والأُخرى تُدْلي بالأبِ، والأبُ لا يحجُبُ أُمَّ الأمِّ، فكيفَ تحجُبُها أُمُّهُ، أو تَسْتوي مَعَها. واختلفَ العُلماءُ في توريثِ الجَدَّةِ، وابنُها حيٌّ: فرُويَ عن عُمر بن الخطّابِ (١)، وعبدِ الله بن مسعُودٍ (٢)، وأبي مُوسَى الأشعريِّ (٣)، وعِمرانَ بن حُصينٍ (٤)، وأبي الطُّفيلِ عامرِ بن واثِلةَ: أنَّهُم كانُوا يُورِّثُون الجَد مع ابْنِها (٥). وبه قال شُرَيحٌ القاضي، والحَسَنُ البصريُّ، وعَطاءٌ، وابنُ سيرين، ومُسلِمُ بن يَسارٍ، وأبو الشَّعثاءِ جابرُ بن زيدٍ (٦). وهُو قولُ فُقهاءِ البصريِّين، وبه يقولُ شريكٌ، والنَّخعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهويهِ، والطَّبريُّ. واختُلِفَ عن الثَّوريِّ، فرُوي عنهُ أنَّهُ كان يُورِّثُها مع من يُحاذيها من الجَدّاتِ، ورُوي عنهُ أنَّهُ كانَ لا يُورِّثُها، وكذلكَ اختُلِف فيها عن الحسنِ. وروى يزيدُ بن هارُون قال: أخبرنا محمدُ بن سالم، عن الشَّعبيِّ، عن مسرُوقٍ،

стр. 3960

عن عبدِ الله في الجدَّةِ، قال: إنَّها أوَّلُ جَدَّةٍ أطْعَمها رسُولُ الله ﷺ السُّدُسَ مع ابْنِها، وابنُها حيٌّ (١). وروى يزيدُ بن هارُون أيضًا، قال: أخبرنا أشْعَث (٢) بن سوّارٍ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: قال عبدُ الله بن مسعُودٍ، فذكر مِثلهُ (٣). وهذا لو صحَّ، لَمْ يَكُن فيه حُجَّةٌ، لأنَّهُ يُحتملُ أن يكونَ أرادَ الجدَّةَ أُمَّ الأُمَّ، وابنُها حيٌّ، وهُو خالُ الميِّتِ، وهذا ما لا خِلافَ فيه، ومِمَّا يدُلُّ على ضَعْفِ هذا الحديث: أنَّ أبا بكرٍ لَمْ يَكُن عِندهُ عِلمٌ من الجَدَّةِ حتَّى سألَ، فأخبرَهُ المُغيرةُ، وأرادَ أن لا يُعْطِي الأُخرى شيئًا، وقَدِ احتَجَّ بهذا إسماعيلُ، وفيه نظرٌ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ قال (٤): أخبرنا ابن جُريج، والثَّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، قال: سمِعتُ سعيد بن المُسيِّبِ يقولُ: ورَّثَ عُمرُ بن الخطّابِ جدَّةً مع ابْنِها. قال (٥): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن بلالِ بن أبي بُردةَ: أنَّ أبا مُوسَى الأشعريَّ كان يُورِّثُ الجد مع ابْنِها. وقَضى بذلكَ بلالٌ، وهُو أميرٌ على البَصْرةِ. قال (٦): وأخبرنا الثَّوريُّ، عن منصُورٍ والأعمشِ، عن إبراهيمَ قال: كان عبدُ الله يقولُ: لا يحجُبُ الجَدّاتِ إلّا الأُمُّ.

стр. 3961

قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ إلى هذا القولِ، ما رواهُ الثَّوريُّ، وغيرُهُ، عن أشعث، عن ابن سيرينَ قال: أوَّلُ جَدَّةٍ أطْعَمها رسُولُ الله ﷺ : أُمُّ أبٍ مع ابنِها (١). ومن جِهَةِ النَّظرِ لا يجُوزُ حَجْبُها بالذُّكُورِ، قياسًا على الأُمِّ، وأُمِّ الأُمِّ. ووجهٌ آخرُ: أنَّ عدم الأبِ لا يَزِيدُها في فَرْضِها، وإنَّما لها السُّدُسُ على كلِّ حالٍ، فكيفَ يحجُبُها. ووجهٌ آخرُ: لمّا كانَ الإخوةُ والأخواتُ للأُمِّ يُدْلُون بالأُمِّ، ويَرِثُونَ معها، كانتِ الجدَّةُ كذلكَ تَرِثُ مع الأبِ، وإن كانت تُدلي به. وقال عليُّ بن أبي طالبٍ، وعُثمانُ بن عفّان، وزيدُ بن ثابت: لا تَرِثُ الجدَّةُ مع ابْنِها (٢). يعنُون أنَّها لا تَرِثُ أُمُّ الأبِ مع الأبِ. وبه قال مالكٌ، والشَّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وداودُ، وأصحابُهُم (٣). ومِن حُجَّتِهِم: أنَّ الجدَّ لمّا كان محجُوبًا بالأبِ، وجَبَ أن تكونَ الجدَّةُ أوْلَى أن تكون به محجُوبةً، ولأنَّها أحَدُ أَبَوَي الأبِ، فوجَبَ أن يحجُبها الأبُ. ووجهٌ آخرُ: أنَّها إذا كانت أُمَّ أُمٍّ، لَمْ تَرِث مع الأُمِّ، فكذلكَ إذا كانت أُمَّ أبٍ، لا تَرِثُ مع الأبِ. ووجهٌ أَخرُ: أنَّ ابن العَمِّ، وابن الأخ، لا يرِثُ واحِدٌ منهُما مع أبيه، الذي يُدلي به إلى الميِّتِ، فكذلكَ الجدَّةُ أُمُّ الأبِ، لا ترِثُ مع الأبِ، لأنَّها به تُدلي.

стр. 3962

ذكَرَ يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرني سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ زيد بن ثابتٍ لَمْ يجعَلْ للجَدَّةِ شيئًا مع ابنِها (١). وأخبرنا خلفُ بن سعيدٍ؛ قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا الثَّوريُّ، عن أشْعَثَ، وأبي سَهْلٍ، عن الشَّعبيِّ قال: كانَ عليٌّ، وزَيْدٌ لا يُورِّثانِ الجَدَّةَ مع ابنِها، ويُورِّثان القُرْبَى من الجَدّاتِ من قِبَلِ الأبِ، أو من قِبَلِ الأُمِّ. قال: وكانَ عبدُ الله يُورِّث الجَدَّةَ مع ابنها (٣)، وما قَرُبَ من الجَدَّاتِ، وما بَعُدَ منهُنَّ، جعل لهُنَّ السُّدُسَ إذا كُنَّ من مكانينِ شَتَّي، وإذا كُنَّ من مَكانٍ واحِدٍ، ورَّثَ القُرْبَى. قال (٤): وأخبرني مَعْمرٌ، عن الزُّهْريّ: أنَّ عُثمانَ لَمْ يُورِّثِ الجَدَّةَ إذا كانَ ابنُها حيًّا. والنّاسُ عليه. وذكر ابن أبي شَيْبةَ (٥) عن وكيع، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: لَمْ يُورِّثْ أحدٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ الجَدَّةَ مع ابنِها، إلّا ابن مسعُودٍ. قال وكيعٌ: والنّاسُ على ذا. قال (٦): وأخبرنا ابن فُضَيل، عن بسّام، عن فُضَيل، قال: قال إبراهيمُ: لا تَرِثُ الجدَّةُ مع ابنِها، في قولِ عليٍّ وزَيْدٍ.

стр. 3963

ابن شهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر حديثٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ وهُو أبو بكر (١) بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر بن الخطّابِ، ثِقةٌ شريفٌ، لَمْ يَرْوِ عنهُ ابن شِهابٍ غير هذا الحديثِ الواحِدِ، ومما أحسبُهُ روى عنهُ غيرُ ابن شِهابٍ. وأبو بكرٍ هذا، هُو والِدُ خالدِ بن أبي بكرٍ، النَّسّابةِ المُحدِّثِ المدنيِّ، شيخ ابن وَهْب، ويُقالُ: إنَّ اسمَ أبي بكرٍ هذا: القاسِمُ، وقيل: بلِ القاسِمُ أخُوهُ، فاللّهُ أعلمُ فإن كان أبو بكرٍ هذا هُو القاسِم، فقد روى عنهُ عُمرُ بن محمدِ بن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمر أيضًا، فاللّهُ أعلمُ. وقد روى الزُّهْريُّ أيضًا، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، والِدِ أبي بكرٍ هذا، وروى عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، وعن سالم بن عبدِ الله بن عُمر، وعن حمزةَ بن عبدِ الله بن عُمر. ولعبدِ الله بن عُمرَ بنُون، لَمْ يروِ عنهُمُ الزُّهْريُّ، منهُم: بلالُ بن عبدِ الله بن عُمر، وواقِدُ بن عبدِ الله بن عُمر، وزيدُ بن عبدِ الله بن عُمر. وهؤُلاءِ بنُو عبدِ الله بن عُمر، فأُمُّ سالم، وعُبيدِ الله، وحمزةَ واحِدةٌ، أُمُّ ولدٍ، وأُمُّ عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ: صفيَّةُ بنتُ أبي عُبيدِ بن مسعُودٍ الثَّقفيِّ، وإلى عبدِ الله هذا أوْصَى أبوهُ ابن عُمر، ولم يُوصِ إلى سالم، وكان عبدُ الله بن عُمر يُدارُ على أنَّ لا يُوصي إليه، فقال: يُديرُونَني في سالمٍ وأُديرُهُم ... وجِلدةُ بين الأنفِ والعينِ سالمُ ولأبي بكرٍ شيخ ابن شِهابٍ هذا، أخٌ يُقالُ لهُ: القاسِمُ بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، على اختِلافٍ في ذلكَ، وأخٌ ثانٍ ويُقالُ لهُ: أبو سَلَمةَ بن عُبيدِ الله بن

стр. 3964

عَبدِ الله بن عُمر، رُوي عنهُ الحديث أيضًا، وفي ولدِ أبي سلمةَ هذا قُضاةٌ، وأُمراءُ بالمدينةِ، وأخٌ ثالِثٌ يُسمَّى: عبد العزيزِ بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ. وقال العدويُّ: شرفُ بيتِ عبدِ الله بن عُمر، وذِكرُهُم في عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، وولِدِهِ. قال أبو عُمر: من حديثِ عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، والِدِ أبي بكرٍ هذا، عن أبيهِ (١) ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ حديثُ القُلَّتينِ (٢). من حَديثِ عاصِم بن المُنذِرِ، وغيرِهِ عنهُ. ومن حديثِ عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، والِدِ أبي بكرٍ هذا، عن أبيهِ ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ : "من جاءَ منكُمُ الجُمُعةَ فَلْيغتسِل"، من حديثِ ابن شِهابٍ أيضًا (٣).

стр. 3965

مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الله (٢) بن عبدِ الله بن عُمر، عن ابن عُمر، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا أكَلَ أحدُكم فليأكُلْ بيمينِهِ، وليَشْرَبْ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ". هكذا قال يحيى: عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر. وهُو وهمٌ وغلطٌ لا شَكَّ عندَ أحدٍ من أهلِ العِلم، والآثارِ، والأنسابِ، والصَّحيحُ أنَّهُ أبو بكر بن عُبيدِ الله، على حَسَبِ ما قدَّمنا ذِكْرهُ، لا يختلِفُونَ في ذلكَ، وكذلكَ قال جماعةُ أصحابِ مالكٍ عنهُ في هذا الحديثِ، وجَماعةُ أصحابِ ابن شِهاب، منهُمُ: ابن عُيينةَ (٣)، وعُبيدُ الله بن عُمرَ، وعبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ. ومن قال فيه: عن أبي بكر بن عبدِ الله، فقد أخطأ. وقال ابن بُكيرٍ في هذا الحديثِ: عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عَبدِ الله بن عُمر، عن أبيهِ، عن ابن عُمر. ولم يُتابِعهُ أحدٌ من أصحابِ مالكٍ على ذلكَ فيما عَلِمتُ، وإنَّما يجعلُون الحديث لأبي بكر بن عُبيدِ الله، عن جدِّهِ، لا يقولونَ فيه: عن أبيهِ، كما قال ابن بُكيرٍ (٤). ورواهُ إبراهيمُ بن طَهْمان، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عمَّن حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمر، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أكلَ أحدُكُم ... " فذكرهُ سواءً.

стр. 3966

قال الدّارقُطنيُّ (١): رَوَى هذا الحديث عُمرُ بن محمدِ بن زيدٍ، عن القاسم بن عُبيدِ الله بن (٢) عبدِ الله بن عُمر (٣). وهُو أبو بكرٍ (٤) الذي روى عنهُ الزُّهْريُّ، وقال: عن سالم، عن ابن عُمرَ. فأشْبَهُ أن يكونَ قولُ إبراهيمَ بن طهمانَ لهُ وجهٌ، واللّه أعلمُ. واختُلِفَ في ذلكَ عن ابن شِهابٍ أيضًا بعضُ الاختِلافِ، والصحيحُ أنَّهُ لأبي بكرٍ بن عُبيدِ الله، عن جدِّهِ، لأَنَّ أكثرَ أصحابِ مالكٍ يقولونَ ذلكَ، وكذلكَ قال ابن عُيينةَ، وعُبيدُ الله (٥) بن عُمرَ. وغيرُ مُسْتَنكرٍ أن يرويهُ أبو بكرٍ هذا، عن جدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، وقد روى عن عبدِ الله بن عُمرَ من حَفَدتِهِ: محمدُ بن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمر، وعبدُ الله بن واقدِ بن عبدِ الله بن عُمر، وروى عنهُ من دُونِ هؤُلاءِ في السِّنِّ (٦).

стр. 3967

وقد روى هذا الحديث: مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ. وأخْشَى أن يكونَ خطأً، من مَعْمرٍ، لأنَّهُ لَمْ يروِهِ غيرُهُ (١)، ولا يُحفظ هذا الحديثُ من حديثِ الزُّهْريِّ، عن سالم، ولو كانَ عندَ الزُّهْريِّ عن سالم، ما حدَّثَ به عن أبي بكرٍ، واللّه أعلمُ. وهُو مِمّا حدَّثَ به مَعْمر باليمنِ، وبالبصرةِ، لأنَّهُ رواهُ عنهُ عبدُ الأعلى (٢)، وعبدُ الرَّزّاقِ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ (٣). حَدَّثَنَا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عن معمرٍ،

стр. 3968

عن الزُّهْريِّ (١)، عن سالم، عن ابن عُمرَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أكَلَ أحدُكُم فليأكُلْ بيَمينِهِ، وإذا شرِبَ فلْيَشْرَبْ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ". وقد روى هذا الحديث معمرٌ، عن مالكٌ: فيما حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسِم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ الله بن زَكَريّا بن حَيُّويةَ (٢)، قال: حَدَّثَنَا العبّاسُ بن محمدٍ البصريُّ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ بن شبيبٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمر، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عُمر، عن عبدِ الله بن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ . فذكرهُ. قال أبو عُمر: الصَّوابُ في إسْنادِ هذا الحديثِ: الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن جَدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، واللّه أعلمُ. وإن صحَّ حديثُ مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، فهُو إسنادٌ آَخرُ. حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إسماعيل الأيليُّ العُثمانيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن جدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أكلَ أحدُكُمْ، فليأكُلْ بيمينِهِ، وإذا شرِبَ فليشرَبُ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ" (٣).

стр. 3969

وكذلكَ رواهُ عليُّ بن المدينيِّ (١)، والحُميديُّ (٢)، ومُسدَّدٌ، وابنُ المُقرِيّ، وغيرُهُم، عن ابن عُيينةَ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال؛ حَدَّثَنَا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثني الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يأكُل أحدُكُم بشِمالِهِ، ولا يشرَبْ بشِمالِهِ" (٣). وبهذا الإسْنادِ عن مُسدَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بن المُفضَّلِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال عبدُ الله بن عُمر: قال رسُولُ الله ﷺ : "كُلُوا بأيمانِكُم، واشرَبُوا بأيمانِكُم، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ". وفي هذا الحديثِ أدبُ الأكلِ والشُّربِ، ولا يجُوزُ لأحَدٍ أن يأكُل بشِمالِهِ، ولا أن يشرَبَ بشِمالِهِ، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ عن ذلكَ. وفي أمْرِهِ ﵇ بالأكلِ باليمينِ، والشُّربِ بها، نَهْيٌ عن الأكلِ بالشِّمالِ، والشُّربِ بها، لأنَّ الأمْرَ يَقْتضي النَّهي عن جَميع أضْدادِهِ، فمن أكَلَ بشِمالِهِ، أو شرِبَ بشِمالِهِ، وهُو بالنَّهي عالِمٌ، فهُو عاصٍ للّه، ولا يحرُمُ عليه مع ذلكَ طَعامُهُ ذلكَ ولا شرابُهُ، لأنَّ النَّهي عن ذلكَ نهيُ أدبٍ، لا نهيُ تحريم، والأصلُ في النَّهي أنَّ

стр. 3970

ما كانَ لي مِلكًا، فنُهيتُ عنهُ، فإنَّما النَّهيُ عنهُ تأدُّبٌ، وندبٌ إلى الفَضْلِ والبِرِّ، وإرْشادٌ إلى ما فيه المَصْلحةُ في الدُّنيا، والفضلُ في الدِّينِ، وما كان لغيري، فنُهيتُ عنهُ، فالنَّهيُ عنهُ نهيُ تحريم وتحظيرٍ، واللّه أعلمُ. وقد جاءَتِ السُّنَّةُ المُجتمعُ عليها، أنَّ اليمين للأكْلِ والشُّربِ، والشِّمال للاسْتِنجاءِ، ونَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُسْتَنجى باليمينِ (١). كما نَهَى أن يُؤكَلَ أو يُشرَبَ بالشِّمالِ. وما عدا الأكْلَ والشُّرب والاسْتِنجاءَ، فبأيِّ يَدَيهِ فعَلَ الإنسانُ ذلكَ، فلا حرجَ عليه، إلّا أنَّ التَّيامُنَ كان رسُولُ الله ﷺ يُحِبُّهُ في الأمرِ كلِّهِ، فيَنْبغي للمُؤمنِ أن يُحِبَّ ذلكَ، ويرغَبَ فيهِ، ففي رسُولِ الله ﷺ الأُسوةُ الحسَنةُ على كلِّ حالٍ. حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى وأحمد بن فَتْح، قالا (٢): حَدَّثَنَا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا القاسِمُ بن اللَّيثِ، قال: أخبرنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حَدَّثَنَا هِقلُ بن زيادٍ، قال: حَدَّثَنَا هُشامٌ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أكَلَ أحدُكُم فليأكُل بيَمينِهِ، وليَشْرَبْ بيمينِهِ، وليأخُذ بيَمينِهِ، وليُعطِ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشرَبُ بشِمالِهِ، ويُعطي بشِمالِهِ، ويأخُذُ بشِمالِهِ" (٣). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الشَّياطينَ يأكُلُونَ ويشربُونَ.

стр. 3971

والشَّيطانُ المقصُودُ إلى ذِكرِهِ في هذا الحديثِ من الجِنِّ، جِنسٌ من أجْناسِهِم، نحو قولِ الله : ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١] ومِثلُهُ كثيرٌ. وقد يكونُ الشَّيطانُ من الإنسِ، على طريقِ اتِّساع اللُّغةِ، كما قال الله : ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وإنَّما قيل لهؤلاءِ شياطينُ، لبُعدِهِم من الخيرِ، من قولِ العربِ: نوًى شطُونٌ. أي: بعيدةٌ، قال جريرٌ (١): أيام يدعُونني الشَّيطان من غَزَلي ... وكُنَّ يَهْوَيْنَني إذ كُنتُ شيطانا وقال منظُورُ بن رَواحةَ (٢): فلمّا أتاني ماتقولُ ترقَّصَتْ ... شياطينُ رأسي وانْتَشَيْنَ من الخمرِ وقال ابنُ ميادةَ (٣): فلمّا أتاني ما تقولُ مُحارِبٌ ... تَغَنَّت (٤) شياطيني وجُنَّ جُنُونُها وقال أبو النَّجم (٥): إنِّي وكلُّ شاعرٍ من البَشَرْ شَيْطانُهُ أُنثى وشَيْطاني ذَكَرْ ولا خِلافَ أنَّها لشياطينِ الجِنِّ، أو من الجِنِّ، اسْمٌ لازِمٌ لهم من أسمائهِم للصّالِح منهُم والطّالِح، فأغْنَى ذلكَ عن الإكثارِ، والأسماءُ لا تؤخذُ قياسًا، فإنَّما هي على حِسَبِ (٦) ما عَلَّمها الله آدم ﵇ أسماءٌ، عَلاماتٍ للمُسمَّياتِ.

стр. 3972

وقد حمَلَ قَوْمٌ هذا الحديث، وما كان مِثلهُ على المَجازِ، فقالوا في قولِهِ: "إنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ". أي (١): أنَّ الأكلَ بالشِّمالِ أكلٌ يُحِبُّهُ الشَّيطانُ، كما قال في الحُمْرةِ: "زينةُ الشَّيطانِ" (٢). وفي الاقْتِعاطِ (٣) بالعِمامةِ: "عِمامةُ الشَّيطانِ" (٤). أي: أنَّ الحمرةَ، ومِثلَ تِلكَ العِمَّةِ، يُزِّينُها الشَّيطانُ، ويدعُو إليها، وكذلكَ يدعُو إلى الأكلِ بالشِّمالِ، ويُزيِّنه. وهذا عِندي ليسَ بشيءٍ، ولا معنى لحَمْلِ شيءٍ من الكلام على المَجازِ، إذا أمكنت فيه الحقيقةُ بوجهٍ ما. وقال آخرُونَ: أكلُ الشَّيطانِ صحيحٌ، ولكنَّهُ تَشمُّمٌ، واسْتِرواحٌ، لا مَضْغٌ، ولا بلعٌ، وإنَّما المضغُ والبَلْعُ لذوي الجُثثِ، ويكونُ اسْتِرواحُهُ وشمُّهُ، من جِهةِ شِمالِهِ، ويكونُ بذلكَ مُشارِكًا في الماله. قال أبو عُمر: أكثرُ أهلِ العِلم بالتَّأويلِ، يقولون في قولِ الله : ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ قالوا: الإنفاقُ في الحرام ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالوا: الزِّنا. ومن الدَّليلِ على أنَّ الشَّياطينَ من الجِنِّ، يأكُلُونَ ويشربُونَ: قولُهُ ﷺ في العَظْم والرَّوثةِ، في حديثِ الاستِنجاءِ: "هي زادُ إخوانِكُم من الجِنِّ" (٥).
следующие страницы →