← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 3968–4007 · переход к 3973.

стр. 3968

عن الزُّهْريِّ (١)، عن سالم، عن ابن عُمرَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أكَلَ أحدُكُم فليأكُلْ بيَمينِهِ، وإذا شرِبَ فلْيَشْرَبْ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ". وقد روى هذا الحديث معمرٌ، عن مالكٌ: فيما حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسِم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ الله بن زَكَريّا بن حَيُّويةَ (٢)، قال: حَدَّثَنَا العبّاسُ بن محمدٍ البصريُّ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ بن شبيبٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمر، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عُمر، عن عبدِ الله بن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ . فذكرهُ. قال أبو عُمر: الصَّوابُ في إسْنادِ هذا الحديثِ: الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن جَدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، واللّه أعلمُ. وإن صحَّ حديثُ مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، فهُو إسنادٌ آَخرُ. حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إسماعيل الأيليُّ العُثمانيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن جدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أكلَ أحدُكُمْ، فليأكُلْ بيمينِهِ، وإذا شرِبَ فليشرَبُ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ" (٣).

стр. 3969

وكذلكَ رواهُ عليُّ بن المدينيِّ (١)، والحُميديُّ (٢)، ومُسدَّدٌ، وابنُ المُقرِيّ، وغيرُهُم، عن ابن عُيينةَ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال؛ حَدَّثَنَا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثني الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يأكُل أحدُكُم بشِمالِهِ، ولا يشرَبْ بشِمالِهِ" (٣). وبهذا الإسْنادِ عن مُسدَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بن المُفضَّلِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال عبدُ الله بن عُمر: قال رسُولُ الله ﷺ : "كُلُوا بأيمانِكُم، واشرَبُوا بأيمانِكُم، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ". وفي هذا الحديثِ أدبُ الأكلِ والشُّربِ، ولا يجُوزُ لأحَدٍ أن يأكُل بشِمالِهِ، ولا أن يشرَبَ بشِمالِهِ، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ عن ذلكَ. وفي أمْرِهِ ﵇ بالأكلِ باليمينِ، والشُّربِ بها، نَهْيٌ عن الأكلِ بالشِّمالِ، والشُّربِ بها، لأنَّ الأمْرَ يَقْتضي النَّهي عن جَميع أضْدادِهِ، فمن أكَلَ بشِمالِهِ، أو شرِبَ بشِمالِهِ، وهُو بالنَّهي عالِمٌ، فهُو عاصٍ للّه، ولا يحرُمُ عليه مع ذلكَ طَعامُهُ ذلكَ ولا شرابُهُ، لأنَّ النَّهي عن ذلكَ نهيُ أدبٍ، لا نهيُ تحريم، والأصلُ في النَّهي أنَّ

стр. 3970

ما كانَ لي مِلكًا، فنُهيتُ عنهُ، فإنَّما النَّهيُ عنهُ تأدُّبٌ، وندبٌ إلى الفَضْلِ والبِرِّ، وإرْشادٌ إلى ما فيه المَصْلحةُ في الدُّنيا، والفضلُ في الدِّينِ، وما كان لغيري، فنُهيتُ عنهُ، فالنَّهيُ عنهُ نهيُ تحريم وتحظيرٍ، واللّه أعلمُ. وقد جاءَتِ السُّنَّةُ المُجتمعُ عليها، أنَّ اليمين للأكْلِ والشُّربِ، والشِّمال للاسْتِنجاءِ، ونَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُسْتَنجى باليمينِ (١). كما نَهَى أن يُؤكَلَ أو يُشرَبَ بالشِّمالِ. وما عدا الأكْلَ والشُّرب والاسْتِنجاءَ، فبأيِّ يَدَيهِ فعَلَ الإنسانُ ذلكَ، فلا حرجَ عليه، إلّا أنَّ التَّيامُنَ كان رسُولُ الله ﷺ يُحِبُّهُ في الأمرِ كلِّهِ، فيَنْبغي للمُؤمنِ أن يُحِبَّ ذلكَ، ويرغَبَ فيهِ، ففي رسُولِ الله ﷺ الأُسوةُ الحسَنةُ على كلِّ حالٍ. حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى وأحمد بن فَتْح، قالا (٢): حَدَّثَنَا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا القاسِمُ بن اللَّيثِ، قال: أخبرنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حَدَّثَنَا هِقلُ بن زيادٍ، قال: حَدَّثَنَا هُشامٌ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أكَلَ أحدُكُم فليأكُل بيَمينِهِ، وليَشْرَبْ بيمينِهِ، وليأخُذ بيَمينِهِ، وليُعطِ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشرَبُ بشِمالِهِ، ويُعطي بشِمالِهِ، ويأخُذُ بشِمالِهِ" (٣). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الشَّياطينَ يأكُلُونَ ويشربُونَ.

стр. 3971

والشَّيطانُ المقصُودُ إلى ذِكرِهِ في هذا الحديثِ من الجِنِّ، جِنسٌ من أجْناسِهِم، نحو قولِ الله : ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١] ومِثلُهُ كثيرٌ. وقد يكونُ الشَّيطانُ من الإنسِ، على طريقِ اتِّساع اللُّغةِ، كما قال الله : ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وإنَّما قيل لهؤلاءِ شياطينُ، لبُعدِهِم من الخيرِ، من قولِ العربِ: نوًى شطُونٌ. أي: بعيدةٌ، قال جريرٌ (١): أيام يدعُونني الشَّيطان من غَزَلي ... وكُنَّ يَهْوَيْنَني إذ كُنتُ شيطانا وقال منظُورُ بن رَواحةَ (٢): فلمّا أتاني ماتقولُ ترقَّصَتْ ... شياطينُ رأسي وانْتَشَيْنَ من الخمرِ وقال ابنُ ميادةَ (٣): فلمّا أتاني ما تقولُ مُحارِبٌ ... تَغَنَّت (٤) شياطيني وجُنَّ جُنُونُها وقال أبو النَّجم (٥): إنِّي وكلُّ شاعرٍ من البَشَرْ شَيْطانُهُ أُنثى وشَيْطاني ذَكَرْ ولا خِلافَ أنَّها لشياطينِ الجِنِّ، أو من الجِنِّ، اسْمٌ لازِمٌ لهم من أسمائهِم للصّالِح منهُم والطّالِح، فأغْنَى ذلكَ عن الإكثارِ، والأسماءُ لا تؤخذُ قياسًا، فإنَّما هي على حِسَبِ (٦) ما عَلَّمها الله آدم ﵇ أسماءٌ، عَلاماتٍ للمُسمَّياتِ.

стр. 3972

وقد حمَلَ قَوْمٌ هذا الحديث، وما كان مِثلهُ على المَجازِ، فقالوا في قولِهِ: "إنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ". أي (١): أنَّ الأكلَ بالشِّمالِ أكلٌ يُحِبُّهُ الشَّيطانُ، كما قال في الحُمْرةِ: "زينةُ الشَّيطانِ" (٢). وفي الاقْتِعاطِ (٣) بالعِمامةِ: "عِمامةُ الشَّيطانِ" (٤). أي: أنَّ الحمرةَ، ومِثلَ تِلكَ العِمَّةِ، يُزِّينُها الشَّيطانُ، ويدعُو إليها، وكذلكَ يدعُو إلى الأكلِ بالشِّمالِ، ويُزيِّنه. وهذا عِندي ليسَ بشيءٍ، ولا معنى لحَمْلِ شيءٍ من الكلام على المَجازِ، إذا أمكنت فيه الحقيقةُ بوجهٍ ما. وقال آخرُونَ: أكلُ الشَّيطانِ صحيحٌ، ولكنَّهُ تَشمُّمٌ، واسْتِرواحٌ، لا مَضْغٌ، ولا بلعٌ، وإنَّما المضغُ والبَلْعُ لذوي الجُثثِ، ويكونُ اسْتِرواحُهُ وشمُّهُ، من جِهةِ شِمالِهِ، ويكونُ بذلكَ مُشارِكًا في الماله. قال أبو عُمر: أكثرُ أهلِ العِلم بالتَّأويلِ، يقولون في قولِ الله : ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ قالوا: الإنفاقُ في الحرام ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالوا: الزِّنا. ومن الدَّليلِ على أنَّ الشَّياطينَ من الجِنِّ، يأكُلُونَ ويشربُونَ: قولُهُ ﷺ في العَظْم والرَّوثةِ، في حديثِ الاستِنجاءِ: "هي زادُ إخوانِكُم من الجِنِّ" (٥).

стр. 3973

وفي غيرِ هذا الحديثِ: إنَّ طعامهُم ما لَمْ يُذكَرِ اسمُ الله عليه، وما لَمْ يُغسل من الأيدي والصِّحافِ، وشرابُهمُ الجَدَفُ (١). وهي الرَّغوةُ والزَّبدُ. وهذه أشياءُ لا تُدركُ بعَقْلٍ، ولا تُقاسُ على أصلٍ، وإنَّما فيها التَّسليمُ لمن آتاهُ الله من العِلم ما لَمْ يُؤتِنا، وهُو نبيُّنا ﷺ . وفي هذا الحديثِ، حديثِ ابن عُمر المذكُورِ في هذا البابِ ما يرفعُ الإشكال، قولُهُ: "إنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ". ويُحتملُ أن يكونَ الجِنُّ كلُّهُم يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويُحتملُ أن يكونَ كذلك بعضُهُم جِنسٌ منهُم. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قال: حَدَّثَنَا المُسيَّبُ بن واضِح السُّلميُّ، قال: حَدَّثَنَا الحكمُ بن محمدٍ الطَّبَريُّ (٢)، عن عبدِ الصَّمدِ بن مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وَهْب بن مُنبِّهٍ يقولُ، وسُئلَ عن الجِنِّ ما هُم، وهل يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويمُوتُونَ، ويتناكحُونَ؟ قال: هُمْ أجْناسٌ، فأمّا الذين هُم خالِصُ الجِنِّ، فهُم ريحٌ لا يأكُلُونَ، ولا يَشْربُونَ، ولا يتوالدُونَ، ومنهُم أجْناسٌ يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويَتَناكحُونَ ويتوالدُونَ، ويمُوتُون، ومنهُمُ السَّعالى، والغُولُ، والقطُربُ، وأشباهُ ذلكَ (٣). فهذا وَهْبُ بن مُنبِّهٍ قد قال ما تري، واللّه أعلمُ.

стр. 3974

ولأهل الكلام وغيرِهِم أقاويلُ في إدراكِ الجِنِّ بالأبصارِ، وفي دُخُولِهِم في الإنسانِ، وهل هُم مُكلَّفُونَ، أو غيرُ مُكلَّفين، ليسَ بنا حاجةٌ إلى ذِكرِ شيءٍ من ذلكَ في كِتابِنا هذا، لأنَّهُ ليسَ بموضِع ذلكَ. وهُم عندَ الجماعةِ مُكلَّفُونَ مُخاطَبُونَ، لقولِهِ تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٤]، وقولِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقولِهِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]. ولا يختلِفُونَ أنَّ محمدًا ﷺ رسُولٌ إلى الإنْسِ والجِنِّ، نَذِير وبشيرٌ، هذا مِمّا فُضِّل به على الأنْبِياءِ، أنَّهُ بُعِثَ إلى الخَلْقِ كافَّةً: الجِنِّ والإنسِ، وغيرُهُ لم يُرسل إلّا بلِسانِ قَوْمِهِ، ﷺ . ودليلُ ذلكَ، ما نطقَ به القُرآنُ من دُعائهِم إلى الإيمانِ، بقولِهِ في مواضِع من كِتابِهِ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]. والجِنُّ عندَ أهلِ الكلام وأهلِ العِلم باللِّسانِ يُنَزَّلُونَ على مراتِب، فإذا ذَكَرُوا الواحِد من الجِنِّ خالِصًا، قالوا: جِنِّيٌّ، فإن أرادُوا أنَّهُ مِمَّن يسكُنُ مع النّاسِ، قالوا: عامِرٌ، والجمعُ عُمّارٌ، وإن كان مِمَّن يعرِضُ للصِّبيانِ، قالوا: أرواحٌ، فإن خبُثَ وتَعرَّمَ (١) فهُو شيطانٌ، فإن زادَ على ذلكَ فهُو مارِدٌ، فإن زادَ على ذلكَ وقوي أمرُهُ، قالوا: عِفريتٌ، والجُمعُ عَفاريتٌ. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يُونُس، قال: حدَّثني بَقِيُّ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ،

стр. 3975

قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ السَّهميُّ، عن حاتِم بن أبي صَغِيرةَ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن عائشةَ بنتِ طَلْحةَ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمنينَ، أنَّها قتَلَتْ جانًّا، فأُتِيتْ فيما يَرَى النّائمُ، فقيل لها: أما والله لقد قَتَلتِ مُسلمًا. قال: فقالت: إن كان مُسلِمًا، فلِمَ يدخُلُ على أزواج النَّبيِّ ﷺ ؟ فقيل لها: ما يدخُلُ عليكِ إلّا وعليكِ ثيابُكِ، فأصبَحَتْ فزِعةً، فأمَرَت باثْنَيْ عشَرَ ألفًا، فجُعِلتْ في سبيلِ الله. وروى مالكٌ (٢)، عن صيفيٍّ، عن أبي السّائبِ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إنَّ بالمدينةِ جِنًّا قد أسلمُوا، فإن رأيتُم منهُم شيئًا، فآذِنُوهُ ثلاثةَ أيام، فإن بَدا لكُم بعد ذلكَ فاقتُلُوهُ، فإنَّما هُو شيطانٌ". وقال الله : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن ١ - ٢]. وسيأتي من هذا المعنى بيانٌ أيضًا، وشِفاءٌ في بابِ صيفيٍّ، إن شاءَ الله .

стр. 3976

ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زِيادٍ حديثٌ واحِدٌ عبّادُ بن زيادٍ (١) هذا أظُنُّهُ من ثقيفٍ، من ولدِ أبي سُفيان بن حارِثةَ، وليس ذلكَ عِندي بعِلم حقيقةٍ، وقد قيلَ: إنَّهُ عبّادُ بن زيادِ بن أبي سُفيانَ بن حَرْبِ بن أُميَّةَ، والله أعلم. ويقولون: إنَّ زيادًا استلحَقَ عبّادًا أيضًا. فعبّادُ بن زيادٍ، مُستلحقٌ من مُستلحقٍ، ولا وقفتُ لهُ على وفاةٍ، ولا أعرِفُ لهُ خبرًا (٢)، إلّا أنَّ ابن شِهابٍ روى عنهُ حديثينِ: أحدُهُما: حديثُ المسح على الخُفَّينِ، والآخرُ فيمن يَنْصرِفُ من الصَّلاةِ على أحَدِ شِقَّيهِ. فأمّا الحديثُ الأوَّلُ، فرواهُ مالكٌ، ولم يُقِمهُ، وأفسَدَ إسنادهُ، وأمّا الآخرُ فليسَ عندَ مالكٍ، ولا في رِوايتِهِ.

стр. 3977

وحديثُ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عنهُ: مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، من ولدِ المُغير بن شُعبةَ، عن أبيهِ المُغيرةِ بن شُعبةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذهَبَ لحاجتِهِ في غَزْو تبُوكَ. قال المُغيرةُ: فذهَبتُ مَعهُ بماءٍ، فجاءَ رسُولُ الله ﷺ فسَكَبْتُ عليه الماءَ، فغسَلَ وَجْههُ، ثُمَّ ذهَبَ ليُخرِجَ يَدَيهِ من كمَّي جُبَّتِهِ، فلم يَسْتطِع من ضيقِ كمَّي الجُبَّةِ، فأخْرَجهُما من تحتِ الجُبَّةِ، فغسَلَ يديهِ، ومسَحَ برأسِهِ، ومسَحَ على الخُفَّينِ، فجاءَ النَّبيّ ﷺ وعبدُ الرَّحمنِ بن عوفٍ يؤُمّهُم، وقد صَلَّى بهِمُ رَكْعةً، فصَلَّى رسُولُ الله ﷺ معَهُم الرَّكعةَ (٢) التي بَقِيت، ففزِعَ النّاسُ، فلمّا فرَغَ رسُولُ الله ﷺ من صلاتِهِ، قال: "أحسَنتُم". هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ: عن عبّادِ بن زيادٍ، وهُو من ولَدِ المُغيرةِ بن شُعبةَ. لم يَخْتلِف رُواةُ "المُوطَّأ" عنهُ في ذلكَ (٣)، وهُو وهمٌ وغلطٌ منهُ، ولم يُتابِعهُ أحدٌ من رُواةِ ابن شِهاب، ولا غيرِهِم عليه، وليسَ هُو من ولدِ المُغيرة بن شُعبةَ عندَ جميعِهِم. وزاد يحيى بن يحيى في ذلكَ أيضًا شيئًا لم يَقُلهُ أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأِ" وذلكَ أنَّهُ قال فيه: "عن أبيهِ المُغيرةِ بن شُعبةَ" ولم يَقُل أحدٌ فيما عَلِمتُ في

стр. 3978

إسنادِ هذا الحديثِ: عن أبيهِ. غيرُ يحيى بن يحيى، وسائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ يقولون: عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، وهُو من ولَدِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن المُغيرةِ بن شُعبةَ. لا يقولونَ: عن أبيهِ المُغيرةِ. كما قال يحيى، ولم يُتابِعهُ واحِدٌ منهُم على ذلكَ. كَتَبتُ هذا، وأنا أظُنُّ أنَّ يحيى بن يحيى وهِمَ في قولِهِ: عن أبيهِ، حتّى وَجَدتُهُ لعَبْدِ الرَّحمنِ بن مهديٍّ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، من ولدِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن أبيهِ. كما قال يحيى، ذكرهُ أحمدُ بن حَنْبل (١) وغيرُهُ، عن ابن مهديٍّ، وقد ذكرناهُ. وذكَرَ الدّارقُطنيُّ (٢): أنَّ سعد بن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ قال فيه: عن أبيهِ، كما قال يحيى. قال: وهُو وهم. قال: ورواهُ روحُ بن عُبادةَ، عن مالكٍ، عن الزُهْريِّ، عن عبّادِ بن زيادٍ، عن رَجُلٍ من ولدِ المُغيرةِ، عن المُغيرةِ. قال: فإن كان رَوْحٌ حَفِظَ، فقد أتى بالصَّوابِ. لأنَّ الزُّهْريَّ يَرْويهِ، عن عبّادٍ، عن المُغيرةِ. وإسنادُ هذا الحديثِ من رِوايةِ مالكٍ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ إسنادٌ ليسَ بالقائم، لأنَّهُ إنَّما يَرْويهِ ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، عن عُروةَ وحَمْزةَ ابْنَي المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن أبيهما (٣) المُغيرةِ بن شُعبةَ. ورُبَّما حدَّثَ به ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، عن عُروةَ بن المُغيرةِ، عن أبيهِ. ولا يذكُرُ حَمْزةَ بن المُغيرةِ، ورُبَّما جمَعَ حمزةَ وعُروةَ ابني المُغيرةِ في هذا الحديثِ، عن أبيهِما المُغيرةِ. ورِوايةُ مالكٍ لهذا الحديثِ، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، عن المُغيرةِ، مقطُوعةٌ، وعبّادُ بن زيادٍ لم ير المُغيرةَ، ولم يسمع منهُ شيئًا.

стр. 3979

أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال (١): حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ الله الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، من ولدِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذهَبَ إلى حاجتِهِ في غَزْوةِ تبُوكَ. فذكرهُ سواءً كما في "المُوطَأ". قال مُصعبٌ: وأخَطأ فيه مالكٌ خطأً قبيحًا. أخبرنا به أبو محمدٍ ﵀، وكتبتُهُ من أصلِ سماعِهِ، عن ابن حمدان. وحدَّثنا أيضًا قال: حدَّثنا ابن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): قرأتُ على عبدِ الرَّحمنِ، يعني ابن مهديٍّ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، من ولدِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن أبيهِ المُغيرةِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذهَبَ لحاجتِهِ في غَزْوةِ تبُوكَ. فذكرهُ سواءً كما في "المُوطَّأ" وكتبتُهُ أيضًا من الأصلِ الصَّحيح لأبي محمدٍ ﵀ من أصلِ سماعِهِ. وقد ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) هذا الخبرَ، عن مَعْمرٍ، في كِتابِهِ، عن الزُّهْريِّ، أنَّ المُغيرةَ بن شُعبةَ قال: كُنتُ مع رسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ. وذكر الحديثَ هكذا مقطُوعًا. وأظُنُّ هذا إنَّما أُوتِيَ من قِبَلِ الزُّهْريِّ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ أحمدَ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ حدَّثنا، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم خُشَيشُ بن أصرَمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريُّ، عن عبّادِ بن زيادٍ، عن عُروةَ بن المُغيرةِ بن

стр. 3980

شُعبةَ، عن المُغيرةِ بن شُعبةَ، قال: كُنّا معَ رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فلمّا كانَ في بعضِ الطَّريقِ تخلَّف، وتخلَّفتُ معهُ بالإداوةِ، فتَبرَّزَ، ثُمَّ أتاني فسَكَبْتُ على يَدَيهِ، وذلكَ عندَ صلاةِ الصُّبح، فلمّا غسَلَ وجههُ، وأرادَ غسلَ ذِراعيهِ، ضاقَ كُمّا جُبَّتِهِ، وعليه جُبَّةٌ شاميَّةٌ، قال: فأخرَجَ يديهِ من تحتِ الجُبَّةِ، فغسَلَ ذِراعيهِ، ثُمَّ توضَّأ، ومسَحَ على خُفَّيهِ. قال: ثُمَّ انتهينا إلى القَوْم، وقد صلَّى بهم عبدُ الرَّحمنِ بن عوفٍ رَكْعةً، قال: فذهبتُ أُوذِنُهُ، فقال: "دَعْهُ" فصلَّى النَّبيُّ ﷺ معهُ رَكْعةً، ثُمَّ انصرفَ، فقامَ النَّبيُّ ﷺ فصلَّى رَكْعةً، ففرخ النّاسُ لذلكَ، فقال النَّبيُّ ﷺ حين فرَغَ: "أصَبْتُم". أو قال: "أحْسَنتُمْ" (١). وحدَّثني سعيدُ بن نصرٍ، وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أخي، عن سُليمانَ بن بلالٍ، عن يُونُس، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني عبّادُ بن زيادٍ، عن عُروةَ، وحَمْزةَ ابْنَي المُغيرةِ بن شُعبةَ، أنَّهُما سَمِعا المُغيرةَ بن شُعبةَ يُخبِرُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ توضَّأ على الخُفَّينِ، ثُمَّ صلَّى فيهما (٢). وروى ابن وَهْبٍ في "مُوطَّئه" هذا الحديث، عن مالكٍ ويُونُس (٣) بن يزيد وعَمرِو بن الحارِثِ وابن سَمْعان، أنَّ ابن شِهابٍ أخبرهُم، عن عبّادِ بن زيادٍ، من ولدِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن عُروةَ بن المُغيرةِ بن شُعبةَ، أنَّهُ سمِعَ

стр. 3981

أباهُ يقولُ: سَكَبتُ على رسُولِ الله ﷺ حينَ توضَّأ في غَزْوةِ تبُوكَ، فمسَحَ على الخُفَّينِ (١). ولم يذكُر مالكٌ عُرْوةَ بن المُغيرةِ، ولم يذكُرِ ابن سمعان عبّادًا. هكذا قال ابن وَهْب، عن هؤُلاءِ كلِّهِم، جمعهُم في إسنادٍ واحِدٍ، ولفظٍ واحِدٍ كما تَرَى، إلّا ما خصَّ من ذِكْرِ مالكٍ في عُرْوةَ، وذِكْرِ ابن سمعان، في عبّادِ بن زيادٍ، من ولدِ المُغيرةِ، إلّا من رِوايةِ ابن وَهْبٍ هذه، وإنَّما يُعرفُ هذا لمالكٍ. وأظُنُّ ابن وَهْبٍ حملَ لفظَ بعضِهِم على بعضٍ، وكان يَتَساهلُ في مِثلِ هذا كثيرًا، وقد كان ابن شِهابٍ رُبَّما أرسَلَ الحديث، عن عُروةَ بن المُغيرةِ، ولا يذكُرُ عبّاد بن زيادٍ في ذلكَ، فَمنْ هُنالِكَ لم يذكُرِ ابن سمعان: عبّاد بن زيادٍ، والله أعلمُ. وقد حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن يُونُس، عن الزُّهْريِّ (٢)، عن عُروةَ وحمزةَ ابْنَي المُغيرةِ، أنَّهُما سمِعا المُغيرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . فذكر الحديثَ. قال: إسماعيلُ: لم يذكُرِ ابن أبي أُويسٍ في حديثِهِ عن سُليمان بن بلالٍ: عن عبّادِ بن زيادٍ. وذكرهُ في حديثهِ، عن أخيهِ، عن سُليمان بن بلالٍ. وأمّا صالحُ بن كَيْسانَ، فرواهُ، عن ابن شِهاب، فأتقَنَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن

стр. 3982

أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا سَعْدٌ ويعقوبُ، يعني ابْنَي إبراهيم بن سَعْدٍ، قالا: حدَّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني عبّادُ بن زيادٍ، - قال سعدُ (٢): ابن أبي سُفيانَ - عن عُروةَ بن المُغيرةِ، عن أبيهِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، قال: تخلَّفتُ مع رسُولِ الله ﷺ في غَزْوةِ تبُوكَ، فتَبرَّزَ رسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ دفَعَ إليَّ الإداوةَ، أو قال: ثُمَّ رجَعَ إليَّ ومَعِي الإداوةُ، قال: فَصَببتُ على يدَيْ رسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ اسْتَنثرَ. قال يعقوبُ: ثُمَّ تمضمَضَ، ثُمَّ غسلَ وجههُ ثلاثَ مرّاتٍ، ثُمَّ أرادَ أن يغسِلَ يَدَيهِ، فأرادَ أن يُخرِجهُما من كُمَّي جُبَّتِهِ، فضاقَ عنهُ كُمّاها، فأخرجَ يَدَيهِ من تحتِ الجُبَّةِ، فغسَلَ يَدهُ اليُمنى ثلاث مرّاتٍ، ويدهُ اليُسرَى ثلاث مرّاتٍ، ومسَحَ برأسِهِ، ومسَحَ بخُفَّيهِ، ولم يَنْزِعهُما، ثمَّ عمَدَ إلى النّاسِ، فوجَدهُم قد قدَّمُوا عبد الرَّحمنِ بن عَوْفٍ يُصلِّي بهِم، فأدرَكَ رسُولُ الله ﷺ إحْدَى الرَّكعتينِ، فصلَّى مع النّاسِ الرَّكعةَ الأُخرَى بصلاةِ عبدِ الرَّحمنِ، فلمّا سلَّمَ عبدُ الرَّحمنِ، قامَ رسُولُ الله ﷺ يُتِمُّ صلاتهُ، فأفزَعَ المُسلِمينَ، فأكثرُوا التَّسبيحَ، فلمّا قَضَى رسُولُ الله ﷺ صلاتَهُ، أقبَلَ عليهم فقال: "أحْسَنتُم وأصَبْتُم". يَغبِطُهُم أن صلَّوُا الصَّلاةَ لوَقْتِها. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ ومحمدُ بن

стр. 3983

بكرٍ، قالا: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: حدَّثني ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، أنَّ عُروةَ بن المُغيرةِ بن شُعبةَ أخبرهُ، أنَّ المُغيرةَ بن شُعبةَ أخبرهُ: أنَّهُ غَزا مع رسُولِ الله ﷺ غَزْوةَ تبُوكَ. قال المُغيرةُ: فتبَرَّزَ رسُولُ الله ﷺ . وذكر الحديث إلى آخِرِهِ، بمِثلِ رِوايةِ صالح بن كَيْسانَ. وعندَ ابن شِهابٍ في حديثِ المُغيرةِ هذا إسنادٌ آخرُ، عن إسماعيلَ بن محمدِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وكان لا يُحدِّثُ به عن إسماعيل هذا، لصِغرِ سِنِّهِ إلّا غبًّا (١). وقد رواهُ ابن جُرَيج وابنُ عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن إسماعيلَ بن محمدِ بن سَعدٍ، عن حَمْزةَ بن المُغيرةِ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ (٢). وعندَ ابن جُرَيج الحديثانِ جميعًا. أخبرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أنبأنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣): أخبرنا ابن جُرَيج، قال: حدَّثني ابن شِهاب، عن عبّادِ بن زيادٍ، أنَّ عُروةَ بن المُغيرةِ بن شُعبةَ أخبرهُ، أنَّ المُغيرةَ بن شُعبةَ أخبرَهُ، أنَّه (٤) غَزا مع رسُولِ الله ﷺ

стр. 3984

غَزْوةَ تبُوكَ. قال: فتَبرَّزَ رسُولُ الله ﷺ قِبلَ الغائطِ، فحملتُ معَهُ إداوةً قبلَ صلاةِ الفجرِ، فلمّا رجَعَ رسُولُ الله ﷺ إليَّ، أخذتُ أُهرِقُ على يَدَيهِ من الإداوةِ، فغسَلَ يَدَيهِ ثلاث مرّاتٍ، ثُمَّ تمضمضَ واسْتَنثرَ، ثُمَّ غسَلَ وجههُ، ثُمَّ ذهَبَ يُخرِجُ ذِراعَيْهِ من جُبَّتِهِ، فضاقَ كُمّا جُبَّتِهِ، فأدخَلَ يديهِ في الجُبَّةِ، حتّى أخرجَ ذِراعيهِ من أسفَلِ الجُبَّةِ، فغسَلَ ذِراعيهِ إلى المِرْفقينِ، ثُمَّ توضَّأ على خُفَّيهِ. قال: ثُمَّ أقبلَ، وأقبلتُ معهُ، حتّى نَجِدَهُم قد قدَّمُوا عبد الرَّحمنِ بن عوفٍ يُصلِّي بهِم، فأدرَكَ النَّبيُّ ﷺ إحْدَى الرَّكْعتينِ، وصلَّى مع النّاسِ الرَّكعةَ الآخِرةَ، فلمّا سلَّمَ عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، قامَ رسُولُ الله ﷺ يُتِمُّ صلاتهُ، وأفزَعَ ذلكَ المُسلِمينَ، فأكثرُوا التَّسبيحَ، فلمّا قَضَى النَّبيُّ ﷺ صلاتَهُ، أقبَلَ عليهم، ثُمَّ قال: "أحْسَنتُم" أو قال: "أصَبْتُم". يَغْبِطُهُم أن صلَّوُا الصَّلاةَ لوَقْتِها. قال ابن شِهاب: فحدَّثني إسماعيلُ بن محمدِ بن سعدٍ، عن حمزةَ بن المُغيرةِ، بمِثلِ حديثِ عبّادِ بن زيادٍ، وزاد المُغيرةُ: فأرَدْتُ تأخيرَ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "دَعْهُ". وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، عن ابن جُرَيج، قال: حدَّثني ابن شِهاب، عن إسماعيل بن محمدِ بن سعدٍ، عن حمزةَ بن المُغيرةِ، نحو حديثِ عبّادٍ. قال المُغيرةُ: فأردتُ تأخيرَ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "دَعْهُ". فهذا حديثُ ابن شِهابِ خاصَّةً، وتمهيدُهُ في المسح على الخُفَّينِ، وأمّا طُرُقُ حديثِ المُغيرةِ على الاستِيعابِ، فلا سبيلَ لنا إليها.

стр. 3985

وقد قال أبو بكرٍ البزّارُ: رُوي هذا الحديثُ عن المُغيرةِ من نحوِ سِتِّينَ طريقًا. قال أبو عُمر: وقد روى هذا الحديث، عن عُروةَ بن المُغيرةِ، عن أبيهِ: الشَّعبيُّ، فزادَ فيه حُكمًا جليلًا حسنًا، وذلك اشْتِراطُ طَهارةِ القَدَمينِ بطُهرِ الوُضُوءِ، عندَ إدْخالِهِما الخُفَّينِ، لمن أرادَ المسحَ عليهما بعد الحَدَثِ. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١)، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُس، قال: حدَّثني أبي، عن الشَّعبيِّ، قال: سمِعتُ عُروةَ بن المُغيرةِ بن شُعبةَ يذكُرُ عن أبيهِ، قال: كُنّا مع رسُولِ الله ﷺ في رَكْبٍ، ومعي إداوةٌ، فخرَجَ لحاجتِهِ، ثُمَّ أقبل فتَلقَّيتُهُ بالإداوةِ، فأفْرَغتُ عليه، فغسَلَ كفَّيهِ ووَجْههُ، ثُمَّ أرادَ أن يُخرِج ذِراعيهِ، وعليه جُبَّة من صُوفٍ، من جِبابِ الرُّوم، ضيِّقةُ الكُمَّينِ، فضاقَتْ، فادَّرَعَها (٢) ادِّراعًا، ثُمَّ أهويتُ إلى الخُفَّينِ لأنْزِعهُما، فقال: "دعَ الخُفَّينِ، فإنِّي أدخلتُ القَدَمينِ وهُما طاهِرتانِ". فمسَحَ عليهما. قال (٣) أبي: قال لي الشَّعبيُّ: شَهِدَ لي عُروةُ على أبيهِ، وشَهِدَ أبوهُ على رسُولِ الله ﷺ . وذكرهُ أحمدُ بن حَنْبل (٤)، وغيرُهُ عن وكيع، عن يُونُس بن أبي إسحاق،

стр. 3986

عن الشَّعبيِّ، بإسنادِهِ مِثلهُ سواءً. وكذلك رواهُ مُجالِدٌ، وزكريّا بن أبي زائدةَ، وغيرُهُم، عن الشَّعبيِّ بإسنادِهِ مِثلهُ (١). هذا هُو الأصلُ المُجتمعُ عليه، قال: لا يمسحُ على الخُفَّينِ إلّا من أدخَلَ رِجلَيهِ فيهما طاهِرتينِ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابن الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابن عُمر يقولُ: سألتُ عُمر بن الخَطّابِ ﵁: أيَتَوضَّأُ أحدُنا ورِجْلاهُ في الخُفَّينِ؟ قال: نعم، إذا أدخَلَهُما وهُما طاهِرتانِ (٢). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلّام السَّويقيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الهاشِميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ الثَّقفيُّ، قال: سمِعتُ يحيى بن سعيدٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا هاشِمُ بن القاسِم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ؛ قالا

стр. 3987

جميعًا: أخبرنا سعدُ بن إبراهيم، أنَّ نافِعَ بن جُبيرِ بن مُطْعِم أخبرهُ، أنَّهُ سمِعَ عُروةَ بن المُغيرةِ، يُحدِّثُ عن المُغيرةِ: أنَّهُ كان معَ النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ، وأنَّهُ ذهَبَ في حاجتِهِ، وأنَّ المُغيرةَ جعَلَ يصُبُّ عليه، فتوضَّأ فغسَلَ وجههُ، ومسحَ برأسِهِ، ومسحَ على الخُفَّينِ. هذا لفظُ حديثِ عبدِ الوارِثِ. وفي حديثِ عبدِ الله: ذهَبَ رسُولُ الله ﷺ لبعضِ حاجتِهِ، ثُمَّ جاءَ فسَكَبتُ عليه الماءَ، فغسلَ وجههُ، ثُمَّ ذهَبَ يغسِلُ ذِراعيهِ، فضاقَ عنهُما كُمّا الجُبَّةِ. قال: فأخرَجهُما من تحتِ الجُبَّةِ فغَسَلهُما، ثُمَّ مسحَ على خُفَّيهِ. ذكرتُ هذا الإسنادَ من أجلِ أنَّهُ من رِوايةِ فُقهاءِ المدينةِ. ورواهُ بكرٌ المُزنيُّ، عن حمزةَ بن المُغيرةِ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ (١). ورواهُ الحسنُ البصريُّ، عن حمزةَ أيضًا، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ (٢). ورواهُ عن المُغيرةِ بن شُعبةَ: أبو أُمامةَ الباهِليُّ (٣). وعَمرُو بن وَهْبٍ الثَّقفيُّ؛ رواهُ ابن سيرينَ عن عَمرِو بن وَهْبٍ (٤).

стр. 3988

ورواهُ أيضًا عن المُغيرةِ بن شُعبةَ: عبدُ الرَّحمنِ بن أبي نُعْم (١) (٢)، ومسرُوقُ بن الأجدع (٣)، وقبيصةُ بن بُرمةَ (٤)، وأبو السّائبِ مولى هشام بن زُهرةَ (٥)، وغيرُهُم. وفي حديثِ عَمرِو بن وَهْبٍ الثَّقفيِّ، عن المُغيرةِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ مسَحَ بناصيتِهِ، ومسَحَ على عِمامتِهِ، وعلى خُفَّيهِ. وكذلك في رِوايةِ الحسنِ، وبكرٍ المُزنيِّ، عن حمزةَ بن المُغيرةِ، عن أبيهِ، هذه الزِّيادةُ أيضًا. وحديثُ عَمرِو بن وَهْبٍ الثَّقفيِّ صحيحٌ من رِوايةِ أيُّوب، عن ابن سيرين عنهُ، من حديثِ حمّادِ بن زيد (٦)، وابنِ عُليَّةَ (٧)، وغيرِهِما، وكذلكَ حديثُ بكير، وغيرةِ صِحاحٌ، والحمدُ لله.

стр. 3989

وكلُّهُم يَصِفُ ضيقَ الجُبَّةِ، ويَصِفُ إمامةَ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ. والقِصَّةُ على وجهِها بألفاظٍ مُتقارِبةٍ، ومعنًى واحِدٍ، إلّا قليلٌ منهُم مِمَّنِ اختصر القِصَّةَ، وقصَدَ إلى الحُكم في المسح على الخُفَّينِ، وعلى النّاصيةِ. قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ في هذا البابِ ضُرُوبٌ من معاني العِلم، منها: خُرُوجُ الإمام بنفسِهِ في الغزوِ لجِهادِ عدِوِّه. وكانت غزوةُ تبُوكَ آخِرَ غزوةٍ غزاها رسُولُ الله ﷺ ، وذلكَ في سَنةِ تِسع من الهِجرةِ، وهي المعرُوفةُ بغَزاةِ العُسْرةِ. قال ابن إسحاق: خرجَ رسُولُ الله ﷺ إلى تبُوكَ، فصالحَهُ أهلُ أيْلَةَ، وكتَبَ لهم كِتابًا (١). قال خليفةُ (٢): وقال المدائنيُّ: كان خُرُوجُهُ إليها في غُرَّةِ رجبٍ. ولم يختلِفُوا أنَّ ذلكَ في سَنةِ تِسع. وفيه: آدابُ الخَلاءِ، والبُعدُ عن النّاسِ عندَ حاجَةِ الإنسانِ. وفيه - على ظاهِرِ حديثِ مالكٍ وغيرهِ، وأكثرِ الرِّوايات -: تَرْكُ الاسْتِنجاءِ بالماءِ، مع وُجُودِ الماءِ؛ لأنَّهُ لم يذكُر أنَّهُ اسْتَنجى به، وإنَّما ذكَرَ: أنَّهُ سكَبَ عليه، فغسلَ وجهَهُ. يعني لوُضُوئهِ، وفي غيرِ حديثِ مالكٍ: "فتَبرَّزَ ثُمَّ جاءَ فصببتُ على يدَيهِ من الإداوةِ، فغسلَ كفَّيهِ، وتوضَّأ". وفي حديثِ الشَّعبيِّ، عن عُروةَ بن المُغيرةِ، عن أبيهِ: "فخرجَ لحاجتِهِ، ثُمَّ أقبلَ، فتلقَّيتُهُ بالإداوةِ". فدلَّ على أنَّهُ لم يدفعها إليه. وقد صحَّ أنَّ الإداوةَ كانت مع المُغيرةِ، ولم يُذكر في شيءٍ من الآثارِ: أنَّهُ ناولها رسُولَ الله ﷺ فذهَبَ بها، ثُمَّ لمّا جاءَ رَدَّها إليه، فسكَبَ منها الماءَ عليه،

стр. 3990

بل في قولِهِ: "فتَلقَّيتُهُ بالإداوةِ" تصريحٌ أنَّها كانت مع المُغيرةِ، وأنَّ رسُولَ الله ﷺ تَبرَّز لحاجتِهِ دُونها. وفي ذلكَ ما يُوضِّحُ لكَ: أنَّهُ اسْتَنجى بالأحْجارِ بحَضْرةِ الماءِ، والله أعلمُ. وقد قال ابن جُرَيج، وغيرُهُ في هذا الحديثِ: "فتبرَّزَ لحاجتِهِ قِبَلَ الغائطِ، فحملتُ معهُ إداوةً". وقال معمر: "فتخلَّف، وتخلَّفتُ معهُ بإداوةٍ". فإن صحَّ أنَّ رسُولَ الله ﷺ اسْتَنجى بالماءِ يومئذٍ، في نَقْلِ من يُقبلُ نقلُهُ، وإلّا فالاسْتِدلالُ من حديثِ مالكٍ، وما كان مِثلهُ صحيحٌ، فإنَّ في هذا الحديثِ تركُ الاستِنجاءِ بالماءِ، والعُدُول عنهُ إلى الأحْجارِ، مع وُجُودِ الماءِ. وقد نزعَ بنحوِ هذا الاسْتِدلالِ جماعةٌ من الفُقهاءِ، وزَعَمت منهُم طائفةٌ، بأنَّ في هذا الحديثِ الاسْتِنجاءَ بالماءِ، لما ذكرنا من ألفاظِ بعضِ النّاقِلين لهُ بذلكَ، وذلكَ اسْتِدلالٌ أيضًا، لا نصٌّ. وأيَّ الأمرينِ كانَ، فإنَّ الفُقهاءَ اليومَ مُجمِعُون على أنَّ الاسْتِنجاءَ بالماءِ أطهرُ، وأطيبُ، وأنَّ الأحجار رُخصةٌ، وتَوْسِعةٌ، وأنَّ الاسْتِنجاءَ بها جائزٌ في السَّفرِ، والحَضَرِ. وقد مَضَى القولُ في الاسْتِنجاءِ فيما مَضَى من كِتابِنا (١)، والحمدُ لله. وفيه: إباحةُ لُبسِ الضَّيِّقِ من الثِّيابِ، بل ذلكَ يَنْبغي أن يكونَ مُسْتحبًّا مُسْتَحسنًا في الغزوِ، لما في ذلكَ من التَّأهُّبِ، والانْشِمارِ (٢)، والتَّأسِّي برسُولِ الله ﷺ ، ولِباسُ مِثلِ ذلكَ في الحَضَرِ عندي ليسَ به بأسٌ.

стр. 3991

وفيه: أنَّ العملَ الخفيفَ في الغُسلِ، والوُضُوءِ، لا يُوجِبُ اسْتِئنافهُ، وكذلكَ كلُّ عملٍ إذا كان صاحِبُهُ آخِذًا في طَهارتهِ، ولم يترُكها انْصِرافًا عنها إلى غيرِها، كاسْتِقاءِ الماءِ، وغَسْلِ الإناءِ، وشِبْهِ ذلكَ، فإن أخَذَ المُتوضِّئُ في غيرِ عملِ الوُضُوءِ وترَكَهُ، استأنفَ الوُضُوءَ من أوَّلِهِ، إلّا أن يكون شيئًا خفيفًا جِدًّا، فإن كان شيئًا خفيفًا، فهُو مُتَجاوَزٌ عنهُ إن شاءَ الله، ولا يَنْبغي لأحدٍ أن يُدخِلَ على نفسِهِ شُغلًا، وإن قلَّ، وهُو يتوضَّأُ، حتّى يفرغَ من وُضُوئهِ. وفيه: أن لا بأس بالفاضِلِ من الرِّجالِ والعالِم والإمام، أن يُخدَمَ، ويُعانَ على حَوائجِهِ. وفيه: أنَّهُ لا بأسَ أن يُصَبَّ على المُتوضِّئ فيَتَوضَّأ، وذلكَ عِندي، واللهُ أعلمُ، إذا كان الإناءُ لا يَتَهيَّأُ أن يُدخِلَ المُتوضِّئُ يَدَهُ فيهِ. وفيه: إذا خِيفَ فوتُ وقتِ الصَّلاةِ، أو فوتُ الوقتِ المُختارِ منها، لم يُنتظرِ الإمامُ لها، ولا غيرُهُ، فاضِلًا كان، أو عالمًا، أو لم يكُن. وقدِ احتجَّ الشّافِعيُّ (١) بأنَّ أوَّل الوقتِ أفضلُ بهذا الحديثِ، وقال: معلُومٌ أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يكُن ليَشْتغِلَ حتّى يخرُجَ الوقتُ كلُّهُ. وقال: لو أُخِّرتِ الصلاةُ لشيءٍ من الأشياءِ عن أوَّلِ وقتِها، لأُخِّرت لإقامةِ رسُولِ الله ﷺ ، وفَضْلِ الصَّلاةِ معهُ، إذ قدَّمُوا عبد الرَّحمنِ بن عوفٍ في السَّفرِ. وفيما قال من ذلكَ عِندي نظرٌ. وفيه: أنَّ تَحرِّي المُسلِمين بأن يُقدِّمُوا إمامًا بغيرِ إذْنِ الوالي. ومنها: أن يأتمَّ الإمامُ والوالي، من كان، برجُلٍ من رعيَّتِهِ.

стр. 3992

ومنها: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى مع عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ ركعةً، وجلسَ معهُ في الأُولى، ثُمَّ قامَ فقَضى. وفيه: فضلُ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، إذ قدَّمَهُ جماعةُ الصحابةِ في ذلكَ المَوْضِع لصلاتِهِم، بدلًا من نبيِّهِم ﷺ . وفيه: صلاةُ الفاضِلِ خلفَ المفضُولِ. وفيه: حمدُ من بدَّرَ إلى أداءِ فَرْضِهِ، وشُكرُهُ على ذلكَ، وتحسينُ فِعلِهِ. وفيه: الحُكمُ الجليلُ، الذي به فُرِّقَ بين أهلِ السُّنَّةِ وأهلِ البِدَع، وهُو المسحُ على الخُفَّينِ، لا يُنكِرُهُ إلّا مخذُولٌ أو مُبتدِع، خارجٌ عن جماعةِ المُسلِمينَ، أهلِ الفِقهِ والأثَرِ، لا خِلافَ بينهُم في ذلكَ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، وسائرِ البُلدانِ، إلّا قومًا ابتدعُوا فأنكرُوا المسحَ على الخُفَّينِ، وقالوا: إنَّهُ خِلافُ القُرآنِ، وعَسَى القُرآنُ نَسَخهُ، ومعاذَ الله أن يُخالِفَ رسُولُ الله ﷺ كِتاب الله، بل بيَّنَ مُرادَ الله منهُ، كما أمَرَهُ الله في قولِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. والقائلُونَ بالمسح جُمهُورُ الصَّحابةِ، والتّابِعين، وفُقهاءُ المُسلِمين قديمًا، وحديثًا، وكيف يُتوَهَّمُ أنَّ هؤُلاءِ جازَ عليهم جهلُ معنى القُرآنِ؟ أعاذَنا الله من الخِذلانِ. روى ابن عُيينةَ، والثَّوريُّ (١)، وشُعبةُ، وأبو مُعاويةَ، وغيرُهُم، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن همّام بن الحارِثِ قال: رأيتُ جَريرًا يتوضَّأُ من مِطْهرةٍ، ومسَحَ على

стр. 3993

خُفَّيهِ، فقيل لهُ: أتَفْعلُ هذا؟ فقال: وما يَمْنعُني أن أفعلهُ، وقد رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يفعلُهُ. قال إبراهيمُ: فكانُوا، يعني أصحاب عبدِ الله وغيرهُم، يُعجِبُهُم هذا الحديثُ، وَيسْتبشِرُونَ به، لأنَّ إسلامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائدةِ (١). وعن حمّادِ بن أبي سُليمان، عن رِبعيِّ بن حِراشٍ (٢)، عن جريرِ بن عبدِ الله قال: وضَّأتُ رسُولَ الله ﷺ فمسَحَ على خُفَّيهِ، بعدَما أُنزِلت سُورةُ المائدةِ (٣). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، بإسنادِهِ، عن مُسدَّدٍ، قالا: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن همّام بن الحارِثِ، قال: رأيتُ جريرَ بن عبدِ الله يتوضَّأُ من مِطْهرةٍ، ومسحَ على خُفَّيهِ، فقالوا: أتمسحُ على خُفَّيكَ؟ فقال: إنِّي رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يمسحُ على خُفَّيهِ. وكان هذا الحديثُ يُعجِبُ أصحاب عبدِ الله، يقولون: إنَّما كان إسلامُهُ بعد نُزُولِ المائدةِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ، قال:

стр. 3994

حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي ﵀، قال (١): حدَّثنا أبو (٢) مُعاويةُ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن همّام، قال: بالَ جريرُ بن عبدِ الله، ثُمَّ توضَّأ ومسَحَ على خُفَّيهِ، فقيلَ لهُ: آلفْعلُ هذا وقد بُلْتَ؟ فقال: نعَمْ، رأيتُ رسُولَ الله ﷺ بالَ، ثُمَّ توضَّأ ومسحَ على خُفَّيهِ. قال إبراهيمُ: وكان يُعجِبُهُم هذا الحديثُ، لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعد نُزُولِ سُورةِ المائدةِ. وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُليمانَ، عن إبراهيمَ، عن همّام بن الحارِثِ، عن جريرٍ: أنَّهُ بالَ ثُمَّ توضَّأ ومسحَ على خُفَّيهِ، وصلَّى، فسُئلَ عن ذلكَ، فقال: رأيتُ رسُول الله ﷺ صنَعَ مِثلَ هذا. وكان يُعجِبُهُم هذا الحديثُ، من أجْلِ أنَّ جَرِيرًا كان من آخِرِ من أسلَمَ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤):

стр. 3995

حدَّثنا عليُّ بن الحُسينِ (١) الدِّرهميُّ، قال: حدَّثنا ابن (٢) داود، عن بُكيرِ بن عامِرِ، عن (٣) أبي زُرعةَ بن عَمرِو بن جريرٍ: أنَّ جريرًا بالَ، ثُمَّ توضَّأ ومسحَ على الخُفَّينِ، فقيل لهُ في ذلكَ، فقال: ما يَمْنعُني أن أمسحَ، وقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يمسحُ. قالوا: إنَّما كان ذلكَ قبل نُزُولِ المائدةِ. قال: ما أسلمتُ إلّا بعد نُزُولِ المائدةِ. ورَوَى عن النَّبيِّ ﷺ المسح على الخُفَّينِ نحوُ أربعينَ من الصَّحابةِ، واستفاضَ وتواترَ، وأتت به الفِرقُ، إلّا أنَّ بعضهُم زعَمَ أنَّهُ كان قبل نُزُولِ المائدةِ، وهذه دعْوَى لا وجْهَ لها ولا مَعْنَى. وقد رُوي عن الحَسَنِ البصريِّ ﵀ قال: أدركتُ سبعينَ رجُلًا من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، كلُّهُم يَمْسحُ على خُفَّيهِ (٤). وعمِلَ بالمسح على الخُفَّينِ: أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعُثمانُ، وعلي، وسائرُ أهلِ بدرٍ، والحُديبيةِ، وغيرُهُم من المُهاجِرين، والأنصارِ، وسائرِ الصَّحابةِ، والتّابِعين أجمعينَ، وفُقهاءِ المُسلِمينَ في جميع الأمصارِ، وجَماعةِ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، كلُّهُم يُجيزُ المسحَ على الخُفَّينِ في الحَضَرِ والسَّفرِ، للرِّجالِ والنِّساءِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الخيارِ الحِمصيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، قال: حدَّثني سُفيانُ بن سعيدٍ الثَّوريُّ، قال: مسحَ رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمرُ بن الخطّابِ، وعُثمانُ بن عفّانَ، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وسعدُ بن

стр. 3996

أبي وقّاصٍ، وأبو عُبيدةَ بن الجرّاح، وأبو الدَّرداءِ، وزيدُ بن ثابِتٍ، وقيسُ بنُ سعدِ بن عُبادةَ، وعبدُ الله بن عبّاسٍ، وحُذيفةُ بن اليَمانِ، وعبدُ الله بن مسعُودٍ، وأبو مُوسى الأشعريُّ، وأبو مسعُودٍ الأنصاريُّ، وخُزيمةُ بن ثابِتٍ الأنصاريُّ، والبراءُ بن عازِبٍ، وأبو أيُّوب الأنصاريُّ، وأنسُ بن مالكٍ، وعبدُ الله بن عَمرِو بن العاص، والمُغيرةُ بن شُعبةَ، وصفوانُ بن عسّالٍ، وفَضالةُ بن عُبيدٍ الأنصاريُّ، وجريرُ بن عبدِ الله البجليُّ. قال أبو عُمر: مِمَّن روينا عنهُ أنَّهُ مسحَ على الخُفَّينِ، وأمرَ بالمَسْح عليهما في الحَضَرِ، والسَّفرِ، بالطُّرُقِ الحِسانِ، من "مُصنَّفِ" ابن أبي شيبةَ (١)، و"مُصنَّفِ" عبدِ الرَّزّاقِ (٢): عُمرُ بن الخطّابِ، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بن عوفٍ، وسعدُ بن أبي وقّاصٍ، وابنُ مسعُودٍ، وابنُ عُمر، وابنُ عبّاسٍ، وأنسُ بن مالكٍ، والبَراءُ بن عازِبٍ، وحُذيفةُ بن اليَمانِ، والمُغيرةُ، وسَلْمانُ (٣)، وبلالٌ، وخُزَيمةُ بن ثابِتٍ، وعَمرُو بن أبي أُميَّةَ، وعبدُ الله بن الحارِثِ بن جَزْءٍ الزُّبيديُّ (٤)، وأبو أيُّوب، وجرير، وأبو مُوسى، وعمّارٌ، وسهلُ بن سعدٍ، وأبو هُريرةَ.

стр. 3997

ولم يُرو عن غيرِهِم منهُم خِلافٌ، إلّا شيءٌ لا يثبُتُ عن عائشةَ، وابن عبّاسٍ، وأبي هُريرةَ (١). أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: عبدُ الله بن يُونُس، قال: حدَّثنا ابنُ مخلدٍ (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا ابن إدريسَ، يعني عبد الله بن إدريسَ الأوديَّ (٤)، عن فِطْرٍ، قال: قلتُ لعَطاءٍ: إنَّ عِكْرِمةَ يقولُ: قال ابن عبّاسٍ: سبقَ الكِتابُ الخُفَّينِ. قال عَطاءٌ: كذبَ (٥) عِكرِمةُ، أنا رأيتُ ابن عبّاسٍ يَمْسحُ عليهما. وروى أبو زُرعةَ بن عَمرِو بن جريرٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ كان يَمْسحُ على خُفَّيهِ، ويقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أدخَلَ أحدُكُم رِجْلَيهِ في خُفَّيهِ وهُما طاهِرتانِ، فَلْيمسَحْ عليهما" (٦). وذكَرَ الأثرمُ، قال: سِمعتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمد بن حَنْبل، يقولُ فيمن تأوَّلَ: إنَّهُ لا بأسَ أن يُصلَّى خلفهُ، إذا كان لتأويلِهِ وَجْهٌ في السُّنَّةِ. وقال أبو عبدِ الله: أرأيتَ لو أنَّ رَجُلًا لم يَرَ المسحَ على الخُفَّينِ، فقد كان مالكٌ لا يَرَى المسحَ على الخُفَّينِ في الحَضَرِ، لا يَنْبغي أن يُصلَّى خَلْفهُ؟ قال: بلى. ثُمَّ قال: لو أنَّكَ لم تَرَ أن تمسَحَ، وصلَّى بِكَ رجُلٌ يَرَى المسحَ، ألم تَكُن تُصلِّي خلفهُ؟ ثُمَّ قال: لو أنَّ

стр. 3998

رَجُلًا لم ير الوُضُوءَ من الدَّم الخارج من الجَسَدِ، ثُمَّ صلَّى، ألم تُصلِّ خلفهُ؟ ثُمَّ قال: نحنُ نَرَى الوُضُوءَ من الدَّم، أفلا نُصلِّي خلفَ سعيدِ بن المُسيِّبِ، ومالكٍ مِمَّن سهَّلَ الوُضُوءَ من الدَّم؟ قال: بلى نُصلِّي. ثُمَّ قال: قد رُوي عن أبي هُريرةَ أنَّهُ لا يَمْسحُ، وعن ابن عبّاسٍ، وعائشةَ، وأبي أيُّوبَ. قيل لأبي عبدِ الله: فإن قال رجُلٌ: أنا أذهبُ إلى حديثِ أبي أيُّوب: حُبِّبَ إليَّ الغَسْلُ (١). قال: نحنُ لا نذهبُ إلى قولِ أبي أيُّوب، ولكن لو ذهَبَ إليه ذاهِبٌ، صلَّينا خلفهُ. قال: إلّا أن يترُك رَجُلٌ المسحَ، من أهلِ البِدَع من الرّافِضةِ، الذينَ لا يمسحُونَ، وما أشْبَههُم (٢)، فهذا لا نُصلِّي خلفهُ. أخبرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّ ابن عُمرَ رأى سعدَ بن أبي وقّاصٍ يمسحُ على خُفَّيهِ، فأنكَرَ ذلكَ عبدُ الله، فقال سعدٌ: إنَّ عبدَ الله أنكَرَ عليَّ أن أمسحَ على خُفَّيَّ. فقال عُمرُ: لا يَخْتلِجنَّ في نفسِ رجُلٍ مُسلم أن يَتَوضَّأ على خُفَّيهِ، وإن جاءَ من الغائطِ. قال (٤): وأخبرنا مَعْمر، عن أبي إسحاقَ، عن أبي سلَمةَ بن عبد الرَّحمنِ،

стр. 3999

أنَّ عُمرَ قال لعبدِ الله بن عُمرَ: عمُّكَ أعلمُ منكَ، يعني سعد بن أبي وقّاصٍ، إذا أدخلتَ رجليكَ في الخُفَّينِ وهُما طاهرتانِ، فامسَحْ عليهما، وإن جئتَ من الغائطِ. قال (١): وأخبرنا ابن جُرَيج، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابن عُمرَ، قال: أنكرتُ على سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وهو أميرٌ بالكُوفةِ المسحَ على الخُفَّين، فقال: أوَ عليَّ في ذلك بأسٌ؟ وهو مقيمٌ بالكُوفةِ، قال عبد الله: فلمّا قال ذلكَ، عرفتُ أنَّهُ يعلمُ من ذلكَ ما لا أعلمُ، فلم أرجِعْ إليه شيئًا، فلمّا الْتَقينا عندَ عُمرَ، قال سعدٌ (٢): اسْتَفتِ أباكَ فيما أنكرتَ عليَّ في شأنِ الخُفَّينِ، فقلتُ لهُ: أرأيتَ أحدَنا إذا توضَّأ وفي رِجْليهِ الخُفّانِ، في ذلكَ بأسٌ أن يمسَحَ عليهما؟ فقال عُمرُ: لا. فقلتُ: وإن ذهَبَ أحدُنا إلى الغائطِ، ليسَ عليه في ذلكَ بأسٌ أن يمسحَ عليهما؟ قال ابن جُرَيج: وأخبرنا أبو الزُّبير، قال: سمعتُ ابن عُمرَ يُحدِّث بمثل حديث نافع إيّاي، وزادَ عن عُمرَ: إذا أدخلتَ رِجْليكَ فيهما، وأنتَ طاهرٌ. وكان ابن عُمرَ يُفتي بذلكَ، ويعمَلُ به إلى أن ماتَ، من رواية مالكٍ (٣)، عن نافع، عنه. ومن روايةِ ابن جُرَيج، ومَعْمرٍ، عن ابن شهاب عن سالم، عنه (٤). ولا أعلمُ في الصَّحابةِ مُخالفًا، إلّا شيءٌ لا يصحُّ عن عائشةَ، وابن عبّاس، وأبي هُريرةَ، وقد رُوي عنهم من وجُوهٍ خلافُهُ في المسح على الخُفَّينِ، وكذلكَ لا أعلمُ في التّابعينَ أحدًا يُنكرُ ذلك، ولا في فُقهاء المسلمينَ، إلّا روايةً جاءت (٥)

стр. 4000

عن مالكٍ، والرِّوايات الصِّحاح عنه بخلافهِ، وهي مُنكرة يدفعُها "موطؤه" وأُصولُ مذهبه. أخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله (١) بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٢): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا بُكيرُ بن عامِرِ، عن ابن أبي نُعْم (٣)، عن المُغيرةِ بن شُعْبةَ، قال: كُنتُ معَ النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فقَضَى حاجتهُ وتوضَّأ، ومسَحَ على خُفَّيهِ، قلتُ: يا رسُولَ الله، نَسِيتَ؟ قال: "بل أنتَ نسيتَ، بهذا أمَرَني ربِّي". وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ، قال: حدَّثني أبي، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا بُكيرٌ، عن (٥) عبدِ الرَّحمنِ بن أبي نُعْم، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن شُعبةَ: أنَّهُ سافرَ معَ رسُولِ الله ﷺ فذكر الحديثَ وفيه: وتَوَضَّأ ومسَحَ على خُفَّيهِ، فقلتُ: يا نَبِيَّ الله، نسيتَ، لم تَخْلع خُفَّيكَ، قال: "كلا، بل أنتَ نَسِيتَ، بهذا أمرني رَبِّي". وقد احتَجَّ بعض من لم يَرَ المسحَ في الحَضرِ، بحديث شُريح بن هانئٍ، أنَّهُ سألَ عائشةَ عن المسح على الخُفَّينِ، فقالت له: سَلْ عليًّا، فإنَّهُ كانَ يغزُو مع رَسُولِ الله ﷺ .

стр. 4001

ولم يُنعم النَّظرَ (١) من احتَجَّ بهذا، أو سامَحَ نفسَهُ في احتجاجهِ ببعضِ الحديثِ، وتَركِ بعضهِ. وفي هذا الحديثِ: المسحُ بالحضَرِ والسَّفرِ، والتَّوقيتُ في ذلكَ أيضًا. فكيفَ يَسُوغُ لعاقلٍ أن يحتَجَّ بحديثٍ موضعُ الحُجَّة منه عليه، لا لهُ. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن شُعْبةَ، عن الحَكَم، عن (٢) القاسم بن مُخَيمِرةَ، عن شُرَيح بن هانئ، قال: سألتُ عائشةَ ﵂ عن المسح على الخُفَّينِ، فقالت: اسألُوا عليَّ بن أبي طالبٍ، فإنَّهُ كان يَغْزُو مع رسُولِ الله ﷺ ، فسألتُهُ، فقال: قال رَسُول الله ﷺ : "ثلاثةُ أيام بلَياليهِنَّ للمُسافِرِ، ويومٌ وليلةٌ للمُقيم" (٣). وكذلكَ رواهُ أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن الحَكَم، بهذا الإسْنادِ مرفُوعًا (٤). وكذلكَ رواهُ المِقْدامُ بن شُرَيح، عن أبيهِ، مرفُوعًا (٥).

стр. 4002

ومن رَفَعهُ أحفظُ وأثبتُ وأرفَعُ ممَّن وقَفهُ، على أنَّ توقيفَهُ عندي فُتيا به واستعمالٌ له، فكيف يكونُ قدْحًا فيه. وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن أبي إسحاقَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ ابن عُمرَ، قال: لا يحيكَنَّ في صَدْرِ امرِئ المسحُ على الخُفَّينِ، وإن جاءَ من الغائطِ، فإنِّي كُنتُ من أشَدِّ النّاسِ في المسح (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، حدَّثنا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهر أحمدُ بن عَمرٍو، قال: وحدَّثني عبدُ الله بن نافِع، عن داود بن قَيْسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ دارَ رجُل، فتَوَضَّأ ومسَحَ على خُفَّيهِ (٢). قال ابن وضّاح: قلتُ لأبي عليٍّ عبدِ العزيزِ بن عِمرانَ بن مِقلاصٍ: أمَسَحَ رسُولُ الله ﷺ على خُفَّيهِ في الحَضَرِ؟ قال: نعم. ثُمَّ حدَّثني بهذا الحديثِ، عن الشّافِعيِّ (٣)، عن (٤) عبدُ الله بن نافِع، بإسنادٍ مِثلهُ. قال ابن وضّاح: وقال لي أبو مُصعبٍ: دار رجُلٍ بالمدينةِ. وقال لي زيدُ بن بشرٍ، عن ابن وَهْب: قد مسحَ رسُولُ الله ﷺ بالسَّفرِ والحَضَرِ.

стр. 4003

قال أبو عُمرَ: حديثُ ابن نافع هذا معرُوفٌ عندَ أهلِ المدينةِ ومصرَ، رواهُ ثقاتُ الفُقهاء. حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن نُصَيْر ومحمدُ بن إبراهيم بن سعيد وخلفُ بن أحمدَ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، وسعيدُ بن خُمَيرٍ (١)، قالا: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن الحكم، قال: أخبرنا عبدُ الله بن نافِع، قال: أخبرنا داودُ بن قَيْسٍ، عن زَيْدِ بن أسلَمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله ﷺ الأسوافَ (٢)، فذهَبَ لحاجتِهِ، ثُمَّ خرجَ. قال أُسامةُ: فسألتُ بلالًا ما صنَعَ؟ قال: ذهَبَ النَّبيُّ ﷺ لحاجتِهِ، ثُمَّ توضَّأ، فغسَلَ وجههُ وَيديهِ، ومسحَ برأسِهِ، ومسَحَ على الخُفَّينِ (٣). قال محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم: هذا صحيح في المسح بالحَضَرِ، والأسوافُ موضِعٌ بالمدينةِ. وأخبرني عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحيمٌ وسُليمانُ بن داود، عن ابن نافِع، عن داودَ بن قَيْسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أُسامةَ بن زَيْدٍ. فذكَرَ الحديث مِثلهُ سَواءً. وأخبرنا أحمدُ بن قاسِم، ويعيشُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ بن مِرداسٍ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى،

стр. 4004

قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نافِع، عن داود بن قَيْسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله ﷺ وبِلالٌ الأسوافِ (١)، قال: فذهبَ لحاجتِهِ، ثُمَّ خرجا. قال أُسامةُ: فسألتُ بلالًا: ما صنَعَ؟ فقال بلالٌ: ذهَبَ ﵇ لحاجتِهِ، ثُمَّ توضَّأ، فغسَلَ وجههُ ويديهِ، ومسحَ برأسِهِ، ومسحَ الخُفَّينِ (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُس، عن الأعْمَشِ، عن أبي وائل، عن حُذيفةَ بن اليَمانِ، قال: كُنتُ أمْشي مع النَّبيِّ ﷺ بالمدينةِ، فانْتَهى إلى سُباطةِ قوم، فبالَ قائمًا فتَنحَّيتُ، فدَعاني فجِئتُ، فأُتي بماءٍ، فتوضَّأ ومسحَ على الخُفَّينِ (٣). قال ابن وضّاح: هكذا قال عيسى بن يُونُس: بالمدينةِ. وخالفهُ أصحابُ الأعمشِ: أبو مُعاويةَ (٤)، ووكيعٌ (٥)، وسُفيانُ (٦)، وجريرٌ، لا يقولونَ: بالمدينةِ.

стр. 4005

قال ابن وضّاح: والسُّباطةُ: المَزْبلةُ، والمَزابِلُ لا تكُونُ إلا في الحَضَرِ، والله أعلمُ. قال أبو عُمرَ: عيسى بن يُونُسَ ثقةٌ حافظٌ، ليسَ يرويهِ غيرهُ، وقد زادَ ما أخَلَّ بهِ (١) غيرُهُ، وزيادةُ مثلهِ واجبٌ قبُولهُا، وليسَ في الأُصولِ ما يدفعُ ما جاءَ به، بل النّاسُ عليه. واختلَفَ الفُقَهاءُ في كيفيةِ المسح على الخُفَّين (٢). فقال مالكٌ والشّافعيُّ: يمسحُ ظُهورهُما وبطُونَهُما. وهو قولُ ابن عُمرَ، وابن شهابٍ (٣). ذكر عبد الرزّاق (٤) عن ابن جُرَيج، قال: قال لي نافع: رأيتُ ابن عُمرَ يمسحُ على ظُهورهما وبطُونهما. قال (٥): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ: أنَّهُ كان إذا توضَّأ على خُفَّيهِ، يضعُ إحْدَى يديهِ فوقَ الخُفِّ، والأُخْرَى تحت الخُفِّ. وذكَرَ مالكٌ (٦)، عن ابن شِهاب، أنَّهُ سُئلَ عن كَيْفيةِ المسح على الخُفَّينِ. فأجابهُ بنحو ما حكاهُ عنهُ مَعْمر. وقال مالكٌ، والشّافعيِّ: إن مسَحَ ظُهورَهُما دُونَ بُطُونهما، أجْزَأهُ. إلّا أنَّ مالكًا قال: من فعلَ ذلك، يُعيدُ في الوقتِ (٧).

стр. 4006

قال: ومن مسَحَ باطنَ الخُفَّينِ دُونَ ظاهرِهما، لم يُجْزِئه، وكان عليه الإعادةُ في الوقتِ وبعدَهُ عندَ مالكٍ وجميع أصْحابه. إلّا شيئًا رُوي عن أشهبَ، أنَّهُ قال: باطنُ الخُفَّينِ وظاهرُهما سواءٌ، ومن مسَحَ باطنهما دُونَ ظاهرهما، أعادَ في الوقتِ، كمَنْ مسَحَ ظُهورهُما سواءً (١). وقال عبد الله بن نافع: من مسح ظهورهما ولم يمسح بطونهما، أعاد في الوقت وبعده. والمشهورُ من قولِ الشّافعيِّ: أنَّ من مسَحَ ظُهورَهُما، واقتصرَ على ذلكَ أجْزَأهُ، ومن مسَحَ باطنهما دُونَ ظاهِرِهما، لم يُجزِئه، وليسَ بماسح. مثلُ قول مالكٍ سواءً. وله قولٌ آخر مثلَ قولِ أشهبَ: إن مسَحَ بُطونَهُما، ولم يمسَحْ ظُهورَهُما، أجْزَأهُ. والصَّحيحُ في مذهبهِ أنَّ أعْلَى الخُفِّ يُجْزئُ عن أسفلهِ، ولا يُجزئُ مسحُ أسفلهِ. وتمامُ المسح عندَهُ: أن يمسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسفلَهُ. وحُجَّة مالكٍ، والشّافعيِّ في مسح أعْلَى الخُفِّ وأسفلِهِ ما: حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا ثورٌ، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ، عن كاتِبِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن المُغيرةِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ توضَّأ، فمسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسفلَهُ.

стр. 4007

وقال أبو بكرٍ الأثْرَمُ: سألتُ أحمدَ بن حَنْبل، عن هذا الحديثِ، فقال: ذكرتُهُ لعبدِ الرَّحمنِ بن مهدي، فذكَرَ عن ابن المُباركِ، عن ثورٍ، قال: حُدِّثتُ عن رجاءِ بن حَيْوةَ، عن كاتبِ المُغيرةِ، وليسَ فيه المُغيرةُ (١).
следующие страницы →