← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4003–4042 · переход к 4008.

стр. 4003

قال أبو عُمرَ: حديثُ ابن نافع هذا معرُوفٌ عندَ أهلِ المدينةِ ومصرَ، رواهُ ثقاتُ الفُقهاء. حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن نُصَيْر ومحمدُ بن إبراهيم بن سعيد وخلفُ بن أحمدَ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، وسعيدُ بن خُمَيرٍ (١)، قالا: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن الحكم، قال: أخبرنا عبدُ الله بن نافِع، قال: أخبرنا داودُ بن قَيْسٍ، عن زَيْدِ بن أسلَمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله ﷺ الأسوافَ (٢)، فذهَبَ لحاجتِهِ، ثُمَّ خرجَ. قال أُسامةُ: فسألتُ بلالًا ما صنَعَ؟ قال: ذهَبَ النَّبيُّ ﷺ لحاجتِهِ، ثُمَّ توضَّأ، فغسَلَ وجههُ وَيديهِ، ومسحَ برأسِهِ، ومسَحَ على الخُفَّينِ (٣). قال محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم: هذا صحيح في المسح بالحَضَرِ، والأسوافُ موضِعٌ بالمدينةِ. وأخبرني عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحيمٌ وسُليمانُ بن داود، عن ابن نافِع، عن داودَ بن قَيْسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أُسامةَ بن زَيْدٍ. فذكَرَ الحديث مِثلهُ سَواءً. وأخبرنا أحمدُ بن قاسِم، ويعيشُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ بن مِرداسٍ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى،

стр. 4004

قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نافِع، عن داود بن قَيْسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله ﷺ وبِلالٌ الأسوافِ (١)، قال: فذهبَ لحاجتِهِ، ثُمَّ خرجا. قال أُسامةُ: فسألتُ بلالًا: ما صنَعَ؟ فقال بلالٌ: ذهَبَ ﵇ لحاجتِهِ، ثُمَّ توضَّأ، فغسَلَ وجههُ ويديهِ، ومسحَ برأسِهِ، ومسحَ الخُفَّينِ (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُس، عن الأعْمَشِ، عن أبي وائل، عن حُذيفةَ بن اليَمانِ، قال: كُنتُ أمْشي مع النَّبيِّ ﷺ بالمدينةِ، فانْتَهى إلى سُباطةِ قوم، فبالَ قائمًا فتَنحَّيتُ، فدَعاني فجِئتُ، فأُتي بماءٍ، فتوضَّأ ومسحَ على الخُفَّينِ (٣). قال ابن وضّاح: هكذا قال عيسى بن يُونُس: بالمدينةِ. وخالفهُ أصحابُ الأعمشِ: أبو مُعاويةَ (٤)، ووكيعٌ (٥)، وسُفيانُ (٦)، وجريرٌ، لا يقولونَ: بالمدينةِ.

стр. 4005

قال ابن وضّاح: والسُّباطةُ: المَزْبلةُ، والمَزابِلُ لا تكُونُ إلا في الحَضَرِ، والله أعلمُ. قال أبو عُمرَ: عيسى بن يُونُسَ ثقةٌ حافظٌ، ليسَ يرويهِ غيرهُ، وقد زادَ ما أخَلَّ بهِ (١) غيرُهُ، وزيادةُ مثلهِ واجبٌ قبُولهُا، وليسَ في الأُصولِ ما يدفعُ ما جاءَ به، بل النّاسُ عليه. واختلَفَ الفُقَهاءُ في كيفيةِ المسح على الخُفَّين (٢). فقال مالكٌ والشّافعيُّ: يمسحُ ظُهورهُما وبطُونَهُما. وهو قولُ ابن عُمرَ، وابن شهابٍ (٣). ذكر عبد الرزّاق (٤) عن ابن جُرَيج، قال: قال لي نافع: رأيتُ ابن عُمرَ يمسحُ على ظُهورهما وبطُونهما. قال (٥): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ: أنَّهُ كان إذا توضَّأ على خُفَّيهِ، يضعُ إحْدَى يديهِ فوقَ الخُفِّ، والأُخْرَى تحت الخُفِّ. وذكَرَ مالكٌ (٦)، عن ابن شِهاب، أنَّهُ سُئلَ عن كَيْفيةِ المسح على الخُفَّينِ. فأجابهُ بنحو ما حكاهُ عنهُ مَعْمر. وقال مالكٌ، والشّافعيِّ: إن مسَحَ ظُهورَهُما دُونَ بُطُونهما، أجْزَأهُ. إلّا أنَّ مالكًا قال: من فعلَ ذلك، يُعيدُ في الوقتِ (٧).

стр. 4006

قال: ومن مسَحَ باطنَ الخُفَّينِ دُونَ ظاهرِهما، لم يُجْزِئه، وكان عليه الإعادةُ في الوقتِ وبعدَهُ عندَ مالكٍ وجميع أصْحابه. إلّا شيئًا رُوي عن أشهبَ، أنَّهُ قال: باطنُ الخُفَّينِ وظاهرُهما سواءٌ، ومن مسَحَ باطنهما دُونَ ظاهرهما، أعادَ في الوقتِ، كمَنْ مسَحَ ظُهورهُما سواءً (١). وقال عبد الله بن نافع: من مسح ظهورهما ولم يمسح بطونهما، أعاد في الوقت وبعده. والمشهورُ من قولِ الشّافعيِّ: أنَّ من مسَحَ ظُهورَهُما، واقتصرَ على ذلكَ أجْزَأهُ، ومن مسَحَ باطنهما دُونَ ظاهِرِهما، لم يُجزِئه، وليسَ بماسح. مثلُ قول مالكٍ سواءً. وله قولٌ آخر مثلَ قولِ أشهبَ: إن مسَحَ بُطونَهُما، ولم يمسَحْ ظُهورَهُما، أجْزَأهُ. والصَّحيحُ في مذهبهِ أنَّ أعْلَى الخُفِّ يُجْزئُ عن أسفلهِ، ولا يُجزئُ مسحُ أسفلهِ. وتمامُ المسح عندَهُ: أن يمسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسفلَهُ. وحُجَّة مالكٍ، والشّافعيِّ في مسح أعْلَى الخُفِّ وأسفلِهِ ما: حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا ثورٌ، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ، عن كاتِبِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن المُغيرةِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ توضَّأ، فمسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسفلَهُ.

стр. 4007

وقال أبو بكرٍ الأثْرَمُ: سألتُ أحمدَ بن حَنْبل، عن هذا الحديثِ، فقال: ذكرتُهُ لعبدِ الرَّحمنِ بن مهدي، فذكَرَ عن ابن المُباركِ، عن ثورٍ، قال: حُدِّثتُ عن رجاءِ بن حَيْوةَ، عن كاتبِ المُغيرةِ، وليسَ فيه المُغيرةُ (١).

стр. 4008

وهذا إفسادٌ لهذا الحديثِ، بما ذكرَ من الإخلالِ في إسْنادهِ. وقد حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، عن ثَوْرِ بن يزيدَ، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ، عن كاتِبِ المُغيرةِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ كانَ يَمْسحُ أعلى الخُفَّينِ وأسفلَهُما (١). وذكر ابن وَهْب، عن أُسامةَ بن زَيْدٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ كان يَمْسحُ أعْلاهُما وأسفلهُما. وحدَّثنا سعيد، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا مُوسَى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا حمّاد بن خالد الخيّاطُ، عن فرج بن فَضالةَ، عن محمد بن الوليدِ، يعني الزُّبيدي (٢)، عن ابن شهاب قال: إنَّما هُما بمَنْزلةِ رِجْليكَ ما لم تَخْلعْهُما. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا

стр. 4009

محمد بن عَمرٍو، عن مُصعبٍ، عن سُفيانَ، عن ابن جُرَيج، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يمسحُ ظُهُورَ خُفَّيهِ وبُطُونهُما (١). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا عَمرو بن عُثمانَ الحِمْصيُّ، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بن مُهاجرٍ، عن أخيهِ عَمرو بن مُهاجرٍ: تضعُ يدكَ اليُمنى على ظاهرِ الخُفِّ، واليُسْرَى على باطنهِ. قيل لابن وضّاح: من كِلْتا رِجْليهِ؟ قال: نعم، تكونُ اليُسرى من تحتِ الخُفِّ في كِلْتَيهما. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ والثَّوريُّ: يمسحُ ظاهرَ الخُفَّينِ، دُونَ باطنهما. وقد قالهُ أحمد بن حَنْبل، وإسحاقَ، وجماعة. وهو قولُ قَيْسِ بن سعدِ بن عُبادَةَ (٢)، وقول الحسنِ البَصْريِّ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، وعطاء بن أبي رباح (٣). وغيرهم. وحُجَّةُ من قال بهذا القولِ: ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا

стр. 4010

أبو السَّوداءِ عَمرو (١) النَّهديُّ، عن ابن عبدِ خَيْرٍ، عن أبيهِ، قال: رأيتُ عليَّ بن أبي طالبٍ يَمْسحُ على ظُهُورِ قَدَميهِ، ويقولُ: لولا أنِّي رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يمسحُ ظُهُورهُما، لَظَننتُ أنَّ بُطُونهُما أحقُّ. قال الحُميديُّ: هذا منسُوخٌ (٢). قال أبو عُمرَ: من أهلِ العِلم من يحمِلُ هذا على المسح على ظُهُورِ الخُفَّينِ، ويقولُ: معنى ذكرِ القَدَمينِ ههنا أن يكونا مُغيَّبينِ في الخُفَّينِ، فهذا هُو المسحُ الذي ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ فِعلُهُ، وأمّا المسحُ على القَدَمينِ، فلا يصِحُّ عنهُ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ. ومن قال: إنَّ هذا الحديث على ظاهِرِهِ، جعلهُ منسُوخًا، بقولِهِ ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ من النّارِ" (٣). وسنذكُرُ أقاويل العُلماءِ في ذلكَ، والحُجَّةَ لهذا القولِ، عندَ ذِكرِ قولِهِ ﷺ : "ويلٌ للأعْقابِ من النّارِ". في مُرسلاتِ مالك إن شاء الله تعالى. والذي تأوَّلتُه في حديثِ علي هذا: أنَّهُ أرادَ بذكرِ القَدَمينِ إذا كانا في الخُفَّينِ، قد جاءَ منصُوصًا من طريق جيِّد. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا حفصُ بن غياثٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ خيرٍ، عن عليٍّ قال: لو كانَ الدِّينُ بالرَّأيِ، لكانَ

стр. 4011

أسفلُ الخُفِّ أوْلَى بالمسح من أعلاهُ، وقد رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يمسحُ على ظاهِرِ خُفَّيهِ. ذكرهُ أبو داود هكذا من وُجُوهٍ. ومن حُجَّةِ من قال بمسح أعْلَى الخُفَّينِ، دُونَ أسفلهما أيضًا: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العبّاسِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبي الزِّنادِ، عن أبي الزِّناد، عن عُروةَ، قال: قال المُغيرةُ بن شُعبةَ: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يَمْسحُ ظَهْري الخُفَّينِ. وهذا أيضًا مُنقطِعٌ، ليسَ فيه حُجَّةٌ (٢). واختلفُوا في توقيتِ المسح على الخُفَّينِ، فقال مالك، واللَّيثُ بن سعدٍ: لا وقتَ للمَسْح على الخُفَّينِ، ومن لَبِسَ خُفَّيهِ وهو طاهرٌ، مسَحَ ما بَدا له. قال مالكٌ، واللَّيثُ: المقيمُ، والمسافرُ في ذلكَ سواءٌ (٣). ورُوي مثل ذلك عن عُمرَ بن الخَطّابِ، وعُقْبةَ بن عامر، وعبد الله بن عُمرَ، والحسنِ البصريِّ (٤).

стр. 4012

روى حمّادُ بن سلمَةَ، عن محمد بن زيادٍ، عن زُيَيْدِ بن الصَّلتِ (١)، قال: سمعتُ عُمرَ: يقول: إذا توضَّأ أحدُكُم، ثمَّ لبِسَ الخُفَّينِ، ثمَّ أحدَثَ، فليَمْسَحْ عليهما إن شاءَ، ولا يَخْلعهُما إلّا من جنابةٍ (٢). قال حمّادُ بن سلمةَ: وحدَّثنا عُبيد الله بن عُمرَ: أنَّ عُمرَ كان لا يجعلُ للمسح على الخُفَّينِ وقتًا. ذكَرَ ابن وَهْب، عن ابن (٣) لهيعةَ، وعَمرو بن الحارثِ، واللَّيثُ، عن (٤) يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن عبدِ الله بن الحَكَم البَلَويِّ، أنَّهُ سمِعَ عُليَّ بن رباح يُخبرُ، عن عُقْبةَ بن عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قدِمتُ على عُمرَ بن الخَطّابِ بفتح من الشّام وعليَّ خُفّانِ، فنظَرَ إليهما، ثمَّ قال: كَمْ لكَ مُنذ لم تَنْزِعهُما؟ قال: فقلتُ: لبِسْتُهما يوم الجُمُعةِ، واليومَ الجُمُعةُ ثمانٍ، قال: أصبتَ (٥). قال ابن وَهْب: وحدَّثنا عبد الجبّار بن عُمر، قال: قلتُ لابن شهابٍ: المسحُ

стр. 4013

على الخُفَّينِ للمُسافرِ ثلاثة أيام بلياليهنَّ، وللمُقيم يومٌ وليلةٌ؟ قال ابن شهابِ: قد طَلَبنا ذلك، فلم نَجِدْ أحدًا يُوقِّت لهما وقتًا. وقال ابن وَهْب: وحدَّثنا عبد الرَّحمنِ بن أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ قال: لا أعلمُ للمُقيم أجَلًا. قال: ابن وَهْب: وحدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن حَفْصٍ، قال: سمعتُ نافعًا مولى ابن عُمرَ، يقول: ليسَ لمَسْح الخُفَّينِ عندنا وقتٌ. قال ابن وَهْب: وسمعتُ مالكًا يقولُ: ليسَ عند أهلِ بلادنا في ذلكَ وقتٌ. قال مالكٌ: يمسحُ عليهما ما لم يَنْزِعهُما. قال: وقال ابن وَهْب: وهذا رأي الذي آخذُ به. ذكر عبد الرَّزّاق (١)، عن عبدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: امْسَحْ على الخُفَّينِ ما لم تَخْلعهُما. لا يُوقِّتُ (٢) وقتًا. قال (٣): وأخبرنا المُعتمرُ بن سُليمانَ، عن أبيهِ، عن الحسنِ، مثله. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، والحسنُ بن حيٍّ، والشّافعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبلَ، وداودُ، والطَّبريُّ: للمُقيم يومٌ وليلة، وللمُسافرِ ثلاثةُ أيام ولياليهنَ (٤). وقد رُوي عن مالكٍ في رسالتِهِ إلى هارُونَ، أو بعضِ الخُلفاءِ، التَّوقيتُ، وأنكَرَ ذلكَ أصحابُهُ (٥).

стр. 4014

ورُوي التَّوقيتُ في المسح عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ كثيرةٍ. منها ما رواهُ شُعبةُ، عن الحَكَم، عن القاسم بن مُخَيمِرةَ، عن شُريح بن هانئ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (١). ومنها حديثُ خُزيمةَ بن ثابِتٍ (٢)، وصَفْوانَ بن عسّالٍ، وأبي بكرةَ، وغيرُهُم. ورَوَى مَعْمر، وغيرهُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن زيدِ بن وَهْبٍ الجُهَنيِّ قال: كُنّا بأذربيجانَ، فكتَبَ إلينا عُمرَ بن الخطّابِ، أن نمسَحَ على الخُفَّينِ ثلاثًا إذا نحنُ سافرنا، وليلةً إذا نحنُ أقَمْنا (٣). وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٤)، عن الثَّوريِّ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن نُباتَةَ الجُعْفيِّ، عن عُمرَ قال: للمُسافرِ ثلاثةُ أيام، وللمُقيم يومٌ وليلةٌ. وذكَرَ ابن أبي شَيْبةَ: حدَّثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن أشْعَثَ (٥)، عن سُويد بن غَفَلة، عن عُمرَ، قال: للمُسافرِ ثلاثة أيام ولياليهنَّ، وللمُقيم يومٌ وليلة. ورُوِيَ عن عُمرَ مثلهُ من وجُوهٍ كثيرةٍ غير هذهِ، فيها ضعفٌ. وذكر عبد الرَّزّاقِ (٦) وغيرُه، عن ابن المباركِ، قال: حدَّثني عاصمُ بن سُليمانَ، عن أبي عُثمانَ قال: حضرتُ سعدًا وابن عُمرَ يَخْتصمانِ إلى عُمرَ في المسح على الخُفَّينِ، فقال عُمرُ: يمسحُ عليهما إلى مثلِ ساعتِهِ من يوم وليلةٍ.

стр. 4015

وثبتَ التَّوقيتُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عبّاسٍ، وحُذيفةَ، وابن مَسْعُودٍ (١)، من وجُوهٍ. وأكثرُ التّابعينَ والفُقهاءِ على ذلك، وهو الاحتياطُ عندي، لأنَّ المسْحَ ثبَتَ بالتَّواترِ. واتَّفقَ عليه أهل السُّنَّةِ والجماعةِ، واطمأنَّتْ النَّفسُ إلى اتِّفاقهم، فلمّا قال أكثرُهم: أنَّهُ لا يجُوز المسحُ للمُقيم أكثرَ من خمسِ صَلَواتٍ، يوم وليلةٍ، ولا يجُوزُ للمُسافرِ أكثرَ من خمسَ عَشْرةَ صلاةً، ثلاثةِ أيام ولياليها، فالواجبُ على العالم أن يُؤدِّي صلاته بيقينٍ، واليقينُ الغَسْلُ، حتّى يُجمعُوا على المسح، ولم يُجمعُوا فوقَ الثَّلاثِ للمُسافرِ، ولا فوقَ اليوم للمُقيم. وقد اختلفَ أهلُ التَّوقيتِ في شيءٍ من حُدودِ التَّوقيتِ، ومُراعاةِ الحَدَثِ، وعددِ الصَّلَواتِ. والذي ذكَرتُ لكَ أوْلَى ما ذهبُوا إليه من ذلكَ، وبالله التَّوفيقِ. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القَطّانَ، عن شُعْبةَ، عن الحَكَم، عن القاسم بن مُخيمِرةَ، عن شُريح بن هانئ، قال: سألتُ عائشةَ عن المَسْح على الخُفَّينِ، فقالت: سَلْ عليَّ بن أبي طالبٍ، فإنَّهُ كانَ يُسافِرُ مع رسُولِ الله ﷺ ، قال: فسألتُ عليًّا، فقال: كانَ رسُولُ الله ﷺ ، يقولُ: "يومٌ وليلةٌ للمُقيم، وثلاثةُ أيام ولياليهِنَّ للمُسافِرِ" (٢).

стр. 4016

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن الثَّوريِّ، عن عَمرِو بن قَيْسٍ، عن الحكم بن عُتيبةَ، عن القاسم بن مُخيمِرةَ، عن شُريح بن هانئ، مِثلهُ سواء، عن النَّبيِّ ﷺ . ورواهُ عن القاسم بن مُخيمِرةَ جماعةٌ. وذكر مَعْمرٌ، عن عاصِم بن أبي النَّجُودِ، عن زِرِّ بن حُبيشٍ، قال: أتيتُ صَفْوانَ بن عسّالٍ المُراديَّ، فقال: ما حاجتُك؟ قلتُ: جِئتُ ابتِغاءَ العِلْم. قال: إنِّي سمِعتُ رسُول الله ﷺ ، يقولُ: "ما من خارج يخرُجُ من بيتِهِ في طَلَبِ العِلم، إلا وَضَعَتْ لهُ الملائكةُ أجْنِحتها رضًا بما يصنعُ". قال: قلتُ: جِئتُ أسألُكَ عن المسح على الخُفَّينِ، قال: نعم، كُنتُ في الجَيْشِ الذي بَعَثهُ رسُولُ الله ﷺ ، فأمَرَنا أن نمسَحَ على الخُفَّينِ، إذا نحنُ أدْخَلناهُما على طهُورٍ، ثلاثًا إذا سافَرْنا، وليلةً إذا أقَمْنا، ولا نَخْلعهُما من غائطٍ، ولا بولٍ، ولا نوم، ولا نَخْلعهُما إلّا من جَنابةٍ" (٢). ورواهُ الثَّوريُّ (٣)، وابنُ عُيينةَ (٤)، وحمّادُ بن زيدٍ (٥)، وحمّادُ بن سلمةَ (٦)، وغيرُهُم، عن عاصم بن أبي النَّجُودِ، بإسنادِهِ مِثله في المسح على الخُفَّينِ مرفُوعًا.

стр. 4017

وحدَّثنا إبراهيمُ بن شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى السّاجيُّ، قال: حدَّثنا بُندارٌ وابنُ المُثنَّى، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا المُهاجِرُ مولى أبي بكرةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرةَ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ وقَّتَ ثلاثًا للمُسافرِ، ويومًا وليلةً للمُقيم في المسح على الخُفَّينِ (١). قال أبو يحيى السّاجيُّ: مُهاجرٌ أبو مَخْلدٍ هذا صدُوق ومعروفٌ، وليسَ قول من قال فيه: مجهُولٌ، بشيءٍ، رَوَى عنه أيُّوبَ السَّختيانيُّ، وعَوْف الأعرابيُّ، وحمادُ بن زيدٍ، وإسماعيلُ بن عُليَّةَ، وعبد الوهّاب الثَّقَفيُّ، وغيرُهم، واحتَجَّ به الشّافعيُّ في توقيتِ المسح على الخُفَّينِ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ المجيدِ، قال: حدَّثنا المُهاجِرُ، وهُو أبو مخلدٍ مولى أبي بكرةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرةَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ أرخَصَ للمُسافِرِ في (٢) ثلاثةَ أيام، وللمُقيم يومًا وليلةً، إذا تَطهَّر ولبِسَ خُفَّيهِ، أن يمسَحَ عليهما (٣).

стр. 4018

وقرأتُ على سعيدِ بن نَصْرٍ، أنّ قاسِمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا منصورٌ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن عَمرِو بن ميمُونٍ الأوديِّ، عن أبي عبدِ الله الجَدَليِّ، عن خُزَيمةَ الأنصاريِّ، قال: رخَّصَ لنا رسُولُ الله ﷺ في المسح على الخُفَّينِ ثلاثةَ أيام ولياليهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا وليلةً للمُقيم، ولو اسْتَزدناهُ زادنا. واختلَفَ الفُقهاء في الخُفِّ المُخَرَّقِ، هل يُمسَحُ عليهِ (٢)؟ فقال مالكٌ وأصحابُهُ: يُمسَحُ إذا كانَ الخَرْقُ يسيرًا، ولم يَظْهر منهُ القَدَمُ، وإن ظهَرَ منه القدمُ لم يُمسَحْ (٣). وقال ابن خُوَيْزمَنْداد: معناهُ: أن يكونَ الخرقُ لا يمنعُ من الانتفاع به، ومن لُبْسهِ، ويكونَ مثلُه يُمشَى فيهِ، ويُنتفعُ بهِ (٤). وبمثلِ قولِ مالك في ذلكَ، قال الثَّوريُّ، واللَّيثُ، والشّافعيُّ، والطَّبريُّ، على اختلافٍ عنهم في ذلكَ. وقد رُوِيَ عن الثَّوريِّ، والطَّبريُّ، إجازَةُ المسح على الخُفِّ المُخَرَّق جُلُّه.

стр. 4019

وأمّا اليسيرُ من الخرقِ، فمُتجاوَزٌ عنهُ عندَ الجُمهورِ منهم، وقد رُوي عن الشّافعيِّ فيه تشديدٌ. قال الشّافعيُّ بمصرَ: إذا كانَ الخرقُ في مُقَدَّم الرِّجلِ، فلا يجُوزُ أن يُمسحَ عليه إذا بَدا منهُ شيءٌ (١). وقال الأوزاعيُّ: يُمسَحُ على الخُفِّ، وعلى ما ظهَرَ من القَدَم. وهو قولُ الطَّبَريِّ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُه (٢): إذا كانَ ما ظهرَ من الرِّجلِ أقَلَّ من ثلاثةِ أصابعَ مسَحَ، ولا يمسَحُ إذا ظَهَرت ثلاثٌ. وقال الحسنُ بن حَيٍّ (٣): يمسحُ على الخُفِّ إذا كان ما ظهَرَ منهُ يُغطِّيهِ الجَوْربُ، فإن ظهَرَ شيءٌ من القدَم لم يمسَحْ. قال أبو عُمر: هذا على مذهبهم في المسح على الجَوْربينِ إذا كانا ثَخِينَيْنِ. وهو قولُ الثَّوريُّ، وأبي يُوسفَ، ومحمدٍ (٤). ولا يَجُوز المسحُ على الجَوْربيِن عندَ (٥) أبي حَنِيفةَ والشّافعيِّ، إلّا أن يكونا مُجلَّدينِ. وهو أحدُ قَوْلي مالكٍ، ولمالكٍ قولٌ آخرُ: أنَّهُ لا يَجُوز المسحُ على الجَوْربينِ، وإن كانا مُجَلَّدين (٦).

стр. 4020

واختُلِفَ فيمن نزعَ خُفَّيهِ وقد مسحَ عليهما، فقال أبو حَنِيفةَ، والشّافعيُّ، وأصحابهما: إذا كان ذلكَ، غسلَ قَدَميهِ (١). وقال مالكٌ واللَّيثُ، مثل ذلكَ، إلّا أنَّهما قالا: إن غَسَلهما مكانَهُ أجزأه، وإن أخَّرَ غَسْلهما، استأنفَ الوضُوءَ (٢). وقال الحسنُ بن حَيٍّ: إذا خلَعَ خُفَّيهِ، أعادَ الوضُوءَ من أوَّلهِ. ولم يُفرِّق بين تراخي الغَسْلِ وغيره (٣). وقال ابن أبي ليلى: إذا نزعَ خُفَّيهِ بعد المسح، صلَّى كما هو، وليسَ عليه غَسْلُ رِجْليهِ، ولا استئنافُ الوضُوءِ. ورُوِيَ عنه: أنَّه يغسلُ رِجْليهِ خاصَّةً. وعن إبراهيمَ النَّخعيِّ في ذلك ثلاثُ رواياتٍ، إحداها: أنَّهُ لا شيءَ عليه، مثلُ قول ابن أبي ليلى، والحسنِ البصريِّ. والثّانيةُ: أنَّهُ يُعيدُ الوضُوءَ، والثّالثةُ: أنَّهُ يغسلُ قَدَميهِ. واختلفُوا فيما إذا غسلَ إحْدَى رِجْليهِ، ثمَّ لبِسَ خُفَّهُ، ثمَّ غسلَ الأُخرى ولبِسَ الخُفَّ الآخرَ، هل يمسحُ عليهما إن أحدَثَ (٤)؟ فقال مالكٌ: لا يَمْسحُ عليهما. وبذلكَ قال الشّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (٥). وحُجَّتهم في ذلكَ قولُ رسُولِ الله ﷺ ، في حديثِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، من رِوايةِ الشَّعبيِّ، عن عُروةَ بن المُغيرةِ، عن المُغيرةِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، قال لهُ حينَ أهْوَى ليَنْزعَ خُفَّيهِ: "دعِ الخُفَّينِ، فإنِّي أدخلتُ القَدَمينِ فيهِما وهُما طاهِرتانِ" (٦).

стр. 4021

وقولُ عُمرَ بن الخطّابِ: إذا أدخلتَ رِجْليكَ في الخُفَّينِ وهُما طاهرتانِ، فامسَحْ عليهما، وإن جئتَ من الغائطِ. قالوا: فلا يمسَحُ على خُفَّيهِ، إلّا من لَبِسهُما بعد تمام طهارتهِ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوريُّ، والمزنيُّ، والطَّبريُّ، وداودُ: يُجْزئهُ أن يمسحَ (١). قالوا: ولا فرقَ بين أن لا يمسَحَ لابسُ خُفَّيهِ حتّى يُتمَّ غسلَ رِجْليهِ، وبين أن يغسلَ رجلًا ويلبسَ فيها خُفًّا، ثمَّ يغسلَ رجلهُ الأُخرى، ويلبسَ الخُفَّ الثّانية، لأنَّ الأمرَ في ذلكَ سواءٌ. قالوا: وقد يُقاسُ بأبعدَ من هذا، وحسبُ كلِّ رِجْلٍ أنَّها لم تُلْبَس الخُفَّ، إلّا وهي طاهرةٌ بطُهرِ الوضُوءِ. وقد أجمعُوا أنَّهُ لو نزَعَ خُفَّه، ثمَّ أعادَها، كان لهُ أن يمسحَ (٢). قال أبو عُمرَ: قد بَقِيت أشياءُ من مسائلِ المسح، لو تَقصَّيناها، خَرَجنا عن شَرْطنا في تأليفنا، وبالله توفيقُنا. وفي هذا الحديث أيضًا من الفقهِ: أنَّهُ من فاتهُ شيءٌ من صلاتِهِ مع الإمام، صلَّى معهُ ما أدركَ، وقَضَى ما فاتهُ. وهذا أمرٌ مُجمعٌ عليه. وفيهِ: أنَّ الرَّجُل العالمَ الخَيِّرَ الفاضلَ، جائزٌ لهُ أن يأتَمَّ في صلاتهِ بمن هو دُونه. وأنَّ إمامةَ المفضولِ جائزةٌ بحَضْرةِ الفاضل، إذا كان المفضُول أهلًا لذلكَ. ولا أعلمُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى خلفَ أحدٍ من أُمَّتهِ، إلّا خلفَ عبد الرَّحمنِ بن عوفٍ، واختُلِفَ في صلاتهِ خلفَ أبي بكرٍ.

стр. 4022

أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (١): حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن محمدٍ، عن عَمرِو بن وَهْبٍ الثَّقفيِّ، قال: كُنّا مع المُغيرةِ بن شُعبةَ، فسُئلَ: هل أمَّ رسُولَ الله ﷺ أحَدٌ من هذه الأُمَّةِ، غير أبي بكر؟ فقال: نعم، كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فلمّا كانَ من السَّحرِ، ضربَ عُنُقَ راحِلتي، فظَنَنتُ أنَّ لهُ حاجةً، فعَدَلتُ معهُ، فانطلقنا حتّى إذا برزنا عن النّاسِ، فنزلَ عن راحِلتِهِ، ثُمَّ انطلقَ فتَغيَّبَ عنِّي، حتّى ما أراهُ، فمكَثَ طويلًا، ثُمَّ جاءَ، فقال: "حاجتَكَ يا مُغيرةُ" قلتُ: ما لي حاجةٌ، فقال: "هل معكَ ماءٌ؟ " فقلتُ: نعم، فقُمتُ إلى قِرْبةٍ، أو سَطِيحةٍ (٢) مُعلَّقةٍ في آخِرِ الرَّحلِ، فأتيتُ بماءٍ، فصَببتُ عليه، فغَسَلَ يديهِ، فأحسنَ غَسْلهُما. قال: وأشُكُّ أقال: أدلكهُما بتُرابٍ أم لا. ثُمَّ غسلَ وجههُ، ثُمَّ ذهَبَ يحسِرُ عن يديهِ، وعليه جُبَّةٌ، شاميَّةٌ ضيِّقةُ الكُمَّينِ، فضاقَتْ، فأخرَجَ يديهِ من تحتِها إخْراجًا، فغسَلَ وجههُ وَيدَيهِ. قال: فيَجِيءُ في هذا الحديثِ غسلُ الوَجْهِ مرَّتينِ، فلا أدري أهكذا أم لا. ثُمَّ مسَحَ بناصيتِهِ، ومسحَ على العِمامَةِ، ومسحَ على الخُفَّينِ، فأدركنا النّاس، وقد أُقيمتِ الصلاةُ، وتَقدَّمهُم

стр. 4023

عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، وقد صلَّى بهِم رَكْعةً، وهُم في الثّانيةِ، فذهَبتُ أُوذِنُهُ، فنَهاني، فصلَّينا الرَّكعةَ التي أدركنا، وقَضَينا الرَّكعةَ التي سَبَقتْنا. حدثنا محمد بن زكريّا، قال: حدَّثنا أحمد بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمد بن خالد، قال: حدَّثنا مَرْوانُ بن عبد الملكِ، قال: حدَّثنا أبو حاتم، قال: حدَّثنا (١) الأصْمَعيُّ، قال: حدَّثنا مُعْتمر بن سُليمانَ، قال: كانَ أبي لا يختَلِفُ عليه في شيءٍ من الدِّينِ، إلّا أخذَ بأشَدِّهِ، إلّا المسحَ على الخُفَّينِ، فإنَّهُ كان يقولُ: هو السُّنَّةُ، واتِّباعها أفضَلُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أبي حسّانٍ، قال: حدَّثنا الفُضيلُ بن عياضٍ، عن المُغيرةِ بن مِقْسَم، عن إبراهيمَ النَّخعيِّ، قال: من تركَ المسحَ على الخُفَّينِ، فقد تركَ سُنَّةَ رسُولِ الله ﷺ ، وإنِّي لأحسِبُ تركَ ذلكَ من فِعْلِ الشَّيطانِ. وذكر ابن أبي شَيْبةَ، قال (٢): أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا المُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: مسَحَ أصحابُ رسُولِ الله ﷺ على الخُفَّينِ، فمن تركَ ذلكَ رَغْبةً عنهُم، فإنَّما هُو من الشَّيطانِ. قال أبو بكر (٣): وأخبرنا جَرِير، عن مُغيرةَ، قال: كان إبراهيم في سفَرٍ، فأتَى عليهم يومٌ حارٌّ، فقال: لولا خلاف السُّنَّةِ، لتركتُ الخُفَّينِ.

стр. 4024

ابن شِهاب، عن رجُل من آلِ خالدِ بن أسِيدٍ حديثٌ واحِدٌ مالكٌ (١)، عن ابن شِهاب، عن رجُلٍ من آل خالدِ بن أسِيدٍ، أنَّهُ سألَ عبدَ الله بن عُمرَ، فقالَ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ إنّا نجِدُ صلاةَ الخوفِ، وصلاةَ الحَضَرِ في القُرآنِ، ولا نجدُ صَلاةَ السَّفرِ؟ فقال ابن عُمرَ: يا ابن أخي، إنَّ الله بعثَ إلينا محمدًا ﷺ ، ولا نعلَمُ شيئًا، فإنَّما نفعلُ كما رأيناهُ يفعَلُ. هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ (٢) عن مالكٍ، ولم يُقِم مالكٌ إسنادَ هذا الحديثِ أيضًا، لأنَّهُ لَمْ يُسمِّ الرَّجُل الذي سألَ ابن عُمر، وأسقَطَ من الإسنادِ رجُلًا، والرَّجُلُ الذي لَمْ يُسمِّهِ، هُو أُميَّةُ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدِ بن أبي العيصِ بن أُميَّةَ بن عبدِ شَمْسِ بن عبدِ مَنافٍ. وهذا الحديثُ يرويهِ ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ (٣) بن أسِيدٍ، عن ابن عُمر. كذلك رواهُ مَعْمرٌ، واللَّيثُ بن سعدٍ، ويونُسُ بن يزيدَ، من غيرِ رِوايةِ ابن وَهْبٍ. وقال ابن وَهْب: عن يُونُسَ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكرٍ، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدٍ (٤). فجعَلَ موضِع عبدِ الله بن أبي بكرٍ: عبد الملكِ بن أبي بكرٍ، فغلِطَ، ووهِمَ.

стр. 4025

ولابنِ شِهاب، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكرٍ غيرُ هذا الحديثِ روى عنهُ، عن أبي هُريرةَ، قولُهُ: إنِّي لأُصلِّي في الثَّوبِ الواحِدِ، وإنَّ ثيابي لعَلَى المِشْجَبِ (١). ورِوايةُ ابن شِهاب، عن أيِّهما (٢) لا تُجهلُ. فأمّا حديثُ مَعْمرٍ، فذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣): أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أُميَّةَ بن عبدِ الله، أنَّهُ قال لابنِ عُمرَ: هذه صلاةُ الخَوْفِ، وصلاةُ الحَضَرِ في القُرآنِ، ولا نَجِدُ صلاةَ المُسافرِ؟ فقال ابن عُمرَ: بعَثَ الله إلينا نبيَّهُ ﵊، ونحنُ أجْفَى النّاسِ، نصنعُ كما صنَعَ رسُولُ الله ﷺ . هكذا في كِتابِ عبدِ الرَّزّاقِ: عبدُ الله بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أُميَّةَ. وإنَّما هُو: عبدُ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله. وهُو من غلطِ الكاتِبِ، واللّه أعلمُ. وإنَّما قُلنا: إنَّ ذلكَ في كِتابِ عبدِ الرَّزّاقِ، لأنَّا وجدناهُ في كِتابِ الدَّبَريِّ وغيرِهِ عنهُ كذلكَ، وكذلكَ ذكَرهُ الذُّهليُّ محمدُ بن يحيى، وقال: لا أدري هذا الوَهْمُ أمنْ مَعْمرٍ جاءَ، أم من عبدِ الرَّزّاقِ؟ قال أبو عُمر: هُو عِندي من كِتابِ عبدِ الرَّزّاقِ، واللّه أعلمُ (٤).

стр. 4026

وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن زبّانَ، قال؛ حَدَّثَنَا محمدُ بن رُمح، قال: أخبرنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: أخبرنا ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، أنَّهُ قال لعبدِ الله بن عُمر: إنّا نَجِدُ صلاةَ الحَضَرِ، وصلاةَ الخَوْفِ في القُرآنِ، ولا نجِدُ صلاةَ السَّفرِ؟ فقال ابن عُمرَ: إنَّ الله تعالى بعَثَ إلينا محمدًا ﷺ ، ونحنُ لا نعلمُ شيئًا، فإنَّما نَفْعلُ كما رأيناهُ يفعلُ (١). وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُطّلِبُ بن شُعيبٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُوُنسُ، عن ابن شِهاب، أنَّ عبد الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ أخبرَهُ، أنَّ (٢) أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ أخبرَهُ: أنَّهُ سألَ عبد الله بن عُمر. فذكرهُ (٣). وذكَرَ النَّيسابُوريُّ قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شَبِيبِ بن سعيدٍ، مولى الحَبَطةِ (٤) قال: حدَّثني أبي، عن يُوُنس، عن ابن شِهابٍ قال: أخبرني عبدُ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، أنَّ أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، أخبرَهُ، أنَّهُ سألَ عبد الله بن عُمرَ. بهذا الخبرِ.

стр. 4027

قال أبو عُمر: أُميَّةُ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، كان عامِلًا لعبدِ الملكِ بن مروانَ على خُراسانَ، ولهُ إخوةٌ كثيرةٌ، ذكرهُم أهلُ النَّسبِ، ومن أعمامِهِ من يُسمَّى أُميَّةَ بن خالدٍ، ولخِالدِ بن أسِيدٍ جدِّهِ بنُونَ كثيرٌ أيضًا، أسنُّهُم عبدُ الرَّحمنِ بن خالدٍ. في هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ، سُنَّةٌ لا فَرِيضةٌ، لأنَّها لا ذِكرَ لها في القُرآنِ، وإنَّما القَصْرُ المذكُورُ في القُرآنِ إذا كان سفَرًا، وخوفًا، واجتمعا جميعًا، قال الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. فلم يُبحِ القَصْرُ إلّا مع هذينِ الشَّرطَيْنِ. ومِثلُهُ في القُرآنِ، قولُهُ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني الحَرائِرَ ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ .... ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فلم يُبح نِكاحُ الإماءِ، إلّا بعدَم الطَّولِ إلى الحُرَّةِ، وخَوْفِ العَنَتِ جميعًا. ثُمَّ قال : ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فأتِمُّوا الصَّلاةَ، فَهذه صلاةُ الحَضَرِ. وقد تقدَّمت صلاةُ الخَوْفِ (١) مع السَّفرِ، وقد نَصَّ عليهما جميعًا القُرآنُ، وقَصَرَ رسُولُ الله ﷺ الصَّلاةَ من أربع، إلى اثنتينِ، إلّا المغرِبَ، في أسفارِه كلِّها، آمنًا لا يخافُ إلّا الله تعالى، فكان ذلكَ منهُ سُنّةً مسنُونةً ﷺ ، زيادةً منهُ في أحكام الله، كسائرِ ما سنَّهُ وبَيَّنهُ، مِمّا ليسَ لهُ في القُرآنِ ذِكرٌ، مِمّا لو ذكَرْنا بعضهُ، لطالَ

стр. 4028

الكِتابُ بذِكرِهِ، وهُو ثابِتٌ عندَ أهلِ العِلم، أشْهَرُ من أن يُحتاج فيه إلى القولِ في غيرِ موضِعِهِ. فحديثُ ابن عُمرَ في هذا البابِ، قولُهُ: إنَّما نَفْعلُ كما رأينا رسُولَ الله ﷺ يفعلُ. مع حديثِ عُمر، حيثُ سألَ رسُول الله ﷺ ، عن القَصْرِ في السَّفرِ، من غيرِ خوفٍ، فقال لهُ: "تِلكَ صَدَقةٌ تصدَّق الله تعالى بها عليكُم، فاقبَلُوا صَدَقتهُ". يدُلّانِ على أنَّ الله قد يُبيحُ في كِتابِهِ الشَّيءَ بشرطٍ، ثُمَّ يُبيحُ ذلكَ الشَّيءَ على لسانِ رسُولِهِ ﷺ بغيرِ ذلكَ الشَّرطِ، أَلَا تَرَى أنَّ القُرآن إنَّما أباحَ القَصْرَ لمن كانَ خائفًا ضارِبًا في الأرضِ، وأباحَهُ رسُولُ الله ﷺ آمنًا. والدَّليلُ على أنَّ قصرَ الصَّلاةِ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ، سُنَّةٌ مسنُونةٌ، مع ما تقدَّمَ من حديثِ هذا البابِ: ما حَدَّثَنَا عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدِ بن بكرٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢): حَدَّثَنَا أحمدُ بن حَنْبل ومُسدَّدٌ، قالا: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جُرَيج، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارٍ، عن عبدِ الله بن بابَيْهِ، عن يعْلَى بن أُميَّةَ قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: إقْصارُ النّاسِ الصَّلاةَ اليومَ، وإنَّما قال الله : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد ذهَبَ ذلكَ، فقال:

стр. 4029

عَجِبتُ مِمّا عجِبت منهُ، فذكرتُ ذلكَ لرسُولِ الله ﷺ ، فقال: "صَدَقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكُم، فاقبلُوا صَدَقتهُ". قال أبو داود (١): وحَدَّثَنَا خُشَيشُ بن أصْرَمَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، عن ابن جُرَيج، فذكَرَ بإسنادِهِ مِثلهُ. قال عليُّ بن المدينيِّ: عبدُ الرَّحمنِ بن أبي عمّارٍ، وعبدُ الله بن بابيهِ، مكِّيّانِ ثِقَتانِ. قال أبو عُمرَ: اختُلِف على عبدِ الرَّزّاقِ في اسم ابن أبي عمّارٍ، فرَوَى عنهُ خُشيشُ بن أصرم، أنَّهُ قال فيهِ، كما قال يحيى بن سعيدٍ القطّانُ: عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارٍ، فيما ذكَرَ أبو داود. وقد رُوي عن عبدِ الرَّزّاقِ، أنَّهُ قال فيه: عن ابن جُرَيج، عن عبدِ الله بن أبي عمَّارٍ (٢). وكذلك (٣) قال فيه محمدُ بن بكرٍ البُرساني (٤)، وأبو عاصم النَّبيلُ (٥)، وحمّادُ بن مسعدةَ (٦)، عن ابن جُرَيج، قال: سمِعتُ عبد الله بن أبي عمّارٍ. وقال فيه ابن إدريس (٧)، وأبو إسحاقَ الفزاريُّ: عن ابن أبي عمّارٍ. لَمْ يقُل: عبدُ الله، ولا عبدُ الرَّحمنِ. ورواهُ الشّافِعيُّ (٨)، عن عبدِ المجيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن ابن جُرَيج، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارٍ. كما قال يحيى القطّانُ.

стр. 4030

وهُو الصَّوابُ إن شاءَ الله لا شكَّ فيهِ، فرَوَى عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارِ (١): ابن جُرَيج وغيرُهُ. وأمّا أبوهُ عبدُ الله بن أبي عمّارٍ (٢)، فرَوَى عنهُ: ابن أبي مُليكةَ، وعِكرِمةُ بن خالدٍ، ويُوسُفُ بن ماهِكٍ (٣)، ويروي هذا: عن عُمرَ بن الخطّابِ، ومُعاذِ بن جَبَل. وأمّا عبدُ الله بن بابَيْهِ (٤)، ويُقالُ: ابن باباهُ، ويُقالُ: ابن بابي، فرَجُلٌ مكِّيٌّ أيضًا، مولى آلِ حُجَيرِ بن أبي إهابٍ، يروى عن: جُبيرِ بن مُطْعِم، وابنِ عُمرَ، وعبدِ الله بن عَمرٍو. روى عنهُ: عَمرُو بن دينارٍ، وأبو الزُّبيرِ، وابنُ أبي نَجِيح (٥). وكلُّهُم ثِقاتٌ (٦). حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ أبو إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَنْظلةَ قال: سألتُ ابنَ عُمرَ عن صلاةِ السَّفرِ، فقال: رَكْعتينِ، فقلتُ: وأين قولُهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحنُ آمنُونَ؟ فقال: سُنّة رسُولِ الله ﷺ (٧).

стр. 4031

فهذا ابن عُمرَ قد أطلَقَ عليها سُنّةً، وكذلكَ قال ابن عبّاسٍ، فأينَ المذهبُ عنهُما؟ حَدَّثَنَا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عُمرَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سَنْجَرٍ، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بن عبدِ الملكِ، عن شُعبةَ، عن قَتادةَ، عن مُوسى بن سَلَمةَ، قال: سألتُ ابن عبّاسٍ قال: قلتُ أكُونُ بمكَّةَ فكيفَ أُصلِّي؟ قال: رَكْعتينِ، سُنَّةَ أبي القاسم ﷺ (١). وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبانٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ. وحَدَّثَنَا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أنبأنا عبدُ الرَّزّاقِ قال (٢): أنبأنا ابن جُرَيج، قال: سألَ حُميدٌ الحِمْيَريُّ (٣) ابن عبّاسٍ، فقال: إنِّي أُسافِرُ، أفأقْصُرُ الصلاةَ في السَّفرِ، أم أُتِمُّها؟ فقال ابن عبّاسٍ: ليسَ بقَصرِها، ولكن (٤) تمامُها، وسُنَّةٌ رسُولِ الله ﷺ ، خرجَ رسُولُ الله ﷺ آمنًا لا يخافُ إلّا الله، فصلَّى ركعتينِ، حتّى رجعَ، ثُمَّ خرج أبو بكرٍ آمنًا لا يخافُ إلّا الله، فصلَّى ركعتينِ حتّى رجَعَ، ثُمَّ خرج عُمرُ آمنًا لا يخافُ إلّا الله، فصلَّى اثْنَتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ فعلَ ذلكَ عُثمانُ ثُلُثي إمارتهِ أو شَطْرَها، ثُمَّ صلّاها أربعًا، ثُمَّ أخذَ بها بنُو أُميَّةَ. قال ابن جُرَيج: وبَلَغني أنَّهُ إنَّما أوفاها عُثمانُ أربعًا بمِنًى فقَطْ، من أجل أنَّ أعرابيًّا ناداهُ في مسجِدِ الخيفِ بمِنًى فقال: يا أميرَ المُومنينَ، ما زِلتُ أُصلِّيَهِما رَكْعتينِ، مُنذُ

стр. 4032

رأيتُكَ عامَ الأوَّلِ. فخَشِيَ عُثمانُ أن يظُنَّ جُهّالُ النّاسِ، أنَّما الصَّلاةُ رَكْعتانِ. قال ابن جُرَيج: وإنَّما أوْفاها بمِنًى فقط. قال عبدُ الرَّزّاقِ (١): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابن عُمر قال: صلَّيتُ مع رسُولِ الله ﷺ بمِنًى ركعتينِ، ومعَ أبي بكرٍ ركعتينِ، ومع عمرَ رَكْعتينِ، ومع عُثمانَ صدرًا من خِلافتِهِ، ثُمَّ صلّاها أرْبَعًا. قال الزُّهْريُّ: فبَلَغني أنَّ عُثمانَ إنَّما صلّاها أربعًا، لأنَّهُ أزْمَعَ أن يَعْتمرَ (٢) بعدَ الحجِّ. قال (٣): وأخبرنا معمرٌ، عن أيُّوبَ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عبّاسٍ قال: كان رسُولُ الله ﷺ يُسافِرُ من المدينةِ إلى مكَّةَ، لا يخافُ إلّا الله، فيُصلِّي ركعتينِ ركعتينِ. قال (٤): وأخبرنا هشامُ بن حسّانَ، عن ابن سِيرينَ، عن ابن عبّاسٍ، مِثلهُ. وقال الأثْرَمُ، عن أحمد بن حَنْبل قال: زَعَمُوا أنَّ عُثمانَ إنَّما أتمَّ في سَفرِهِ، لأنَّهُ تزوَّج بمِنًى، فصلَّى أربعًا. قال: وابنُ عبّاسٍ يقولُ: إذا قدِمتَ على أهلِكَ أو ماشيةٍ لكَ، فأتِمَّ الصَّلاةَ (٥).

стр. 4033

قال: وقال بعضُ النّاسِ: لا، إنَّما صلَّى خلفهُ أعرابيٌّ رَكْعتينِ، فجعَلَ يُصلِّي أبدًا رَكْعتينِ، فبَلَغهُ ذلكَ، فصلَّى أربعًا، ليَعْرِف النّاسُ كيفَ الصَّلاةُ. قال الأثرمُ: وحَدَّثَنَا عفّانُ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عن الزُّهْريِّ: أنَّ عُثْمانَ أتمَّ الصَّلاةَ، لأنَّ الأعرابَ حَجُّوا، فأرادَ أن يُعلِّمهُم أنَّ الصَّلاةَ أربعٌ (١). حَدَّثَنَا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن دُكينٍ، قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن عامِرٍ، عن ابن عبّاسٍ وابنِ عُمرَ قالا: سَنَّ رسُولُ الله ﷺ رَكْعتينِ، وهُما تمامٌ. وقالا: الوِترُ في السَّفرِ من السُّنَّةِ (٢). قال (٣): وحَدَّثَنَا ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ قال: قلتُ لهُ: فيما جُعِلَ القَصْرُ، وقد أمنَ النّاسُ؟ يعني: فما لهم يَقْصُرُونَ آمنين؟ قال: السُّنَّةُ. قلتُ: رُخصةٌ؟ قال: نعم. قال (٤): وقال لي عَمرُو بن دينارٍ: أمّا قولُهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فإنَّما ذلكَ إذا خافُوا، وسنَّ النَّبيُّ ﷺ بعدُ الرَّكعتينِ، فهُما وفاءٌ، وليس بقَصْرٍ.

стр. 4034

فهذا عَطاءُ بن أبي رباح، يُصرِّحُ بأنَّهُما سُنَّةٌ، وعَمرُو بن دينارٍ مِثلُهُ، وكذلك قال القاسِمُ بن محمدٍ. حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن داودَ، قال: حَدَّثَنَا سحنُونٌ، قال: أنبأنا ابن وَهْب، قال: أنبأنا ابن لَهيعةَ، عن بُكَيرِ بن الأشجِّ، عن القاسم بن محمدٍ: أنَّ رجُلًا قال: عَجِبتُ من عائشةَ حينَ كانت تُصلِّي أربعًا في السَّفرِ، ورَسُولُ الله ﷺ يُصلِّي رَكْعتينِ. فقال لهُ القاسِمُ بن محمدٍ: عليكَ بسُنَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، فإن (١) من النّاسِ من لا يُعابُ (٢). قال أبو عُمرَ: قولُ القاسم هذا في عائشةَ، يُشبِهُ قولَ سعيدِ بن المُسيِّب، حيثُ قال: ليسَ من عالِم، ولا شَريفٍ، ولا ذُو فَضْلٍ إلّا وفيه عيبٌ، ولكن من النّاسِ من لا يَنْبغي أن تُذكَر عُيُوبُهُ، ومن كانَ فَضْلُهُ أكثَرَ من نَقْصِهِ، ذهَبَ نَقْصُهُ لفَضْلِهِ (٣). قال أبو عُمرَ: وقد قال قومٌ في إتمام عائشةَ أقاويلَ، ليس منها شيءٌ يُروَى عنها، وإنَّما هي ظُنُون، وتأويلاتٌ، لا يصحبُها دليلٌ. قال ابن شِهاب: تأوَّلَتْ ما تأوَّل عُثمانُ (٤). وهذا ليسَ بجوابٍ مُوعِبٍ، وأضعفُ ما قيل في ذلكَ: إنَّها أُمُّ المُؤمنين، وإنَّ النّاسَ حيثُ كانُوا بَنُوها، وكان مَنازِلُهُم مَنازِلها.

стр. 4035

وهذا أبعَدُ ما قيلَ في ذلكَ من الصَّوابِ، وهل كانت أُمًّا للمُؤمنين، إلّا أنَّها زوجُ أبي المُؤمنين ﷺ ، وهُو الذي سَنَّ القَصْرَ (١) في أسفارِهِ في غَزَواتِهِ، وحَجِّهِ، وعُمَرِهِ ﷺ ، وفي قِراءَةِ أُبيِّ بن كعبٍ ومُصحفِهِ: "النَّبيُّ أوْلَى بالْمُؤْمنينَ منْ أنفُسِهِمْ وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُم" (٢) وهُو أبٌ لهُم" (٣). أخبرني خلفُ بن القاسِم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالح بن عُمرَ المُقرِئُ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن جعفرٍ المُنادي، قال: حَدَّثَنَا العبّاسُ بن محمدِ بن حاتِم الدُّوريُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن مُصعبٍ أبو يزيدَ القطّانُ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ الثَّوريُّ (٤)، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ : ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] قال: كلُّ نبيٍّ أبو أُمَّتِهِ. وذكر الفِريابيُّ، عن سُفيانَ، عن طَلْحةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرأُ هذه الآيةَ: النَّبيُّ أولى بالمُؤمنين من أنفُسِهِم، وهُو أبٌ لهم، وأزواجُهُ أُمَّهاتُهُم (٥). وأخبرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمٌ، قال: حَدَّثَنَا ابن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا مُوسى بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] قال: لَمْ يكُنَّ بناتِهِ، ولكِن نِساءُ أُمَّتِهِ، وكلُّ نبيٍّ هُو أبو أُمَّتِهِ (٦).

стр. 4036

وأحسنُ ما قيلَ في قَصْرِ عائشةَ، وإتمامِها، أنَّها أخذَتْ برُخْصةِ رسُولِ الله ﷺ لتُري النّاس أنَّ الإتمام ليسَ فيه حرجٌ، وإن كانَ غيرُهُ أفضلَ، فإنَّ الله يُحِبُّ أن تُؤتى رُخَصهُ، كما يُحِبُّ أن تُؤتى عَزائمُهُ. ولعلَّها كانت تذهبُ إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ رُخصةٌ، وإباحةٌ، وأنَّ الإتمامَ أفضلُ، فكانت تفعلُ ذلكَ، وهي التي رَوَت عن رسُولِ الله ﷺ : أنَّهُ لَمْ يُخيَّر بينَ أمْرَينِ قطُّ، إلّا اختارَ أيسرَهُما، ما لَمْ يكُن إثمًا (١). فلعلَّها ذهَبَتْ إلى أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمْ يَخْترِ القصرَ في أسفارِهِ، إلّا تَوْسِعةً على أُمَّتِهِ، وأخذًا بأيَسْرِ أمرِ الله. وبنَحْوِ هذا القولِ، ذكَرنا جوابَ عطاءِ بن أبي رباح، فيما تقدَّمَ عنهُ: أنَّ القصرَ سُنَّةٌ، ورُخصةٌ. وهُو الذي روى عن عائشةَ، ما حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حَدَّثَنَا وكيعٌ، قال: حَدَّثَنَا المُغيرةُ بن زيادٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُتِمُّ في سَفرِهِ ويَقْصُرُ. وقد أتمَّ جماعةٌ في السَّفرِ، منهُم: سعدُ بن أبي وقّاصٍ (٣)، وعُثمانُ بن عفّانَ، وعائشةُ. وقد عابَ ابن مسعُودٍ عُثمان بالإتمام وهُو بمنى، ثُمَّ لمّا أقامَ الصَّلاةَ عُثمانُ، مرَّ ابن مسعُودٍ، فصلَّى خلفهُ، فقيل لهُ في ذلكَ، فقال: الخِلافُ شرٌّ. ولو أنَّ القصرَ عِندهُ فَرْضٌ، ما صلَّى خلفَ عُثمان أربعًا.

стр. 4037

أخبرنا أحمدُ بن قاسِم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا طَلْحةُ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: كُلًّا (١) قد فعلَ رسُولُ الله ﷺ ، قد صامَ وأفطَرَ، وأتمَّ وقصرَ في السَّفرِ (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن الجهم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهّابِ، قال: أخبرنا طَلْحةُ بن عَمرٍو، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كلُّ ذلكَ كان يَفْعلُ رسُولُ الله ﷺ ، صامَ وأفطَرَ، وقصَرَ الصلاةَ وأتمَّ. وقد روى زيدٌ العمِّيُّ، وإن لَمْ يَكُن مِمَّن يُحتجُّ به، فإنَّهُ مِمَّن يُسْتظهرُ به، عن أَنَسٍ، قال: كُنّا أصحابَ رسُولِ الله ﷺ نُسافِرُ، فيُتِمُّ بعضُنا، ويقصُرُ بعضُنا، ويَصُومُ بعضُنا، ويُفطِرُ بعضُنا، فلا يَعِيبُ أحدٌ على أحَدٍ (٣). وإن كان زيدٌ العمِّيُّ، وطلحةُ بن عَمرٍو مِمَّن لا يُحتجُّ بهما، فإنَّ الأحاديثَ الثَّابِتةَ، والاعْتِبار بالأُصُولِ، تُصَحِّحُ ما جاءا به، مع فِعْلِ عائشةَ رحِمَها الله تعالى. فإن قال قائلٌ: ما معنى قولِ عائشةَ: فُرِضتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ ركعتينِ في السَّفرِ والحَضَرِ، فزِيدَ في حَلاةِ الحَضَرِ، وأُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ على الفَرِيضةِ الأُولى (٤). قيل لهُ: أمّا ظاهِرُ هذا القَوْلِ، فيدُلُّ على أنَّ الرَّكْعتينِ في السَّفرِ فرضٌ، ولكِنَّ الآثارَ، والنَّظَرَ، والاعْتِبارِ، كلُّ ذلكَ يدُلُّ على غيرِ ما دلَّ عليه ظاهِرُ الحديثِ.

стр. 4038

وسنُبيِّنُ ذلكَ في بابِ صالح بن كَيْسانَ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله تعالى. وقد أوْرَدنا في هذا البابِ ما فيه بيانٌ لمن تَدبَّرَ، وحسبُكَ بتَوْهينِ ظاهِرِ حديثِ عائشةَ، وخُرُوجِهِ عن ظاهِرِهِ، مُخَالفتُها لهُ، وإجماعُ جُمهُورِ فُقهاءِ المُسلِمينَ، أنَّهُ ليسَ بأصلٍ يُعتَبرُ في صلاةِ المُسافِرِ خلفَ المُقيم. ومن الدَّليلِ أيضًا، على أنَّ القصرَ في السَّفرِ سُنَّةٌ وتَوْسِعةٌ، وإن كانَ ما ذكَرْنا في هذا البابِ كافيًا، حديثُ يعلَى بن أُميَّةَ، عن عُمر بن الخطّابِ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالْ حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حَدَّثَنَا عبدُ الله بن إدريسَ، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي عمّارٍ، عن عبدِ الله بن بابَيْهِ، عن يَعْلَى بن أُميَّةَ قال: سألتُ عُمرَ بن الخطّابِ قلتُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد أمنَ النّاسُ؟ فقال: عَجِبتُ مِمّا تَعْجَبُ منهُ، فسألتُ رسُولَ الله ﷺ عن ذلكَ، فقال: "صَدَقةٌ تَصدَّقَ الله بها عليكُم، فاقْبلُوا صَدَقتهُ". وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ القَصْرَ سُنَّةٌ وتَوْسِعةٌ، وكذلكَ قال ابن عُمرَ، وابنُ عبّاسٍ، وعَطاءٌ، وعَمرُو بن دينارٍ، والقاسِمُ بن محمدٍ، كلُّهم قال: سُنَّةٌ مَسْنُونةٌ، ولم يَقُل واحِدٌ منهُم: إنَّها فَرِيضةٌ، وقد ذكرنا الأخبارَ عنهُم فيما تقدَّم من هذا البابِ، فتدبَّر. ومعلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ رُكنٌ عظيمٌ من أرْكانِ الدِّينِ، بل هي (٢) أعظمُ أرْكانِهِ بعد التَّوحيدِ، ومُحالٌ أن يُضافَ إلى أحَدٍ من الصَّحابةِ الذينَ أتمُّوا في أسْفارِهِم،

стр. 4039

وإلى سائرِ السَّلفِ الذين فَعلُوا فِعلهُمْ، أنَّهُم زادُوا في فَرْضِهِم عامِدينَ، ما يُفسِدُ عليهم به فَرْضهُم، هذا ما لا يحِلُّ لمُسلم أن يَتأوَّلهُ عليهم، ولا ينسُبهُ إليهم. وقد حَكَى أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، وأهلِ المدينةِ، في "مُخْتَصَرِهِ" قال: القَصْرُ في السَّفرِ سُنَّةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ. وحسبُك بهذا في مَذْهبِ مالكٍ، مع أنَّهُ لَمْ يختلِفْ قولُهُ: أنَّ من أتمَّ في السَّفرِ يُعيدُ، ما دامَ في الوقتِ. وذلك استِحبابٌ عِند من فهِمَ، لا إيجابٌ. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن عُثمان، قال: حَدَّثَنَا سعدُ (١) بن مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، عن الشّافِعيِّ قال: القَصْرُ في الخَوْفِ مع السَّفرِ بالقُرآنِ والسُّنَّةِ، والقَصْرُ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ بالسُّنَّةِ (٢). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُومنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بن أحمد الورّاقُ، قال: أخبرنا الخَضِرُ بن داود، قال: أخبرنا أبو بكرٍ، يعني الأثرمَ، قال: حَدَّثَنَا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا أبانٌ، قال: حَدَّثَنَا قَتادةُ، عن صَفْوانَ بن مُحرِزٍ المازنيِّ (٣)، أنَّهُ سألَ عبد الله بن عُمرَ عن الصَّلاةِ في السَّفرِ، فقال: رَكْعتانِ، من خالفَ السُّنَّةَ فقد كفَرَ (٤). ورواهُ مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن مُورِّقٍ العِجْليِّ قال: سُئلَ ابن عُمرَ عن صَلاةِ السَّفرِ، فقال: رَكْعتينِ رَكْعتينِ، من خالف السُّنَّةَ كفَرَ (٥).

стр. 4040

قال أبو عُمر: الكُفرُ هاهُنا كُفرُ النِّعمةِ، وليسَ بكُفرٍ ينقُلُ عن المِلَّةِ. كأنَّهُ قال: كفَرَ نِعْمةِ (١) التَّأسِّي التي أنعمَ الله على عِبادِهِ بالنَّبيِّ ﷺ ، ففيه الأُسوةُ الحَسَنةُ في قبُولِ رُخْصتِهِ، كما في امتِثالِ عَزِيمتِهِ ﷺ . والكلامُ في هذا على قَوْلِ المُعتزِلةِ والخَوارج يطُولُ، وليسَ هذا مَوْضِعهُ، لخُرُوجِنا عمّا لهُ قصدنا، وباللّه توفيقُنا. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمن صلَّى أربعًا في السَّفرِ، عامِدًا أو ساهيًا (٢). فقال مالكٌ: من صلَّى في سَفَرٍ تُقصرُ فيه الصَّلاةُ أربعًا، أعادَ في الوقتِ صَلاةَ سَفَرٍ. ولم يُفرِّق بين عامِدٍ وناسٍ. هذه رِوايةُ ابن القاسِم (٣). قال ابن القاسم (٤): ولو رجَعَ إلى بيتِهِ في الوقتِ، لأعادَها أربعًا. قال: ولو أحرمَ مُسافِرٌ، وهُو يَنْوي أربعًا، ثُمَّ بَدا لهُ فَسلَّم من اثْنَتينِ، لَمْ يُجزِهُ. ورَوَى ابن وَهْب، عن مالكٍ، في مُسافِرٍ أمَّ قومًا، فيهِم مُسافِرٌ ومُقيمٌ، فأتمَّ الصَّلاةَ بهِم جاهِلًا. قال: أرَى أن يُعيدُوا الصَّلاةَ جميعًا. وهذا قد يُحتملُ أن تكُون الإعادةُ في الوقتِ. وقال ابن الموّازِ (٥): من صلَّى أربعًا ناسيًا لسفرِهِ، أو لإقْصارِهِ، أو ذاكِرًا لذلكَ، وقال سحنُونٌ: أو جاهِلًا، فليُعِد في الوقتِ، ولو افتتَحَ على ركعتينِ فأتمَّها

стр. 4041

أربعًا تعمُّدًا، أعادها أبدًا، وإن كان سَهْوًا، سجَدَ لسهوِهِ، وأجزأتهُ. وقال سحنُونٌ: بل يُعيدُ لكثرةِ سهوِهُ. وقال محمدٌ: ليسَ هُو سهوٌ مُجتمعٌ عليه. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ: إن قعدَ في اثنتينِ قدرَ التَّشهُّدِ، مَضَتْ صلاتُهُ، وإن لَمْ يَقْعُد، فصلاتُهُ فاسِدةٌ (١). وقال الثَّوريُّ: إذا قعد، في اثْنتينِ لَمْ يُعِد (٢). وقال: حمّادُ بن أبي سُليمانَ: إذا صلَّى أربعًا مُتعمِّدًا أعادَ، وإن كان ساهيًا لَمْ يُعِد" (٣). وقال الحسنُ بن حيٍّ: إذا صلَّى أربعًا مُتعمِّدًا أعادَ، إذا كان ذلكَ منهُ الشَّيءُ اليسيرُ، فإذا طالَ ذلكَ في سفرِهِ وكَثُرَ، لَمْ يُعِد. وقال عُمرُ بن عبدِ العزيزِ: الصَّلاةُ في السَّفرِ رَكْعتانِ حَتْمٌ، لا يصلُحُ غيرُهُما (٤). وقال الأوزاعيُّ: إن قامَ المُسافِرُ لثالثةٍ، وصلّاها، ثمَّ ذِكرٍ، فإنَّهُ يُلغيها، ويسجُدُ سَجْدتي السَّهوِ. وقال الحسنُ البصريُّ، فيمن صلَّى في سِفَرٍ أربعًا مُتعمِّدًا: بئسَ ما صنَعَ، وقَضَت عنهُ. ثُمَّ قال للسّائل: لا أبا لكَ، ترى أصحاب محمدٍ تركُوها، لأنَّها ثَقُلت عليهم. وقال الشّافِعيُّ: القَصْرُ في غيرِ الخوفِ سُنَّةٌ، وأمّا في الخَوْفِ مع السَّفرِ، فبالقُرآنِ والسُّنَّةِ، ومن صلَّى أربعًا، فلا شيءَ عليه، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يُتِمَّ في السَّفرِ رَغْبةً عن السُّنَّةِ، كما لا أُحِبُّ لأحَدٍ نزعَ خُفَّيهِ رَغْبةً عن السُّنَّةِ، وليسَ

стр. 4042

للمُسافِرِ أن يُصلِّي رَكْعتينِ، إلّا أن يَنْوي القَصْرَ مع الإحرام، فإن أحرَمَ، ولم يَنْو القصرَ، كان على أصلِ فَرْضِهِ أربعًا (١). قال أبو عُمر: قولُ الشّافِعيِّ في هذا البابِ، أعدلُ الأقاويلِ إن شاءَ الله، وقولُ مالكٍ قريبٌ منهُ نحوهُ، لأنَّ أمرهُ بالإعادةِ في الوقتِ استِحبابٌ، وكذلكَ قولُ أحمدَ بن حَنْبل في هذا البابِ. قال الأثرمُ: قلتُ لهُ: للرَّجُلِ أن يُصلِّي في السَّفرِ أربعًا؟ قال: لا يُعجِبُني. ثُمَّ قال: السُّنَّةُ رَكْعتانِ (٢). وأمّا قولُ الكُوفيِّين فضعيفٌ لا أصلَ لهُ، إلّا أصلٌ لا يثبُتُ، وقد أوْضَحنا فسادَ أصلِهِم، واعْتِبارهُمُ القُعُود مِقدارَ التَّشهُّدِ في غيرِ هذا الموضِع. ومِمَّا يدُلُّ على ما اخْتَرناهُ، إتمامُ من أتمَّ من الصَّحابةِ، ولم يُنكَرُ ذلكَ عليه، وقد أخبَرَ الله عنهُم أنَّهُم خيرُ أُمَّةٍ أُخرِجت للنّاسِ، يأمُرُون بالمعرُوفِ، وينهَوْنَ عن المُنكرِ (٣)، فما لَمْ يُنكِرُوهُ وأقرُّوهُ، فحقٌّ وصوابٌ. وقُلنا: إنَّ القَصْرَ أوْلَى، لأنَّهُ المشهُورُ من فِعْلِ رسولِ الله ﷺ في سفرِهِ، وهُو فِعلُ أكثرِ الصَّحابةِ والتَّابِعين، فإن تَكُن رُخصةً، ويُسرًا، وتَوْسِعةً، فلا وجهَ للرَّغبةِ عنها، فإنَّ الله قد أحَبَّ أن تُقبَلَ رُخْصتُهُ وصَدَقتُهُ ونأتِيَها، وإن تَكُن فَضِيلةً، فهُو الذي ظَنَنَّا. وكيف كانتِ الحالُ، فامتِثالُ فِعْلِهِ في كلِّ ما أُبِيحَ لنا، أفضلُ إن شاءَ الله، وعلى هذا قال جماعةٌ من أهلِ العِلم: إنَّ المسحَ، أفضلُ من الغَسْلِ، لأنَّهُ كان
следующие страницы →