← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4038–4077 · переход к 4043.

стр. 4038

وسنُبيِّنُ ذلكَ في بابِ صالح بن كَيْسانَ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله تعالى. وقد أوْرَدنا في هذا البابِ ما فيه بيانٌ لمن تَدبَّرَ، وحسبُكَ بتَوْهينِ ظاهِرِ حديثِ عائشةَ، وخُرُوجِهِ عن ظاهِرِهِ، مُخَالفتُها لهُ، وإجماعُ جُمهُورِ فُقهاءِ المُسلِمينَ، أنَّهُ ليسَ بأصلٍ يُعتَبرُ في صلاةِ المُسافِرِ خلفَ المُقيم. ومن الدَّليلِ أيضًا، على أنَّ القصرَ في السَّفرِ سُنَّةٌ وتَوْسِعةٌ، وإن كانَ ما ذكَرْنا في هذا البابِ كافيًا، حديثُ يعلَى بن أُميَّةَ، عن عُمر بن الخطّابِ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالْ حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حَدَّثَنَا عبدُ الله بن إدريسَ، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي عمّارٍ، عن عبدِ الله بن بابَيْهِ، عن يَعْلَى بن أُميَّةَ قال: سألتُ عُمرَ بن الخطّابِ قلتُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد أمنَ النّاسُ؟ فقال: عَجِبتُ مِمّا تَعْجَبُ منهُ، فسألتُ رسُولَ الله ﷺ عن ذلكَ، فقال: "صَدَقةٌ تَصدَّقَ الله بها عليكُم، فاقْبلُوا صَدَقتهُ". وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ القَصْرَ سُنَّةٌ وتَوْسِعةٌ، وكذلكَ قال ابن عُمرَ، وابنُ عبّاسٍ، وعَطاءٌ، وعَمرُو بن دينارٍ، والقاسِمُ بن محمدٍ، كلُّهم قال: سُنَّةٌ مَسْنُونةٌ، ولم يَقُل واحِدٌ منهُم: إنَّها فَرِيضةٌ، وقد ذكرنا الأخبارَ عنهُم فيما تقدَّم من هذا البابِ، فتدبَّر. ومعلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ رُكنٌ عظيمٌ من أرْكانِ الدِّينِ، بل هي (٢) أعظمُ أرْكانِهِ بعد التَّوحيدِ، ومُحالٌ أن يُضافَ إلى أحَدٍ من الصَّحابةِ الذينَ أتمُّوا في أسْفارِهِم،

стр. 4039

وإلى سائرِ السَّلفِ الذين فَعلُوا فِعلهُمْ، أنَّهُم زادُوا في فَرْضِهِم عامِدينَ، ما يُفسِدُ عليهم به فَرْضهُم، هذا ما لا يحِلُّ لمُسلم أن يَتأوَّلهُ عليهم، ولا ينسُبهُ إليهم. وقد حَكَى أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، وأهلِ المدينةِ، في "مُخْتَصَرِهِ" قال: القَصْرُ في السَّفرِ سُنَّةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ. وحسبُك بهذا في مَذْهبِ مالكٍ، مع أنَّهُ لَمْ يختلِفْ قولُهُ: أنَّ من أتمَّ في السَّفرِ يُعيدُ، ما دامَ في الوقتِ. وذلك استِحبابٌ عِند من فهِمَ، لا إيجابٌ. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن عُثمان، قال: حَدَّثَنَا سعدُ (١) بن مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، عن الشّافِعيِّ قال: القَصْرُ في الخَوْفِ مع السَّفرِ بالقُرآنِ والسُّنَّةِ، والقَصْرُ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ بالسُّنَّةِ (٢). أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُومنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بن أحمد الورّاقُ، قال: أخبرنا الخَضِرُ بن داود، قال: أخبرنا أبو بكرٍ، يعني الأثرمَ، قال: حَدَّثَنَا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا أبانٌ، قال: حَدَّثَنَا قَتادةُ، عن صَفْوانَ بن مُحرِزٍ المازنيِّ (٣)، أنَّهُ سألَ عبد الله بن عُمرَ عن الصَّلاةِ في السَّفرِ، فقال: رَكْعتانِ، من خالفَ السُّنَّةَ فقد كفَرَ (٤). ورواهُ مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن مُورِّقٍ العِجْليِّ قال: سُئلَ ابن عُمرَ عن صَلاةِ السَّفرِ، فقال: رَكْعتينِ رَكْعتينِ، من خالف السُّنَّةَ كفَرَ (٥).

стр. 4040

قال أبو عُمر: الكُفرُ هاهُنا كُفرُ النِّعمةِ، وليسَ بكُفرٍ ينقُلُ عن المِلَّةِ. كأنَّهُ قال: كفَرَ نِعْمةِ (١) التَّأسِّي التي أنعمَ الله على عِبادِهِ بالنَّبيِّ ﷺ ، ففيه الأُسوةُ الحَسَنةُ في قبُولِ رُخْصتِهِ، كما في امتِثالِ عَزِيمتِهِ ﷺ . والكلامُ في هذا على قَوْلِ المُعتزِلةِ والخَوارج يطُولُ، وليسَ هذا مَوْضِعهُ، لخُرُوجِنا عمّا لهُ قصدنا، وباللّه توفيقُنا. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمن صلَّى أربعًا في السَّفرِ، عامِدًا أو ساهيًا (٢). فقال مالكٌ: من صلَّى في سَفَرٍ تُقصرُ فيه الصَّلاةُ أربعًا، أعادَ في الوقتِ صَلاةَ سَفَرٍ. ولم يُفرِّق بين عامِدٍ وناسٍ. هذه رِوايةُ ابن القاسِم (٣). قال ابن القاسم (٤): ولو رجَعَ إلى بيتِهِ في الوقتِ، لأعادَها أربعًا. قال: ولو أحرمَ مُسافِرٌ، وهُو يَنْوي أربعًا، ثُمَّ بَدا لهُ فَسلَّم من اثْنَتينِ، لَمْ يُجزِهُ. ورَوَى ابن وَهْب، عن مالكٍ، في مُسافِرٍ أمَّ قومًا، فيهِم مُسافِرٌ ومُقيمٌ، فأتمَّ الصَّلاةَ بهِم جاهِلًا. قال: أرَى أن يُعيدُوا الصَّلاةَ جميعًا. وهذا قد يُحتملُ أن تكُون الإعادةُ في الوقتِ. وقال ابن الموّازِ (٥): من صلَّى أربعًا ناسيًا لسفرِهِ، أو لإقْصارِهِ، أو ذاكِرًا لذلكَ، وقال سحنُونٌ: أو جاهِلًا، فليُعِد في الوقتِ، ولو افتتَحَ على ركعتينِ فأتمَّها

стр. 4041

أربعًا تعمُّدًا، أعادها أبدًا، وإن كان سَهْوًا، سجَدَ لسهوِهِ، وأجزأتهُ. وقال سحنُونٌ: بل يُعيدُ لكثرةِ سهوِهُ. وقال محمدٌ: ليسَ هُو سهوٌ مُجتمعٌ عليه. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ: إن قعدَ في اثنتينِ قدرَ التَّشهُّدِ، مَضَتْ صلاتُهُ، وإن لَمْ يَقْعُد، فصلاتُهُ فاسِدةٌ (١). وقال الثَّوريُّ: إذا قعد، في اثْنتينِ لَمْ يُعِد (٢). وقال: حمّادُ بن أبي سُليمانَ: إذا صلَّى أربعًا مُتعمِّدًا أعادَ، وإن كان ساهيًا لَمْ يُعِد" (٣). وقال الحسنُ بن حيٍّ: إذا صلَّى أربعًا مُتعمِّدًا أعادَ، إذا كان ذلكَ منهُ الشَّيءُ اليسيرُ، فإذا طالَ ذلكَ في سفرِهِ وكَثُرَ، لَمْ يُعِد. وقال عُمرُ بن عبدِ العزيزِ: الصَّلاةُ في السَّفرِ رَكْعتانِ حَتْمٌ، لا يصلُحُ غيرُهُما (٤). وقال الأوزاعيُّ: إن قامَ المُسافِرُ لثالثةٍ، وصلّاها، ثمَّ ذِكرٍ، فإنَّهُ يُلغيها، ويسجُدُ سَجْدتي السَّهوِ. وقال الحسنُ البصريُّ، فيمن صلَّى في سِفَرٍ أربعًا مُتعمِّدًا: بئسَ ما صنَعَ، وقَضَت عنهُ. ثُمَّ قال للسّائل: لا أبا لكَ، ترى أصحاب محمدٍ تركُوها، لأنَّها ثَقُلت عليهم. وقال الشّافِعيُّ: القَصْرُ في غيرِ الخوفِ سُنَّةٌ، وأمّا في الخَوْفِ مع السَّفرِ، فبالقُرآنِ والسُّنَّةِ، ومن صلَّى أربعًا، فلا شيءَ عليه، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يُتِمَّ في السَّفرِ رَغْبةً عن السُّنَّةِ، كما لا أُحِبُّ لأحَدٍ نزعَ خُفَّيهِ رَغْبةً عن السُّنَّةِ، وليسَ

стр. 4042

للمُسافِرِ أن يُصلِّي رَكْعتينِ، إلّا أن يَنْوي القَصْرَ مع الإحرام، فإن أحرَمَ، ولم يَنْو القصرَ، كان على أصلِ فَرْضِهِ أربعًا (١). قال أبو عُمر: قولُ الشّافِعيِّ في هذا البابِ، أعدلُ الأقاويلِ إن شاءَ الله، وقولُ مالكٍ قريبٌ منهُ نحوهُ، لأنَّ أمرهُ بالإعادةِ في الوقتِ استِحبابٌ، وكذلكَ قولُ أحمدَ بن حَنْبل في هذا البابِ. قال الأثرمُ: قلتُ لهُ: للرَّجُلِ أن يُصلِّي في السَّفرِ أربعًا؟ قال: لا يُعجِبُني. ثُمَّ قال: السُّنَّةُ رَكْعتانِ (٢). وأمّا قولُ الكُوفيِّين فضعيفٌ لا أصلَ لهُ، إلّا أصلٌ لا يثبُتُ، وقد أوْضَحنا فسادَ أصلِهِم، واعْتِبارهُمُ القُعُود مِقدارَ التَّشهُّدِ في غيرِ هذا الموضِع. ومِمَّا يدُلُّ على ما اخْتَرناهُ، إتمامُ من أتمَّ من الصَّحابةِ، ولم يُنكَرُ ذلكَ عليه، وقد أخبَرَ الله عنهُم أنَّهُم خيرُ أُمَّةٍ أُخرِجت للنّاسِ، يأمُرُون بالمعرُوفِ، وينهَوْنَ عن المُنكرِ (٣)، فما لَمْ يُنكِرُوهُ وأقرُّوهُ، فحقٌّ وصوابٌ. وقُلنا: إنَّ القَصْرَ أوْلَى، لأنَّهُ المشهُورُ من فِعْلِ رسولِ الله ﷺ في سفرِهِ، وهُو فِعلُ أكثرِ الصَّحابةِ والتَّابِعين، فإن تَكُن رُخصةً، ويُسرًا، وتَوْسِعةً، فلا وجهَ للرَّغبةِ عنها، فإنَّ الله قد أحَبَّ أن تُقبَلَ رُخْصتُهُ وصَدَقتُهُ ونأتِيَها، وإن تَكُن فَضِيلةً، فهُو الذي ظَنَنَّا. وكيف كانتِ الحالُ، فامتِثالُ فِعْلِهِ في كلِّ ما أُبِيحَ لنا، أفضلُ إن شاءَ الله، وعلى هذا قال جماعةٌ من أهلِ العِلم: إنَّ المسحَ، أفضلُ من الغَسْلِ، لأنَّهُ كان

стр. 4043

يمسَحُ ﷺ على خُفَّيهِ، وهُو المُبيِّنُ لعِبادِ الله مُرادَ الله من كِتابِهِ، وهُو الهادي إلَى صِراطٍ مسْتَقيم، صِراطِ الله، ﷺ (١). أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبانَ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ. وأخبرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ قال: لا أعلمُ أحدًا من أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ كان يُوفِّي الصلاةَ في السَّفرِ، إلّا سعدَ بن أبي وقّاصٍ وعائشةَ، فإنَّهُما كانا يُوفِّيانِ الصَّلاةَ في السَّفرِ، ويصُومانِ. قال: وسافَرَ سعدٌ في نفرٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، فأوْفَى سعد الصَّلاةَ وصامَ، وقصَرَ القومُ وأفطرُوا، فقالوا لسَعْدٍ: كيف نُفطِرُ ونقصُرُ الصَّلاةَ، وأنتَ تُتِمُّها وتصومُ؟ فقال: دُونكُم أمركُم، فإنِّي أعلمُ شأني قال: فلم يُحرِّمهُ سعدٌ عليهم، ولم ينههُم عنهُ. قال ابن جُرَيج: فقلتُ لعطاءٍ: فأيُّ ذلكَ أحبُّ إليكَ؟ قال: قَصْرُها، وكلُّ ذلكَ قد فَعَلهُ الصّالِحُون، والأخيارُ. قال عبدُ الرَّزّاقِ (٣): أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ. قال (٤): وأخبرنا الثَّوريُّ، عن عاصم، عن أبي قِلابةَ، أنَّهُ كان يقولُ: إن صلَّيتُ في السَّفرِ أربعًا، فقد صلَّى من لا بأس به، وإن صلَّيتُ رَكْعتينِ، فقد صلَّى من لا بأسَ به.

стр. 4044

واختلف الفُقهاءُ أيضًا في مِقدارِ السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصلاةُ (١). فقال مالكٌ والشّافِعيُّ واللَّيثُ: أربعةُ بُرُدٍ (٢). وهُو قولُ ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمر (٣). قال مالكٌ: ثمانيةٌ وأربعُونَ ميلًا، ومَسِيرةُ يوم وليلةٍ. وهُو قولُ اللَّيثِ. وقال الشّافِعيُّ (٤)؛ سِتَّةٌ وأربعُون ميلًا بالهاشِميِّ، أو يومٌ وليلةٌ. وهُو قولُ الطَّبريِّ. وقال الأوزاعيُّ: اليومُ التَّامُّ. وهذه كلُّها أقاويلُ مُتقارِبةٌ (٥). وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ: لا يَقْصُرُ أحدٌ في أقلَّ من مَسِير ثلاثةِ أيام ولياليها (٦). وقال داودُ: من سافَرَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ أو غَزْوٍ، قصَرَ في قصيرِ السَّفرِ وطويلِهِ، ومن حُجَّتِهِ حديثُ شُعبةَ، عن يزيدَ بن خُميرٍ، عن حَبِيبِ بن عُبيدٍ، عن جُبيرِ بن نُفيرٍ قال: خرجتُ مع شُرَحبيلِ بن السِّمطِ، إلى قَرْيةٍ لهُ، على رأسِ سبعةَ عشرَ، أو ثمانيةَ عشَرَ ميلًا، فصلَّى رَكْعتينِ فقلتُ لهُ، فقال: رأيتُ عُمرَ صلَّى بذي الحُليفةِ رَكْعتينِ، فقلتُ لهُ، فقال: إنَّما أفعلُ كما رأيتُ رسُولَ الله ﷺ فعَلَ (٧).

стр. 4045

واختلفُوا أيضًا فيمن لهُ أن يقصُرَ، فقال مالكٌ: من خرجَ إلى الصَّيدِ مُتلذِّذًا، لَمْ أُحِبَّ لهُ أن يقصُرَ، ومن خرجَ في مَعْصيةٍ، لَمْ يَجُزْ لهُ أن يقصُرَ، ومن كان الصَّيدُ مَعاشَهُ قصرَ (١). وقال الشّافِعيُّ (٢): إن سافر في مَعْصيةٍ فلا يقصُرُ، ولا يمسحُ مسح المُسافِرِ. وهُو قولُ داود والطَّبريِّ. وقال أحمد بن حَنْبل: لا يَقْصُرُ مُسافرٌ إلَّا في حَجٍّ، أو عُمرةٍ، أو غزوٍ (٣). ورواهُ عن ابن مسعُودٍ (٤). وهُو قولُ داود، إلّا أنَّ داود قال: في حجٍّ، أو عُمرةٍ، أو غَزْوٍ. ولأحمد بن حَنْبل قولٌ آخرُ مِثلُ قولِ الشّافِعيِّ: من سافَرَ في غيرِ مَعْصيةٍ قصَرَ ومسَحَ. وقصَرَ عليٌّ ﵁ في خُرُوجِهِ إلى صِفِّين (٥)، وخرج ابن عبّاسٍ إلى مالِهِ بالطّائفِ فقصر الصَّلاةَ (٦). وقال نافِعٌ: كان ابن عُمرَ يُطالِعُ مالهُ بخيبرَ، فتقْصُرُ الصَّلاةَ (٧). وأكثرُ الفُقهاءِ على إباحَةِ القَصْرِ للمُسافِرِ تاجِرًا، وفي أمرٍ أُبيحَ لهُ الخُرُوجُ إليه.

стр. 4046

وكان الأوزاعيُّ يقولُ، في رجُلٍ خرج في بَعْثٍ إلى بعضِ المُسلِمين: يَقْصُرُ، ويُفطِرُ في رمضانَ في مسير ذلكَ، وافق ذلكَ طاعةً أو مَعْصيةً. واختلف أصحابُ داود في ذلكَ، فقال بعضُهُم بقولِهِ: لا قصَرَ إلّا في حجٍّ، أو عُمرةٍ، أو جِهادٍ. وقال بعضُهُم: للعاصي أن يقصُرَ. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ: يقصُرُ المُسافِرُ عاصيًا كان أو مُطيعًا (١). واختلفُوا في مُدَّةِ الإقامَةِ، فقال مالكٌ، والشَّافِعيُّ، والطَّبريُّ، وأبو ثَوْرٍ: إذا نَوَى إقامةَ أربعةِ أيام أتمَّ (٢). وهُو قولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ في رِواية عَطاءٍ الخُراسانيِّ عنهُ (٣). وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّوريُّ: إذا نَوَى إقامةَ خمس عشرةَ يومًا أتمَّ، وإن كان أقلَ قصَرَ (٤). وهُو قولُ ابن عُمر (٥). وقولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ، في رِوايةِ هُشيم، عن داود بن أبي هِندٍ (٦) عنهُ (٧). وقال الأوزاعيُّ (٨): إن نَوَى إقامَةَ ثلاثةَ عشَرَ يومًا أتمَّ، وإن نَوَى أقلَّ، قصَرَ. وعن سعيدِ بن المُسيِّبِ قولٌ ثالِثٌ: إذا أقامَ ثلاثًا أتمَّ (٩).

стр. 4047

وعنِ السَّلفِ في هذه المسألةِ أقاويلُ مُتبايِنةٌ منها: إذا أزمَعَ المُسافِرُ على مُقام اثْنَتي عشرةَ، أتمَّ الصَّلاةَ؛ رواهُ نافِعٌ، عن ابن عُمرَ. قال نافِعٌ: وهُو آخِرُ فِعلِ ابن عُمرَ وقولِهِ (١). وروى عِكْرَمةُ، عن ابن عبّاسٍ قال: أقامَ رسُولُ الله ﷺ تِسعَ عَشْرةَ يقصُرُ الصَّلاةَ، فنحنُ إذا سافَرْنا تِسْعةَ عشَرَ قصرْنا، وإن زِدْنا أتْمَمْنَا (٢). ورُوي عن عليٍّ، وابنِ عبّاسٍ: من أقامَ عشرَ ليالٍ أتمَّ الصَّلاةَ (٣). والطُّرُقُ عنهُما في ذلكَ ضعيفةٌ (٤). وبذلكَ قال محمدُ بن عليٍّ (٥)، والحسنُ بن صالح (٦). ورُوي عن سعيدِ بن جُبيرٍ (٧)، وعبدِ الله بن عُتبةَ: من أقامَ أكثَرَ من خمس عشرةَ أتمَّ. وبه قال اللَّيثُ بن سعدٍ. ورُوي عن الحسنِ: أنَّ المُسافِر يُصلِّي ركعتينِ أبدًا، حتّى يدخُل مِصرًا من الأمصارِ (٨).

стр. 4048

وقال أحمدُ بن حَنْبل: إذا أجمعَ المُسافِرُ مُقامَ إحْدَى وعِشرينَ صَلاةً مكتُوبةً قصَرَ، وإن زادَ على ذلكَ أتمَّ (١). فهذه تِسعةُ أقوالٍ في هذه المسألةِ، وفيها قولٌ عاشِرٌ: أنَّ المُسافِرَ يَقْصُرُ أبدًا حتّى يرجِعَ إلى وطنِهِ، أو ينزِل وطنًا لهُ. ورُوي عن أَنَسٍ: أنَّهُ أقامَ سنتينِ بنيسابُور يَقْصُرُ الصلاةَ (٢). وقال أبو مِجلزٍ: قلتُ لابنِ عُمر: آتي المدينةَ فأُقيمُ بها السَّبعةَ أشهُرٍ والثَّمانيةَ، طالبًا حاجةً؟ فقال: صلِّ ركعتينِ (٣). وقال أبو إسحاق السَّبيعيُّ: أقمنا بسِجِستانَ، ومعنا رِجالٌ من أصحابِ ابن مسعُودٍ سَنَتينِ نُصلِّي ركعتينِ (٤). وأقامَ ابن عُمرَ بأذربيجان سِتَّةَ أشهُرٍ يُصلِّي ركعتينِ ركعتينِ. وكان الثَّلجُ حال بينهُم وبين القُفُولِ (٥). وأقامَ مسرُوقٌ بالسِّلسِلةِ (٦) سنتينِ، وهُو عامِلٌ عليها يُصلِّي ركعتينِ ركعتينِ، حتّى انصرفَ، يلتمِسُ بذلك السُّنَّةَ (٧).

стр. 4049

وذكر يعقوبُ بن شَيْبةَ، قال: حَدَّثَنَا مُعاويةُ بن عُمرو، قال: حَدَّثَنَا زائدةُ، عن منصُورٍ، عن شقيقٍ، قال: خرجتُ مع مسرُوقٍ إلى السِّلسِلةِ حينَ استُعمِلَ عليها، فلم يَزَل يَقصُرُ حتّى بلغَ، ولم يزل يقصُرُ في السِّلسِلةِ حتّى رجَعَ، فقلتُ: يا أبا عائشةَ، ما يحمِلُكَ على هذا؟ قال: اتِّباعُ السُّنَّةِ (١). وقال أبو جمرةَ (٢) نصرُ بن عِمران: قلتُ لابنِ عبّاسٍ: إنّا نُطيلُ المُقامَ بالغزوِ بخُراسانَ، فكيف تَرَى؟ قال: صلِّ رَكْعتينِ، وإن أقمتَ عشرَ سِنينَ (٣). قال أبو عُمرَ: مَحْملُ هذه الأحاديثِ عندَنا، على من لا نيَّةَ لهُ في الإقامة لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المُدَد المتقاربة، وإنما ذلك (٤) مِثلُ أن يقول: أخرُجُ اليومَ، أخرُجُ غدًا، وإذا كانَ هكذا، فلا عَزِيمةَ هاهُنا على الإقامةِ. وقال الأثرمُ: سُئلَ أحمدُ بن حَنْبل، عن حديثِ أَنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقامَ عشرًا يقصُرُ الصَّلاةَ (٥). فقال: قدِمَ النَّبيُّ ﷺ مكَّةَ لصبح رابعةٍ. قال: فرابعةٌ، وخامِسةٌ، وسادِسةٌ، وسابعةٌ، وثامنةٌ يومَ التَّرويةِ، وتاسِعةٌ، وعاشرةٌ. قال: فإنَّما حسَبَ أنسٌ مُقامَهُ بمكَّةَ ومِنًى، لا وجه لحديثِ أَنَسٍ غيرُ هذا. قال أحمدُ: فإذا قدِمَ لصُبح رابعةٍ قصرَ، وما قبل ذلكَ يُتِمُّ. قال: أقام النَّبيُّ ﷺ اليومَ الرّابعَ، والخامِسَ، والسّادِسَ،

стр. 4050

والسّابعَ، وصلَّى الصُّبح بالأبطح في اليوم الثّامنِ، فهذه إحْدَى وعِشرُونَ صلاةً قصَرَ فيها في هذه الأيام، وقد أجمعَ على إقامتِها، فمن أجمَعَ أن يُقيمَ كما أقامَ النَّبيُّ ﷺ قصَرَ، فإن أجمعَ على أكثرَ من ذلكَ أتمَّ. قلتُ لهُ: فلِمَ لا تقصرُ فيما زادَ على ذلكَ؟ قال: لأنَّهُمُ اختلفُوا فنأخُذُ بالاحتياطِ، ونُتِمُّ. قيل لأحمدَ بن حَنْبل: فإذا قال: أخرجُ اليومَ، أخرجُ غدًا، يقصُرُ؟ قال: هذا شيءٌ آخرُ، هذا لَمْ يعزِمْ. قال أبو عُمر: أصحُّ شيءٍ في هذه المسألةِ قولُ مالكٌ، ومن تابَعهُ، والحُجَّةُ في ذلكَ حديثُ العلاءِ بن الحَضرميِّ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ جعلَ للمُهاجِرِ أن يُقيمَ بمكَّةَ ثلاثةَ أيام، ثُمَّ يصدُرُ (١). ومعلُومٌ أنَّ الِهجْرةَ إذا كانت مُفْتَرضةً قبلَ الفتح، كان المُقامُ بمكَّةَ لا يجُوزُ ولا يحِلُّ، فجعَلَ رسُولُ الله ﷺ للمُهاجِرِ ثلاثةَ أيام، لتَقْضيةِ حَوائجِهِ، وتهذيبِ أسبابِهِ، ولم يحكُم لها بحُكم المُقام، ولا جعَلَها في حيِّزِ الإقامةِ، لأنَّها لَمْ تكُن دار مُقام، فإذا لَمْ يكُن كذلكَ، فما زادَ على الثَّلاثةِ أيام إقامةٌ لمن نَواها، وأقلُّ ذلكَ أربعةُ أيام، ومن نَوَى إقامةَ ثلاثةِ أيامٍ فما دُونها، فليسَ بمُقيم، وإن نَوَى ذلكَ، كما أنَّهُ لو نَوَى إقامةَ ساعةٍ أو نحوِها، لَمْ يكُن بساعتِهِ تِلكَ داخِلًا في حُكم المُقيم، ولا في أحوالِهِ. ومن الحُجَّةِ أيضًا في ذلكَ، أنَّ عُمرَ ﵁ حين أجْلَى اليهُودَ، جعل لهم إقامةَ ثلاثةِ أيام في قَضاءِ أُمُورِهِم (٢). وإنَّما نفاهُم عُمرُ، لقولِ رسُولِ الله ﷺ : "لا يَبْقَى دينانِ بأرضِ العربِ" (٣). إلا تَرَى أنَّهُم لا يجُوزُ تركُهُم بأرضِ العربِ

стр. 4051

مُقيمينَ بها، فحينَ نفاهُم عُمرُ، وأمرهُم بالخُرُوج، لَمْ يكُن عِندهُ الثَّلاثةُ أيام إقامةً، وهذا بيِّنٌ لمن لَمْ يُعانِد، ويصدُّهُ عن الحقِّ هواهُ وعماهُ. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حَدَّثَنَا يحيى بن عبدِ الحميدِ (٢)، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ وحفصٌ، عن (٣) عبدِ الرَّحمنِ بن حُميدٍ، قال: سمِعتُ السّائب بن يزيدَ، يُحدِّثُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن العَلاءِ بن الحَضْرميِّ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "يُقيمُ المُهاجِرُ" قال سُفيانُ: "بعدَ نُسُكِهِ ثلاثًا". قال حفصٌ: "بعد الصدَرِ (٤) ثلاثًا". وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٥): حَدَّثَنَا سُفيانُ بن

стр. 4052

عُيينةَ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن السّائبِ بن يزيدَ، عن العَلاءِ بن الحَضْرميِّ إن شاءَ الله: أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "يمكُثُ المُهاجِرُ بمكَّةَ بعد قَضاءِ نُسُكِهِ ثلاثًا". قال عبدُ الله: قال أبي: ما كانَ أشدَّ على ابن عُيينةَ أن يقول: حَدَّثَنَا. واحتجَّ أبو ثورٍ لقولِهِ في هذه المسألةِ بأن قال: لمّا أجمعُوا على ما دُونَ الأربع، أنَّهُ يقصُرُ فيها، واختلفُوا في الأربع فما فوقها، كان عليه أن يُتِمَّ، وذلك أنَّ فرض التَّمام لا يزُولُ باختِلافٍ. واختلفَ الفُقهاءُ أيضًا في المُسافِرِ يدخُلُ في صلاةِ المُقيم (١). فقال مالكٌ: إذا أدركَ منها رَكْعةً، صلَّى صلاةَ المُقيم، وإن لَمْ يُدرِك ركعةً، صلَّى ركعتينِ. وهُو قولُ الزُّهْريِّ، وقتادةَ، وقولُ الحسنِ البصريِّ، وإبراهيم النَّخعيِّ، على اختِلافٍ عنهما (٢) وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأصحابُهُم: يُصلِّي صلاةَ مُقيم، وإن أدركهُ في التَّشهُّدِ. ورُوي ذلكَ عن ابن عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، والحسنِ، وإبراهيمَ، وسعيدِ بن جُبيرٍ، وجابرِ بن زيدٍ، ومكحُولٍ (٣). وهُو قولُ مَعْمرِ بن راشِدٍ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. واختلفُوا أيضًا في مُسافرٍ صلَّى بمُقيمينَ.

стр. 4053

فقال مالكٌ: إذا سلَّم المُسافِرُ، فأحَبُّ إليَّ أن يُقدِّمُوا رَجُلًا يُتِمُّ بهِم، وفي ذلكَ سِعةٌ. وقال الشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، والأوزاعيُّ: يُصلُّونَ فُرادي، ولا يُقدِّمُون أحدًا (١). وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله ﷺ لأهل مكَّةَ: "أتِمُّوا صلاتكُم، فإنّا قومٌ سَفرٌ" (٢). وقد فعلهُ عُمرُ، ولم يأمُر أن يُتِمَّ أحدُهُم بهِم. واختلفُوا أيضًا في المُسافِرِ يؤُمُّ قومًا فيهِم مُسافِرُونَ ومُقيمُونَ، فيُحدِثُ بعد رَكْعةٍ، فيُقدِّمُ مُقيمًا (٣). فقال مالكٌ: يُصلِّي المُقيمُ تمامَ صلاةِ الأوَّلِ، ثُمَّ يُشيرُ إلى من خلفهُ بالجُلُوسِ، ثُمَّ يقومُ وحدهُ فيُتِمُّ صلاتهُ أربعًا، ثُمَّ يقعُدُ، ويتشهَّدُ، ويُسلِّمُ من خلفهُ من المُسافِرينَ، ويقومُ من خلفهُ من المُقيمينَ، فيُتِمُّوا لأنفُسِهِم. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والثَّوريُّ: يُتِمُّ المُسْتخلفُ صلاةَ الأوَّلِ، ثُمَّ يتأخَّرُ، ويُقدِّمُ مُسافِرًا يُسلِّمُ بهِم، فيُسلِّمُ معهُ المُسافِرُون، ويقومُ المُقيمُونَ فيقضُونَ وُحْدانًا. وقال الشّافِعيُّ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ: يُتِمُّون كلُّهُم صلاةَ مُقيم (٤). قال أبو عُمر: مسائلُ السَّفرِ تَكثُرُ جِدًّا، وإنَّما ذكَرْنا منها ما كانَ في معنى حديثنا، وما يُعينُ على فَتْح ما انغلَقَ منها من معناهُ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 4054

ابن شِهاب، عن عَمْرةَ حديثٌ واحِدٌ مُرسلٌ في "المُوطَّأ" ليحيى وحدهُ، وهو غلطٌ منه وهي عَمْرةُ (١) بنتُ عبدِ الرَّحمنِ بن سعدِ بن زُرارةَ الأنصاريِّ. مالكٌ (٢)، عن ابن شِهاب، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمن: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أرادَ أن يَعْتكِفَ، فلمّا انصرَفَ إلى المكانِ الذي أرادَ أن يعتكِفَ فيهِ، وجدَ أخْبَيةً: خِباءَ عائشةَ، وخِباءَ حَفْصةَ، وخِباءَ زَيْنب، فلمّا رآها سألَ عنها، فقيل لهُ: هذا خِباءُ عائشةَ، وحَفْصةَ، وزَيْنب قال رسُولُ الله ﷺ : "آلبِرَّ تقولُونَ بهنَّ؟ " ثُمَّ انصرفَ فلم يَعْتكِفَ، حتّى اعتكفَ عَشْرًا من شوّال. هكذا هذا الحديثُ ليحيى في "المُوطَّأ" عن مالكٍ، عن ابن شِهابٍ. وهُو غلطٌ، وخطأٌ مُفرِطٌ، لَمْ يُتابِعهُ أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" فيه عن ابن شِهاب، وإنَّما هُو في "المُوطَّأ" لمالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ . لا يذكُرُ عَمْرةَ. ومنهُم من يرويهِ، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرةَ. لا يذكُرُ عائشةَ، ومنهُم من يرويهِ، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ. يصِلُهُ ويُسنِدُه (٣). وأمّا رِوايةُ يحيى، عن مالكٍ، عن ابن شِهابٍ. فلم يُتابِعهُ أحدٌ على ذلكَ، وإنَّما هذا الحديثُ لمالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن عَمْرةَ. لا عن ابن شِهاب، عن عمرةَ، كذلكَ رواهُ مالكٌ، وغيرُهُ جماعةٌ (٤) عنهُ، ولا يُعرفُ هذا

стр. 4055

الحديثُ لابنِ شِهاب، لا من حديثِ مالكٍ، ولا من حديثِ غَير من أصحابِ ابن شِهاب، وهُو من حديثِ يحيى بن سعيدٍ محفُوظٌ صحيحٌ مُسندٌ (١). وهذا الحديثُ مِمّا فاتَ يحيى سماعُهُ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" فرواهُ عن زيادِ بن عبدِ الرَّحمنِ، المعرُوفِ بشبطُونٍ، وكان ثِقةً، عن مالكٍ. وكان يحيى بن يحيى قد سمِعَ "المُوطَّأ" منهُ بالأندلُسِ، ومالكٌ يومئذٍ حيٌّ، ثُمَّ رحَلَ فسمِعهُ من مالكٍ، حاشى ورقةً في الاعتِكافِ، لَمْ يسمعها، أو شكَّ في سماعها من مالكٍ، فرواها عن زيادٍ، عن مالكٍ، وفيها هذا الحديثُ، فلا أدري مِمَّن جاءَ هذا الغلطُ في هذا الحديثِ، أمنْ يحيى، أم من زيادٍ؟ ومن أيِّهِما كان ذلكَ، فلم يُتابِعهُ أحدٌ عليه، وهُو حديث مُسندٌ ثابِتٌ، من حديثِ يحيى بن سعيدٍ. ذكرهُ البُخاريُّ (٢)، عن عبدِ الله بن يُوسُف، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ مُسندًا. قال البُخاريُّ (٣): وأخبرنا أبو (٤) النُّعمانُ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النَّبيُّ ﷺ يَعْتكِفُ في العَشْرِ الأواخِرِ من رمضانَ، وكُنتُ أضرِبُ لهُ خِباءً، فيُصلِّي الصُّبحَ، ثُمَّ يدخُلُهُ، فاسْتَأذنت حَفْصةُ عائشةَ أن تَضْرِب خِباءً، فأذِنَتْ لها، فضرَبَتْ خِباءً، فلمّا رأتهُ زَيْنبُ بنتُ جَحْشٍ، ضرَبَتْ خِباءً آخرَ، فلمّا أصبَحَ رسُولُ الله ﷺ رأى الأخْبِيةَ،

стр. 4056

فقال: "ما هذا؟ " فأُخْبِرَ فقال: "آلبِرَّ تُرِدنَ بهِنَّ؟ " فتركَ الاعْتِكافَ ذلكَ الشَّهر، ثُمَّ اعتكفَ عشرًا من شوّالٍ". أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُومنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكر بن داسَةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (١): حَدَّثَنَا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُعاويةَ وَيعْلَى بن عُبيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا أرادَ أن يعتكِفَ صلَّى الفجرَ، ثُمَّ دخلَ مُعْتكفهُ. قالت: وإنَّهُ أرادَ مرَّةً أن يَعْتكِفَ في العَشْرِ الأواخِرِ من رَمَضانَ، قالت (٢): فأمرَ ببِنائهِ، فضُرِبَ، فلمّا رأيتُ ذلكَ، أمرتُ ببِنائي فضُرِبَ، قالت: وأمرَ غيري من أزواج النَّبيِّ ﷺ ببنائها، فضُرِبَ. فلمّا صلَّى الفجرَ نظَرَ إلى الأبنيةِ، فقال: "ما هذا، آلبِرَّ تُرِدنَ؟ " قالت: فأمرَ ببِنائهِ فقوِّض، وأمرَ أزواجُهُ بأبْنِيتِهِنَّ فقوِّضَتْ، ثُمَّ أخَّر الاعتِكافَ إلى العَشْرِ الأُوَلِ من شوّالٍ. ورواهُ الأوزاعيُّ (٣)، ومحمدُ بن إسحاق (٤)، عن يحيى بن سعيدٍ مِثلهُ. وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ، قال (٥): حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال:

стр. 4057

سمِعتُ يحيى بن سعيدٍ يُحدِّثُ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ قالت: أرادَ رسُولُ الله ﷺ أن يَعْتكِفَ العشرَ الأواخِرَ من رمضان، فسمِعتُ بذلكَ، فاستأذنتُهُ، فأذِنَ لي، ثُمَّ استَأذنتهُ حَفْصةُ فأذِنَ لها، ثُمَّ استَأذنتهُ زينبُ، فأذِنَ لها، قالت: وكان رسُولُ الله ﷺ إذا أرادَ أن يعتكِفَ، صلَّى الصُّبحَ، ثُمَّ دخلَ مُعتكفهُ، فلمّا صلَّى الصُّبحَ، رأى في المسجِدِ أربعةَ أبْنِيةٍ، فقال: "لمن هذه؟ " قالوا لعائشةَ، وحَفْصةَ، وزينبَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "آلبِرَّ تُرِدنَ بهذا؟ " فلم يَعْتكِف رسُولُ الله ﷺ تِلكَ العشَرَةَ، واعتكفَ عشرًا من شوّالٍ. ورُبَّما قال سُفيانُ في هذا الحديثِ: "آلبِرَّ تقولُونَ بهِنَّ؟ " قال الحُميديُّ: بناءُ النَّبيِّ ﷺ هُو الرّابعُ. وذكره عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن ابن عُيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، مِثلهُ سواءً إلى قولِهِ: فلمّا صلَّى، إذا هُو بأربعةِ أبْنِيةٍ، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: عائشةَ، وحَفْصةَ، وزينبَ، قال: "آلبِرَّ تقولُونَ بهذا؟ " فرفَعَ بناءَهُ. قالت: فلم يَعْتكِفِ العَشْرَ الأواخِرَ من رمضانَ، واعْتكفَ عَشْرًا من شوّالٍ. وحَدَّثَنَا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عَمرِو بن منصُورٍ. وأخبرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن مسرُورٍ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عيسَى بن مِسْكينٍ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ الله بن سَنْجر الجُرجانيُّ، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى بن عُبيدٍ (٣) قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا أرادَ أن يَعْتكِفَ، صلَّى الصُّبحَ، ثُمَّ دخلَ المكان الذي يُريدُ أن يَعْتكِفَ فيهِ، فأرادَ أن يَعْتكِفَ العشرَ

стр. 4058

الأواخِرَ من رمضانَ، فضُرِبَ لهُ خِباءٌ، وأمَرَتْ عائشةُ، فضُرِب لها خِباءٌ، وأمَرَتْ حفصةُ فضُرِبَ لها خِباءٌ، فلمَّا رأتْ زينبُ خِباءَهُما، أمَرَتْ فضُرِبَ لها خِباءٌ، فلمّا رأى رسُولُ الله ﷺ ذلكَ، قال: "آلبِرَّ تُرِدنَ؟ " فلم يَعْتكِف في رمضانَ، واعتكفَ عشرًا في شوّالٍ (١). هذا الحديثُ أدخلَهُ مالكٌ وغيرُهُ من العُلماءِ في بابِ قَضاءِ الاعْتِكافِ، وهُو أعظمُ ما يُعْتَمدُ عليه من فَقِهَهُ، ومعنى ذلكَ عِندي، واللّهُ أعلمُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان قد نَوَى اعتِكافَ العشرِ الأواخِرِ من رمضانَ، فلمّا رأى ما كَرِههُ من تنافُسِ زينبَ وحَفْصةَ وعائشةَ في ذلكَ، وخَشِيَ عليهِنَّ أن تدخُل نيَّتهُنَّ داخِلةٌ، وما الله أعلمُ به، فانصرفَ، ثُمَّ وفَّى الله بما نَواهُ من فِعلِ البِرِّ، فاعتكفَ عشرًا من شوّالٍ. وفي ذلكَ جَوازُ الاعتِكافِ في غيرِ رمضانَ. وأمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ: "آلبِرَّ يقولونَ بهِنَّ؟ " فيحتَمِلُ، أي: أيظُنُّونَ بهِنَّ البرَّ؟ فأنا أخْشَى عليهِنَّ أن يُرِدنَ الكونَ معي، ولا يُرِدنَ البِرَّ خالِصًا، فكَرِهَ لهُنَّ ذلكَ، وعلى هذا يخرُجُ قولُهُ في غيرِ حديثِ مالكٍ: "آلبِرَّ يُرِدنَ" أو "تُرِدنَ". كأنَّهُ تقريرٌ وتوبيخٌ بلفظِ الاستِفهام، أي: ما أظُنُّهُنَّ يُرِدنَ البِرَّ، أو ليسَ يُرِدنَ البِرَّ، واللّه أعلمُ. وقد يجُوزُ أن يكونَ رسُولُ الله ﷺ كرِهَ لأزْواجِهِ الاعتِكافَ، لشِدَّةِ مُؤنتِهِ، لأنَّ ليلهُ ونَهارهُ سواءٌ.

стр. 4059

قال مالكٌ ﵀: لَمْ يبلُغني أنَّ أبا بكرٍ، ولا عُمرَ، ولا عُثمانَ، ولا ابن المُسيِّبِ، ولا أحدًا من سَلَفِ هذه الأُمَّةِ اعتكفَ، إلّا أبا بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، وذلكَ، واللّهُ أعلمُ، لشِدَّةِ الاعْتِكافِ (١). ولو ذهَبَ ذاهِبٌ، إلى أنَّ الاعْتِكافَ للنِّساءِ مَكْرُوهٌ، بهذا الحديثِ، لكانَ (٢) مذهبًا، ولولا أنَّ ابن عُيَينةَ ذكَرَ فيه أنَّهُنَّ استأذنَّهُ في الاعتِكافِ، لقَطَعتُ بأنَّ الاعتِكافَ للنِّساءِ في المساجِدِ غيرُ جائزٍ، وما أظُنُّ اسْتئذانهُنَّ محفُوظًا، واللّه أعلمُ، ولكِنَّ ابن عُيينةَ حافِظٌ، وقد قال في هذا الحديثِ: سمِعتُ يحيى بن سعيدٍ. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الاعتِكافَ يُلزَمُ بالنِّيَّةِ، مع الدُّخُولِ فيهِ، وإن لَمْ يكُن في حديثِ مالكٍ ذِكرُ دُخُولِهِ ﷺ في ذلكَ الاعتِكافِ الذي قضاهُ؛ لأنَّ في رِوايةِ ابن عُيينةَ وغيرِهِ لهذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ إذا أرادَ أن يعتكِفَ، صلَّى الصُّبحَ، ثُمَّ دخلَ مُعتكفهُ، فلمّا صلَّى الصُّبحَ، يعني في المسجِدِ، وهُو مَوْضِعُ اعْتِكافِهِ، نظرَ فرَأى الأخبيةَ. والاعْتِكافُ إنَّما هُو الإقامةُ في المسجِدِ، فكأنَّهُ، واللّهُ أعلمُ، كان قد شرَعَ في اعْتِكافِهِ، لكونِهِ في موضِع اعتِكافِهِ، مع عَقْدِ نيَّتِهِ على ذلكَ، والنِّيَّةُ هي الأصلُ في الأعمالِ، وعليها تَقَعُ المجازاتُ، فمن هُنا، واللّهُ أعلمُ، قَضى اعتِكافهُ ذلكَ في شوّالٍ ﷺ . وقد ذكر سُنيدٌ، قال: حَدَّثَنَا مُعتمِرُ (٣) بن سُليمان، عن كَهْمَسٍ، عن سعيد (٤) بن ثابِتٍ، في قولِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ... ﴾

стр. 4060

الآيةَ [التوبة: ٧٥]. قال: إنَّما كان شيئًا نَوَوْهُ في أنفُسِهِم، ولم يَتَكَلَّمُوا به، ألم تسمَعْ إلى قولِهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١) [التوبة: ٧٨]. قال: وحَدَّثَنَا مُعتمِرٌ، قال: ركِبتُ البحرَ، فأصابتنا ريحٌ شديدةٌ، فنذَرَ قومٌ معنا نُذُورًا، ونَوَيتُ أنا شيئًا لَمْ أتكلَّم به، فلمّا قَدِمتُ البصرةَ سألتُ أبي (٢) سُليمان التَّيميَّ فقال: يا بُنيَّ فِ (٣) بهِ (٤). فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ النَّبيُّ ﷺ قَضى الاعتِكافَ من أجلِ أنَّهُ كانَ قد نَوَى أن يعملهُ، وإن لَمْ يدخُلْ فيهِ، لأنَّهُ كانَ أوْفَى النّاسِ لربِّهِ بما عاهَدهُ عليه، وأبْدَرهُم إلى طاعتِهِ، فإن كان دخَلَ فيهِ، فالقَضاءُ واجِبٌ عندَ العُلماءِ، لا يختلِفُ في ذلكَ الفُقهاءُ، وإن كان لَمْ يدخُل فيهِ، فالقَضاءُ مُسْتحبٌّ، لمن هذه حالُهُ، عندَ أهلِ العِلم، مندُوبٌ إليه أيضًا، مرغُوبٌ فيهِ. ومن العُلماءِ من أوجَبَ قَضاءَهُ عليه، من أجلِ أنَّهُ كان عقَدَ عليه نيَّتهُ، والوجهُ عندَنا ما ذكَرْنا. ومن جعَلَ على المُعتكِفِ قَضاءَ ما قَطَعهُ من اعتِكافِهِ، قاسهُ على الحجِّ التَّطوُّع يَقْطعُهُ صاحِبُهُ عمدًا أو مغلُوبًا. وسيأتي القولُ في حُكم قَطْع الصَّلاةِ التَّطوُّع، والصِّيام التَّطوُّع، وما للعُلماءِ في ذلكَ من المذاهِبِ، في بابِ مُرسلِ ابن شِهابٍ في هذا الكِتابِ.

стр. 4061

وقدِ احتجَّ بهذا الحديثِ بعضُ من كَرِه للنِّساءِ الاعتِكافَ في المسجِدِ. ذكَرَ الأثرمُ قال: سمِعتُ أحمد بن حَنْبل يُسألُ عن النِّساءِ يَعْتكِفنَ؟ قال: نعَمْ، قدِ اعتكفَ النِّساءُ (١). واختلف الفُقهاءُ في مكانِ اعتِكافِ النِّساءِ (٢)، فقال مالكٌ: تعتكِفُ المرأةُ في مسجِدِ الجماعةِ. ولا يُعجِبُهُ أن تَعْتكِفَ في مسجِدِ بيتِهَا (٣). وقال أبو حنيفةَ: لا تَعْتكِفُ المرأةُ إلّا في مسجِدِ بيتِها، ولا تَعْتكِفُ في مَسْجِدِ الجماعةِ (٤). وقال الثَّوريُّ: اعتِكافُ المرأةِ في بَيْتِها، أفضلُ منهُ في المسجِدِ، لأنَّ صلاتها في بيتِها أفضلُ. وهُو قولُ إبراهيمَ. وقال الشّافِعيُّ: المرأةُ، والعبدُ، والمُسافِرُ يَعْتكِفُونَ حيثُ شاؤُوا، لأنَّهُ لا جُمعةَ عليهم (٥). قال منصُورٌ: يعني من المساجِدِ، لأنَّهُ لا اعتِكافَ عِندهُ إلّا في مَسْجِدٍ. قال أبو عُمرة من حُجَّةِ من أجازَ اعتِكافَ المرأةِ في مَسْجِدِ الجماعةِ، حديثُ ابن عُيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ هذا، لأنَّ فيه: أنَّهُنَّ اسْتَأذنَّهُ في الاعتِكافِ، فأذِنَ لهُنَّ، فضربنَ أخْبِيتَهُنَّ في المسجِدِ، ثُمَّ مَنَعهُنَّ بعدُ لغيرِ المعْنَى الذي أذِنَ لهنَّ من أجلِهِ، واللّه أعلمُ.

стр. 4062

وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: إنَّما جازَ لهنَّ ضربُ أخْبِيتِهِنَّ في المَسْجِدِ للاعتِكافِ، من أجلِ أنَّهُنَّ كُنَّ مع رسُولِ الله ﷺ ، وللنِّساءِ أن يَعْتكِفنَ في المَسجِدِ مع أزْواجِهِنَّ، وكما أنَّ للمرأةِ أن تُسافِر مع زَوْجِها، كذلكَ لها أن تَعْتكِفَ معهُ (١). وقال: من لَمْ يُجِزِ اعْتِكافهُنَّ في المسجِدِ أصلًا، إنَّما تركَ النَّبيُّ ﷺ "الاعتِكافَ، إنكارًا عليهِنَّ. قال: ويدُلُّ على ذلكَ قولُهُ: "آلبِرَّ يُرِدنَ؟ ". قال: وقد قالت عائشةُ: لو رأى رسُولُ الله ﷺ ما أحدَثَ النِّساءُ بعدهُ، لمنعهُنَّ المسجِدَ (٢). ولم يختلِفُوا أنَّ صلاةَ المرأةِ في بَيْتِها، أفضلُ من صَلاتِها في المسجِدِ، فكذلكَ الاعتِكافُ، واللّه أعلمُ. وأمّا قولُهُم في هذا عن يحيى بن سعيدٍ، بإسنادِهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ إذا أرادَ أن يَعْتكِفَ، صلَّى الصُّبحَ، ثُمَّ دخلَ في مُعْتكَفِهِ. فَلا أعلمُ من فُقهاءِ الأمْصارِ من قال به، إلّا الأوزاعيَّ، وقد قال به طائفةٌ من التّابِعينَ، وهُو ثابِتٌ عن النَّبيِّ ﷺ (٣). ذكَرَ الأثرمُ، قال: سمِعتُ أحمد بن حَنْبل يُسألُ عن المُعتكِفِ في أيِّ وَقْتٍ يدخُلُ مُعتكفهُ؟ فقال: يدخُلُهُ قبل غُرُوبِ الشَّمسِ، فيكونُ يَبْتدِئُ ليلتهُ. فقيلَ لهُ: قد رَوَى يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ أُمِّ المُومنين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُصلِّي الفجرَ، ثُمَّ يدخُلُ مُعْتكفهُ. فسكتَ (٤) (٥). قال: وسمِعتُهُ مرَّةً أُخرى يُسألُ عن المُعتكِفِ، في أيِّ وقتٍ يدخُلُ مُعتكفهُ؟ فقال: قد كُنتُ أُحِبُّ لهُ أن يدخُل مُعْتكَفَهُ باللَّيل، حتّى يبيت فيهِ، ويَبْتدِئَ

стр. 4063

ولكِنَّ حديثُ عَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يدخُلُ مُعتكَفَهُ إذا صلَّى الغَداةَ. قيل لهُ: فمتى يخرُجُ؟ قال: يخرُجُ منهُ إلى المُصلَّى. وقدِ اتَّفق مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ على خِلافِ هذا الحديثِ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا في وقتِ دُخُولِ المُعتكِفِ المسجِدَ للاعتكاف (١)، فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم: إذا أوجَبَ على نفسِهِ اعْتِكافُ شَهْرٍ، دخلَ المسجِد قبل غُرُوبِ الشَّمسِ (٢). قال مالكٌ: وكذلكَ من أرادَ أن يعتكِفَ يومًا أو أكثَرَ، دخلَ مُعتكفهُ قبل غُرُوبِ الشَّمسِ من ليلةِ ذلكَ اليوم (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): إذا قال: للّه عليَّ اعتِكافُ يوم، دخلَ قبل طُلُوع الفجرِ، وخرجَ قبل غُرُوبِ الشَّمسِ. خِلافَ قولِهِ في الشَّهرِ. وقال زُفرُ بن الهُذيلِ واللَّيثُ بن سعدٍ (٥): يدخُلُ قبل طُلُوع الفجرِ. والشَّهرُ واليومُ سواءٌ عِندهُم، لا يدخُلُ إلّا قبل طُلُوع الفجرِ. ورُوي مِثلُ ذلكَ عن أبي يُوسُف. قال أبو عُمر: اللَّيالي تَبَعٌ للأيام. وقال الأوزاعيُّ بظاهِرِ حديثِ عائشةَ هذا، قال: يُصلِّي في المسجِدِ الصُّبحَ، ثُمَّ يقومُ إلى مُعتكَفِهِ (٦).

стр. 4064

ولم يذكُر مالكٌ ﵀ في "مُوطَّئه" في حديثِهِ عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، في هذا الحديثِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أرادَ أن يعتكِفَ، صلَّى الصُّبحَ، ثُمَّ دخل مُعتكفهُ. وما أظُنُّهُ تركهُ، واللّهُ أعلمُ، إلّا أنَّهُ رأى النّاسَ على خِلافِهِ. وأجمع مالكٌ (١) وأصحابُهُ، على أنَّ المرأةَ إذا نَذَرتِ اعتِكافَ شَهْرٍ، فمرِضتهُ، أنَّها لا تَقْضيهِ، ولا شيءَ عليها. واختلفُوا إذا حاضتهُ، فقال ابن القاسم: تَقْضيهِ، وتَصِلُ قضاءَها بما اعْتَكفت قبل ذلكَ، فإن لَمْ تفعلِ اسْتَأنفَتْ. وقال محمدُ بن عبدُوسٍ: الفرقُ بين المرَضِ والحَيْضِ، أنَّ المريضةَ تمرضُ الشَّهر كلَّهُ، والحائض لا تحيضُ الشَّهر كلَّهُ، وأقْصَىَ ما تحيضُ منهُ، خَمْسةَ عشر يومًا، فإذا وجَبَ عليها بعضُهُ، وجَبَ كلُّهُ. قال أبو عُمرَ: هذه حُجَّةُ من يُسامِحُ نفسهُ، ويُكلِّمُ من يُقلِّدُهُ، وفسادُها أظهرُ من أن يحتاج إلى الكلام عليها. وقد سوَّى سحنُونٌ بين حُكم الحيضِ والمرضِ، وقال: إنَّما عليها إذا طَهُرت من حَيْضتِها، اعتِكافُ بقيَّةِ المُدَّةِ، إن بَقِيَ منها شيءٌ في المرَضِ والحَيْضِ جميعًا، وما مَضَى فليسَ عليها قَضاؤُهُ (٢). وهُو ظاهِرُ قولِ مالكٍ في "المُوطَّأِ" (٣) وقد قال مالكٌ فيمن نَذرَتْ صومَ يوم بعينِهِ: إنَّها إن مرِضَتْ أو حاضَتْ فأفْطَرَتْ لذلكَ، فلا قضاءَ عليها، فإن أفطرَتْ لغيرِ عُذرٍ، وهي تقْوَى على الصيام، فعليها القَضاءُ. فحُكمُ الاعتِكافِ عِنْدي مِثلُ ذلكَ، وهُو قولُ اللَّيثِ، والشّافِعيِّ، وزُفَر.

стр. 4065

وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "حتّى اعتكَفَ عشرًا من شوّالٍ". ففيه أنَّ الاعْتِكاف في غيرِ رمضانَ جائزٌ، كما هُو في رمضانَ. وهذا ما لا خِلافَ فيهِ، إلّا أنَّ العُلماءَ اختلفُوا في صَوْم المُعتكِفِ، هل هُو واجِبٌ عليه أم لا؟ فقال مالكٌ، والثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ، وأبو حنيفةَ: لا اعتِكافَ إلّا بصوم. وهُو قولُ اللَّيثِ (١). وقال الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وداودُ بن عليٍّ، وابنُ عُليَّةَ: الاعْتِكافُ جائزٌ بغيرِ صوم. وهُو قولُ الحسنِ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وعَطاءِ بن أبي رَباح، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، كلُّهُم قالوا: ليسَ على المُعتكِفِ صَوْمٌ، إلّا أن يُوجِبهُ على نفسِهِ (٢). ورُوي عن ابن مسعُودٍ مِثلُهُ (٣). ورُوي عن عائشةَ: لا اعتِكافَ إلّا بصوم (٤). ولم يُختلَفْ عنها في ذلكَ. واختُلِفَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ، فرُوي عنهُما القَوْلانِ جميعًا، ولم يُختَلَف عن الشَّعبيِّ: أنَّهُ لا اعتِكافَ إلّا بصوم (٥). واختُلِفَ عن النَّخعيِّ، فرُوي عنهُ الوَجْهانِ أيضًا جميعًا. ومن حُجَّةِ من أجازَهُ بغيرِ صَوْم: أنَّ اعتِكافَ رسُولِ الله ﷺ كان في رمضانَ، ومُحَالٌ أن يكونَ صومُ رمضانَ لغيرِ رمضانَ.

стр. 4066

ولو نَوَى المُعتكِفُ في رمضانَ بصومِهِ التَّطوُّع والفرضَ، فسَدَ صومُهُ عندَ مالكٍ، وأصحابِهِ (١). ومعلُولٌ أنَّ ليلَ المُعتكِفِ يَلْزمُهُ فيه من اجْتِنابِ مُباشرةِ النِّساءِ ما يلزمُهُ (٢)، وأنَّ لَيْلهُ داخِلٌ في اعْتِكافِهِ، وليسَ اللَّيلُ بمَوْضِع صَوْم، فكذلكَ نهارُهُ ليسَ (٣) بمُفتقرٍ إلى الصَّوم، فإن صامَ فحَسنٌ (٤) (٥). ومن حُجَّتِهِم أيضًا حديثُ ابن عُمر: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ ﵁ نذَرَ في الجاهِليَّةِ أن يعتكِفَ ليلةً، فأمَرهُ النَّبيُّ ﷺ أن يفِيَ بنَذْرِهِ (٦). ومعلُومٌ أنَّ اللَّيلَ لا صومَ فيهِ. رواهُ عبدُ الله بن بُدَيلٍ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ عُمرَ جعَلَ على نفسِهِ أن يعتكِفَ في الجاهِليَّةِ ليلةً أو يومًا، فسألَ النَّبيَّ ﷺ فقال لهُ: "اعْتَكِفْ، وصُمْ" (٧). والحديثُ الأوَّلُ أصحُّ نَقْلًا عندَ أهلِ الحديثِ.

стр. 4067

وقال الأثْرَمُ: سَمِعتُ أحمد بن حَنْبل يقولُ: الصومُ يجِبُ على المُعتكِفِ. فعاوَدهُ السَّائلُ، فقال: يصومُ، وهُو أكثرُ ما رُوي فيهِ. وقد مَضَى معنى الاعْتِكافِ، وسُننُهُ، وكثيرٌ من أُصُولِ مَسائلهِ، في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، وباللّه التَّوفيقُ. وأمّا وقتُ خُرُوج المُعتكِفِ من اعتِكافِهِ، فسنذكُرُهُ، ونذكُرُ ما للعُلماءِ فيه من الأقاويلِ، في بابِ يزيد بن الهادِ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله تعالى. وقد رُوي في هذا البابِ، عن ابن شِهابٍ حديثٌ غريبٌ. حَدَّثَنَا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عُمرَ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا عُمرُ بن الحسنِ بن عليٍّ الشَّيبانيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن إسماعيل القُرشيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يُوسُف بن محمدِ بن سُوقةَ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن الرَّبيع بن الرُّكينِ بن الرَّبيع بن عَمِيلة (١) الفَزاريِّ، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بن أَنَسٍ، عن ابن شِهاب، عن عليِّ بن حُسينٍ، عن صفيَّةَ بنتِ حُيٍّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُجاوِرُ في المسجدِ، العشرَ الأواخِرَ من رمضانَ. قال أبو الحسنِ: هذا حديثٌ صحيحٌ من حديثِ الزُّهْريِّ (٢)، وهُو غريبٌ من حديثِ مالكٍ، لم نكتبه عن مالك (٣) إلّا بهذا الإسنادِ. قال أبو عُمر: لا يصِحُّ عن مالكٍ.

стр. 4068

ابن شِهاب، عن أبي بكر بن سُليمانَ بن أبي حَثْمَةَ حديثٌ واحِدٌ مُرسلٌ يتَّصِلُ من وُجُوهٍ، ولا يُوقَفُ على اسم أبي بكرٍ هذا. وهُو قُرشيٌّ عَدَويٌّ، يُقالُ في نسبِهِ: أبو بكرِ (١) بن سُليمانَ بن أبي حَثْمَةَ (٢) بن غانِم بن عبدِ الله بن عَوْفِ (٣) بن عَبِيد بن عَوِيج بن عَدِيِّ بن كعبٍ. وهُو من ثِقاتِ التّابِعين بالمدينةِ، مِمَّن لهُ قَدْرٌ، وعِلمٌ بالأنساب، وأيام النّاس.

стр. 4069

وحديثُ مالكٍ (١)، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن سُليمانَ بن أبي حَثْمَةَ قال: بَلَغني أنَّ رسُولَ الله ﷺ ركَعَ رَكعتينِ من إحْدَى صلاتي النَّهارِ، الظَّهرِ، أوِ العَصْرِ، فسلَّمَ من اثْنَتينِ، فقال لهُ ذُو الشِّمالينِ (٢)، رجُلٌ من بني زُهْرَةَ بن كِلاب: أقَصُرتِ الصَّلاةُ يا رسُولَ الله، أم نسيتَ: فقال رسُولُ الله ﷺ : "ما قَصُرتِ، وما نسيتُ". فقال لهُ ذُو اليَدَينِ: قد كَانَ بعضُ ذلكَ يا رسُولَ الله، فأقبَلَ رسُولُ الله ﷺ على النّاسِ، فقال: "أصدَقَ ذُو اليَدينِ؟ " فقالوا: نعَمْ. فأتمَّ رسُولُ الله ﷺ ما بَقِيَ من الصَّلاةِ، ثُمَّ سلَّمَ. مالكٌ (٣)، عن ابن شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وأبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، مِثلُ ذلكَ. هكذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جميع الرُّواةِ، وبهذا الإسنادِ عن ابن شِهابٍ خاصَّةً مُنْقطِعٌ. وهُو في "المُوطَّأ" مُسندٌ مُتَّصِلٌ من طريقٍ قد ذكَرْناها فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا (٤). وأمّا حديثُ ابن شِهاب، فقد وَصَلَهُ الأوزاعيُّ، ومَعْمرٌ، وابنُ جُرَيجٍ، وغيرُهُم من أصحابِ ابن شِهابٍ.

стр. 4070

حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ محمدُ بن الهيثم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن كثيرٍ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ وأبي سَلَمةَ وعُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن أبي هُريرةَ، قال: سلَّمَ رسُولُ الله ﷺ في رَكْعتينِ، فقامَ ابن عبدِ عَمرِو بن فضيلةَ، من خُزاعةَ، حليفٌ لبَني زُهْرةَ، فقال: أقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسُولَ الله أم نَسِيتَ؟ فقال: "كلُّ ذلكَ لَمْ يكُن" ثُمَّ أقبَلَ رسُولُ الله ﷺ على النّاسِ، فقال: "أصدَقَ ذُو اليَدَينِ (١)؟ " قالوا: نعم، فأتمَّ ما بَقِيَ من صَلاتِهِ، ثُمَّ سجَدَ سَجْدَتي السَّهوِ (٢). ورواهُ عبدُ الحميدِ بن حبيبٍ، عن الأوزاعيِّ، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني ابن المُسيِّبِ، وأبو سلمةَ، وعبيدُ (٣) الله بن عبدِ الله، أنَّ رسُولَ الله ﷺ . لَمْ يذكُر أبا هُريرةَ، وقال فيه: فأتمَّ ما بَقِيَ من الصلاةِ، لَمْ يَسْجُدِ السَّجدتينِ اللَّتينِ يُسْجَدانِ في وَهْم الصلاةِ، حينَ ثبَّتهُ النّاسُ (٤). حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن أبي حسّانٍ، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ، فذكرهُ. ورواهُ صالحُ بن كَيْسان، عن ابن شِهاب، أنَّ أبا بكر بن سُليمانَ بن أبي حَثْمَةَ أخبرهُ، أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى رَكْعتينِ ثُمَّ سلَّمَ. وذكر الحديث،

стр. 4071

وفيه: فأتمَّ ما بَقِيَ من صلاتِهِ، ولم يَسْجُدِ السَّجدتينِ اللَّتينِ يُسْجَدانِ إذا شكَّ الرَّجُلُ في صَلاتِهِ حينَ لقَّنهُ النّاسُ. قال صالحٌ: قال ابن شِهاب: وأخْبَرني هذا الخَبَر سعيدُ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ. وأخْبَرنيهِ أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وأبو بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، وعُبيدُ الله بن عبدِ الله (١). ورواهُ ابن إسحاقَ، عن ابن شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وعُرْوةَ بن الزُّبيرِ، وأبي بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمَةَ، قال: كلٌّ حدَّثني بذلكَ، قال: صلَّى رسُولُ الله ﷺ بالنّاسِ الظُّهرَ، فسلَّمَ من اثْنَتينِ. وذكر الحديث. وقال فيه: قال الزُّهْريُّ: ولم يُخبِرني رَجُلٌ منهُم، أنَّ رسُولَ الله ﷺ سجَدَ سَجْدتي السَّهوِ. فكان ابن شِهابٍ يقولُ: إذا عرفَ الرَّجُلُ ما نَسيَ من صلاتِهِ فأتمَّها، فليسَ عليه سُجُودُ سَهْوٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن ابن جُرَيج، قال: حدَّثني ابن شِهابٍ، عن أبي بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمةَ، وأبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عمَّن يَقْتنِعانِ بحديثهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى رَكْعتينِ في صلاةِ العصرِ، أو صلاةِ الظُّهرِ، ثُمَّ سلَّمَ، فقال لهُ ذُو الشِّمَالينِ بن عَبْدِ عَمرٍو: يا نبيَّ الله أقَصُرتِ الصَّلاةُ أم نَسِيتَ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : "لَمْ تَقْصُرْ، ولم أنْسَ". فقال ذُو الشِّمالينِ: بلى يا نبيَّ الله قد كان بعضُ ذلكَ، فالْتَفتَ النَّبيُّ ﷺ إلى النّاسِ، فقال: "أصَدَقَ ذُو اليدينِ؟ " قالوا: نعَمْ يا نَبِيَّ الله، فقامَ النَّبيُّ ﷺ فأتَمَّ الصَّلاةَ حينَ اسْتَيقنَ. قال عبدُ الرَّزّاقِ (٣) قال معمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وأبي بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمةَ، عن أبي هُريرةَ قال: صلَّى النَّبيُّ ﷺ الظُّهْرَ أو العَصْرَ، فسَها في رَكْعتينِ فانصرَفَ، فقال لهُ ذُو الشِّمالينِ بن عبدِ عَمرٍو، وكانَ

стр. 4072

حليفًا لبَني زُهْرةَ: أخُفِّفتِ (١) الصَّلاةُ أم نَسِيتَ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : "ما يقولُ ذُو اليدينِ؟ " فقالوا: صدَقَ يا نبيَّ الله، فأتمَّ بهمُ الرَّكْعتينِ اللَّتينِ نقَصَ. قال الزُّهْريُّ: وكان ذلكَ قبل بدرٍ، ثُمَّ استحكمتِ الأمُورُ بعدُ. هكذا يقولُ ابن شِهاب، أنَّ ذلكَ قبل بَدْرٍ، وأنَّهُ ذُو الشِّمالينِ. وقد ثبَتَ عن أبي هُريرةَ من رِوايةِ مالكٍ، وغيرِهِ من وُجُوهٍ كثيرةٍ، غيرُ ما ذُكِرَ في ذلكَ كلِّهِ. وقد أوْضَحنا ذلكَ كلَّهُ، وشَرَحناهُ، وبَسْطناهُ في بابِ أيُّوبَ، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا. ولم نذكُر في بابِ أيُّوبَ اختِلافِ العُلماءِ في كيفيةِ السَّلام من الصَّلاةِ، ونذكُر هُنا، لقولِهِ في هذا الحديثِ: "فسلَّمَ من اثنتينِ". ولقولِهِ في آخِرِهِ: "فأتمَّ رسُولُ الله ﷺ ما بَقِيَ من الصَّلاةِ، ثُمَّ سلَّمَ". اختلفَ العُلماءُ قديمًا وحديثًا في كيفيَّةِ السَّلام من الصَّلاةِ، واختلَفتِ الآثارُ في ذلكَ أيضًا، واختلفَ أئمَّةُ الفَتْوى بالأمصارِ في وُجُوهِ السَّلام من الصَّلاةِ، وهل هُو من فُرُوضِها، أم لا. فقال مالكٌ وأصحابُهُ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ: يُسلِّمُ المُصلِّي من الصَّلاةِ، نافِلةً كانت أو فَرِيضةً، تَسْليمةً واحِدةً: السَّلامُ عليكُم، ولا يَقُل: ورحمةُ الله (٢). وقال سائرُ أهلِ العِلم: يُسلِّمُ تَسْليمتينِ، الأُولى عن يمينِهِ، يقولُ فيها: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله. ومِمَّن قال بهذا كلِّهِ: سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأصحابُهُ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُ، والحَسَنُ بن حيٍّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبيدٍ، وداودُ بن عليٍّ، وأبو جَعْفرٍ الطَّبريُّ (٣).

стр. 4073

وقال ابن وَهْب، عن مالكٍ: يُسلِّمُ تِلقاءَ وجهِهِ: السَّلامُ عليكُم، بتسليمةٍ واحِدةٍ (١). وقال أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئلَ عن تسليم المُصلِّي وَحْدهُ، فقال: يُسلِّمُ واحِدةً عن يَمينِهِ. فقيل لهُ: وعن يَسارِهِ؟ فقال: ما كانُوا يُسلِّمُون إلّا واحِدةً، وإنَّ من النّاسِ من يَفْعلُهُ. وقال مرَّةً أُخرى: إنَّما حَدَثتِ التَّسليمتانِ من زَمَنِ بني هاشِم. فقال مالكٌ: والمأمُومُ يُسلِّمُ تَسْليمةً عن يمينِهِ، وأُخْرَى عن يسارِهِ، ثُمَّ يرُدُّ على الإمام (٢). ورُوي عن سعيدِ بن المُسيِّبِ مِثلُهُ (٣). وقال عنهُ ابن القاسم: من صلَّى لنَفْسِهِ، يُسلِّمُ عن يمينِهِ ويَسارِهِ. وقال: وأمّا الإمامُ فيُسلِّمُ تَسْليمةً واحِدةً تِلْقاءَ وَجْهِهِ، يَتَيامنُ بها قليلًا (٤). واختلَفَ قولُهُ في مَوْضِع ردِّ المأمُوم على الإمام، فمرَّةً قال: يُسلِّمُ عن يمينِهِ ويَسارِهِ، ثُمَّ يرُدُّ على الإمام. ومرَّةً قال: يرُدُّ على الإمام، بعد أن يُسلِّمَ عن يمينِهِ (٥). قال أبو عُمر: الذي تحصَّلَ من مذهبِ مالكٍ ﵀، أنَّ الإمام يُسلِّمُ واحِدةً تِلْقاءَ وجهِهِ، ويَتَيامنُ بها قليلًا، والمُصلِّي لنَفْسِهِ يُسلِّمُ اثْنَتينِ، والمأمُومُ يُسلِّمُ ثلاثًا، إن كانَ عن يَسارِهِ أحدٌ. وقال اللَّيثُ بن سعْدٍ: أدركتُ الأئمَّةَ والنّاسُ يُسلِّمُونَ تَسْليمةً واحِدةً تِلقاءَ وُجُوهِهِمُ: السَّلامُ عليكُم. وكان اللَّيثُ يَبْدأُ بالرَّدِّ على الإمام، ثُمَّ يُسلِّمُ عن يَمينِهِ، وعن يَسارِهِ (٦).

стр. 4074

قال أبو عُمرَ: روى الدَّراوَرْديُّ، عن مُصعبِ بن ثابِتٍ، عن إسماعيلَ بن محمدٍ، عن عامِرِ بن سَعْدٍ، عن سَعْدٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُسلِّمُ في الصلاةِ تَسْليمةً واحِدةً: السَّلامُ عليكُم (١). وقد وهِمَ فيه الدَّراورديُّ، وإنَّما الحديثُ لمُصعبِ بن ثابِتٍ، عن إسماعيل بن محمدٍ، عن عامِرِ بن سعدٍ، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُسلِّمُ عن يمينِهِ وَيسارِهِ، حتّى يُرى بياضُ خدَّيهِ من هُنا وهنا. هكذا رواهُ ابن المُباركِ (٢) وغيرُهُ، عن مُصعبِ بن ثابِتٍ بإسناد. وأمّا حديثُ عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كانَ يُسلِّمُ تَسْليمةً واحِدةً. فلا يصِحُّ مرفُوعًا؛ لأنَّهُ لم يَرْفعهُ إلّا زُهَير (٣) بن محمدٍ، عن هشام بن عُروةَ (٤). وهُو ضعيفٌ، ضعَّفهُ ابن مَعِينٍ وغيرُهُ.

стр. 4075

وفي التَّسْلِيمتينِ حديثُ ابن مسعُودٍ ثابِتٌ صحيحٌ. رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن الأسْوَدِ، عن أبيهِ وعَلْقمَة (١)، عن عبدِ الله قال: كانَ رسُولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ يُسلِّمُونَ عن أيْمانِهِم، وعن شَمائلِهِم في الصَّلاةِ: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله، السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله (٢). ورواها ابن عُمر (٣) وأبو حُميدٍ السّاعِديُّ (٤)، عن النَّبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: اختلَفَ القائلُونَ بالتَّسْليمتينِ في وُجُوبِهِما فرضًا (٥). فقالت طائفةٌ منهُم: كِلا التَّسْليمتينِ سُنَّةٌ، ومن لم يأتِ بالسَّلام بعدَ أن يَقْعُد مِقْدار التَّشهُّدِ، فقد تمَّت صلاتُهُ. قالوا: وإنَّما السَّلامُ إعْلامٌ بانقِضاءِ الصَّلاةِ وتَمامِها. واحتجُّوا بأنَّ السَّلامَ إذا وُضِع في غيرِ مَوْضِعِهِ، كالكلام، فكذلكَ هُو في آخِرِ الصَّلاةِ.

стр. 4076

ومِمَّن قال ذلكَ: أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والأوزاعيُّ، وأكثرُ أهلِ الكُوفةِ، إلّا الحسن بن حيٍّ، فإنَّهُ أوجبَ التَّسْليمتينِ جميعًا، بقولِهِ ﵇: "تحليلُها التَّسليمُ" (١). ثُمَّ بيَّن بفِعلِهِ كيفَ التَّسليمُ. وقال آخرُونَ، منهُمُ الشّافِعيُّ: التَّسليمةُ الأُولى يخرُجُ بها من صلاتِهِ واجِبةٌ، والأُخرى سُنَّةٌ (٢). ومن حُجَّتِهِ، قولُهُ ﷺ : "تحليلُها التَّسليمُ". والتَّسْليمةُ الواحِدةُ يَقَعُ عليها اسمُ تسليم، وهذه أيضًا حُجَّةُ من قال بالتَّسليمةِ الواحِدةِ، وبالله التَّوفيقِ. وقال الثَّوريُّ: إذا كُنتَ إمامًا فسلِّم عن يَمينِكَ وعن يسارِكَ: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله، فإن كُنتَ غير إمام، فإذا سلَّمَ الإمامُ، فسلِّم عن يمينِكَ وعن يسارِك، تَنْوي به الملائكةَ، ومن معكَ من المُسلِمينَ (٣). وقال الشّافِعيُّ: نأمُرُ كلَّ مُصلٍّ أن يُسلِّمَ عن يمينِهِ وعن يَسارِهِ، إمامًا كانَ أو مُنفرِدًا أو مأمُومًا، ويقولُ في كلِّ واحِدةٍ منهُما: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله، وينوي بالأُولى من عن يَمينِهِ، وبالثّانيةِ من عن يَسارر، وينوي المأمُومُ الإمام بالتَّسليمةِ التي إلى ناحيتِهِ في اليمينِ أو في المسارِ. قال: ولو اقْتَصرَ على تسليمةٍ واحِدةٍ، لم يكُن عليه إعادةٌ (٤).

стр. 4077

ابن شِهاب، عن ابن السَّبّاقِ حديثٌ واحِدٌ مُرسلٌ ابن السَّبّاقِ هذا عُبيدٌ (١)، روى عنهُ ابن شِهاب، وابنُهُ سعيدُ بن عُبيدِ بن السَّبّاقِ، وهُو من ثِقاتِ التّابِعين بالمدينةِ، ومن أشْرافِهِم، من بني عبدِ الدّارِ بن قُصيٍّ، ولم يذكُرهُ أهلُ النَّسبِ، وللسَّبّاقِ بن عبدِ الدّارِ بن قُصيٍّ: عوفٌ، وعُبيدٌ، وعَمِيلة، وعبدُ الله. قال الزُّبيرُ: بغى بعضُهُم على بعضٍ، فهَلَكُوا وانْقَرضُوا. قال: وهُم أوَّلُ من بَغَى بمكَّةَ، فتفانوا في البَغْيِ، ولم يَبْق منهُم إلّا قليلٌ. قال: وصارَ بعضُ بني السَّبّاقِ في عَكٍّ. ولم يذكُرِ ابن شِهابٍ هذا.
следующие страницы →